— Bagian 23 · لنجاد ما يخط فيه كتابه، أو المرزق بكلامه، والمصغ… —
Bagian 23
لنجاد ما يخط فيه كتابه، أو المرزق بكلامه، والمصغرين قدر أسمائه وأسماء ملائكته ورسله، وتبيان أحكامه وحدوده وبالله التوفيق. وأيضًا فإن الكتاب كلما كان
أكبر كان من الضياع أبعد، لأن كل أحد لا يقدر حمله ولا كتمانه، فمن التيه بالمصحف أن يتخذ منه ما يحمي بنفسه، فيكون القلب عليم آمن، وإلى بقائه أسكن، ومن المساهلة فيه وترك الحفل به، فيكون عرضة للأيدي المخاطبة، وذوي الأمانات المحيلة الناقصة. ولن يغفل هذا أحد بما عنده إلا إذا قل مقداره عنده، وخف على قلبه أمره، وما ينبغي أن يكون هذا حال المصحف عند من يؤتمن بما فيه وبالله العصمة. وأما أفراد المصحف بالقرآن وتجريده عما سواه، فلأن النبي ﷺ كان يأمر بإثبات ما ينزل من القرآن، فلم يحفظ أنه أمر بإثبات آيات السور أو العواشر، أو الوقوف. وأمر أبو بكر بجمع القرآن من اللحافة والعشب، وقطع الادم، ونقل عنها إلى مصحف. كما كان حفظ عن رسول الله ﷺ من ترتيب الآيات والسور، ثم اتخذ عثمان ﵁ من ذلك المصحف مصاحف، وبعث بها إلى الأمصار. فلم يعرف أنه أثبت في المصحف الأول، ولا فيما نسخ منه شيء سوى القرآن. وكذلك ينبغي أن يعمل في كتابة كل مصحف. ومن كتب مصحفًا، فينبغي أن يحافظ على الهجاء الذي كتبوا به تلك المصاحف ولا يخالفهم فيه ولا يغير ما كتبوه شيئًا. فإنهم كانوا أكثر علمًا وأصدق قلبًا ولسانًا، وأعظم أمانة منا، فلا ينبغي لنا أن نظن بأنفسنا استدراكًا عليهم ولا سقطًا لهم.
فيه ولا يغير ما كتبوه شيئًا. فإنهم كانوا أكثر علمًا وأصدق قلبًا ولسانًا، وأعظم أمانة منا، فلا ينبغي لنا أن نظن بأنفسنا استدراكًا عليهم ولا سقطًا لهم. وأيضًا فإن من إجلال القرآن أن لا يخلط به في المصحف المنسوب إليه، المشرف باسمه غيره. ألا ترى أنه لا يجوز أن تضم صحيفة شعر إلى صحيفة قرآن في جلد واحد. فهذا من ذاك أشد، وبالمنع منه أحق، وأيضًا فإن غير القرآن، إذا كتب آيات القرآن لم يؤمن - لم تلبيس في الجاهل - فيرى أنه منه، فوجب الاحتراز من ذاك بتجريد القرآن، وإن كان عند من يترخص في هذا لأنه يعتصم من التباس ذلك بأن يكتب عدد الآيات والسجدات والعواشر بالذهب، والقرآن بالحبر. فليعلم أن من أشد الخرق وأسوأ الأدب أن يكتب كلام الله تعالى بالحبر. وعدد الآيات بماء الذهب. وإن ماء الذهب أغلى من الحبر، فلو جاز أن يضم إلى القرآن في المصحف غيره وحسن ذلك، لكان القرآن بأن يكتب بماء الذهب وعدد الآيات بالحبر أولى. فإذا كان لا يفعل فخلافه بأن يترك ولا يفعل أحق وأولى والله أعلم.
وأما النقط فليس فيها من الكراهية ما في عدد الآيات، لأن النقط ليست بمقروءة؛ فيتوهم لأجلها ما ليس بقرآن قرآنًا. وإنما هي دلالات على هيئة المقروء فلا يضر إثباتها لمن يحتاج إليها والله أعلم. وأما تنوير موضع القراءة، فلأنها مواضع تشهدها الملائكة، فمن الحق أن ينور ويطيب. ألا ترى أنه لا ينبغي للقارئ أن يكون قد أكل ثومًا أو بصلاً أو كراتًا لئلا ينادي به الملك، فكذلك لا ينبغي إذا قرأ في بيت أو مسجد أن يدعه مظلمًا فعلا، بل ينوره ويطيبه. فإن النور أحسن من الظلمة، والطيب خير من التفل، ومن أكرم كل أخ أو صديق نزل عند أحد أن لا يترك البيت على عينه مظلمًا، فالملائكة بذلك أولى وأحق والله أعلم. وأما الإنصات للقراءة، فإنه يؤمر به من ليس بقارئ، لأن الله ﷿ يقول:﴾ وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا ﴿. ولأن غير القرآن ليس معادلاً للقرآن فيزاحم به ألا ترى أن واحدًا من أكبر الناس لا يحب ولا يرضى أن يقرأ كتابه على قومه، ومن يحب يده فلا ينصتوا له، فكيف يرضى الله ﷻ من عباده أن يقرأ كتابه بمشهدهم. وهو خطاب منه عز اسمه لهم فلا ينصتوا له.
ولا يرضى أن يقرأ كتابه على قومه، ومن يحب يده فلا ينصتوا له، فكيف يرضى الله ﷻ من عباده أن يقرأ كتابه بمشهدهم. وهو خطاب منه عز اسمه لهم فلا ينصتوا له. وأما تعظيم أهل القرآن فقد وردت فيه أخبار: روى عن رسول الله ﷺ: قال (أهل القرآن هم أهل الله وخاصته). وعنه ﷺ: (إن الله كريم يحب الكرم، وجواد يحب الجود، ويحب معالي الأخلاق، ويكره إسفافها. وإن من تعظيم إجلال الله أن يكرم الإمام العادل، وأن يكرم ذو السنة في الإسلام، وأن يكرم حامل القرآن إذا كان لا يخفوا عنه ولا يعلو فيه. وعنه ﷺ قال في قتلى أحد: (احفروا واوسعوا واضربوا وادفنوا الاثنين والثلاثة في القبر، وقدموا أكثرهم قرانًا). وعنه ﷺ أنه أرسل سرية فاستقرأهم، وقرأ شيخ
ثم قرأ شاب فاستعمله على السرية. فقال الشيخ: يا رسول الله استعملته علي وأنا أكبر منه؟ فقال: (أنه أكثر منك قرآنًا). وروى أن عمر ﵁ أراد مكة، فتلقى أمرها نافع بن علقمة، فقال له: من استخلف؟ فقال: ابن افري فقال عمر ﵁: تستخلف رجلاً من الموالي على أصحاب رسول الله ﷺ، ما حملك على ذلك؟ فقال: يا أمير المؤمنين: لم أخلف رجلاً اقرأ للقرآن وأعلم بالسنة منه. وعلمت أن الأنصار يأتونها، فأحببت أن يصدروا عن قراءة رجل وعلمه بالسنة. فقال عمر: نعم ما رأيت. قال عمر ﵁ أن الله رفع بالقرآن رجالا، ووضع بالقرآن رجالا، وإن ابن اقري ممن رفعه الله بالقرآن. وكتب عمر بن عبد العزيز إلى عماله: لا تستعينوا علي بشيء من أعمالي إلا أهل القرآن، فكتبوا إليه: استعملنا أهل القرآن فوجدناهم خاصة. فكتب إليهم لا تستعملوا إلا القرآن فإنه أن لم يكن عند أهل القرآن خير، فغيرهم أحرى أن لا يكون عندهم خير. وقال الحسن: ثلاثة يوسع الله عليهم في المجلس: ذو الشبيبة في الإسلام، وحامل القرآن، والإمام المقسط، وقد ذكرته مرفوعًا، وبالله التوفيق.
العشرون من شعب الإيمان وهو باب في الطهارات قال رسول الله ﷺ: (الطهور شطر الإيمان) وجاء عنه ﷺ قال: (الوضوء نصف الإيمان، والصوم نصف الصبر، وسبحان الله نصف الميزان، والحمد لله تملأ الميزان، والله أكبر تملأ ما بين السماء والأرض).
يمان) وجاء عنه ﷺ قال: (الوضوء نصف الإيمان، والصوم نصف الصبر، وسبحان الله نصف الميزان، والحمد لله تملأ الميزان، والله أكبر تملأ ما بين السماء والأرض). وقال يحيي بن آدم: الوضوء نصف الإيمان، لأن الله جل ثناؤه سمى الصلاة إيمانًا، فقال:﴾ وما كان الله ليضيع إيمانكم ﴿يعني صلاتكم إلى بيت المقدس. ولا تجوز الصلاة إلا بوضوء، فهما شيئان، كل واحد منهما نصف للآخر. وجاء عن النبي ﷺ أنه قال: (سددوا وقاربوا واعلموا أن خير خير أعمالكم الصلاة، ولا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن). وفي رواية أخرى قال رسول الله ﷺ: (استقيموا ولن تحصوا، واعلموا أن أفضل أعمالكم الصلاة، ولا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن). فثبت بهذه الأخبار أن الوضوء إحدى شعب الإيمان. وله من الفضل أن الله تعالى خص هذه الأمة به. قال رسول الله ﷺ لما سألوه: كيف تعرف أمتك يعنون يوم القيامة فقال: (لو أن رجلاً كانت له خيل غر محجلة بين ظهراني خيل بهم أما كان يعرفها: قالوا: بلى. قال: فأنتم تأتوني يوم القيامة غرًا محجلين من أثر الوضوء، وأنا أفرطهم على الحوض).
