— Bagian 31 · النبي ﷺ إتباعًا، وسجدها لذلك، فثبت إن السجود للش… —
Bagian 31
النبي ﷺ إتباعًا، وسجدها لذلك، فثبت إن السجود للشكر سنة متوارثة عن الأنبياء ﵈. فإن قيل: ليس في الآية ذكر السجود: قيل: بلى، فيها ذلك قال عرف عن الحسن
خر ساجدًا، وإن سجد خر حتى ركع. وإنما أراد بذلك أنه لما قيل ﴿خر﴾ وكان الراكع لا يخر. إنما يخر الساجد، علم إنه ركع ثم خر كأنه كان قائمًا فانحنى. ثم لم يقتصر على ذلك حتى خر فسجد، وقد تظاهرت الأخبار إنه سجد وأطال عندما استشعر بالخطيئة فدل ذلك على أن المعنى بالآية هو السجود والله أعلم. وأما نبينا محمد ﷺ فقد جاء عنه أنه رأى نقاشًا يقال له رتيم، فقرأ فخر النبي ﷺ ساجدًا، وقال: (الحمد الذي لم يجعلني مثل رتيم) هذا على أنه لم يكن رأى خلقًا في نقصان خلق رتيم، فلما رآه حمد الله تعالى على ما أكمل من خلقه، فكان كمال خلقه حتى لا يكون كرتيم نعمة خافية عليه، فلما ظهرت له سجد. وقال أبو بكر: كان النبي ﷺ: (إذا أتاه فبشره خر ساجدًا). وجاء عن النبي ﷺ أنه قال: (إني لقيت جبريل ﵇، فبشرني، وقال: إن الله ﷿ يقول: (من صلى عليك صلاة صليت عليه، ومن سلم عليك سلمت عليه، فسجدت لله شكرًا). وعن حذيفة ﵁ قال: سجد رسول الله ﷺ فقال: (إن ربي قال لي: لمن أجرتك في أمتك، وبشرني أن أول من يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفًا من كل سبعون ألف، ليس عليهم حساب. ثم أرسل إلي ربي ادع نجب جبل يقظه. وإنه أعطاني إني أول الأنبياء دخولًا الجنة، ولم يجعل علينا من حرج، فلم أجد شكرًا غيرهما). وجاء عن معاذ بن جبل ﵁ قال: أقبلت إلى النبي ﷺ وهو قائم يصلي، ثم سجد سجدة ظننت إن نفسه قبضت فيها. فقلت: يا رسول الله، سجدت سجدة ظننت أن نفسك قبضت فيها قال: (إني صليت ما كتب لي ربي ﷿، فقال: يا محمد ما أفعل بأمتك. فقلت يا رب، أنت أعلم قال لي: إني لن أحرمك في أمتك، فسجدت لربي ﷿ بها شاكرًا).
قبضت فيها قال: (إني صليت ما كتب لي ربي ﷿، فقال: يا محمد ما أفعل بأمتك. فقلت يا رب، أنت أعلم قال لي: إني لن أحرمك في أمتك، فسجدت لربي ﷿ بها شاكرًا).
وجاء عن أبي بكر ﵁ إنه قال لما بلغه فتح اليمامة وقتل مسيلمة: لعنه الله، وخر ساجدًا شكرًا لله ﷿. وعن علي ﵁ إنه لما وجد ذا الندبة مقتولًا خر ساجدًا. وعن كعب بن مالك ﵁ إنه سجد حين أتاه البشر بالتوبة، ورمى بردائه إلى الذي جاءه. وأيضًا فإن حدوث النعمة تقتضي الشكر، والشكر يقرب إلى الله ﷿. وجاء في الحديث (أقرب ما يكون العبد من ربه إذا كان ساجدًا) فاستحب أن يتقرب بالسجود إذا كانت النعمة الحادثة من غير جنس النعم الدائمة المألوفة، ليكون قد قابلها بشكر من غير جنس الشكر الدائم المألوف، والله أعلم. والمسألة في موضعها من كتب الأحكام. فصل وإذا ظهر أن النعمة تقتضي الشكر، وظهرت وجوه الشكر، فمعلوم أن النعم متفاوتة في مراتبها فأولاها بالشكر نعمة الله تعالى على العبد بالإيمان، والإرشاد إلى الحق، والتوفيق لقوله، لأنه هو الغرض الذي ليس بتابع لما سواه، وكل فرض سواه، فهو تابع له، فهو ممن جاء به، وثبت عليه شكره لفقره من النعم، والتيسير له نعمة عظيمة يقتضي الشكر لها بالإنهاء على المعاصي، وإتباع الإيمان حقوقه، لأن الإيمان بالله عهد بينه وبين العبد ولكل عهد وفاء. فالوفاء بالإيمان إتباعه ما بعده. فإن قيل: إلا قلتم إن أولي النعم أولاها بالشكر، هو الحياة ثم العقل والبيان. قيل: لأن هذه النعم كلها لتكون من المنعم عليه بها الإيمان، فصح إن أفضل النعم الإيمان، فمن شكر لله تعالى تيسيره للإيمان، فقد شكر عامة ما كان الإيمان به، فصارت هذه النعم التي ذكرتها ذا صلة في الشكر والله أعلم. ثم إن على هذا، كل عبادة تتلو الإيمان من فعل شيء أو كف عن شيء فهو شكر لنعم
الله تعالى. ثم التيسير لها نعمة يجب شكرها بالقلب واللسان، فمن جملة شكرها الاغتباط بها، وسيأتي ذكرها في باب مفرد إن شاء الله. فصل ومن جملة الدلائل على ما مضى من وجوب الشكر، قول الله ﷿ في ذكر يوم الجمعة: ﴿ثم لتسألن يومئذ عن النعيم﴾. ومعلوم إن المسألة عن النعيم هي المسألة عن شكرها، لأن الله ﷿ جعل هذه الأموات وغيرها من كفايات الأبدان، وما يزيد على الكفاية مما يزاد به النعم، والتلذذ أسبابًا لقوام الأبدان، وبهجة النفوس وانبساط القلوب حتى تتأتى عبادة الله تعالى بباطن البدن وظاهره على التمام، فلا يقع من خارجة بها نجس، ولا يلحقها بسبب من الأسباب وكسر. فصارت إذا أعواضًا إلا إنها أعواض معجلة. ومعلوم أنه ليس في تعجيل العوض ما يسقط الحساب عن كاهله لسببين: إنه خرج من عهده ما كان يلزمه في معاملة المقبوض، أو لم يخرج. فصح إن كان من أنعم الله ﷿ عليه نعمة مما ذكرنا، فجعله بها متهيأ لنوع من العبادة التي خلقه لها، وأمره بها. فإنه يسأله عما قابل تلك النعمة من تلك العبادة. وإن السؤال عن ذلك حقه، إلا أن يعفو عنه وبالله التوفيق. وقد ذهب بعض السلف إلى أن الله ﷿ لا يسأل العبد عما لا تقوم الأبدان بأقل منه. وتجل ذلك عن سفيان بن عيينة زعم أن الله تعالى أسكن آدم الجنة، فقال له: إن لك أن لا تجوع فيها ولا تعرى، وإنك لا تظمأ فيها ولا تضحي، فكانت هذه الأشياء الأربعة ما يسد به الجوع، وما يدفع به العطش، وما يسكن له الحر والبرد، ويستر به عورته لآدم صلوات الله عليه بالإطلاق، بأن لا حساب عليه فيها، لأنه لا بد له منها. وقد يحتمل تأييد ما قال، بأن الله ﷿ أباح آدم ما زاد على هذه الكفارات، فصح إنه لم يخفض أدنى الكفاية بالذكر، إلا ليؤمنه من حسناتها. وليس هذا بالدين لما سبق
يحتمل تأييد ما قال، بأن الله ﷿ أباح آدم ما زاد على هذه الكفارات، فصح إنه لم يخفض أدنى الكفاية بالذكر، إلا ليؤمنه من حسناتها. وليس هذا بالدين لما سبق
ذكره، ولأن الآية يحتمل أن يكون أريد بها الامتنان على آدم بما جعل دافعًا لضروب الأذى التي لا تقوم عليها الأبدان، لأن موضع النعمة أعظم منه بما لا يكون وقاية للأبدان وإنما هو لذة ونعمة. فذكرت هذه الأشياء لهذا لأنه لا حساب عليه بها. ويحتمل وجهًا آخر بين هذا، وهو أن يكون المعنى: إن ذلك أن لا تتأذى بالجوع والعطش لما تحتاج من المصابرة عليها إلى أن تجد ما تدفعها عنك. ولا مصابرة الهواء أو الحر إلى أن تجد ثوبًا تلبسه، أو كنًا تأوي إليه، لكن عليك في عامة هذه الأبدان مزاجة، فلا عليك منها أذى من جوع ولا عطش، ولا من عري ولا ضحي قط، ولا طرقه، فإنما ذكرت هذه الأشياء على هذا المعنى لا نيل ما ذهب إليه سفيان. فصل قد ذكرنا من حكم نعم الله تعالى، وما يجب على العباد من شكرها ما يسره الله بفضله لنا. ونقول: إن شكر المنعم أمر لم يختلف العقلاء من المبتدئين وغيرهم في استحسانه، فكل منعم فله من أنعم عليه أن يشكر نعمته. قال النبي ﷺ: (من أولت إليه نعمة فليشكرها فإن لم يقدر فليظهر ثناء حسنًا). وهذا يدل على أن الشكر المذكور في هذا الحديث أريد الفعل. ولولا ذلك لم يقل (إن لم يجد) أو (فإن لم يقدر فليظهر ثناء حسنًا). فقد يجوز أن يكون شكر النعمة إذا كانت النعمة فعلًا، إحسانًا مكان إحسان حتى إذا لم يتيسر قام الذكر والثناء والبشر مقامه. وإذا كان الذكر والثناء جزاء فالدعاء الصالح إلى ذلك أقرب وبه أحق. روى أن المهاجرين قالوا: يا رسول الله، إن الأنصار فضلونا، فإنهم آوونا وفعلوا كذا، وفعلوا كذا ... فقال النبي ﷺ: (تعرفون ذلك لهم، قالوا: بلى: قال: فإن ذلك شكر، لأن التحدث بالنعمة شكر لمسديها ومصطنعها).
ضلونا، فإنهم آوونا وفعلوا كذا، وفعلوا كذا ... فقال النبي ﷺ: (تعرفون ذلك لهم، قالوا: بلى: قال: فإن ذلك شكر، لأن التحدث بالنعمة شكر لمسديها ومصطنعها).
ويروى أن رجلًا سمع الديك يصرخ فيه، فقال رسول الله ﷺ: (لا تسبوا الديك، فإنه يدعو إلى الصلاة) ومعنى هذا إن العياذة جرت بأنه يصرخ صرخات متتابعة عند طلوع الفجر، وكذلك عند الزوال، فطرة فطره الله عليها، فيذكر الناس بصراخه، إلا أن بالحقيقة يقول الناس بصراخه قد جاءت الصلاة، أو يجوز لهم أن يصلوا بصراخه من غير دلالة سواها، إلا من امتحن منه ما لا يخلف، فصار ذلك إمارة. وفي نهي النبي ﷺ عن سب الديك ما في صراخه من هذه الفائدة، دليل على أن كل مستفاد منه خير، فلا ينبغي أن يسب ويستهان، بل حقه أن يكرم ويتلقى بالإحسان والله أعلم. نجز الجزء الثاني بحمد الله ومنه وخفي لطفه وكرمه. ويتلوه في الجز الثالث- إن شاء الله تعالى- الرابع والثلاثون من شعب الإيمان- وهو باب في حفظ اللسان عما لا يحتاج إليه. وكان الفراغ من نسخه في العشر الأول من شهر جمادي الآخر سنة ست وأربعين وسبعماية. أحسن الله نفعها في خير وعافية. نفع الله به من أمر بنسخه، ومن نسخه، ومن نظر فيه، وقرأه، وغفر له، ولهم ولجميع المسلمين. وصلى الله على محمد وآله وصحبه أجمعين. الحمد لله رب العالمين.
