المنهاج في شعب الإيمان

Kitab aqidah Ahlussunnah wal Jama'ah karya الحليمي (w. 403 H).

Bagian 37 dari 42 1512 halaman

— Bagian 37 · ى بعضنا بعضًا ولا يدان بالله على هذا، فليت شعري … —

Bagian 37

ى بعضنا بعضًا ولا يدان بالله على هذا، فليت شعري أي عذاب يترك. وفي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قال رسول الله ﷺ: كلام بني آدم عليه، لا له، إلا أمر

بمعروف أو نهي عن منكر، أو ذكر الله ﷿. وفي الأمر بالمعروف قال النبي ﷺ: (يوشك أن تهلك هذه الأمة إلا ثلاث نفر: رجل أنكره بيده ولسانه وبقلبه، فإن جبن بيده فبلسانه وبقلبه، وإن جبن بلسانه وبيده فبقلبه). قال النبي ﷺ: (والذي نفسي بيده، لتأمرن بالمعروف ولتنهين عن المنكر، أو ليوشك أن الله يسلط عليكم شراركم، فتدعوا خياركم فلا يستجاب لهم). وقال رسول الله ﷺ: (مثل القائم على حدود الله أو المداهن فيها، كمثل قوم أستهموا على سفينة في البحر، فأصاب بعضهم أعلاها، وأصاب بعضهم أسفلها. فكان الذين في أسفلها يصعدون فيستقون الماء، فيصبون على الذين في أعلاها، فقال الذين في أعلاها: لا ندعم تصعدون فتؤذينا. فقال الذين في أسفلها: فإنا نثقبها من أسفلها، فنسقي منه. فإن أخذوا على أيديهم فمنعوهم نجوا جميعًا، وإن تركوهم غرقوا جميعًا). وإن لم يكن الآمر بالمعروف الناهي عن المنكر من العلماء المبرزين، إلا أنه كان من صلحاء المسلمين، ينهى عن المنكر، لا يخفي على العامة حاله، فحكمه في حكم العالم المفتي، والقول فيهما ما ذكرت والله أعلم. ومتى ظهر الفساد في الحد، وعجز القوام بالدين عن استصلاح المفسدين أو ردعهم بالخروج من بينهم إن أمكن أولى، قال الله ﷿: ﴿يا عبادي الذين آمنوا إن أرضي واسعة فإياي فاعبدون﴾. قال سعد بن جبير: يقول: إذا عمل بالمعاصي فاخرجوا. ووقعت زلزلة على عهد عمر بن الخطاب ﵁ فقال: لئن عادت لأخرجن

من بين أظهركم. وإنما قال ذلك لأنه حمل الأمر على أنهم يحدثون في السر أحداثًا، أي كانوا لا يجاهدون بها خيفة له. فلذلك يخوفهم الله تعالى بآياته. فكذلك إذا ظهر الفساد وشاع حق لم يستطع تغييره، فليس إلا الخروج من بين المفسدين والله أعلم. وينبغي للمصلحين في عامة الأوقات أن يكونوا مجانبين للمفسدين لا يخالطونهم ولا يضيفونهم ولا يشاورونهم في أمورهم ولا أمور العامة، فإن ذلك نوع من الاستدلال يرجى أن يردهم عن الباطل الذي هم فيه، إلى الحق الذي هو أولى بهم. وفي حربهم على خلاف هذا، يحشرهم وتجريبهم في السكوت عنهم إن أظهروا المنكر أعزاء وهم به، ويستقبل سبيلهم إليه، فلا ينبغي أن يصار إلى واحد منهما والله أعلم.


