— Bagian 29 · وليقولوا ﴿إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرًا وأحلوا… —
Bagian 29
وليقولوا ﴿إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرًا وأحلوا قومهم دار البوار، جهنم يصلونها وبئس القرار﴾ وليقرأوا: ﴿والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئًا ووجد الله عنده فوفاه حسابه﴾. وليقولوا: ﴿وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورًا﴾. وليقولوا: ﴿وعنت الوجوه للحي القيوم وقد خاب من حمل ظلمًا﴾. وليقولوا: ﴿ما جئتم به السحر إن الله سيبطله إن الله لا يصلح عمل المفسدين، ويحق الله الحق بكلماته ولو كره المجرمون﴾. وليقولوا: ﴿ومكروا مكرًا ومكرنا مكرًا وهم لا يشعرون، فانظر كيف كان عاقبة مكرهم، إنا دمرناهم وقومهم أجمعين﴾ وليقولوا إذا حملوا على العدو: ﴿بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق، ولكم الويل مما تصفون﴾. ﴿بل هو ما استعجلتم به ريح فيها عذاب أليم، تدمر كل شيء بأمر ربها فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم﴾. وليقولوا: ﴿ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورًا﴾ وليقولوا: ﴿اعرض عن هذا، إنه قد جاء أمر ربك، وإنهم أتاهم عذاب من غير مردود وليقولوا: ﴿وإذا تأذن ربك ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من سوء العذاب، إن ربك لسريع العقاب وإنه لغفور رحيم﴾. وليقولوا: ﴿فما رأوه زلفة سيئت وجوه الذين كفروا﴾ وليقولوا: ﴿فجعلناهم أحاديث ومزقناهم شر ممزق﴾. وإن حمل العدو عليهم فليقولوا لأنفسهم: ﴿يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة﴾. وليقولوا: ﴿فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل، ولا تستعجل لهم كأنهم يوم يرون ما يودعون﴾ إلى آخر السورة. وإذا دنوا منهم فليقولوا: ﴿ثم انصرفوا صرف الله قلوبهم بأنهم قوم لا يفقهون﴾.
العزم من الرسل، ولا تستعجل لهم كأنهم يوم يرون ما يودعون﴾ إلى آخر السورة. وإذا دنوا منهم فليقولوا: ﴿ثم انصرفوا صرف الله قلوبهم بأنهم قوم لا يفقهون﴾.
وليقولوا: ﴿فأرسلنا عليهم ريحًا وجنودًا لم تروها، وكان الله بما تعلمون بصيرًا﴾. وليقولوا: ﴿وحيل بينهم وبين ما يشتهون كما فعل بأشياعهم من قبل إنهم كانوا في شك مريب﴾. وليقولوا: ﴿الله الذي جعل لكم الأرض قرارًا﴾. وإن لحق العدو مددًا فليقل المسلمون: ﴿لا يستطيعون نصرهم وهم لهم جند محضرون﴾. وليقولوا: ﴿والقينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة كلما أوقدوا نارًا للحرب أطفأها الله﴾. وإن لحق المسلمون مدد فليقولوا: ﴿وما جعله الله إلا بشرى ولتطمئن به قلوبكم، وما النصر إلا من عند الله إن الله عزيز حكيم﴾. وإن تحصنوا من العدو موضع، فليقولوا: ﴿إن تصدوهم فأووا إلى الكهف، ينشر لكم ربكم من رحمته، ويهيء لكم من أمركم مرفقا. وترى الشمس إذا طلعت تزاور عن كهفهم ذات اليمين وإذا غربت تقرضهم ذات الشمال، وهم في فجوة منه، ذلك من آيات الله﴾. وليقولوا: ﴿فما استطاعوا أن يظهروه وما استطاعوا له نقبًا﴾. وإن تحصن العدو منهم فليقولوا إن قصدوه: ﴿فإذا جاء وعد ربي جعله دكاء، وكان وعد ربي حقًا﴾. وليقولوا: ﴿اهبطا منها جميعًا بعضكم لبعض عدو﴾. وليقولوا إذا خافوهم: ﴿إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه، فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين﴾. وليقولوا: ﴿وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنًا، يعبدونني لا يشركون بي شيئًا﴾. وليقولوا: ﴿سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب بما أشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانًا، ومأواهم النار وبئس مثوى الظالمين﴾. وليقولوا: ﴿فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا، وقذف في قلوبهم الرعب يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين، فاعتبروا يا أولي الأبصار﴾.
وبئس مثوى الظالمين﴾. وليقولوا: ﴿فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا، وقذف في قلوبهم الرعب يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين، فاعتبروا يا أولي الأبصار﴾.
وليقولوا: ﴿ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين﴾ وليقولوا: ﴿وأنتم الأعلون والله معكم، ولن يتركم أعمالكم﴾. وإن حاصروا العدو أحدقوا به، فليقولوا: ﴿إنا اعتدنا للظالمين نارًا أحاط بهم سرادقها، وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه، بئس الشراب وساءت مرتفقًا﴾ وليقولوا: ﴿يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السموات والأرض فانفذوا لا تنفذون إلا بسلطان. يرسل عليكما شواظ من نار ونحاس فلا تنتصران﴾. وإن حاصرهم العدو وأحاط بهم فليقولوا: ﴿قل الله ينجيكم منها ومن كل كرب﴾. وليقولوا: ﴿ولقد مننا على موسى وهارون ونجيناهم وقومهما من الكرب العظيم، ونصرناهم فكانوا هم الغالبين﴾. وليقولوا: ﴿وذا النون إذ ذهب مغاضبًا فظن أن لن نقدر عليه، فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، فاستجبنا له ونجيناه من الغم، وكذلك ننجي المؤمنين﴾. وإن رماهم العدو بالنار فليقولوا: ﴿يا نار كوني بردًا وسلامًا على إبراهيم، وأرادوا به كيدًا فجعلناهم الأخسرين﴾، ﴿فأنجاه الله من النار﴾. وليقولوا: ﴿الله أكبر، الله ربنا ومحمد نبينا، وأنت يا نار لغيرنا﴾. وليقولوا: ﴿كلما أوقدوا نارًا للحرب أطفأها الله﴾. وإن رموا العدو بالنار فليقولوا معها: ﴿ورأى المجرمون النار فظنوا أنهم مواقعوها ولم يجدوا عنها مصرفًا﴾، وليقولوا: ﴿إنها لظى نزاعة للشوى، تدعو من أدبر وتولى وجمع فأوعى﴾. وليقولوا: ﴿ويقذفون من كل جانب، دحورًا ولهم عذاب واصب إلا من خطف الخطفة فأتبعه شهاب ثاقب﴾ وإن رموا العدو بالمنجنيق فليقولوا: ﴿جعلنا عاليها سافلها، وأمطرنا عليها حجار من سجيل منضود، مسومة عند ربك وما هي من الظالمين ببعيد﴾. وإن رماهم العدو
بالمنجنيق فليقولوا: ﴿إن الله يدافع عن الذين آمنوا﴾ وليقولوا: ﴿قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالًا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا﴾ وإذا دخلوا أرض العدو فليقولوا: ﴿بسم الله، لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رؤوسكم ومقصرين لا تخافون فعلم ما لم تعلموا، فجعل من دون ذلك فتحًا قريبًا﴾. وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها، فجعل لكم هذه وكف أيدي الناس عنكم ولتكون آية للمؤمنين ويهديكم صراطًا مستقيمًا﴾. وليقولوا إذا كانت الريح تصفق وجوه العدو: ﴿إنا أرسلنا عليهم ريحًا صرصرًا في يوم نحس مستمر تنزع الناس كأنهم أعجاز نخل منقعر﴾. وإن كانت الريح تهب على وجوه المسلمين، فليقولوا: ﴿وهو الذي يرسل الريح بشرًا بين يدي رحمته﴾. ﴿ومن آياته أن يرسل الرياح مبشرات وليذيقكم من رحمته﴾. وليقولوا: ﴿اللهم أجعلها رياحًا ولا تجعلها ريحًا﴾. وليقولوا: ﴿اللهم إنا نسألك من خير ما تأتي به الرياح ونعوذ بك من شر الماء والهياج. وإن بارز مسلم مشركًا فليقرأ عليهم: ﴿فساهم فكان من المدحضين﴾. وليقل: ﴿فوكزه موسى فقضى عليه﴾. وليقل: ﴿فالله يحكم بينكم يوم القيامة ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا﴾. وإذا التقى الصفان فليدع أمين السرية وليسأل الله الصبر والفتح ويأمر الناس. فإنه يروى عن النبي ﷺ: (ساعتان تفتح فيهما أبواب السماء) وقال: (ما يرد على داع دعوته حضر الصلاة، والصف في سبيل الله). وقد جاء في بعض ما تقدم ذكره من الآداب عن النبي ﷺ، إنه كان إذا بعث جيشًا أو سرية أمر عليهم أميرًا ثم دعاه فأوصاه بتقوى الله خاصة نفسه، ثم أوصاه بمن معه من المسلمين خيرًا. ثم قال: (اغزوا باسم الله، قاتلوا من كفر بالله لا تغلوا ولا تغدروا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا وليدًا، فإذا لقيت عدوًا من
وصاه بمن معه من المسلمين خيرًا. ثم قال: (اغزوا باسم الله، قاتلوا من كفر بالله لا تغلوا ولا تغدروا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا وليدًا، فإذا لقيت عدوًا من
المشركين فادعهم إلى إحدى ثلاث خلال أو خصال، فإنهن ما أجابوك، فاقبل منهم وكف عنهم، ثم ادعهم إلى الإسلام، فإن فعوا فاقبل منهم وكف عنهم، ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى المهاجرين، فاخبرهم أنهم إن فعلوا، فلهم ما للمهاجرين، وعليهم ما عليهم، وإن دخلوا فى الإسلام واختاروا دارهم فاخبرهم أنهم بمنزلة إعراب المسلمين، يجري عليهم حكم الله الذي يجري على المؤمنين، ولا حق لهم في الفيء والغنيمة إلا أن يجاهدوا مع المسلمين. وإن هم أبوا أن يدخلوا في الإسلام، فادعهم إلى إعطاء الجزية، فإن فعلوا فاقبلوا منهم وكف عنهم، وإن هم أبوا فأستعن الله عليهم وقابلهم). فإن سأل سائل عن بعض ما في هذا الحديث فقال: لم قبلتم الجزية من أهل الكتاب وكففتم بها عنهم، وفي ذلك إيهامهم إنكم تقاتلونهم على المال دون الدين: وأقل ما في ذلك أن تسلكهم هذا منكم في أمركم، وتظنوا أنكم لستم على بصيرة من دينكم. فإن أرادوا الدخول في الإسلام لم يدخلوا، وإن هموا برفض الكفر توقفوا، فهلا أخذتم الكفار كلهم مجرى واحد وقابلتموهم أو تسلموا.
