المنهاج في شعب الإيمان

Kitab aqidah Ahlussunnah wal Jama'ah karya الحليمي (w. 403 H).

Bagian 28 dari 42 1512 halaman

— Bagian 28 · بن عبد الملك عن أبي أمية قال: قل، الحمد لله رب ا… —

Bagian 28

بن عبد الملك عن أبي أمية قال: قل، الحمد لله رب العالمين الذي رزقني حج بيته المحرم والطواف به إيمانًا وتصديقًا فأعوذ بعظمة وجه الله، وجلال وجه الله،

وكرم وجه الله، وسعة رحمة الله. إن أصت بعد مقامي هذا خطية مخطئة، أو ذنبًا لا يغفر، هذا مقام العائذ بك من النار، قال: فإنك تصدر بأفضل ما صدر به حاج أو معتمر إلا من قال مثل ما قلت، أو زاد، هذا عند طواف الوداع. فإذا فرغ من الدعاء أتى زمزم، فشرب منها متزودًا إياه متبركًا به، قال مجاهد: وكانوا يستحبون إذا ودعوا البيت، أن يأتوا زمزم فيشربوا منها، ثم عاد إلى الحجر فقبله ومضى. فإذا أراد الخروج من المسجد، فقد قال بعض أهل العلم: يلتفت إلى البيت كالمتحزن على ما تغيب عنه، لا يكاد يسبح نفسه، برفع طرفه عنه. وكره ذلك بعض السلف، وروي عن ابن عباس ﵄ أنه كره قيام الرجل على باب المسجد إذا أراد أن ينصرف إلى أهله متحرقًا إلى الكعبة ينظر إليها ويدعو، وقال: اليهود يفعلون ذلك، وعن مجاهد مثله، وهذا أشبه، لأنه قد ودع البيت، فإذا حدث بعد ذلك عهدًا به ولم يجبه بالطواف فقد خطأه. ولأن يكون آخر عهده بالبيت تحية أولى به من يكون آخر عهده به حفاوة والله أعلم. ومن الناس من يرى أن يقول إذا طاف طواف الوداع: اللهم لا تجعل هذا آخر عهدي بالبيت، فإن قال هذا ومضى دون أن يلتفت إليه وما يدريه لعل ذلك دعوته أجيبت له، ثم لا يراه. وينبغي أن لا يفارق الحاج البيت راغبًا عنه مستثقلاً ما عاناه في طريقه، بل يستخف كل جهده رغبًا ويصيب أصابه في حب ما رزقه الله تعالى وأهله له، من زيارة بيته وقضاء مناسكه، ويكون قوي العزم على أن يتوب إليه راغبًا إلى الله تعالى في ذلك، داعيًا إياه به.

ب أصابه في حب ما رزقه الله تعالى وأهله له، من زيارة بيته وقضاء مناسكه، ويكون قوي العزم على أن يتوب إليه راغبًا إلى الله تعالى في ذلك، داعيًا إياه به. ومما جاء في التزام البيت ما روي أن عبد الله بن عمرو طاف بالبيت، فلما كان خلف الكعبة قيل له: ألا تتعوذ،: أعوذ بالله من النار، ثم مضى حتى استلم الحجر، وقام بين الركن والباب، فوضع صدر وجهه وذراعيه وكفيه مبسطًا على الباب. قال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ فعل. وقال صالح جنان: قال لي أنس بن مالك وأنا أطوف معه: ارفع الأستار ثم الزم بطنك. أو قال: كبدك بالبيت، ثم تعوذ برب هذا البيت من النار، وعن سعيد بن جبير أنه كشف عن بطنه والزقه الملتزم. وعن القاسم بن محمد وعمر

ابن عبد العزيز وعمر بن ميمون أنهم كانوا يلتزمون خلف البيت، ويلزمون بطونهم به ويقولون القاسم: اللهم إني أعوذ بك من رأسك ونقمتك وسلطانك، وعن الأسود أنه كان ملتزم خلف البيت، وكان جابر بن زيد لا يتقي من البيت مشيًا أي يلتزم كله، وكان عروة يشيح جبينه وظهره وبطنه بالكعبة، وقال مجاهد: إذا أردت أن تفوز، فات البيت فطف ثم وصل ركعتين، ثم آت زمزم فاشرب منها، ثم ما بين الحجر والباب فألزم بطنك بالبيت ثم ادع اله ﷿، وصل ما أردت. ثم آت الحجر فاستلمه، ثم انطلق ولا تعرج في سفر ما لا يعنيه، ويكون به غناء عنه، ليتعجل رجوعه إلى أهله. فإنه يروى عن رسول الله ﷺ أنه قال: (السفر قطعة من العذاب، فإذا قضى أحدكم نهمته من سفره، فليتعجل الرجوع إلى أهل). فصل ومن ورد مكة، إن كان مقيمًا بها فليكثر من الطواف بالبيت، وليصلي كلما طاف سبعًا ركعتين خلف المقام. فإن طاف عدة أطواف متتابعة ثم انصرف عنها، فصل أجزاءه، لأن الصلاة سنة الانصراف عن الطواف. جاء عن النبي ﷺ في فضل الطواف أنه قال (من طاف بالبيت لم يرفع قدمًا ولم يضع أخرى إلا كتبت له حنة وحطت عنه بها خطيئة، ورفعت له بها درجة). وعنه ﷺ: (كان كعدل رقبة يعتقها). روى طاووس عن عائشة ﵂ أنها كانت لا ترى بأسًا أن يطوف الرجل ثلاثة أسباع أو خمسة ثم يصلي، وعن عطاء عن عائشة ﵂ أنها كانت تقرن بين الأسابيع. وفعل ذلك المسور بن محزمة إذا أقرن بين الأسابيع، ثم صلى ركعتين فبناه.

ل ثلاثة أسباع أو خمسة ثم يصلي، وعن عطاء عن عائشة ﵂ أنها كانت تقرن بين الأسابيع. وفعل ذلك المسور بن محزمة إذا أقرن بين الأسابيع، ثم صلى ركعتين فبناه.

لأن عطاء روى عن عائشة أنها قالت: لا بأس أن يطوف الرجل ثلاثة أسباع ثم صلى ست ركعات، وإذا عني في طوافه جلس واستراح ثم قام فبنى. روي أن عمر ﵁ طاف بالبيت ثلاثة أطواف ثم قعد يستريح، ثم قام فبنى على طوافه، وفعل ذلك الحسن، وأجازه عطاء في الطواف والسعي بين الصفا والمروة. وكره مجاهد. وينبغي للطائف أن يحصي طوافه، وفي ذلك شيئان. أحدهما أنه يقدر ما يقاس بقدر الطواف، يتزحزح عما لا يليق بذلك المقام من أمور الدنيا. والآخر أنه لا ينصرف على شفع، وهو لا يدري. روي عن عبد الله بن عوف قال: كنت أطوف مع النبي ﷺ، فقال له: (كم تعد؟ ثم قال: أن سألتك لتحفظ). وفي هذا الحديث إرشاد إلى أن معلم الفقه يحسن به أن يعافص المتعلم بالسؤال عن بعض ما يسمع. وسئل عبد الله بن عمر عن السعي بين الصفا والمروة، فقال: إن خشيت أن لا تحصي فخذ معاك أحجار أو حصيات، قالوا بالصفا واحدة، وبالمروة أخرى. وكره مجاهد أن يقال لعدد الطواف أشواط وأدوار. وهذا بفعل دور العادة واللغو، كما قد يقال للاعتكاف بيت وللصائم حمية. ولأن الله ﷿ قال: ﴿وليطوفوا بالبيت العتيق﴾. وقال النبي ﷺ: (من طاف سبوعًا) واختلف في الصلاة بمكة والطواف أيهما أفضل؟ فكان ابن عباس يقول: أما أهل مكة فالصلاة لهم أفضل وأما أهل الأمصار فالطواف، وتابعه على ذلك سعيد بن جبير وعطاء ومجاهد وهذا لأن الطواف مألوف لأهل مكة والصلاة لغيرهم، غير المألف أكثر كلفة من المألوف. ومن جلس في المسجد الحرام فليكن وجهه إلى الكعبة، وينظر إليه إيمانًا واحتسابًا. فإنه يروى أن النظر إلى الكعبة عبادة. وقد تقدمت في هذا رواية خير، وقاله عطاء ومجاهد. ومن تمام زيارة البيت وليس بواجب، دخوله والصلاة فيه. دخل رسول الله ﷺ الكعبة وصلى فيها ركعتين، متيامنًا بين العمودين المقدمين. وفي أي نواحي البيت صلى فجائز.

ام زيارة البيت وليس بواجب، دخوله والصلاة فيه. دخل رسول الله ﷺ الكعبة وصلى فيها ركعتين، متيامنًا بين العمودين المقدمين. وفي أي نواحي البيت صلى فجائز.

وينبغي إذا دخلها أن يخر ساجدًا حيال الجذع الملصق بحائط الكعبة، ثم يرفع رأسه ويقعد، فيدعو ثم يقوم فيصلي ركعتين ويقوم فيدعو ويستغفر ويسبح الله ويحمده ويهلله ويكبره، ثم يأتي والمستقبل من الكعبة، فيضع وجهه عليه، ويدعو ويستغفر ولا يرفع رأسه إلى سقف البيت ولا يطوف إلا نحو الأرض تعظيمًا لله وحياء منه. ويأتي نواحي البيت فيدعو ويستغفر، ثم يخرج. ويأتي الملتزم ويضع وجهه عليه، ويدعو ويستغفر. ومن لا يمكنه دخول البيت دخل الحجر، فإن النبي أخبر أن الحجر من البيت. ولا ينبغي أن يؤخذ من كسوة الكعبة، فإنه يهدي إليها ولا ينقص منها شيئًا. روي عن سعيد بن جبير ﵁ أنه كان يكره أن يؤخذ من طيب الكعبة يستسقي به، وكان إذا رأى الخادم يأخذ منه قذفها قذفة لا يألو أن يرجعها. وقال عطاء كان أحدنا إذا أراد أن يستسقي به جاء بطيب من عنده ثم مسح به الحرام، ثم أخذه. ومن قدم مكة من حاج أو معتمر، فلا ينبغي له أن يخرج منها حين يقرأ القرآن قال: الحسن وإبراهيم كانوا يحبون ذلك ونفحهم. وقال أبو مخلد: كان يستحب لمن قدم شيئًا من هذه المساجد أن لا يخرج منه حين يقرأ القرآن: المسجد الحرام، ومسجد المدينة، ومسجد بيت المقدس وقال إبراهيم: كانوا يكرهون أن يسند إنسان ظهره إلى الكعبة يستدبرها، ولهذا إذا لم يكن منه غرض صحيح. فأما إذا أراد رجل أن يروي السنن وبين يديه مستمعون، أو قوم يكتبون، أو يذكر لهم أو يفتي أو يفقه، وبين يديه قوم فاستدبروا لهم متبركًا بالاستناد إليها. وأما على المأخوذ منه العلم، كما أن الكعبة أمام، وحق الإمام أن يستقبل، فأسند ظهره إلى الكعبة ليكون الإمامان في وجهه واحد ومن نظر إليهما معًا فهذا غرض صحيح. أو قيل: لا كراهية فيه والله أعلم. ولهذا خطب النبي ﷺ وهو مسند ظهره إلى الكعبة وبالله التوفيق. وإذا حج الناس فليحجوا على الاقباب والقطائف، كما روي أن النبي ﷺ حج على بغل رث وقطيفة رثة وقال: (اللهم حجة لا سمعة فيها ولا رياء).