ومنه ما جاء من تكفير الذنوب، قال رسول الله ﷺ: (إن العبد إذا غسل وجهه حط الله عنه خطيئة أصابها بوجهه، فإذا غسل ذراعيه كان ذلك، فإذا مسح رأسه كان ذلك، فإذا طهر قدميه كان ذلك). فصل
قال رسول الله ﷺ: (إن العبد إذا غسل وجهه حط الله عنه خطيئة أصابها بوجهه، فإذا غسل ذراعيه كان ذلك، فإذا مسح رأسه كان ذلك، فإذا طهر قدميه كان ذلك). فصل وأصل الوضوء ما روى أن النبي ﷺ في أول ما أوحى إليه (استعلى له جبريل ﷺ وهو بأعلى مكة من قبل حراء فوضع يده على رأسه وفؤاده وبين كتفيه، فقال: لا تخف، أنا جبريل، فأجلسه معه على مجلس كريم، وبشره برسالات الله ﷿ حتى اطمأن النبي ﷺ إلى جبريل ﵇. قال: اقرأ: قال: كيف اقرأ؟ قال:﴾ اقرأ باسم ربك الذي خلق، خلق الإنسان من علق، اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم ﴿وأبدى له جبريل نفسه، له جناحان من ياقوت يخطفان البصر. ففتح عينًا من ماء فتوضأ ومحمد ﷺ ينظر إليه. فوضأ وجهه ويديه إلى المرفقين، ومسح برأسه ورجليه إلى الكعبين، وسجد سجدتين مواجهة البيت. ففعل محمد ﷺ كما رأى جبريل يفعل. وقبل رسالة ربه صلوات الله عليهما، واتبع الذي نزل به جبريل من عند رب العرش العظيم). وقد روى هذا الحديث مختصرًا ومستمعًا كما رويته. فكان رسول الله ﷺ إنما علمه الوضوء وأمر به لأجل السجود، فلما أمر بالصلاة التي يتكرر فيها السجود لم يخف عليه أن السجود وحده إذا كان لا يجوز بغير الوضوء، فهو مع اغبار له كثيرة، أولى أن لا يجوز بغير الوضوء. فكان هو ﷺ، والمسلمون معه يتوضأون للصلاة من حيث شرعت الصلاة. فلما نزل قوله ﷿:﴾ يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق، وامسحوا بروءسكم وأرجلكم إلى الكعبين ﴿. لم يكن المراد به شرع الوضوء، وإنما كان المراد به شرع التيمم. فذكر الوضوء والغسل
ا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق، وامسحوا بروءسكم وأرجلكم إلى الكعبين ﴿. لم يكن المراد به شرع الوضوء، وإنما كان المراد به شرع التيمم. فذكر الوضوء والغسل
معًا وهما مشروعان معلومان، ثم عطف عليهم ذكر من لم يقدر عليهما إما لمرض أو لعدم ماء فأتيح له التيمم. وقد يجوز أن يكون المراد بها فرض غسل الرجلين في قراءة من قرأ "وأرجلكم" بالنصب، وإقرار المسح على الخفين بدلاً عن الغسل، كما كان من قبل بدلاً من المسح لا ما روينا في حديث بدء الوضوء مسح الرأس والرجلين. وثبت أن المسح على الخفين كان مشروعًا قبل نزول المائدة، فصح أنه كان حينئذ بدلاً من مسح الرجلين. فلما فرض غسلهما لم يتبدل حكم المسح بل أقر على حاله والله أعلم. فصل فقد ظهر أن فرض الوضوء غسل الوجه واليدين ومسح الرأس وغسل الرجلين. وهذا هو الذي استقر بالكتاب، ودل الكتاب على أن الغسل بالماء، ثم آيات الله ﷿ بقوله:﴾ وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين ﴿. والنبي ﷺ قال: (إنما الأعمال بالنيات) أن الوضوء لا يعتقد عبادة إلا بنية. وزاد رسول الله ﷺ في الوضوء نوافل سنها بأمر الله ﷿: فمنها غسل اليدين قبل إدخالهما الإناء. ومنها تسمية الله ﷿ عند هذا الغسل. ومنها المضمضة والاستنشاق قبل غسل الوجه من كف واحد. ومنها استيعاب الرأس بالمسح. ومنها مسح الأذنين وإدخال الإصبعين في الصماخين. فإما تخليل أصابع الرجلين فإنه احتياط يستيقن المتوضئ أن الماء قد وصل إلى بطون الأصابع. وإنما تكرير هذه الأعمال ثلاثًا ثلاثًا فيكره مجاوزة الثلاث. وأما غسل اليديين قبل إدخالهما الإناء، فإنه جاء عن النبي ﷺ أنه قال: (إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده حتى يغسلها ثلاثًا، فإنه لا يدري أين باتت يداه). وأما التسمية فقد جاء عن رسول الله ﷺ أنه قال (لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه). وأما المضمضة والاستنشاق فقد جاء عن النبي ﷺ أنه قال (من الفطرة المضمضة
والاستنشاق). وجاء عنه أنه توضأ فأدخل يده في الإناء، فمضمض واستنشق من كف واحد. وجاء عنه ﷺ أنه قال: (من توضأ فمضمض واستنشق خرجت خطاياه من فيه وأنفه). وأما استيعاب الرأس بالمسح، فإنه روى أن النبي ﷺ وضع كفيه على مقدم رأسه ثم مر بهما إلى القفاء، ثم رجعهما إلى المكان الذي بدأ منه وأما تخليل أصابع الرجلين فإنه روى عنه ﷺ أنه قال: (خللوا أصابعكم قبل أن يخللها الله تعالى بالنار يوم القيامة). وأما مسح الأذنين، فإنه روى أن النبي ﷺ مسح أذنيه ظاهرهما وباطنهما. وجاء عنه ﷺ أنه أدخل أصبعيه في أذنيه فأخذ ماء جديدًا لهما، فلأنهما عضوان على حالهما، ولا يحال في الوضوء عضو على عضو. وأما التثليث، فإنه يروى أن رسول الله ﷺ توضأ مرة مرة. فقال: (هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به. ثم توضأ مرتين مرتين، فقال: من مرتين أتاه الله أجره مرتين. ثم توضأ ثلاثًا ثلاثًا. فقال: هذا وضوئي ووضوء الأنبياء قبلي ووضوء خليلي إبراهيم). وإما ترك مجاوزة الثلاث، فلأنه روى أن النبي ﷺ توضأ ثلاثًا ثلاثًا ثم قال: (هذا الوضوء، فمن زاد فقد أساء وظلم). وجاء عنه ﷺ أنه قال: (فمن جاوز هذا من أمتي فسموه ظالمًا، ومن أظلم ممن يرغب عن سنتي، ثم استغفر له ربه). وجاء عنه ﷺ أنه قال: (ستكون في آخر هذه الأمة قوم يعتدون في الدعاء والطهور). وأما ما ذكر الله تعالى من الفرائض الأربع، فإن فيها من التفصيل: أن من كان أمرد
عنه ﷺ أنه قال: (ستكون في آخر هذه الأمة قوم يعتدون في الدعاء والطهور). وأما ما ذكر الله تعالى من الفرائض الأربع، فإن فيها من التفصيل: أن من كان أمرد
أو خفيف اللحية فعليه غسل شعره وبشرة وجهه، فإن كان شعره كثيفًا أجراه على أن لا يصل الماء إلى بشرة وجهه، ويدخل مرفقيه وكفيه في الوضوء، ولا يجريه على مسح الرجلين ولا أن يتفرق وضوؤه. وأن فرقة أجراه. وذلك كله ظاهر التنزيل. فأمامسح الخفين، فقد جاء عن النبي ﷺ أنه رخص للمقيم يومًا وليلة، وللمسافر ثلاثة أيام ولياليهن، إذا تطهر فليس خفيه أن يمسح عليهما، وإذا انقضت المدة وهو طاهر، أو خلع الخفين أو أحدهما غسل قدميه وصلى والله أعلم. فصل والذي يوجب الوضوء النوم إلا قاعدًا، وخروج ما يخرج من السبيلين، والعلية على العقل بجنون أو غشي أو سكر أو ملامسة الرجل المرأة، ومسح الفرج ببطن الكف. قال الله ﷿:﴾ إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم ﴿. فجاء في التفسير إنها نزلت في القائمين من المضاجع. وجاء أن أصحاب رسول الله ﷺ كانوا ينتظرون العشاء فينامون قعودًا ثم يقومون إلى الصلاة ولا يتوضأون. وقال الله ﷿:﴾ أو جاء أحد منكم من الغائط ﴿والغائط مؤتي للخلاء والبول جميعًا. وقال:﴾ أولا مستم النساء ﴿وجاء عن رسول الله ﷺ: (من مس فرجه فليتوضأ). فكان في هذه الدلائل بيان ما ذكرنا من الأحكام والله أعلم. فصل والطهارة بالماء من الحدث ضربان: أحدهما الوضوء، وقد مضى ذكره. والآخر الغسل، والذي يوجبه خروج الماء الذي يكون منه الولد من الرجال ويواري الحشفة في فرج الإنسان فوجب الغسل عليهما، وإن لم يكن معه إنزال. وتوجبه على النساء خاصة
ل، والذي يوجبه خروج الماء الذي يكون منه الولد من الرجال ويواري الحشفة في فرج الإنسان فوجب الغسل عليهما، وإن لم يكن معه إنزال. وتوجبه على النساء خاصة
الحيض والولادة ولا تغتسل حتى تطهر، ولا التي ولدت حتى ينقضي نفاسها، قال الله ﷿:﴾ وإن كنتم جنبًا فاطهروا ﴿. أي بالماء فأبان بقوله تعالى:﴾ لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون، ولا جنبًا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا ﴿. أي فرض الجنابة الغسل. وهو أن يغسل عامة ما ظهر من بدنه شعره وبشره. وقال الله ﷿ في الحيض:﴾ ولا تقربوهن حتى يطهرن ﴿. ثم إبان النبي ﷺ إن أطهارها غسلها، كما إن إطهار الجنب غسله. فقال للمرأة: (إذا أدبرت عنك الحيضة فاغتسلي وصلي). والولاد يوجب الغسل، لأن خروج الماء الذي يكون منه الولد إذا كان الغسل بالولد التام خلقه أولى بإيجابه والله أعلم. فصل والطهارة بالماء قد تجب من التنجس كما تجب من الحدث سواء أصابت النجاسة البدن أو الثوب أو المصلى عليه منه أو حفنة من الأرض. قال النبي ﷺ: (لا تقبل صلاة إلا بطهور). إلا أن الاستنجاء بالأحجار ثلاثًا ثلاثًا من الخلاء والبول في مكانهما تجري للصلاة، قال النبي ﷺ فليستنج بثلاثة أحجار، ونهى أن يقتصر على أقل من ثلاث. ودم البراغيث والبسير يخرج من النتره سينقطر أو النضج فيصيب الثوب أو البدن غفو عن المصلي، قد كان ذلك يصيب المسلمين في عهد النبي ﷺ وبعده فما حفظ عن أحداثه نجاساة. فصل وقد تكون الطهارة لا من حدث ولا من نجاسة إلا أن ما كان منها لحدث أو نجاسة. لم يكن إلا واجبًا، وما كان لأمر حدث ولا نجاسة لم يكن إلا غير واجب، وإنما سمي طهارة توسعًا ومجازًا وحقيقتهما النظافة والنترة، ومنهما السواك، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم
لقوم كانوا يدخلون عليه: (مالي أراكم تدخلون بلحاء تسوكوا، فلولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة). وقال: (السواك مطهرة للفم، مرضاة للرب). ويستحب عند كل حال يغير فيهما الفم إلا أن يكون تغيرها من النوم. ومنها المضمضة، وذلك الأسنان بالأصابع والاستنشاق وإدخال طرفي الأصبع في أذني الأنف لإخراج قاذورات، كن فيه. ومنها قلم الأظافر وغسل مواضعه بالماء. وخلق الشعور أو تنظيفها بالغسل بما ينشف عرقه، ويقطع الرائحة الكريهة عنه. ومنها حلق العانة والتنور لها الحلق. ففي حديث الفطرة هو الاستحداد وماء التنور. فقد روى أن رجلاً نور رسول الله ﷺ، فلما بلغ من أنفه كف الرجل نور رسول الله ﷺ نفسه. وعن أبي الدرداء ﵁ أنه وأصحاب رسول الله ﷺ، دخلوا الحمامات حين قدموا الشام، وأطلوا بالنورة. ومنها ترك الاقتصار على الاستنجاء بالأحجار والتطهر بالماء، وذاك إزالة النجاسة بالحقيقة، إلا أن ابتداء النجاسة لما كان عفوًا عن المصلى، دخلت إزالته في باب التنظيف والبترة، وهو الذي أريد بالانتقاص بالماء في حديث الفطرة. ومنها الغسل للصلاة يوم الجمعة، قالت عائشة ﵂: كان الناس عمال أنفسهم وكانوا يلبسون الصوف فإذا حضروا المسجد بدت منهم روائح كريهة، فقيل لهم: لو اغتسلتم. وقال النبي ﷺ: (يوم الجمعة واجب على كل محتلم) وقال: (من أتى يوم الجمعة فليغتسل). ومنها الوضوء قبل الطعام وبعده، جاء عن النبي ﷺ قبل الطعام وبعده، إلا أنهما يغتسلان بعد الطعام حتى لا يبقى من الطعام أثر يؤدي إلى تغيير رائحة الفم. وقد تكون الطهارة لا من حدث ولا من نجاسة، ولا تقذرًا، ولكنه ازديادًا من بعض ذلك. فمنها
عد الطعام حتى لا يبقى من الطعام أثر يؤدي إلى تغيير رائحة الفم. وقد تكون الطهارة لا من حدث ولا من نجاسة، ولا تقذرًا، ولكنه ازديادًا من بعض ذلك. فمنها
تكرير الوضوء، ومنها تجديد الوضوء لكل صلاة. ومنها الوضوء عند النوم، ومنها الوضوء عند الغضب، ومنها الوضوء من الغيبة والكذب وإنشاد الشعر. ومنها الوضوء من استغراق الضحك، ومنها الوضوء من حمل الميت وكل ذلك مستحب. وروى أن النبي ﷺ كان يتوضأ لكل صلاة، وقيل: إذ ذلك كان واجبًا عليه ثم فسخ. وروى أن رسول الله ﷺ قال للبراء: (إذا أتيت مضجعك فتوضأ وضوءك للصلاة ثم اضطجع على شقك الأيمن، وقل: (اللهم أسلمت نفسي إليك، وفوضت أمري إليك، وألجأت ظهري إليك، رهبة منك، ورغبة إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك، آمنت بنبيك الذي أرسلت، وبكتابك الذي أنزلت، واجعلهن آخر كلامك، فإن مت من ليلتك مت على الفطرة). وروى أن رسول الله ﷺ قال: (إن الغضب من الشيطان، وإن الشيطان خلق من النار، وإن الماء يطفي، فإذا غضب أحدكم فليتوضأ). وروى أن رجلاً جلس إلى عمر ﵁ في مسجد رسول الله ﷺ فتمثل بيتين من شعر، فقال عمر: إنك قد تكلمت بما قد سمعت، فلو قمت فتوضأت، فإن الصلاة قد حضرت، وذكر ابن سيرين إن رجلاً كان يمر بأهل مجلس فيقول: توضأوا فإن ما نحوتم من الكلام أشد من بعض الحديث. ومن هذا الباب الاغتسال من غسل الميت. والغسل لدخول مكة، والغسل للوقوف بعرفة، والغسل للإحرام. ومن قال هذا كله ينظف الحقه بغسل يوم الجمعة. وكل قد روى عن النبي ﷺ أنه قد فعله إلا الغسل من غسل الميت، فإنه أمر به عليًا لما جاءه فأخبره أنه فرغ من أمر أبي طالب غسله ووراه. قال: (من غسل ميتًا فليغتسل). ولم يخلف في غسل بأجر سنه أنه غير فرض، ولا في غسل تقدم سنه أنه فرض إلا غسل من غسل الميت.