م لستم على بصيرة من دينكم. فإن أرادوا الدخول في الإسلام لم يدخلوا، وإن هموا برفض الكفر توقفوا، فهلا أخذتم الكفار كلهم مجرى واحد وقابلتموهم أو تسلموا. فالجواب- وبالله التوفيق- إنا إنما نقبل الجزية من الكافر متمسك بما كان أصله دينًا لله من قبل، وكان ذلك موروثًا له من آبائه الأصليين في ذلك الدين أو الداخلين فيه، مبعث النبي ﷺ، ومن كان بخلاف هذه الصفة لم نقبل منه الجزية .. ووجه هذا إن الذين ذكرناهم لم يقصدوا التغليظ من الدين، وترك العبادة أصلًا، لكنهم تمسكوا بما كان أصله في وقته حقًا، فلم يجز أن نهجم عليهم بالقتل إذا كانوا لا يقاتلون، لأنا إنما نقاتلهم على شروط الذين تداخلوا أنهم ليلتزموها ويضموها إلى الأصل الذي هم مغرمون به. فلو قتلناهم قبل أن نيأس من إجابتهم، لقوينا المقدار الذي هم باذلون به من التدين، ولناقض ذلك دعاؤهم إلى ضم غيره وزيادة ما يعوله عليه. فثبت بهذا أنهم إذا كانوا غير مقاتلين، فواجب أن نكف عنهم ولا نبدأهم بالقتال حتى نقدم فيه دعوة. فإن لم يجيبونا ولم يسألونا إمامًا ولا عهدًا، فقد تعرضوا للقتال وأيسرنا من رشده، فجاز لنا قتالهم. وإن كانوا متمسكين من الديانة بشيء، لأن ذلك المقدار على الإنفراد ليس بدين
ألونا إمامًا ولا عهدًا، فقد تعرضوا للقتال وأيسرنا من رشده، فجاز لنا قتالهم. وإن كانوا متمسكين من الديانة بشيء، لأن ذلك المقدار على الإنفراد ليس بدين
ولا هو مقبول لله ﷿ منهم، ولا نافع إياه عندهم بوجوده وعدمه سواء. وكان تطهير الأرض منهم أولى من أن يتركوا متقلبين في نعمة الله غير دائنين دينه الذي ارتضاه لهم ودعاهم إليه. فإن طلبوا منا أمانًا عقدنا لهم وأمسكنا به عنهم بقول الله ﷿: ﴿وإن أحد من المشركين إستجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه﴾. ومعنى ذلك- والله أعلم- إن القرآن أخذ بمجامع القلوب وحجة باهرة للقبول، فيرجوا إنهم إذا اختلطوا بنا وشاهدوا إعلام ديننا، وسمعوا كلام ربنا، وسنن نبينا ﷺ استبصروا ونزعوا عن كفرهم وأسلموا، فكان عقد الإيمان لهم رفقًا، يرجو أن يعود بما لا يعود به العنف، فقدمناه وآثرناه. وأما إن عرضوا علينا الجزية ودعوناهم إليها وأجابوا، وجب الكف عنهم لقول الله ﷿: ﴿حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون﴾. ومعنى ذلك- والله أعلم- إنهم لو استأنفوا بلا مال، ولم يكن على المسلمين ضرر من إيمانهم وجب إيمانهم، فإذا انضم إلى ذلك ضمان بمال، كان الكف عنهم أولى، لأنهم إذا استأمنوا كان حظنا من الأمان كحظهم. فإما نأمنهم كما يأمنونا، وإذا بدلوا كانت لهم في إجابتهم زيادة رفق لا يكون لهم بإزائه مثله، بل يكون عليهم فيه صغار ذلة من وجوه: أحدها إنهم يصبرون كالعبيد المخارجين يسعون ويكسيون من يلزمهم إن ردوا إلينا ما وقع العقد عليه من غير متابعة ولا مداينة ولا استهلاك ولا خيانة، وهذا صورة العبيد الذين يستكسبهم ساداتهم، وفي ذلك متعبة لهم على رفض السبب الذي أنزلهم هذه المنزلة وهو الكفر. فإن قيل: إنهم إذا كانوا عند أنفسهم مخفين لم نبعثهم هذه المذلة التي تلحقهم لأجل دينهم على أن يرفضوه كما لو وقع مثل هذا، لكن لم يبعثكم على رفض دينكم، إن كنتم تعلمون مثل أنفسكم إنكم محقون.
قيل: ليس كذلك بل مبطلون، لأن الله- تعالى جده- أخبرنا إنهم يجدون نبينا ﷺ مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل، وإنهم يعرفونه كما يعرفون أبناءهم، وإن الحسد هو الذي يحملهم على لزوم كفرهم. ونزل الإيمان بنبينا محمد ﷺ ونحن من هذه الأخبار في ثقة ويقين، فذلك الذي يمنعنا أن دفعنا من جانبهم إلى أمر نكرهه. وسيكفينا الله تعالى ذلك بفضله. ونفيناه إلى أن نرفض ديننا. وأما هم فإن حالهم إذا كانت ما ذكره الله تعالى من إنصاف ذلك لخوف الذلة والصغار، أتاهم قرب ذلك نزوعهم عما هما فيه، فإنهم إنما يتمسكون بدينهم ما داموا يقدرون لأنفسهم في الثبات عليه حظًا من الدنيا. فإذا تفرد عندهم أن لا دنيا ولا آخره لم يثبتوا عليه. فهذا فرق ما بيننا وبينهم. فإن قيل قد ثبتوا ولم يغن استدلالكم إياهم شيئًا: قيل العقل السليم يدعو إلى ما ذكرنا فإن ذهب عنه ذاهب فذاك لا يفسد هذا الأصل. وقد يذنب بعض الناس دينًا فيخلد عليه، ثم يعود فيخلد فيتكرر ذلك منه، وعليه دفعات فلا يرتدع، ولا يدل ذلك على أن عقوبة المجرم بالضرب الشديد ليست في موضع الردع والزجر، بل هي كذلك في حكم العقل، فإن ذهب عنه ذاهب لم يقدح ذلك في الحق والحكمة شيئًا والله أعلم.
على أن عقوبة المجرم بالضرب الشديد ليست في موضع الردع والزجر، بل هي كذلك في حكم العقل، فإن ذهب عنه ذاهب لم يقدح ذلك في الحق والحكمة شيئًا والله أعلم. وفي أخذ الجزية عنهم معنى آخر وهو أن يكون سر غناهم المكان بين أولياء الله في أرضهم ودارهم إلا ببذل يعود منهم عليهم، لتكون منزلتهم بين الأولياء بأديانهم، منزلة الأجنبي من صاحب المنزل. وفي هذا من الصغار ما لا يخفى. ثم هو في البعث على الر جوع إلى الحق، وترك التمادي في الباطل نظير الوجه الذي تقدم ذكره. وفي جملة ما كتبنا ما أبان أن قبولنا الجزية من أهل الكتاب لا يوهم أن قتالنا إياهم ليس على الدين ولكنه لأجل المال، وخصوصًا إذا كنا نشترط عليهم أن تكون أحكام الإسلام جارية عليهم، ولا يجاهدوا بكفرهم ولا أن يسمعوا المسلمين قولهم في عيسى بن مريم، ولا صوت الناقوس، ولا يفتنوا مسلمًا عن دينه، ولا يسقوا صبيًا من صبيان المسلمين ولا عبدًا من عبيدهم خمرًا يحتسونه بذلك. ولا يحدثوا في أمصار المسلمين كنيسة، ولا يظهروا فيها حمل خمر، ولا ادخار خنزير. ولا يحدثون بنا، يطولون به بناء المسلمين، ويقصروا الزنانير على أوساطهم ويفرقوا بين هيئاتهم وهيئات المسلمين في الملبس والمركب. ولا يركبوا الخيل ويقتصروا على الحمير والبغال، وإن ركبوا البراذين فبالأكف دون السروج.
أوساطهم ويفرقوا بين هيئاتهم وهيئات المسلمين في الملبس والمركب. ولا يركبوا الخيل ويقتصروا على الحمير والبغال، وإن ركبوا البراذين فبالأكف دون السروج.
ولا يشبهوا على مسلم فيسقوه خمرًا أو يطعموه خنزيرًا. وإن من ذكر منهم كتاب الله أو نبينا محمدًا ﷺ ما لا نطلبه الإسلام، أو طعن في دين الإسلام، أو زنا بمسلمة أو أصابها باسم نكاح، أو غير مسلمًا عن دينه، أو تعرض لأن يفتنه، أو قطع على مسلم طريقًا، أو أعان على أهل الحرب بدلالة على المسلمين أو آوى عتيًا، فقد نقض عهده وأحل دمه وبرئت منه ذمة الله وذمة رسوله ﷺ. فكيف يتوهم عاقل لأجل إقرارنا إياهم في دار الإسلام بالجزية مع هذه العهود الغليظة والمواثيق المحكمة، إن قتالنا إياهم على المال لا على الدين، وإن القتال لو كان لأجل المال لما رضينا بدينار من كل رأس في سنة، ولما شققنا عليهم بهذه الشروط، بل كنا نزيد في المال وننقص من الشروط. ولكنا لا نسقط المال ونضعه عنهم إذا أسلموا، فلما كنا نزيل المطالبة بالمال عنهم إذا أسلموا، وإذا لم يسلموا فوضعنا المال عليهم، قللنا المال وخففنا، وأكثرنا الشروط وغلظنا. فقد خففنا عند من يعقله، ويتصف بما لا يزيد بإيمانهم على الجزية إلا ما يزيد بنفس القتال من التسبب إلى أفعالهم في دين الحق. وصرف قلوبهم عن الباطل الذي هم فيه وبالله التوفيق.
ه، ويتصف بما لا يزيد بإيمانهم على الجزية إلا ما يزيد بنفس القتال من التسبب إلى أفعالهم في دين الحق. وصرف قلوبهم عن الباطل الذي هم فيه وبالله التوفيق. وأما الكفار غير أهل الكتاب، فإن الجزية لا تقبل منهم، لأن قبولها من أهل الكتاب إنما كان لاستثنائهم رجاء أن يضمنوا شروط دين الحق إلى القليل من أصل الدين الذين هم متمسكون به. وأن يجذفوا عن ذلك الأصل ما ضمنوه إليه مما هو غير لائق به. فمن تجرد عن الديانة أصلًا وتمسك بما لم يكن دينًا لله تعالى قط، ولم يبعث به رسولًا، ولا أنزل به كتابًا، ولا رضي من أحد به دينًا، فلا معنى أن يترك نفسه عليه وهي مخلوقة للعبادة لا لغيرها وهو حابسها عن نفسه. فأنا نعلم أن من كان له مملوك قد اشتراه، فامتنع من خدمته أصلًا من غير عدة، كان له أن يؤذيه ويضربه أن يمهله وينظره، فإذا كان جنس المملوك المشتري للخدمة، خدمته توجب عليه أن لا يخل والتنعيم بنفسه لكن يضرب ويؤدى ويؤدب. فحبس المملوك المخلوق للخدمة عن الخالق خدمته، أولى أن توجب عليه أن لا يخلى والتنعم بنفسه والله أعلم. فإن استأمن على أن يدخل دار الإسلام لحاجة يبلغها في مدة قريبة جاز، لأن ذلك انتظار، وليس بتخليه، وقد يرجى أن يستبصر في هذه المدة، وينفعه الاختلاط بالمسلمين، والسماع بينهم، فكذلك أجبت.