الثالث والخمسون من شعب الإيمان وهو باب في التعاون على البر والتقوى قال الله ﷿: ﴿وتعاونوا على البر والتقوى، ولا تعاونوا على الإثم والعدوان﴾ ومعنى هذا الباب في المعاونة على البر والتقوى، إذا عدمت مع وجود الحاجة إليه يوجد البر، وإذا وجدت البر. فبان أنها في نفسها بر ثم إنها من المنزلة ما ليس البر الذي ينفرد به الواجد، لأن الواحد إذا نزل أن يفعل برًا فإنما من همته بر واجد، والبر الذي يحتاج في إقامته إلى عشرة أو مائة إذا لم يتعاونوا عليه، فقد عدم من جهة كل واحد منهم بر كثير، لأنه يترك المعاونة ويترك حظه من البر، ويحول بين أصحابه وحظوظهم، لأنهم إذا كانوا لا يستطيعون الانفراد عنه فيه، فهو إذا لم يوافقهم عليه، ولم يغثهم. كان هو السبب لتعطيل الأمر عليهم، فبان المعدوم منهم معدوم من كل واحد منهم فكان التخلف عن المعاونة على البر إذا أغلط من يخلف الواحد عن بر لو فعله، ليأتي ووجد به وحده والله أعلم. وأيضًا فإن في المعاونة على البر شيئين: أحدهما موافقة أهل الدين وأن يترك كل واحد منهم صاحبه فينهاهم به من الخير منزلة نفسه. والآخر: الحرص على البر والإسراع إلى الخير، وكل واحد من هذين محمود مأمور به أو مندوب إليه.

وأن يترك كل واحد منهم صاحبه فينهاهم به من الخير منزلة نفسه. والآخر: الحرص على البر والإسراع إلى الخير، وكل واحد من هذين محمود مأمور به أو مندوب إليه. وأيضًا فإن الطاعات أكثرها مبنية على الاشتراك، لأن الإيمان فرض على الجماعة والصلاة لم توقت إلا لتيقن الناس على إقامتها، ولا يتباهوا فيها، ثم قصر بهم على الأمر بالجماعة فيها. والصيام إنما جعل وقته للجميع واحدًا، والحج كذلك. فلما كان مبنى كل طاعة

يمكن فيها الاشتراك، إن يقع الاشتراك من الناس فيها، فما بر يعوض، وخير يبدوا، فيحتاج فيه على التعاون والاشتراك إلا وذلك مندوب إليه، مأمور به لتكون العوارض معتبرة بالأصول الثابتة المبينة، وبالله التوفيق. وكل ما قلته في التعاون على البر والتقوى، فهو في ترك التعاون على الإثم والعدوان مثله، لأن كل الناس إذا تركوا التعاون على الإثم والعدوان، فلم يوجد ذلك الإثم، صار كل واحد منهم كأنه ترك إمامًا، لأنه لم يأثم بنفسه، وقال بترك المعاونة بين أصحابه وبين الإثم، ولأنه وافق غيره من أهل الدين على ما رواه من جسم مادة الإثم من وخامة العاقبة فقعد عنه، ولم يشرع فيه. ولأنهم إذا لم يتعاونوا على الإثم والعدوان، فقد خالفوا بين الإثم والبر، بأن صانوا الدين عن أن يشيع في أهله ما يخالفه، كما إذا تعاونوا على البر والتقوى، فقد ظاهروا الدين حتى وجد من أهلها ما يليق به ويوافقه، فلم يرضوا الإثم بأن يظهر كما لم يرضوا اللين بأن بتكتم والله أعلم. والتي تلي الآية التي صدرنا بها الباب، كما جاء عن النبي ﷺ أنه قال: (انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا. فقيل: يا رسول الله، هكذا ينصره مظلومًا فكيف ينصره ظالمًا؟ فقال: يكفه عن الظلم). ومعنى هذا أن نفس الظالم مظلوم له من جهته، كما قال ﷿: ﴿ومن يعمل سوءًا أو يظلم نفسه﴾ فكما ينبغي أن ينصر المظلوم إذا كان غير نفس الظالم ليدفع الظلم عنه. لذلك ينبغي أن ينصر إذا كان نفس الظالم ليدفع ظلمه عن نفسه.

