— Bagian 32 · وكذلك المرأة تباشر المرأة وتلذذ بها حرام ذلك علي… —
Bagian 32
وكذلك المرأة تباشر المرأة وتلذذ بها حرام ذلك عليها. وقد جاء في الحديث: (من أشراط الساعة أن يستغني الرجال بالرجال والنساء بالنساء). فجعلا بمنزلة واحدة. وفيما يقال: إن في زبور داود ﵇: ليس الفسق كله بفسق، وإن كان صاحبه عندي ملعونا. ولكن من أمكن من نفسه الرجال من الرجال، والنساء من النساء، فإن ذلك ما يهتز به عرشي، ويثقل علي حملته، فأقول: اصبر، فإني أنا الحليم الذي لا أعجل). وقد خلق الله الزوجين الذكر والأنثى، يجعل كل واحد منهما موضع مستمتع للآخر على الشرائط التي شرطها في كتابه، وعلى لسانه رسوله ﷺ. وما خرج عن ذلك مما يؤدي إلى إضاعة الماء الذي يكون منه الولد فهو حرام لخروجه عن الحد الذي وضعه الله تعالى لقضاء الشهوة، ومخالفته الغرض الذي لأجله يركب الله الشهوة في الرجال والنساء. فإنه إنما ركبها ليكون قضاؤها سببا لدوام النسل. فمن قضاها من الرجال بالرجال، ومن النساء بالنساء، فقد خالف بها سبيلها، وأضاع الماء الذي يكون منه فهو منه حرام، وضع موضع لا يمكن أن يكون منه نسل. وذلك فيه إسقاط الجنين، والحيلولة بينه وبين أن ينشأ وينمو فيخرج، وكذلك لمن ابتغى ولدا من حرام فلا ولد له، لأنه لا يثبت بينه وبينه شيء من أحكام الولاية، وهو مضيع لما به، مستوجب بوضعه فيمن لا تحل له العقوبة، وإذا كان ابتغاؤه من حلال محتسبا كان مأجورا، ووجه الاحتساب فيه أن يريد مباشرة أهله أو جاريته طلب ولد، فعل الله تعالى إذا رزقه بلغه ووفقه وعلمه، فكان من عباده وموحديه، ومقدسيه في أرضه، والداعين إلى دينه، والمجاهدين في سبيله والمكثرين من أمة نبيه ﷺ. وقد جاء أن النبي ﷺ قال: (تناكحوا تكثروا، فإني أباهي بكم الأمم يوم القيامة). وأنه قال: (سوداء ولود خير من حسناء عقيم). وأن رجلا استشاره فيها مرتين أو ثلاثا كان ذلك يقول: لا، ثم قال رسول الله ﷺ: (لامرأة سوداء تلد أحب إلي من امرأة حسناء لا تلد. أما علمتم أني مكاثر بكم الأمم حتى بالسقط إنه ليؤتي به يوم
اثا كان ذلك يقول: لا، ثم قال رسول الله ﷺ: (لامرأة سوداء تلد أحب إلي من امرأة حسناء لا تلد. أما علمتم أني مكاثر بكم الأمم حتى بالسقط إنه ليؤتي به يوم
القيامة فيظل ممتنعا على باب الجنة. فيقال له: ادخل فيقول: لا، حتى يلحقني أبواي). وجاء في الحديث أن في المودة الصغرى. فإذا كان ذلك كذلك، فوضع الرجل ماءه في ذكر، أو امرأة ماءها في المرأة، أقرب إلى الوأد، فينبغي أن يكون بالتحريم أحق. وإذا كان إضاعة المال حراما، فإضاعة المال الذي يرجى أن يكون منه نسمة تعبد الله وتوحده أولى أن يكون حراما والله أعلم. وإذا كان الزنا وسائر ما ذكرت حراما، فالخلوة بالمرأة المحرمة حرام، لقول النبي ﷺ: (لا يخلو رجل بامرأة، فإن ثالثهما الشيطان). ومعنى هذا أن الشيطان يحضرهما، فيحرص كل واحد منهما على المعصية والخلوة. ثم لا يؤمن أن يكون سببا لشيء يجري عنهما كالخلوة بالمرأة في التحريم، والله أعلم. ولا ينبغي لأحد أن ينظر ما لا تحل له الشهوة، وإذا حرم النظر، فاللمس بالشهوة أولى أن يحرم. والقول الذي يبعث على الشهوة، ويكون مثله طريقا إلى الفساد أولى أن يحرم. يروى عن النبي ﷺ: (العينان تزنينان، واليدان تزنينان، والرجلان تزنيان، والفرج يصدق ذلك ويكذبه). ولا ينبغي لأحد أن يمشي إلى امرأة لا تحل له ليحدثها، ويراها لشهوة، ولا أن يناولها طعاما أو شرابا متلذذا بذلك. فإن فعل أو جلس مجلسا قد أشجنته ببدنها أو شرب سؤرها، أو تبع موضع فمها من الإناء، وأكل ما أفضلته من طعام، أو يتبع مواضع أناملها، أو لبس ثوبا قد نزعته متلذذا بذلك. كان ذلك كله منه زنا وفعلا محظورا، غير أنه لا يبلغ مرتبة المباشرة الكبرى فيجب فيه الحد، والأصل فيه الحديث الذي رويته ألا ترى أن أبا أيوب الأنصاري أنزل رسول الله ﷺ مقدمة المدينة داره، وكان ينفذ إليه الطعام، فإذا رد من عنده جلس وأهله يتتبعون مواضع أنامله يبغيان به البركة.
رى أن أبا أيوب الأنصاري أنزل رسول الله ﷺ مقدمة المدينة داره، وكان ينفذ إليه الطعام، فإذا رد من عنده جلس وأهله يتتبعون مواضع أنامله يبغيان به البركة.
فكان ذلك منهما برا إلى رسول الله ﷺ، وقربة إلى الله ﷿، فمن فعل ذلك مريدا للشر والفتنة كان منه معصية لله ﷿، وهتكا للحرمة، وبالله التوفيق. وفي ظهور ما قلنا بيان أنه لا يحل لأحد أن يتصدى إلى امرأة لا تحل له، أو يلاطفها بالكلام الطيب ليحببها فتواطئه على الحرام، أو ليفسدها على زوجها إن كان لها أو على سيدها إن كانت مملوكة، لأن التذرع إلى الحرام حرام. وجاء عن النبي ﷺ: (ليس منا من جنب) فكتب الحديث على وجهه في موضعه إن شاء الله. وإذا كان جميع ما وصفنا حراما، فقد ظهر أن تودد المرأة إلى الرجل الذي لا تحل له وإدخاله عليها/ والجمع بينهما على الحرام حرام، جميع ذلك من باب الإعانة على الإثم والعدوان، والله ﷿ يقول:﴾ وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان، واتقوا الله إن الله شديد العقاب ﴿. وقد تقدم ذكر هذه الآية في باب مفرد، وبالله التوفيق.
الثامن والثلاثون من شعب الإيمان وهو باب في قبض اليد على الأموال المحرمة ويدخل فيه تحريم السرقة وقطع الطريق قال الله ﷿:﴾ ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل، وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقا من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون ﴿. فحرم دفع المال إلى الحاكم ليأخذه بحكمه ما لا يستحقه إثما يأخذه، عالما بالإبطال من نفسه. وقال في الأخذ باليمين الفاجرة:﴾ إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا، أولئك لا خلاق لهم في الآخرة، ولا يكلمهم الله، ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم ﴿. وقال في ذم اليهود وأخذهم الربا، وقد نهوا عنه:﴾ وأكلهم أموال الناس بالباطل، وأعتدنا للكافرين منهم عذابا أليما ﴿. فذمهم بأكل أموال الناس بالباطل، كما ذمهم بنقض المواثيق، وكفرهم بآيات الله، وقتلهم الأنبياء بغير الحق، وعظم أمر التطفيف﴾ الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون، فإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون ﴿. وقال:﴾ وأوفوا الكيل إذا كلتم وزنوا بالقسطاس المستقيم ﴿. وقال:﴾ ولا تنقصوا المكيال والميزان ﴿إلى غير ذلك من الآيات الدالة على هذا المعنى. وقال في القمار:﴾ وأن تستقسموا بالأزلام ذلكم فسق ﴿. وقال:﴾ إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه ﴿وقال في السرقة:
المعنى. وقال في القمار:﴾ وأن تستقسموا بالأزلام ذلكم فسق ﴿. وقال:﴾ إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه ﴿وقال في السرقة:
﴾ والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا، نكالا من الله ﴿. وقال في المحاربة:﴾ إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ﴿. وقد جاء عن النبي ﷺ: (لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه). وقال: (ألا إن دماءكم وأعراضكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا). وقال: (ولا ينتهب نهبة ذات شرف يرفع الناس إليه فيها أبصارهم حين ينتهبها وهو مؤمن) وقال: (إنكم تختصمون إلي، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فمن قطعت له بشيء من حق أخيه فلا يأخذنه، فإنما أقطع له من النار). وقال: (من غضب شبرا من أرض طوقه الله يوم القيامة من سبع أرضين) وقال: (من حلف على يمين فاجرة ليقطع بها مال امرئ مسلم لقي الله وهو عليه غضبان). وقد حكم الله بالقطع على السارق، على أن السرقة من الكبائر كالقتل، وإن كان التورع عنها من الإيمان، إذ كان بعض جوارح المؤمن مستقص من أهلها، فتفوته إقامة حقوق الله تعالى بها، كما كان استقصاص نفس المؤمن بالقتل دليلا على ان التجرد من القتل ظلما من شعب الإيمان، وعلى أن الإدمان اخو القتل. فإن النبي ﷺ كما قال: (من قتل قتيلا فله سلبه، كان من قطع يدي مشرك ورجليه وهو مقبل كمن قتله). ووجدنا اليدين والرجلين تستحق من الواحد متابع السرقات منه، كان ذلك كقتله. ودل ذلك على قرب منزلة السرقة من القتل. ودل خبر رسول الله ﷺ على أنها من الكبائر، فإنها ذكرت مع ما ذكر منها في حديث واحد.
السرقات منه، كان ذلك كقتله. ودل ذلك على قرب منزلة السرقة من القتل. ودل خبر رسول الله ﷺ على أنها من الكبائر، فإنها ذكرت مع ما ذكر منها في حديث واحد.