﷽ رب يسر بخير
الرابع والثلاثون من شعب الإيمان وهو باب في حفظ اللسان عما لا يحتاج إليه فأول ما دخل في هذا لزوم الصدق وبجانبه الكذب. وللكذب مراتب، فأعلاها في القبح والتحريم الكذب على الله ﷿ ثم عن نبيه ﷺ، ثم كذب المرء على عينيه ولسانه وسائر جوارحه، وكذبه على والديه، ثم كذبه على الأقرب، فالأقرب من المسلمين، وأغلظ ذلك ما يضر به أحدا في نفسه أو ماله أو أهله أو ولده. ثم الكذب الموثق باليمين أغلظ من الكذب المتجرد عن اليمين. ويتلو الكذب في الكراهة الملق والإفراط في مدح الرجل، وأقبح ذلك ما كان في وجهه. ويتلوه الخوض فيها لا معنى له ولا يرجع إلى الخصائص فيه منه نفع، ولا يعود عليه من الشكر ضرر. ويتلو هذا كثرة الكلام وإطالته مع الاكتفاء ببعضه وترديده، وتكريره مع الاستغناء بالمرة الواحدة. قال الله ﷿:﴾ إن المسلمين ... ﴿إلى قوله﴾ والصادقين والصادقات ﴿فإن الصدق يجري مجرى الإسلام والإيمان والخشوع وسائر ما ذكر معه وقال جل ثناؤه:﴾ من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه ﴿فدل بهذا أن الصدق من شعب الإيمان. لأن ذكر المؤمنين ثم الثناء عليهم بفعل كان منهم يقتضي أن يكون استحقاق المدح بمعناها فعلهم وإيمانهم.
وقال ﷿:﴾ يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين ﴿. ينادي المؤمنين باسم الإيمان يحركهم بذلك على أن يكونوا مع الصادقين. فإذا كان الكون مع الصادقين من الإيمان بهذه الدلالة فالأولى أن يكون الصدق نفسه من الإيمان. وجاء في الأخبار: الكذب بجانب الإيمان، وفي هذا تحقيق ما دلت هذه الآية عليه. وما بينته: أن الكفر كله كذب. فثبت أنه بجانب الإيمان. وعنه ﷺ: (تمام إيمان العبد أن يصدق في كل حديث). وعنه ﷺ. (إذا كذب العبد تباعد عنه الإيمان). وقال ﷺ (علامات المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان). وهذه الثلاث إذا تؤملت كان مرجعها جميعا إلى الكذب، وإنما يقع الفرق بينهما في أوصاف الكذب، فإن الكذب في الحديث أن يخبر الواحد عن شيء خلاف ما كان عليه. وإخلاف الوعد أن يقول: أفعل كذا فلا يفعله، أو يقول: لا أفعل كذا فيفعله. فيغلب قوله الأول عند مخالفته إياه بفعله كذبا. والخيانة فيما أؤتمن عليه أن يلتزم الأمانة ثم لا يؤديها، فيصير عند الخيانة التزامه كذبا، والكذب في قول يلزم به نفسا شيئا أغلظ منه في وعد لا يلزم به نفسا شيئا. فجعل بهذا أن علامة المنافق ظهور الكذب وغلبته على كلامه. وإذا كان الكذب من النفاق، فقد وجب أن يكون الصدق من الإيمان. وقد قال الله تعالى فيما وصى به نبيه ﷺ:﴾ ولا تقف ما ليس لك به علم، إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا ﴿. وذلك أن يقول الرجل: سمعت أو رأيت أو علمت، فأبان الشرع أن إطلاق شيء من ذلك دون حقيقة بتأيدها الخبر، حرام ممنوع. وقال تعالى:﴾ يا أيها الذين ءامنوا، لم تقولون ما لا تفعلون، كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون ﴿. فأبان أن خلاف الوعد خلاف ما يوجبه الإيمان، وإن كان نصير قول قد مضى كذبا غير لائق بالإيمان، فابتداء الكذب أولى أن يكون غير لائق به.
ا ما لا تفعلون ﴿. فأبان أن خلاف الوعد خلاف ما يوجبه الإيمان، وإن كان نصير قول قد مضى كذبا غير لائق بالإيمان، فابتداء الكذب أولى أن يكون غير لائق به.
وقال في ذم المنافقين:﴾ ويحلفون على الكذب وهم يعلمون ﴿أي أنهم يكذبون ومع ذلك يحلفون على كذبهم، فيكونون جامعين بين شيئين، ثم توعدهم فقال:﴾ أعد الله لهم عذابا شديدا، إنهم ساء ما كانوا يعملون ﴿. فيؤيد هذا ما حكاه ﷿ عنهم في سورة براءة، فقال:﴾ يحلفون بالله ما قالوا، ولقد قالوا كلمة الكفر ﴿إلى قوله﴾ بما أخلفوا الله ما وعدوه ربما كانوا يكذبون ﴿. فجعل الكذب من أوصافهم إذا كانوا منافقين، وأخبر أنهم أعقبهم النفاق في قلوبهم بما كانوا يترخصون فيه من الكذب، فذلك على غليظ من الكذب ومجانيته الإيمان. وقال ﷿ في الكذب:﴾ فمن أظلم ممن كذب على الله وكذب بالصدق إذ جاءه ﴿. يحتمل أن يكون المراد بالكذب على الله أن يقول لكلامه ووحيه أنه ليس من عنده، أو يدعي شريك أو يجحده أصلا، وبالتكذيب بالصدق تكذيب الرسول ﷺ فيما جاء به مما هو صادق في أن الله تعالى أرسله به، وأنزله عليه، ثم قال ﷿:﴾ والذي جاء بالصدق، وصدق به أولئك هم المتقون ﴿. فمدح الصادق عليه، والمصدق بما جاء من عنده، وذم الكاذب عليه والمكذب بما جاء من عنده، فكان كل محق في خبره، وكل مبطل في خبره في استحقاق المدح أو الذم كما مدحه الله تعالى أو ذمه، قال:﴾ ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب، هذا حلال وهذا حرام، لتفتروا على الله الكذب، إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون، متاع قليل ولهم عذاب أليم ﴿. وقال:﴾ قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراما وحلالا، قل الله أذن لكم أم على الله تفترون، وما ظن الذين يفترون على الله الكذب يوم القيامة ﴿. أي ما الذي يظنون أن يكون لهم يوم القيامة، أي يظنون إن هم لا يسألون عنه ولا يؤاخذون به، أي ليس الأمر كما يظنون، عن كان هذا ظنهم. وقال:﴾ ولو تقول علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين ﴿. أي لأهلكناه واستأصلناه.
ن به، أي ليس الأمر كما يظنون، عن كان هذا ظنهم. وقال:﴾ ولو تقول علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين ﴿. أي لأهلكناه واستأصلناه.
وهذا من الله تعظيم الكذب العبد، وافترائه عليه. ثم إن الكذب جرى مجرى الظلم والجهل والسفه، ألا ترى أن من كذب الله في أخباره، كما أن من ظلمه في أحكامه، وجهله بمواقع الضرب والنظر، أو سفهه في تدبير خلقه كفر، وإذا كان كذلك كان الكاذب فيما يستحقه من الذم البليغ والعقاب الأليم كالظالم والجاهل والسفيه، ووجب إذا كان الكذب في مجانبة الإيمان كهذه القرائن أن يكون الصدق من الإيمان، كما أن الظلم لما كان مجانبا للإيمان، كان العدل من الإيمان والله أعلم. وجاء عن النبي ﷺ: (من كذب علي فليتبوأ مقعده من النار، ومن قال علي ما لم أقل فليتبوأ مقعده من النار) والكذب على النبي ﷺ ينزل منزلة الكذب على الله، لأن تكذيب النبي ﷺ كتكذيب الله تعالى في أنها جميعا كفر، فكذلك الكذب على النبي ﷺ كالكذب على الله تعالى في أنه أغلظ من سائر الكذب، وإن كان الكذب كله حراما قبيحا. وجاء عن النبي ﷺ: (من كذب على عينيه ...) وسنذكر هذا في موضعه. وقال أبو بكر ﵁: قام رسول الله ﷺ قبل وفاته على المنبر، فقال: (إن ابن ءادم لم يعط شيئا أفضل من العافية، فسلوا الله العافية، وعليكم بالصدق والبر، فإنهما في الجنة، وإياكم والكذب والفجور فإنهما في النار). وعن علي ﵁ قال: كنت إذا حدثت عن رسول الله ﷺ حديثا، فلأن أخر من السماء أحب إلي من أن أكذب، وسمعته يقول: (يكون في آخر الأزمان أقوام أحداث الأسنان، سفهاء الأحلام، يقولون من قول خير البرية، لا تجاوز إيمانهم حناجرهم يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية). وجاء: (من تحلم كاذبا كلف يوم القيامة أن يعقد بين شعيرتين) وليس معنى هذا- والله أعلم- أن ذلك عذابه وجزاؤه، ولكن يكون لهم شعار يعلم به من يراه أنه كان يزور الأحلام في الدنيا، وذلك العقد بين
شعيرتين ليس ما يكون ويتأنى، في اليقظة. لكن النائم قد يرى في منامه أنه كان منه، فيجعل اشتغاله في اليقظة بما لا يليق إلا بالنوام مما لا إمكان ولا حقيقة له، دلالة على أنه كان يتصنع بالأحلام الكاذبة، ويخبر عما لا حقيقة له منها، والله أعلم. وأما تأكيد الكذب باليمين فقد جاء فيه سواء، ما ذكرنا من قول الله ﷿، أو يحلفون على الكذب وهم يعلمون قول الله ﷿﴾ إن الذين يشترون بعهد الله وإيمانهم ثمنا قليلا أولئك لا خلاق لهم في الآخرة ولا يكلمهم الله، ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم ﴿. وقول النبي ﷺ: (من اقتطع يمينا فأجره حقا لمسلم لقي الله تعالى وهو عليه غضبان) وقال ﷺ: (إن الحلف الكاذب ينفق السلغة ويسحق البركة). ويدل على عظم الإثم فيه إن إيمان الزوجين إذا قذفها بالزنا لما كانت على أمر ماض، وكان أحدهما كاذبا بيقين لم يقبل منهما الأمر بإيجاب اللعن من أحدهما والغضب من الآخر. ليعلم أن اليمين الفاجرة لا تخلو من أحدهما ولا تجرد عنه. وجاء عن عبد الله بن مسعود ﵁: (اليمين الغموس تدع الديار بلاقع) وإنما سماها غموسا لأنها تغمس الحالف في المآثم، وذلك أنها تقع بنفسها كما يعقد كذبا، فتكون في أغلظ من أن يعقد اللبن ثم يعرض منها الكذب بعدد وبسبب حادث والله أعلم. وأما الكذب الذي يضربه للكاذب غيره، فيجوز أن بشتمه بالباطل، ويضيف إليه ما يشبه به، ومنه القذف بالزنا وقد شرع في الحد، أو يشهد عليه زورا بمال أو طلاق أو عتاق، أو قتل، فيجمع ذلك ذنوبا منها الكذب، ومنها الإضرار بالمشهود عليه، ومنها أنه نصب نفسه منصب الإمقاء، ونصبه كذلك الحاكم ثم خان. ومنها الجرأة على الله تعالى، فإنه إنما يشهد عند الحاكم المبعد عن الله تعالى في مجلس