فرغ من أمر أبي طالب غسله ووراه. قال: (من غسل ميتًا فليغتسل). ولم يخلف في غسل بأجر سنه أنه غير فرض، ولا في غسل تقدم سنه أنه فرض إلا غسل من غسل الميت.
فصل وهذه الطهارة كما أنها تنقسم إلى فرائض وسنن، فكذلك تنقسم معهما إلى آداب. فأما الوضوء فمن آدابه: أن المتوضئ إذا فرغ ذكر الله جل ثناؤه. جاء عن النبي ﷺ أنه قال: (من توضأ فأحسن وضوءه، ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وإن محمدًا عبده ورسوله، صادقًا من قلبه فتح الله له ثمانية أبواب الجنة يوم القيامة دخل من أيها شاء). وعنه ﷺ: (ما من عبد يقول حين يتوضأ: بسم الله، ثم يقول لكل عضو أشهد إن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، ثم يقول حين يفرغ: اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين، إلا فتحت له ثمانية أبواب الجنة، يدخل من أيها شاء. فإن قام من ذلك فصلى ركعتين يقرأ فيهما، ويعلم ما يقول إلا انتقل من صلاته كيوم ولدته أمه) ثم قال له: استأنف العمل. ومنها أن لا يسرف في استعمال الماء: روى أن النبي ﷺ مر بسعد وهو يتوضأ، فقال: (ما هذا السرف يا سعد، فقال: أفي الوضوء إسراف؟ فقال: نعم، وإن كنت على نهر جار). وروى أن النبي ﷺ كان يتوضأ من إناء على نهر، فلما فرغ من وضوئه أفرغ فضله في النهر. وروى أن النبي ﷺ كان يتوضأ بالمد، ويغتسل بالصاع. ومنها أن لا يقدم يسري على يمنى، ولا يمسح الأذنين قبل مسح الرأس، ولا يبدأ بعد الوجه من الذقن ثم يعلو إلى الجبهة. ومنها أن لا يفرق وضوءه ولا غسله، ويجمع ذلك كله في مقام واحد. فأما التجفيف بمنديل أو ثوب ما كان. فقد روى عن النبي ﷺ أنه عرض عليه فاباه. وروى أنه اغتسل، فيسد به فاطمة ﵍ بثوبه، فلما فرغ أخذه يتجفف به، ثم قام فصلى
ثماني سجدات وذلك ضحى. وروى عنه أنه كانت له خرقة يمسح بها وجهه إذا توضأ، وروى مثل ذلك عن عثمان ﵁، وعلي والحسين بن علي ﵃. وقال بعض الناس: إن النبي ﷺ إنما رد الخرقة التي عرضت عليه فلم يتمسح بها، لئلا يمسح أثر الطهور، وهو نور. وقد جاء أنه يوزن يوم القيامة، فيقال له أرأيت إذا لم يمسح أثر الوضوء كما ذكرت، أتصلى به قبل أن يجف، فيسجد على رمل أو تراب فإن قال: نعم. فيقال له: أرأيت إذا سجد فحملت جبهته رملاً أو تراب المسجد إذا أراد أن يسجد ثانيًا. فإن قال: لا. قيل: أيسجد بما حملت جبهته، وقد حال بينها وبين المسجد فلا يصح سجوده، ويكون كمن لم يسجد في قول بعض العلماء، ويصح في قول بعضهم: إلا أن فضل الاقضاء، بالجبهة إلى المسجد ليس بأدنى من فضل ترك بلل الوضوء على العضو فيكون قد ترك الأفضل لغير الأفضل. فإن قال: لا يفعل واحدًا منهما ويمسح جبهته. قيل: فإذا مسح فقد أزال أثر الوضوء والصلاة جميعًا، لأن البلل من آثار الوضوء، والتراب من آثار السجود، فإن كنت ترى أن يمسحها جميعًا، فهلا رأيت أن يمسح أحدهما وبالله التوفيق. وأما ضرب الماء على الوجه كهيئة اللطم، فقد روى عن إبراهيم: كانوا يكرهون أن يلطموا وجوههم بالماء إذا تظهروا وروى عن النبي ﷺ في صفة وضوئه، ثم أدخل يده جميعها في الإناء، فأخذ حفنة ماء، فضرب على وجهه، ثم الثانية ثم الثالثة مثل ذلك، فقد يجوز أن يقال أن الضرب الخفيف جائز ولابد منه، والضرب الشديد مكروه وهو اللطم. ومنها أن يغسل وجهه بيديه جميعًا، هذا هو الأغلب من وضوء رسول الله ﷺ. وما روى عنه من أنه كان يغسل وجهه بيمينه محمول على أنه كان يفعل ذلك إذا توضأ من إناء ضيق الفم، فيفرغ منه بشماله على يمينه. وأما إذا توضأ من هذا وإناء واسع باليدين معًا والله أعلم. ومنها إذا توضأ لم يصب الماء من يده فيمرها بالماء على أعضائه، كما روى عن النبي ﷺ ومنها أن يدلك عارضيه إذا كانت لحيته كثيفة. وروى ذلك عن النبي ﷺ. ومنها أن لا يتوضأ ولا يغتسل في ثوبه وإن كان نظيفًا. وجاء عن عائشة ﵂ أنها كانت إذا توضأت تدخل يدها من تحت الوقاية فتمسح رأسها كلها.
ى ذلك عن النبي ﷺ. ومنها أن لا يتوضأ ولا يغتسل في ثوبه وإن كان نظيفًا. وجاء عن عائشة ﵂ أنها كانت إذا توضأت تدخل يدها من تحت الوقاية فتمسح رأسها كلها.
ومنها إذا خلل أصابع رجليه خلله بالخنصر، وكذلك يدخل الخنصر في ضماخي أذنيه، هكذا روي عن النبي ﷺ وأنه ذلك بالخنصر ما بين أصابع رجليه. ومنها أن يغسل رجليه جميعًا بيده اليسرى. وروى أن عليًا ﵁ دعا بطهور، فصب بيده اليمنى الثلاث مرات على يده اليمنى فغسلها بيده اليسرى، ثم صب بيده اليمنى على يده اليسرى ثم غسلها بيده اليسرى ثلاث مرات. ثم قال: هذا طهور رسول الله ﷺ. وليس هذا كالوجه إذا غسله بإحدى يديه غسله باليمنى لأن الرجلين موضع الأوساخ والأذى، واليسرى أولى بهما، والوجه عضو التحية والكرامة، فاليمنى له أولى والله أعلم. فصل واشتمل هذا الباب على الآيات التي ذكرتها مع الفرائض والسنن التي عددتها، فكذلك الاستنجاء وما يدخل في بابه من إزالة الأنجاس، يشتمل على سنن وآداب. فإن أول ذلك من قضاء حاجته من بول أو غائط، فينبغي أن يتحرى له مكانًا سترًا، فإن كان بيته فناحية منه لا يحسن بما يكون منه فيها. وإن كان شجرًا بحيث يبتعد عن أبصار الناس. روى عن النبي ﷺ أنه قال: (من أتى الخلاء فليستتر، وإن لم يجد إلا كثيبًا من الرمل فليجمعه وليستتر به). وفي حديث آخر قال جابر ﵁: خرجت مع رسول الله ﷺ في سفر فقال لي: (يا جابر، اجعل في الإدارة ماء، ثم انطلق بنا حيث لا نرى، فإذا هو بشجرتين بينهما أذرع، فقال لي: يا جابر، انطلق إلى هاتين الشجرتين، فقل لهما إن رسول الله ﷺ يأمركما أن تجتمعا حتى يجلس خلفكما، فجاءتا فجلس خلفهما، ثم رجعتا إلى مكانهما). وقال المغيرة ﵁: كان رسول الله ﷺ، إذا تبرز تباعد وفي حديث آخر:
ل الله ﷺ يأمركما أن تجتمعا حتى يجلس خلفكما، فجاءتا فجلس خلفهما، ثم رجعتا إلى مكانهما). وقال المغيرة ﵁: كان رسول الله ﷺ، إذا تبرز تباعد وفي حديث آخر:
إذا خرج إلى الخلاء استبعد وتوارى. وعنه ﷺ كان إذا أتى الحاجة برز حتى لا يراه أحد، وكان لا يرفع ثيابه حتى يدنو من الأرض. وإذا خرج رجلان لقضاء الحاجة، فإن النبي ﷺ قال: (إن خرج رجلان فليتوار أحدهما عن أخيه). وقال: (لا يخرج الرجلان للغائط كاشفين عن عورتهما يتحدثان، فإن الله يمقت ذلك. ومنها إذا خرج أعد الطهور، فإن كان معه ماء وإلا أخذ الأحجار ومنها أن يتقي الملاعن وهي المواضع التي جرت العادة بارتفاق الناس بالجلوس فيها للصلاة، والأكل والاستراحة والأنحاء وقارعة الطريق والظلال وعند جدار المسجد، وفي الماء النافع وعند النخلة وفي المغتسل. جاء عن النبي ﷺ أنه قال: (اتقوا الملاعن وأعدوا السبل. وقيل السبل هي الأحجار الصغار التي يستنجى بها). ومنها أن يتقي البول على مواضع صلب أو مرتفع يتراجع على يمينه شيء. جاء عن النبي ﷺ أنه كان إذا أراد أن يبول تواجد في عراء من الأرض أخذ عود فنكت به الأرض حتى ينبري التراب ثم بال فيه. وعنه ﷺ أنه أتى رمت حائط فبال، وقال: (إذا بال أحدكم فليرتد لبوله). وعنه ﷺ أنه قال: (لا يبولن أحد في الحجر) قيل لقتادة: وما يكره من ذلك: قال: إنها مساكن الجن. وقد يحتمل غير ما قال قتادة، وهو أنه ربما كان فيه بعض الهوام الساعة، فيخرجه البول فتلسع البائل. وقال الزهري ﵁ كان يكره أن يبول الرجل إلى جدار المسجد، أو يمسح أثر بوله بجداره. ويقول: أثر المسجد من ذلك. وكره الحسن ﵁ أن يقضي الرجل حاجته عند النخلة الحامل، ويحتمل أن يكون كره لأنه لا يؤمن أن يأتيها من يريد ثمرتها، فيصيب النجس قدمه أو ثوبه. وإذا هزت النخلة سقطت ثمرتها على النجاسة ففسدت على صاحبها. وجاء عنه ﷺ أنه قال: (اتقوا الملاعن الثلاث: أن يقعد أحدكم في ظل مستقبل
به، أو في طريق أو نبع ماء). وعنه ﷺ أنه نهى أن يبال في الماء الراكد. وأنه قال: (لا يبولن أحدكم في مستحمه، فإن عامة الوساوس منه) وأنه نهى أن يبول الرجل في مغتسله. وقال عطاء وسفيان: أراد المغتسل الذي لا يتجرد للماء منه. فإن كان الماء يمر عنه فلا بأس بذلك. ومنها أنه إذا أراد دخول الخلاء وضع عنه كل شيء كتب فيه ذكر الله ﷿، لما رواه أنس ﵁، أن النبي ﷺ كان إذا دخل الخلاء وضع خاتمه وإنما كان يفعل ذلك لأنه كان نقش خاتمه محمد رسول الله. ومنها أنه إذا أراد أن يدخل الخلاء قال: (أعوذ بالله من الرجس النجس الخبيث الشيطان الرجيم). روى ذلك عن النبي ﷺ وروى عنه أنه قال: (أعوذ بك من الخبث والخبائث). ومنها أن لا يذكر الله تعالى وهو يتخلى أو يبول. روى عن ابن عباس ﵄ قال: يكره أن يذكر الله على خلائه، أو يذكر الله وهو يواقع امرأته، لأنه ذو الجلال والإكرام يجل عن ذلك. وقال مجاهد: كان يقال إن الملائكة يجتنبون الإنسان عند غائطه وجماعه. وكره ذلك جملة التابعين. وقال الحسن ﵁ فيمن يعطس وهو يتخلى بذكر الله في نفسه، وهذا كما قال: وإذا فرغ من حاجته، وزايل مكانه، فحمد الله بلسانه فذلك حسن. ومنها أن يقنع رأسه إذا أراد قضاء الحاجة. وروى أن رسول الله ﷺ كان إذا دخل الخلاء لبس حذاءه وغطى رأسه. وقال أبو بكر وهو يخطب الناس: يا أيها الناس استحيوا من الله فإني لأظل إذا أتيت الخلاء أغطي رأسي استحياء من ربي. وقال ابن طاووس ﵁، قال لي: إني إذا دخلت الكنيف تقنع رأسك. ومنها إذا جلس لقضاء حاجته في صحراء لم يستقبل القبلة ولم يستدبرها. وقال النبي ﷺ (إذا ذهب أحدكم إلى الغائط فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها لغائط ولا بول. فإن جلس في بيت فليس عليه ذلك).