فأما المحارب فقد تلوت في الآية. ومعناها: أنهم إن أخذوا المال ولم يقتلوا قطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف، فإن عادوا بعد ذلك قطعت منهم الأيدي والأرجل الباقية فيعرضوا. وكان الحكم الأول من السارق الجلد. قال النبي ﷺ في حرمته: (الجلد غرامة مثلها وجلدات نكال). ثم نسخ الجلد وشرع القتل مكانه، ونسخ تضعيف الغرامة، وأقرت غرامة المثل. كما أقر به المسروق إذا كان قائما بعينه. فأما الغصب والاختلاس والنهب فمحاربة ولكنه لا قطع فيها، إنما القطع من إخراج المال المحرز من خرزه عن جميع الدار إلى الطريق أو عن دار المسروق منه إلى غير داره وغير بيته. فأما ما لم يكن محرزا أو لم يوجد محاربة فلا قطع فيه. وإذا كانت المحاربة فالبدو والحضر فيها سواء لعموم الآية. وأن أخذ المال محاربة إن كان أغلظ من أخذه سرقه لما فيه من المجاهدة، فهي إذا كانت في الأمصار مجاهدة. فوجب أن يكون مما يجاب الحد أولى منها إذا وقعت خارج المصر، ولا تكون كالغصب والاحتلاس، كما لا تكون المحاربة في المفازة بمنزلة الغصب والاختلاس. وإنما سموا محاربين لأنهم يأخذون السلاح لدفع المانعين والله هو المانع، فكأنهم قصدوا محاربته. وليس في الغصب والاختلاس هذا المعنى، فكذلك لما يكن فيها حد والله أعلم. وأيضا فإن قطع الطريق ليس فيه أخذ المال فقط، ولكن هذا قد سد سبيل الكسب على الناس، لأن أكثر المكاسب وأعظمها التجارات، وعمادها وتركيبها الضرب في الأرض كما قال الله ﷿:﴾ وآخرون يضربون في الأرض ويبتغون من فضل الله ﴿. فإذا أخيف الطريق انقطع الناس عن السفر، واحتاجوا إلى لزوم البيوت، وانسد باب التجارة عليهم. وانقطعت أكسابهم. فشرع الله تعالى على قطاع الطريق الحدود المغلظة ردعا لهم عن سوء أفعالهم، وفتحا لباب التجارة لمن أرادها منهم. فأما السرقة فليس فيها أيضا أخذ المال فقط، ولكن إشاعة الحزن على صاحبه، وإذا
لم يردع السراق، بطلت فائدة البيوت، والأكناف على الناس، وضاعت الأموال فصارت كلها تعرض للأخذ، فشرع الله تعالى عليهم الحد ودعا لهم على فعلهم، وأبقى على الملاك في أموالهم. والغصب ليس فيه إلا أخذ المال، والأغلب أنه يمكن استرجاعه بالسلطان، أو الحاكم أو بعين المغصوب عليه، ففارق ذلك المأخوذ سرقة أو محاربة. لأن الأغلب أن السارق والمحارب لا يلحقان ولا يمكن استرجاع المال منهما بسلطان ولا حاكم، فسلك به مسلك الخيانة ودرئ القطع عن فاعله، والله أعلم. فصل وإذا غصب الرجل من رجل مالا، فعليه رده. فإن مات، فقيمته أكثر مما كانت قيمته من يوم غصب إلى أن مات، وسواء خاصمه المغصوب أو لم يخاصمه إلى أن يبرئه، فتسقط تبعته عنه. وإن غصبه ماشية فأنجبت أو جارية فولدت، فعليه رد الأصل وما تفرع عنه، وأيهما هلك في يده ضمن له قيمته، سواء طالب به مالكه أو لم يطالبه وهو ضامن المنع لأن مال المغصوب، وحق إمساك المال لمالكه ما لم يطلب نفسا عنه. كما أن حق التصرف فيه له، ما لم يأذن لغيره. وليس السكوت عن المطالبة إذنا له في الإمساك، كما ليس السكوت عن المتصرف في ماله بغير إذنه رضى منه بتصرفه. وإن وقع مال رجل في يد آخر لا بإرادته فاجترئ عليه وذلك أن تدخل دابة رجل اصطبل رجل، أو عند رجل دار رجل أواه، خرج من سطح رجل عن شيء، عن ماله، فهوى في دار رجل أو تهب ريح فيلقي ثوب رجل في حجر رجل، فيحتوي من صار إليه المال من بعض الوجوه التي ذكرتها على المال. فإن كان يعلم صاحبه ففرض عليه أن يعلمه حال ماله، فيرى فيه رأيه من إقرار أو نقل، فإن لم يعلم صاحبه كان عنده على حكم الأمانة إلى أن يعلم. وإذا وجد لقيطة فأراد أخذها فلا يحل له أن يأخذها لنفسه ولا يسعه أن يأخذها إلا لربها، ولكن يحفظها ويعرفها، فإذا ظهر صاحبها ردها. وينبغي له إذا أخذها أن يشهد عليها، ثم يقوم على تعريفها هو، لا حيث وجدها، وفي السوق والمسجد وحيث يرجو أن يكون
ن يحفظها ويعرفها، فإذا ظهر صاحبها ردها. وينبغي له إذا أخذها أن يشهد عليها، ثم يقوم على تعريفها هو، لا حيث وجدها، وفي السوق والمسجد وحيث يرجو أن يكون
طالبها فيه. وليقل: من الذي ضاع له مال، أو أسقط مالا، أو ضل له مال؟ أو ما يشبه ذلك. فإن جاءه من يعرف اللقيطة، وذكرها ووصفها، فوقع في قلبه أنه لها، دفعها إليه. وإن رأى أن يحتاط لنفسه أو يسأل البينة، فذلك له. وإذا ستعار من رجل مالا، فلا يسرف في الانتفاع وليشفق على مال غيره كماله، فإذا استغنى عنه أو طالبه به مالكه، فليردده. فإن النبي ﷺ لما ستعار من صفوان دروعه، قال: أغصبا يا محمد؟ قال: (لا بل عارية مضمونة مؤداه). فإن هلكت عنده من العمل المأذون فيه، فلا شيء عليه. وإن هلكت لسبب ضمنها لربها إذا باع الرجل ماله وقبض ثمنه، وكان الثمن مؤجلا، فليس له منعه على المشتري، وعليه تسليمه إليه، وليس للمشتري حبس ثمن البائع، إذ كانت السلعة حاضرة يتهيأ قبضها، وكل بيع فسد وجب رفضه، ولم يجز العمل به. فإن قبض المشتري ما اشتراه لم يملكه، وعليه رده إلى البائع، طالبه ولم يطالبه. وإذا رهن الرجل مالا بدين عليه وسلمه إلى المرتهن، فالمرتهن أمير فيه. وإذا قبض حقه وجب عليه رده، طالبه الراهن به أو لم يطالبه، لأنه إنما رضي بيده ما دام مرتهنا وقد أقيل الرهن، وإن هلك الرهن لم يكن للراهن أن يمنعه دينه، وكان عليه أن يقضيه. إن ادعى رجل على رجل ما لا بباطل، وأقام عليه شهود زور، ولم يعرف الحاكم أمرهم، فقبلهم وحكم للمدعي بالمال، فلا يأخذ به، فإنه حرام. وسواء كان ادعى عليه بيعا أو هبة أو ميراثا، كل ذلك سواء، والله أعلم. وإن وجبت لرجل على رجل شفعة فيها اشترى، وأحسن طلبها، كان عليه تسليمها إذا أعطاه الثمن الذي اشتراه، ولم يجز له حبسها، ولا يحل لمن أعطى زكاة وليس من أهلها أن يقبلها.
على رجل شفعة فيها اشترى، وأحسن طلبها، كان عليه تسليمها إذا أعطاه الثمن الذي اشتراه، ولم يجز له حبسها، ولا يحل لمن أعطى زكاة وليس من أهلها أن يقبلها.
فإن قبلها وتملكها، وكان عليه ردها إلا أن يكون المعطي علم أن الزكاة لا تحل له فتكون صدقة تطوع، ويحل له قبولها، ولا يحل لأحد أن يأخذ من أحد مالا على دفع ظلم عنه، أو على رد مال في يده عليه. فلو أن الملتقط زاه من صاحب المال شيئا ليرد عليه ماله، أو أراد المودع أو الغاصب أو السارق أو المرتهن، لم يحق لواحد أن يأخذ. فأما صاحب المال إذا اضطر وعم أنه لا يصل إلى ماله إلا بشيء يرضخه لمن هو في يده فله أن يعطى، ولا يحل لمن هو عنده أن يأخذ. وهكذا المدعي عليه البرئ إذا أراد أن لا يحلف، فله أن يفتدي لنفسه بشيء يعطيه المدعي ولا يحل للمدعي أخذه. ومن أعظم المحرمات الربا، قال الله ﷿:﴾ الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس ﴿. وذلك- والله أعلم- شعار لهم يعرفون به يوم القيامة، والعذاب من وراء ذلك. وقد جاءت الأخبار في بيان الربا، وعلم ذلك موجود في كتب الأحكام. ومن المحرمات القمار: وصنف منه الميسر، وقد مضى ذكره، وجاء في السبق من أدخل فرسا بين فرسين، هو لا يؤمن أن يسبق فلا بأس له وإن كان مؤمنا أن يسبق فذلك القمار، فإذا تسابق رجلان بفرسيهما والمال من إحداهما على أنه إن سبق فله ماله، ولا شيء له غيره. وإن سبقه صاحبه أخذ ماله، وهذا جائز. وإن أخرج كل واحد منهما مالا على أن أحدهما إن سبق كان له ماله ومال صاحبه، فهذا قمار. وإن أراد أن يحرز ويزول معنى القمار عنه، أدخلا بينهما محللا، ولا يخرج المحل شيئا، ويستفتون على أن أحدهما إن سبق أحرز ماله، وأخذ مال صاحبه الذي أخرجه، ولم يكن على المحلل شيء. وإن سبق المحلل أحرز المالين جميع. وإن جاءا مستويين أحرز كل واحد منهما ماله. ولم يكن لواحد منهما غيره.
وإن كان الفرس المحلل ضعيفا يؤمن أن يسبق له يقع به التحليل، وكان وجوده وعدمه سواء، والله أعلم. ولا يجوز اللعب بالشطرنج والنرد بشرط المال، ولا اللعب بالجمار على شرط المال، وذلك قمار. وأخذ الأجر على إطراق الفجر حرام. وكذلك مهر البغي وصلوات الكاهن، وثمن الكذب، ويكل ذلك جاء الحديث عن النبي ﷺ، ولا يحل أن يتراهن رجلان على تخيرانهما من أنفسهما على عمل فيقول أحدهما: إن قدرت على رقي هذا الجبل فلك كذا، وإن قفزت من جانب هذا النهر إلى ذلك الجانب فلك كذا، وإن أقللت هذه الصخرة فلك كذا، وإن أكلت كذا وكذا من شيء يذكره فلك كذا، فإن هذا كله من أكل المال بالباطل، وكله حرام. وبالله التوفيق.