عليه، ومنها أنه نصب نفسه منصب الإمقاء، ونصبه كذلك الحاكم ثم خان. ومنها الجرأة على الله تعالى، فإنه إنما يشهد عند الحاكم المبعد عن الله تعالى في مجلس
يمضي فيه أحكامه، ولم يوضع إلا للعدل من الناس، فإذا ظهر تزويره لحاكم فينبغي أن يجلد ظهره ويحمم وجهه، ويأمر أن يطاف به في الناس، وينادى عليه: هذا شاهد زور فاعرفوه, وإذا صار إلى الآخرة فله من العذاب الأليم ما يستحقه إلا أن يعفو الله عنه. وجاء عن النبي ﷺ أنه قال: (من عدلت شهادة زورا، بالإشراك بالله ثم بلا فاجتنبوا الرجس من الأوثان، واجتنبوا قول الزور) وقال: (من شهد شهادة استباح بها مال مسلم، وسفك دمه، فقد أوجب النار). وروى عن ابن عمر ﵄ أنه قال: من تكلم في خصومه بما لا علم له فهو في سخط الله حتى يفزع. وأما الملق فهو مذموم إلا في طلب العلم، لأنه جاء أنه لا حسد ولا ملق إلا في العلم، وقد تقدمت رواية بهذا الحديث، وهو من أفعال أهل الضعة والذلة، ومما يروي بفاعله ويدل على سقاطته وقلة مقدار نفسه عنده، وليس لأحد أن يهين نفسه، كما ليس لغيره أن يهينه. ألا ترى أنه ليس لأحد أن يعير نفسه وبسببها لا صادقا ولا كاذبا، كما ليس لغيره أن يسبه ويعيره ويشتمه وتناول عرضه كذلك، هذا مما يشبهه. وجاء إذا رأيتم المداحين فاحشوا في وجوههم التراب، وذلك لأن الأغلب أنهم يكذبون فيعزرون اللمدوح فإذا حثا التراب في وجهه- وجه المادح- فقد أمن أن يغبره، أنس المادح من أن يعبره. وأما الخفض فيما لا يعني، فقد جاء عن النبي ﷺ (إن من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه. وقد يجمع القول والفعل ومنه ما يدخل في قوله ﷿﴾ وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه ﴿. وقوله ﷿﴾ وإذا مروا باللغو مروا كراما ﴿، وقد ذكر في بابه. وأما كثرة الكلام وإطالته، فقد جاء عن النبي ﷺ: (إن أبغكم إلى الثرثارون
ا اللغو أعرضوا عنه ﴿. وقوله ﷿﴾ وإذا مروا باللغو مروا كراما ﴿، وقد ذكر في بابه. وأما كثرة الكلام وإطالته، فقد جاء عن النبي ﷺ: (إن أبغكم إلى الثرثارون
المتفيهقون). وعنه ﷺ: (أنه لعن الذين يسغفون الخطب) يدل أن المعتق في الكلام محظور. وخطب رجل عند عمر ﵁ فأكثر، فقال عمر: إن كثيرا من الخطب من سفاسف الشيكان. والسفسفة التي تخرج من فم العجل إذا هدر شبها بالزبد. وعنه ﷺ أنه قال: (إن الله تعالى يبغض البليغ من الرجال الذي يتحلل بلسانه كما يحلل النافرة). وقال عبد الله بن مسعود ﵁: أنكم في زمان كثير علماؤه، قليل خطباؤه، كثير معطوه، قليل سؤاله، الصلاة فيه طويلة، والخطبة فيه قصيرة، وأن بعدكم زمانا كثير خطباؤه قليل علماؤه، كثير سؤاله، قليل معطوه، الصلاة فيه قصيرة، والخطبة فيه طويلة، فاقصروا الخطب وأطيلوا الصلاة. إن من البيان سحرا، من يرد الآخرة قصر بالدنيا، ومن يرد الدنيا أضر بالآخرة. يا قوم، فاقصروا بالفاني للباقي. وجاء عنه أنه قال (الغنى من الإيمان) وهذا -والله أعلم- أن يكون غناء عن الباطل، وعما يخشى سوء عاقبته، وعن الفضل الذي لا يحتاج إليه، وهو كقوله ﷿:﴾ الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات ﴿إنما أراد الغافلات عن السوء، لا الغفلة المذمومة، وكما يروي عن النبي ﷺ: (أكثر أهل الجنة البلد) إنما أراد الذي لا يفطن من أمور الدنيا لما يلهيه عن طاعة الله تعالى وعبادته، لا ضعف العقل الذي لا يعلم الخير كما لا يعلم الشر، ولا يميز بينهما والله أعلم. وما يجب حفظ اللسان عنه أن يتكلم مما يضحك. قال رسول الله ﷺ: (إن الرجل ليتكلم بالكلمة ليضحك بها من حوله). ومما ينبغي حفظ اللسان عنه الشعر، إلا ما كان محقا، لأن الله ﷿ يقول في
الشعراء:﴾ والشعراء يتبعهم الغاوون، ألم تر أنهم في كل واد يهيمون، وأنهم يقولون ما لا يفعلون ﴿ ثم استثنى فقال:﴾ إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيرا، وانتصروا من بعد ما ظلموا ﴿. وقال:﴾ ولمن انتصر بعد ظلمه، فأولئك ما عليهم من سبيل ﴿. ولكن الانتصار حداء. وليس منه إذا شتم رجل أباه أو أمه، أن يشتم أبا الشاتم أو أمه، ولا إذا قال: يا زاني أن يقول: "بل أنت الزاني" إذا لم يكن كما يقول: وإنما الانتصار إذا كذب وزور عليه، أن يرميه بالكذب والبهت، ويفسقه بذلك، ويهجر مذهبه، ويعجب منه، وينسبه إلى الجهل وضعف الرأي وسوء الاختيار والضعة، وقلة المروءة فيما تسوغه نفسه من الكذب، وإغفال حق الدين وما وصاه الله تعالى منه من المؤاخاة المواصلة، ويقول فيه من الشعر ما يروي. وليس شيء من هذا لمن لا يتصور بكذب الكاذب بل ينبغي له أن يسكت عنه. فهذا وما يشبهه هو الابمتصار دون مقابلة الشتم بالشتم والفرية بالفرية. فكل شعر قيل في باطل فلا يروي ولا ينشد، لقول النبي ﷺ: (لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحا حتى يريه خير له من أن يمتلئ شعرا). ولا يشتغل به إلا نادبا، ومن لم يحتج إليه لك فتركه أولى به والله أعلم. ومما جاء في حفظ اللسان حديث معاذ بن جبل ﵁ قال للنبي ﷺ: أكل ما يتكلم به في الدنيا يؤاخذ في الآخرة. فقال: (ثكلتك أمك، يا ابن أم معاذ، وهل بكت الناس على ما أخرهم في النار إلا حصائد ألسنتهم). وجاء أنه قال لعقبة بن عامر (أملك لسانك وأبل على خطبتك وتشغل بيتك) ومما جاء في ترك التحفظ في المقال: أن رجلا تكلم عند رسول الله ﷺ، فأكثر فقال رسول الله ﷺ: (كم دون لسانك من ناب؟ قال: أسناني وشفتاي! قال: أما كان في ذلك ما يرد من كلامك؟). وقال
المقال: أن رجلا تكلم عند رسول الله ﷺ، فأكثر فقال رسول الله ﷺ: (كم دون لسانك من ناب؟ قال: أسناني وشفتاي! قال: أما كان في ذلك ما يرد من كلامك؟). وقال
لعمر بن عبد العزيز رجل من أهله: إن بنتا لي خرج في بطنها دمل، قال: فهلا قلت: تحت يدها. وكان من أعف الناس لسانا. ومما يجب حفظ اللسان عنه الفخر بالآباء، حصوصا بآباء الجاهلية، والتعظيم بهم. وذلك لا يحل لقول الله ﷿:﴾ يا آيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم ﴿فأخبران أصل الجميع واحد، وأنهم إنما يتفضلون بالتقوى ليعلم أن لا فخر لبعضهم على بعض باب واحد. ومثل ذلك جاء بالخبر عن رسول الله ﷺ أنه قال: (كلكم بنو آدم) ثم تلاه: (ليس لأحد على أحد فضل إلا بالتقوى). فإن قيل: قد جاء عنه أنه قال: (إن الله اصطفى كنانة من العرب، واصطفى قريشا من كنانة، واصطفى هاشما من قريش، واصطفاني من هاشم). قيل: لم يرد بذلك الفخر، إنما أراد تعريف منازل المذكورين ومراتبهم، كرجل يقول: كان أبي فقيها لا يريد الفخر، وإنما يريد به تعريف حاله دون ما عداه، وقد يكون أراد به الإشارة بنعمة الله تعالى عليا في نفسه، وفي آبائه، على وجه الشكر بها، وليس ذلك من الاستطالة والفخر في شيء. ومن ذلك أن يحلف الرجل بأبيه، وقد قال رسول الله ﷺ: (لا تحلفوا بآبائكم ولا بأسمائكم ولا بشيء دون الله) ومما ينبغي أن يعرف حكمه مما يدخل في هذا الباب التعريض، ومنه ما يجوز، ومنه ما لا يجوز، وجملته أن ما كان التصريح به حراما لعينه، فالتعريض به حرام. غير أن حرمته بمكان قصد المعرض دون ما سواه. وما كان التصريح به حلالا أو حراما لعينه، لكن لا يحل بحال والوقت، فالتعريض جائز، والتصريح بالقذف باطل حرام، كذلك التعريض به حرام، والتصريح بالكفر والتصريح بالطعن في نسب الرجل، والافتخار عليه حرام، فالتعريض به مثله.
فالتعريض جائز، والتصريح بالقذف باطل حرام، كذلك التعريض به حرام، والتصريح بالكفر والتصريح بالطعن في نسب الرجل، والافتخار عليه حرام، فالتعريض به مثله.