ء لم يستقبل القبلة ولم يستدبرها. وقال النبي ﷺ (إذا ذهب أحدكم إلى الغائط فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها لغائط ولا بول. فإن جلس في بيت فليس عليه ذلك).
قال ابن عمر ﵁ اطلعت فرأيت النبي ﷺ جالسًا على لبنتين مستقبل بيت المقدس يقضي حاجته. ومنها إذا جلس استخلى سكت، ولم يكلم أحدًا، لأن النبي ﷺ قال: (لا يجلس الرجلان على الغائط يتحدثان ينظر كل واحد منهما صاحبه، فإن الله يمقت ذلك). وقال للذي سلم عليه وهو يبول: (إذا رأيتني على هذه الحال فلا تسلم علي، فإني لا أرد عليك). ومنها إذا جلس لبول نضاح. يروي ذلك عن رسول الله ﷺ، قال أبو موسى: حتى إن كنا لنأوي له أن يرحمه. ومعناه فرج ما بين رجليه لئلا ينتضح البول عليه، لأنه كان يقول: استتر هو من البول قائمًا، فإنه فقد روى أنه فعله. وروى عنه أنه نهى عنه. فقيل: أن أعجله البول أو كان بقربه ناس فبال قائمًا وولاهم ظهره، لأن ذلك أحصن لخوفه من أن يخرج منه ما لا يريد، فيسمعوه، فلا بأس فإن لم يكن عذر فليجلس فإنه أحسن. ومنها إذا جلس يتخلى يتوكأ على رجله اليسرى. قيل لسراقة بن جعثم في حي من أحياء العرب وهو يقول: علمنا رسول الله ﷺ كذا وكذا، أما علمكم كيف تجرون، فقال: بلى والذي بعثه بالحق، لقد أمرنا أن نتوكأ على اليسرى وننصب اليمنى. ومنها أن لا يطيل الجلوس على الخلاء، لما جاء عن لقمان الحكيم ﵇ أنه يورث البواسير. ومنها أن لا يمس ذكره إذا بال واستنجى. قال رسول الله ﷺ: (لا يمس أحدكم ذكره بيمينه وهو يبول، ولا يتمسح من الخلاء بيمينه) ومنها أنه إذا أراد الاستنجاء بدا بدبره ثم ثنى بقبلة. وقال بعض الحكماء: السنة، ويحتمل ذلك لأن أغلظ النجاستين أهم، والبدأة بالأهم أولى. ويحتمل أن يكون لأنه إذا استنجى من الغائط أولاً، قدر على التمكن من الجلوس واستنجى بعد ذلك من البول متمكنًا أو ينزل بول إن كان قد بقي، فلا يحتاج إذا بدأ به إلى إعادة الاستنجاء.
تنجى من الغائط أولاً، قدر على التمكن من الجلوس واستنجى بعد ذلك من البول متمكنًا أو ينزل بول إن كان قد بقي، فلا يحتاج إذا بدأ به إلى إعادة الاستنجاء.
ومنها أن لا يستنجي بيمينه، ولكن يأخذ الأحجار بشماله. وإذا استنجى من البول أخذ الحجر كأنه جدار، وأخذ فرجه بشماله فيمسحه عليه. نهى النبي ﷺ الرجل أن يستطيب بيمينه، ومنها أن لا يستنجي من البول حتى ينثر ذكره ثلاثًا. قال النبي ﷺ: (استبرئوا من البول، فإن غامة القبر منه) وقال: (إذا مال أحدكم فلينثر ذكره ثلاث مرات). ومنها أنه إذا فرغ من الاستنجاء فارق موضعه وقال: الحمد لله الذي أخرج عني ما يؤذيني وأمسك ما ينفعني. فإنه يروى أن النبي ﷺ كان يقول ذلك: وروى عنه أنه كان (إذا أخرج من الخلاء قال: غفرانك). فأما الاستنجاء فقد ذكرت فيما مضى أنه لا يجري بأقل من ثلاثة أحجار، وإن اتقي ما دونها، وإن لم يتق الثلاث زاد حتى يبقي، ولا يستنجي بشيء نجس، ولا بعظم ولا بلحم مقدد، ولا بكسر الخبز فإن فعل لم يتق، وإن أخذ الحجر بيمينه فاستنجى اتقاه لأن المتقى هو الحجر دون اليد والله أعلم. والمستحب أن يبدأ فيتقي بأحجار ثم يتطهر بالماء. وروى أنه لما نزل في أهل قباء قول الله ﷿:﴾ رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين ﴿. قال لهم رسول الله ﷺ: (ما هذه الطهارة التي أنزل الله عليكم من أجلها؟ فقال النبي ﷺ: فهو ذاك هو ذاك). وإذا أراد الاقتصار على أحدهما فالماء لأنه أبلغ. فأما رسول الله ﷺ فقد استنجى بالماء كما استنجى بالأحجار. قال، أنس ﵁: كان رسول الله ﷺ يدخل الخلاء فأحمل أنا وغلام إناء فيه ماء، فيستنجي به. وقالت عائشة ﵂ للنساء: مرن أزواجكن أن يستطيبوا بالماء، فإني استحيتهم منه أن رسول الله ﷺ كان يفعله. وإذا استنجى بالماء غسل يده بعد الاستنجاء بتراب أو اثنان. قال أبو هريرة رضي
الله عنه: دخل رسول الله ﷺ الخلاء فأتيته بماء فاستنجى به، ومسح يده بالأرض ثم غسلها، ثم أتيته بأخر فتوضأ. فصل فأما الاغتسال فإن المفروض منها غسل الجنابة، والغسل من الحيض ومن الولادة، وما عدا ذلك فكله سنة. والجنابة تكون بشيئين: أحدهما أن يغيب الحشفة في فرج آدمي أو آدمية فيجب الغسل على كل واحد منهما، وإن لم ينزل لقوله ﷺ (إذا التقى الختانان وجب الغسل). وإنزال الماء الدافق موجب للغسل. وكان الحكم في أول الإسلام: إنما الماء من الماء وإن من جامع ولم ينزل فعليه الوضوء. ثم فسخ بما ذكرت. وإذا جامع الرجل أهله، فأراد أن ينام قبل أن يغتسل، فإن رسول الله ﷺ أمر من سأله عن ذلك أن يتوضأ وضوءه للصلاة ثم لينم. وروى عنه ﷺ أنه كذلك كان يفعل، وعنه ﷺ أنه قال: (إن الملائكة لا تحضر جنازة كافر ولا جنب حتى يغتسل أو يتوضأ وضوءه للصلاة). وقالت عائشة: إذا كان أحدكم جنبًا فأراد أن يرقد فليتوضأ، فإنه لا يدري لعله تصاب نفسه في منامه، ولا ينبغي للجنب أن يأكل أو يشرب ما لم يتوضأ. قال جابر ﵁: سئل النبي ﷺ عن الجنب، هل ينام أو يأكل؟ قال: إذا توضأ وضوءه للصلاة. وقالت عائشة ﵂: كان رسول الله ﷺ إذا كان جنبًا فأراد أن يأكل أو ينام توضأ). وإذا أراد الجنب الخروج بحاجته توضأ ثم خرج. روى ذلك عن سعد بن أبي وقاص ﵁، وعن جماعة سواه. وإن أراد الجنب أن يعود، فقد جاء الحديث عن النبي ﷺ: (إذا أراد أحدكم العود فليتوضأ). ولكن معناه فليتنظف بغسل فرجه لأنه روى في حديث آخر مفسرًا: (إذا أراد أحدكم
الجنب أن يعود، فقد جاء الحديث عن النبي ﷺ: (إذا أراد أحدكم العود فليتوضأ). ولكن معناه فليتنظف بغسل فرجه لأنه روى في حديث آخر مفسرًا: (إذا أراد أحدكم
أهله، ثم أراد أن يعود فليغسل فرجه). وفي رواية أخرى: (فلا يعودن حتى يغسل فرجه). وإذا أراد أن يطوف على نسائه أو على جواريه بغسل واحد، فذلك جائز، فعله رسول الله ﷺ، وإن اغتسل عند كل واحدة فقد روى عن النبي ﷺ أنه فعله. وقال: (هذا أزكى وأطيب). فصل وينبغي للجنب إذا أراد الغسل أن يستتر. جاء عن النبي ﷺ أنه قال: (يا أيها الناس أن الله يحب الحياء والستر، فإذا اغتسل أحدكم ليتوار من الناس بشيء). وسترت فاطمة رسول الله ﷺ بثوب حين اغتسل. وجاء أن النبي ﷺ رأى ثلاثة يغتسلون في حوض عراة، فأشار إليهم بأن يأخذوا ثيابهم فقال: (ما تستحيون الكرام الكاتبين، أما يستحي بعضكم من بعض، إذا كان أحدكم بالفلاة، فأراد أن يغتسل فليستتر ببعير أو بشجرة، فإن لم يجد فبأخيه وليوليه ظهره). وروى أن رسول الله ﷺ أجير في غنم الصدقة قائمًا عريانًا، فقال: كم عملت لنا؟ قال فلم يا رسول الله ﷺ، فلك ما أريد أزكى لنا عملاً ما لا يستحي الله إذا خلا). وإذا أراد الجنب أو غيره دخول الماء في بحر كان أو حوض فلا يدخله إلا بمئزر. وجاء عن النبي ﷺ أنه لا يدخل أحدكم الماء إلا بمئزر، فإن للماء عابرًا. وجاء عن عمر بن الخطاب ﵁ إلى الجار فدعا بمناديل، فقال: واغتسلوا بماء البحر فإنه مبارك، وإذا دخل الحمام فلا تدخلوه إلا بمئزر. نهى رسول الله ﷺ الرجال والنساء عن الحمامات، ثم رخص للرجال أن يدخلوها
يل، فقال: واغتسلوا بماء البحر فإنه مبارك، وإذا دخل الحمام فلا تدخلوه إلا بمئزر. نهى رسول الله ﷺ الرجال والنساء عن الحمامات، ثم رخص للرجال أن يدخلوها