التاسع والثلاثون من شعب الإيمان وهو باب في المطاعم والمشارب وما يجب التورع عنه فيها قال الله ﷿:﴾ حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله، والمنخنقة، والموقوذة، والمتردية والنطيحة، وما أكل السبع إلا ما ذكيتم وما ذبح على النصب، وأن تستقسموا بالأزلام ذلكم فسق ﴿. وقال:﴾ قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير، فإنه رجس أو فسقا أهل لغير الله به ﴿. وقال:﴾ إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه ﴿. وقال:﴾ يسألونك علن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس، وإثمهما أكبر من نفعهما ﴿فأثبت منهما الإثم ثم قال في آية أخرى:﴾ قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق ﴿. فحرم الإثم نصا. ويقال: إن الإثم اسم من أسماء الخمر وينشد: شربت الإثم حتى ضل عقلي ... كذاك الإثم يذهب بالعقول وهو المراد بهذه الآية. فإن ثبت ذلك، وإلا فالآية عامة لكل إثم، وجاء عن النبي ﷺ: (لا يشرب الشارب حين يشرب وهو مؤمن) وعنه ﷺ: (كل مسكر حرام). وجاء: (كل مسكر خمر، وكل مسكر حرام). وعنه ﷺ: (إن
إلا فالآية عامة لكل إثم، وجاء عن النبي ﷺ: (لا يشرب الشارب حين يشرب وهو مؤمن) وعنه ﷺ: (كل مسكر حرام). وجاء: (كل مسكر خمر، وكل مسكر حرام). وعنه ﷺ: (إن
الله خلق الفردوس بيده، وحظرها على مدمن خمر سكير). وجاء: (ما أسكر كثيره فقليله حرام)، وجاء: لعن الله الخمر وشاربها وساقيها وعاصرها وحاملها والمحمولة إليه. وبائعها ومشتريها، آكل ثمنها) وجاء: (من شرب الخمر لن يقبل الله منه أربعين صباحا فإن مات فيها مات ميتة جاهلية، وإن تاب تاب الله عليه. فإن عاد فشربها لم تقبل له صلاة أربعين صباحا، فإن مات مات ميتة جاهلية، وإن تاب تاب الله عليه. وإن عاد فشربها لم تقبل له صلاة ارعين صباحا، فإن مات مات ميتة جاهلية، قال: في الثالثة أو الرابعة لم يتب الله عليه، وكان حقا على الله أن يسقيه من طينة الجبال. قيل: وما طينة الجبال؟ قال: عصارة أهل النار). وعنه ﷺ: (أتيت ليلة أسري بي باناءين: احدهما خمر والآخر لبن، فأخذت اللبن، فقال لي جبريل ﵇: أهديتك أمتك على الفطرة، لو أخذت الخمر لغوت أمتك). وجاء عن النبي ﷺ أنه (نهى عن أكل كل ذي ناب من السباع وعن كل ذي مخلب من الطير). وعنه ﷺ: (نهى عن الحدأة وأنه حرم لحوم الحمر الأهلية). فأما قوله﴾ حرمت عليكم الميتة ﴿فإن الميتة ما مات حتف أنفه. وكان المشركون يأكلونها ويجادلون المسلمين، فيقولون تأكلون مما قتلتم ولا تأكلون بما قتله الله، فأنزل الله ﷿:﴾ ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه ﴿. يعني مات حتف أنفه، ولم يذكه مسلم، فيكون اسم الله مذكورا عليه. ثم قال ﷿:﴾ وإنه لفسق ﴿يعني أو ما مات لا عن ذكوة فسق. كما قال ﷿ في آية أخرى:﴾ أو فسقا أهل لغير الله به ﴿فسمى ما ذبح لغير الله فسقا، كذلك سمي ما مات لا عن ذكوة
﴾ وإنه لفسق ﴿يعني أو ما مات لا عن ذكوة فسق. كما قال ﷿ في آية أخرى:﴾ أو فسقا أهل لغير الله به ﴿فسمى ما ذبح لغير الله فسقا، كذلك سمي ما مات لا عن ذكوة
فسقا. ثم قال: ﴿وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم ﴿يعني قولهم تأكلون مما قتلتم، ولا تأكلون مما قتله الله، ثم حذرهم أن يقبلوا منهم. فقال:﴾ وإن أطعتموهم إنكم لمشركون ﴿أي إن استسلمت لما تقولون ورأيتموه حجة فأنتم مشركون. لأن الله تعالى حرم عليكم الميتة نصا، فإذا قبلتم تخليها من غيره فقد أشركتم، ثم إن الله ﷿ استثنى من الذي حرم عليه الميتة المضطر، فقال:﴾ فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم، فإن الله غفور رحيم ﴿وقال في آية أخرى:﴾ فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه ﴿وقال في آية ثالثة:﴾ إلا ما اضطررتم إليه ﴿. فكل من اضطر في مخمصة في تأدية لم يقع عليها البغي على الإمام العادل، وعدوان على الناس بسيفه، وهو أن يقطع عليه الطريق، ويأخذ أموالهم. ومن أتى عليهم منهم ثلاثة فله أن يأكل من الميتة قدر ما يسد رمقه، ويمسك عليه حياته، ولا يزيد عليه. سئل النبي ﷺ فقال: (ما لم تصطبحوا أو تغتبقوا إنها نفلاء فشأنكم بها). فأبان إنهم لم يأكلوها أكل الطعام المباح فلا إثم عليه فيها. ولكن الطعام المباح ألا ينحر له حال الضرورة يخاف منها على النفس، لكن الواحد يصطبح بشيء، فيستغني به عما سواه إلى الليل، يريد به أن يكون أبلغ إلى حوائجه. فإذا أمسى تناول منه ما تركه بالنهار، وإن لم تكن ضرورة شديدة. وقد يضم إليه النقل وغيره، أما مزدادا من الطعام، وأما مستطيبا له. وليس هذا سبيل الميتة، إنما اذن منها بما يمسك به الرمق، والضرورة الداعية لها، لا تتفق في وقت بعينه من صباح أو مساء، ولا تؤكل استطابة، فيضم إليها نفل أو نحوه. فبين النبي ﷺ أنهم إذا لم يأكلوها كما يأكلون الطعام ولا يأثم عليهم فيها، والله أعلم. وأما الدم، فقد كان أهل الجاهلية لا يتحاسونه، وكانوا يطبخونه فيأكلونه، يرون أنه لا فرق بينه وبين اللحم، وربما طرق المقل منهم ضيف، فينزع له عرقاً من جزور،
فيأخذ دمه، ويطبخه ويقدمه إليه. وكانوا يقولون: ما حرم من قصد له. فأما شرع الله الشريعة الحق الدم بالأنجاس، وحرمه وجعله مماثلا للميتة، ليس أنه كان للحم فإنما هو كميتة اللحم لا كذكية. ثم أن النبي ﷺ، استثنى من الميتة والدم، فقال: (أحلت لي ميتتان: الحوت والجراد). وأما الدمان: الكبد والطحال، فأباح الكبد والطحال، لأنهما دمان جامدان مع قيام الحياة في نفس الحيوان، فهما لذلك بمنزلة اللحم. وأباح الحوت والجراد لأنه ليس في واحد منهما دم مهدر بالريح، فكان الميت من كل واحد منهما بمنزلة البهيمة بعدما ذبحت، فسال دمها، وبقي منها جوفها والله أعلم. وأما الخنزير فقد حرمه نصا وسماه ﷿ رجسا، والرجس أعظم النجس، فدل بذلك على غلظ تحريمه ووكادته. وأما ما ذبح لغير الله، فهو ذبحة الوثني المجوسي المعطل. لأن الوثني يذبح للوثن والمجوسي للنار، والمعطل لا يعتقد شيئا فيذبح لنفسه. وأما المسلم فإنما يذبح لله تعالى لأنه يعتقد أنه يستحله بما أحل الله له من ذبح أو نحر أو رمي أو طعن أو ضرب على حسب حال الحيوان في نفسه من أن يكون مقدورا عليه أو خارجا من اليد غير مقدور عليه، ويقتصر على الأصناف التي عنده. أن الله تعالى أحلها له، كما يقتصر على الفعل الذي نرى أن الله به أحله، فيكون ذبحه أو نحره واقعا لله تعالى. وكذلك اليهود والنصارى يذبحان لله لأن معبودهما في أصل دينهما ليس إلا الله تعالى وإن ينحران بذبحهما. ولو أن نصرانيا قال: باسم المسيح أو باسم عيسى، فلا يخلو بأن يكون ذابحا لله تعالى لأنه لا يقول هذا القول من النصارى إلا من زعم أن الله حال على المسيح ومتخذ به، وليس عيسى سواه، ولا متميزا عنه- تعالى الله عن الحلول والاتحاد- إلا أنه يقول: لا شيء سوى عيسى فإذا كان كذلك، فهو إذا قال باسم المسيح، فإنما يخص المسيح بالتسمية لما هو مختص به عنده، واختصاصه عنده بأن الإله متحد به، فقد صار قصده إذا من ذكر المسيح ذكر الإله، فجعل ذابحا لله، فكذلك حلت ذبيحته، والله أعلم.
لتسمية لما هو مختص به عنده، واختصاصه عنده بأن الإله متحد به، فقد صار قصده إذا من ذكر المسيح ذكر الإله، فجعل ذابحا لله، فكذلك حلت ذبيحته، والله أعلم.
وأما المنخنقة: فهي التي تختنق بحبل قد ربطت به، حرمها الله تعالى لأنه لا فرق بينها وبين الميتة حتف أنفها وكانت الذكوة فائتة منها جميعا. فأما الموقوذة: فهي المكسرة بالعصا حتى ماتت. أعلم الله تعالى أن الوقذ بالعصا لا يكون ذكاة لها، إذ كان ذلك لا يخرج منها إلا روحها الذي ليس بقذر ولا أذى وإنما الذكاة ما يخرج فيه الأذى والقذر وهو الدم، وما يجري مجراهما إذ بقي فيه بعد زوال الحياة، أداة إلى التخفيف والعصر، فحرم ما لم يكن مذكى. وأما المتردية فهي التي تتردى، أي تسقط من مكان عال جبل أو سطح. أو ما كان فيقع على الأرض فيكسر من صدمتها، فأخبر ﷿ أنها والموقوذة بمنزلة واحدة. ولا فرق بين أن يقبذها أو ما تقع هي عليه. وأما النطيحة، فهي التي نطحها ذو قرن فأماتها، أو فرق حشوها. لأنه إذا كان ذبح آدمي لا يهل به لوجه الله تعالى لا يحلها فإن خرق البهيمة حشوها، أولى أن لا يحلها. وأما ما أكل السبع، فهو الذي يقتله السبع، فإن أدرك وهو حي فذكى حل، وإن لم يدرك حتى هلك ظل نجسا حراما، لأنه لم يذكر اسم الله عليه. فكان كذبيحة الوثني والمجوسي. وإنما يحل ما أدرك حيا فذكى إذا كان يعلم أنه يعلم أنه يعيش وقتا إن خلاه السبع. فأما إن كان خرج السبع من المتلف الوحي، وأكله، كان يضطرب اضطراب المذبوح فذكيته لا تحل والله أعلم. وأما ما ذبح على النصب، فهو ما ذبح على وجوه الأنصااب، وهي الأوثان المنصوبة ليسجد لها، يراد به الذبح لها، كما يريد المسلم بقربانه الذبح لله تعالى. وأما الاستقسام بالأزلام، فليس من باب الذبح في شيء، وإنما هو أن يطلب الواحد لنفسه قسمة من جذور قد يخر ولم يضربه، فتخرج له علبة، وهو الميسر الذي كانت العرب تستعمله في الجاهلية، ولا حاجة بنا إلى وصفه، والإشارة إلى جملته تكفي. ثم قال ﷿:﴾ ذلكم فسق ﴿أي الاستقسام بالأزلام فسق.
لبة، وهو الميسر الذي كانت العرب تستعمله في الجاهلية، ولا حاجة بنا إلى وصفه، والإشارة إلى جملته تكفي. ثم قال ﷿:﴾ ذلكم فسق ﴿أي الاستقسام بالأزلام فسق.
ثم إن كثيرا من الحيوانات قد حرمت على الناس، حتى إن ذبحوها وسموا الله ﷿ عليهم لم تحلل. منها: الحمر الأهلية، وقد رويت فيها الحديث. ومنها الكلب، فإنه نجس الغير في حياته. قال النبي ﷺ: (إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعا إحداهن بالتراب) والخنزير أيضا نجس الغير في حياته، ولهذا يقتل ولا يقتنى بحال، من غير أن يخشى فيه ضرر. وأخبر النبي ﷺ: (إن عيسى ﵇ إذا خرج قتل الخنزير وكسر الصليب سريه) أن النصارى في أكلهم الخنزير وتعظيمهم الصليب كانوا على باطل. وإذا كان الكلب والخنزير معا نجس الغير لم يكن لهما ذكوة. لأن معنى الذكوة حفظ طهارة الحياة على الذي يذبحه، فما لم يكن طاهرا في حال الحياة، فلا معنى للذكوة فيه. ومنها الأسد والفهد والنمر والذئب. روى عن النبي ﷺ أنه نهى عن أكل ذي ناب من السبع. فأما الضبع، فقد روى جابر ﵁ عن النبي ﷺ تحليله، وإيجاب الجزاء فيه على المحرم إذاا قتله. وعن ابن عباس وأبي هريرة ﵄ مثل ذلك. وليس بسبع على الإطلاق، لأنه ينجس ما يصيب من الميتة مرة، ومما تنبته الأرض أخرى. فقل ما يعدو على إنسان حي ويقال أنه يخرج الأموات ويصيب منهم. وأما حمار الوحش فصباح. قال النبي ﷺ لأبي قتادة، وقد أصاب رجل من المجلس وحشا: (هل أشرتم؟ هل أعنتم؟ قالوا: لا. قال: فكلوه). والهرة الوحشية مباحة، لأنها تنزل من الأهلية منزلة الحمار الوحشي من الأهلي والثعلب حلال والأرنب مثله، فإنما يتعشى بنبات الأرض. وأما الثعلب فيه وربما تفضله السباع من فريسة إن أصابه فهو كالضبع، وأضعف. وقد قال بعض الناس: إن إناث الأرانب تحيض فنوعه كنوع الناس، فيقال له: الناس لم تحرم لحومهم لأصل الحيض، حتى إذا كان من الأرانب حيض وجب أن تكون لحومها
محرمة. وإن كان هذا الاعتبار صحيح فلا ينتج له شيء من الدواب، لأنها تلد كما تلد النساء. وأقصر الإباحة على ما تبيض ولا تلد. وقال أنس بن مالك (اصطدت أرنبا فشويتها، فبعث أبو طلحة معي بفخذها إلى النبي ﷺ فأتيته بها فقبلها). وأما الطائر منها: حرم منه الغراب والحدأة. قال النبي ﷺ: خمس لا جناح على من قتلهن في الحل والحرم، فذكر فيها الغراب والحدأة والفأرة، والحية والعقرب والكلب العقور). وجاء في أكل الدجاج رجل من تيم يقل له رهدم، قال: كنا عند أبي موسى، فقرب إليه دجاج، فتنحى رجل من القوم، فقال له: أدنه، فقال: إني رأيتهن يأكلن قذرا، فحلفت أن لا آكلهن. فقال أبو موسى: أدنه، فقد رأيت رسول الله ﷺ يأكلهن. وكل ما كان من الطائر سبعا يصطاد كالبازي والصقر والشاهين والعقاب والنسر فهو حرام. نهى النبي ﷺ عن أكل كل ذي مخلب من الطير، فإن ذكره أيضا من السباع دل على أنه أراد سباع الطيور، كما أراد سباع الدواب. ومنها الحشرات كلها بلا استثناء. وقد ورد في أكثرها الحديث الذي سبقت روايته، وما وراء هذا من الدواب والطائر فكل شيء كانت العب تستحسنه فلا تأكله، لم يرد في تحليله نص خبر فهو حرام، لقوله ﷿:﴾ يحرم عليهم الخبائث ﴿. وكل شيء كانت العرب تستطيبه فتأكله، ولم يرد في تحريمه خبر فهو حلال، لقول الله ﷿:﴾ يسلونك ماذا أحل لهم، قل أحل لكم الطيبات ﴿فما كانت العرب لا تأكله من الدواب: لدب وابن آوي، وأم حنين. ومن الطائر: الرخيمة، والبغاث، وما كانت تأكله: اليربوع والقنفذ والوتر. وجعل بعد هذه المحرمات من الأصناف التي تستحل بالذكاة: الإبل، والبقر والغنم والخيل وحمار الوحش والظباء والوعول والإيائل والثعالب والضبع والهر الوحشي والنعام والدحج وحسيبها وأهلها والفتاح والحباري.