يعمل سوءًا أو يظلم نفسه﴾ فكما ينبغي أن ينصر المظلوم إذا كان غير نفس الظالم ليدفع الظلم عنه. لذلك ينبغي أن ينصر إذا كان نفس الظالم ليدفع ظلمه عن نفسه. وإذا أمر كل واحد بنصر أخيه المسلم إذا رآه يظلم وقد علا نصرة لأن الإسلام إذا جمعهما صارا كالبدن الواحد. كما أن أخوة السبب لو جمعتهما لكانا كالبدن الواحد، إذ الدين أقوى من القرابة، وأولى بالمحافظة عليه منها. وإلى هذا وقعت الإشارة بقوله ﷿: ﴿إنما المؤمنون إخوة، فأصلحوا بين أخويكم﴾. وجاء عن النبي ﷺ: (مثل المسلمين في تراحمهم وتواصلهم مثل الجسد الواحد إذا اشتكى بعضه تداعى سائره

بالسهر والحمى). وكما يجتهد المظلوم من دفع الظلم عن نفسه، فكذلك ينبغي لأخيه المسلم أن ينصره ويعينه على دفع الظلم عنه والله أعلم. وجاء عن النبي ﷺ أنه قال: (إن الله يحب إعانة اللهفان). ومعلوم أنه أراد: اللهفان مما مسه من الظلم وإعانته، إذًا يكون بنصره، ورجع الحديث إلى معنى واحد والله أعلم. فصل وإذا رأى رجل رجلًا غصب ماله أحد واختلسه وانتهبه، فقدر على استرجاعه منه، أو رآه حين يفعل ذلك، فقدر على منعه، أو رآه يهم بقتل رجل أو بأخذه أو بحبسه، وعلم أنه ظالم من فعله، وقدر على تخليصه فعليه أن يبلغ في كل واحد منهما أقصى ما يقدر عليه. وإذا أسر المشركون أسيرًا من المؤمنين فعليهم إذا قدروا على تخليصه أن يخلصوه، وكذلك إن أخذوا من المسلم مالا. وإن كان الكف عن الظلم في هذه المسائل لا يتم إلا ببذل مال، فالأولى بذله إلا ذلك لا يلزم، لأن النبي ﷺ أبان بقوله من قبل (دون ماله) فأولى أن لا يلزمه أن يفدى بعشر غيره، أو ماله بماله. ولكن لو لقى رجل مسلمًا قد أشرف على الهلاك من جوع أو عطش أو عري تداركه، وذلك لا يكون إلا بالمال وهو يجده، فعليه أن يتداركه به. فإن سمحت نفسه بالبر فيه فذلك أزكى له. فإن قصد العوض، فقد قيل له: أن يرجع به عليه. والفرق بينهما أن الذي هم ظالم بقتله، له أن لا يفتدي، فإن قدر على الافتداء، لأن القتل له شهادة، وكذلك لغيره أن لا يفديه وأما الجائع، فلو وجد طعامًا لنفسه يأكله لم يجز له أن لا يأكل حتى يموت.

أن لا يفتدي، فإن قدر على الافتداء، لأن القتل له شهادة، وكذلك لغيره أن لا يفديه وأما الجائع، فلو وجد طعامًا لنفسه يأكله لم يجز له أن لا يأكل حتى يموت. وكذلك غيره، إذا رأوه مشرفًا على الهلاك من الجوع وعنده فضل طعام، لم يكن له أن يحبسه عنه حتى يموت. ولو رأى رجل عدوًا أخذ ماله، كان له أن يفتديه بشيء دونه فيسترده، فكذلك لا يلزم غيره هذا في ماله والله أعلم.