كعبة وبالله التوفيق. وإذا حج الناس فليحجوا على الاقباب والقطائف، كما روي أن النبي ﷺ حج على بغل رث وقطيفة رثة وقال: (اللهم حجة لا سمعة فيها ولا رياء). وقال طاووس ﵁: حج الأبرار على الرحال، ورأي ابن عمر رضي الله

عنهما رفقة من أهل اليمن رحالهم الادم، فقال: من أحب أن ينظر إلى أشبه رفقة بأصحاب النبي ﷺ فلينظر إلى هؤلاء، وقال محمد بن سيرين ﵀: كان يكره الحج على المحمل، وهذا- والله أعلم- لما فيه من الرفاهية التامة، ثم إخماد الراحلة، فلا ينبغي الحج على المحمل إلا أن يكثر الناس وتقد الرواحل، ثم لا تنقش المحامل ولا تزين، ولا تفرض فيها الفرش الوطبة، ولا تشحن بالأمتعة التي تنقل على الراحلة ويجهدها والله أعلم. ومن رأى مقام إبراهيم صلوات الله عليه فليصل عليه، ولا يلتمس المقام ولا يقبله. رأى ابن الزبير قومًا يمسحون المقام، فقال: لم تؤمروا بهذا إنما أمرتم بالصلاة عنده، وقال مجاهد: لا يقبل المقام ولا يلمس، والأفضل لمن قدم مكة حاجًا أن يخاص الحج، فإن ضم إليه تجارة لم يضره. قال الله ﷿ فيما يخاطب به الحجاج: ﴿ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلًا من ربكم﴾. قال ابن الزبير وعكرمة: نزلت في مواسم الحج. وسئل ابن عمر ﵁ عن الرجل يحج ويجعل معه تجارة، فقال: لا بأس به، ولا يبتغون فضلًا من ربهم ورضوانًا. وقال مجاهد: كانوا لا يتحرون حتى نزلت: ﴿ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلًا من ربكم﴾. ويكره إخراج تراب الحرم إلى الحل وإدخال تراب الحل إلى الحرم. ومن ذلك عن ابن عباس وابن عمر وعن ابن الزبير أنه لما هدم الكعبة فساقها كره أن يبنى فيها من تراب الحل. وكره عطاء ومجاهد إخراج تراب الحرم إلى الحل. فأما التراب والقطاع المتحدة من فخار مكة، والقدور المتحدة من أحجارها فلا بأس بإخراجها لأنه يستحل منها في الحل إلا ما يستحل في الحرام، والتراب يثبت، فيكون حكم ما يبينه حلاله غير ما يبينه حرامه، وإذا اختلط التبس الأمر، ولم يكن حفظ الحرمة. وكان عطاء يرخص في القصب والسواك من شجر الحرم. وهذا يبين وجهه إذا كان ما يقطع من فصول الشجر. وإما إذا قطع من أكرم أغصانه، فذلك غير جائز والله أعلم. فصل واختلف الناس في العمرة، فقيل إنها للحج كسنة الصلاة لفريضتها. وقيل: إنها فريضة مثله، وبهذا نقول لأن عماد الحج الوقوف بعرفة، وليس في العمرة وقوف. فلو

واختلف الناس في العمرة، فقيل إنها للحج كسنة الصلاة لفريضتها. وقيل: إنها فريضة مثله، وبهذا نقول لأن عماد الحج الوقوف بعرفة، وليس في العمرة وقوف. فلو

كانت كسنة الحج لوجب أن أسلوبه في أفعاله، كما أن سنة الصلاة تساوي فريضتها في أفعالها والعمرة لا وقت لها من السنة، ولكن جماعة من السلف رأوا أن عمرة المحرم من أوجب العمر، قاله القاسم وسالم بن عبد الله وسليمان بن يسار وابن سيرين. وجاء عن النبي ﷺ: (عمرة في رمضان تعدل حجة). ومعناه في الأجر. واعتمر ابن عمر في رجب، وكانت عائشة ﵂ تعتمر من المدينة في رجب. وعن عبد الرحمن بن حاطب أنه اعتمر مع عثمان في رجب. وسئل أبو الحسن الشيعي عن عمرة رمضان فقال: أدركت أصحاب عبد الله لا يعدلون بعمرة رجب. وكان القاسم ابن محمد يعتمر في رجب والأسود مثله. فصل وينبغي للحاج والمعتمر بعدما أحرما أن يكون صمتهما أكثر من كلامهما، ولا يتكلما فيما لا يعنيهما. قال الله ﷿: ﴿فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج﴾. وجاء عن ابن عباس ﵁: الحلال أن تماري صاحبك حتى تعصه في الفسوق والمعاصي، وقال عطاء والضحاك. ولم يختلف في أن الوقت المباشرة، ألا ترى أنه روي عن بعضهم أن التعريف من الوقت، وهو أن يقول المحرم لامرأته: لو قد أحللت لكنت أصبت منك. فلا ينبغي أن يكلمها بما يهدمنه. روى كراهية مثل ذلك عن ابن عباس وابن الزبير وبايعهما عليه طاووس وعطاء. فلا بأس بالزجر وما يشبهه، أن يقوله المحرم في معنى نسكه. كما يروى أن عمر ﵁ لما بلغ وادي خيبر حرك راحلته. وكان يقول: إليك تعدو قلعا وحنينها، مخالفًا دين النصارى دينها، فقال ابن عمر كان يريد معترضًا في بطنها جنينها.

أن عمر ﵁ لما بلغ وادي خيبر حرك راحلته. وكان يقول: إليك تعدو قلعا وحنينها، مخالفًا دين النصارى دينها، فقال ابن عمر كان يريد معترضًا في بطنها جنينها.

وروي عن النبي ﷺ أنه سعى في بطن الوادي وهو يقول: (لا تقطع الأبطح الأشد) فهذا وأمثاله لا بأس بها والله أعلم. فصل واختلف الناس في التعريف لغير مكة، فروي عن الحسن قال: أول من عرف بالبصرة ابن عباس: وقال موسى بن أبي عائشة: رأيت عمر بن حريث يخطب يوم عرفة، وقد استمع الناس إليه وذلك يحسن، لأن أهل الأمصار يكبرون أيام منى كما يكبر الحج، ويصلون يوم النحر بدلًا من طواف الحج، ويضحون كما يضحى الحجاج والعمار عن مكة، فينبغي لهم أن يأتوا المدينة ليزوروا المدينة تربة رسول الله ﷺ، ويسلوا عليه وعلى صاحبيه. فماذا أشرفوا عليها ورأوها قالوا: ما ذكرنا قبل هذا أن المسافر يقول كلما أشرف على بلد وقرية يريد نزولها، فإذا دخلوا المدينة قالوا: اللهم أجعل حرم رسولك أمنًا لنا من العذاب وسوء الحساب بمنك وطولك، ثم لا يعرجوا على شيء حتى يأتوا مسجد رسول الله ﷺ. فإذا دخلوه بدأوا بالصلاة، فحيوا المسجد بركعتين، ثم يمضون إلى حضيرة القبر، فاستقبلوا وجه رسول الله ﷺ، وقالوا: السلام عليك يا رسول الله، نشهد إنك بلغت رسالة ربنا وأديت إلينا كتابه، وثبت فينا أحكامه، وبينت لنا حلاله وحرامه، وعرفتنا وعده ووعيده، وجاهدت في الله حق جهاده، ونصحت أكمل النصح لعباده، وأظهرت شرائع الحق في بلاده، ولم تزل قائمًا بدينه هاديًا بأمره حتى توفاه إلى كرامته، وقبضك إلى روحه وراحته، فصلى الله عليك، وأحسن عنا جزاءك، وأتاك الوسيلة والرفعة والفضيلة، وسلم عليك تسليمًا يوازي قدرك ويقضي عنك حقك. ثم تسلم على صاحبيه فتقول: السلام عليك يا أبا بكر صفي رسول الله ﷺ، وثانيه في الغار، وخليفته على الصلاة بالمهاجرين والأنصار، وجزاك الله عن أمتك رسوله حقًا، ولقاك يوم القيامة أمنًا وبرًا، السلام عليك يا عمر، أعز الله بك الإسلام، واستخلف فيك دعاء نبيه ﵇ جزاك الله عن أمة نبيه أحسن الجزاء، كما كنت فيهم مثلنا خير البلاء

ولولا أن رسول الله ﷺ قال: (لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم) لوجد من محامده وما يثني عليه ما يكل الإنس عن بلوغ مداه، وتخسى الأوهام عن إدراك منتهاه. ولكن المحال أن يبتغي الفضل في خلافه، والبر في عطائه، فلنعدل عن التوسع بحضرته، وعلى عينيه ووجهه إلى ما هو أولى وألزم، وهو الدعاء له فيقال كما روي عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: (إذا صليت على رسول الله ﷺ فأحسنوا الصلاة، فإنكم لا تدرون لعل ذلك يعرض عليه، وقالوا: يا أبا عبد الرحمن؟ قال: فقولوا اللهم صلواتك ورحمتك وبركاته على سيد المرسلين وإمام المتقين وخاتم النبيين محمد عبدك ورسولك، إمام الخير وقائد الخير، ورسول الرحمة، اللهم ابعثه مقامًا محمودًا يغبط به الأولون والآخرون، اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد. وإن زاد ما روي عن ابن عباس ﵁ فحسن. وهو أن يقول: اللهم تقبل شفاعة محمد الكبرى، وارفع درجته العلى وآته سؤله في الآخرة والأولى كما أتيت إبراهيم وموسى. ولا يجوز أن يدعى له بالوسيلة وقد ذكرتها، فإنه يروى عنه ﷺ أنه قال: (صلوا علي فإن بها زكاة لكم، واسألوا الله الدرجة والوسيلة من الجنة، وهي درجة في أعلى الجنة ولا يسألها لي مؤمن، إلا كنت له يوم القيامة شهيدًا أو شفيعًا). ويقول: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، وأزواجه وذريته كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد وأزواجه وذريته، كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد، وحسن أن يقول: الله صل على محمد، كما ذكره الذاكرون، وغفل عن ذكره العاملون. ثم يمضي إلى منبر رسول الله ﷺ، ويلتمس موضع قدميه بيده وهي نظيفة، ثم يمسح بها وجهه ويصلي عليه ﷺ، ويستغفر ويدعو لنفسه، ويصلي بين المنبر والقبر في الموضع الذي وصفته بأنه روضة من رياض الجنة،

موضع قدميه بيده وهي نظيفة، ثم يمسح بها وجهه ويصلي عليه ﷺ، ويستغفر ويدعو لنفسه، ويصلي بين المنبر والقبر في الموضع الذي وصفته بأنه روضة من رياض الجنة،