فأما قبول الجزية فإن تخلية، لأن ذلك يتأبد ولا يتأقت، والتخلية غير لائقة بحاله. وإن استرق عزل، لأن نفسه صارت مأخوذة عنه بالاسترقاق، وصار الحق فيها استرقاقه. فإن كان تعطله عن الدين يوجب أن لا يخل والتنعم بنفسه فهو إذا استرق، فلم تخل له نفسه، لأنه إذا أراد أن يقعد قيم، وإذا أراد أن ينام أن يلبث سير. وإذا أراد أن يسير فلم تخل له نفسه لأنه إذا أراد أن يقعد قيم، وإذا أراد أن ينام أزعج، وإذا أراد أن يلبث سير، وإذا أراد أن يسير لبث. ولا يأكل إلا إذا أطعم. وتحقيق ما قلنا أنه لا يمكنه استيفاء نفسه إلا بالمال والرق، يحول بينه وبين ملك المال، فقد حال إذا بينه وبين استبقاء نفسه، فظهر بذلك إنه زائل السلطان عن نفسه والله أعلم. وإذا عرض المسلمين ما يحول بينهم وبين الجهاد، فرأى الإمام أن يهادن المشركين، فإن كانت بالمسلمين قوة، إلا أنهم اشتغلوا ببعض أمورهم عن الجهاد لم يكن للإمام أن يهادن أحدًا من المشركين. فإن كانت بالمسلمين أكثر من أربعة سنين، لأن النبي ﷺ كان هادنهم أكثر من ذلك. فلما قوي الإسلام رد الله تلك الهدنة إلى أربعة أشهر. وإن كانت بالمسلمين قلة العدد والعتاد، وعلموا أنهم لا يطيقون ابتداء المشركين بالقتال، ولا دفعهم عن أنفسهم أن يدرأوهم، فللإمام أن يهادنهم عشر سنين. فإذا قوى المسلمون وزالت العلة نقض الصلح كما نقضه الله تعالى لما دخل الناس في دين الله أفواجًا، وقوي الإسلام وظهر الحق، ورد الأمر إلى أربعة أشهر والله أعلم. ولا يحل أن يهادنهم على ما يطيقونه إلا في حال قتال يخاف فيها الاصطدام ولن يكون ذلك أبدًا إن شاء الله تعالى.
لحق، ورد الأمر إلى أربعة أشهر والله أعلم. ولا يحل أن يهادنهم على ما يطيقونه إلا في حال قتال يخاف فيها الاصطدام ولن يكون ذلك أبدًا إن شاء الله تعالى.
السابع والعشرون من شعب الإيمان وهو باب المرابطة في سبيل الله قال الله ﷿: ﴿يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفحون﴾. والمرابطة في سبيل الله نزل من الجهاد، والقتال منزلة الاعتكاف في المساجد من الصلاة، لأن المرابط يقيم في وجه العدو متأهبًا مستعدًا، حتى إذا أحس من العدو تحركه أو غفله، نهض فلا يفوته بالتأهب من والإتيان من بعد فرضه، إن كانت أعرضت ولا يتعذر عليه تدارك خلل إن وقع، فيترامى ويعظم ويصير إلى أن يسبق تلاقيه. كما أن المعتكف يكون في موضع الصلاة مستعدًا، فإذا دخل الوقت وحضر الإمام قام إلى الصلاة ولم يشغله عن إتيان المسجد شاغل، ولا حال بينه وبين الصلاة مع الإمام حائل. ولا شك في أن المرابطة أشق من الاعتكاف، فإذا كان الاعتكاف مستحبًا مندوبًا إليه، فالمرابطة مثله والله أعلم. على أن صرف الهم إلى انتظار الصلاة قد سمي رباطًا. فجاء في بعض ما تقدمت روايته من الحديث فيما يكفر به من الخطايا، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلك الرباط. وقد وردت في هذا الباب أخبار عن النبي ﷺ: فمنها أنه قال: (من رابط فواق ناقة وجبت له الجنة). وعنه ﷺ: (من مات مرابطًا في سبيل الله أومن من شر عذاب القبر، وناله أجره إلى يوم القيامة). وعنه ﷺ: (رباط يوم وليلة في سبيل الله خير من
وجبت له الجنة). وعنه ﷺ: (من مات مرابطًا في سبيل الله أومن من شر عذاب القبر، وناله أجره إلى يوم القيامة). وعنه ﷺ: (رباط يوم وليلة في سبيل الله خير من
صيام شهر وقيامه. فإن مات جرى عليه أجر المرابطة ويؤمن من الفتان، ويقطع لهم برزق من الجنة). وعنه ﷺ: (من مات مرابطًا في سبيل الله مات شهيدًا، ووفاه الله فتان القبر، وأجرى عليه أحسن عمله وعدى عليه وربح برزقه من الجنة) وعنه ﷺ: (إذا استشاط العدو خير جهادكم الرباط). يعني إذا بعدتم، إن سنة المرابطة في سبيل الله إن قعد من الخيل والسلاح ما يحتاج إليه، إذا كان انتظار الوقعة من غير استعداد لها تعرضًا للهلاك، وليس ذلك من التي قال الله ﷿: ﴿وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم﴾. وأمر الله تعالى باستكمال العدة، ونص على الخيل لأنها من أعظم المعاون إذ كانت تصلح للطلب والهرب. وجاء عن النبي ﷺ أنه قال: (خير الناس رجل أخذ بعنان فرسه في سبيل الله فكلما سمع هيعة طار إليها). وعنه ﷺ أنه قال: (الخيل معقود بنواصيها الخير إلى يوم القيامة). فقيل له: يا رسول الله، بم ذاك. قال: (الأجر والمغنم إلى يوم القيامة، والإبل عز لأهلها والغنم بركة). وعنه ﷺ: (الغنم بركة والإبل مجد لأهلها والخيل معقود بنواصيها الخير إلى يوم القيامة، والعبد أخوك فأحسن إليه، وإن وجدته مغلوبًا فأعنه). وعنه ﷺ (الخيل معقود بنواصيها الخير والنيل إلى يوم القيامة، فخذا بنواصيها، وادعوا بالبركة وقلدوها، ولا تقلدوها الأوتار). وقيل: أراد لا تطلبوا عليها الدخول، وقيل:
ل معقود بنواصيها الخير والنيل إلى يوم القيامة، فخذا بنواصيها، وادعوا بالبركة وقلدوها، ولا تقلدوها الأوتار). وقيل: أراد لا تطلبوا عليها الدخول، وقيل:
أراد الأوتار أنفسها، فهي إن تقلدوها لئلا تختنق. وعنه ﷺ: (الخيل ثلاثة هي لرجل أجر، ولرجل ستر، وعلى رجل وزر). فأما الذي له أجر، فالذي يحبسها في سبيل الله ويعدها له، فهو لذلك أجر، وكل شيء تغيبه في بطونها، فله به أجر حتى ذكر أرواثها وأبوالها أنه له أجر. وله أنه من يموج في عرفة كان له بكل خطوة خطاها أجر، ولو أنه من نهر فشرب منه كان له بكل قطرة غيبت في بطونها أجر. وأما الذي له ستر فالرجل يتخذها محملًا، ولا ينس حق ظهورها وبطونها في عسرها ويسرها. وأما الذي عليه وزر، فالذي يتخذها أشرًا وبطرًا ورياء الناس ومدحًا عليهم. وعنه ﷺ: (من احتبس فرسًا في سبيل الله إيمانًا بالله وتصديق موعد الله، كان شبعه وروثه وبوله حسنات في ميزانه يوم القيامة). ومعنى (الخيل معقود بنواصيها الخير) إنها ميمونة مبارك فيها لأهلها، لأن العرب تقول: فلان ميمون الناصية، وربما قالوا: ميمون الطلعة، ويحتمل أن يكون المراد بذكر النواصي جرها إلى الركوب. لأن الناصية موضع القبض عليه، كما يقال في الدعاء: نواصينا بيدك. أي منقادون لك متحرون نحو أمرك، وإذا ارتبط الغازي فرسًا، فليتحر أن يكون كما قال النبي ﷺ: (إذا أردتم أن تغيروا فاشتروا فرسًا أدهم أفرخ أرتم أغر محجلًا، طلق اليد اليمنى، فإنك تغنم وتسلم. فإن لم يكن أدهم فخمنت على هذه الشبه). أو قال: (الصفة). ومما يبين نفاسة الخيل ورفعة قدرها أقام الله ﷿ بها على (ما) تكون عليه في حال الحرب، وذلك قوله ﷿: ﴿والعاديات ضبحًا فالموريات قدحًا، فالمغيرات صبحًا، فأثرن به نقعًا، فوسطن به جمعًا﴾. فذهب ابن عباس
ومن بعده عكرمة ومجاهد وعطية، وأبو الضحى وقتادة إلى أن القسم وقع على الخيل التي يغزا عليها، ويغار بها على العدو. وروي أن النبي ﷺ وجه سرية فأبطأ عليه خبرها، فتخوف عليها فنزلت ﴿والعاديات ضبحًا﴾ إخبار النبي ﷺ بسلامتها وبشارة له بإغارتها على القوم الذي بعثت إليهم. ومن ذهب إلى أن الله ﷿ أقسم بها، قال: أراد بالعاديات الخيل تعدو فتصبح في عدوها بما يشبه التخبط من شدة العدو. وقيل: كانت تغم لئلا تصهل فيعلم العدو، فكانت تتنفس في هذه الحال بعوده. ﴿والموريات قدحًا﴾ قد جاء أنها تقدح بسنابكها النار من الحجارة إذا عدت. ﴿والمغيرات صبحًا﴾ لأن غاراتهم كانت تكون في الصباح. ﴿فأثرن به نقعًا﴾ أي أثرن بالعدو الذي العاديات عليه غبارًا. ﴿فوسطن بها جمعًا﴾ أي دخلوا به، أي بالعدو جمعًا. وهو الجمع الذي أريد وقصد والله أعلم. وأيضًا قول الله ﷿: ﴿وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة﴾ فقد جاء عن النبي ﷺ أنه قال: (القوة الحصن، ومن رباط الخيل الأبار- يعني الحجور). وروى عقبة بن عامر ﵁ إن النبي ﷺ قال: (إلا هو الرمي). وقد يجوز أن تكون اللفظة جامعة للحصن والرمي لأن كليهما قوة. وجاء عن النبي ﷺ في الرمي إخبار كما جاءت في الخيل: منها إنه ﷺ قال: (إن الله ليدخل بالسهم الواحد ثلاثة الجنة: صانعه يحتسب في صنعته الخير، والرامي به، والمسد به). وقال: (ارموا، وارموا، وإن ترموا أحب إلي من أن تركبوا، وكل شيء يلهو به الرجل باطل، إلا تأديبه فرسه، ورميه من قوسه، وملاعبته لامرأته،
ومن تعلم الرمي ثم تركه فهو نعمة تركها) ومما يدل على رفعة قدر الرمي إن رسول الله ﷺ، لم يجمع لأحد بين أبويه، ولا في أمر من الأمور غلا سعد بن ملكه في رميه، فإنه قال له يوم أحد: (ارم فداك أبي وأمي). فقد يجوز أن يكون قال ذلك، ولكنهما معًا في الرمي دون غيره والله أعلم. وعنه ﷺ، أنه مر عليهم فرآهم يرمون قال: (ارميا يا بني إسماعيل، فإن أباكم كان راميًا).