وفيما ينبغي من التعاون على البر والتقوى، وقال ابن عمر قال رسول الله ﷺ: (من حالت شفاعته دون حد من حدود الله فقد صار الله في أمره ومن أعان على خصومة فقد باء بغضب من الله حتى ينزع). وفي إعانة المسلم قال أبو ذر: يا رسول الله، أخبرني عن عمر أدخل به الجنة؟ قال: (إيمان بالله قلت: إن مع هذا لغيره؟ قال: ترجح، فما أجرى الله عليك. قلت: فإني فقير، ليس عندي ما أرجح. قال: تعين مغلوبًا. قلت: فإن كنت ضعيفًا، قال: تصنع لأخرق، قلت: فإن كنت أخرق منه قال: يا أبا ذر، ما تريد أن تكون فيك من خصال الخير شيء من هذه الخصال إلا جاءتك يوم القيامة بأحسن صورة فتأخذ بيدك ولا تفارقه حتى يدخلك الجنة). وفي النصرة قال النبي ﷺ: (من رد عن عرض أخيه رد الله وجهه عن النار يوم القيامة). وعنه ﷺ: (المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضهم بعضًا، وسبل بين أصابعه) وعن أبي موسى قال: كان رسول الله ﷺ إذا جاءه سائل أو طالب حاجة أقبل إلينا بوجهه، فقال: (اشفعوا فلتؤجروا، أو ليقضي الله بلسان نبيه ما شاء). ودخل في هذا الباب إن إعانة اللهفان ونصرة المظلوم والسؤال للمحتاج ما فرعنا منهما وما شكينا عنه، وكل ما نجز ذاكره فيما يتلو هذا الباب من أبواب البر. فإن ما عجز الواحد عن القيام به، فاستعان بإخوانه من المسلمين، فحقهم في ذلك أن لا يتواتر ويعيبوه ولا يكلوه إلى نفسه فيخذلوه، فيجمعوا بذلك عنده أشياء: أحدها مفارقة الأخ المسلم وخذلانه. والآخر: إعانة الشر حتى عاد بقعودهم عن إماطته. والثالث: وهو هم في البر والخير يخلفهم عن إقامته، وكل ذلك مخالف لمقتضى الإيمان إن شاء الله. قال رسول الله ﷺ: (من أغاث ملهوفًا

عاد بقعودهم عن إماطته. والثالث: وهو هم في البر والخير يخلفهم عن إقامته، وكل ذلك مخالف لمقتضى الإيمان إن شاء الله. قال رسول الله ﷺ: (من أغاث ملهوفًا

كتبت له ثلاثة وسبعون مغفرة، واحدة منها صلاح أمره كله، وثنتان وسبعون درجات يوم القيامة). قال رسول الله ﷺ: (من فرج عن أخيه المسلم كربة من كرب الدنيا فرج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه. ومن ستر على أخيه المسلم في الدنيا ستر الله عليه يوم القيامة. فقال رجل يا رسول الله، من أهل الجنة؟ قال: هين لئن قربت سهل). قال رسول الله ﷺ: (إن من موجبات المغفرة إدخال السرور على أخيك المسلم بإشباع جوعته، بتيسير كربته). قال علي ﵁: سبحان الله ما أعجز كثير من الناس عن الخير، أعجب للرجل يأتيه أخوه المسلم في الحاجة، فلو كان لا يرجو ثوابًا ولا يخشى عقابًا، لقد كان يحب أن يسارع إلى مكارم الأخلاق، فإنها مما تدل على سبيل النجاة. قيل له: يا أمير المؤمنين، أهذا شيء قلته من نفسك، أم شيء سمعته من رسول الله ﷺ؟ قال: بل شيء سمعته من رسول الله ﷺ وما هو أحسن منه، لما رأيت سبايا طيء، وقفت جارية فتبعتها فقالت: يا محمد، رأيت أن تمن علي ولا تفضحني في قومي. فإني بنت سيدهم. إن أبي كان يطعم الطعام ويحفظ الجوار، ويرعى الذمام، ويفك العاني، ويكسو العريان، ولم يرد طالب حاجة أنا ابنة حاتم طيء. فقال النبي ﷺ: (هذه مكارم الأخلاق حقًا، وإن مات أبوك مسلمًا لترحمت عليه، خلوا عنها، فإن أباها كان يحب مكارم الأخلاق، وإن الله تعالى يحب مكارم الأخلاق). فقام أبو بردة فقال: الله عليك يا رسول الله، إن الله يحب مكارم الأخلاق، ولا دخل الجنة سيء خلق. وعن النبي ﷺ: (إن من أعظم الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر) قال