ركعتين، ويكثر الصلاة عليه ﷺ والدعاء والاستغفار لنفسه ولوالديه وجميع من يعينه ويرفع حوائجه، وما يهمه من أمر دنياه وآخرته فيه. وذكر بعض العلماء أنه يدعو بهذا الدعاء فيقول: يا غياث المستغيثين، أنت المنفس عن المكروبين والمفرج عن المغمومين، ويا مجيب دعوة المضطرين، ويا كاشف البلاء العظيم ويا إله العالمين، اكشف عن كربتي وغمي، واكفني ما همني من أمر دنياي وآخرتي، واجعل لي من كل ذلك فرجًا ومخرجًا، واغفر لي ذنوبي، وثبت قلبي، واقطفه ممن سواك، حتى لا أرجو إلا أنت، ونهى بعض أهل العلم عن الصاق البطن والظهر بجدار القبر ومسحه باليد، وذلك من البدع. وما قاله يشبه الحق، لأنه ما كان يتقرب في حياته بمسح جدار بيته، ولا بإلصاق البطن والظهر به. وإن كان مثل ذلك بالكعبة، ويطاف بالكعبة ولا يطاف بالقبر، فلا ينكر أن يمسح الكعبة ولا يمسح جدار القبر. ويستكثر من الصلاة في مسجد رسول الله ﷺ، فإنه قال: (صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه حاشا الحرام). وإن أتى مسجد قباء المؤسس على التقوى، فصلى فيه ودعا أحرز بذلك فضلًا إن شاء الله وإن خرج إلى زيارة قبور الشهداء ببقيع العرقد، وخص قبور آل الرسول بالزيارة فذلك أحسن وأفضل. ويقول إذا دخل البقيع: سلام عليكم دار قوم مؤمنين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، اللهم تقبل منهم أحسن ما عملوا، وتجاوز على سيئاتهم في أصحاب الجنة، وعد الصدق الذي كانوا يوعدون. وإذا أراد الانصراف رجع إلى قبر النبي ﷺ وقال مثل قوله الأول. وكان من أول ما تقدم إلى أن يرجع مستشعرًا لتعظيمه، ممتلئ القلب من هيبته كأنه شاهده ولا يزال ببصره ولا يخفى عليه شيء، وتخطر بقلبه رأفته بأمته وشفاعته لأهل دينه واهتمامه بأمرهم في أولاه وآخرته. ولا يحل ذلك من ذكر ما رفع الله من قدره وعظمته من أمره، بأن ختم به شأن بنوته وخصه بأفضل رسالته، وأنزل عليه آخر كتبه الذي لا يأتي بعده ما ينسخه، ولا يتعقبه ما برفعه، فلا يطول دعاؤه له، المنخفض غير الموقر، والمتعطف

به شأن بنوته وخصه بأفضل رسالته، وأنزل عليه آخر كتبه الذي لا يأتي بعده ما ينسخه، ولا يتعقبه ما برفعه، فلا يطول دعاؤه له، المنخفض غير الموقر، والمتعطف

غير المعظم، فإن أشكل عليه من ذلك شيء فليلزم الحد المحفوظ عنه، وعن صحابته في الصلوات عليه وبالله التوفيق. ثم يسلم على الإمامين ﵄ كما سبق ذكره، وليس ما قلت بحد موقت وكيفما سلم ودعا بعد أن يكون حسنًا جميلًا فهو جائز. ثم يودع المسجد بركعتين ويدعو بما شاء ويقول: اللهم لا تجعل هذا آخر العهد بحرم رسولك، واجعل إلي العود إليه سبيلًا عاجلًا بمنك وفضلك. فصل وينبغي للحجاج إذا قدموا أن يتلقاهم أهل بلدهم ويلقوا أولادهم. قال عبد الله بن جعفر: كان رسول الله ﷺ إذا قدم من سفره يلتقي بضعاف أهل بلده، وأنه قدم مرة من سفر، فسبقت إليه فحملني بين يديه، ثم جيء بأحد ابني فاطمة، فأردفه خلفه، فدخلت المدينة ثلاثة على دابة وقالت عائشة: أقبلنا مع رسول الله ﷺ قافلين من مكة حتى إذا كنا بذي الخليفة- وأسيد بن حصين بيني وبين رسول الله ﷺ فتلقانا غلامان من بني عبد الأسهل، وكانوا يتلقون أهاليهم إذا قدموا. وقال مالك بن أبي عامر: كان عمر وعثمان ﵄ إذا قدموا من الحج تلقاهما الغلمان، هم الذين يتلقون لأنهم كانوا هم المخلفين من الرجال دون غيرهم. وكان عمر يقول: تلقوا الحجاج ولا تشيعوهم، وهذا لما في الانصراف وترك مصاحبتهم مما ينبغي أن يجد المؤمن في نفسه منه. قال ابن عباس: لو يعلم المقيمون ما للحجاج عليهم لأتوهم حتى يقبلوا رواحلهم، إنهم وفد الله من جميع الناس، وعن عمر بن الخطاب ﵁: تلقوا الحجاج والعمار والغزاة، فمردهم أن يستعفروا لكم. قبل أن يتدنسوا، وينبغي للناس إذا تلقوا الحجاج أن يلتزموهم، بتأويل أنهم قد التزموا البيت الحرام. فإن قبلوا ما بين أعينهم لأنهم سجدوا على الحجر وفي الكعبة مسحوا جباههم عليها. وأعينهم لأنهم نظروا بها إلى الكعبة فذاك حسن. والأصل في تلقي المسافر أن جعفر بن أبي طالب قدم يوم فتح خيبر من الحبشة فقال

رسول الله ﷺ: (ما أدري، لأنها أشد فرحًا بفتح خيبر أم بقدوم جعفر). فتلقاه فالتزمه وقبل ما بين عينيه. ويستحب للمسافر إذا رجع أن يدعو بما جاء عن رسول الله ﷺ أنه كان إذا أقبل من سفر كبر ثلاثًا وقال: (لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، آيبون تائبون عابدون، ساجدون لربنا حامدون، صدق الله وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده). يقول ذلك كلما علا شرفًا أو أبنية، أو هبط واديًا. وينبغي للقائل أن يقدم ضحى النهار، فإذا بلغ نزل مسجده فصلى فيه ركعتين. وإن كان ممن يزار جلس لمن يزوره. وإذا رجعوا دخل بيته. كذلك روي أن رسول الله ﷺ يفعل. لا يقدم إلا نهارًا في الضحى، وبدأ بالمسجد فيصلي فيه ركعتين، ثم بالناس في قيامهم ومسائلهم. وإذا دخل بيته قال: بسم الله وصلى الله على رسوله، ثم سلم. وروي أن رسول الله ﷺ إذا دخل على أهله راجعًا من سفره قال: (توبا توبا لدينا أوبا لا يغادر علينا حوبا). وقال سفيان الثوري: إذا أردت سفرًا فصل ركعتين حق تخرج من بيتك وإذا رجعت فدخلت بيتك، فصل ركعتين، وإذا دخلت فقل: السلام عليكم، اللهم أسألك خير هذا المدخل، وأسألك خير هذا المخرج بسم الله دخلنا وبسم الله خرجنا، وعلى الله توكلنا، ولا ينبغي أن يقدم ليلًا إلا أن يكون أعلمهم قادم بيوم أو بيومين، فإن رسول الله ﷺ نهى أن تطرق النساء ليلًا. وأرسل رسولًا فأذن للناس فأخبرهم أنه قادم بالغداة. وقدم عبد الله بن رواحة من سفر فتعجل إلى أهله ليلًا، فإذا في بيته مصباح وشيء قائم مع امرأته، فأخذ السيف فقالت امرأته: هذه فلانة مشطتني. فأتى النبي ﷺ فذكر ذلك له، فقال النبي ﷺ: (لا تطرقوا النساء ليلًا). وإذا قدم المسافر فينبغي أن يبدأ بأفضل أهله إن كانوا متفرقين في بيوت، فإنه يروى أن رسول الله ﷺ كان إذا قدم

ه، فقال النبي ﷺ: (لا تطرقوا النساء ليلًا). وإذا قدم المسافر فينبغي أن يبدأ بأفضل أهله إن كانوا متفرقين في بيوت، فإنه يروى أن رسول الله ﷺ كان إذا قدم

من سفر، دخل المسجد فصلى ركعتين، ثم أتى فاطمة فسلم عليها ثم أتى منزله فقدم من سفر فصلى ثم أتاها فسلم عليها فجعلت تقبله وتبكي. وكان عبد الله إذا قدم من سفر، دخل على ابنته فأخذ برأسها وقبلها. ويقال للحاج إذا قدم: بر الله حجك وغفر ذنبك. ومن لم يكثر صح فحسن أن يقول: ورزقنا مثل ما رزقك. ويروى أن ابن عمر ﵄ كان يقول: تقبل الله نسكك، وعظم أجرك، واخلف نفقتك، وكان ابن سيرين لا يزيد على أن يقول: تقبل الله منا ومنكم وغفر لنا ولكم. ويستحب للمسافر إذا دنا من منزله أن يبر زاده ويطعمه للناس. روى نافع عن ابن عمر أنه كان إذا دنا من المدينة بر زاده فأطعمه. وقيل إنما نعمل بالمتزود من عند الأهل. فأما إذا استجده في سفره، فإذا شاء أدخله منزله، والأحسن أن يكن ذا حاجة إليه أن يتصدق به شكرًا لله على رده إلى أهله وماله. ويستحب للمسافر إذا رجع واستقر في منزله أن يطعم الناس، فعله الصالحون من سلف هذه الأمة. قال نافع: كان ابن عمر لا يصوم في السفر، ولا يكاد يفطر في الحضر إلا أن يمرض، فإنه كان رجلًا كريمًا يحب أن يؤكل عنده. وقال حماد بن زيد: كان أيوب السجستاني ﵁ إذا قدم من سفر أطعم الناس ثلاثة أيام، يأتيه إخوانه فيضع مائدته ويضع يده مع كل ما جاء، ثم يقول: لقد أكلت اليوم كذا وكذا مرة، قال: وقدم من مكة فجعل يدخل عليه ناس من إخوانه فيقرب إليهم فسمعته من آخر النهار، وقد قرب إلى قوم شيئًا يقول: أكلت اليوم عشرين مرة.

ليوم كذا وكذا مرة، قال: وقدم من مكة فجعل يدخل عليه ناس من إخوانه فيقرب إليهم فسمعته من آخر النهار، وقد قرب إلى قوم شيئًا يقول: أكلت اليوم عشرين مرة.