لذكاة: الإبل، والبقر والغنم والخيل وحمار الوحش والظباء والوعول والإيائل والثعالب والضبع والهر الوحشي والنعام والدحج وحسيبها وأهلها والفتاح والحباري.
وفيه عن النبي ﷺ خبر. والحمام بأصنافه والعصافير والجراد. وأما الخطاف فيحتمل أن يكون لصغر الغربان والخفاش تنزل من الفأر بمنزلة النعام من الإبل. وجاء في النهي عن قتل الهدهد والقرد والزنبور خبر. وجاء في الضب أن النبي ﷺ عافه، وقال: (لم يكن بأرض قومي) وأذن للناس في أكله. وروى أنه قال: (لا آكله ولا أحرمه) وجاء في القنفذ عن النبي ﷺ أنه خبيثة من الخبائث. فيحتمل أن يكون كالفأر أو كاليربوع. والسلحفاة كاليربوع. وأما الحدأة وهي التي تأكل العذرة من الدواب، والدحج من المخلاة، ونهى النبي ﷺ عن أكل لحومها وقال العماء: كل ما ظهر منها ريح العذر في لحمه وطعمه فهو حرام، وما لم يظهر فهو حلال. ومن ذلك أن تلقى في الأرض العذرة. وروى عن بعضهم قال: كنا نكري أرض رسول الله ﷺ ونشترط على من يكتريها أن لا يلقي فيها العذرة. وعن أبي بكر ﵁ أنه كان يكري أرضه، ويشترط أن لا تزبل بالعذرة. وروى أن رجلا كان يزرع أرضه بالعذرة فقال له عمر: أنت الذي تطعم الناس ما يخرج منهم. وعن ابن عباس ﵁ أنه كره أن تزبل الأرض بالعذرة. وعن أبي جعفر ﵁ كذلك. وكل ولد بين حلال وحرام فهو حرام. وكذلك ذبح المولود بين كافرين أحدهما من أهل الذكاة والآخر ليس من أهلها لا تكون ذكاة، ولا تحل له الذبيحة. وأما حيوانات البحر: فالحوت منها حلال، وكل ما كان مضرا بالناس من بري أو بحري فهو حرام. وأما حيات الماء فهي حرام لأنها من الخبائث. وأما الكلب فقد اختلف فيه، فقيل ما كان عيشه أو أكثر عيشه في الماء فهو حلال. وقيل في دواب الماء: كل ما كان له مثل في دواب البر حلال فهو في الماء حلال. وقيل في دواب الماء: كل ما كان له مثل في دواب البر حرام فهو في الماء حرام. وقيل: لا يحل من حيوان الماء إلا الحيتان، والسرطان حلال، والضفادع حرام. وقد جاء في النهي عن قتلهن خبر عن
له مثل في دواب البر حرام فهو في الماء حرام. وقيل: لا يحل من حيوان الماء إلا الحيتان، والسرطان حلال، والضفادع حرام. وقد جاء في النهي عن قتلهن خبر عن
النبي ﷺ. وما قلنا فيه من دواب البحر أنه حلال فذكيه وميته سواء، لقول النبي ﷺ (الحل ميتتان). والله أعلم وبالله التوفيق. وكل طعام حلال، فلا ينبغي لأحد أن يأكل منه ما يثقل بدنه فيخرجه إلى النوم وغيبه من العبادة. وليأكل قدر ما يسكن جوعه، وليكن غرضه بالأكل أن يستقل بالعبادة ويقوى عليها. في ذم كثرة الأكل: قال النبي ﷺ: (المؤمن يأكل من معي واحد، والكافر يأكل من سبعة أمعاء). قال أبو عبيد: (لا أعلم للحديث وجها إلا ما روي أن رجلا كان كثير الأكل قبل أن يسلم، فلما أسلم نقص من ذلك. فذكر النبي ﷺ فقال: هذا القول. وإن كثيرا من الكفار من يقل أكله، ومن المسلمين من يكثر أكله). وقد روي عن عمر ﵁ أنه كان يأكل الصاع من التمر، فأي المؤمنين كان له إيما كإيمان عمر. وهذا من أبي عبيد ليس بنظر شاف لأن النبي ﷺ لم يقل هذا القول لرجل واحد، وإن كان، إنما قال حين وصف له رجل بعينه. فمعناه. أن الذي يليق بالكافر يكثر أكله، وبالمؤمن أن يبرر أكله، لأن الكافر لا يقصد إلا تسكين لمجاعة وقضاء الشهوة، والمؤمن يدع البعض لأنه حرام، ويدع البعض إيثارا به على نفسه، ويدع التملي لئلا يثقل فيقطع من العبادة ويدع البعض لفرط ما فيه من النعمة، خيفة أن لا يستطيع القيام بشكره. ويدع البعض رياضة كنفسه وقمعا لشهوته حتى لا يستغني عليه، ويدع البعض لئلا يعتاده، فإن لم يجده في وقت اشتد عليه ذلك، أو وجد من ذلك في نفسه، والكافر ليس به إلا ملء بطنه. لأن هذه الوجوه كلها مما تبعث على النظر من قبلها للإيمان والتقوى، فهو لا يترك لأجلها شيئا، وإنما إقامة شهوته دون ما عداها. ومعنى قوله: (يأكل في سبعة أمعاء) يأكل أكل من له سبعة أمعاء، والمؤمن
يحق له أكله، يأكل أكل من ليس له إلاا معي واحد، فيشارك الكافر بجزء من أجزاء أكل الكافر، ويزيد الكافر عليه بستة أمثاله، والمعنى في هذا الحديث هو المعدة والله أعلم. وقال لقمان لابنه: يا بني لا تأكل سبعا فوق سبع، فإنك إن تنبذه للكلب خير من أن تأكله. وسأل سمرة بن جندب ﵁ عن أبيه: ما فعل؟ قالوا: بشم البارحة. قال: تبشم؟ قالوا: نعم قال: أما أنه لو مات ما صليت عليه، ولا بد من أكل اللحم، فإن عمر ﵁ كان يقول، إياكم واللحم، فإن لها ضراوة الخمر. وعن عائشة ﵂ أنها قالت: إن اللحم سرف كسرف الخمر، فلا يؤمن أن يتعدى النزوع عنه، وفي إدمانه من الضرر وقسوة القلب وغلظ الطبع والصخب والخصومة وغلبة الشهور. لأن الشجاعة والسلطنة من طباع الآدميين. فإذا اعتذوا اللحم قويت هممهم، فصاروا كالسباع وأخلاق السباع ما وصفته. وكذلك ضربت السباع العادية دوابها وطائرها، وذلك لئلا يتغير طباع العباد لحومها، فتصير كطباع السباع. فإن من الموجود فيما بين الناس أن الولد كما يشبه أمه، فكذلك يشبه في الأخلاق مرضعته وذلك لما بد يغتذيه بدنه وروحه من لبنها، فيمتزج بلحمه وبدنه، ثم إن ما يحدث من هذا من اغتذاء لحوم السباع أقوى أو أغلب فحرمت، وما يحرم من اغتذاء سائر اللحوم، فإنه يكون أضعف. فلم يحرم لحاجة الأبدان إليها في أن تبقى قوته. وصلابة أعضائها. ولكن الإدمان يخشى منه ما وصفت، فكان توفيه أولى وأحسن، والله أعلم. وأما إذا كان الرجل قد أتى أمرا وعملا يلحقه منه كد وجهد، فإن أدمن اللحم ليتقوى به لم يكره ذلك. وروى أن ابن عمر ﵄، كان إذا سافر أدام اللحم وإذا جاء رمضان أدام اللحم، ثم يأتي عليه لا يأكله. وجاء أنه بلغ رسول الله ﷺ أن ناسا من أصحابه اجتنبوا اللحم والنساء، وأوعد في ذلك وعيدا شديدا، وقال: (إني لم أبعث بالرهبانية، إن خير دين الله الحنفية أن أهل الكتاب شددوا فشدد الله عليهم، اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا، وأقيموا الصلاة، وآتوا الزكاة، وحجوا واعتمروا، واستقيموا يستقم لكم).
لله الحنفية أن أهل الكتاب شددوا فشدد الله عليهم، اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا، وأقيموا الصلاة، وآتوا الزكاة، وحجوا واعتمروا، واستقيموا يستقم لكم).