يجوز أن يكون قال ذلك، ولكنهما معًا في الرمي دون غيره والله أعلم. وعنه ﷺ، أنه مر عليهم فرآهم يرمون قال: (ارميا يا بني إسماعيل، فإن أباكم كان راميًا).
الثامن والعشرون من شعب الإيمان وهو باب في الثبات للعدو وترك الفرار من الزحف قال الله ﷿: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا، واذكروا الله كثيرًا لعلكم تفلحون﴾. وقال: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفًا فلا تولوهم الأدبار﴾. وجملة القول في هذا إن الزحفين إذا التقيا من المسلمين والمشركين، فاقتتلا وقتل الكثير فإن كان المشركون في العدد مثلهم أو مثليهم فحرام عليهم أن يفروا، ويتركوا مواقعهم مولين ظهورهم إلا أن يكون وراءهم فئة، يريدون أن يتحيزوا إليهم، فيقووا بهم، ثم يكروا على العدو، فينصرف انفراكهم بمكيدة من مكائد الخوف، نحو أن يوهموا أنهم قد انهزموا، ليتفرق العدو، فينصرف بعضهم ويقيم بعض، ويتبعهم بعضهم، فعسى أن يصيبوا من التابعين لهم ما يريدون. أو يمكنهم كرة على الواقفين في مواضعهم ونكاية فيهم. فإذا كان الرجوع لواحد من هذين فهو جائز، وإن كان على وجه الفرار فهو من الكبائر. وأما إذا كان الرجوع العدو أكثر من مثلي المسلمين إن تبينوا لهم ما أطاقوا فإذا عجزوا وخافوا الاصطدام، فلهم أن يهربوا. والأصل في هذا قول الله ﷿: ﴿ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفًا لقتال أو متحيزًا إلى فئة، فقد باء بغضب من الله، ومأواه جهنم وبئس المصير﴾. فأما معنى هذه الآية إن هذا الوعيد على من فر من مثله أو مثليه لأنه نزال اسمه، كان فرض على المسلمين أن يثبتوا لعشرة أمثالهم، فقال:
جهنم وبئس المصير﴾. فأما معنى هذه الآية إن هذا الوعيد على من فر من مثله أو مثليه لأنه نزال اسمه، كان فرض على المسلمين أن يثبتوا لعشرة أمثالهم، فقال:
﴿يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال، إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين وإن يكن منكم مائة يغلبوا ألفًا من الذين كفروا﴾ ثم نسخ هذا برأفته لعباده فقال: ﴿الآن خفف الله عنكم، وعلم إن فيكم ضعفًا، فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين، وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله﴾. ففرض الثبات للمثل والمثلين، ولم يزد على ذلك. فعلمنا إن الوعيد المذكور في تلك الآية على الفار من المسلمين، فأما الفار من الامتثال فلا وعيد عليه والله أعلم. وإذا كان الفار غير مملوك وهو ممن وقع منه كبيرة، روي عن رسول الله ﷺ أنه قال: (إن أكبر الكبائر عند الله يوم القيامة إشراك بالله، وقتل النفس المؤمنة بغير حق، والفرار يوم الزحف في سبيل الله، وعقوق الوالدين، ورمي المحصنة وتعلم السحر والربا، وأكل مال اليتيم). وعنه ﷺ: (لا تمنوا لقاء العدو وسلوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاثبتوا وأكثروا ذكر الله. وإن جلبوا وضجوا فعليكم بالصمت). وعنه ﷺ: (من قال: استغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه، ثلاثًا غفرت له الذنوب، وإن كان فارًا من الزحف). وعن عبد الله بن عمر ﵄، قال: بعثنا رسول الله ﷺ في غزاة، فلقينا العدو، فخاض الناس خيفة، فانهزمنا. فقلنا: نهزم في الأرض، فلا نأتي رسول الله ﷺ حياء مما صنعنا. ثم قلنا: لو أتينا المدينة فاشترينا منها وتجهزنا. فلما أتينا المدينة قلنا: لو عرضنا أنفسنا على النبي ﷺ. فلما خرج عند صلاة الفجر، قمنا بقال من القوم، قلنا: يا رسول الله، نحن الفارون: قال: (بل أنتم الفكارون رأيًا في كل مسلم). والفكار: الكرار: فقد يخرج هذا على أن النبي ﷺ كان إذا حضر القتال لم يجز لهم أن يغزوا إلا متحرفين لقتال أو متحيزين إلى فئة بعيدة. فأما أن يكون لها، مسلمين
للنبي صلى لله عليه وسلم ومخلين بينه وبين العدو تلاق، وأما إذا بعث سرية وجلس بالمدينة فصلى، كان لهم إذا خافوا على أنفسهم من مثليهم أن ينحازوا إلى المدينة على أن يستمدوا النبي ﷺ، فإذا أمدهم وأمرهم بالعود عادوا، فأما أن ينجوا برؤوسهم ويقعدوا في بيوتهم فلا. فلما أعلم تلك الطائفة النبي ﷺ بحالها، قبل أن تقر في بيوتها، ومن غير أن يحقن على انسحابها، أخرجها ذلك من حكم الفرار والله أعلم. وفي هذا دليل على أنها أرادت الانحياز إلى فئة، فسواء كانت الفئة قريبة أو بعيدة، وسواء وجدوا من يعينهم في بعض الحصون أو القرى، أو كانوا لا يجدون عونًا إلى أن يأتوا مصرًا من الأمصار ويبلغوا حضرة وإليهم والله أعلم. فإن قيل: وما المعنى في إيجاب الثبات للمثلين، منصورون مؤيدون من قبل الله تعالى، والمشركون مخذولون، فإذا تساوى الفريقان في العدد، ولم يتكافآ في القوة، فجعل الإثنان من المشركين، كالواحد من المسلمين كما جعل المرأتان في الشهادات بمنزلة الرجل، لضعف رأيها وقصور حالها عن حال الرجل والله أعلم. فإن قيل: إن كان المسلمون مؤيدين من قبل الله تعالى، فلا يلزمهم الثبات لأكثر من المثلين. قيل: لأن ذلك التأييد لا يبلغ أن يعجز المشركون عن المقاومة أصلًا، فإن ذلك حينئذ يزيل فضل الجهاد، ويرفع ما في الجهاد من معنى التعبد، وإنما يكون تأييدًا يليق بطباع البشرية حتى يصير الواحد به مثلًا كاثنين. وقد أخبر الله ﷿ بذلك فإنه قال في آية ﴿إن تنصروا الله ينصركم﴾. ثم قال: ﴿وإن تكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين﴾. فأما أن النصر الموعودة هي أن الواحد حتى يصير كالاثنين منهم. وإذا كان كذلك، لم يجب الثبات لأكثر من المثلين مع ظهور أمارات العجز، والله أعلم.
مائتين﴾. فأما أن النصر الموعودة هي أن الواحد حتى يصير كالاثنين منهم. وإذا كان كذلك، لم يجب الثبات لأكثر من المثلين مع ظهور أمارات العجز، والله أعلم.
التاسع والعشرون من شعب الإيمان وهو باب في أداء خمس الغنم إلى الإمام أو عامله على الغانمين قال الله ﷿: ﴿واعلموا أن ما غنمتم من شيء فإن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبي، إن كنتم آمنتم بالله وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان، يوم التقى الجمعان، والله على كل شيء قدير﴾. فأبان ﷿ قوله ﴿إن كنتم آمنتم بالله﴾ إن عليه الخمس للأصناف الخمسة من الإيمان. وجاء عن الرسول ﷺ، إن وفد عبد القيس قدموا عليه فقال: (مرحبًا بالوفد غير الخذايا ولا الندامى. قالوا: يا رسول الله، إن بيننا وبينك المشركين من مضر، وإنا لا نصل إليك إلا في الأشهر الحرام، فحدثنا ما يحمل من الأمر إن علمنا بها دخلنا الجنة، وندعوا بها من ورائنا، فقال: آمركم بالإيمان بالله وحده لا شريك له. وهل تدرون ما الإيمان بالله وحده؟ قالوا: الله ورسوله أعلم! قال: شهادة أن لا إله إلا الله، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، وأن تعطوا من المغنم الخمس. وأنهاكم عما ينتبذ في الجسم: الدباء والنقير والحنتم والمزفت). ولم يختلف المسلمون في إن ما غنمه جيش المسلمين فعنه الخمس، وإنما اختلفوا في الواحد والاثنين والثلاثة يدخلون دار الحرب، فيعرض لهم فيها قتال فيغنموا، وعموم الآية التي صدرنا الباب بها لا يفصل بين ما يغنمه العدد اليسير أو يغنمه العدد الكثير، ولا يفصل أيضًا بين الجماعة الكبيرة تقاتل معًا فتغنم، وبين جماعة من المسلمين يدخلون دار الحرب فتتفرق فيها فيلقى كل واحد منها على الانفراد من حيث لا يشعر به الآخرون قتالًا، فيظفر ويغنم ثم يجتمعون. ويوجب أن يكون فيما
ن المسلمين يدخلون دار الحرب فتتفرق فيها فيلقى كل واحد منها على الانفراد من حيث لا يشعر به الآخرون قتالًا، فيظفر ويغنم ثم يجتمعون. ويوجب أن يكون فيما
غنموه الخمس. وفي ذلك إيجاب الخمس فيما أصابه كل واحد منهم. وليس الواحد مجاهد الواحد، يريد بجهاده ما يريد الجيش العظيم بجهادهم، وهو إعادة كلمة الله ولا يملك ما تناله يده حتى يختار ملكه، فإن فيما نغنمه من الخمس ما يكون غنيمة الخمس والله أعلم. وقد اختلف في الفيء، قيل بخمس. وقيل: لا بخمس. وظاهر القرآن يدل على أنه مخموس، لأن الله ﷿ قال: ﴿ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى، فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل﴾. ولا خلاف في أن الفيء على عهد رسول الله ﷺ لم يكن كله لهؤلاء الأصناف الخمسة خاصة. فثبت أن المراد بالآية خمسة، ثم زيد ذلك بيانًا بالآية التي بعدها، قال الله ﷿: ﴿وما أفاء الله على رسوله منهم فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب﴾ أي ليس كالغنيمة، فيكون لهم منه ما يكون من الغنيمة. وشرك بينه وبين ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل، وفي الآية الأولى. وهؤلاء هم أهل الخمس، فصح أن المراد بالآية أن الفيء ما أفاء الله تعالى على نبيه بالرعب الذي ألقاه منه في قلوب أعدائه، فقام ذلك الرعب مقام القتال والجيش. ولو أفاء القتال على الجيش مالًا، يكال خمسه للرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل. والأربعة أخماس للجيش. فكذلك إذا أفاء الرعب من النبي ﷺ مالًا، كان الخمس منه له ولذي قرباه واليتامى والمساكين وابن السبيل، ثم تكون أربعة أخماس خالصة له. هذا ما يقضيه الجمع بين الآيتين وبالله التوفيق.