بالمآزر، ونهى النساء عنها إلا أن تكون نفسًا أو سقيمة. ومن دخل الحمام وقد سبقه غيره فلا ينظر إليه ولا يسلم عليه روى عن الحسن بن علي ﵄ قال: ليس في الحمام سلام ولا تسليم، وينبغي أن يرفع اسم الله عن أن يذكر في الحمامات. كتب عمر بن الخطاب ﵁ إلى أبي موسى الأشعري ﵁: أما بعد، فلا تدخل الحمام إلا بمئزر ولا تذكر الله فيه حتى تخرج منه، ولا يغتسل اثنان في حوض. فصل وإذا بدأ الجنب الإغتسال، فليسم الله ثم ليغسل يديه. قالت ميمونة ﵂: وضعت لرسول الله ﷺ غسلاً فاغتسل من الجنابة، فأكفأ الإناء بشماله على يمينه، فغسل يديه ثلاثًا ثم أدخل يده في الإناء ثم يغسل فرجه بشماله ثم يغسل يده بتراب أو بشيء نظيف. قالت ميمونة ﵂: كان رسول الله، إذا اغتسل من الجنابة يبدأ فيغسل يديه، ثم يفرغ بيمينه على شماله، فيغسل فرجه ثم يضرب بيديه الأرض فيمسحها ثم يغسلهما ثم يتمضمض ويستنشق ويغسل وجهه وذراعيه، ثم يفيض الماء على جسده، ثم يتنجى فيغسل قدميه. هكذا وصفت ميمونة غسل رسول الله ﷺ. وروى أنس ﵁ أنه تمضمض واستنشق ثلاثًا، وهذا يدل على أنه عده من وضوئه لا من غسله، لأنه ليس في الغسل عدد. وإذا كان على رأسه شعر، وكانت كث اللحية أو كانت المغتسلة امرأة أفاض الماء على شعوره ثلاثًا وغلغله في أصولها، ليعلم أن الماء قد وصل إلى ما تحت الشعر من بشرته، كما وصل إلى ظاهر شعره. وروى عن النبي ﷺ أنه أفاض الماء على رأسه ثلاثًا، وأقبل بيديه وأدبر، وخلل بيديه أصول الشعر. قالت عائشة ﵂ حتى يخيل إلى أنه استبرأ البشرة. وأما إفاضة الماء على سائر الجسد فلم يرو فيها عدة فإن لم يكن على رأس المغتسل شعور كثيرة، ولا على وجهه مجرى سائر جسده، ويدخل إصبعيه في سرته إن كانت غائرة فيعلم أن الماء قد وصلت إليها. روى ذلك عن ابن عمر ﵄. وقال الشعبي: إذا اغتسلت فلا تنس سرتك، وما تحت خاتمك، فإنهما خصلتان أغفلهما الناس.
وإن كانت المرأة قد شدت ضفائرها، فإن أم سلمة ﵂ قالت: يا رسول الله، إني امرأة أشد ضفر رأسي، أفانفضه للغسل من الجنابة؟ قال: (لا إنما يكفيك أن تحثي عليها ثلاث حثيات، وتفيضي عليك من الماء، فإذا أنت قد طهرت). وإذا اغتسلت المرأة من الحيض فإنها تفعل ما ذكرنا كله، فإذا فرغت، وقد غسلت فرجها بالماء قبل الغسل كما يفعله الجنب شيئًا من مسك، فتتبعت بها أثر الدم. قال رسول الله ﷺ التي عليها الغسل من المحيض، ثم خذي فرضة من المسك فتطهري. قالت عائشة ﵂: تتبعي بها أثر الدم. وينبغي للمغتسل والمتوضئ إذا تطهرا وهما على حد عجلة، أو متاذيان بشدة برد، أن يستبغا طهارتهما ولا ينزعا حتى يعلما أن قد أكملا ولم يبقيا شيئًا. جاء عن النبي ﷺ في الغسل أنه قال: (الإيمان ثلاثة، والأمانة ثلاثة، من آمن بالله العظيم وصدق المرسلين أولهم وآخرهم، وعلم أنه مبعوث بعد الموت فقد طعم طعم الإيمان. والأمانة ثلاث: ائتمان بالله تعالى على العبد على صلاته وصيامه وغسله، ولو شاء قال: صليت ولم يصل. ولو شاء قال: إنما أنا صائم، ولم يصم ولو شاء قال: قد اغتسلت من الجنابة ولم يغتسل. فإن الله ﷾ قال: ومن اغتسل من الجنابة فهو عبدي حقًا، ومن لم يغتسل من الجنابة لم يكن عبدي حقًا). وعن النبي ﷺ قال: (إذا قام - يعني الجنب عليه الماء - فله بكل شعره يمر بها عشر حسنات وتمحي بها عشر سيئات، ويرفع بها عشر درجات. ويباهي الله به الملائكة يقول: انظروا إلى عبدي هذا، قد قام في ليلة قرة يغتسل فيها من خشيتي، أشهدكم ملائكتي إني قد غفرت لعبدي). وهذا من كانت جنابته من حلال. فأما إذا كانت من حرام، لم يكن لغسله هذه المنزلة إلا أن يتوب قبله والله أعلم. ومما جاء في الوضوء أن رسول الله ﷺ قال: (ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا،
ا كانت من حرام، لم يكن لغسله هذه المنزلة إلا أن يتوب قبله والله أعلم. ومما جاء في الوضوء أن رسول الله ﷺ قال: (ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا،
ويرفع به الدرجات، قالوا: بلى يا رسول الله، قال: إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطى إلى المساجد وانتظار الصلاة بعد الصلاة). وقال ابن عباس ﵄: كان رسول الله ﷺ عبدًا مأمورًا مضى لأمر الله، لم يشر إلينا شيئًا دون الناس غير أنه أمرنا أن لا نثري الحمائر على الفرس وأن لا نأكل الصدقة وأن لا نسبغ الوضوء، وفي بعض الروايات الحمر على الخيل، والمراد بالنهي العراب. فصل ولا يكون الوضوء ولا الغسل وإزالة النجس إلا بالماء المنزل من السماء والنابع من الأرض والراكد والجاري، والكدر الصافي والعذب والأجام والحار والبارد، وما انعقد ثم ذاب وما كان بحاله ذائبًا كله طهور، غير أن المسخن في القماقم والكراي المقدمة بالشمس يبقى، لأن عائشة ﵂ قالت: سخنت لرسول الله ﷺ ماء في الشمس فقال: (يا حميرة لا تعودي فإنه يورث الوضح). وأما ما انبسطت على الشمس من مياه الغدران والحياض والأودية والنجاد، فليس فيها هذا المعنى ولا كراهية. والأصل في هذا قول الله ﷿:﴾ إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم ﴿وكانت عادة المخاطبين بالآية أن يغتسلوا بالماء، فانصرف الأمر إليه، ولم يسقط الفرض غيره، لأن الأمر بالشيء نهي عن تركه، وغسل الجنابة قياس على الطهارة من الحدث لأنه طهارة الصلاة مثلها، والله أعلم. وأما النجاسات فهي كثيرة، منها: الخمر، قال الله تعالى:﴾ إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان ﴿. والرجس أعظم الأنجاس وقال:﴾ فاجتنبوه ﴿وليس النجس إلا ما يجب اجتنابه، وكل شراب مسكر فهو نجس قياسًا على الخمر.
والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان ﴿. والرجس أعظم الأنجاس وقال:﴾ فاجتنبوه ﴿وليس النجس إلا ما يجب اجتنابه، وكل شراب مسكر فهو نجس قياسًا على الخمر.
ومنها الأبوال والأرواث: أمر النبي ﷺ بالنترة من البول، وفرض الاستنجاء منه ومن الخلاء. ونهي عن البول في الماء الدائم، والخلاء في الماء النافع، وذلك في القليل من الماء، فعلم به نجاستهما، ومنها الميتة إلا استثنى رسول الله ﷺ منها من الحوت والجراد ولا الآدمي الميت، فإنه طاهر، ولولا ذلك لم يغسل. ولأن النبي ﷺ قبل عثمان بن مطعون وهو ميت ودموعه تسيل على لحيته، فلو كان نجسًا لتنزه عنه. وإذا كان الآدمي لا ينجس بالموت، فكذلك ما قصه من شعره وظفره وتقشر من جلده، وندر من سنه، فهو طاهر كله. وينبغي أن يدفن ولا يطرح. ولا سعر ما يؤكل لحمه إذا أخذ منه وهو حي، لأنه أخذ منه وهو حي، لأنه أخذ منه حلال. فهو لقطع الرأس في ذكوته، قال الله ﷿:﴾ ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثًا ومتاعًا إلى حين ﴿. فأباح الانتفاع بهذه الأشياء ولو كانت نجسة لأمر بطرحها والتنزه عنها، فأما ما عدا ما ذكرنا من الميتة فنجس. مر النبي ﷺ على شاة لآل ميمونة، فقال: (هلا انتفعتم باهابها فقالوا: أنها ميتة، فقال: دباغها طهورها) فأبان أنه نجس ولولا ذلك لم يحتج إلى ما يطهره. وقال: (أيما أهاب دبغ فقد طهر) فدل ذلك على أن الدباغ يزيل النجاسة الواقعة بالموت. وإذا كان المأكول لحمه إذ ذكي نجس إذا مات لا عن ذكوة، فالذي لا يؤكل لحمه بأن نجسه الموت أولى، والله أعلم. ومنه الكلب والخنزير، قال النبي ﷺ: (إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعًا إحداهن بالتراب) وهذا يدل على أن نجاسته أغلظ النجاسات وقال الله ﷿: في الخنزير أو لحم الخنزير فإنه نجس. ومعنى ذلك فإن الخنزير رجس لأنه أقرب إلى الكناية من اللحم، والرجس أعظم الأنجاس، فعلمنا أن الخنزير الحي نجس وأنه أنجس من غيره، فالحق بالكلب في الحكم والله أعلم.