وكان عمر بن عبد العزيز يأكل يوما خبزا بزيت، ويوما لحما، ويوما بعدس، والعدس بالزيت طعام الصالحين، ولو لم يكن فيه فضيلة، إلا أن صيانة إبراهيم ﵇ في قريته لا يخلو منه، لكان في ذلك كفاية. وهو مما يخفف البدن فتخف به العبادة، ولا تثور منه الشهوات كما تثور من اللحم، ومن الحنطة من جملة الحبوب، والشعير قريب منه، وقد روي أن النبي ﷺ لم يشبع أهله من خبز بر ثلاثة أيام متتابعة منذ قدم المدينة إلى أن توفاه الله ﷿. وأما أعضاء الحيوان، فقد روي أن النبي ﷺ قال: (أطيب اللحم لحم الظهر) وهذا مما لا خلاف فيه. وروي أنه كان يحب الكتف. وروى أن شاة ذبحت في بيت ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب، فأرسل إليها رسول الله ﷺ أن أطعمن من شاتكم. فقالت: ما بقيت عندنا إلا الرقبة. وإني لأستحي أن أرسل إلى رسول الله ﷺ بالرقبة. فرجع الرسول، فأخبر رسول الله ﷺ، فقال: (ارجع إليها، فقل: ارسلي بها، فإنها هادية الشاة وأقربها إلى الخير، وأبعدها من الأذى). وروى أن رسول الله ﷺ كره من الشاة سبعا: الدم والذكر والانثيين والحشاء والمرارة والمثانة والمعدة. وروى في حديث آخر أنه كان يكره الكلية، وهي والمثانة متقاربان، لأن كل واحدة منهم يجري مجرى البول، إلا أن له من اللبث في المثانة ما لا يكون له في الكلية. فقد يحتمل أن يقال أن المثانة إن كانت تشربت على الأيام من البول ما أفسد طعمها وريحها لم تؤكل، كالجلالة إذا كان ما تأكله من القذر قد غير طعم لحمها أو ريحها لا تؤكل. والمرارة، الأغلب أن ما فيها قد خبث طعمها ولعلها أن تكون ضارة فلا تؤكل. والذكر والانثييان والحشاء والمعدة مستقذرات. وأما الدم فإن الله ﷿ لما ذمه قال:﴾ أو دما مسفوحا ﴿فقيل: أن كل دم ينصب بالذبح ويسيل فهو حرام. وأما ما يبقى من الدم اليسير في بعض العروق الدقيقة خلال اللحم فلا يخرج، فهو عفو. وفيه
قال:﴾ أو دما مسفوحا ﴿فقيل: أن كل دم ينصب بالذبح ويسيل فهو حرام. وأما ما يبقى من الدم اليسير في بعض العروق الدقيقة خلال اللحم فلا يخرج، فهو عفو. وفيه
خبر عن عائشة ﵁ فيما أرى يطلب في تفسير قوله:﴾ قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما ﴿من كتاب الشيخ رخمن، ولا ينبغي لأحد أن يعيب طعاما يصنع له ويقوم غليه. فقد روى ما عاب رسول الله ﷺ طعاما قط، وكان إذا اشتهى شيئا أكله، وإذا كره شيئا كرهه. وهذا -والله أعلم- إذا عاب الرجل الطعام نفسه. فأما إذا أعاب صنعة الصانع له ليعلمه مواضع التقصير فيحفظ منها في المستأنف، ولم يعنف عليه، ولم يسمعه ما يكره، فلا حرج في ذلك والله أعلم. ولا أن يجعل ترقيق الطعام عادة له، فإن بدنه إذا نعم، نعم نفسه، وثبت على العناء والنصب، وأبت عليه إلا الخفض والدعة. ولأن ما يلزمه من الشكر لذيذ العيش يغلظ ويكثر، وعسى أن لا يروي شكره. ويروي أن عمر بن الخطاب ﵁ كان كلما قرب طعامه اعتزل رجل من أصحابه فلم يأكل معه. فقال عمر ﵁: ما يحملك على هذا؟ قال: إن طعامكم طعام حسن، وإني إذا انقلبت إلى أهلي وجدت طعاما، ماء اللبن منه. فقال: أترونني أعجز أن آمر بصاع من دقيق فينخل في ثوب، حتى إذا خرج لبابه، خبز لنا منه خبز رقاق، ثم آمر بشاة فتشوى ثم آمر بصاع من زبيب فيجعل في سقاء، حتى إذا صار كأنه دم الغزلان، أكلنا من ذلك الخبز وذلك الشواء وشربنا ذلك النبيذ. فقال الرجل: يا أمير المؤمنين، وما أراك إلا عالما بلذيذ العيش. فقال عمر ﵁: أما- والله- لولا اذكر من شدة الحساب لشاركتكم في لين عيشكم. وعن النبي ﷺ: (سيكون بشر من أمتي يولودون في النعيم، ويعدون به همهم ألوان الطعام، وألوان الثياب، يتشدقون بالقول، أولئك شرار أمتي) فالذي يعقل من هذا أنه لا يجعلهم شرار الأمة، لأنهم ولدوا في النعيم وغذوا به، ولكن كانوا مترفين لا يطيقون احتمال نصب العبادة من لين عيشهم، فصارت نفسه مرفهة بشكر النعيم. ولولا أن واحدا من الناس ترك شكر نعمة نزلها إليه مثله، لكان مذموما ملوما. فما الظن فيمن يدع شكر نعم الله عليه، ويكسل عما يلزمه من أدائها إليه والله أعلم.
ولا يجمع في الأكلة الواحدة بين الألوان الكثيرة بذخا ويسرا، فإن أراد بذلك استصلاح بدنه فلا بأس. وكل ما كان من فعل أهل النعيم وأهل الترف في باب الطعام فهو مذموم، وذلك مثل المبالغة في نخل الدقيق حتى لا يبقى إلا لبابه فإنه روي أنه لم يكن لهم في بيت النبي منخل، إنما كانوا يطحنون الشعير ثم ينقحونه فيطير قشره عنه، أو كما قيل: وكذلك الجمع في القدر الواحد من لحم النعم ولحم الطير، والجمع في العصيدة بين التمر والعسل. هذا كله سرف غير محمود، قال الله ﷿:﴾ وكلوا واشربوا ولا تسرفوا ﴿. إلا أن يجمع جامع بين شيئين أو أشياء ليعدل بعض ذلك ببعض، فيوافق طبعه بذلك الغائلة التي كان يخشاها من أحدها لو أفرده. يروى عن عمر ﵁ أنه قال: "لو شئت دعوت فضلا وفتات وصلائق وقراقيز واشتمه، وأملا دفعه ما ذكرنا من أطايب الطعام" وذكر أنه لا يدعو بها ولا يقصد قصدها لئلا يكون من المتنعمين. ويروي أنه قال: لو شئت أن يدهمق لي لفعلت، ولكن ذكر أقواما يقول الله ﷿ لهم:﴾ أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا ﴿. وهذا من عمر ﵁: من الحسن الذي كان يبعثه عليه يمكن حسنه الله تعالى من قلبه، فكان إذا هم بشيء غلبت الزواجر عنه الدواعي إليه على قلبه. وهذا الوعيد من الله وإن كان للكفار والذين يقدمون على الطيبات المحظورة، ولذلك قال:﴾ فاليوم تجزون عذاب الهون ﴿فقد يخشى مثله على المنهمكين في الطيبات المباحة لأن من تعودها مالت نفسه إلى الدنيا، فلم يؤمن أن يرتبك في الشهوات والملاذ، كلما أجاب إلى واحدة منها دعته إلى غيرها. فيصير إلى أن لا يمكنه عصيان نفسه في هوى قط. وينسد باب العبادة دونه إذا آل به الأمر إلى هذا، لم يبعد أن يقال:﴾ أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها، فاليوم تجزون عذاب الهون ﴿فلا ينبغي أن تعود
اب العبادة دونه إذا آل به الأمر إلى هذا، لم يبعد أن يقال:﴾ أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها، فاليوم تجزون عذاب الهون ﴿فلا ينبغي أن تعود
النفس بما يميل بها إلى الشر، ثم يصعب تداركها. وليرض من أول الأمر على السداد، فإن ذلك أهوت من أن يذوب على الفساد ثم يجتهد في إعادتها إلى الصلاح والله أعلم. وينبغي لمن أراد الأكل إذا بدأ أن يسمي الله تعالى ويقول/ بسم الله وإن زاد فقال: بسم الله الرزاق، وبسم الله الكريم، وبسم الله المنان الكريم، وبسم الله الرزاق الكريم، فذلك أحسن. وعن ابن مسعود ﵁ قال: إذا وضعت يدك في الطعام، ونسيت أن تقول: بسم الله فقل حين تذكر: باسم الله، وعن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ كان يأكل طعاما في ستة من أصحابه، فجاء أعرابي جائع فأكله بلقمتين. فقال رسول الله ﷺ (أما أنه لو ذكر اسم الله لكفاكم، فإذا أكل أحدكم فليذكر اسم الله. فإن نسي أن يذكر باسم الله، فليقل: بسم الله في آخره) وقال عمر بن أبي سلمة: مررت برسول الله ﷺ، وهو يأكل فقال: (اجلس يا بني، وسم الله، وكل مما يليك، وإلا تفرغ تقول: الحمد لله الذي يطعم ولا يطعم، من علينا، فهداما وأطعمنا وسقانا، وكل بلاء حسن أبلانا، الحمد لله غير مودع، ولا مكفور ولا مستغني عنه، الحمد لله رب العالمين، والحمد لله الذي أطعم من الطعام وسقى من الشرااب وبصر من العمى، وهدى من الضلال، وفضلنا على كثير ممن خلق تفضيلا). فإن ذلك يروي عن رسول الله ﷺ. وينبغي لمن أكل من غير، أن يأكل مما يليه، ولا يأكل من ذروة الطعام، فإن النبي قال لأعرابي: (سم الله وكل مما يليك) وهذا لأنه إذا أكل مما يلي صاحبه بخس بحقه، ولعل صاحبه يتقذر أثر أصابع غيره، فيكون قد أفسد الطعام عليه. والأكل من ذروة الطعام فعل أهل السرف والبذخ، فإنهم يعمدون إليه لأنه أفضل الطعام فيصيبون منه ويذرون غيره. ومنهم من يأكل وجه الخبز ويدع ما تحته. وهذا كله سرف منهي عنه. وجاء النهي عن الأكل من ذروة الطعام، فقال ﷺ: (أن البركة تنزل من ذروة الطعام فكلوا من حافيته، ولا تأكلوا من وسطه) , وقد نهى عن
وهذا كله سرف منهي عنه. وجاء النهي عن الأكل من ذروة الطعام، فقال ﷺ: (أن البركة تنزل من ذروة الطعام فكلوا من حافيته، ولا تأكلوا من وسطه) , وقد نهى عن
تخصيص ذروة الطعان لأن ما يبقى يفسد على غير الأكل، لأنه ليس كل واحد تسمح نفسه بأكل ما أصابته الأيدي، وجالت عليه. فأما إذا حضرت الجماعة طبقا فيه ألوان شتى من الثمار، ـ وغيرها، فلا بأس أن يأخذ الرجل ما لا يليه لأنه وضع للجماعة. وكل شيء بما فيه فهو أيضا لهم في اشتهاء، بما ليس بين يديه، لم يمكنه أن يقضي حاجته بما بين يديه. وقد روى أن النبي ﷺ قال لرجل (سم الله وكل مما يليك) ثم جئ بطبق فيه رطب فقال له (أجل يدك، فإنه ألوان) فكان في هذا معنيان: أحدهما أنه يشتهي من اللون الذي بين يديه، فإذا لم يمدد إليه يده سار محجورا عليه، فتبطل فائدة تقديم الطلب إليه. والآخر: أنه لا يتقذر من وقوع يده على الرطب ما يتقذر من وقوع يده على الثريد والشيء الرطب والدسم. فلذلك أن خص له أن يحيل يده والله أعلم. وكان رسول الله ﷺ إذا أتى بالطعام فوضع بين يديه لم يمد يده ما بين يديه. فإذا أتى بالتمر جال يده فيه. وأما إذا كان الرجل وحده، فإن لم يأكل مما يليه جاز، ولا ينبغي له أن يأكل من ذروة الطعام لما مضى ذكره. وإذا أكل مع غيره ثمرا فلا يفرق بين ثمرتين، إذا كان صاحب الثمر غيرهما. فإن كان أحدهما صاحب الثمر فله أن يفرق بين ثمرتين، والآخر إن علم حسن قلب صاحبه، فإن ذلك يعجب فلا يشق عليه، يفرق، وإن لم يكن له على ذلك ولاية فلا يفرق. وينبغي لكل طاعم ألا يستعمل من أصابعه إلا ثلاثا: السبابة والوسطى والإبهام. كذلك روى عن النبي ﷺ أنه كان يفعله. قال كعب بن عجزة رأيت رسول الله ﷺ يأكل بثلاث. قال هشام بن عروة: بالإبهام والتي تليها والوسطى. وروي عنه أنه قال: أما أنا فلا آكل إلا متكئا وهذا- والله- لأنه من فعل
المتعظمين، وأصله مأخوذ من الأعاجم. فإن كانت برجل علة في يديه من شيء فكان لا يتمكن مما بين يديه إلا متكئا فلا بأس عليه من ذلك. وعن عمر بن الخطاب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (لا يأكل الرجل بشماله ولا يشرب بشماله فإن الشيطان يأكل بالشمال). فيحتمل أن يكون معناه: أن التي هي له بمنزلة الطعام والشراب للناس. إنما تتلقاه بشماله. ويحتمل أن يكون معناه: فإن شياطين الإنس هم الذين يفعلون هذاا لأنهم كما يؤثرون: الأرذل الأحسن من كل معاملة، فكذلك يقدمون الشمال على اليمين في الأكل والشراب. وقال رسول الله ﷺ لرجل أكل عنده بشماله: (كل بيمينك! فقال: لا أستطيع! فقل: لا استطعت، فما وصلت إلى فيه بعد) قال وجد النبي ﷺ أن يعتمد الإنسان على شماله إذا كان يأكل فقال: (آكل كم يأكل العبد. وأجلس كما يجلس العبد، فإنما أنا عبد). وكان النبي ﷺ مختصرا، وفسر ذلك عثمان بن أبي زائدة عن عمارة بن القعقاع فرفع ركبتيه إلى بطنه، وإن أكل لحما نضجا فلينهشه نهشا، قال رسول الله ﷺ: (انهشوا اللحم فإنه أهنأ وأشهى وأمرأ) ونهى عن أكل الطعام السخن جدا، وذلك- والله أعلم- لأنه من فعل المتعظمين الذين يروعون أنفسهم عن أن يكربوا. أصبعهم بالطعام، حتى إن منهم من يرفع اللقمة إلى فيه بطرف سكينه، ولا خصلة أقبح ولا أسوأ ولا أخوف من أن يوجب لصاحبها زوال نعم الله تعالى، وحلول سخطه عليه من أن يترفع عن مس رزقه الذي جعله الله قوام بدنه ومادة روحه. وهو لو أمكنه السجود عليه، لكان ذلك أهل، وليس يبعد أن يكون ذلك من سوء جواز النعم الذي حذره النبي ﷺ، على ما بلغنا من عائشة، وقال لها: (يا عائشة احسني جوار نعم الله تعالى، فإنها قل ما ذهبت عن قوم فعادت إليهم).