نبي ﷺ مالًا، كان الخمس منه له ولذي قرباه واليتامى والمساكين وابن السبيل، ثم تكون أربعة أخماس خالصة له. هذا ما يقضيه الجمع بين الآيتين وبالله التوفيق. وإذا وجب أن يكون أداء الخمس من الإيمان، فكذلك إذا كان واحدًا من الجيش ما يصيبه وحده، وإحضاره المغنم وجمعه إلى ما أصابه غير من الإيمان. والغلول فسق واستئثار الواحد بشيء من المغنم دون إذن الإمام، مثل أن يأخذ ثوبًا فيلبسه حتى يبليه، أو دابة حتى يهزلها خيانة أو غلول. ولا يحل لأحد من جملة ما أصاب أو أصابه غيره إلا الطعام والعلف. فإنه إن أصاب منه شيئًا منفردًا به لم يكن ذلك غلولًا. وقد وردت في ذلك أخبار، ومن قبل ذلك فقد قال الله ﷿: ﴿وما كان لنبي أن يغل﴾. يعني أن يخان، أي ما حقه الذي له على قومه أن يخونوه. والإشارة في ذلك إلى معنيين:
أحدهما أن حقه أن يعظم ويحيل أن يحتاج. والآخر الذي يهم بخيانته ينبغي له أن يتفكر في أنه لو جاء إليه فلا يلبث الخائن إلا يسيرًا حتى يعلم أمره فيفتضح ويهتك ستره، فيردعه العلم بذلك عن أن يخونه، وكان النبي ﷺ إذا بعث سرية قال لهم: (اغزوا باسم الله، وقاتلوا من كفر بالله، ولا تغلوا، ولا تغدروا). فيكون أول ما ينهاهم عنه الغلول. وقال أبو هريرة ﵁: قام رسول الله ﷺ خطيبًا فذكر الغلول بعظمه وعظم أمره، ثم قال: (أيها الناس، لا ألقين أحدكم يجيء يوم القيامة وعلى رقبته بقرة لها خروا، يقول: يا رسول الله، أغثني: فأقول: لا أملك شيئًا، قد بلغتك. ولا ألقين أحدكم يجيء يوم القيامة وعلى رقبته صامت فيقول: يا رسول الله، أغثني، فأقول: لا أملك لك شيئًا قد بلغتك). وإنما أراد النبي ﷺ بما قال، بيان قوله ﷿: ﴿ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة﴾ وروى أن رجلًا مات فقال رسول الله ﷺ: (هو في النار) فذهبوا ينظرون، فوجدوا عليه عباءة قد غلها). قال زيد بن خالد الجهني إن رجلًا من المسلمين توفي بخيبر، فذكر لرسول الله ﷺ أمره فقال: (صلوا على صاحبكم) فتغيرت وجوه القوم لذلك. فلما رأى الذي بهم قال: إن صاحبكم قد غل في سبيل الله، ففتشنا متاعه فوجدنا خرزًا من خرز اليهود ما يساوي درهمين. فقال الناس: هنيئًا له الجنة، فقال والذي نفسي بيده إن شملته لتحترقن عليه في النار غلها من المسلمين يوم خيبر، فقال رجل من الأنصار: يا رسول الله وجدت يومًا شراكين. فقال: (يقذفنك مثلهما من نار جهنم). وعن رسول الله ﷺ قال: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فلا يركبن دابة من
الأنصار: يا رسول الله وجدت يومًا شراكين. فقال: (يقذفنك مثلهما من نار جهنم). وعن رسول الله ﷺ قال: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فلا يركبن دابة من
فيء المسلمين، فإذا أعجفها ردها فيه. ولا يلبس ثوبًا من فيء المسلمين حتى إذا أخلقه رده فيه). وعن رسول الله ﷺ قال: (أدوا الخيط والمخيط، فإن الغلول نار وشنار). فأما الطعام والعلف، فلا بأس أن يصيب كل واحد من القائمين منها حاجته في دار الحرب ولا يجوز له أن يبيعه فيأخذ ثمنه فيتموله، وفيما يخرجه نفسه من دار الحرب إلى دار الإسلام خلاف، وأبين الوجهين فيه: إن فيه الخمس ولا يستأثر به. قال عبد الله ابن مغفل: ولي جراب من شحم يوم خيبر، وقلت: هذا لي لا أعطي منه أحدًا شيئًا، فالتفت، فإذا النبي ﷺ يبتسم فاستحييت. وهذا من النبي ﷺ إقرار له على ما ظهر منه. وقال الحسن: كان أصحاب رسول الله ﷺ إذا أفتحوا المدينة أو المصر أكلوا من السويق والدقيق والسمن والعسل، وقال إبراهيم- ﵀: كانوا يأكلون من الطعام ويعلفون قبل أن يخمسوا، وقال عطاء في الغزاة: يكونون في السرية فيصيرون السمن والعسل والطعام: قال: يأكلون، وما بقي ردوه إلى إمائهم. عن غلام لسلمان يقال له سويد، وأثني عليه أبو الغالية خيرًا قال لما فتح الناس المدائن وخرجوا في العدو، أصبت سلة. فقال لي سلمان: هل عندك من طعام. قلت سلة أصبتها: قال: هاتها. فإن كان مالًا دفعناه إلى هؤلاء وإن كان طعامًا أكلنا. وقال ابن عمر: كنا نصيب في مغازينا الفاكهة والعسل، فنأكله ولا نرفعه، وأما الفرق بين الأكل وبين البيع، والقول فقد جاء فيه عن هانئ بن كلثوم الكناني قال: كنت صاحب الجيش الذي فتح الشام، فكتبت إلى عمر، إنا فتحنا أرضًا كثيرة الطعام والعلف، فكرهت أن نقدم إلى شيء من ذلك إلا بأمرك وإذنك، فاكتب إلى بأمرك في ذلك، فكتب عمر أن دع الناس يأكلون ويعلفون، فمن باع شيئًا بذهب أو فضة، فقد وجب فيه خمس الله وسهام المسلمين، وسئل فضالة بن عبيد صاحب رسول الله ﷺ عن
في ذلك، فكتب عمر أن دع الناس يأكلون ويعلفون، فمن باع شيئًا بذهب أو فضة، فقد وجب فيه خمس الله وسهام المسلمين، وسئل فضالة بن عبيد صاحب رسول الله ﷺ عن
بيع الطعام والعلف في أرض الروم فقال فضالة: إن قومًا يريدون أن يسألوني عن ديني، والله إني لأرجو أن لا يكون ذلك حتى ألقى محمدًا ﷺ: من باع طعامًا بذهب وفضة، فقد وجب فيه خمس الله وسهام المسلمين. وعن الحسن ﵀ قال: كان أصحاب محمد ﷺ، يأكلون من الغنائم إذا صابوها، ويعفوا دوابهم، ولا يبيعون شيئًا، فإن بيع ردوه إلى المقاسم ولا أعلم أحدًا رخص فيما عدا الطعام والعلف. إلا ما يروى عن أبي وائل قال: غزونا مع سليمان بن ربيعة فخرج علينا أن يحمل على دواب الغنيمة، ورخص لنا في الغربال والمنخل والحبل يعيق الانتفاع بها لا نملك أعيانها والله أعلم. فلا ينبغي لمن جاهد في سبيل الله، وأظفره الله وسلمه وغنمه أن يختم جهاده، ويقابل فضل الله تعالى بالغلول، وبعض ذلك أعظم من بعض. ولولا عظم الدين في الغلول لما نزل فيه القرآن بالوعيد، ولا جعله النبي ﷺ أول ما ينهى عنه سراياه، ولا امتنع عن الصلاة على من عرف ذلك منه. فلا شيء أولى منه بأن يمقته المجاهد ولا يفسد به جهاده عنه والله أعلم، ومنه المنة والتوفيق والإعانة.