السادس والعشرون من شعب الإيمان وهو باب في الجهاد قال الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار﴾. وكانت للنبي ﷺ قبل فرض الجهاد منازل مع المشركين. فأول ذلك أنه كان يوحى إليه فلا يؤمر في غير نفسه بشيء، ثم أمر بالتبليغ، فقيل له: ﴿قم فأنذر﴾ فأشفق ذلك، فنزل: ﴿يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك، وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس﴾. فاعلم أن خوفه على نفسه إن بلغ أن لا يقع اسم الخلاف عنه إذا لم يبلغ ولا يزيل عنه حكمه، ثم بشر وراء ذلك بالعصمة من يخشاه من القتل. فلما بلغ كذبوه واستهزأوا به، فأمر بالصبر، وقيل له: ﴿فاصدع بما تؤمر واعرض عن المشركين إنا كفيناك المستهزئين﴾. وأخبره عن الذين لم يؤمنوا به بأنهم لا يؤمنون، فقال: ﴿قل يا أيها الكافرون، لا أعبد ما تعبدون، ولا أنتم عابدون ما أعبد﴾. ثم أمر باعتزالهم فنزل: ﴿واصبر على ما يقولون، واهجرهم هجرًا جميلًا﴾. ونزل: ﴿وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فاعرض عنهم﴾. يعني يخوضون في حديث غيره، ﴿وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين﴾. ثم أذن لمن أمر به في الهجرة دونه، فنزل: ﴿ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغمًا كثيرة وسعة﴾ فأمر رسول

الله ﷺ جماعة بالهجرة إلى ديار الحبشة، وذلك قبل أن يسلم أهل المدينة فلما أسلموا أمر جماعة منهم بالهجرة إليها غير محرم على غيرها أن يقعدوا، ثم أمر الله تعالى رسوله ﷺ بالهجرة، فقال: ﴿وقل رب أدخلني مدخل صدق، وأخرجني مخرج صدق، واجعل لي من لدنك سلطانًا نصيرًا﴾. قيل: أراد أخرجني مخرج صدق وأدخلني مدخل صدق. فهاجر رسول الله ﷺ غير محرم على من يخلف عنه أن يقيم بمكة، وإن كانت دار شرك. ثم إن الله تعالى أذن لهم في قتال من يقاتلهم، ولم يأذن في ابتداء المشركين بالقتال، فنزل: ﴿وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم، ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين﴾. ثم أذن لهم في الابتداء، فقال: ﴿أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا، وإن الله على نصرهم لقدير﴾. فقد قرأ قوم يقاتلون، فرجع إلى معنى ما قبله. ثم إن الله تعالى فرض الجهاد على رسول ﷺ والمؤمنون، وفرض الهجرة على المتخلفين بمكة من المسلمين إلى أن فتحت مكة، فأسقط ذلك عنه فرضها، وقال: (لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية). فأنزل الله في فرض الجهاد: ﴿كتب عليكم القتال وهو كره لكن، وعسى أن تكرهوا شيئًا وهو خير لكم، وعسى أن تحبوا شيئًا وهو شر لكم﴾. ﴿قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة﴾. ﴿وقاتلوا في سبيل الله واعلموا أن الله سميع عليم﴾ ﴿قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر﴾ ﴿وجاهدوا في الله حق جهاده﴾ ﴿فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب﴾. ثم ألزم الجهاد إلزامًا لا يخرج منه، فقال: ﴿إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة، يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون، وعدًا عليه في التوراة والإنجيل والقرآن، ومن أوفى بعهده من الله، فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به﴾.

ن لهم الجنة، يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون، وعدًا عليه في التوراة والإنجيل والقرآن، ومن أوفى بعهده من الله، فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به﴾.

ومعلوم أنه لا يكون هناك مانع بأن يقول يعتاد بقول الله ﴿اشترى﴾ وإنما أريد به أنه لما فرض الجهاد، صار قبوله والطاعة له فيه من الإيمان، حق إن لم يقتلوا كفروا. وكان فرضه بشرط أن من قتل أو قتل في سبيل الله، فله الجنة. فمن قتله على هذا كان بادلًا نفسه بالجنة، وذلك في جريرة المبايعة، فكانوا بائعين. والله ﷿ مشتريًا من هذا الوجه. وكل بائع بثمن إلى أجل، مكلف أن يسلم فتسد بذلك فرض الجهاد ولزومه والله أعلم. ثم إن الجهاد في عهد النبي ﷺ كان على منزلتين: أحدهما: أن يجهز سرية، فيكون على من بعثه أن يخرج من أن يكون له فيه خيار، قال الله ﷿: ﴿وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرًا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم﴾. والأخرى: أن يخرج بنفسه، فكان يلزم عادة المطيعين أن يخرجوا بخروجه إلا من يتخلف لما يراه، فيكون له القعود بإذنه. قال الله ﷿: ﴿ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله، ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه﴾. وهذا في القوم المجاورين له القيمين معه في بلده. فأما الناؤون عنه، فكان حكمهم إذا دعاهم أن يستجيبوا وإن استنفرهم أن ينفروا، وإن أمرهم بالانضمام إلى جيش قد بعثهم أن ينضموا، وإن قعدهم عدو أن ينفر منهم من تقع به الكفاية في دفع العدو، ولقول الله ﷿: ﴿وما كان المؤمنون لينفروا كافة، فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة﴾. وهذا هو الحكم بعده في عامة البلدان لا يلزم أهل بلدنا بأسرهم أن ينفروا إلا أن يحتاج إلى جميعهم، ولا يسمح لأحد يطيق القتال أن يتخلف وإن استغنى ببعضهم لم يلزم الجماعة أن يخرجوا والله أعلم. وإن لم يقع نفر منهم، فينبغي للإمام أن لا يعطل فرض الجهاد، وأن يكون له كل سنة غزو كيلا يأمن الكفار جوانب المسلمين فيبدأوهم، وهو مطلق في الأوقات كلها لا يختلف المسلمون في شيء منها إلا في الأشهر الحرم، فإن أكثر العلماء، على أن تحريم القتال

من الكفار جوانب المسلمين فيبدأوهم، وهو مطلق في الأوقات كلها لا يختلف المسلمون في شيء منها إلا في الأشهر الحرم، فإن أكثر العلماء، على أن تحريم القتال

فيها منسوخ، وقول عطاء بن أبي رباح أنه نائب. ويلزم كل من يقول: إن الدية تغلظ على القاتل في الشهر خطأ، أن تثبت حرمة الأشهر الحرم، فإن أبى لم تنهض حجته، بل يلزم لمن يقول: القتال فيها مباح أن يقول: ليس في الشهور شهر حرام أن لا يثبت الأشهر الحرم، ويزعم أن تحريم القتال فيها منسوخ لأنه لا يظهر لحرمتها أثر في تحريم القتال. فإن كان ذلك زائلًا. فالأشهر كلها متفقة وليس منها شهر حرام، ولا أعلم أحدًا من المسلمين أطلق ذلك. وتحريم القتال في الأشهر الحرم إنما هو تحريم ابتداء به. فأما قتال من يقاتل فلم يكن حرامًا، وليس اليوم بحرام. وروى عطاء بن جابر ﵁ إن رسول الله ﷺ لم يكن يغزو في الأشهر الحرم إلا أن يغزوا. ومن أنكر ما قلنا محتجًا بأن النبي ﷺ غزا الطائف في ذي قعده، فليست حجته بالبينة، لأنه لما غزا هوازن غزاها لست بقين من رمضان، فكانت جمعت جموعًا كثيرة منها ثقيف. فلما فتح الله على نبيه ﷺ انهزم المشركون إلى الطائف. فروي أن النبي ﷺ غزا الطائف في شوال، فكان هذا معارض لما رواه غيرنا. فإن ثبتت له روايته، فقد يجوز أن يكون غزاهم في شوال فلم ينفصل الأمر معهم حتى دخل ذو القعدة. وكان لإمامهم إن رجع أن تكون منهم عطفه على المسلمين، فلم ينصرف. أن يكون علم أن المشركين انهزموا إلى الطائف ليستظهروا بمن فيها فيكروا. فقصد الطائف يريد الذين قاتلوه، ثم انحاز إلى غيرهم وكان ذلك في معنى قتال المقابله لا في معنى الابتداء والله أعلم. لو أردت أن استوفي جميع ما في القرآن من الآيات الدالة على فرض قتال المشركين لخرج هذا الكتاب عن الحد الموضوع، وفي الآية الواحدة بما كتبت كفاية، فكيف في جميعها؟

أن استوفي جميع ما في القرآن من الآيات الدالة على فرض قتال المشركين لخرج هذا الكتاب عن الحد الموضوع، وفي الآية الواحدة بما كتبت كفاية، فكيف في جميعها؟ ونقول: إن الجهاد من أعظم أركان الإسلام لأنه لا شيء أعز على أحد من الحياة، فإذا بلغ بأحد تعظيم الله تعالى حده وحبه، والغيظ من يشرك به وبغضه إن قاتله، ورضي بما يؤول أمره إليه من أن يَقْتِل أو يُقْتَل، فأبت نفسه أن يرى عدوًا لله ما شاء على وجه الأرض منعمًا بالحياة متقلبًا في نعمة الله ﷻ، ثم هو في ذلك كله يكفر به، فأما أن يجحده وإما أن يشرك به من لا خلق له، فلا رزق منه ولا ضر ولا يقع بتوقع منه، فدعته الحمية إلى أن يجاهده. فأما أن يرده إلى الحق، وإما أن يقتله. ثم

أن قتل العدو، فلا هم من ذلك على قلبه، بأن يخرج من الدنيا فلا يحتاج إلى أن يلقى عدوًا لله بالصفة التي ذكرناها. فكان الموت أحب إليه من لقائه، وجب أن يعلم أن إيمانه أصدق الإيمان، وأن إخلاصه أكمل الإخلاص، فلذلك زود الله تعالى من ذكر فضل الجهاد بعدما كره من أحكام فرضه ما لم يفعله منها في فريضة من فرائض الإسلام. وجاء من أخبار النبي ﷺ في مثل هذا ما لم يجيء في شريعة من شرائع الإسلام. وسنذكر ما تيسر من الآي والأخبار في ذلك إن شاء الله. فإن قال قائل: فما بال الجهاد لم يذكر في الحديث الذي قيل فيه (بني الإسلام على خمس). قيل: لم تذكر في بعضها الشهادة بأن محمدًا رسول الله، فلا يدل ذلك على أنها ليست من أركان الإيمان. وقد يجوز أن يكون أراد العبادات التي لا يتعجل منها ثواب في الدنيا فذكر الشهادتين والصلاة والزكاة والصيام والحج، ولم يذكر الجهاد لأنه قد يتعجل ثوابه في الدنيا وهو الغنيمة. وعلى أنه قد جاء ذكره في بعض الأخبار، لأنه روى أي العمل أفضل، فقال: (الصوم في يوم الصيف، وجهاد أعداء الله بالسيف). وقد ذكر مع الصوم في غير هذا الحديث ويجوز أن يكون ذكر خمسًا لا تسقط عن أحد بأن يفعله غيره لنفسه. والجهاد ليس كذلك، لأن النفير إذا وقع فخرج من تقع بهم الكفاية ودفعوا العدو، سقط الفرض عن الباقين. ويقال: أراد خمسًا لا يمكن أن يتوصل إليها إلا مع الإسلام، فإن الصلاة لا تصح إلا من مسلم، والزكاة لا تؤخذ إلا من مال مسلم، والصوم لا يجوز إلا من مسلم، والحج لا يتأدى إلا من مسلم، سواء حج بنفسه أو حج عنه غيره. وليس كذلك الجهاد، لأن المسلمين إذا احتاجوا إلى المشركين فلهم أن يستأجروهم على القتال معهم، فإذا قاتلوا كان ذلك جهادًا للمسلمين، ولو أن عاجزًا عن الحج استأجر كافرًا ليحج عنه ما صح ذلك ولا أجرى. فإنما عد رسول الله ﷺ في هذا الحديث الأركان التي لا يمكن تحصيلها إلا