وأما التصريح بالخطبة فإنه حلال في غير العدة، فكان التعريض جائز، قال الله ﷿:﴾ ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء، أو كنتم في أنفسكم، علم الله أنكم ستذكرونهن ولكن لا تواعدونهن سرا إلا أن تقولوا قولا معروفا ﴿. جاء في تفسيره أنه قول الرجل للمرأة في عدتها والله إنك لجميلة، وإنك لشابة، وإن النساء لمن حاجتي، ولعل الله أن يسوق إليك خيرا ونحو ذلك، وهذا لأنه قول مأمور في بعض السلف أنه تصريح. وأن التعريض أن يقول: ما أطول عدتك، ولو قد انقضت وما يشبه هذا، والله أعلم. وقد جاء في بعض السلف أن الكذب في الحرب حلال، وأن الكذب في الإصلاح بين الزوجين حلال. وليس ذلك على صريح الكذب فإنه لا يحل بحال. وإنما المباح من ذلك ما كان على سبيل التورية. وقد جاء عن النبي ﷺ أنه كان إذا أراد سفرا وري بغيره لا أنه كان يقول: إني اريد وجه كذا، ثم يأخذ في وجه غيره، حاشا له صلى الله عليه ووسلم من ذلك، ولكن كما يقول القائل: إذا اراد أن يلبس الوجه الذي يقصده على غيره، فيسأل عن حال الطريق: أسهل هو أم وعر؟ خصب هو أم جدب! وعن عدد منازله. ليظن من يسمع أنه يريده. وهكذا الإصلاح بين الزوجين لم ينجح فيه صريح الكذب، لكن التعريض وما يظن بقائله أنه يكذب فيه، ولا يكون كذبا، كالمرأة تشكو إلى زوجها يبغضها ولا يحسن إليها، فيقول الرجل لها: لا تقولي ذلك، فمن له غيرك. وإذا لم يحبك فمن يحب! وإذا لم يحسن إليك، فلم يحسن إحسانه يعود لك، فما يوهمها أن زوجها لها بخلاف ما يعلمه. وإن كانت صادقة في ظنها ليصلح بذلك ما بينهما. وعن الزهري أنه قال: ليس بكذاب من درأ عن نفسه، أي بالكذب المذموم. أي أن الكذب في حال الضرورة مباح. وقال: ليس بالكذاب الذي يتمنى خيرا، ويقول خيرا، ليقول خيرا، ليصلح بين الناس. وقال سفيان: لو أن رجلا اعتذر إلى رجل فحرف الكلام وحسنه ليرضيه لم يكن بذلك كذبا. ومما روي عن إبراهيم ﵇ من أنه كذب ثلاث كذباات، فهي من هذا
النوع. إحداها أنه قال: إني سقيم وهو أنه إنما أراد ما بسقيم، كما قال الله ﷿ لنبيه ﷺ:﴾ إنك ميت وإنهم ميتون ﴿. أي ستموت وسيموتون، يغر أن السامع ظن أنه يقول: إن بي سقما. والثانية. قوله:﴾ بل فعله كبيرهم هذا فاسألوهم إن كانوا ينطقون ﴿أي فعله كبيرهم هذا إن كانوا ينطقون، فاسألوهم وهو على هذا لا يكون كذبا. والثالثة. قوله لسارة: هي أختي إنما أراد بذلك في الدين لا في النسب. وإذا قيل: هذه الألفاظ كذبات، لأنها أوهمت الكذب، وإن كانت بأنفسها غير كذب. وقد يسمى الإيهام كذبا، كما روي عن النبي ﷺ، أن رجلا جاءه فأخبره: أن أخاه يشكو بطنه. فأمره أن يسقيه عسلا فسقاه، ثم رجع، فأخبر أنه لم ينفعه، فقال: (صدق الله، وكذب بطن أخيك، اسقه عسلا، فسقاه، فبرأ). لم يرد بقوله كذب بظن أخيك، الكذب المعروف الذي هو نقيض الصدق، لأن الصدق والكذب يكون في الأخبار، والبطن لا خبر له. وإنما اراد أن يقال لوجع أو وهن. أن العسل لا ينفعه. وليس هذا الوهم بصحيح، فأعد عليه العسل فلما عاد، صدق الله نبيه، وعافاه عنده، والحمد لله. والكذب في الجملة مذموم، وهو جملة الشتائم القبيحة التي يقذف منها من عرف منه. فيقال: يا كذاب، وي كاذب. وقد حكى الله تعالى عن الأمم الماضين، أنها كانت تقذف به أنبياءها. ثم توعدهم على ذلك، فقال حكاية عن ثمود أنهم قالوا لنبيهم:﴾ أألقي الذكر عليه من بيننا بل هو كذاب أشر ﴿. ثم توعدهم فقال:﴾ سيعلمون غدا من هو الكذاب الأشر ﴿. وحكى عن شعيب أنه قال لقومه:﴾ سوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه، ومن هو كاذب ﴿. وهذا يدل على أن قومه كانوا رموا بالكذب فقال لهم: ستعلمون من هو كاذب! وقذف ﷿ من أراد بقبحه، فقال:﴾ إن الله
تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه، ومن هو كاذب ﴿. وهذا يدل على أن قومه كانوا رموا بالكذب فقال لهم: ستعلمون من هو كاذب! وقذف ﷿ من أراد بقبحه، فقال:﴾ إن الله
لا يهدي من هو مسرف كذاب ﴿. وقال:﴾ إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله، وأولئك هم الكاذبون ﴿. وقال:﴾ إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون، متاع في الدنيا ثم إلينا مرجعهم، ثم نذيقهم العذاب الشديد بما كانوا يكفرون ﴿. إلى غير ذلك من الآيات التي دل بها على قبح الكذب وسقاطة أصله. فثبت بذلك أنه ليس من أخلاق المؤمنين، وأنه من أول ما ينبذه المسلم عنه، ويحمي عرضه أن يثلم به والله أعلم. ومما يناسب هذا البااب ويلتحق بجملته شغل الزمان بقراءة كتاب الأعاجم، والركون إليها، والتكثر بحفظها، والتحدث بما فيها، والمذاكرة عند الاجتماع بها، قال الله تعالى:﴾ ومن الناس من يشتري لهو الحديث، ليضل عن سبيل الله بغير علم ﴿فقيل: نزلت في النصر بن الحارث كان اشترى كتبا فيها أخبار الأعاجم، فكان يقول للعرب: محمد يحدثكم عن عاد وثمود، وأنا أحدثكم عن فارس والروم. فالتحدث بأخبار الأعاجم ومدحهم والاحتجاج بسيرهم، وشغل الزمان بحفظها، وإنفاق المال في نسخها مكروه مذموم، لأنهم قوم رفع ككتابهم فلما بقوا بلا كتاب، وكان الملك فيهم، واحتاجوا إلى ما يسوسون له الناس، أحدثوا أشياء سموها أنسابا ورسوما. وكانت الرعايا لهم بها خوفا من سطواتهم، فصارت منزلة مضاهاتهم بها كتاب لله ﷿ منزلة مضاهاة المؤمنين بشركهم، وتوحيد الموحدين، وعبادة المؤمنين. فلا ينبغي لشيء منها أن ينزل منزلة ما يقرأ أو يسمع أو يعتد به، أو يستنسخ أو يشترى، وذلك من أشد ما يكره في الدين. وكذلك كان النبي ﷺ يرى خلافهم فقد روي أنه قال:) لا تقوموا على رأسي كما تقوم الأعاجم على رؤوس أكاسرتها (فبان أن الشبه بهم خلاف الإسلام. ورأى في بعض المغازي في يد رجل قوما فارسية، فقال: (ألقها، وعليكم بهذه وأشباهها وأشار إلى قوس عربية كانت في يده- ورمح القنا، فإن الله بها يؤيدكم في الدين ويمكن لكم في البلاد). وقيل أنه نهى عن الأكل والشرب في آنية الذهب
وأشباهها وأشار إلى قوس عربية كانت في يده- ورمح القنا، فإن الله بها يؤيدكم في الدين ويمكن لكم في البلاد). وقيل أنه نهى عن الأكل والشرب في آنية الذهب
والفضة، لأن ذلك كان من فعل الأعاجم. فبان أن الأصل في الباب خلافهم لأشياء نص على مثل ما كانوا عليه. فإن قال قائل: قال النبي ﷺ: (ولدت في قصر الملك العادل- يعني أن شروان- فقد وصفه بالعدل). قيل: حاشا لله ولرسوله أن يكون رسول الله ﷺ قال ذلك. فإن هذا ليس ما يعتمد من الحديث، ولو كان قاله لكان إطلاقه ذلك لتعريفه بالاسم الذي كان يدعى به لا لوصفه بالعدل والشهادة له به، فإن الفرس كانوا يسمون أنو شروان الملك العادل، أي في زمان ما كان عندهم ملكا، وقد قال الله ﷿:﴾ فما أغنت عنهم آلهتهم التي يدعون ﴿. أي كانوا يسمونها آلهة، أي آلهتهم فيما عندهم. وقال: (وقال الملك) أي قال: من كان عندهم الملك. ولئن كان رسول الله ﷺ قال: ولدت في زمن الملك العادل) فعل هذا المعنى، إذ لا يجوز أن يسمى رسول الله ﷺ من غير حكم الله تعالى عدلا، ولم تكن الفرس تدعي أن سيرة ملوكها وحي من الله تعالى، من المشهور الذي لا تخفى تسميتهم إياها أبنية ورسوما وأوضاعا. وذلك يدل على أنهم لم يكونوا يصفونها إلى الله ﷿. وكيف يجوز أن يسميها رسول الله ﷺ عدلا؟ هذا وما حفظت لهم أحكام ولا عرفت ولا إدعاها أحدهم، وإنما كانوا ينظرون في ظلامات الناس بحسب ما يقع لهم أنه أرفق وأحسم وألسن، ولم يكن يقع لهم في الظلامات في الأمور الشرعية، بأن العقود المباحة كلها شرعية، فإذا لم يعرفوها لم يتعاملوا بها، وإذا لم يتعاملوا به لم يتظالموا فيها. وكذلك الأفعال فما فيها محظور، وإنما يقع التظالم فيها من الذين يعتقدون حدودها التي هي لها في الشريعة، فإذا جاء الذهاب عنه فلا تظالم فيها، فإذا كان ذلك كذلك لم يجز أن يكون من ملكهم ما يكون عند رسول الله ﷺ عدلا فيصفه به ويبني عليه لأجله إلا أن يقول: كان يظالمهم بحسب الأوضاع التي كانت لهم كما أن تظالم المسلمين بحسب الأوضاع الشرعية التي لهم، فيكون هذا نفس ما قلنا من أن تظالمهم لم يكن
يقع على المحدودات الشرعية، فيكون الفضل بينهم عدلا مجال قط، إنما العدل في الحكم، ولا الحكم إلا لله جل ثناؤه، فكيف يجوز وجود العدل ممن لا يكون قوله حكما، وبالله التوفيق. وأما الغناء فإن منه ما يحرم ومنه ما يحل. فأما ما يحرم فهو أن يكون بشعر قيل هي جنس غير حلال وفي غير محرمه من جنس حلال، وإنما حرم ذلك لما فيه من الإغراء بالحرام فدخل في قوله ﷿:﴾ ولا تعاونوا على الإثم والعدوان ﴿. فإن كان الشعر ممن لا يحل للمغني، ولكنه يحل للمغني، فالمتغني به حرام على المغني والسمع، حلال للمغني، وإن كان الشعر ممن يحل للمغني ويحرم على التغني، فالقول والسماع جميعا محرمان. ولو كان الشعر ممن يحل للمغني فيغني به لنفسه من حيث لا سمعه من يفهم أو تتحرك نفسه فلا بأس. وإن كان الغناء يشعر قبل الجنس المحلل لا في غير خاصة فلا بأس به، إلا أنه لا ينبغي أن يكون بالأوتار. فإن ضربها لا يجوز لما جاء فيه من الأخبار. وقال رسول الله ﷺ: (يكون في أمتي خسف ومسخ وقذن، قال: ومتى ذلك يا رسول الله؟ قال: إذا ظهرت المعازف، والقيان، واستحلت الخمور) وفي حديث آخر عن رسول الله ﷺ. (إذا عملت أمتي خمس عشرة حل بها الملاء. قالوا: يا رسول الله، وم هي؟ قل: إذ كان المغنم دولا، والأمانة مغنما، والزكاة مغرما، وأطاع الرجل زوجته، وعتق أمه، وبر صديقه، وجفا أباه، وارتفعت الأصوات في المساجد، وكان زعيم القوم أرذلهم، وإكرام الرجل مخافة شره، ولبست الحرير، وشربت الخمور، واتخذوا الفتيات والمعارف، ولعن آخر هذه الأمة أولها، فليرتقوا عند ذلك ريحا حمرا وخسفا ومسخا). وفي حديث آخر عن النبي ﷺ قال: (تبين طائفة من أمتي على لهو وأكل وشرب
تيات والمعارف، ولعن آخر هذه الأمة أولها، فليرتقوا عند ذلك ريحا حمرا وخسفا ومسخا). وفي حديث آخر عن النبي ﷺ قال: (تبين طائفة من أمتي على لهو وأكل وشرب