بو بردة فقال: الله عليك يا رسول الله، إن الله يحب مكارم الأخلاق، ولا دخل الجنة سيء خلق. وعن النبي ﷺ: (إن من أعظم الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر) قال

النبي ﷺ: (لا تقدس أمة لا يقضي فيها بالحق ولا يؤخذ لضعيفها من قويها وهو غير مضطهد). وعن رسول الله ﷺ أنه قال (ما أنعم الله على عبد نعمة إلا جعل حوائج الناس إليه. فاقضوا حوائجهم، ولا تعرضوا نعمة الله للزوال. وعن رسول الله ﷺ: (كل معروف صدقة). ومعناه في هذا الموضع- إن شاء الله- أن الصدقة قد تكون من المال، وقد تكون من العرض. فإذا بدل الرجل جاهه في حاجة أخيه المسلم كان ذلك صدقة عرضه، كما إذا أعانه بماله كان ذلك صدقة ماله. وفي كتاب إبراهيم خليل الرحمن صلوات الله عليه: أيها الملك المسيء المغرور، إني لم أبعثك لجمع الدنيا بعضها إلى بعض، ولا لرفع البنيان بعض على بعض، إنما بعثتك لترد عن دعوة المظلوم، فإني لم أردها وإن كانت من كافر.

الرابع والخمسون من شعب الإيمان وهو باب في الحياء بفصوله قال النبي ﷺ (الحياء من الإيمان). وقال: (لكل دين خلق وخلق الإسلام الحياء). وقال: (الحياء من الإيمان، والإيمان في الجنة، والبذاء من الجفاء، والجفاء من النار). وقال: (ما كان الفحش في شيء إلا شأنه، وما كان الحياء في شيء إلا زانه). وعنه ﷺ: (لو كان الحياء رجلًا لكان رجلًا صالحًا، وإن الفحش إن كان رجلًا لكان رجل سوء). وروي أن رسول الله ﷺ وجد رجلًا من الأنصار يعظ أغشاه في الحياء، فقال له رسول الله ﷺ: (دعه فإن الحياء من الإيمان). ويشبه أن يكون الحياء خوف الذم والتوقي من الاستكبار، وقالة السوء، لأن من استحى، فإنما ترك لأجل استحيائه ما يوجب فعله ذمًا. أو ما ترى أنه يجلب إليه ذمًا سواء كان الذم لقبح الفعل في نفسه أو لمخالفته عادة الناس في مثله. أو لأن المتوقع من فاعله كان خلافه، فأما خوف العقوبة، فإسلام البدن دون ثلب العرض، فلا يسمى حياء، وإنما يسمى خضوعًا واستسلامًا ونحو ذلك.

والحياء اسم جامع يدخل فيه الاستحياء من الله ﷿، لأن ذمة فوق كل ذم، ومدحه فوق كل مدح. والمذموم بالحقيقة من ذمه ربه، والمحمود من حمده ربه. قال النبي ﷺ: (استحيوا من الله حق الحياء واحفظوا الرأس وما وعى، والبطن وما حوى، واذكروا المقابر والبلى، من فعل ذلك، فله جنة المأوى). وجاء في الحديث: (استحى الله استحياء من رجلين من صالحي قومك وعشيرتك). والحياء من الله تعالى طريق إلى إقامة كل طاعة واجتناب كل معصية لأنه إذا خاف الذم من الله ﷿ إياه، وإنكاره ما يبدو منه من القبيح لم يرفض له طاعة ولم يقرب له معصية لعلمه كان ذلك منكم، فيقوم عنده فإذا هو فاز باستكمال الإيمان لحيائه. فصح بذلك قوله النبي ﷺ (الحياء من الإيمان) وخلق هذا الدين الحياء. وجاء عنه ﷺ أنه قال: (قلة الحياء كفر). وقد يجوز أن يكون معناه: أنه ربما يؤدي إلى الكفر، لأنه إذا لم ير أنه عليه في نفي الخالق وجحده ذمًا لم يعبأ به، فصرح به، ودعا إليه وجادل عليه، وإذا لم ير أن عليه من إنكار أن الله ﷿ مبدع كل شيء سواه ومدبره ما لم يحفل به، فأطلقه وسماه مرة علة ومرة شيئًا، وما يشبه ذلك تحصنًا من الاختراع أن يعرف به. وإذا لم ير أن عليه من إنكار أن يكون رزقه بيد الله إن شاء بسطه وإن شاء قدره لم ينل به، وأضاف ما نال عنه من ذلك إلى الكواكب وتدبرها. وأما من علم أنه على الإطلاق هذه الأقوال مذموم، وهي منه منكرة ومستقبحة، فإنه يتوقاها ويتجنبها، فصح إذًا أن عدم الحياء هو الذي سل السبيل إلى الكفر. وإن وجوب الحياء ووقوره هو الذي دعا إلى لزوم الإيمان، فصح بذلك قول رسول الله ﷺ (الحياء من الإيمان)، (وقلة الحياء كفر). ويدخل في جملة الحياء استحياء الناس بعضهم من بعض، وقد يجوز ذلك مما يتصل