هادًا للمسلمين، ولو أن عاجزًا عن الحج استأجر كافرًا ليحج عنه ما صح ذلك ولا أجرى. فإنما عد رسول الله ﷺ في هذا الحديث الأركان التي لا يمكن تحصيلها إلا

بنفس مسلمة. فإن قيل: أليس الزكاة تؤخذ من المرتد فتجري عنه قيل: لا تؤخذ زكاة وإنما يؤخذ دينًا لأهل الصدقة ينتفعون بها، ولا تعود على المأخوذ منه وهو كافر، لأنها لا تزكيه ولا تطهره. وما جاء به الكتاب من فضل الجهاد على وجوه: فمنها التحريض عليه والإشارة على فضله، وضمان الثواب عليه. ومنها الدلالة على فائدته ومنفعته والتقية على الضرر الذي في التخلف عنه. ومنها مدح المجاهدين في سبيل الله، والثناء عليهم. ومنها إعطاء من يقتل في سبيل الله اسم الشهادة. والإخبار بجنانه عنده. فأما ما جاء في الحث عليه، فقوله ﷿: ﴿يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب اليم، تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم، ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون. يغفر لكم ذنوبكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار، ومساكن طيبة في جنات عدن، ذلك الفوز العظيم. وأخرى يحبونها نصر من الله وفتح قريب وبشر المؤمنين﴾. فدلهم على ما للجهاد من عاجل الفائدة وأجلها. فأما العاجل فهو النصر على الإعداد وما يرزقونه من فتح بلادهم، ونعيم أموالهم وأهليهم وأولادهم. وأم الأجل فهو الجنة والنعيم المقيم، فقال ﷿: ﴿فليقاتل في سبيل الله الذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة، ومن يقاتل في سبيل الله فيقتل أو يغلب فسوف يؤتيه أجرًا عظيمًا﴾. وأما ما جاء في الآيات عن فائدة الجهاد والضرر الذي تركه، فمنه قوله ﷿: ﴿ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض﴾ وأبان أنه لولا دفع الله المشركين بالمؤمنين، وتسليط المؤمنين على دفعهم عن بيضة المسلمين وكسر شوكتهم وتفريق جمعهم لغلب على الأرض، وارتفعت الديانة، فثبت بهذا أن سبب بقاء الدين وإتباع أهله العبادة إنما هو الجهاد، وما كان بهذه المنزلة فحقيق أن يكون من أركان الإيمان، وأن يكون المؤمنون في الحرص عليه في أقصى الحدود والنهايات والله أعلم.

له العبادة إنما هو الجهاد، وما كان بهذه المنزلة فحقيق أن يكون من أركان الإيمان، وأن يكون المؤمنون في الحرص عليه في أقصى الحدود والنهايات والله أعلم.

وأما مدح الله تعالى المجاهدين، فقد قال الله ﷿: ﴿والذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك هو المؤمنون حقًا لهم مغفرة ورزق كريم والذين آمنوا من بعد وهاجروا وجاهدوا معكم فأولئك منكم﴾. وقال: ﴿لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله أموالهم وأنفسهم، فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة، وكلا وعد الله الحسنى، وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجرًا عظيمًا، درجات منه ومغفرة ورحمة، وكان الله غفورًا رحيمًا﴾. وأما إعطاؤه ﷿ اسم الشهادة من قتل في سبيل الله، وذلك على لسان نبينا ﷺ، فقد قيل معناه: أنهم ثبتوا بما بذلوا عن أنفسهم في سبيل الله إيمانهم وصدقهم وإخلاصهم، واستواء ظواهرهم وبواطنهم في طاعة الله ﷿. وأصل الشهادة التبيين أو لهذا يصح أن يقال: شهد الله أي بين الله لعباده أنه إلههم ولا إله غيره، بما ألزم خلقه من دلائل الحدث، ووضع في عقولهم من إدراكها والاستبصار بها وقيل شهادة الشهود بينه لذلك. وقيل معنى الشهيد: أنه يكون يوم القيامة بمنزلة الرسل، فيشهد على غيره بمثل ما يشهد الرسول. وهذا أحد تأويل قول الله ﷿: ﴿وكذلك جعلناكم أمة وسطًا لتكونوا شهداء على الناس﴾. وقد قال الله ﷿: ﴿وجيء بالنبيين والشهداء وقضي بينهم﴾. والشهيد من تكون له شهادة كما للرسل. وأما حياة الشهيد، فقد نص الله ﵎ فقال: ﴿ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتًا بل أحياء عند ربهم يرزقون﴾. ﴿ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات بل أحياء ولكن لا تشعرون﴾. فروي في ذلك عن الحسن قال: تغوص الأرزاق على أرواح الشهداء، فتصل إليهم نعمة ذلك وسروره، بما لا يستطاع وصفه بمنزلة قوله: النار يعرضون عليها غدوًا وعشيًا. فالنار تعرض على هؤلاء الكفار فيصل إليهم وجمع ذلك وألمه بما لا يستطاع وصفه.

ك وسروره، بما لا يستطاع وصفه بمنزلة قوله: النار يعرضون عليها غدوًا وعشيًا. فالنار تعرض على هؤلاء الكفار فيصل إليهم وجمع ذلك وألمه بما لا يستطاع وصفه. ومن ذهب أن جملة الإنسان ثلاثة أجزاء. نفس وروح وبدن، فإنه يقول: إن أجزاء الحيوان جعلت متفاوتة في اللطافة والكثافة. فكانت العظام أكثف ما فيها، فجعلت

حاملة اللحم، واللحم أكثف من العروق فجعلت حاملة العروق، والعروق أكثف من الدم فجعلت حاملة للدم، والدم أكثف من الروح فكان حاملًا له، والروح جسم رقيق لطيف، إلا أن النفس ألطف منه، فكان الروح حاملًا للنفس. وكانت الحياة وعامة الإدراكات التي تحاذي الحياة من أوصاف النفس. فصارت الروح تحيي النفس ما دامت مجاورة لها، والبدين يحيي بالروح. فإذا انتزع الروح من البدن، مات البدن. وتبقى الروح حية بالنفس إلى أن تورد القبر مع البدن الميت وينقضي السؤال ثم يفرق بين الروح والنفس فتموت الروح. واختلف في النفس فقيل تبقى وقيل تبطل، وهذا في غير الشهداء. فأما الشهداء فإنه لا يفرق بين أرواحهم وأنفسهم، ولكنها تنقل إلى أجواف طير خضر، كما ورد به الحديث الذي هو أولى ما يقال به، ويستسلم له. وتعلق تلك الطير من ثمر الجنة، فتستمد روحه من غذاء بدن الطائر كما كان يستمد في بدن الشهيد من غذائه، ويصل إليه لذلك من اللذة والنعمة والبهجة أضعاف ما كان يصل إليه من أطيب شيء كان يصبه البدن في الدنيا كانت مشوبة بالمضار والمفاسد، وما في الجنة منها يزداد على الأوقات طيبًا ولذة، وتكون نفسه فرحة مغتبطة بما صارت إليه، مستبشرة بما يعلمه من أحوال الذين يلحقون بهم من بعد، وأنهم صابرون إلى مثل هذا المصير، كما قال ﷿ ﴿يزرقون﴾ ﴿فرحين﴾ ﴿ويستبشرون﴾. فلا يزال ذلك حال الشهيد إلى أن ينشر فتعاد روحه ونفسه إلى بدنه من غير أن يصعق عند النفخ في الصور، لقول ابن عباس ﵁ في قوله ﴿إلا من شاء الله﴾ قال: هم الشهداء، ويحشر مع سائر أهل الحشر وينقضي الحساب والعرض، فيرد بجميع أجزائه إلى الجنة ليشترك ما كنف منها وما لطف في التنعيم بنعيمها والتلذذ بلذاتها وبالله التوفيق).

ر مع سائر أهل الحشر وينقضي الحساب والعرض، فيرد بجميع أجزائه إلى الجنة ليشترك ما كنف منها وما لطف في التنعيم بنعيمها والتلذذ بلذاتها وبالله التوفيق).

فصل والجهاد فرض بجميع المال والبدن، ولهذا قال الله ﷿: ﴿إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم﴾ وقال: ﴿وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله﴾. وقد جاءت بالحث على بذلهما في سبيل الله ﷿، وفضله أخبار كثيرة، وتكلم أهل العلم في ذلك، وفي وجوب أحكامه، فأكثروا لما جاء في هذا الباب حديث أبي ذر أنه قال لرسول الله ﷺ: أي العمل خير؟ قال: (إيمان بالله وجهاد في سبيل الله. قال: فأي الرقاب خير؟ قال: أرأيت إن ضعفت عن ذلك، قال: تدع الناس من شرك فإنها صدقة تصدقها على نفسك). وعنه ﷺ: ما أفضل الأعمال؟ قال: جهاد لا غلو فيه، وحجة مبرورة. قيل: فأي الصلاة أفضل؟ طول القنوت. قيل: فأي الهجرة أفضل؟ قال: أن تهجر ما حرم الله عليك). روي أنه ﷺ سئل أي الأعمال أفضل؟ قال: (الصلاة لوقتها: قيل فما يلي إثر ذلك؟ قيل: بر الوالدين: قيل: فما يلي إثر ذلك؟ قال: الجهاد). وفي حديث آخر قال عبد الله بن مسعود: سألت رسول الله ﷺ: أي العمل أحب إلى الله؟ قال: (الصلاة لوقتها: قلت: ثم أي؟ قال: ثم الجهاد في سبيل الله قلت: ثم أي؟ قال: بر الوالدين). ففي هذا تقديم الجهاد على بر الوالدين. وفي الذي قبله تقديم بر الوالدين على الجهاد. فذكر إمامنا الذي هو أعلى من لقينا من علماء أئمة عصرنا صاحب الأصول والجدل، وحافظ الفروع والعلل، وناصر الدين بالسيف والقلم، والمربي بالفضل في العلم على كل علم، أبو بكر بن محمد بن علي الشاشي ﵀، في جملة ما خرج هذه

أصول والجدل، وحافظ الفروع والعلل، وناصر الدين بالسيف والقلم، والمربي بالفضل في العلم على كل علم، أبو بكر بن محمد بن علي الشاشي ﵀، في جملة ما خرج هذه