الثلاثون من شعب الإيمان وهو باب في العتق ووجه التقرب إلى لله ﷿: فقد أوجبه الله تعالى في الكفارات، كما أوجب الإطعام والكسرة والصيام، وأوجبه في فدية النفوس إذا قتلت بظلم. فدل ذلك على أنه مما يتبرر به، ويتقرب إليه عز اسمه به من غير ما جناية، يتقدم كما يتبرر بنظائره التي ذكرناها من غير جناية تتقدم. وقال ﷿: ﴿فلا اقتحم العقبة، وما أدراك ما العقبة، فك رقبة أو إطعام في يوم ذي مسغبة، يتيمًا ذا مقربة أو مسكينًا ذا متربة، ثم كان من الذين آمنوا وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة﴾. وقوله فلا اقتحم العقبة كلام إنكار واستبطاء وهو كقوله ﴿فلا اقتحم العقبة﴾ يعني عقبة البار التي قال الله ﷿ فيها ﴿سأرهقه صعودًا﴾ أي هلا عمل ما يسهل عليه اقتحامها. ويحتمل أن يكون المراد بالعقبة جميع ما هو مستقبله من البعث والحساب والجزاء الذي لا يدري أيكون بالحسنى أو الشر، أي كما يقول القائل لغيره: بيني وبين هذا الأمر عقاب، إذا كان بعيدًا المدرك متعذرًا لظفر. ثم إن المسهل لاقتحام العقبة ما هو؟ فذكر: فك رقبة، وإطعام المحتاج فدل ذلك على أن كل واحد منهما بر وقربة. ثم روي عن النبي ﷺ إن رجلًا قال له: يا رسول الله، دلني على عمل يدخلني الجنة؟ فقال: (اعتق الرقبة وفك النسمة. فقال الرجل: أليسا يا رسول الله واحدًا. فقال: إعتاق الرقبة أن ينفرد لعتقها، والنسمة أن يعين في ثمنها). فلو لم ينصص النبي ﷺ على أمره بالعتق، في جواب ما سأله عنه من عمل يدخله الجنة، واقتصر على أمره بفك
الرقبة أن ينفرد لعتقها، والنسمة أن يعين في ثمنها). فلو لم ينصص النبي ﷺ على أمره بالعتق، في جواب ما سأله عنه من عمل يدخله الجنة، واقتصر على أمره بفك
الرقبة، ثم فبشره بما قاله، لكان في ذلك دليل على عظم أجر العتق، فكيف إذا نصر عليه، لأن الإعانة في ثمن الرقبة التي تشترى للعتق، إذا كانت توجب الجنة، واقتصر على أمره بفك الرقبة التي وجب أن يكون العتق نفسه إنجابها أقرب والله أعلم. ثم جاء عن النبي ﷺ أنه قال: (من أعتق نسمة عتق الله بكل عضو منه عضوًا منه من النار). وهذا أبلغ ما يكون من الترغيب في العتق. وعنه أنه قال: (يا معاذ، ما خلق الله على وجه الأرض أحب إليه من العتاق، ولا أبغض إليه من الطلاق). ثم إن إدخال الله تعالى العتق في جملة الكفارات يدل على رفعة قدره لأن الكفارات هي التي تزيل العقوبة توجهها على المجرم، ولن يتسع لذلك إلا ما صار للجريمة وخالفها، كما أنه لا يتسع لإزالة النجس والقذر إلا ما صار وخالفه، فكان أبلغ الأشياء طهارة وأكملها نظافة. فلما كان العتق يعفي على آثار جنايات مغلظة، علمنا أنه في معاني القربة غليظ الأجر، عظيم القدر. ثم إن الله ﷿ جعله فدية للنفس إذا قتلت بغير حق، فكان ما عطل بقتلها من حق العبادة التي كان لله تعالى فيها، وكان خلقه إياه لها، وقبله ﵎ فدية لحرمة الشهر إذا انتهكها الصائم بالمباشرة فيه. فزاد ذلك بيانًا لفخامة قدره وعلو شأنه وأمره والله أعلم. ووجه القربة فيه- والله أعلم- إن العبد كسيده نفسًا وأوصافًا، إلا أن بعض أحكامه غير أحكام سيده، فقد ملكه الله تعالى إياه، وجعله تحت يده، وقصر قدره عن قدر سيده، فلم يتسع الملك المال، واعتزل لذلك عن طريق الزكاة والحج والجهاد والجمعة التي هي أركان الإسلام، وإذا أعتقه سيده يضمن ذلك معاني: فمنها: إنه يعرف له حق المجانسة والمشاكلة، وذلك كمعرفة حق القرابة والمجاورة، فيرضى له ما هو ثابت له في نفسه من الجزية وانبساط المقدرة، فيجري ذلك مجرى الصدقة على القريب والجار البصير التي مثل حاله من الوجد والسعة والغناء والشرف.
رضى له ما هو ثابت له في نفسه من الجزية وانبساط المقدرة، فيجري ذلك مجرى الصدقة على القريب والجار البصير التي مثل حاله من الوجد والسعة والغناء والشرف.
ومنها: إنه يخلصه به من ذل وقهر إذا تفكر فيهما اشتد عليه، فيكون ذلك نظير تخليص الأسير من أسره والمحبوس المستذل من حبسه. ومنها: أنه يضع عنه الخدمة الناقصة الشاغلة له عن كثير من أمر نفسه، فيكون كمن يبرئ غريمه من ذنبه أو يعفي أجيره من عمله. ومنها أنه يمكنه من منافع نفسه الذي يقوم له مقام المال، فيكون كمن يتصدق على فقير فيعينه ويموله ويكفيه. ومنها أنه يعرضه ليملك الأموال فيصير بها ممن يتقرب إلى الله تعالى بالزكوات ونوافل الصدقات، والتكرم بالعطايا والهبات، فيكون أيضًا كأنما أغنى فقيرًا أو أغنى مسكينًا. ومنها: أنه يجعله من أهل حجة الإسلام والجهاد في سبيل الله والجمعة، فيكون كالحامل والمعين في سبيل الله جهادًا وحجًا. ولا بنظام العتق بهذه المعاني صار فدية لنفس القتل. وذلك أن القاتل أعجز القتيل عن عادات كان قادرًا عليها، فأصر أن يقدمه في حق الله تعالى، بأن يقدر نفسًا على عبادات كانت عاجزة عنها. فلما انتظم العتق هذه المعاني صار برًا وقربة، ووجب لذلك من شعب الإيمان كالصيام والإطعام والصدقة والله أعلم.
الحادي والثلاثون من شعب الإيمان وهو باب في الكفارات الواجبة بالجنايات وهي في الكتاب والسنة أربع كفارات: كفارة القتل، وكفارة الطهارة، وكفارة اليمين، وكفارة المستبشر في صيام. فأما كفارة القتل، فقد قال الله ﷿ فيها: ﴿وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنًا إلا خطأ، ومن قتل مؤمنًا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة﴾. فأوجب الكفارة عليه. ثم اختلف في معناها. فقيل: أوجب تمحيصًا وظهور الذنب للقاتل، وذنبه ترك الاحتفاظ والتحفظ حق هلك على يده أمر محقوق الدم. وقيل: أوجب بدلًا من تعطيل حق الله تعالى في نفس القتيل، فإن كان له في نفسه حق، وهو التنعم بالحياة والتصرف فيما أحل له تصرف للأحياء، وكان الله تعالى فيه حق، وهو أنه كان عبدًا من عباده يجب من أسم العتق صغيرًا كان أو كبيرًا، أو حرًا كان أو عبدًا، أو مسلمًا أو ذميًا مما يتميز به عن البهائم والدواب، ويرجى مع ذلك أن يكون من يسأله من يعبد الله ويطيعه، فلم يخل قابله من أن يكون فوت منه الاسم الذي ذكرنا، أو المعنى الذي وصفنا. فلذلك ضمن الكفارة، وأي واحد من هذين المعنيين، كان يكفيه بيان: أن النص وإن وقع على القاتل خطأ، فالقاتل عبدًا مثله، بل أولى بوجوب الكفارة في ماله، وكفارة القتيل تحرير رقبة، فإن لم يجدها القاتل فصيام شهرين متتابعين كما قال الله ﷿ ولا يجزيه الإطعام.
قاتل عبدًا مثله، بل أولى بوجوب الكفارة في ماله، وكفارة القتيل تحرير رقبة، فإن لم يجدها القاتل فصيام شهرين متتابعين كما قال الله ﷿ ولا يجزيه الإطعام.
وأما كفارة الظهار، فقد قال الله ﷿ فيها: ﴿والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا﴾ فأوجب على ناقض ظهاره كفارة، والناقض من يكذبه. وهو إذا أمسك امرأته بعدما شبهها ببدن أمه فأمكنه فراقها، فقد كذب ظهاره، فوجب عليه الكفارة. ومن الناس من استدل على أن هذه الكفارة إيمان بأن الله تعالى لما ذكرها أوجبها قال: ﴿ذلك لتؤمنوا بالله ورسوله﴾. أي قال: ليكونوا مطيعين لله تعالى واقفين عند حدوده لا يتعدوها، فمسي التكفير لأنه طاعة ومراعاة للحد إتمامًا. فثبت أن كل ما أشبهه فهو إيمان. فإن قيل: معنى قوله ﷿ ذلك ﴿لتؤمنوا بالله ورسوله﴾ أي لئلا يعود للظهار الذي هو من القول وزور. قد يجوز أن يكون هذا مقصودًا، والأول مقصودًا. فيكون المعنى ذلك لئلا يعودوا فيقولوا المنكر والزور. تدعونها طاعة لله تعالى إذ كان قد حرمها. وليتجنبوا المظاهرة منها إلى أن يكفروا إن كان الله تعالى منع من مسببيها، ويكفروا إذا كان الله تعالى أمركم بالكفارة وألزمكم بإخراجها، فتكونون بهذا كله مؤمنين بالله ورسوله ﷺ، لأنها حدود يحفظونها وطاعات يؤدونها. والطاعة لله تعالى ولرسوله ﷺ إيمان، وبالله التوفيق. وأما كفارة اليمين فإن الله ﷿ قال فيها: ﴿لا يؤاخذكم الله باللغو في إيمانكم، ولكن يؤاخذكم بما عقدتم للأيمان﴾. فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم، أو تحرير رقبة مؤمنة فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم. واحفظوا أيمانكم. ومعنى هذه الكفارة أن قول الحالف تصير عند الحنث كذبًا ثم يتغلظ بما يتصل به من نقض عهد الله تعالى، فتجب الكفارة فيه. وليس ينكر أن يكون الكذب بانفراده غير موجب للكفارة، إلا أنه إذا تغلظ بنقض عهد الله تعالى أوجبها. فإن رجلًا لو قال لأجنبية أنت على كظهر أمي، ثم يمسها مكانه بشهوة، لم تكن عليه كفارة وقد كذب فيما قال. لأن الأجنبية يحل نكاحها ولا يحل نكاح الأم، والجارية تحل مباشرتها ولا تحل
أنت على كظهر أمي، ثم يمسها مكانه بشهوة، لم تكن عليه كفارة وقد كذب فيما قال. لأن الأجنبية يحل نكاحها ولا يحل نكاح الأم، والجارية تحل مباشرتها ولا تحل
مباشرة الأم. حتى إذا قال ذلك لزوجته التي يجدها بأمانة الله، واستحل فرجها بكلمة الله يغلظ كذبه، فأوجب الكفارة. وإذا كان الزنا قد يخف حكمه، فلا يوجب إلا الجلد والتعزير. وقد يتغلظ حكمه بلا حصان فيوجب الرجم، وأخذ المال الحرام قد يوجب قطع جارحة واحدة مرة، ثم يلغظ بانضمام معنى إليه فيقتضي كفارة والله أعلم. وأما كفارة المستبشر في صيام رمضان، فإنها رويت عن النبي ﷺ، بأن إعرابيًا جاء فقال: (هلكت يا رسول الله واقعت امرأتي في رمضان. فقال له: اعتق رقبة. فقال: لا أجد، قال: صم شهرين متتابعين. قال: فهل أتيت إلا من الصوم قال: فاطعم ستنين مسكينًا. قال: لا أجد. فقال: أجلس، فجلس. فأتى النبي ﷺ بعرق من تمر، فقال: خذه وتصدق). فهذه الكفارة هي كفار الظهار التي نص عليها في القرآن. وهم يشبهان كفارة القتل في تحرير الرقبة، بالإيجاب أولًا والنقل عنه بالعجز إلى صيام شهرين متتابعين ثم يفارقها بها في الطعام. فإنه يجوز للقاتل إذا عجز عن صيام رمضان لمرض أن يطعم، كما يجوز ذلك للمظاهر، ولا يجوز له أن يطعم إلا أن يعجز من الكبر أو يموت فيطعم عنه. وهذا تغليظ على القاتل بإيفاء الصوم في ذمته، فتكون رقبته مرتهنة بالكفارة ولا يترخص بالانتقال إلى أخف الكفارات وهو يرجو أن يكفر بما فوقه والله أعلم. ومما يقرب من الكفارة ما يجب باسم الفدية، وإنما فصل بينهما لأن الكفارة لا تجب إلا عن ذنب تقدم. والفدية قد تجب بالذنب، وقد تجب ما ليس بذنب، ثم إن جميع ذلك فدية، وجميعه كفارة. أما إنه فدية، فلأنه ليس بشيء من ذلك يجب إلا جبرًا لما أسلم، إما من حرمة الإسلام وإما من حرمة الإحرام، وإما من حرمة الشهر والصيام وإما من جميعه كفارة، فلأنه يراد به التقرب إلى الله تعالى بشيء يعفى على أثر أمر قد وقع، ذنبًا كان وغير ذنب. فظهر بما ذكرناه أن كلا فدية وكلا كفارة، وفدية الصوم واحدة. وهي الرجل يعجز
عن الصوم بالكبر والهرم، فيفتدي أو يموت وعليه الصيام فيطعم عنه. وأما ما يجب لأجل الحج فجملته عشرون: ذم المتعة، وذم القرآن، وذم القوت، وذم الاحتضار، وذم الناحر، وذم الإفساد، وفدية الميت بالمزدلفة، وفدية الميت بمنى، وفدية الميقات، وفدية التطيب، وفدية الأضفار، وجز الصيد، وجز المكبر الحرم، وفدية الرواغ، وفدية المشي إلى بيت إلى بيت الله تعالى على من نذره ثم تركه وهو يقدر عليه. وكل ما ذكرنا يدل لأنه يقابل مقلوب من بعض الأرحام أو جميعه أو يتأخر عن مكانه أو وقته. وكل كفارة لأن الله مستحقه، وإنما أوجبه ليضع به على العبد بنفيه فعله الذي توقع منه، وكيف ما كان فأداؤها، وطاعة الله في إخراجها من الإيمان، وبالله التوفيق وشرح أحكام هذه الذماء في موضعه من كتب الأحكام.