فتصحوا قردة وخنازير، ويكون فيهم خسف وقذف، وبعث الله على حي من الأحياء ريحا فينسفهم كما نسف من كان قبلهم باستحلالهم الخمر، ولبسهم الحرير، وضربهم بالدفوف واتخاذهم القيان). وعن عمر ﵁ قال: الدف حرام والمعازف حرام، والكدية حرام، والمزمار حرام. قال عبد لوهاب: الكدية الطبل. وكان زيد اليماني إذا رأى بيد غلام زمارة من قصب أخذها وشقها. وعن عبد الله بن عمر ﵁. أن الله أنزل الحق ليذهب به الباطل، ويبطل له اللعب والدفف والمزمرات والمزاهر والكبارات. وروي أنه قال: نهى النبي ﷺ عن الخمر والميسر والكربة والعشراء وكل منكر، وذكر فيه. الكبارات، والعشراء. شراب يعمل من الذرة، والكبارات يقال: العيدان، ويقال الدفوف. وفي حديث آخر أن الله ﷿ يغفر لكل مذنب أو لصاحب عرطبة أو كوبة. والعرطبة: العود، ويحتمل أن يكون المعنى في تحريم الدف في غير النكاح. والطبل والمزهر والمزمار أنها آلات لا يراد بها إلا إشراب اللهو في القلب. واللهو إذا غمز القلب فسد على صاحبه، وفارقه الخشوع، ولم يمل بعد ذلك إلى لصلاح إلا قليلا. ومن كنت فيه هذه المفسدة العظيمة لم يلق بها إلا التحريم. فأما الدف في النكاح، فإنه نافع لما يراد بالنكاح، والذي يراد بالنكاح عن عظم اللهو إلا أنه ملحق بالحق لما سبق بيانه. فكذلك ضرب الدف عليه، فأما الغناء فباطل مطلق، فكذلك ضرب الدف عليها باطل والله أعلم. وأما التصفيق فمكروه للرجال لأنه ما خص به النساء، وقد منع الرجال من التشبه بالنساء، كما منعوا من لبس الحرير والمزعفر كذلك. وأما الرقص فإنه لم يكن فيه تكسر وتحبب، فلا بأس به. فإنه روى أن رسول الله ﷺ قال لزيد: (أنت مولانا فحجل) قال: هو أن ترفع رجلا وتقفز على الأخرى
ر كذلك. وأما الرقص فإنه لم يكن فيه تكسر وتحبب، فلا بأس به. فإنه روى أن رسول الله ﷺ قال لزيد: (أنت مولانا فحجل) قال: هو أن ترفع رجلا وتقفز على الأخرى
من الفرح. وقال علي ﵁: أتينا رسول الله ﷺ أنا وجعفر وزيد، فقال لزيد: (أنت أخونا ومولانا فحجل، ثم قال لجعفر: أشبهت خلقي وخلقي فحجل، ثم قال لي: أنت مني وأنا منك فحجلت). وأما ضرب القصب فإنه إشارة إلى وزن الشعر وتقطيع اللحن فقط وليس للتطريب ولا له والإسماع يستلذه، وإن لم يكن معه قول، فكان الضرب بالقصب على وسادة، والضرب بالمطرق على الطشت سواء والله أعلم. وصارت منزلة تحريم الدن والمزهر والطبل على الغناء منزلة تحريم النياحة على الميت. فإنما لما كانت تقوي الغم وتعظم الحسرة كانت لتشفع فعل الله وقضائه عند المصائب وأشبهت النائحة من يوجد منه شيء فيقوم بوضعه ومدحه وذكر مرافقه وفوائده مبالغة في تشنيع فعل الأخذ وتهجين أمره، فحرمت النياحة لما فيه من إفساد قلب المصاب والحيلولة بينها وبين الصبر، واتهمه أن الإساءة من الله ﷿ إليه عظيمة وأديانه من أن يظن أنه فيهم مظلوم فيضطهد. فكذلك الملاهي تسعد لناس وتزعجهم، وتحول قلوبهم نحو الفساد وتلهيها عن الصلاح، فكان حكم ما يفسد القلب بم يملؤه من اللهو والطرب حكم ما يفسده بها يملأه من الحزن والأسف لذا كان القلب إذا امتلأ من اللهو لم يطق معه صاحبه صبرا عن المفاسد. كما أنه إذا امتلأ من الحزن لم يطق معه صاحبه صبرا على المصيبة والله أعلم. وقد قرب النبي ﷺ حيث قل فيها روي عنه. (صوتان ملعون في الدنيا والآخرة). صوت مزمر عند نعمة إن حدث، وصوت رنة عند مصيبة إن نزلت) وذلك والله أعلم إشارة إلى ما يثيب من مشاكل الأمرين، وبالله التوفيق. ويروي في هذا الباب أن عمر بن قرة ﵁ جاء إلى رسول الله ﷺ: يا رسول الله، إن الله كتب علي لشقوة، فلا أرني أرزق إلا من كفي وفمي، فإذن (لي) بالغناء من غير فاحشة، فقال رسول الله ﷺ: (لا آذن لك ولا كرامة ولا نعمة، كذبت علي والله، لقد رزقك الله حلالا طيبا، فاخترت ما حرم الله عليه من رزقه مكان ما أحل
لك من حلاله، لو كنت تقدمت إليك لعقبتك، دعني وتب إلى الله، أما إنك لو عدت بعد التقدمة إليك ضربتك ضرب وجيعا، وحلقت رأسك مثله، ونفيتك من بلدك، وجعلت سكنك نهبة لفتيان أهل المدينة فقام عمر وبه من الشر والحزن ما لا يعلمه إلا الله. قال النبي ﷺ بعد ما ولي. (أن هذه العصابة، من مات منهم من غير توبة حشره الله يوم القيمة عريانا لا يستقر من الله بهديه كلما قام صرع). ثم إن الدف كما فارق ضربه للغناء ضربه للنكاح، فكذلك الطبل يفارق ضربه للغناء ضربه لركوب الغزاة ولحمل الحجيج أو نزولهم، أو لأجل العيد، لأن ذلك ليس للهو، وما خلص للهو فذاك هو الممنوع والله أعلم. إلا أن ضرب الطبل إذا حل للرجال، وضرب الدف لا يحل إلا للنساء، لأنه في الأصل من أعمالهن. ولعن رسول الله ﷺ المتشبهين من الرجال بالنساء. فصل وكل غناء ذكرت أنه حرام فقليله وكثيره سواء، وكله مسقد للعدالة وهو الذي وردت الآثار عن السلف بالنهي عنه. وأما ما يحل من الغناء، فإنه إذا قل من صاحبه وكان في وقت دون وقت، ولم يتشاغل به عن الصلاة، وغيرها من الطاعات لم تسقط عدالته. وإن أدمنه وتجرد له فصار المغنون يغنونه ويجتمعون عنده ويتشاغلون به عن الصلوات سقطت بذلك عدالتهم، ووجب على الإمام أن يردعهم عنه وكل عاجل أو حرم حرم فهو باطل، لأن الباطل ما لا قربة إلى الله تعالى فيه ولا يصلح التوصل به إلى قربه، هذا صفة الغناء إلا أنه ليس كل ما يسمى بالباطل يحرم. فإن اللعب بالصولجان باطل ولا يكره وكذلك المصارعة، فقد تصارع الحسن والحسين ﵄، فقال النبي ﷺ إيه يا حسن، وجبريل ﵇ يقول: يا حسين.
ما يسمى بالباطل يحرم. فإن اللعب بالصولجان باطل ولا يكره وكذلك المصارعة، فقد تصارع الحسن والحسين ﵄، فقال النبي ﷺ إيه يا حسن، وجبريل ﵇ يقول: يا حسين.
وجلوس الرجل المستطيع للجهد والعبادة فارغا متورعا إلا من الفرائض باطل، لأن كل ساعة تمر بالعبد وهو فيها غير متعبد لله تعالى بما يقربه إليه بلا عذر وعلة فهي ضائعة لا حظ له فيها ولا فائدة له في إدراكها، ولكن ليس ذلك مما يحرم. فلذلك الغناء الذي سبق تحديده باطل ولكنه لا يحرم. سئل القاسم بن محمد- ﵁ عن الغناء أحرام هو؟ فسكت. ثم سئل، فقال: الحرم ما حرم الله تعالى في كتابه. ولكنه أخبرني: إذا كان يوم القيامة فأتى إلى الله بالحق والباطل، أين الغناء؟ قال السائل: في الباطل فقال فأنت إذا خالفت نفسك فإن أفضل الغناء المباح لغرض صحيح، مثل أن يكون برجل وحشة وعلة عارضة لفكره فأشار عدد من الأطباء بأن رسول الله الساكن بالنزهة، ويعني ليتفرج لذلك وينشرح صدره ارتفع اسم الباطل، وكان اسم الحق أولى به. ألا ترى أن ضرب من الغناء، ولكنه لما كانت له فائدة معقولة، وهو تنشيط الإبل للسير زال عنه اسم الباطل. وما يراد به استصلاح نفس الإنسان وفكره أولى أن يزول عنه اسم الباطل، والله أعلم. وجملة ما يتميز به الغناء المباح عن الغناء المحظور، أن كل غناء من الشعر المنظوم فمعتبر به لو كان كلاما نثرا غير منظوم، فإن كان مما يحل أن يتكلم به منثورا أحل أن يتكلم به منظوما. وإن كان مما لا يحل أن يستعمل منثورا لم يحل أن يستعمل منظوما، وبالله التوفيق. ثم قد جاءت في تغليظ أمر الغناء أخبار، وكلها عندنا محمولة على ثلاثة أوجه. أحدها: الغناء المحرم الذي سبق ذكره. والآخر: الغناء الحلال غنيه إذا طال ودام وشغل عن الصلاة. والثالث: الغناء الحلال غنيه إذا اتصل به المزاهر والصنوج، وما يجري مجراها. وما خلا عن هذه الأوجه الثلاثة فهو خارج مما جاء التغليظ فيه. من تلك الأخبار ما جاء عن عبد الله بن مسعود ﵁ في قول الله ﷿﴾ ومن الناس من يشتري لهو
راها. وما خلا عن هذه الأوجه الثلاثة فهو خارج مما جاء التغليظ فيه. من تلك الأخبار ما جاء عن عبد الله بن مسعود ﵁ في قول الله ﷿﴾ ومن الناس من يشتري لهو
الحديث ليضل عن سبيل الله ﴿قال: الغناء، والذي لا إله غيره يقولها ثلاث مرات. ويحتمل إن كان المراد به الغناء أن يكون المشتري لهذا الحديث، وهو الذي يوضح للمغني لنفسه، ويحتمل أن يكون الذي يوضح لمن يعلمه. وعن ابن عباس ﵄ في هذه الآية قال: هو الغناء وأشباهه. وروى عن ابن عباس ﵄ قال: المغني وشري المغنية، فإن كان الشري داخلا في الآية، فشري اللهو إذا مختار. والمغني من الناس من يشتري لهو الحديث، فجعله مشتري للهو لما كان قصده فيمن يشتريه اللهو الذي عنده. وجاء عن ابن عمر ﵄ بسنده إلى النبي ﷺ أنه قال في هذه الآية﴾ ومن الناس من يشتري لهو الحديث ﴿قال: (اللعب بالباطل كسب النفعة فيمسح فيه ولا تطيب نفسه بدرهم يتصدق به). وقال مجاهد في هذه الآية: الغناء والشعر. وجاء أن أبا وائل كان في ملال فجاء المغنون، فقام. فقيل: يا أبا وائل، إن هذا يكون في الملال. فقال: لا، أن ابن مسعود حدثنا أن رسول الله ﷺ قال: (إن هذا الغناء يثبت في القلب النفاق كما يثبت الماء البقل). وفي حديث آخر عن ابن مسعود، موقوفا عليه- أنه قال: (إن الغناء يثبت النفاق في القلب كما يثبت الماء الزرع). وعن مجاهد ﵁ في قوله ﷿:﴾ واستفزز من استطعت منهم بصوتك واجلب عليهم بخيلك ورجلك ﴿. ومن استخف منهم يكون الخيل لحق بالمعاصي، ورجلك من استخف منهم مكب على رجليه نحو المعاصي، وشاركهم في الأموال والأولاد الأولاد أولاد الزنا.
وقال عثمان بن عفان ﵁: ما تبينت ولا تعنيت ولا مسست ذكري بيميني منذ بايعت بها رسول الله ﷺ، وعن محمد بن المنكدر ﵁ قال: فقال: إن الله تعالى يقول يوم القيامة: أين عبادي الذين كانوا ينزهون أنفسهم وأسماعهم عن اللهو وعن أمر الشياطين، احلوهم رياض المسك، وأخبروهم إني قد حللت لهم رضواني. فإن قال قائل: ألا قلتم أن الغناء بالإطلاق مباح، لما روي عن عائشة ﵂ قالت: كانت عندنا جاريتان يغنيان في يوم عيد، وعندهما رسول الله ﷺ لا ينهاهما. فدخل علينا أبو بكر ﵁ فانتهرهما، فقال رسول الله ﷺ: (دعهما، فإن لكل قوم عيدا، وهذا عيدنا). فقيل لهم: إن الغناء إذا كان أصنافا، ولم يكن من النبي ﷺ قول أن الغناء حلال: وإنما كان الذي يروي حكاية حال لا تليق بها العموم، لم يكن يعرف منه، إن ذلك الغناء ما كان يستدل بالحديث على جوازه، وعلى أنه قد روى في حديث آخر، أن ذلك الغناء كان ما قيل في يوم قتل صناديد الأوس والخزرج. ولسنا نذكر أن يكون المعنى بمثل هذا الشعر جائزا. وإنما الكلام فيما سبق وصفه، وذلك ما لم يثبت جوازه. وقد روى أن جواري كن يلعبن في شكل المدينة، وهن يقلن عن جواري من بني النجار يا حبذا محمد من جار. والنبي ﷺ ينظر ويبتسم. فما كان من نحو هذا فلا بأس به، وما فوقه أيضا لم يكن بالحد الذي سبق ذكره. ثم جاء في شر المغنيات ما فيه الشقاء والبيان بحكم الغناء، فمنه ما رواه عمر ﵁ عن النبي ﷺ قال: ثم المغنية سحت، وغناؤها حرام، والنظر حرام، وثمنها مثل ثمن الكلب، وثمن الكلب سحت، ومن ينبت لحمه من النار قال النار) فيحتمل أن يكون الحديث في المغنية بالأوتار، فقال غناؤها حرام، إشارة إلى غنائها المعروف وهو الذي سوت إليه إحدى الآلات التي سبق ذكرها من الملاهي، ونظر إليها في تلك الحال.