زوم الإيمان، فصح بذلك قول رسول الله ﷺ (الحياء من الإيمان)، (وقلة الحياء كفر). ويدخل في جملة الحياء استحياء الناس بعضهم من بعض، وقد يجوز ذلك مما يتصل

بحقوق الله ﷿، وفيما يتصل بما بين الناس خاصة. فأما الأول فكمحافظة الواحد على الجماعات حياء من الناس وهي على وجهين: أحدهما أن يخاف ذم الجيران إياه، وإن تقبح صورته عندهم، فلا يفارق المسجد ليحمدوه ويثنوا عليه خيرًا، فيكون ذكره فيما بينهم جاريًا بالخير لا بالشر، فهذا رياء، إذا لم يتجاوز قصده أمر الناس، وليس بمحمود وسنذكره في بابه. والآخر أن يكون حياء من الله تعالى بالحقيقة، يخشى أنه إن فارق الجماعة كان من عاجل مؤاخذة الله تعالى إياه، أن يبسط المسلمون فيه ألسنتهم بالذم. وإن كان معها كان من عاجل ما يثنيه الله تعالى أن يطلق المسلمون ألسنتهم فيه بالمدح، فيكون خوفه ذم الناس، وحبه مدحهم متعلقًا بالله ﷿ لا بغيره، فهذا محمود. وجاء عن النبي ﷺ أنه قال: (إن مما أدرك الناس من كلام النبوة: إذا لم تستح فاصنع ما شئت). وفي معنى هذا قولان: أحدهما أن المراد به الدلالة على أن عدم الحياة يدل على أن الشد بأن الذي لا يؤمن أن الاستحياء فتنة، وأن أعظم الموانع من القبائح عند العقلاء الذم وهو فوق عقوبة البدن، فمن طاب نفسًا بالذم ولم يخشه، لم يردعه عن قبيح ما هو رادع فلا نال شيئًا حتى ترك نفسه مهتوك الستر، مثلوب العرض، ذاهب ماء الوجه لا وزر له ولا قدر، قد ألحقه الناس بالبهائم وأدخلوه في عدادها، بل صار عندهم أسوأ حالًا بهذا القول، على ما في ترك الاستحياء من الضرر ولينتهي عيبه، ويستشعر من الحياء ما يردع عن إتيان القبيح فهو من يعينه. والآخر: أن معناه إذا لم يفعل ما يستحي من مثله فلا حرج بعد ذلك فاصنع ما شئت. وكلاهما حسن وحق، والله أعلم بما أراد رسوله ﷺ. وأما الحياء فيما يتصل بحقوق الناس، فكحياء الولد من والده، والمرأة من زوجها والجاهل من العالم والصغير من الكبير، والواحد من الجماعة وإنما يكون ذلك إذا أراد الأدون أن يعمل على عين الأكمل عملًا يحق مثله للأكمل، فيخاف أن يقع منه عنده على وجه يذمه فيدعه. فذاك استحياؤه.