الثاني والثلاثون من شعب الإيمان وهو باب في الإيفاء بالعهود قال الله ﷿: ﴿يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعهود﴾. وقال: ﴿يوفون بالنذر ويخافون يومًا كان شره مستطيرًا﴾. وقال: ﴿ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم﴾. ويعني: ما ألزموه أنفسهم من عقد أمر لهم. وقال: ﴿ومنهم من عاهد الله، لئن أتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين، فلما أتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون فأعقبهم نفاقًا في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون﴾. وقال: ﴿واوفوا بعهد الله إذا عاهدتم، ولا تنقضوا الإيمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلًا، إن الله يعلم ما تفعلون﴾. وقال النبي ﷺ: (المؤمنون عند شروطهم). فكل من عقد عقدًا من العقود التي أثبتتها الشريعة، وجعلت له حكمًا من الله تعالى وبين العبد وبين العباد بعضهم من بعض، فصح ذلك منه وانعقد عليه ولزمه أن يوفي به. وليس له أن يعمل فيما وقع عقده عليه ما يخالف العقد فلا يلائمه.
له تعالى وبين العبد وبين العباد بعضهم من بعض، فصح ذلك منه وانعقد عليه ولزمه أن يوفي به. وليس له أن يعمل فيما وقع عقده عليه ما يخالف العقد فلا يلائمه. فأول ذلك أنه إذا تقبل الإسلام وعقده على نفسه، فليس له أن يحدث في إسلامه ما لا يليق به ولا يلائمه، بل يخالفه. لأن ذلك حبس منه لما ألزمه الله تعالى، وألزمه نفسه بإسلامه وتقبله. وإذا افتتح صلاة مكتوبة لم يكن له أن يتحلل منها قبل إتمامها، ولا أن يفعل فيها فعلًا لا يليق بالصلاة، ومن ذلك ما يفسدها. وإنما كان كذلك لأن أفعال
الصلاة متوالية، فلا انفراد لبعضها عن بعض، فإذا حللها فلا تكون صلاة لأنه قطع تواليها وإزالها عن نظامها، وخالف بذلك ما عقده على نفسه أولًا، ولأنه أحرم بالصلاة ليتبع إحرامها ما يليه شيئًا فشيئًا إلى أن تنقضي الصلاة، فمن خالف ذلك كان ناقضًا لعقده غير مؤت بواجبه. وإن عقد صومًا مفروضًا أو حجًا مفروضًا ثم أعرض عنه، ولم يأت بما يقتضيه عقده، كان مخالفًا لما أمره الله تعالى به من الإيفاء بالعقود، وكان إثمًا حرجًا. ألا ترى أن الله ﷿ كما خاطب الناس بفرض الصيام، فكذلك خاطبهم بأيمانه بعد الدخول فيه، فقال: ﴿ثم أتموا الصيام إلى الليل﴾. وكما أوجب عليهم الحج خاطبهم بالإتمام فقال: ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾. وما ذلك إلا لأن الشروع في المتقبل من الحط في الإلزام، إلا تمام ما للمتقبل منه في إيجاب الابتداء. وإذا نذر الرجل طاعة ما، كانت من صلاة أو صيام أو صدقة أو حج أو عمرة أو جهاد أو اعتكاف أو تسبيح أو صلاة على النبي ﷺ، أو قراءة قرآن، أو سجود، لزمه ذلك كله. والنذر وجهان: أحدهما: أن يوجب شيئًا مما ذكرنا بلا شرط.
أو عمرة أو جهاد أو اعتكاف أو تسبيح أو صلاة على النبي ﷺ، أو قراءة قرآن، أو سجود، لزمه ذلك كله. والنذر وجهان: أحدهما: أن يوجب شيئًا مما ذكرنا بلا شرط. والآخر: أن يوجبه معلقًا بحدوث نعمة من الله تعالى يرجوها، فإذا وصل إليها، لزمه أن يوفي بنذره. وأما إذا أوجب ذلك على نفسه، إن هو فعل كذا، أو إن لم يفعل كذا، فهذا يمين خالصة. فإن خالف قوله فعليه كفارة يمين لا تجزية غيرها، وإن أدى ما كان ألزم نفسه لم تسقط الكفارة عنه. هذا قول الصحابة في هذا الباب، وهذا يمين بالله ﷿ لأن قال: إن فعلت كذا، فعل حج أو صلاة أو صدقة أو صيام فإنما منع نفسه مما قاله إلا شيء يلزمه لله في ذمته، فهو كمن قال: والله لا أفعل كذا، وموضع تقرير ذلك والاحتجاج له كتب الأحكام. وما يبين وجوب النذر قول النبي ﷺ، قال: (لا تنذروا فإن النذر لا يقدم شيئًا ولا يؤخر، وإنما يستخرج به من البخيل). أي يجعل ما يكون من النذر لأجله
شيئًا لاستخراج البر ممن لا تطوع له نفسه في غير حال الخوف والرجاء. فلو كان النذر لا يلزم له يقع به الاستخراج والله أعلم.
يجعل ما يكون من النذر لأجله
شيئًا لاستخراج البر ممن لا تطوع له نفسه في غير حال الخوف والرجاء. فلو كان النذر لا يلزم له يقع به الاستخراج والله أعلم. ومما جاء في إخلاف الله للوعد ما يروى أن ثعلبة بن حاطب الأنصاري جاء إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، ادع الله أن يرزقني مالًا فقال رسول الله ﷺ: (قليل تقوم بشكره خير لك من كثير لا تقوم بشكره) ثم أتاه بعد ذلك، فقال: يا رسول الله، ادعو الله أن يرزقني مالًا، فقال رسول الله ﷺ: (إن لك في رسول الله أسوة حسنة، والذي نفسي بيده لو أردت أن تصير الجبال معي ذهبًا وفضة صارت). ثم أتاه بعد ذلك، فقال يا رسول الله، ادع الله أن يرزقني مالًا، فو الذي بعثك بالحق لئن رزقني مالًا لأعطين كل ذي حق حقه. فقال رسول الله ﷺ: (اللهم ارزق ثعلبة مالًا، ثلاثًا). فاتخذ عنمًا فنمت كما ينمو الدود، فتحول إلى أودية المدينة، فكان يصلي مع رسول الله ﷺ الظهر والعصر، ويصلي في غنمه سائر الصلوات ثم كثرت ونمت حتى تباعد عن المدينة فصار لا يشهد إلا الجمعة. ثم كثرت غنمه ونمت فتباعد أيضًا حتى كان لا يشهد جمعة ولا جماعة. فكان إذا كان يوم الجمعة خرج يتلقى الناس يسألهم عن الأخبار. فذكره رسول الله ﷺ ذات يوم فقال: (ما فعل ثعلبة؟ فقالوا: يا رسول الله، اتخذ غنمًا ما يسعها واد. فأنزل الله تعالى آية الصدقة). فبعث رسول الله ﷺ رجلًا من بني سليم ورجلًا من جهينة وكتب لهم أسباب الصدقة كيف يأخذان وأمرهما أن يمرا بثعلبة بن حاطب وبرجل من بني سليم. فمروا، وقالا لثعلبة: إن رسول الله ﷺ أمرنا أن نمر عليك، ونأخذ صدقة مالك. فقال: أرياني كتابكما، فنظر فيه فقال: ما هذه إلا جزية، ما هذه إلا أحب الجزية، فارجعوا إلي حتى أرى رأيًا. فخرجا، وسمع به السلمي فاختار خيارًا في أكلها، فتلقاهما بها فقال: يا هذا عليك. فقال: خذاه، فإن نفسي بذلك طيبة فجزاء على الناس وأخذ للصدقات، ثم رجعا إلى ثعلبة.