ذلك من سوء جواز النعم الذي حذره النبي ﷺ، على ما بلغنا من عائشة، وقال لها: (يا عائشة احسني جوار نعم الله تعالى، فإنها قل ما ذهبت عن قوم فعادت إليهم).
وأما إذا كان اللحم لم يتكامل نضجه، وكان صلبا، فلا بأس أن يقطع بالسكين. وهكذا إن أكل الرجل مع غيره، فكان كل واحد منهما لا بأس أن يكره صاحبه آثار أصبعه التي يأكل بها أن يغوص بها في اللحم، فأمر بتقطيعه. فهذا عين ما نهى النبي ﷺ ولا يقطع الخبز بالسكين لنهي النبي ﷺ. ويحتمل أن يكون هذا لأنه من فعل الأعاجم والمترفين. ويحتمل أن يكون النهي عن أن يقطع شيء به، لأن الهشم يكون أنعم وأشد تشربا للمرق من المقطوع، ويحتمل أن يكون لأنه تكليف غير محتاج إليه. لأن الكسر يغني عنه. وإنما يحتاج إلى السكين حيث لا يقوم غيره مقامه. ألا ترى أن إلقاء الحوت إلى البر لما كان كافيا لركوبه لم يحتج معه إلى استعمال الحديد، فهكذا هاهنا. وينبغي إذا فرغ من الطعام وفي أطراف أصابعه بقايا من الطعام أن يلعقها، أو يلعقها صبيا أو صبية، أو من يعلم أنه لا يتقذرها من زوجته أو أمته. فإن الذي بقي على أنامله من الطعام لا يجوز تضييعه. فإن غسله أو مسح به منديلا فقد ضيعه. ويروي ذلك عن رسول الله ﷺ قال: (إذا أكل أحدكم طعاما فلا يمسحن يده بالمنديل ولا بالثوب حتى يلعقه، فإنه لا يدري في أي طعام. يبارك له). فأما ما يؤكل عليه، فقد جاء عن النبي ﷺ أنه أتى بطعام فقال: (ضعه بالحضيض، فإنما أنا عبد آكل كما يأكل العبد). وعنه: (الأكل على السفرة، ولا بأس بالأكل عليها وعلى الموائد). فإن الحواريين لم يقولوا لعيسى ﵇: هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء إلا وعاد بهم الأكل على الموائد، ولم يزل ذلك عادة جارية، لا يعلم أن أحدا أنكرها. وروى عن أصحابه الأكل على الموائد، ودل على إباحته. وعن النبي ﷺ: (إذ أكل أحدكم طعاما فسقطت لقمة فليمط رابه منها، ثم ليطعمها فلا يدعها للشيطان). ومعنى هذا، لا يدعها فيفرح الشيطان بما نقص من طعامه، فإنه عدو له، يسره ما يسوءه.
دكم طعاما فسقطت لقمة فليمط رابه منها، ثم ليطعمها فلا يدعها للشيطان). ومعنى هذا، لا يدعها فيفرح الشيطان بما نقص من طعامه، فإنه عدو له، يسره ما يسوءه.
فصل في الاحتياط للطعام حتى لا يدخل الجوف إل طيبه. قال نزل الناس مع رسول الله ﷺ، أرض ثمود، فأسقط من آبار به، وعجنوا به العجين، فأمرهم أن يهريقوا ما أسقط من البئر التي كانت تردها الناقة. يحتمل أن يكون توفي ذلك الماء لأن ثمود دفعت الناقة عن شربها ظلما، فإنهم قتلوها حين أقبلت تريد الورد، وكان الماء قسمة بينهم، لها شرب ولهم شرب وأصابهم في عقوبة ذلك من البلاء والاصطلام ما قد عرف. ولم يزل ما يحدث بعد الماء الذي قتلت دونه يخلط به، وكلما حدث آخر اختلط الذي تقدم فلئن لم يكن الماء المسقي منه في عهد النبي ﷺ عين الماء الذي دفعت الناقة، فقد كان مختلطا بماء اختلط، هكذا مد إلى أن يبلغ عين ذلك الماء، ولم يخل من أن يكون له به اتصال بعيد، وإن لم يكن به اتصال قريب، فلذلك توفاه من أن يكون بقي من غضب الله الذي غضب به لناقته ما ألقاه على ذلك الماء، فيظهر أثره فيمن طعم منه لا عن حاجة وضرورة. ويحتمل أن يكون أراد بذلك مؤاخاة يصلح عليه السلم، ومقاربته، ولا يطعم بأمر غلب على شرب ما فيه منها وصار ذلك سببا لبوار قومه، ولا أن يأذن لأصحابه في الاستقاء منها لئلا يستأثروا بما قد كان وقع عنه، والله أعلم. في التنظيف: قال رسول الله ﷺ: (من نام وفي يده غمر فأصابع شيء فلا يلومن إلا نفسه) يحتمل أن يكون معنى ذلك أن دواب الأرض ربما تتبع روائح الطعام، فإذا وفقت غمرا من نائم لم يؤمن أن يصيب منه وهو لا يشعر. ولعل منها دواب مسموم وآفات فيحدث بما يميز أصابع النائم، بها بعض ما يكره. وروى أن رسول الله ﷺ وجد من رجل ريح لحم، فقال: (اغسل ريح هذا الغمر عنك) وروى أنه قال: (إن الشيطان خشاش نجاس فاحذروه على أنفسكم، ومن مات وفي يده غمر فأصابه فلا يلومن إلا نفسه).
وعن النبي ﷺ: (الوضوء قبل الطعام ينفي الغمر وبعده ينفي اللحم) ومعناه -والله أعلم- ما ذكرت من إلمام بعض الحيوانات المضرة باليد الغمرة، والوضوء قبل الطعام بالماء وحده إن لم يكن باليد علق من الأذى، وبعد الطعام أيضا يختلف. فإن كان الطعام شئ يختلف لا يعلق باليد منه ما لا يزيله الماء وحده، والماء كاف. وإن كان دسما فالماء والأسنان أو الصابون. قال محمد بن بشر الأسلمي: حدثني أبي عن جدي، وكانت له صحبة، أنه أتى بوضوء بعد طعام طعمه، فغسل يديه فأخذ الأسنان بيمينه، فجعل الأعاجم ينظر بعضهم إلى بعض يتعجبون منه، وإذا علق بالأسنان لحم أو غيره من الطعام، فينبغي أن يخرج منها بخلاله ويرمي به. وليس كالذي يبقى على الأصابع فيعلق، لأن الذي يكون على الأصابع لا يتغير والذي يعلق بالأسنان يتغير. وروى أن عمر بن الخطاب ﵁ رأى رجلا بفيه أكل، فقال ما كان يدبر هذا؟ قال: تخللت بقصبه، فهاج بي فكتب بذلك إلى الآفاق، فنهاهم أن يتخللوا بالقصب. وفي هذا دليل على أنهم كانوا يتخللون بغيره فلم ينههم عنه. وبالله التوفيق. وأما الأشربة. فقد روينا عن النبي ﷺ أنه كان أحب الشراب إليه الحلو البارد. وأنه كان ينبذ له التمر بالغدة فيشربه عشيا، وينبذ له بالعشي فيشربه بالغداة ونهى عن الخليطين. أن ينبذ الزبيب والتمر معا، أو البسر والتمر معا. وروى أنه قال: (طعامان في شرب واحد) فكأنه عد من ذلك إسرافا، وهو كذلك لأن أحدهما يطلب الماء وبلغ به، أن يستلذ به، والآخر فضل وإسراف وتعطيل لمنفعته. ولكن هذه العلة لا تكمل للتحريم، ومن قال أن الخليطين حرام، قال: التخليط يشرع به الشراب إلى التغير فهو كالشروع في الإفساد. فلذلك نهى عنه وحرم. وليس ذلك كخلط أذرية وعلها بهما، وأخذا نقعا أو طبخا، لأن ذلك أمر لا بد منه في تعديل طباع بعضها ببعض. وهذا منه بذرا يأكل ما أسكر فهو حرام، قليله وكثيره، خمر كان أو غير خمر. وقد تقدمت رواية الأخبار في ذلك، وفيه الحد. لأن ما اختلف العلماء في تحريمه فلا يفسق شاربه ما لم يسكر. وإن كان محده كافيه حاكم والله أعلم.
أو غير خمر. وقد تقدمت رواية الأخبار في ذلك، وفيه الحد. لأن ما اختلف العلماء في تحريمه فلا يفسق شاربه ما لم يسكر. وإن كان محده كافيه حاكم والله أعلم.