الاخبار عليه إن القائل يقول: خير الأشياء كذا، لا يزيد بفضله في نفسه على جميع الأشياء، ولكن أنه خيرها في حال دون حال، ولو أحد دون آخر، كما قد يتضرر واحد بكلام من غير موضعه فيقول: ما شيء أفضل من السكوت، أي لا يحتاج إلى الكلام، ثم يتضرر بالسكوت. فيقول: ما شيء أفضل للمرء من أن يتكلم بما يعرفه. فيجوز هذا للإطلاق كما جاز للأول. ويقول القائل: فلان أعقل الناس وأفضلهم، يريد أنه من أفضلهم وأعقلهم. وروى خياركم خيركم لأهله، بل يكون ذلك على معنى: أي من أحسن معاشرة أهله فهو أفضل الناس. وقيل: شراركم عزابكم أي من شراركم لأنه وإن كان صالحًا فإنه معرض نفسه للشر غير آمن من الفتنة. وإلا فالفساق شر منهم، وفي العزاب صالحون. وروي: ما من شيء أحق بطول السجن ممن أشان، وقد يكون الفاسق المفسد أحق بذلك منه. وروي: ما من شيء في الميزان أثقل من حسن الخلق، ومعلوم أن الصلاة والجهاد أعلى منه. وروي: خياركم إليكم مناكب في الصلاة. وقد يوجد لين المنكب فيمن غيره أفضل نفسًا ودينًا منه. وإنما هو كلام عربي يطلق على الحال والوقت، على إلحاق الشيء المفضل بالأعمال الفاضلة على أنه أفضل من كذا وكذا، لا من كل شيء غيره. ويقال في المثل: أزهد الناس في العالم جيرانه، وقد يكون فيمن بعد عنه من هو أزهد، وأكذب الناس القريب. فيطلق على الغائب، وعلى معنى أن أولئك من أزهد الناس، وهذا من أكذبهم. وقد يحضر المسجد سباق ومسبوق، فيقال: خيركم السابق، ولعل في المسبوقين خير منه. ولكن المعنى: بيان ما في السبق من الفضل. وروي أن النبي ﷺ قال: (خير الناس قرني ثم الذين يلونهم).فكان معنى ذلك أنهم في الجملة خير من غيرهم. وقد يوجد فيمن يخلف عنهم أفضل من بعضهم، إلا أن ذلك عند التفضيل. وعلى هذا ما يروى من جواب النبي ﷺ عن العمل الذي يدخل الجنة، روي أنه قال للسائل (لا تغضب). وروي أنه قال لبعضهم: (أعني على

نفسك بكثرة السجود)، وهذا- والله أعلم- على أن الواحد قد يكون معتدل الجانب في أكثر الخصال، ثم يغلب عليه خلاف ذلك في بعضها، فيخاف عليه منه، فينهى عنه على معنى أنه إن ترك تلك الصلاة، الخصلة لم تكن فيه وراءها ما يذم. وقد يكون أكثر ما يخاف منه الضرر على الدين في بعض الأوقات ترك الجهاد. فيقال: أفضل الأعمال الجهاد. وإذا عود الأسباب باجتماع الكلم والمعاون على حماية الجورة وصلة الرحم، أي في ذلك الوقت، ثم يقع الأمن، ويبيد العدو، فيكون الإقبال على تعلم القرآن ودرسه أفضل، فيقال: أفضل الأعمال قراءة القرآن. فأما تقديم بر الوالدين على الجهاد في خبر وتقديم الجهاد على بر الوالدين في خبر، فقد يخرج على أنه لم يزد بحرف في الترتيب. وإنما قيل: ثم أي على معنى، ثم ما الذي يحل محله فيحافظ عليه، وقد قال الله ﷿ ﴿فلا اقتحم العقبة، وما أدراك ما العقبة، فك رقبة، أو إطعام في يوم ذي مسغبة، يتيمًا ذا مقربة، أو مسكينًا ذا متربة، ثم كان من الذين آمنوا وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة﴾. ولم يكن ذلك من تأخير الإيمان عن الإطعام، وإنما كان على أنه: أهل فك أو إطعام، وكان مع ذلك من المؤمنين الذين هم أهل الصبر وأهل المرحمة. فكذلك هذا، والله أعلم. قال: ويبين ما قلنا، أن فاطمة قالت: أتى رجل من الأنصار قال: يا رسول الله، أخبرني بعمل أستقيم عليه وأعمله! قال: (عليك بالصوم، فإنه لا مثل له، الله أخبرني). قلما قال في كل واحد منهما لا مثل له، علمنا أنه أراد التسوية بنيهما في علو القدر وعظم الأجر. قال: وقد تكلم الناس في المفاضلة بين الحج والجهاد، فروي عن ابن عمر ﵄ قال: بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وحج البيت وصوم رمضان. ثم الجهاد في سبيل الله بعد ذلك عمل حسن. هكذا حدثنا رسول الله ﷺ، وقال عمر: عليكم بالحج فإنه عمل صالح، أمر الله به والجهاد أفضل منه. وهذا القولان قد يتفقان، فيقال: إن الحج فرض يلزم الإنسان لعينه، والجهاد

ول الله ﷺ، وقال عمر: عليكم بالحج فإنه عمل صالح، أمر الله به والجهاد أفضل منه. وهذا القولان قد يتفقان، فيقال: إن الحج فرض يلزم الإنسان لعينه، والجهاد

يفرض على الكفاية. فمن لم يحج حجة الإسلام وهي عليه، فالحج أفضل له من الجهاد لعينه عليه وبيانه غيره في الجهاد عنه إذا وقعت الكفاية بهم في دفع العدو دونه، وهكذا من لم يحج ولا حج عليه، إلا أنه لا حاجة بالمسلمين إليه في الغزو، أو كان ممن لا يغني عنا، أو لا يسد مسدًا، فالحج أفضل له، لأنه في الأصل على ما ذكرت. وقد يكون عظيم الغنى كثير البلاء، فيكون الجهاد أفضل له، إذا كان قد حج حجة الإسلام، لعموم يقع جهاده نفسه وغيره، واختصاصه ينفع الحج، وليس في تقديم الصائم بالذكر على الجهاد أو الحج ما يوجب تفضيله عليهما في كل حال. فإنه مع ذلك قد أمرنا بالفطر في السفر للحج والجهاد وقال: إنكم لاقوا العدو غدًا فافطروا وتقووا لعدوكم، وافطروا يوم عرفة، وأبو بكر وعمر لما فيه من التقوى على الدعاء ذلك اليوم إذ كان لفضل الدعاء يوم عرفة، واستحب الإفطار في السفر، لمن إذا صام صار كلًا على أصحابه، وجعل عمله مع الإفطار أفضل من أن يصوم، ويحتاج غيره إلى أن يعمل له، ولا شك في أن الصلاة أفضل من الصدقة، ثم قد يحدث حال يحتاج فيها إلى مواساة مضطر وإصلاح ذات بين، فتكون الصدقة أفضل من الصلاة. ثم قد رأى البيان ما قلنا في الأخبار. روى عبد الله بن عمر، وقال: قال رسول الله ﷺ: (حجة لمن لم يحج خير من عشر غزوات، وغزوة لمن قد حج خير من عشر حجج). روى أن رسول الله ﷺ قال: (حجة قبل غزوة أفضل من خمسين غزوة، وغزوة بعد حجة أفضل من خمسين حجة، ولو وقف في سبيل الله أفضل من خمسين حجة). وعن ابن عباس ﵄ قال: قال النبي ﷺ: (حجة لمن لم يحج أفضل من أربعين غزوة، وغزوة لمن قد حج أفضل من أربعين حجة). فاحتمل أن يكون القصد من هذه الأخبار بيان تضعيف أجر الغزو على الحج لمن قد حج، وأن أقصاه خمسون ثم قد ينقص منها إلى أربعين وإلى ما دونها حتى تبلغ عشرًا حسب موضع الجهاد في وقته، وموضع الحج في وقته، على مقدار ما يحضر يؤدي كل واحد منهما من النية والإخلاص.

قص منها إلى أربعين وإلى ما دونها حتى تبلغ عشرًا حسب موضع الجهاد في وقته، وموضع الحج في وقته، على مقدار ما يحضر يؤدي كل واحد منهما من النية والإخلاص.

ويحتمل أن يكون المعنى أن الحج أفضل من الغزو في حال كذا، بأضعاف كثيرة. ولغزوة أفضل من الحج في حال كذا بأضعاف كثيرة. ويعبر عن التضعيف مرة، وعن التكثير مرة بالعشر، ومرة بالأربعين ومرة بالخمسين ومرة بالمائة ومرة بما دونها أو فوقها. ولو ذكر بعد الثلاثين أو العشرين جاز وكثر من نحو هذا، فذكر بالسبعين كما قيل: ما ضر من استغفر ولو عاد في اليوم سبعين مرة، فهذا هو الوجه في تخريج هذه الأخبار، وهو سبيل أهل العلم المتبعين للآثار والله أعلم، وهو تمام كلام الإمام القفال ﵀. ومما جاء من الأخبار في فضل الجهاد، ما روي أن رسول الله ﷺ قال لمعاذ بن جبل ﵁: (إن شئت أنبأتك برأس الأمر وعموده وذروة سنامه: قلت: بلى يا رسول الله. قال: أما رأس الأمر فالإسلام، وأما عموده فهو الصلاة، وأما ذروة سنامه فالجهاد في سبيل الله). ومعنى هذا- والله أعلم- إن الإسلام هو الذي لا يصح شيء من الأعمال إلا به، فإذا فات لم يبق معه عمل. فهو كالرأس الذي لا يسلم شيء من الأعضاء إلا ببقائه. وإذا فارق الجملة لم ينتفع بعد شيء من الأعضاء. وأما الصلاة فإنها عمود الأمر، والأمر هو الدين، لأن الإسلام لا ينفع ولا يثيب من غير الصلاة، ولا يغني قبولها عن فعلها، لأن الإسلام وحده لا يحقن الدم حق يكون معه أقام الصلاة، ولأن العرب لم تكن تمنع وتأنف كامتناعها وأنفتها من الصلاة لما فيها من الركوع والسجود وكان منهم من يشترط إذا أسلم أن لا ينحني. ولهذا قال أبو طالب: إني أكره أن تقول نساء قريش أن أبا طالب علته استه. وقال النبي ﷺ: (العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر). أي لم يحقق إيمانه فلذلك قيل الصلاة عمود الإيمان، وإنما قوله وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله، فقد قيل معناه: إنه لا شيء من معالم الإسلام أشهر ولا أطهر منه، لأن الصلاة إنما يرثها المسلمون بعضهم من بعض، وكذلك الحج.