وأما الألبان، فإن لبن ما لا يؤكل لحمه نجس لأنه كلحمه لا حال له بعد الموت إلا النجاسة. وأما لبن ما يؤكل لحمه فهو كلحمه المذكي، لأن اللبن مباح. قال الله تعالى:﴾ والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين ﴿. وقال:﴾ فإن ارضعن لكم فاتوهن أجورهن ﴿. فهو كاللحم المباح. ولبن الآدمية كحملتها بعد الموت وهي طاهر ميته، فكذلك لبنها إذا فارقها والله أعلم. وأما القيء فإنه نجس قياسًا على الرجيع، المذي أو لودي نجاسان. فأما المذي فإن النبي ﷺ أمر المقداد بنضح الفرج منه. وأما الوذي فإنه من توابع البول لأنه إنما يخرج على أثره فكان بمعناه والله أعلم. وكل شيء رطب أصابته إحدى هذه النجاسات نجس، إلا الماء فإنه إذا كان دون القلتين نجس، وإن كان قلتين وأكثر لم ينجس إلا أن يتغير، لأن النبي ﷺ قال في ولوغ الكلب ما روينا. وقيل له: إنك تتوضأ من ماء بئر قضاعة، وهي تطرح فيها المحائض ولحوم الكلاب وما ينجي الناس، فقال: (الماء ينجسه شيء). فثبت بحديث الولوغ من الماء ما ينجس أو بحديث بئر قضاعة أن منه ما لا ينجس، فاحتيج إلى فصل بينهما. ثم جاء أنه سئل عن الماء يكون في الفلاة وما تنوبه السباع والدواب، فقال: (إذا كان الماء قلتين لم يحمل نجسًا) فصارت ذلك فصلا بين ما يحمل نجاسة وما لا يحملها والله أعلم. فصل وإذا لم يقدر المحدث والجنب أو الحائض على الماء، لعوز الماء في السفر، أو مرض يخشى أن يكون منه عند مس الماء التلف، قام التيمم مقام الوضوء والغسل. قال الله ﷿:﴾ وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدًا طيبًا، فامسحوا بوجوهكم وأيديكم ﴿ويحل للمسافر أن
﷿:﴾ وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدًا طيبًا، فامسحوا بوجوهكم وأيديكم ﴿ويحل للمسافر أن
يباشر أهله في الموضع الذي يخشى أن لا يجد فيه الماء، لأن الله تعالى أقام له التراب مقام الماء. ولا يجوز التيمم إلا التراب لأنه الصعيد. والتيمم أن يضرب يديه على التراب طاهر، أو على شيء يثور منه غبار، فيعلق باليد ثم يمسح بهما جميعًا ثم يضربهما مرة أخرى كذلك، فيمسح ظهر الكف والذراع من يده اليمنى ببطون أصابع كفه اليسرى إلى المرفق، ثم بطن الذراع من المرفق - مفصل الكف - ببطن الكف اليسرى، ثم يمسح اليسرى باليمنى كذلك، ويمسح إحدى الراحتين بالأخرى، ويخلل الأصابع بعضها ببعض. قال النبي ﷺ: (في التيمم ضربتان: ضربة للوجه وضربة لليدين إلى المرفقين، ولا تيمم للمكتوبة إلا بعد دخول وقتها). وإن تطلب الماء رفقًا به وفيما وحوله ولا تجده بثمن ولا بغير ثمن، لأن الله ﷿ يقول فلم تجدوا ماء ولا يعلم أنه غير واجد إلا أن يطلبه فلا يجده لا ضرورة به قبل وجوب المكتوبة إلى أن يترخص لها بالتيمم. وأما المريض فهو المحذور، وأي قرح كان أو الجرح ومن لم يخش من مس الماء التلف أو الضرر الشديد فهو كالصحيح، وأما من وجد الماء إلا أنه يخش الضرر على نفسه إن اغتسل به ولم يجد ما يسخن به الماء فإنه يتيمم ويصلي ويعبد إذا قدر على الاغتسال لأنه لا مريض ولا مسافر. فإن كان مع المسافر من الماء ما لا يستغني عنه لشربه تيمم. فهو كمن لا يجد شيئًا وكمن وجد عند رفيقه فلم يعطه. ولا يجمع بين مكتوبتين من المكتوبات الخمس بتيمم، ويطلب لكل واحد منهما الماء في وقتها. فإن لم يجد تيمم لظاهر الآية. وللمتيمم أن يجمع بين المكتوبة الواحدة وما شاء من النوافل. فصل وإذا حاضت المرأة حرمت عليها الصلاة والصيام، ولم يكن لزوجها أن يستمتع بها دون الازار منها. فأما فوقه فهو له مباح، أمر رسول الله ﷺ عائشة ﵂ وهي معه في الفراش فحاضت، أن تقوم فتأتزر ثم ترجع. فإن كانت مبتدأة تركت الصلاة إلى خمسة عشر يومًا، وإن انقطع فكله حيض. وإذا جاوز تحيضت من أول الدم يوماً
ي معه في الفراش فحاضت، أن تقوم فتأتزر ثم ترجع. فإن كانت مبتدأة تركت الصلاة إلى خمسة عشر يومًا، وإن انقطع فكله حيض. وإذا جاوز تحيضت من أول الدم يوماً
وليلة واغتسلت وأعادت صلاة أربعة عشر يومًا، فإذا رأت الدم في الشهر الثاني تحيضت من أول الدم يومًا وليلة ولم تزد على ذلك ثم اغتسلت وصلت. لذلك أمر النبي ﷺ المستحاضة لما سألته، وإذا كانت للمرأة عادة معروفة ثم اختلط حيضها بالاستحاضة ولم تقدر على التمييز رجعت إلى عادتها، وإذا انقطع دمها لم يكن لزوجها أن يأتيها حتى تغتسل، لقول الله ﷿:﴾ ولا تقربوهن حتى يطهرن. فإذا تطهرن فاتوهن ﴿وهذا سائر ما قدمنا ذكره، وإنما يليق إشباع القول فيه بالكتب المجردة بالأحكام وبالله التوفيق.
الحادي والعشرون من شعب الإيمان وهو باب في الصلاة وليس في العبادات بعد الإيمان الدافع للكفر عبادة، سماها الله ﷿، إيمانًا، وسمى رسول الله ﷺ تركها كفرًا إلا الصلاة. فإن الله ﷿ لما حول القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة، وأهم المسلمين أمر الصلاة التي صلوها إلى بيت المقدس، أنزل قوله ﷿:﴾ وما كان الله ليضيع إيمانكم ﴿. يعني تلك الصلوات. وقال النبي ﷺ (بيننا وبينكم الصلاة، من تركها فقد كفر). ولدت الدلائل وراء ذلك على أنها أعظم العبادات قدرًا وأعظمها حكمًا. فمنها، أنها تكرير الإيمان من وجوه: أحدها أنه لابد فيها من الشهادتين اللتين بهما ظاهر الإيمان، ولا تصلح الصلاة إلا بهما، على أنهما يتكرر أن في بعض الصلوات نقلاً مرة وتمرنًا أخرى، ولا تكرار لهما في صلب الإيمان. ومنها أن لا ينعقد الإيمان إلا بتسمية الله تعالى، وهو أن يقال: الله أكبر، كما لا ينعقد الإيمان إلا بتسمية الله توحيده، وهو أن يقال: لا إله إلا الله، وتتعلق صحتها بقراءة القرآن الذي هو حجة الرسول ﷺ ومعجزته فتقوم مقام الشهادة بنبوته ورسالته في صلب الإيمان. ومنها أن أفعالها أفعال متعينة للتعظيم في العادات كالقيام والركوع والسجود والجثو
على الركب، تدل من الفاعل على أنه يزيد بها معظمًا يقصده بقلبه ثم تتعلق صحة ذلك التوجه نحو جهة مخصوصة لا يتعلق التعظيم في العادات بهما. إلا أن الرسول المعظم المقصود هدى إليها وأمر بها، فتقوم تلك الأفعال مقام الشهادة بالله وبوحدانيته. ويقوم التوجه نحو الجهة المخصوصة بقول النبي ﷺ مقام الشهادة بنبوته. فتصير الصلاة من هذه الأوجه الثلاثة كالإيمان المطلق، ويجب لها بذلك أن تكون أعظم العبادات قدرًا، وأسناها منزلة. ويؤكد ما قلنا أن اسم الصلاة في اللسان موضوع للتعظيم، لأن الصلاة شرط التطهير. فإذا قيل: صلي قائمًا، يراد حتى صلبه لفلان قائمًا، يراد تواضع له بأن حني له صلبه فسميت هذه العبادة صلاة، لأنه لا جهة من جهات التعظيم من حني الصلب وغيره، إلا وقد اجتمعت فيها. فإن الواحد من الناس إذا دخل على معظم منهم وأراد توقيره والتواضع له لم يحز من وجوده: إما أن يمثل بين يديه، وهذا موجود في الصلاة، لأن فيها قيامًا، أو يتخفى لوجهه إذا رآه، وهذا موجود في الصلاة، لأن فيها ركوعًا أو يجثو له على وجهه، وهذا في الصلاة موجود، لأن فيها سجودًا أو يجثو بين يديه وعلى ركبتيه، وهذا في الصلاة موجود، لأن فيها قعودًا. أو يثني عليه ويمدحه ويدعوه بأسمائه الشريفة الكريمة عنده ليظهر له أنه غير مستغن عنه. وهذا موجود في الصلاة، لأن فيها إذكاء وثناء، أو يتصاغر له برفع حوائجه إليه، ويظهر له أنه غير مستغن عنه، وهذا موجود في الصلاة، لأن فيها دعاء، وأفضل الدعاء ما كان في الصلاة أو يتقرب إليه بقراءة كتابة وعهده وولوعه به وصرف الهمم إلى تحفظه، وهذا في الصلاة موجود لأن فيها قراءة القرآن أو تعظيمه بأن يلزم قصده ولا يعرض عنه، ولا يلتوي ولا يلتفت. وهذا في الصلاة موجود، لأن المصلي يلزم قصد الجهة التي ولاه الله إليها ولا يلتفت أو تعظيمه بأن لا يكلم أحدًا سواه بين يديه، ولا يشتغل إلا به. وهذا في الصلاة موجود لأن كلام الناس فيها محظور ممنوع. ويتقرب إليه بأن لا يراه إلا وهو متطهر متنظف لابس، ولا يعص منه بأن يتقدم إليه على أي حال كانت مستفتحة أو مستحسنة. وهذا في الصلاة موجود لأن من شرطها الطهارة وستر العورة.