يث في المغنية بالأوتار، فقال غناؤها حرام، إشارة إلى غنائها المعروف وهو الذي سوت إليه إحدى الآلات التي سبق ذكرها من الملاهي، ونظر إليها في تلك الحال.
لأن النظر إليها في تلك الحال لا يكون إلا للتلهي بجميع ما يشاهد منها، فذاك هو حرام وأما تحريم ثمنها فمعناه أن يوصل البائع إلى فضل على ثمنها للغناء حرام، ودفع المشتري فضلا عن الثمن الذي هو لها لأجل الغناء حرام. فكل واحد من الأمرين حرام، لكن العقد مع ذلك ماض، والملك به واقع، وهو كمن يشتري عنبا ليعصرها خمرا، اشترى العنب بهذا الغرض حرام، ودفعه الثمن حرام. والبائع إن علم ذلك منه كان تمكينه منه حراما، وأخذه الثمن حراما. ولكن العقد يكون ماضيا، والملك من الجانبين واقعا. وهكذا لو باع سيفا من قاطع طريق، أو سكينا من رجل قد أعلمه أنه يشتريه منه ليقتل به مسلما بغير الحق، كان البيع عليه حرام وأخذه الثمن حرام، وكان الشري علي المشتري حرام، وإعطاؤه الثمن حرام، ولكن العقد يكون ماضيا والملك من الجانبين واقعا. فكذلك بيع القينة وشراؤها. واما تشبيهه ﷺ ثمن القينة بثمن الكلب، فهو في تحريم الأخذ والإعطاء لا في منافاة الملك. وعن أبي أمامة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (لا يحل اشتراء المغنيات ولا بيعهن ولا تجارة فيهن وثمنهن حرام) ثم تلا هذه الآية.﴾ ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم ﴿. وما ذكره من المعنى قيل هذا، ففي سياق هذا الحديث دلالة عليه، لأنه ﷺ أخبر أن الاشتراء أو البيع لا يحلان، وليس في ذلك ما يمنع من اعتقاد العقد، ولا ما يوجب تحريم عين الثمن، وإنما يوجب تحريم أخذ عين الفضل الذي فيه لأجل الغناء. وعن أبي أمامة ﵁، عن النبي ﷺ قال: (لا يحل تعليم المغنيات ولا بيعهن ولا شراؤهن، ولا الجلوس إليهن، ولا الاستمتاع بهن) وعن أبي أمامة ﵁، عن النبي ﷺ، أنه نهى عن بيع المغنيات وعن شراؤهن وعن كسبهن، وعن أكل أثمانهن، والنهي عن أكل أثمتنهن تنزيه لأن الملك إذا وجب حل الأكل. فأما التعليم
ة ﵁، عن النبي ﷺ، أنه نهى عن بيع المغنيات وعن شراؤهن وعن كسبهن، وعن أكل أثمانهن، والنهي عن أكل أثمتنهن تنزيه لأن الملك إذا وجب حل الأكل. فأما التعليم
فإنه كان بالأوتار حتى لا يحسبن أن يغني إلا بمزهر فحرام. وإنما ينبغي أن يعرف حكم التعليم من الغناء، فأي غناء كان حلالا كان تعليمه حلالا، وأي عتاد كان حراما فتعليمه حراما. وقال سفيان بن حسين ﵁. كتب عبد الحسن إذ جاءه رجل فقال: جارية لي، أعملها الغناء، أريد بها البيع، لست أريد غير ذلك، فقال:﴾ واذكر في الكتاب إسماعيل أنه كان صادق الوعد، وكان رسولا نبيا، وكان يأمر أهله بالصلاة والزكاة، وكان عند ربه مرضيا ﴿. فكان قتناه له هذا وبالله التوفيق.
الخامس والثلاثون من شعب الإيمان وهو باب في الأمانات وما يجب أدائها إلى أهلها قال الله ﷿:﴾ إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها ﴿. وقال:﴾ فإذا أمن بعضكم بعضا فليؤد الذي اؤتمن أمانته ﴿. وقال ﷿:﴾ إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها، وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا ﴿. ومعنى ذلك- والله أعلم- الدلالة على فضل العقل والحياة وشرفهما، وأمانة الإنسان إنما صار صالحا للتكليف بسببهما، وأن السموات والأرض والجبال، وإن كانت أعظم جثة وأشد قوة منه، لما كانت خالية عن الحياة والعقل لم تصلح للتكليف والتعبد. فقال ﷿﴾ إنا عرضنا الأمانة ﴿يعني تعريض العمل على شرط الثواب والعقاب. أي قابلنا باب التعبد أمره ونهيه بحال السموات والأرض والجبال، فأبين أن يحملنها. أي فلم يجد فيها محملا له.﴾ وأشفقن منها ﴿أي وكن أضعف من ذلك وأبعد من الصلاح، لأجل أنه لا حياة لهن، ولا عقل فيهن، وما خلا عن الحياة والعقل خلا عن الاختيار، ولم يمكن وجود الفعل منه إلا يسيرا، والسحر لا يليق به الثواب، ولا يمكن وجود الخلاف فيه، فيستحق العقاب، فكان قوله تعالى:﴾ فأبين وأشفقن ﴿كقوله إلى الجدار يريد أن ينفض فأقامه، أي كان دنا من الانقضاض وأشرف عليه. وكقوله ﷿:﴾ ثم استوى إلى السماء وهي دخان، فقال لها وللأرض اثنيا طوعا أو كرها، قالتا أتينا طائعين﴾.
ومعلوم أن المجيء لا قول ولا طواعية له بعد أن يكون تمام الخلق مستكمل الوجود. فكيف في حال الإيجاد؟ فكان المعنى أنه قال: ائتيا طوعا أو كرها أي كونا كما أريد. ولا يمكن أن لا يكونا، فكانتا كما أراد، فوقعت العبارة عن ذكرهما كما أراد الله تعالى منهما بأنهما قالتا:﴾ أتينا طائعين ﴿فكذلك غير عن خلق السموات والأرض والجبال عن أن يكون فيهما محمل لذلك لأنه ركب فيه الحياة والعقل وعلم البيان. أي فليس الأمر بعظيم الخلق والجثة وشدة القوة، وإنما عهده التكليف ما ذكرنا. ثم قال:﴾ أنه كان ظلوما جهولا ﴿ولو أنه كان بهذا النقصان لم يحملها، وذلك أن الإنسان لم يخبر في جملة الأمانة كما دعي إليها، فتكون إجابته إلى حملها والإحاطة به محمولتين في جهله وظلمه. ولكن ألزمها إلزاما. فقيل لأولهم:﴾ يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها رغدا حيث شئتما، ولا تقربا هذه الشجرة، فتكونا من الظالمين ﴿. وهذا الأخبار فييه. فيثبت أن هذا كلام مستأنف. وأن المعنى قد حملها الإنسان. ثم أنه بعد الحمل يجهل موضع حظه، ويظلم نفسه، فيخالف الأمر، ويرتكب النهي ويعرض نفسه للعقاب، ويحرمها الثواب. وهذا تعجيب من حامل الأمانة. لا عبث منه، ولا طعن فيه، وبالله التوفيق. وقال ﷿:﴾ لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون ﴿. فقال رسول الله ﷺ: (أد الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك). وقال: (من علامات المنافق أن يكذب إذا حدث، ويخلف إذا وعد، ويخون إذا ائتمن). وقال: (ألا إن الدين النصيحة. قيل: لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولرسول ولأئمة المسلمين وعامتهم). وقال: (من غشنا فليس منا) فثبت أن أداء الأمانة ما كانت لمن كانت واجبة، وأنه أفضل شعب الإيمان.
يا رسول الله؟ قال: لله ولرسول ولأئمة المسلمين وعامتهم). وقال: (من غشنا فليس منا) فثبت أن أداء الأمانة ما كانت لمن كانت واجبة، وأنه أفضل شعب الإيمان.
فأول ذلك أن الله ﷿ لما تعبد عباده فأمرهم ونهاهم ووعدهم وأوعدهم فوض ما تعدهم به إلى إجبارهم، ولم يجبرهم على الطاهرة، جبرا، وهذا بالحقيقة ائتمان. ثم انه بين ذلك بأحكامه، فحكم بأن من دخل عليه وقت الصوم ولم يعلم ذلك صوم أو نسيان، ومات على ذلك، أو قام إلى الوضوء فلم يستتمه أو فرغ منه، ولم يبلغ المسجد أو مصلاه في بيته، حتى مات، صلاته عليه. وأن المريض إذا أفطر في شهر رمضان ولم يدرك ما بعد الشهر فلا شيء عليه. وأن من حال الحول على ماله ولم يتمكن من أداء الزكاة حتى هلك ماله فلا شيء عليه. وأن من وجد المال إلا أنه مات قبل وقت الوقوف فلا حج عليه. ومن لم يقدر على شيء من العبادات ما كان فليس عليه وهذا كله حكم الأمانة. فأما حكم الضمان فغير هذا، لأن من استقرض من آخر مالا وقبضه ثم هلك مكانه ولم يكن له مال سواه، فعليه ضمانه. وكذلك لو غضب من الآخر مالا فعجز عن رده، ولم تسقط عنه تبعته. والعبادات أيضا إذا صارت مضمونة بالتفريط، ثم تعتبر فيما بعد ذلك بالإمكان والعجز، فعلمنا أن حكمها في أوائلها إنما كان ما ذكرنا، ليكون سبيلها سبيل الأمانات والله أعلم.