واحد من الجماعة وإنما يكون ذلك إذا أراد الأدون أن يعمل على عين الأكمل عملًا يحق مثله للأكمل، فيخاف أن يقع منه عنده على وجه يذمه فيدعه. فذاك استحياؤه. وهذا أيضًا محمود. لأن فيه مراعاة الناقص حق الكامل، وإدمانه له لأجل الفضل

الذي يعمل له على نفسه. وقد يدخل في هذا الباب حياء الناس بعضهم من بعض، حياء البكر من الإفصاح بالرغبة في النكاح، وليس هذا خوفًا لذم يلحقها على إرادة النكاح وإنما هو خوف ذم على ما يخشى أن يستبدل بإظهارها الرغبة في النكاح عليه. وهو حب الرجل وقلة الصبر. فإنها إذا تصورت في القلوب في هذه الصورة لم يؤمن أن يظن بها غير الجميل. فالذم على ذلك هو الخوف لا على النكاح نفسه. والحياء من هذا، ليس أنه الحقيقة وإنما هو مما يخاف أن يكون وراءه وبالله التوفيق. ويدخل في جملة الحياء من الله ﷿ ثم من الناس، ستر العورة لأن الشريعة كما جاءت بالأمر بستر العورة، فكذلك الناس بحكم طبائعهم يعد من كشفها شقاء عليه، وسفاهة خلاعة. جاء عن النبي ﷺ أنه قال: (استر عورتك إلا من زوجك أو ما ملكت يمينك) يعني الإماء. قيل له: أرأيت إذا كان أحدنا خاليًا بنفسه، قال: (الله أحق أن يستحى منه). فدل ذلك على أن ستر العورة تجمع العبادة والمروءة. فإن قال قائل: ما معنى قول النبي ﷺ (أحق أن يستحي منه) اللبس لا يحجب عن الله لأنه يرى المستور كما يرى المكشوف. قيل: هو هذا، ولكنه يرى المكشوف مكشوفًا قد ترك أدبه من الستر فيه. ويرى المستور مستورًا أقيم أدبه من الستر فيه، فصح الاستحياء منه باللبس والستر فيه، وبالله التوفيق. فإن قيل: أولًا يحل كشف العورة في البيت الخالي؟ قيل: يحل، وليس معنى قوله ﷺ (أحق أن يستحي منه) أن التكشف مع الخلوة لا يحل وإنما هو معنى أن المتكشف يرى نفسه كما كان غيره يراه لو كان حاضرًا والأحسن أن لا ينظر إلى عورته من غير أدب، وأن يستر عن نفسه ما يستره عن غيره. ألا ترى أنه لا يحترم عليه أن ينظر إلى فرج امرأته وجاريته، ولكن الأحسن والأشبه بالمروءة أن لا ينظر. فكذلك هذا في نفسه. فمعنى قوله (الله أحق أن يستحى منه) أن يتحمل على عيبته بالستر، لئلا يرى العبد