يراه إلا وهو متطهر متنظف لابس، ولا يعص منه بأن يتقدم إليه على أي حال كانت مستفتحة أو مستحسنة. وهذا في الصلاة موجود لأن من شرطها الطهارة وستر العورة. فهذه جهات التعظيم، ولا تعرف في العبادات عبادة جمعت منها ما جمعت الصلاة، فاستحقت بذلك أن تسمى بهذا الاسم، وتدعى قرينة الإيمان أو ثانيته وبالله التوفيق. ومن الدلائل التي ذكرتها أن النبي ﷺ جل إقامتها من أسباب حقن الدم، وإن
كان تركها لا يضر إلا تاركها، كما جعل الشهادتين حاقنتين للدم، وأن حبسهما. لا يضر إلا حابسهما. فقال النبي ﷺ (إني منعت عن قتل المسلمين) وقال الذي جاءه فسافر في قتل رجل، قال: (أليس يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله؟ قال: بلى ولكن لا تشاهد له قال: أليس يصلي؟ قال: بلى، ولكن لا صلاة له. فقال: أولئك الذين نهاني الله عن قتلهم) فدل بذلك على أن لا قام الصلاة من الحظ في العصمة ما لشهادة الحق، وليس هذا الشيء من العبادات سوى الصلاة. ومنها أن الصلاة أشغل العبادات للزمان بعد الإيمان، لأنها تتكرر في كل يوم وليلة خمس مرات، ومعها من السنن المذكورة، والنوافل المستحبة ليلاً ونهارًا ما يستغرق نحوًا من شطر الزمان. فإن صلاة الضحى إذا ضمت إلى المكتوبات المرادة على أفضل جهات التمام مع السنن المندوب إليها، ولزوم الذكر بعد صلاة الفجر حتى تطلع الشمس، ولزومه بعد العصر حتى تغرب الشمس. وصلاة التهجد في نحو من ثلثي الليل لم تشكل أن زمان الصلاة يكون نحوًا من زمان التجلي عنها، فيصير ذلك دليلاً على غلظ حق الصلاة، وأنه لو أمكن العبد أن لا يخلو منها، لما كان من حقه أن لا يخلو، كما أنه أمكنه أن يستديم الإيمان فلا ينفك منه لم يجعل له أن يخلو منه، لما كان من حقه أن يخلو. كما أنه لو أمكنه أن يستديم الإيمان إلى زمن، ولكن استغراق الأزمان كلها بالصلاة لما كان غير ممكن كان شغل شطرها فيها ممكنًا أمر بذلك فرضًا وندبًا، ويبين ما وضعت أن الزمان كله محتمل الصلاة إلا الأوقات المستثناة التي تذكر بعدها إن شاء الله. وتلك أوقات يسيرة من أزمان كثيرة، فبان أن القصد وقع على أن يكون التعبد بالصلاة مستمرًا في أكثر الأوقات.
الأوقات المستثناة التي تذكر بعدها إن شاء الله. وتلك أوقات يسيرة من أزمان كثيرة، فبان أن القصد وقع على أن يكون التعبد بالصلاة مستمرًا في أكثر الأوقات. وإلى هذا وفقت الإشارة بقول الله ﷿: ﴿وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها ﴿وقوله ﷿:﴾ ومن الليل فاسجد له وسبحه ليلاً طويلاً ﴿. وقوله:﴾ قم الليل إلا قليلاً ﴿إلى قوله ﴿سبحًا طويلا﴾.
وجاء أن داود ﵇ كان جرى على أهل بيته الصلاة، فلم تكن ساعة من الليل والنهار إلا وإنسان قائم من آل داود يصلي. وليس ذلك لعبادة سواها، وكان ذلك مما يدل على غلظها وعظم قدرها. ومنها أنها لا تسقط بالأعذار ولا تنزل إلى الإبدال، ولا تجري فيها الغاية، فإنها غير مرفوعة عن مخاطب مكلف على سبيل الترفيه عنه، ولكن كل أحد مأمور أن يصليها ولا يؤخرها عن وقتها، صحيحًا كان أم مريضًا، آمنًا كان أو خائفًا، مقاتلاً كان أو غير مقاتل، حتى الذي مر بها الطلق، وحتى المربوط على خشبة، كل هؤلاء مأمورون بالصلاة على ما يمكنهم ويقدرون عليه، ويليق بأحوالهم. لا يحل بأحد منهم تأخيرها عن وقتها، ولا يقبل من أحد عنها فدية، ولا يجوز عنه من غيره نيابة. وليس هذا الشيء من العبادات بعد الإيمان، فدل ذلك على دنو منزلتها من الإيمان، وفضلها بذلك على غيرها. ومنها أنه ليس في العبادات التابعة للإيمان عبادة تشتمل على أذكار وأفعال سوى الصلاة. ومعلوم أن كل واحد منهما يصلح للتقرب به إلى الله ﷿. فإن قيل: فالإيمان نفسه ليس إلا الذكر. فقولوا: إن الصلاة بجمعها بين الأذكار والأفعال أفضل منه. قيل: هذا غلط، لأن الإيمان جامع بين الأذكار والأفعال، وأحد أفعالها الصلاة التي نحن في ذكرها، فكيف يلزمنا أن نفضلها على الإيمان؟ فإن قيل: الدافع منه للكفر لا يحتاج إلى الصلاة: قيل: الدافع للكفر هو الذي جعلت الصلاة من شعبه وأركانه، ولكن دفع الكفر به بعجل قبل وجوب الصلاة. وذلك لا يخرج الصلاة من أن يكون من أركانها، كما أن النية والتكبير ينقلان عن لا صلاة إلى الصلاة، وذلك لا يدل على أن ما وراء التكبير ليس بصلاة والله أعلم.
لك لا يخرج الصلاة من أن يكون من أركانها، كما أن النية والتكبير ينقلان عن لا صلاة إلى الصلاة، وذلك لا يدل على أن ما وراء التكبير ليس بصلاة والله أعلم. ومنها أن شيئًا من العبادات لا يقتضي من كثرة الشرائط ما تقتضيه الصلاة، قول ذلك على أن غلظ حكمها وعظم قدرها. فإن ألزمنا على هذا الإيمان كان الجواب عنه كالجواب عن الذي قبله. ومنها أن الصلاة من جنس عبادة الملائكة، فإنهم موصوفون بالقيام وبالركوع وبالسجود. قد جاءت الأخبار بذلك عنهم والبيان للذكر، ومعلوم أن الصيام والزكاة
ليسا لائقين بالملائكة، ولا الإحرام بالحج ولا العمرة، لأنهم ليسوا من أهل الأشياء التي تحرم على المؤمنين من بني آدم، فيليق لذلك أن يوصفوا بأنها حرمت عليهم. وإن كان شيء من عمل الحج يليق بهم فالطواف، والطواف صلاة، فصح أن الصلاة أشرف العبادات وأفضها والله أعلم. وبحسب ما ذكرت من منزلة الصلاة من سائر العبادات جرى ذكرها من الله ﵎ والدلالة من رسول الله ﷺ. فإن الله ﷿ اسمه ما ذكر الصلاة مع غيرها إلا قدم الصلاة عليه فقال:﴾ الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ﴿. وقال:﴾ وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ﴿. وقال:﴾ والمقيمين الصلاة والمؤتون الزكاة ﴿. وقال:﴾ يتساءلون عن المجرمين ما سلككم في سقر، قالوا: لم نك من المصلين، ولم نك نطعم المسكين ﴿. إلى غير ذلك من الآيات التي تكثر على العد وقد ذكر الله ﷿ الإيمان والصلاة، ولم يذكر معهما غيرهما، دلالة بذلك على اختصاص الصلاة بالإيمان والتزامها به. فقال:﴾ فلا صدق ولا صلى ﴿. أي فلا هو صدق رسول الله ﷺ فآمن به، ولا صلى لأنه إذا لم يصدق بالرسالة كانت الصلاة إحدى الرسالات لم يصل. وقال:﴾ وإذا قيل لهم اركعوا، لا يركعون فبأي حديث بعده يؤمنون ﴿. فوبخهم على ترك الصلاة كما وبخهم على ترك الإيمان. وقد ذكر ﷿ الصلاة وحدها بذلك، دلالة بذلك على أنها عماد الدين، فذكر الأنبياء والمتقين ومدحهم بأنهم كانوا﴾ إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجدًا وبكيًا ﴿. ثم ذكر من خالف هداهم فذمهم فقال:﴾ فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات ﴿. فقد مدحهم حين مدحهم على الصلاة أو ما يجري مجرى الصلاة من السجود. وقصر ذنبهم على ترك الصلاة، ثم أخبر بما يؤذيهم إليه من سوء العاقبة فقال: ﴿فسوف يلقون غيًا﴾.
هم حين مدحهم على الصلاة أو ما يجري مجرى الصلاة من السجود. وقصر ذنبهم على ترك الصلاة، ثم أخبر بما يؤذيهم إليه من سوء العاقبة فقال: ﴿فسوف يلقون غيًا﴾.
يعني -والله أعلم- لا يرشدهم أمرهم مع إضاعة الصلاة، ولكنهم يقرون، فلا يزالون يقعون في فساد بعد فساد، كمن يضل الطريق، فلا يزال يقع في مهلكة بعد بعد مهلكة إلا أن ينقطع به فيبيد، فدل ذلك على عظم قدر الصلاة وجلال موقعها من العبادات والله أعلم. وأما النبي ﷺ، فقد روي عنه أنه قال: (مثل الصلوات الخمس كمثل نهر عذب يجري على باب أحدكم يغتسل فيه كل يوم خمس مرات، فماذا يبقى عليه من الذنوب). وقال: (الجمعة إلى الجمعة والصلوات الخمس كفارات لما بينهن ما اجتنب الكبائر). وقال: (إذا توضأ الرجل وأحسن الوضوء ثم أتى إلى المسجد لا يريد إلا الصلاة، لم يخط خطوة إلا رفع بها درجة أو حط عنه بها خطيئة، والملائكة تصلي على أحدكم ما دام في مصلاه الذي صلى عليه، اللهم صل عليه، اللهم ارحمه ما لم يحدث، ما لم يؤدي فيه أحد). فأبان ﷺ بما قال عظم قدر الصلاة وارتابها على سائر العبادات ثم بين ذلك نصًا، فإنه سئل: أي العمل أفضل؟ فقال: (الصلاة لوقتها). وقال: (خير أعمالكم الصلاة). وقال: (الصلاة نور المؤمن). وهذا على معنى أنه أحسن ما يظهر منه. وجاء عنه ﷺ قال: (ما أذن الله لعبد في شيء أفضل من ركعتين يصليهما، وإن البر ليذر على رأس العبد ما دام في صلاته). ودل ﷺ عظم قدر الصلاة بقوله: (إن أول ما افترض على هذه الأمة من دينهم الصلاة، وآخر ما يبقي من دينهم الصلاة، وأول ما يحاسبون به الصلاة، يقول: انظروا في صلاة عبدي، فإن كانت تامة
ه: (إن أول ما افترض على هذه الأمة من دينهم الصلاة، وآخر ما يبقي من دينهم الصلاة، وأول ما يحاسبون به الصلاة، يقول: انظروا في صلاة عبدي، فإن كانت تامة
حسبت له تامة، وإن كانت ناقصة، فإن كان له تطوع زيد في فريضته ثم تستقر الأعمال على ذلك). وقال لمعاذ بن جبل: (سأنبثك برأس الأمر، وعموده رأس الإسلام، وعموده الصلاة) وجاء عن كعب ﵁ قال: اختار الله البلاد، فأحب البلاد إلى الله البلد الحرام واختار الزمان فأحب الزمان إلى الله الأشهر الحرم، وأحب الأشهر الحرم إلى الله ذو الحجة وأحب ذو الحجة إلى الله العشر الأول. واختار الله الأيام، فأحب الأيام إلى الله يوم الجمعة واختار الله الليالي فأحب الليالي إلى الله ليلة القدر. واختار الله الساعات، فأحب ساعات الليل والنهار ساعات الصلوات المكتوبات. واختار الله الكلام، فأحب الكلام إلى الله، لا إله إلا الله والله أكبر، وسبحان الله والحمد لله. وفي بعض الحديث، إن الملائكة يأتون أهل الجنة في أوقات صلواتهم، فيسلمون عليهم، وإن كرامة الله تعالى لأهل الجنة تكون بمقادير صلواتهم وفي أوقات صلواتهم. وهذا أيضًا مما يميز الصلاة عن سائر العبادات ويبين فخامة أمرها وعظم قدرها. وجاء عن النبي ﷺ: (كان إذا حزبه أم فزع إلى الصلاة). وعن علي كرم الله وجهه قال: لقد رأينا ليله القدر وما فينا إلا نائم غير رسول الله ﷺ يصلي ويدعو حتى أصبح، وكذلك روى عنه ﷺ في ليلة الخندق أنه قام فصلى هونًا من الليل حتى أتاه الخبر بانصراف الناس. وروي عنه أنه كان إذا رأى بأهله ضيقًا وشدة أمرهم بالصلاة لقول الله ﷿:﴾ وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها ﴿. وروي أن موسى صلوات الله عليه وسلم لما بلغ البحر ودنا فرعون من بني إسرائيل فزع لأن البحر كان أمامه، وفرعون بجنوده خلفه، فقام إلى الصلاة، وكانت الكرب العظام تكشف عن الأولين بالصلاة، فما زال يدعو ويتضرع إلى الله ﷿ حتى أوحى إليه:﴾ أن اضرب بعصام البحر ﴿. فضربه فانفلق. وجاء عن النبي ﷺ: (إن الله