روة سنامه الجهاد في سبيل الله، فقد قيل معناه: إنه لا شيء من معالم الإسلام أشهر ولا أطهر منه، لأن الصلاة إنما يرثها المسلمون بعضهم من بعض، وكذلك الحج. فأما الجهاد فإن المسلمين يجتمعون عليه مجاهدين المشركين، وينشر خبر ما يجري بينهم من الداني والقاصي. والهجرة في هذا كالجهاد، فهي معه وفي حكمه وإذا كان كذلك فقد

صار الجهاد كذروة السنام الذي لا شيء من البعير أعلى منه، وعليه يقع بصر الناظر من البعد. وبهذا كانت العرب عند الفخر بحسب الشريف تقول: ذروت بالسنام أي أنا في ذروة الحسب وهو أعلاه، والله أعلم. ومنها ما روي عن رسول الله ﷺ أنه قال: (لكل أمة رهبانية، ورهبانية أمتى الجهاد في سبيل الله). ومعنى هذا أن النصارى كانت تترهب بالتخلي عن إشغال الدنيا، فلا تخل أكثر من بذل النفس في سبيل الله فتقتل. وأيضًا فإن أولئك المترهبة كانوا يزعمون أنهم أنما يخلون بالصوامع والأديرة لئلا يؤذوا أحدًا، ولا أذى أشد من ترك المبطل على باطله، لأن ذلك يعرضه للنار. فإن لم تكن الرهبانية دفع الأذى عن الناس، فالجهاد دافع عن المجاهدين، أعظم الأذى فهو الرهبانية إذا لا يتوهمه النصارى والله أعلم. وفيه وجه آخر وهو أن مترهبة النصارى يجري على أيديهم مما هو عندهم احتساب وأمر بالمعروف ونهي عن المنكر، ما لا يقدر على الامتناع منه أمر ولا مأمور. فقيل: الرهبانية هي جهاد هذه الأمة، لأنه رأس الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا يحابي فيه من المشركين رئيس ولا مرؤوس والله أعلم. ومنها ما روي عن رسول الله ﷺ: (كل دين مأخوذ من حساب صاحبه إلا من أدان في ثلاث: رجل ضعفت قوته في سبيل الله فيقوى على قتال عدوه بدين فمات ولم يقض، ورجل خاف على نفسه الفتنة في العزوبة، واستعفف بنكاح امرأته بدين فمات ولم يقض، ورجل مات عنده رجل مسلم فلم يجد ما يكفنه إلا بدين فمات ولم يقضه، فإن دينه يقضى عنه يوم القيامة). ومنها ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: (من انفق في سبيل الله جعلت له ميزانه كل غداة). وعنه ﷺ أنه قال: (من انفق في سبيل الله كتبت له سبعمائة ضعف)

القيامة). ومنها ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: (من انفق في سبيل الله جعلت له ميزانه كل غداة). وعنه ﷺ أنه قال: (من انفق في سبيل الله كتبت له سبعمائة ضعف)

وفي بعض الروايات (نفقة فاضلة). وهذا يحتمل وجهين: أحدهما أن يراد بها النفقة البينة ذات الرواء والموقع الجميل. والآخر يراد بها المال الفاضل عن الحقوق المعجلة، فلا يكون المنفق بإنفاقه في سبيل الله مضارًا زوجته أو ولده أو أباه أو أمه أو عبده وأمته أو بحريمه أو نفسه. ومنها ما روي عن رسول الله ﷺ أنه قال: (من جهز غازيًا أو حاجًا أو معتمرًا أو خلفه في أهله، فله مثل أجره). وعنه ﷺ: (من أعان مجاهدًا أو مكاتبًا في رقبته أظله الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله). ومنها ما روي عنه ﷺ: (والذي نفسي بيده لو أن رجالًا من المؤمنين لا تطيب أنفسهم أن يتخلفوا عني، فلا أجد ما أحملهم عليه، ما تخلفت عن سرية تغزو في سبيل الله، والذي نفسي بيده، لوددت أن أقتل في سبيل الله، ثم أحيى ثم أقتل ثم أحيى ثم أقتل، ثم أحيى ثم أقتل). ومنها تعظيم حياته من يخون مجاهدًا في سبيل الله. روي عن النبي ﷺ أنه قال: (فضل نساء المجاهدين على القاعدين في الحرمة كأمهاتهم. فلا تخالف رجل من القاعدين إلى امرأة رجل منهم فيخونه فيها إلا وقف له يوم القيامة، فيقال له: هذا أخانك في أهلك، فخذ من حسناته ما شئت فما ظنكم يراه يدع من حسناته شيئًا). وهذا- والله أعلم- لعظم حق المجاهد علي، فإنه ناب عنه، وأسقط بجهاده فرض الخروج عنه، ووقاه مع ذلك بنفسه، وجعل نفسه حصنًا وجنة دونه، فكانت خيانته له في أهله أعظم من خيانة الجار في أهله، كما يحكون: خيانة الجار أعظم من خيانة البعيد والله أعلم. ومنها ما روي عن رسول الله ﷺ أنه قال: (مثل المجاهد مثل القائم الذي لا يفتر، ومثل الصائم الذي لا يفطر حتى يرجع المجاهد إلى أهله).

ة البعيد والله أعلم. ومنها ما روي عن رسول الله ﷺ أنه قال: (مثل المجاهد مثل القائم الذي لا يفتر، ومثل الصائم الذي لا يفطر حتى يرجع المجاهد إلى أهله).

ومنها ما جاء عن رسول الله ﷺ أنه قال: (يضمن الله لمن خرج في سبيله لا لا يخرجه إلا إيمانًا وتصديقًا له أن يدخله الجنة، أو يرجعه إلى مسكنه الذي خرج منه بما نال من أجر وغنيمة). ومنها ما جاء عن رسول الله ﷺ: (من اغبرت قدماه في سبيل الله حرمها الله عن النار). وعنه ﷺ: (من صام يومًا في سبيل الله باعده الله من النار سبعين خريفًا). وفي رواية أخرى (مسيرة مائة عام). وهذا والله أعلم. في تغليظ البعد كما يقول: الواحد كلم صديقه، فأجابه بما لا يليق بقصده، بين ما أقول وبين ما تقول عشر فراسخ، أو يقول له: أنا في واد وأنت في واد، أو يقول: أنا بالمشرق وأنت بالمغرب، لا يريد بذلك إلا شدة التنائي وبعد ما بين الكلامين أو القصدين، وهذا من هذا والله أعلم. ومنها ما جاء عن النبي ﷺ: (لا يجتمع غبار في سبيل الله ودخان نار جهنم في جوف امرئ مسلم) وقد روي (في منخر) وروي (في قلب). ولا يجمع الإيمان والشح في قلب عبد مسلم. ومن قال (القلب) فإنما أراد كرب العباد والدخان. ومنها ما جاء عن النبي ﷺ في فضل من نبت على الجهاد حتى شاب فيه، قال: (من شاب شيبة في سبيل الله كانت له نورًا يوم القيامة) وهذا- والله أعلم- عند إظلام الموقف من دخان جهنم، فيعطي كل واحد من المؤمنين نورًا بقدر عمله. قال الله ﷿: (ويجعل لكم نورًا تمشون به). ومنها ما جاء عن النبي ﷺ: (من صدق رأسه في سبيل الله فاحتسب غفر الله له ما كان قبل ذلك من ذنب).

ومنها ما جاء من الأخبار في الشهادة والشهداء. روي عن النبي ﷺ أنه قال: (ما يجد الشهيد من مس القتل إلا كما يجد أحدكم القرصة يقرصها). وعنه ﷺ (يشفع الشهيد في سبعين من أهل بيته). وعنه ﷺ: (ما من عبد يموت له عبد، الله خير محب أن يرجع إلى الدنيا وأن له الدنيا، وما فيها إلا الشهيد). بما يروى من الشهادة، فإنه يحب أن يرجع إلى الدنيا فيقتل مرة أخرى. قال رسول الله ﷺ لجار: (أشعرت أن الله تعالى أحيي أباك، فقال له: بمن؟ قال: ارجع إلى الدنيا فما قتل قتل، قضيت عليهم أنهم لا يرجعون). وعنه ﷺ: (لما أصيب إخوانكم بأحد جعل الله أرواحهم في جوف طير خضر ترد أنهار الجنة، تأكل من ثمار بها، وتأوي إلى قناديل معلقة في ظل العرش، فلما وجدوا طيب مأكلهم ومشربهم فقالوا: من يبلغ إخواننا عنا، إنا أحياء في الجنة تزرق لئلا يتكلوا عند الحرب، فلا يزهدوا في الجهاد قال الله ﷿: أنا أبلغهم عنكم، فنزل: ﴿ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتًا بل أحياء عند ربهم يرزقون، فرحين). وعنه ﷺ في قتلى أحد: (زملوهم بكلومهم ودمائهم، إنهم يبعثون يوم القيامة وجروحهم تسقط دمًا، اللون لون الدم والريح ريح المسك) وفي بعض الروايات (تسحب). وهذه الأخبار التي جاءت بفضل الجهاد والإنفاق فيه ومعونة المجاهد وفضل الشهادة وثواب الشهيد، ومن قتل: والآيات الواردة في فضل الجهاد ووعد الثواب عليه، قوله ﷿: (ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله، ولا يطأون موطئًا يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلًا إلا كتب لهم به عمل صالح، إن الله لا يضيع أجر المحسنين، ولا ينفقون نفقة صغيرة ولا كبيرة، ولا يقطعون واديًا إلا كتب لهم

الكفار ولا ينالون من عدو نيلًا إلا كتب لهم به عمل صالح، إن الله لا يضيع أجر المحسنين، ولا ينفقون نفقة صغيرة ولا كبيرة، ولا يقطعون واديًا إلا كتب لهم

ليجزيهم الله أحسن ما كانوا يعملون). وغير ذلك. فإن جميعها فيمن جاهد وقاتل لتكون كلمة الله العليا، ودين الله هو الظاهر. كان قبل الجهاد من المصلحين لما قيل عمل صالح قبل الغزو، فإنما يقاتلون بأعمالكم. فأما من جاهد وقاتل رياء أو سمعة وليأخذ في الديون برزق المقاتلة أو ليصيب مغنمًا، أو كان من أهل الكبائر والمفسدين، فلا هو إن قتل من الشهداء الذي يكونون عند الله يرزقون فرحون، ولا من الذين لا تجمعهم الجنة، ولا من الذين وعدوا المواعيد التي سبق إيتاؤها وغيرها ما لم تأته. ويدل على ذلك ما روي أبو موسى أن رسول الله ﷺ قال: (من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا، فهو في سبيل الله). وروى أبو هريرة ﵁ قال: افتتحنا خيبر ثم انصرفنا مع النبي ﷺ إلى وادي القرى، وتبعه عبد له، يقال له ضيغم، فبينما هو يحط رحل رسول الله ﷺ إذا جاءه سهم منحرف فأصابه فمات، فقال: هنيئًا له الشهادة هنيئًا له الشهادة، فقال رسول الله ﷺ، (والذي نفسي بيده إن الشملة التي أصابها يوم خيبر من الغنائم لم يصبها المقاسم تشتعل عليه نارًا). وعنه ﷺ أنه قال: (ورب قتيل بين الصفين الله أعلم بنيته) وجاء عن النبي ﷺ في هذا حديث بين، وهو إن إعرابيًا أتى النبي ﷺ فقال له: الرجل يقاتل ليغنم، والرجل يقاتل ليذكر، والرجل يقاتل ليرى مكانه. فمن في سبيل الله؟ قال: (من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فذلك في سبيل الله)، ومعنى قوله ﷺ (فذلك في سبيل الله) أي فذلك هو الذي أراده الله تعالى بقوله ﴿وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله﴾. وقوله: ﴿إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله﴾، وأبين وأعظم مما روينا كتاب الله ﷿ فإنه تعالى جده لما قال ﴿إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون

لله﴾، وأبين وأعظم مما روينا كتاب الله ﷿ فإنه تعالى جده لما قال ﴿إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون

ويقتلون وعدًا عليه حقًا في التوراة والإنجيل والقرآن﴾ بين أن هؤلاء البائعين المشتري منهم: من هم التائبون العابدون الحامدون السائحون الراكعون الساجدون، الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر، والحافظون لحدود الله، وبشر المؤمنين أي فبشر الذين آمنوا، أي وبشر الذين هذه صفاتهم بأن الله واف بعهده لهم، وهو اشتراؤه أنفسهم وأموالهم للقتال في سبيل الله بالجنة، فإنهم هم المؤمنون بالإطلاق والمعنيون بقوله ﴿إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن ...﴾. فصح أن المفسد الفاسق والمقاتل رياء وسمعة وطريًا ومدحًا أو ليصيب مغنمًا، خارجون من هذا الضمان والله أعلم. وإذا كانوا خارجين من أنه البيع والشراء، خرجوا من أنه الشهادة، لأنها في المقتولين في سبيل الله، وسبيل الله ما يثبت وأهله من قرأت فيهم من كتاب الله ما قرأت والله أعلم. فصل وإذا أنفذ الإمام جيشًا أو سرية، فينبغي أن يؤمر عليهم صالحًا أمينًا محتسبًا، لأن القوم إليه ينظرون، وإذا لم يكن خيرًا في نفسه كانت أعماله بحسب سريرته، وكانت أعمال القوم بحسبها مضاهية بها، وإن رأوا منه كسلًا كسلوا، وإن رأوا فشلًا فشلوا، وإن ثبت ثبتوا، وإن رجع رجعوا، وإن جنح إلى السلم جنحوا، وإن جد جدوا، وما هو إلا كإمام الصلاة الذي (إن) خفف الصلاة خففوا، وإن أطال أطالوا، وإن عجل عجلوا، وإن أخر أخروا. وأيضًا فإن العدو إنما يفرق من رئيس القوم، فإذا سمع بذي ذكر كان ذلك أهيب له من أن يسمع بخامل لا صيت له. وإذا سمع بشجاع غير فرار كان أيسر من مقاومته منه إذا سمع بفشل جبان. وإذا سمع بلين يطمع في خداع مثله كان أجرًا على استقباله منه إذا سمع بقلب في الدين شديد في الناس، ليكون ما يكون من العدو إقدامًا وإحجامًا، بحسب ما يبلغه من حال رأس المسلمين. فلهذين الشيئين وجب أن يكون الرأس مستصلحًا جامعًا لأسباب الغناء والكفاية والله أعلم.

فإن ذكر ذاكر قصة طاغوت، وإن الله ﷿ ملكه على بني إسرائيل، وهو يومئذ دباغ، لا نبأ له ولا صيت، ولم يكن من أهل بيت النبوة والملك، لأن النبوة والملك كانا في بني طالوت وبين يهودا، وهو إنما كان من نسل ابن يامين، ولم يكن فيهم نبوة ولا ملك. قيل له: إنما كان ذلك محبة من الله تعالى بهم، فقد كان عهدهم بالجهاد في سبيل الله بعيدًا منقطعًا، وعلم أن ذلك يسبق عليهم، فابتلاهم حق أطاعوا أمره، وانقادوا لطالوت فأمرهم بنصره لما سمعوا وأطلقوا بعدما رجعوا بينهم، واضطربوا واستفتوا إن تمليك طالوت ليس رأيًا من بينهم، وإنما هو أمر الله تعالى ووحيه بما أتاهم من طالوت، فسكنوا إليه، أمدهم الله تعالى بداود ﵇، وأجرى على يده من قبل جالوت. وجمع لهم أمرين محبوبين: أحدهما هلك العدو والاستراحة منه، والآخر جرى الأمر على مدمن كان من أهل النبوة والملك دون طالوت الذي كانوا يكرهونه، ومثل هذا لا يدري أنه يتفق اليوم إذا كان رأس الجيش غير حر ولا مستلم أو لا يتفق، فوجب الاحتياط والله أعلم. وينبغي للإمام إذا أراد الجهاد أن يستعرض من أهل القتال، فمن يراه ضعيفًا يكسب أو مرض أخرج، وإن رأى في دوابهم لا يعلم أنه لا يصلح أمر بإبداله. ويتأمل أسلحتهم فما كان منها رديئا لا يصلح العمل به أمر بتبديله. ومن كان منهم غير تام السلاح أمر بإتمامه. ومن صحب الجيش غير المقاتلة، فمن يعلم أن فيه فائدة للمقاتلة ومنفعة خلاء والخروج متهم. ومن خاف أن يكون كلا وبالًا عليهم منعه ورده. ويرد ضعاف الرجالة وذوي الآشنان منهم، لأنه لا يدري لعل هزيمة تقع فيوطأون. وإن رأى فيهم جبانًا يخشى أن يفرق ويخذل غيره رده. ويوصي الإمام إمام السرية والجند بتقوى الله، وطاعته، والاحتياط والتيقظ ويحذرهم الشتات والفرقة والإهمال والغفلة. ويأخذ على الجند أن يسمعوا ويطيعوا أميرهم ولا يختلفوا عليه، ولا يدعوا له النصيحة ولا يخذل بعضهم بعضًا، ولا جماعتهم للأمير. وإن أظفرهم الله تعالى على العدو ولم يغلوا ولم يخونوا ولم يعتدوا، ولم يقتلوا امرأة ولا تقاتلهم ولا وليدًا، ولا يعقروا من دواب المشركين التي لا تكون تحتهم دابة. وأنهم إن وصلوا إلى قرية لا يدرون حالها أمسكوا عنها وعن

ولم يقتلوا امرأة ولا تقاتلهم ولا وليدًا، ولا يعقروا من دواب المشركين التي لا تكون تحتهم دابة. وأنهم إن وصلوا إلى قرية لا يدرون حالها أمسكوا عنها وعن

أهلها، ولم ينبؤهم ولم يشنوا الغارة عليهم حتى يعلموا إلى غير ذلك من الآداب التي يحتاجون إلى معرفتها سوى ما يعلمهم، أو يخشى أن يكون فيهم من لا يعلمه ما يلزم، ويحل أو يحرم من أمر القتل والأسر والنعم، والقسم وعزل الخمس، ومن بسهم له أو لا بسهم، ومن رسخ والفرق بين الفارس والراجل ونحو ذلك كما يعلم إمام الحاج يخطبه الناس من أحكام الحاج ما يظن أنهم أو بعضهم يجهلونه، وأقام الصلاة الناس في خطبة العيد ما يليق بها من أمر زكاة الفطر، أم سنن النحر. ويأمرهم إن كان العدو الذي يقصدونهم من أهل الكتاب أن يكفوا عنهم إن ضمنوا الجزية، وأن لا يكفوا عنهم وإن ضمنوها إذا لم يكونوا من أهل الكتاب، ولا يقبلوا منهم إلا الإسلام، وإن كان العدو لا يعلمون ظاهر دين الإسلام، ولم يسمعوا أنه أمرهم أن يرسلوا إليهم ويدعوهم إلى الإسلام، فإن سألوا عنه بينوه لهم، فإن لم يجيبوا إليه قاتلوهم، ويأمرهم إذا قتلوا المشركين إن لم يمثلوا بهم، ولا يطمعوا منهم متاعًا إن كانت معهم من كلب أو فهد أو غيرهما.

عنه بينوه لهم، فإن لم يجيبوا إليه قاتلوهم، ويأمرهم إذا قتلوا المشركين إن لم يمثلوا بهم، ولا يطمعوا منهم متاعًا إن كانت معهم من كلب أو فهد أو غيرهما. وينبغي أن تكون نية الإمام في بعث السرية صيانة جورة الإسلام، وإعلاء كلمة الله، وحمل عباده على دينه وطاعته، وإجابته إلى إتباع أمره وعبادته، وكذلك السرية تنوي وآمرها. وإذا مضوا باسم الله فلاقوا العدو، فليتعوذوا بالله تعالى منهم، وليقولوا: اللهم إن بلاؤك في نحورهم، ونعوذ بك من شرورهم، وإذا قاتلوا فليقولوا: اللهم بك نصول ونجول، وليقولوا: إياك نعبد وإياك نستعين، وليقولوا: اللهم منزل الكتاب وسريع الحساب هازم الأحزاب، اللهم اهزمهم وزلزلهم، وإن حصوهم فليقولوا شاهت الوجوه، وإن رموهم فليقولوا: ﴿وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى، وليبلي المؤمنين منه بلاءًا حسنًا﴾. وإن بينهم العدو فليكن سفارهم ﴿حم﴾ لا ينصرون وليقولوا: ﴿حم عسق﴾ تفرق أعداء الله، وبلغت حجة الله ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وليقولوا إذا دخل العدو ديارهم فلقوهم: ﴿ثم لا يجاوزونك فيها إلا قليلًا، ملعونين أينما ثقفوا، أخذوا وقتلوا تقتيلا﴾. وليقولوا إذا صابوهم: ﴿قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم، وينصركم عليهم. ويشف صدور قوم مؤمنين، ويذهب

لًا، ملعونين أينما ثقفوا، أخذوا وقتلوا تقتيلا﴾. وليقولوا إذا صابوهم: ﴿قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم، وينصركم عليهم. ويشف صدور قوم مؤمنين، ويذهب

غيظ قلوبهم﴾، وليقولوا جندنا: هنالك مهزوم من الأحزاب. وليقولوا: ﴿سيهزم الجمع ويولون الدبر﴾ وليقولوا فكفروا به ﴿فسوف يعلمون إذ الأغلال في أعناقهم، والسلاسل يسحبون في الحميم، ثم في النار يسجرون﴾. وإن صبحوا دارهم فليقولوا: الله أكبر، هزم العسكر ﴿فإذا نزل بساحتهم فساء صباح المنذرين﴾، وإن ثبتوهم، فليقولوا: ﴿أفأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بياتًا وهم نائمون﴾. وإن جاءوه فليقولوا: ﴿أو أمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا ضحى وهم يلعبون، أفأمنوا مكر الله، فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون﴾. وليقولوا في عامة أحوالهم وأوقاتهم: ﴿حسبنا الله ونعم الوكيل﴾. وليقولوا: ﴿وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقًا﴾، ﴿إن كيد الشيطان كان ضعيفًا﴾. وإن كان العدو يهودًا، فليقل المسلمون في وجههم: ﴿وقالت اليهود يد الله مغلولة، غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا﴾. ﴿فما عتوا عما نهوا عنه قلنا لهم كونوا قردة خاسئين﴾. وليقولوا المعوذتين غدوة وعشيًا، وإن وقعت هزيمة فتبعهم العدو فليتحصنوا منهم بقراءة قوله ﷿: ﴿وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابًا مستورًا، وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرًا، وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده ولوا على أدبارهم نفورًا﴾ ﴿وجعلنا من بين أيديهم سدًا ومن خلفهم سدًا، فأغشيناهم فهم لا يبصرون﴾ وإن هزموا العدو، فليقولوا على آثارهم: ﴿فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين﴾. وليقولوا: ﴿مالكم من ملجأ يومئذ وما لكم من نكير﴾ وإن لج العدو وثبتوا، فليقولوا: ﴿ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض مالها من قرار﴾.

Bagian 28 dari 42