من أكل أو شرب فليفعل ذلك بيمينه إن كانت سليمة، لأن النبي ﷺ كان يعد بيده اليمنى لطعامه وطهوره، لأن الناس يتبالغون في تنظيف الطعام والشراب، فليشرب الماء مصا. فإنه يروي عن النبي ﷺ أنه قال: (مصوا الماء مصا ولا تعبوه عبا، فإنه تكون منه الكبار) وقد يخشى ذلك منه كما قال النبي ﷺ: وكان النبي ﷺ يتنفس إذا شرب ثلاثا، ويقول (هو أوى وأمرأ وأهنأ). وروى أنه ﷺ كان يشرب بثلاثة أنفاس. فيسمي ويشرب ثم يتنفس ثم يحمد الله. ويسمي ويشرب ثم يتنفس. ذكر ثلاث مرات، ويحمد الله ثم يقول: هو أهنأ وأمرأ. وقال ﷺ: (لا تشربوا واحدا كشرب البعير، ولكن إذا شربتم، اشربوا مثنى وثلاث وسموا إذا شربتم واحمدوا إذا رفعتم) وروى أنه كان (إذا شرب تنفس مرتين، ولا يتنفس في الإناء) لأن البخار الذي يرتفع من المعدة أو ينزل من الرأس، وكذلك رائحة الجوف قد يكون بات كريها. فأما أن يعلقا بالماء فيضران. وأما أن يفسد السؤر على غير الشارب، لأنه يتقذر إذا علم به فلا يشربه. وكان رسول الله ﷺ لا ينفخ في الشراب ولا يتنفس فيه. ونهى أن يتنفس في الإناء أو ينفخ فيه. وروى أن رسول الله ﷺ نهى عن النفخ في الشراب، فقال له رجل يا رسول الله إني لا أروي من نفس واحد. قال: (فأبن القدح عن فيك ثم تنفس قال: إني أرى الغلاة فيه. قال: احرقها). وروى أنه نهى عن النفخ في اللحم للبيع. وذكر كليب الجرمي أنه شهد عليا ﵁ نهى القصابين عن النفخ في اللحم، هو نظير النفخ في الطعام والشراب الذي جاء النهي عنه، لأن النكهة ربما كانت كرهة، فكرهت اللحم وغيرت ريحه. وقد عرف ذلك في التجاريب. ومما جاء في النفخ في الغناء قالت عائشة: استسقاني رسول الله ﷺ فأتيته بإناء فيه قذأة، فنفحته. فقال: (أهرقيه يا حميراء) فإن الشراب إذا نفخ فيه وقعت في الماء
جاء في النفخ في الغناء قالت عائشة: استسقاني رسول الله ﷺ فأتيته بإناء فيه قذأة، فنفحته. فقال: (أهرقيه يا حميراء) فإن الشراب إذا نفخ فيه وقعت في الماء
فيفسده بذلك عليه. ويحتمل أن يكون المراد بالشيطان لرقة نفسها أي أنها قد تقع في الماء من النفخ فيفسد على مريد الماء لأنه يتقذره ويكرهه كما يكره الشيطان، ولا بأس بالشرب قائما. روى أن رسول الله ﷺ شرب من زمزم وهو قائم. وروى ذلك عن عائشة ﵂، وابن عمر قال ابن عمر ﵄ كنا نشرب ونحن قيام، ونأكل ونحن نسعى على عهد رسول الله ﷺ وروى عنه ﷺ أنه كره الشرب قائما لأنه داء، وقد كره ذلك علماء الطب ولم يأذنو فيه، وخصوصا لمن كانت في أسافله علة يشكوها من برد أو رطوبة، ولا يضع فاه إذا شرب عند قبض الإناء وعلى ثلمه إن كانت فيه. لأن النبي ﷺ نهى عن الشرب في ثلمة الإناء، وقال: (فإن عليها شيطانا). وإنما أراد بالشيطان الأذى والوسخ الذي يعلق بالثلم في العادات. كما أمر إذا تثاءب الإنسان أن يضع يده على فيه لئلا يدخل الشيطان، وإنما أرد به ما عسى أن يمده النفس عن غبارة أو ذبابة إن كانت بالقرب، أو صوفة أو شعرة إن كانت في الهواء، فيما إذا علق بالفم، اضطرب منه النفس وغثيث، إلى أن يقذفه ويتخلص منه، ويشبه أن يكون سماه شيطانا لأنه مؤذي، مضر فشبهه به. كما يقال: للرجل الشجاع أسد، والبليد حمار. وقد يكون النهي عن الشرب من الثلمة لأن الماء لا ينزل منه كما ينزل من فم الإناء، لكنه يتفرق فيصب من حوافها ويبتل ثوب الشارب فيتأذى به، فكأن شيطانا هناك يكيده ويؤذيه. وجاء عن النبي ﷺ أنه نهى عن اجتناب الأسقية. وقد قيل إنما نهى عن ذلك لأنه لا يطيب نفس كل أحد لشرب ماء اسأره غيره أو المتوضئ به، فلا يؤمن أن يفسد جميع ما في السقاء إذا شرب الشارب منه، وإنما نهى عن الاجتناب، لأنه كذلك يفعل ليسهل الشرب في الأسقية. وينظر في هذا الحديث من كتب غريب الحديث ومن ورد على نهر فليفرق بينه بكفه ولا يكرع فيه. روى أن النبي ﷺ قال: (لا تشربوا الكرع- ولكن يشرب أحدكم في كفيه) وقد يكون النهي عن هذا ليعلم الشارب كم شرب ولا يتعدى ولا يسرف لئلا يضره الماء.
كرع فيه. روى أن النبي ﷺ قال: (لا تشربوا الكرع- ولكن يشرب أحدكم في كفيه) وقد يكون النهي عن هذا ليعلم الشارب كم شرب ولا يتعدى ولا يسرف لئلا يضره الماء. ولأن الماء ربما كانت فيه قذاة يجري بها الماء عند مد النفس إلى فمه وحلقه فيتأذى به وإذا أبصر بها في كفه أراقه وأخذ غيره وإن كان الماء في حوض صغير أو مستنقع فيتكاثر الناس عليها كريهاً، أرسلوا
فيه أنفاسهم فربما صار ذلك سببا لامتناع غيرهم من الشرب فيكونوا كمن يشرب من الإناء فيتنفس فيه فيمنعه بذلك من غيره. وأما إذا كان ذلك من نهر جار فهذه العلة زائلة والله أعلم. وإذا كان عند الرجل أصحاب عن يمينه وشماله، وشرب من لبن أو عسل أو ما كان من الأشربة المباحة، وأراد أن يشرك الحاضرين فيه. فليعطه للأيمن فالأيمن حتى إذا لم يبق منهم أحدا أعطى الأياسر. وروى أن النبي ﷺ شرب لبنا، وعن يساره أبو بكر ﵁، وعن يمينه إعرابي، فأعطى للإعرابي فضله، ثم قال: (الأيمن فالأيمن). وروى أن رسول الله ﷺ أتى بقدح فشرب، وعن يمينه غلام أصغر القوم والأشياخ عن يساره، فقال: (ما كنت لأوثر فضل فيك أحدا يا رسول الله، فأعطاه إياه). ويحتمل أن يكون جلوس أصغر القوم عن يمين رسول الله ﷺ، لأنه كان جلس عند طرف المجلس على يسار الطريق، ورفع الأشياخ حتى أجلسهم في الصدر وأجلس الأعرابي دونه مما يلي الطريق. فصار عن يمينه وصاروا عن يساره. ولو كان النبي ﷺ جلس في صدر المجلس ما كان يجلس أصغر القوم عن يمينه والله أعلم. فإذا كان الرجل ناحية يمين الذين يسقيهم فليكن آخرهم. روى أن النبي ﷺ كان في سفر، فذكر أن في الماء قلة، فقحموا عليه فجعل يسقيهم أو أمر بسقيهم، فجعلوا يشربون ويقولون. يا رسول الله اشرب، فقال: (ساقي القوم آخرهم). وعن أبي قتادة ﵁ قال: جعل رسول الله ﷺ يصب علي وأسقي الناس، حتى بقيت أنا وهو، فقال لي: (اشرب. فقلت يا رسول الله بأبي أنت وأمي، اشرب ثم اشرب، فقال: يا أبا قتادة، ساقي القوم آخرهم). ولا ينبغي أن تترك أواني
ناس، حتى بقيت أنا وهو، فقال لي: (اشرب. فقلت يا رسول الله بأبي أنت وأمي، اشرب ثم اشرب، فقال: يا أبا قتادة، ساقي القوم آخرهم). ولا ينبغي أن تترك أواني
الطعام والشراب غير مغطاة وخصوصا بالليل. قال النبي ﷺ: (أغلقوا الباب وأطفئوا السراج، وأوكوا الأسقية بالليل وخمروا الطعام والشراب ولو أن تعرضوا عليه بعود). وفي حديث آخر. (إذا أخذتم مضاجعكم فغلقوا الأبواب وخمروا الطعام والشراب، فإنكم إذا نمتم جاء الشيطان، فإذا وجد الباب مفتوحا دخل، وإن وجد الطعام والشراب غير مخمر أكل وشرب) ومعنى هذا- والله أعلم- إن الشيطان وهو الفاجر الذي يبغي الغوائل ويترصد الفرص يأتي، فإذا وجد الباب مفتوحا دخل لينال ما يريد وإن وجد الباب مغلقا رجع ولم يصل إلى ما يريد. وقد يدخل في جملة الشياطين الهوام الساعية، فإن فيها أعداء للناس. وقد تطوف بالليل فإذا وجدت بابا مفتوحا دخلت، وإن وجدت بابا مغلقا تجاوزت وهي التي ينبغي إحراز الطعام والشراب منها، لأنها تنبع الروائح. فإذا جاءت فوجدت إناء مكشوف الرأس أصابت منه. وإن كانت من ذوات السموم فقد تنفث منها من السم، وخصوصا إذا كان ما أصابت منه لبنا أو شيئا فيه لبن. وإن لم تكن من ذوات السموم فقد يفسد الطعام أو الشراب روائح أفواهها حتى يصير مضرا، وإن لم تكن كالسموم وأكثر ما يمات الناس بمثل هذا السبب. وإن جماعة أكلوا من رائب فماتوا كلهم. وكان سببه أنه كان في إناء لم يخمر، فجاءت حية فأصابت منه وألقت فيه سمها، والأمر في الباب أبين من أن يحتاج إلى إطالة القول فيه والله أعلم. وأما أمره بإطفاء السراج فلأنه يشتعل من ناره. وقد قال أيضا: (لا تتركوا النار في بيوتكم حين تنامون). وقال: (فإن الفويسقة تضرم على أهل البيت). ويحتمل أن معنى هذا أنه ربما يقلب القطعة من النار إلى جحرها. ولعل ذلك عند باب أو سرير أو حطب منضود. فربما اتقد منه واحترق البيت. ولم يكن البرد يشتد في تلك البلاد فتقع الحاجة إلى إمساك النار فلذلك نهى عنه. وأما حيث تمس الحاجة إليه فلا بأس به، وينبغي لمن يحفظ من شر الفويسقة بما يتهيأ
كن البرد يشتد في تلك البلاد فتقع الحاجة إلى إمساك النار فلذلك نهى عنه. وأما حيث تمس الحاجة إليه فلا بأس به، وينبغي لمن يحفظ من شر الفويسقة بما يتهيأ
ويمكن والله أعلم. وقيل: إنما أراد بها أن يأخذ الفتيلة لدهنها، فيذهب بها إلى جحرها لتأكله. ومما يلحق بهذا الباب ذكر الطعام الذي يدعي إليه الناس. قال النبي ﷺ: (الوليمة أول يوم حق، والذي يليه معروف، وما يلي ذلك رياء وسمعة). وقال قتادة: دعي سعيد بن المسيب ﵁ أول يوم فأجاب، واليوم الثاني فأجاب، ودعي اليوم الثالث فحصبهم وقال: اذهبوا أهل رياء وسمعة. ورأى رسول الله ﷺ على عبد الرحمن بن عوف أثر صفوة فقال: (بم. قال: تزوجت. فقال: علي كم؟ قال: على وزن نواة من ذهب، أو نواة من ذهب. قال: أو لم ولو بشاة). وأو لم رسول الله ﷺ على بعض نسائه بمدين من شعير. وقال رسول الله ﷺ: (إذا دعي أحدكم فليجب فإن شاء طعم، وإن شاء ترك). وهذا -والله أعلم- إذا ترك الطعام لفرد عهده بالطعام أو لشيء يشكوه. فأما إذا تركه ازدراء لأهله أو له نفسه، فهذا شر من التخلف والله أعلم. وكان ابن عمر ﵁، لا يدعي إلى وليمة إلا أجابها، وإن كان صائما وأجاب عثمان ﵁ داعيا وهو صائم، فقال: إني صوم ولكني اختار، أحب الداعي وأدعو بالبركة. وروى أن رجلا أقل، فدعا الناس في مسجد رسول الله ﷺ فلم يقم معه منهم إلا قليل. فقال أبو هريرة ﵁: يا أهل المسجد، والله لقد أصبحتم عصاة لله ولرسوله، وإذا دعي رجل إلى طعام فلا يأخذن معه من لم يدع له، فإنه يروي عن النبي ﷺ أنه قال: (إذا دعي أحدكم إلى طعام فلا يستدعي أحدا) ومعنى هذا. لا يستعن أحدا بمن إذا حضر استحى صاحب الطعام أن لا يجلسه على طعامه وأما أن يستتبع من يحتاج إليه لخدمته، ولم يعرض الداعي لحمل مؤونته، فلا بأس بذلك. ولا ينبغي لمن دعي إلى طعام أن يطعم من ذلك لطعام من لم يدع إليه، ولم يجلس معه عليه. فإنه يروي أن سلمان ﵁ دعا رجلا إلى طعام فجاء سائل فناوله كسرة، فقال: ضعها من حيث أخذتها، ما دعيتك في أن يكون الأجر لغيرك، والوزر عليك، إنما دعوتك لتأكل. وهذا يحتمل أن يكون من سلمان لأن المدعو كان لا يأكل. فلما حضر
السائل ولم يرهم يعطونه أعطى. يعني أني أوثر السائل عن نفسي ما كنت آكله، فلا يشقن عليكم. فكان ذلك محلا لسلمان فيشقى عليه تجهيله. فكان ما تقدم منه من يتخيله. وإذا أكل الناس عند رجل، فينبغي لهم أن يدعوا له بالحمد. وروى أن أبا الهيثم بن النبهان، صنع لرسول الله ﷺ ولأصحابه طعاما، قال النبي ﷺ: (كلوا: ثم قال: أثيبوا أخاكم. قالوا وكيف نثيبه يا رسول الله؟ قال: إن الرجل إذا أكل طعامه وشرب شرابه ودعى له بالبركة وذلك ثوابه). وروى عن عبد الله بن بشر ﵁ قال: مر رسول الله ﷺ بأبي على بغلة له بيضاء، فأخذ أبي بلجامها. فقال: انزل علي. فنزل عليه. فأتى بتمر وسويق، فجعل يأكل منه ويلقي نواه بإصبعيه -يعني السبابة والوسطى ثم قرب إليه الطعام، فأكل منه ثم أتاه بقدح فيه شراب، فشرب منه ثم أعطاه الذي عن يمينه. فلما أراد الرحيل، قالوا: يا رسول الله، ادع لنا. فقال رسول الله ﷺ: (اللهم بارك لهم فيما رزقتهم واغفر لهم وارحمهم). ومن دعي إلى طعام فقدم إليه طيب فلا يرده. قال رسول الله ﷺ: (لا تردوا الطيب، فإنه طيب الريح، خفيف الحمل). وقال أنس ﵁: ما رأيت رسول الله ﷺ عرض عليه الطيب قط فرده.