حرم على النار أن تأكل من بني آدم أثر السجود) يريد بذلك أن من أهل النار من المؤمنين لم تحرق النار مواضع السجود إذا صلوا منهم. فثبت بجميع ما ذكرنا وبغيره مما لم يذكره موقع هذه العبادة من بين العبادات، وما كان الله بهذه المنزلة فواجب على العبد أن يشكر الله تعالى على هدايته له أولاً، ويسأله التوفيق للاستكثار منه ثانيًا، ويبذل المجهود من نفسه ثالثًا، والله عز اسمه يرغب في تيسير ذلك لنا. أن مفاتيح الخير بيده، وما النصر والمعونة إلا من عند الله، وهو الولي الحميد. فصل وإذا ظهر عظم قدر الصلاة، فالصلاة تنقسم إلى قرآن وسنن معلومة وتطوع موكول إلى اختيار العبد لنفسه. والفرائض كلها إلى الأعيان - إلا صلاة الجنازة، فإنها من فروض الكفاية وهي الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر. وقد ذكرهن الله تعالى مجملة ومفصلة. أما المجمل فقوله:﴾ وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفًا من الليل ﴿. وكلتاهما بني الآيتين في هذا المعنى من المعجز العظيم البين إعجازه. فأما المفصل، فما روى نافع بن الأزرق قال: سألت ابن عباس ﵁: هل تجد في كتاب الله الصلوات الخمس؟ قال: نعم،﴾ فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون ﴿وله الحمد في السموات والأرض وعشيًا العصر،﴾ وحين تظهرون ﴿الظهر. ثم قرأ:﴾ ومن بعد صلاة العشاء ﴿يعني العتمة. وجملتها سبع عشرة ركعة، ومعها من السنن ما قال ابن عمر ﵄: حفظت عن رسول الله ﷺ ركعتين قبل الفجر، وركعتين قبل الظهر، وركعتين بعدها، وركعتين بعد المغرب، وركعتين بعد العشاء. وذكر إن لم يكن يدعها. ويلتحق بهذه الجملة الركعات بعد الطواف والركعتان بعد دخول المسجد. وورائها صلوات مسبوقة بأنفسها وليست تابعة لغيرها كصلاة العيدين والاستسقاء والخسوف وقيام شهر رمضان، فإن ﷺ قال: (إن الله فرض عليكم صيام هذا الشهر وسننت
وورائها صلوات مسبوقة بأنفسها وليست تابعة لغيرها كصلاة العيدين والاستسقاء والخسوف وقيام شهر رمضان، فإن ﷺ قال: (إن الله فرض عليكم صيام هذا الشهر وسننت
لكم قيامه) فأبان أن قيام شهر رمضان سنة. وأما قيام غيره من ليالي السنة فإنه رغب فيه جملة، ولم يطلق عليه اسم السنة، فهو إذًا من جملة التطوع كصلاة الضحى بالنهار، وصلوات التسبيح والأربع الركعات بعد الزوال، فإنه ذكر أن أبواب السماء تفتح في ذلك الوقت وسيجاب الدعاء. وأما الوتر، فإن النبي ﷺ قال: (إن الله زاد كم صلاة وهي الوتر فصلوها بين العشاء والفجر) ومعنى ذلك عندنا: أنها زيدت على سنة العشاء المعني وهو أن المغرب وإن كانت توتر العشاء كما توتر سائر المكتوبات، فإنها متقدمة على العشاء، وبالنية لغيرها. فزيدت هذه الوتر بعد العشاء لتؤكد ما أوجبته المغرب من إيثارها. وتضاهي العشاء بذلك سائر الصلوات لمن يصلي الفرض وحده، ثم تدركه في جماعة فيصليه معهم. وإن كان الفرض ساقطًا عنهم ليصير كأنه أدى الفرض في جماعة ولهذا المعنى تعلقت صحتها بفعل العشاء الآخرة، ولم يجز تقديمها عليها فهي من سنتها، وإن أخرت إلى الفراغ من صلاة الليل أوتر بها من بابها ونوعها، فإنها من صلاة التهجد مثلها. وهذه الصلوات كلها معلومة الهيئات، معروفة الأحكام، لا يخفي حملها على عامة المسلمين. وما وفاها من الفروع وبما يمكن أن يتحدث ويتوب. فأحكامها مفردة في الكتب المفردة لهذا الشأن. وإنما يذكر في هذا ما يتصل بآياته إن الصلاة من الإيمان. ويدل على عظم قدرها ووجوب المحافظة عليها، وغلظ الإثم على من أجل بها وقصر في حقوقها، وتعريف حكم الله في الأوقات التي وقت الصلاة بها، وفضل الاستكبار من نوافلها، وترتيبها من الآداب والهيئات فما شرع لها وترك الاقتصار منها على أقل ما يجري ويسقط به الفرض. وإظهار اليدين بها لأهل الملل بإقامتها جماعة في المساجد.
ا، وترتيبها من الآداب والهيئات فما شرع لها وترك الاقتصار منها على أقل ما يجري ويسقط به الفرض. وإظهار اليدين بها لأهل الملل بإقامتها جماعة في المساجد. والدلالة على حدود قيام رمضان والحث على قيام غيره وسائر ما جاء من وجوه التطوع والأمانة عن علم الوتر وتفضيل وجوهه، فإن هذه الأبواب تخلو منها أكثر كتب الفقهاء صنفوا في الفقه قديمًا، لأنهم أحبوا تجريده عما سواه، كما أفردوا لكل باب من أبواب الفقه كتابًا لا لمعنى سوى أنهم رأوا تجريده له أحسن من خلطه بما سواه. فأما اليوم فإن أكثر فقهاء زماننا أغفلوا
النظر في هذه الأبواب وظنوا أن علم الشريعة ليس إلا علم ما يستخرج بدقيق النظر من أحكام النوازل، وليس كذلك، بل علم العمل أهم وأفضل وأولى بالتقديم من علم اللسان، فإن الله ﷿ خلق عباده ليعبدوه لا ليستخرجوا بجهدهم الحوادث أحكامًا ويشغلوا ليلهم ونهارهم بدرسها، ويبطلوا أمر العبادات التي كانت دأب الصالحين، فلهم علمها، فذاك الذي دعاني إلى تخريج هذا الكتاب، والله ينفع به ويجعله لوجهه بمنه وقدره. فصل ونقول قبل ما اقتصصنا من هذه المعاني إن الله تعالى لما فرض الصلوات الخمس علينا وجعلها موقوتة، فقال:﴾ إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابًا موقوتًا ﴿. فيها من الليل والنهار، وأجل ما بين طلوع الشمس إلى زوالها من فرطها ليبسط الناس منه ويركنوا إلى التصرف في معايشهم وقضاء الحقوق التي تكون لبعضهم على بعض من الزيادة والعبادة والتهنئة والتعزية وغيرها. وأجلى منها الشطر الآخر من الليل أو ثلثهم ليستوفوا حظهم من النوم فيه، ويقضوا فيه وطرهم. وشغل بفرض الصلاة النصف الآخر من النهار، والنصف الأول من الليل، وما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، وأنه وقت فارغ يعقب قضاء الناس حاجتهم من اليوم، ولا يتسع إلا للشراء والتصرف، ثم لم يفرض عليهم من الصلاة في هذه الأوقات يستغرقها بل السير منها لتجتمع لهم فيها العبادة والفراغ لما عسى يكون عليهم من إشغال المعاش، ويميلون إليه من الراحة والجمام ولله الحكمة البالغة.
لأوقات يستغرقها بل السير منها لتجتمع لهم فيها العبادة والفراغ لما عسى يكون عليهم من إشغال المعاش، ويميلون إليه من الراحة والجمام ولله الحكمة البالغة. ووجه آخر: وهو أن الله ﷿ لما جعل النهار لينتشر الناس فيه ويبتغوا نم فضله، والليل ليسكنوا فيه. فكانت حقيقة الليل والنهار أن تكون الشمس فوق الأرض أو تحتها، علق هذه الصلوات باحوال الشمس، ثم لم يجعل لطلوعها مدخلاً في إيجاب الصلاة، لأن لطلوعها من النهار، والحسن بما يأخذ بمجامع القلب، وقد يسجد في ذلك الوقت قوم من الكفار عبادة لها من دون الله تعالى وهم الذين أبادهم الله تعالى بقوله: ﴿لا
تسجدوا للشمس ولا للقمر واسجدوا لله الذي خلقهن ﴿. فلم يأمر الله تعالى في هذا الوقت بالصلاة لئلا تدخل الشبهة على بعض الناس، ويروا أن الصلاة في ذلك الوقت تعظيم للشمس، إذ لا يتصور ذلك منهم بهذه الصورة وإن كانوا لا يريدونها ولا يقصدونها. وقدم الإيجاب فوضعه عند طلوع الفجر الذي هو أول أحوال طلوع الشمس. فإنه ليس للفجر من الزهاء والبهاء والبهجة ما لعين الشمس، ولا يسبق إلى الأوهام من الصلاة في ذلك الوقت ما يسبق منها البهاء حال طلوع الشمس. ثم لم يعد الإيجاب صلاة أخرى حتى تزول الشمس. فإذا زالت الشمس وجب الظهر، وليس لزوالها من الحال التي وصفناها لطلوعها، لأن طلوعها ارتفاعًا وزوالها انحطاطًا. والسجود في وقت الانحطاط لا يشبه التعظيم ولا يوهمه. ثم لم يوجب صلاة حتى يصير ظل كل شيء مثله، ويزيد أدنى زيادة، فأخذ الظل في ازدياد، ويحدث له عليه كما أوجب الظهر حين حدث منه ما كان. وهذا أيضًا لا يوهم أن يكون المقصود بالسجود للشمس، لأن عليه الظل يحدث عن تزايد سقوط الشمس نحو المغرب، ثم لم توجب صلاة حتى تغرب الشمس غروبها أبعد الأحوال من اتهام أن يكون السجود لها. لأنها إذا غربت فقد غابت عن الأبصار وصارت كالمعدومة، ثم لم تجب صلاة أخرى حتى يغيب الشفق الذي هو الحمرة، لأن الحمرة من بقايا الإشراق الذي هو رتبة الشمس وبهجتها. وإيجاب الصلاة عند غروبها كإيجابها عند غروب قرصها إلا إيهام فيه لتعظيمها وأن تكون هي المقصودة في السجود دون خالقها، ولم تفرض هذه الصلاة إلى أن يغيب البياض، لأن صلاة قد وجبت بطلوع البياض فلم يجز أن يكون غروبه وقتًا للصلاة الأخرى، ليكون حكم الغروب خلاف حكم الطلوع. ألا ترى أن غروب الشمس لما كان وقت الصلاة لم يكن طلوعها وقت الصلاة، فخالف حكم الطلوع حكم الغروب، فكذلك هذا. وله وجه آخر: وهو أن أوقات الصلاة إذا كانت مأخوذة من أحوال الشمس وجب أن يكون أثر من آثار الشمس موجودًا حينما تجب الصلاة وتقام. فإذا كانت صلاة الفجر تجب بظهور بياض الشمس، والظهر يجب بزوالها، والعصر باستعلاء سقوطها، والمغرب