إذا صارت مضمونة بالتفريط، ثم تعتبر فيما بعد ذلك بالإمكان والعجز، فعلمنا أن حكمها في أوائلها إنما كان ما ذكرنا، ليكون سبيلها سبيل الأمانات والله أعلم. فينبغي لكل من وجبت عليه عبادة بدخول وقتها أو حلول شرطها أن يسارع إليها فيردها أمانة لأهلها، على نفسه مضمونة. فإن استيفاء الأمانة بين الله تعالى وبين نفسه أحسن وأجمل من التقريظ الذي يزيل عنه حسن هذه السمة، ويبدله عنه خلافها، ولم يكن حرجا ولا إثما، ثم على هذا كل أمانة وجبت لله تعالى أو لمسلم، فينبغي أن يجتهد في أدائها واستيفاء هذه التتمة وحسنها. فإذا حمل علما من علم الدين فسئل عنه لم يكتمه، وإذا كان حاكما فيثبت عنده لرجل أو امرأة حق، لم يحبس الحكم به ولم يؤخره. وإن ولي أمور المسلمين سببا لم يضيعهم ولم يغشيهم فيقعد بهم حين الجهاد، ويجاهدهم حين العقود ويؤخر الصلاة لهم عن وقتها، ويستعمل عليهم شرار العمال ويحتجب عنهم ويشد وطأته عليهم، ويبسط يده بأنواع الظلم إليهم. فإن فعل ذلك، فلم ينصح لهم، ولم يؤد أمانة الله وأوليائه ورسله إليهم والقوم إن قبلوا ولايته وألزموا طاعته ثم يخشوه، وقعدوا عما أمرهم به مع تيسير آثار الصلاح فيه بالعلل والمعاذير، فاختلت ولايته ووهن سلطانه، وأشاروا عليه بما يعلمون أن فيه انتشار الأمر، وتفرق الكلام، وقوة العدو، وليسوا
مع تيسير آثار الصلاح فيه بالعلل والمعاذير، فاختلت ولايته ووهن سلطانه، وأشاروا عليه بما يعلمون أن فيه انتشار الأمر، وتفرق الكلام، وقوة العدو، وليسوا
عليه، فقبل منهم، فقد خانوا الله وخانوا رسوله، وخانوا أماناتهم، وبدلوا فكان الصلح الذي كان فرضهم الغش الذي لم يكن يسعهم، وكل مسلم فينبغي أن ينصح لأخيه المسلم ولا يغشه. وخصوصا أن يكون إن استشاره. فقد جاء (أن المستشار مؤتمن) وأن علمه مقبلا على ما يستوهم عاقبته، وهو في غفلة منه، فينبغي له أن ينبهه من رقدته، ويدله على ما يعلمه من مصلحته، فيكون قدم له وأدى أمانة الإخوة في الدين إليه. وإذا استودع مسلم مسلما سرا فقبل منه أن يحفظه، فلا يحل له أن يخونه فيفشيه، وخصوصا إذا كان يتضرر بإفشائه. وقال رسول الله ﷺ: (إنما المفلسون المتخالسون بأمانة الله، لا يحل لأحدهم أن يفشي على صاحبه ما يكره، فإن استودعه مالا فقبله، فينبغي له أن يحفظه، ثم حفظه وأكمله فإن تغيرت حال بينه، أو فارقه من كان يثق به من أهله، فينبغي له أن يعلم أن المستودع حال وديعته ليرى فيه رأيه، وهكذا إذا اراد سفر). ولا يحل له أن ينتفع بما يضره ولا يضره، لأنه قد أمنه فيها. ولا يحل له أن يخونه وإذا استودعه فعليه أن يحل بينه وبينها، ولا يحل له أن يدفعه عنها بعدما طلبها إلا بعذر ين. وهكذا ولي المرأة، يلزمه إذا طلبت التزويج، ودعت إلى القران تزوجها، ولا يحل له أن يعضلها. فإن التزويج أمانة له عنده، فعليه أن يؤديها إذا أراد بها. وهكذا الشهادة أمانة عند الشاهد، فإذا طلبها صاحب الحق فعليه أن يؤديها لأنه تحملها للأداء لا لغيره، والعرض عنها إحياء حق المستحق، فإذا كتم الشهادة فقد خان أمانته، وأمات حق من يحمل الشهادة له، وقال الله ﷿:﴾ ولا تكتموا الشهادة، ومن يكتمها فإنه آثم قلبه ﴿، وإنما قال- والله أعلم- آثم قلبه، ولم يقل آثم لسانه، وإن كان السكوت من عمل اللسان. وأداء الشهادة باللسان ترجمان القلب يؤدي عنه ما سمح به، واهتز لإظهاره. فإذا لم يكن من القلب إلا الضبط لما فيه حتى الهم يقذفه، ولم ينطق اللسان بالترجمة عنه بالقلب إذا هو الآثم دونه والله أعلم.
وهكذا ولي اليتيم، ينبغي أن يلزم حد الأمانة في مال اليتيم كما وصاه الله ﷿. فقال:﴾ ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتلي هي أحسن ﴿فلا يمسك ماله غير مبتغ فيه فضلا فتأكله النفقة، بل يتحر فيه لينفق عليه من فضله دون أصله. وإذا تحر لم يركب به لجج البحار، ولم يسلك به مسالك الأخطار، ولم يشتر به مالا فائدة فيه، وتكون عليه مؤؤونة له. ويجتهد في أن لا ينصرف في ماله إلا بما ينفعه، فإنه لم يول أمره إلا لينفعه. ولا يحل له أن يأكل من مال اليتيم إلا شيئا قد قدر له، إذا عمل ما يقبله وأدى الأمانة فيه، ولم يغشش ولم يخن، فإن خلط ماله بمال اليتيم، حتى إذا اشترى له طعاما حل له أن يأكل معه فذلك جائز، وإذا لم يزد على قدر ماله. قال الله ﷿:﴾ ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير، وإن تخالطوهم فإخوانكم والله يعلم الفسد من الصلح ﴿. أي التوسع من المحتاط لليتيم على نفسه. وقد أجمل الله ﵎ التوصية من هذا الباب، فقال:﴾ وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا خافوا عليهم، فليتقوا الله وليقولوا قولا سديدا ﴿. فينبغي لولي اليتيم ألا يعمل باليتيم ولا ما في ماله شيئا كان، لا يجب أن يعمل يتيم أو يخلف عنه وفي ماله ويتقي الله ويجعل هذه الموعظة أصلا لنفسه ومالا يجدبه، ويثني عليه أمره، وليس من جنس الولاية أن يحبس عنه من ماله ما يحتاج إليه، بل ينبغي أن يريح في المطعم والمشرب والملبس والمسكن عليه، ولا يسرف ولا يقتر ولكن يقتصد، وذلك عدل بين الغلو والتقصير والله أعلم. وقد مضى ما يدخل في هذا الباب، في باب التعفف من الأموال المحرمة، وإنما أردنا بإفراد هذا الباب الدلالة على حكم الأمانة ومنزلتها خاصة لما كان فيها من الآيات والأخبار التي تختصها، فقد حصل من ذلك ما أردنا والحمد لله. وقد جاء عن النبي ﷺ أنه قال: (اتقوا الله في النساء فإنهن عندكم عوان، اتخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله). فيحتمل أن يكون قوله (اتخذتموهن
جاء عن النبي ﷺ أنه قال: (اتقوا الله في النساء فإنهن عندكم عوان، اتخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله). فيحتمل أن يكون قوله (اتخذتموهن
بأمانة الله) أي اتخذتموهن على شرط الله ﷿، وهو قوله﴾ فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان ﴿. فاتقوا الله فيهن وعاشروهن بالمعروف وأدوا إليهن حقوقهن، ولا تؤذوهن ولا تضاروهن، فإن شرط الله لازم وحكمه نافذ والله أعلم. وعلى هذا فمال الرجل أمانات الله تعالى عنده، وأباح له منافعهم وألزمه مؤنهم ووصاه بالإحسان إليهم، فلم يأذن له في قتلهم ولا جرحهم ولا ضربهم (من) غير ذنب، ولا تجويعهم ولا تعطيشهم ولا إجهادهم فبي العمل بما لا يطيقونه. فحرام عليه هذه الوجوه كلها منهم. وكذلك كل مال عند متمول فإنما له من جهة الانتفاع به وأداء حق الله تعالى فيه. فأما الإفساد فليس مما يملكه فيه، فلا يحل لأحد أن يغرق ماله في البحر إلا أن يتقي به نفسه، ولا أن يحرقه بيان، ولا أن يمزق ثوبه ويكسر آنيته. ولذلك كان حجر من لا يحسن تدبير ماله، أو كان فاسقا مبذرا من ماله حكما واجبا لم يزل من أول الإسلام يعملون به، ويرفق فيه الاحتياط. وليس لأحد في نفسه أيضا ما لا يكون صلاحا. فأما الفساد فلا يملكه في نفسه كما لا يملكه في غيره، فليس له أن يقتل نفسه، ولا أن يجرحها، ولا أن يحب نفسه أو يختصي، فيقطع بذلك نسله ويبطل الفائدة التي لأجلها خلق الله تعالى على صورة الذكورة. فإن كان ذلك خيانة منه للرجل وعز في نفسه وفي جنسه، وخصوصا لأهل دينه، ولا أن يغني ننفسه بمقال أو فعال. فينبغي له أن يؤدي الأمانة في نفسه وأهله ومماليكه. وكل ما يكون ومن يكون تحت يده لغيره من مودع أو نحوه، وليس شيء من الخيانة غير حرام. وبالله التوفيق.
فينبغي له أن يؤدي الأمانة في نفسه وأهله ومماليكه. وكل ما يكون ومن يكون تحت يده لغيره من مودع أو نحوه، وليس شيء من الخيانة غير حرام. وبالله التوفيق.
السادس والثلاثون من شعب الإيمان وهو باب في تحريم النفوس والخيانات عليها قال الله تعالى:﴾ ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما ﴿. وقال:﴾ ولا تقتلوا أنفسكم ﴿. يعني ولا يقتل بعضكم بعضا، ثم قال:﴾ إن الله كان بكم رحيما ﴿أي. أن منعكم عن أن يقتل بعضكم بعضا رحمة منه لكم، إذا كان إنما أراد بذلك استبقاكم، واستحياكم لتنعموا بالحياة، وتكسبوا فيها من الخير ما يؤديكم إلى النعيم المقيم، ثم قال:﴾ ومن يفعل ذلك عدوانا وظلما فسوف نصليه نارا، وكان ذلك على الله يسيرا ﴿. وقرن قتل النفس المحرمة بالشرك فقال:﴾ والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ﴿.﴾ ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا، فلا يسرف في القتل إنه كان منصورا ﴿. فحرم القتل وسماه ظلما، والظلم قبيح حرام، ويمثل ما دل الكتاب عليه من غلظ شأن القتل بغير حق، جاءت الأخبار عن النبي ﷺ. فروى عنه أنه قال: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله). وعنه ﷺ أنه قال: (لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: كفر بعد إيمان، وزنا بعد إحصان، وقتل نفس بغير حق). وعنه ﷺ في خطبته يوم الفتح قال الناس
(أي شهر هذا؟ قالوا: الشهر الحرام. فقال: أي بلد هذا؟ فقالوا: البلد الحرام. فقال: إلا أن أعراضكم ودماءكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، ثم قال: هل بلغت). وعنه ﷺ أنه قال: (لزوال الدنيا أهون على الله من سفك دم امرئ مسلم). وعنه ﷺ أن رجلا قال: يا رسول الله، إني قصدت مشركا لأقتله، فقال: لا إله إلا الله محمد رسول الله. فقال رسول الله ﷺ: (أقتلته، وهو يشهد أن لا إله إلا الله وإني محمد رسول الله) فلم يزل يردد هذا حتى وددت إني كنت أسلمت في ذلك الوقت. وإذا ظهرت حرمة النفس، وأنه لا يحل قتلها إلا بالحق، فالقتل بالحق أن يقتل للكفر والزنا بعد الإحصان أو لقتل نفس غير مستحقة للقتل. وفي قتلها للكفر وجهان: أحدهما: أن يقتل بكفر أصلا وذلك أن يكون ممتنعا أبدا والشرك مبانا للمسلمين. والآخر: أن يرتد بعد إسلامه. فإما القتل للكفر الأصل، فقد مر ذكره في باب الجهاد وأما القتل للردة، فقد قال ﷺ: (من بدل دينه فاقتلوه) وارتدت طائفة بعد رسول الله فقاتلهم أبو بكر الصديق- ﵁ وقتل من طالت يده منهم. وأما الزاني في المحصن، فقد ذكر مع المرتد في حديث واحد- وقد رويناه- وهو الذي أجمع المسلمون على أن عليه الرجم. فقال عمر بن الخطاب ﵁: لولا أن يقول الناس زاد ابن الخطاب في كتاب الله لألحقت بحاشية المصحف الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما نكالا من الله، والله عزيز حكيم. وأما قتل النفس بغير نفس، فقد قال الله ﷿:﴾ يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتل، الحر بالحر والعبد بالعبد ﴿فأوجب القصاص ثم أبان عن حكمته فقال:﴾ ولكم في القصاص حياة ﴿. فقيل في تأويله: إن من هم بقتل أحد،