فقال: أروني كتابكما، فقرأه، ثم قال: ما هذه إلا جزية ما هذه إلا أحب الجزية. اذهبا حتى أرى برأي. فأقبلا، فلما رآهما رسول الله ﷺ، قبل أن يبلغاه قال: (يا ويح ثعلبة، يا ويح ثعلبة، ثم دعا للسلمي). فأتيا رسول الله ﷺ فقضي عليه القضاء، وأنزلت هذه الآية: ﴿ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين، فلما آتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون، فأعقبهم نفاقًا في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون﴾. وعند رسول الله ﷺ ناس من أقارب ثعلبة، فذهبوا إليه فأخبروه بما أنزل الله فيه، فجاء بصدقة ماله، فقال: يا رسول الله، أقبلها مني، فقال: (إن الله منعني أن أقبلها منك). فجعل على رأسه التراب وجعل يقول: يا رسول الله اقبلها مني: فأبى رسول الله ﷺ أن يقبلها منه، حتى توفي رسول الله ﷺ، أتى أبا بكر بعد رسول الله ﷺ، فقال: يا أبا بكر، يا خليفة رسول الله، قد علمت موضعي من الأنصار، وكان رسول الله ﷺ قد عتب علي في شيء فاقبل مني صدقة مالي، فقال أبو بكر ﵁: رسول الله ﷺ ما قبلها منك وأنا أقبلها منك. فتوفي أبو بكر ولم يقبلها منه. فاستخلف عمر ﵁، فأتاه فقال: يا أبا حفص يا أمير المؤمنين، اقبل مني صدقة مالي، فقال: لم يقبل منك رسول الله ﷺ ولا أبو بكر ﵁ فأنا أقبلها منك، ثم توفي عمر ﵁ ولم يقبلها. واستخلف عثمان ﵁، فقال: يا أمير المؤمنين، اقبل مني صدقة مالي، فقال: لم يقبلها منك رسول الله ﷺ ولا أبو بكر ولا عمر، فأنا أقبلها منك، فأبى أن يقبلها، فرجع. ومات في خلافة عثمان ﵃ أجمعين. فإن قال قائل: ما وجه الامتناع من قبول صدقته بعدما جاء وأظهر التوبة، وجعل على رأسه التراب. قيل: إن الكتاب قد نطق بأنه لما منع عامل رسول الله ﷺ، أعقبه الله نفاقًا في قلبه. فيحتمل- والله أعلم- إنه إنما جاء رسول الله ﷺ خيفة أن يبدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم
نطق بأنه لما منع عامل رسول الله ﷺ، أعقبه الله نفاقًا في قلبه. فيحتمل- والله أعلم- إنه إنما جاء رسول الله ﷺ خيفة أن يبدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم
بالعقوبة، وينفذ إليه من يأخذ صدقة ماله قهرًا. وإنه لما رأى الامتناع من رسول الله ﷺ من أخذ صدقته لم يشق عليه ذلك بل أعجبه، وكان جعله التراب على رأسه نفاقًا، وكان الذي في قلبه أراد أن يثبت النبي ﷺ على الامتناع من قبول صدقته، وأعلم الله تعالى ذلك نبيه ﷺ بأخذ صدقة ماله بعد أن نافق، ولم يشرح صدرًا، بقبول الزكاة وسماه جزية، ويسخطها ويضجر منها. ثم جرى الأئمة بعده ﷺ ورضي عنهم على منهاجه، إذ كان لا يمنعهم أن يخالفوه. وقد يجوز أن يكون بدء نفاقه أن رسول الله ﷺ قال: (قليل يقوم بشكره، خير من كثير لا يقوم بشكره). فخوفه أن لا يقوم بشكر الكثير أن أوتيه لم يخف من ذلك ما خوفه ولم يتق فيه، ولا يزال عليها، ولكنه أقسم عليه ﷺ في وجهه بالله، لئن أتانا من فضله أتاه مالًا، ليعطين كل ذي حق حقه فكان ذلك نفاقًا فلما رزق المال وفرض الله الزكاة نسخها وضاق منها. ثم نفاقه علم به، فهنى رسول الله ﷺ عن قبولها لذلك والله أعلم. وأما ما في نكث العهد، قال رسول الله ﷺ: (ما من غادر إلا وله أمرًا يعرف به، ومن نكث سعيه لقي الله يوم القيامة أجذم). قال ﷺ: (من نكث صفقته فلا حجة له يوم القيامة، ومن مات وهو مفارق الجماعة فموتته موتة جاهلية). وقال ﷺ: (ما من احد يعطي بيعته ثم ينكثها غير مكره ولا مجبورًا إلا لقي الله وليست معه). ثم إن من المعلوم، إن من نذر وبرأ، فإنما يريد إلحاق ما لم يوجبه الله تعالى من ذلك عليه بما أوجبه وفرضه. فلما كان من حكم الله تعالى إن ذلك يبدوا منه، فليكن منه إيجابه، دل به ذلك على أن يخرج بتركه كما يخرج بترك ما أوجبه الله تعالى، إذا كان كل من ذلك ترك واجب لازم والله أعلم.
تعالى إن ذلك يبدوا منه، فليكن منه إيجابه، دل به ذلك على أن يخرج بتركه كما يخرج بترك ما أوجبه الله تعالى، إذا كان كل من ذلك ترك واجب لازم والله أعلم.
فصل فأما ما يكون من الناس فكل ما لزم وجب الإيفاء به. فإذا باع رجل ما أوجب البيع بينه وبين المشتري، كان عليه تسليم السلعة، وعلى المشتري تسليم الثمن. وذلك إذا حل في قول الله ﷿: ﴿يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود﴾ لأن العقد وقع لنا قبل الإقلال. فإذا كان الملك لا ير إلا بالقبض ولا يتمكن واحد من المتبايعين من تدبير ما ملكه بجميع ما يراه إلا بزوال يد صاحبه دل ذلك على أن: من الإنهاء بالعقد أن يتناقلا المالين عن أيديهما كما يتناقلاه عن أملاكها. وهكذا كل ما يثبت البيع وإن كان بينهما شرط من خيار، أو أجل أو رهن أو كفيل، فالشرط لازم لهما، لأنهما عقدا عليه والله ﷿ يقول: ﴿أوفوا بالعقود﴾. ومن أولى ما يلحق بهذا الباب حكم الأمان، فإنه إذا عقد لرجل من المشركين أو أهل البغي أمان لم يجز التعرض له بعد ذلك، لقول الله ﷿: ﴿ثم أبلغه مأمنه﴾. ولقول النبي ﷺ: (أنا خصمهم يوم القيامة، ومن كنت خصمه خصمته، رجل باع حرًا، فأكل ثمنه، ورجل أعطى بي ثم غدر، ورجل استأجر أجيرًا ثم لم يعطه أجره). وهذا أبلغ ما يكون من الوعيد وبالله التوفيق. وجاء في الوفد بالعهد أن رسول الله ﷺ استسلف من عبيد الله بن ربيعة مائتين وأربعين ألف درهم في بعض مغازيه. فلما قدم قال: (هاك مالك بارك الله في أهلك ومالك، فما جزاؤك إلا الوفاء والحمد). وقال رسول الله ﷺ: (لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له). وروى أن عجوزًا دخلت دار رسول الله ﷺ فسألها وأخفى لها، ثم قال: (إنها
كانت تأتينا أزمان خديجة وإن حسن العهد من الإيمان). فجعل إتيانها ومواصلتها إياهم موجبًا حقًا كالعهد. قال (وإن حسن الظن العهد يغني) والله أعلم. وغاية العهد من الإيمان. إذ كان العهد ليرعى لا ليضيع. وعنه ﷺ إنه كان يهدي إلى صدائق خديجة بعد موتها. ومن هذا الباب كراهية الطلاق إلا من تأسي، قال رسول الله ﷺ: (أبغض الحلال إلى الله الطلاق، إن الله يتعفر كل مطلاق ذواق).
الثالث والثلاثون من شعب الإيمان وهو باب في تعديد نعم الله ﷿ وما يجب من شكرها قال الله ﷿ فيما عده على عباده من نعمة نبههم بذلك على ما يلزمهم من عبادته تعظيمًا وشكرًا: ﴿يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم، والذين من قبلكم لعلكم تتقون. الذي جعل لكم الأرض فراشًا والسماء بناء وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقًا لكم فلا تجعلوا لله أندادًا وأنتم تعلمون﴾. فاحتمل قوله ﷿ ﴿يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم﴾ معنيين: أحدهما: اعبدوه ولا تخلوا بعبادته ولا تغفلوا عنها فمن حقه عليكم أن تعبدوه، إذ كان خلقكم وهو يرزقكم وينعم عليكم. والآخر: اعبدوه دون غيره، فإن خلقكم وخلق من قبلكم إنما كان منه، ولا تجعلوا له أندادًا واخلصوا العبادة له، ولا تسموا باسمه وهو الله لا إله غيره. وليس بين المعنيين تناف، فقد يجوز أن يكونا جميعًا مرادين بالآية. ثم إن الله ﷿ بين بما عدد من نعمه على الناس ما يلزمهم بها من تعظيمه أولًا، ثم شكره على ما ابتدأهم به منها، فقال: ﴿اعبدوا ربكم الذي خلقكم﴾ فكان أول ما ذكر من نعمة خلقه إياهم. وهذا- والله أعلم إشارة إلى نفس الخلق بهنائه التي أولاها الحياة، ثم العقل لأن الحي بالعقل يعلم نفسه ويعلم غيره ويعلم فاعله، ويميز بين الشيء وضده. وبعض العلم الذي ذكرناه ضرورة وبعضه اكتساب، إلا أن كل علم، وكل ذلك فضله. والعقل الذي يتوصل
قل يعلم نفسه ويعلم غيره ويعلم فاعله، ويميز بين الشيء وضده. وبعض العلم الذي ذكرناه ضرورة وبعضه اكتساب، إلا أن كل علم، وكل ذلك فضله. والعقل الذي يتوصل
به إليه فضيلة، ووجود لمن يوجد فيه فضيلة. ثم الحواس الخمس التي هي مشاعر ضرورته، وهي: السمع الذي يدرك به الأصوات، والبصر الذي يدرك به الألوان، والشم الذي يدرك به الروائح، واللمس الذي يدرك به خشونة الشيء ولينه، والطعم الذي يدرك به مرارة الشيء وحموضته وحلاوته. ووجه الفضيلة في وجود الحواس لهو في وجود العقل. فقد ذكر ﷿ بعض هذه النعم في غير هذه الآية، فقال: ﴿هو الذي أنشأكم وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلًا ما تشكرون﴾. أي إنما خلق لكم هذه المنافع لتشكروه. ومعنى تشكروه تستعملونها في طاعته خاصة، ولا تستعملونها في معصيته. ثم إنه خلق الإنسان سويًا معتدلًا منتصب القامة، شاخص الرأس والوجه. وقال: ﴿أفمن يمشي مكبًا على وجهه أهدى أمن يمشي سويًا على صراط مستقيم﴾. وقال: ﴿ولقد كرمنا بني آدم﴾ فقبل من تكريمه أن جعله يأكل بيديه ولم يحوجه إلى أن يأخذ الطعام من الأرض، ولا كالفيل الذي يأخذ الماء بخرطومه فيصبه منه في حلقه. ومن نعم الله تعالى على الإنسان أن أعطاه اللسان ففضله به على سائر الحيوان، كما فضله بالعقل. حتى إذا أراد إطلاع غيره على ما في نفسه خاطبه وأعرب عنه بلسانه، فعلم المخاطب بذلك مراده. فإذا أراد أن يعلمه شيئًا هو جاهل به خاطبه، وبين له بلسانه ما في نفسه. فإذا سمعه ذلك الغير أدرك مراده منه، فصار مكانه في العلم الواقع له فذلك قوله ﷿: ﴿الرحمن علم القرآن، خلق الإنسان علمه البيان﴾ ويتلو هذا، الخط بالقلم، لأن فيه من الإفهام ما في المنطق. قال الله ﷿: ﴿وربك الأكرم الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم﴾ وليس موضع المنة بالخط والقلم بأقل موضع المنة بالبيان. ولا أعجوبة فيه أقل منها في الكلام. فإن الواحد كما يكون عنده