طعام فقدم إليه طيب فلا يرده. قال رسول الله ﷺ: (لا تردوا الطيب، فإنه طيب الريح، خفيف الحمل). وقال أنس ﵁: ما رأيت رسول الله ﷺ عرض عليه الطيب قط فرده.
الأربعون من شعب الإيمان وهو باب في الزين والملابس والأواني وما يكره منها وروي عن رسول الله ﷺ أنه أشار إلى الذهب والحرير، فقال: (هذا حرامان على ذكور أمتي حل لأنائها). وكان الرجال والنساء في عهد رسول الله ﷺ يلبسون القطن والكتان والصوف والفراء والبرود وعين رسه، ولم يبلغنا أن أحدا منهم منع عن شيء من ذلك. فثبت أن ماعدا الابريسم وما يكون يستحبه منه، ولما يصاغ من الذهب فهو مباح، فلا ينبغي للرجل أن يلبس ديباجا ولا ثوبا من الفرو الابريسم، لأن كلا كالحرير. ولا أن يلبس قلادة فيها ذهب ولا سوار ولا تاجا ولا قرصا من ذهب كما يروي عن بعض ملوك العرب أنه كان يتحلى بقرص. وعن الأكاسرة أنهم كانوا يلبسون الأساورة والتيجان وكانت العرب تلبس العمائم. وتقول: العمائم تيجان العرب. قال: وأهدي إلى رسول الله ﷺ سترا مضلع بقن فقال رسول الله ﷺ: (هذا من لباس النساء فشقه بأربع شقق، ثم قسمها بين نسائه) وقال علي ﵁: أهديت إلى النبي ﷺ حلة سبداء فبعث بها إلي، فخرجت فيها، فعرفت الغضب في وجهه، فأمرني، فأطردتها بين نسائي. ودخل على عبد الله بن مسعود صبيان له عليهما قميصان من حرير، فشقه عليهما، ثم قال: هذا للنساء وليس للرجال. فأما الثوب ينسج من إبريسم وخز، أو ابريسم وقطن، فقد روى عن الحسن قال: دخلنا على ابن عمر ﵄، فقال له رجل: يا أبا عبد الرحمن، أن ثيابا هذه قد خلطها الحرير وهو قليل. قال: دعوا قليله وكثيره.
ريسم وقطن، فقد روى عن الحسن قال: دخلنا على ابن عمر ﵄، فقال له رجل: يا أبا عبد الرحمن، أن ثيابا هذه قد خلطها الحرير وهو قليل. قال: دعوا قليله وكثيره.
وعن إبراهيم قال: كانوا يكرهون ما سداه خز، ولحمته إبريسم، أو سداه إبريسم ولحمته خز. فهذا صحيح، لأن الثوب لا يكون لباسا بالسدى واللحمة معا. فلا معنى لفرق من فرق بينهما، فأجاز اللبس إن كانت اللحمة غير الابريسم، والسدى ابريسما. ولم يجز إذا كانت اللحمة إبريسما والسدى غير إبريسم، وهما معا وكان الثوب، لا يكون الثوب قويا ولا اللباس لباسا إلا بهما. ويدل على صحة هذا ما روي عن علي ﵁ قال: أهدي إلى النبي ﷺ حلة سداها حرير ولحمتها مسبرة، فأرسل بها إلي، قلت: يا رسول الله ما أصنع بها، أألبسها؟ قال: لا، إني لا أرضى لك ما لا أرضى لنفسي إجعلها خمرا بين فاطمة أمك، وفاطمة ابنتي مسبرة) وهي السبراء برود اليمن. وإنما العفو في هذا العلم في الثوب، يروي عن عائشة ﵂ قالت: كانت لنا كطيفه كنا نقول: إن علمها حرير، فما نهانا رسول الله ﷺ عن لبسها قط. وعن عمر ﵁ قال: السوا من الحرير قدر اصبعين، فيكون جماعهما قدر أربعة أصابع، وذلك هو المراد بما يروي عنه أنه قال: أو مثل الكف، لأن الكف فيها أربعة أصابع. والمعنى أن يكون على الكمين ما إذ أجمع لم يجاوز الكف. ولذلك إن كان الثوب من كنان فخيط بابريسم لم يحرم. وأما الخز ينسج من وبر وابريسم، فقد يحتمل أن يفارق ذلك الحلة ينسج من قطن وابريسم. لأن الابريسم يستعمل في الحلة للزينة فيصير الثوب مقصودا للابريسم الذي فيه. ويستعمل في الخز أحكام للنسج ولا يظهر في وجه الثوب، ولا يصير الثوب مقصودا لأجله، وإنما يقصد للوبر، فكان الفرق بينهما كالفرق بين الإناء الذي يصيب بالفضة للزينة، ولذي يصيب للإصلاح ولم الشعب والله أعلم.
، ولا يصير الثوب مقصودا لأجله، وإنما يقصد للوبر، فكان الفرق بينهما كالفرق بين الإناء الذي يصيب بالفضة للزينة، ولذي يصيب للإصلاح ولم الشعب والله أعلم. وأما منع الرجال من لبسه من الديباج والحرير، فجلوسهم عليه وإفراشهم إياه وتوسدهم له كلبسه. وروي أن عليا ﵁ أتى بسرج عليه ديباج فأبى أن يركبه. وقال ابن سيرين: قلت لعبيدة: افتراس الديباج كلبسه؟ قال: نعم، ولا ينبغي لأحد أن يوسع لباسه أكثر مما يحتاج إليه وذلك أن يحترز فيه من البحر، وإذا انقلب فيه أو ركب به. ولا أن يطيل كمه أو يرسل ذيله فوق ما أذن له فيه، فإن رسول الله ﷺ نهى أن
يجر الرجل ثوبه خيلاء. قال: بينما رجل يمشي فأعجبته نفسه فخسف به، فهو يتمامل فيها إلى يوم القيامة. وظاهر ذلك أنه أعجب بثيابه التي كان لابسها لأن الرجل لا يمشي عاريا، فيعجب نفسه. ويروي عنه ﷺ أنه قال: (ما أسفل الكعبين من الإزار ففي النار) وفي ذلك أنه إفساد الثوب وإضاعة له، وإسراف في استعماله مع ما يتوصل به من البذخ والخيلاء وارية الضعفاء أنه يجد من الفضل عن حاجته ما لا يجدونه من قدر حاجتهم وكل ذلك حرام قبيح. وقال حذيفة ﵁ أخذ رسول الله ﷺ بفضلة ساقي أو ساقه. فقال: (هذا موضع الإزار، فإن أبيت فأسفل، وإن أبيت فأسفل، فإن أبيت فلاحق للإزار في الكعبين). وعن أبي سعيد ﵁ قال: قال النبي ﷺ: (إزرة المؤمن من أنصاف ساقيه، لا حرج عليه فيما بينه وبين الكعبين، ما أسفل من ذلك ففي النار. حر إزاره نظرا لم ينظر الله إليه يوم القيامة). وقال ابن شهاب: رأيت عبد الله بن عمر ﵄ قميصه وإزاره إلى أنصاف ساقيه وأسفل فليلا. وقال طاوس: كان من أدركت يسرون الإزار ثم يجعلون القميص فوق الإزار، ويجعلون الرداء فوق القميص. رأى عمر بن الخطاب رجلا طويل الكمين، فقال: مد يديك، فأخذ الشفرة فقطعه حيث يثبت يده. واشترى علي ﵁ قميصا فقطع من كميه، فاتصل عن يديه ثم قال لرجل خصه: أي حط مواضع القطع منه. وقال رسول الله ﷺ (إذا لبس أحدكم ثوبا جديد فليقل: الحمد لله الذي كساني ما أتجمل به في الناس، وأواري به عورتي). وعنه ﷺ أنه كان إذا استجد ثوبا اسماه بااسمه عمامة أو قميصا أو رداء، ثم يقول: (اللهم
يقل: الحمد لله الذي كساني ما أتجمل به في الناس، وأواري به عورتي). وعنه ﷺ أنه كان إذا استجد ثوبا اسماه بااسمه عمامة أو قميصا أو رداء، ثم يقول: (اللهم
لك الحمد، أنت أكسوتنيه، اسلك خيره وخير ما صنع له، وأعوذ بك من شره وشر ما صنع له). وروى قال: كان من أصحاب رسول الله ﷺ إذا رأى أحدهم على أخيه ثوبا قال: سل، ويخلف بالله، ولا ينبغي لأحد أن يلبس شهرة من الثياب. قال زيد الشامي: كان يكره الشهر بين الملبوسين. المرتفع والمنخفض. وقال عطاء بن أبي رباح: أن الله يحب العبد فيلبس الثوب المشهور فلا ينظر إليه حتى يضعه. وعن عائشة ﵂ أنها لبست درعا جديدا فجعلت تنظر إليه، فقال لها أبو بكر ﵁: أما تظنين أن الله تعالى يراك. ووجه الكراهية في هذاا- والله أعلم- أنه يلبس الرجل المشهور ليأتي غيره مشابه إذا نظر الناس إليه لم يروا أحدا يشبهه في كسوته، وامتدت الأبصار كلها إليه، وعرفه لذلك من لم يكن يعرفه قبله، فإذا لقيه نظر إليه من نفسه فاستشعر من ذلك خيلاء وفخرا على من ليس في مثل حاله. فأما من وسع الله عليه ووفقه لأن يوسع مما عنده من المحاريج، فلبس المشهور ليرى أثر نعمة الله عليه، لأن الغرض سوى ذلك وسعي فيه إلى طاعة الله، وجوب أن لا يكون في ذلك بأس والله أعلم. فقد روي أن النبي ﷺ رأى رجلا سيء الهيئة فقال: (لك مال؟ قال: نعم من أنواع المال، قال: فلير عليك فإن الله تعالى يجب أن يرى أثر نعمته على عبده حسنا، ولا يحب الوسواس والوساوس) وفي الجملة فإن الصحابة كانوا متفاوتين، فمنهم من يلبس فيحسن، ومنهم من لا يلبس وقال بكر بن عبد الله المزني. كان الذين يلبسون لا يطعنون في الذين لا يلبسون. والذين لا يلبسون لا يطعنون على الذين يلبسون. وأما الوسخ في الثياب ليس مما يتقرب به إلى الله تعالى. وقال جابر ﵁: أتانا رسول الله ﷺ زائرا، فرأى رجلا شعثا قد تفرق شعره، فقال: (ما كان هذا يحد ما يسكن به رأسه) ورأى رجلا عليه ثوب وسخ، فقال: (أما كان هذا يجد ما يغسل به ثوبه).