كتب عليكم القصاص في القتل، الحر بالحر والعبد بالعبد ﴿فأوجب القصاص ثم أبان عن حكمته فقال:﴾ ولكم في القصاص حياة ﴿. فقيل في تأويله: إن من هم بقتل أحد،
فذكر أنه لو قتل لقتل ردعه ذلك عن القتل، فكانت فيه حياة الناس جميعا. وقد ذكر القصاص مع زنا المحصن والردة في حديث واحد. وقد تقدمت روايته. وليس المعقص إذا قتل أن يسرف على القاتل فيعذبه بما لم يعذب به صاحبه أو نسبه أولا بأن يمثل به ويغضبه أو يطول عليه الأمر، فيقطع كل يوم منه طرفا ثم يقتله. روى أن النبي ﷺ لما أخبر بأن حمزة مثل به قال: (لئن أظفرني الله عليهم- أو كما قال- لأمثلن بثلاثين مثله). فينزل قوله ﷿:﴾ وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به، ولئن صبرتم لهو خير للصابرين ﴿فأخذ رسول الله ﷺ بذلك. وكان لا يخطب خطبة إلا ونهى عن المثلة ويحث على الصدقة. اختلف العلماء في وجوب القتل به ترك الصلاة متعمدا حتى يخرج وقتها، والامتناع بغير ذلك من فضالها. وقد روى أن رجلا أتي النبي ﷺ وساره بساره في قتل رجل، فقال النبي ﷺ: (أليس شهد أن لا إله إلا الله؟ فقال: بلى/ ولكن لا صلاة له. قال: أولئك الذين نهاني الله عن قتلهم). وعنه ﷺ: (إني نهيت عن قتل المصلين). فأبان ﷺ أن لإقامة الصلاة من الأثر في إيجاب العصمة وحقن الدم ما للشهادتين فمن نزع عنه بعدما يقتله، كان كمن نزع عن الشهادتين أو إحداهما. ومنهم من يوجد مع قطاع الطريق، ردفا لهم لم يقتل أحدا، ولم يأخذ ماله والدلائل التي سبق ذكرها تدل على تحريم قتله، وقتل القاطع الذي أخذ المال ولم يقتل، فلم يجز بأن يقتل واحد منهما والله أعلم. وكما لا يحل قتل نفس بغير نفس، فكذلك لا يحل طرف من أطرافها أن يقطع بغير حق ولا خدش جلد، ولا نتف شعر ولا كسر عظم ولا لطم ولا ضرب بيد ولا بسوط
له أعلم. وكما لا يحل قتل نفس بغير نفس، فكذلك لا يحل طرف من أطرافها أن يقطع بغير حق ولا خدش جلد، ولا نتف شعر ولا كسر عظم ولا لطم ولا ضرب بيد ولا بسوط
ولا درة، ولا إدخال إيلام على نفس محرمة بغير حق، لأن ما كان كله ممنوعا بمعنى، كان بعضه ممنوعا بذلك المعنى، إلا أن يفرق بين الكل والبعض دليل. ألا ترى أنه إذا لم يجز لأحد أن يتقدم دار رجل وينقضها ويحرقها، لم يجز له أن يأخذ منها حجرا أو مدرا أو خشبا، أو ما قل أو كثر، وإذا لم يجز له أن يدخل حائطه فيقطع أشجاره أو يقلمها من أصولها، لم يكن له أن يأخذ منها غصنا صغيرا أو كبيرا أو ورقا أو ثمرا. هذا ومعلوم أن نفس كل أحد أقرب إليه من نفس غيره، فإذا لم يكن لأحد أن يقطع من نفسه طرفا، أو يدخل على نفسه ألما من غير حق، فأولى أن يكون ذلك في غيره. والحق في القتل هو القصاص، وفي الأيدي والرجل سوى القصاص لا شيء فيه. وأما الضرب فلا يستحق قصاصا، ولكن للمالك أن يؤدب به مملوكا وللزوج ذلك في زوجته وللوالد في ولده، وكل ذلك بقدر لا تحل مجاورته فيه إلى ما يسبق، أو يذر دما أو يرجع وجعا مبلغا، وللسلطان ذلك فيمن أتى منكرا لأحد فيه، ولا يبلغ بضرب في غير حد ضرب الحد، لأنه يروي عنه ﷺ أنه قال: (لعن الله من بلغ حدا في غير حد) -والله أعلم. وكما لا يحل الضرب بغير حق لما فيه من الإيلام، وكذلك الحبس بغير حق حرام، لا يحل لما فيه من غم النفس وإكرابها وإدخال الأذى والضيق عليها. وذلك نظير الضرب. والتعزيز وحبس الساعي في الأرض بالفساد إلى أن يظهر توبته، وكما لا يحل الحبس بغير حق، فكذلك النفي والإجلاء عن الوطن بغير حق لا يحل، لأنه أخو القتل وقرينه، قال الله ﷿:﴾ ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا قليل منهم ﴿. فقرن الإجلاء عن الوطن بقتل المرء نفسه. وقال في بعض:﴾ ولولا أن كتب الله عليهم الجلاء لعذبهم في الدنيا، ولهم في الآخرة عذاب النار ﴿. فأخبر أنه أسقط عنهم عذابا عجلا كانوا يستحقونه بما كتبه عليهم من الجلاء، فثبت أن
الجلاء نفسه عقوبة وعذاب، وألحق فيه الزنا بغير إحصان، قال النبي ﷺ: (خذوا عني، فقد جعل الله لهن سبيلا، البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم). وجاء أن النبي ﷺ ضرب وغرب، وأنا أبا بكر رضي الله عنخ- ضرب وغرب، وأن عمر ﵁ ضرب وغرب. والإمام بعد أن ينفي من يرى من المفسدين الذين يعلم أنهم يجرون غيرهم إلى الفساد، ويغرونهم به، ويحملونهم عليه ويدعونهم إليه من مبتغي الفواحش كلها والتحريض به، والمنهمكين فيها، والأمر في ذلك يرد به اجتهاده إليه من حبس أو تعذيب، وبالله التوفيق. وجاء أنه كان بالمدينة مخنثان يقال لأحدهما هبت، والآخر مانع، فنفاهما النبي ﷺ من المدينة، فكان هذا أصلا في هذا الباب.
السابع والثلاثون من شعب الإيمان وهو باب في تحريم الفروج وما يجب من التعفف منها قال الله ﷿:﴾ قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم، إن الله خبير بما يصنعون، وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ﴿، وهذا أمر. ثم إنه ﷿ أثنى على من يفعل ذلك، فقال:﴾ والذين هم لفروجهم حافظون، إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم، فإنهم غير ملومين، فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون ﴿. وقال:﴾ ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة وساء سبيلا ﴿. وقال:﴾ الذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون، ومن يفعل ذلك يلق آثاما يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا، إل من تاب ﴿. وقال النبي ﷺ: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن). فثبت (من) هذا كله أن التفف عما لا يحل الاستمتاع والتلذذ به إيمان، وأن التهتك خلاف له. ولولا ذلك لم يتلف على الزاني نفسه إذا كان محصنا، ويسلب مطيته التي كانت لعبادته عقوبة له على خطيئته، ولما عوقب بذلك، علمنا أن وفاءه كبيرة كالقتل، وأن التحرز منه من شعب الإيمان، كالتحرز من القتل. ثم إن بعض ذلك أغلظ من بعض، فالزنا بالمحارم أغلظ لأنه لا طريق فيهن إلى الحل من نكاح ولا غيره. فالتحريم ألزم لهن منه بغيرهن. والزنا بامرأة الأب أغلظ، لأن الله ﷿ يقول فيمن نكح امرأة أبيه:
لمحارم أغلظ لأنه لا طريق فيهن إلى الحل من نكاح ولا غيره. فالتحريم ألزم لهن منه بغيرهن. والزنا بامرأة الأب أغلظ، لأن الله ﷿ يقول فيمن نكح امرأة أبيه:
﴿ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف، إنه كان فاحشة ومقتا وساء سبيلا ﴿. ثم الزنا بحليلة الجار، فيها ورد الحديث عن النبي ﷺ: (إن من أكبر الكبائر، الشرك بالله، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، والفرار من الزحف، وعقوق الوالدين، وقتل المحصنة، والزنا بحليلة الجار). وهذا مما عظمه الله تعالى من حق الجار، كما عظم من حق الوالد. وقد تقدم ذكر كل واحد من الحقين في بابه. وكما لا يحل الزنا ويكون ارتكابه من الكبائر، فكذلك إتيان الذكور حرام، لم يختلف المسلمون في تحريمه، وإنما اختلفوا في وجوب الحد على مرتكبه، والذين رأوا عليه الحد، اختلفوا في حده، فقال بعضهم: هو كالزنا. وهذا وجه من غيره. وقال آخرون: حده القتل بكل حال، سواء كان الزاني بكرا أو محصنا، ولعل من حجتهم أن هذا الصنع لا مدخل لعينه في شروط الإحصان، ولو بطل اشتراط الإحصان لقتل فاعله، لأنه لا مدخل لعينه في شروط الإحصان، لبطل القتل به أصلا، لأنه إنما يقتل به قياسا على القتل بالزنا. فإن كان ذلك يصح مع ما فيه من إلغاء شرط الإحصان، فليقل أن هذا الصنع ليس من نوع صنع الزاني، فلا يقاس عليه في إيجاب القتل به. وأيضا فإنه إذا كان إنما يقتل قياسا على الزاني، فليس كل زان مقتولا، فكذلك كل من فعل هذه الفاحشة ينبغي أن يكون مقتولا والله أعلم. ويجوز أن يحمل على شرط الإحصان بالقياس. ومن رأى هذا الرأي فإنما يذهب إلى أنه ليس يتعاطى هذه الفاحشة شبيه قوم لوط، أولئك لم يلحقهم من العذاب الغليظ ما لحقهم لتعاطي هذه الفاحشة أو مثلها فقط. ولكن الأصل في تعذيبهم كان الكفر بالله ﷿، وتكذيب نبيهم لوط صلوات الله عليه، وهجمتهم على بيته ليلة جاءته الملائكة، وإنذارهم إياه، وإشاعتهم الفواحش، واجتراؤهم عليها ومجاهدتهم. فتغلظ بهذه اكتساب كفرهم، وتغلظت بذلك عقوبتهم.
ليه، وهجمتهم على بيته ليلة جاءته الملائكة، وإنذارهم إياه، وإشاعتهم الفواحش، واجتراؤهم عليها ومجاهدتهم. فتغلظ بهذه اكتساب كفرهم، وتغلظت بذلك عقوبتهم.
وإذا كان هذا هكذا، لم يكن أن يقاس عليهم من ارتكب فاحشة من جملة ما كانوا يرتكبونه ولم يكفر بالله تعالى ولا كذب أحدا من رسله، ألا ترى أن الله ﷿ قد أخبر عنهم أنهم كانوا يأتون في ناديهم المنكر. وقد جاء في تفسيره ما قد جاء. ثم لا يجوز أن يعاقب من فعل ذلك مقتصرا عليه بأن يطرح من بنيان عال، وتقطع أوصاله ويموت، فكذلك هذا والله أعلم. وإذا كان إتيان الذكور حراما، فإتيان البهائم أفحش منه وبالتحريم أحق. فقد اختلف في ذلك فقيل: إنه زنا، وقيل: ليس بزنا. ومن قال هو زنا جعله كالزنا بالنساء في الحد. ومن قال. ليس بزنا، رأى فيه التعزير. وجاء عن النبي ﷺ: (من نكح بهيمة فاقتلوه) وقد يجوز أن يكون ذلك منسوخا بقوله: (لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: كفر بعد إيمان، وزنا بعد إحصان، وقتل نفس بغير حق) والناس لا يعرفون وطئ البهيمة زنا، ألا ترى أنهم لا يسمون البهيمة زانية، وإن كانت طاوعت رأينا فكذلك الفاعل بها لا يكون زانيا ولا يقتل. وهذا الحديث والله أعلم. وإذا كان جميع ما وصفنا حراما، فإن نكح الرجل يده حرام. ألا ترى أنه إذا حرم عليه أن ينكح ذكرا كان التلذذ بجميع أعضائه في التحريم كالمباشرة الكبرى فأولى أن يكون نكاح يد نفسه حراما عليه. فإن نفسه أولى النفوس بأن يحافظ على حرمتها ويحميها بما نقص منها. قال الله ﷿:﴾ قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم، ذلك أزكى لهم، إن الله خبير بما يصنعون ﴿. وقال:﴾ والذين هم لفروجهم حافظون، إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين ﴿. وهذا ليس بواحد منها.