ناظرًا إلى عورة نفسه لا يرى عورة عبده، فإن الاحتجاب عن الله غيره ممكن، وبالله التوفيق. والأصل في هذا قول الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم والذين لم يبلغوا الحلم منكم ثلاث مرات: من قبل صلاة الفجر وحين تضعون ثيابكم من الظهيرة ومن بعد صلاة العشاء، ثلاث عورات لكم، ليس عليكم ولا عليهم جناح بعدهن﴾ فأمر المؤمنين أن لا يتكشفوا للمماليك ولا للصغار المراهقين، فينظروا إليهم وهم غير متسترين، لئلا تقع أبصارهم على عوراتهم. وأمرهم أن يحتجبوا عنهم، فلا يدخلوا عليهم في هذه الأوقات، إلا بعد الاستئذان، فيستترون إذا سمعوا الاستئذان، ثم ينادون ولو جاز الإذن لهم على ما هم عليه من التكشف لم يكن لغرض الاستئذان، ففي هذا ما أبان أن ترك الاستحياء بالتكشف مذموم، وإن النظر إلى التكشف الذي رفض الحياء جانبًا مذموم مثله، والله أعلم. قال أنس بن مالك ﵁، كنت خادمًا للنبي ﷺ، فكنت أدخل عليه بغير استئذان، فجئت يومًا فقال: (كما أتيتني يا بني، فإنه قد حدث بعدك أمرًا، لا تدخلن إلا بإذن). وهذا على أنه جاءه في بعض هذه الساعات الثلاث، فلذلك منعه من أن يدخل إلا بإذن. ولو جاءه في غيرها لم يمنع من الدخول بعد استئذان، لأنه كان خادمًا، وخادم الرجل قريب المعنى من مملوكه ومن الذي لم يبلغ الحلم. فإذا كان لهؤلاء أن يدخلوا في غير الساعات الثلاث من غير استئذان إن كان ذلك للخير الكبير إذا كان خادمًا لم ينه والله أعلم. وأما الدخول على النساء، فإن النساء في عامة الأوقات بمنزلة الرجال في هذه الساعات الثلاث، لأن المرأة في بيتها خالية بنفسها أو بزوجها أو بقرابتها، وصغير ببابها فكان عنقها وبعض صدرها وقدماها متكشفة، ولعل شعرها أو بعضه لذلك يكون، فلا يجوز إلا لمن لا يحل له النظر إلى هذه الأشياء منها، فله أن يدخل من غير هذه الأوقات الثلاثة بغير إذن. ولا يدخل في هذه الأوقات الثلاثة إلا بإذن، لأنه قد تكون وضعت جميع

يحل له النظر إلى هذه الأشياء منها، فله أن يدخل من غير هذه الأوقات الثلاثة بغير إذن. ولا يدخل في هذه الأوقات الثلاثة إلا بإذن، لأنه قد تكون وضعت جميع

ثيابها، ولا يجوز أن يطلع على ما دون الإزار منها إلا الزوج. وأما غير هذه الأوقات فليس أوقاتها للتجرد في العادة، وإن كان قائمًا وضع الخمار ونحوه. وللخادم النظر إلى الصدر والشعر بالاتفاق. ولهم النظر عندما إلا ما لا يكون مثله عورة من الرجل من شعرها وبشرها، فلذلك لم يمنعوا من الدخول بغير إذن. وجاء أن رجلًا سأل رسول الله ﷺ، فقال: (يا رسول الله، أأستأذن على أمي؟ فقال: نعم. فقال الرجل: أني معها في البيت، فقال رسول الله صلى الله: استأذن عليها. فقال الرجل: إني خادمها. فقال رسول الله ﷺ: أتحب أن تراها عريانة؟ قال: لا. قال: فاستأذن عليها) وهذا- والله أعلم- على الساعات الثلاث التي هي أوقات التجرد دون ما عداها، الذي ليس في العادة وقتًا للتجرد الكامل والله أعلم. وقال ﷿: ﴿والقواعد من الناس اللاتي لا يرجون نكاحًا فليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن غير متبرجات بزينة﴾. وذلك يحتمل معنيين: أحدهما: ليس عليهن أن يضع ما يعلو ثيابهن من الأردية أو الأكسية، ويدعن ما تحتها من الدروع والخمر. والآخر: أن تكون التجرد. فإن كان التجرد هو المراد، والعجوز إذًا كالرجل فيما جعل لها من التجرد في هذه الساعات الثلاث، فمن لا يجوز له أن يدخل على الرجل ويراه متكشفًا، لم يجز له أن يدخل على العجوز فيراها منكشفة. وإن كان المراد بنزع الرداء أو اللحاف والكساء. فقد بان بأن العجوز لا يحل لها أن تنكشف لأعين الرجال. واجتمع الوجهان في أن نظرة الأجنبي، أن العجوز هي منكشفة غير جائزة. وعن مجاهد قال: لا ينبغي للمرأة أن تجلس عند الرجل من الناس ليس بمجرد في أقل من أربعة أثواب: جلباب وردع وخمار وإزار. فأما العجوز التي صارت من القواعد، فلا بأس أن تضع جلبابها وتقتصر الدرع والخمار والإزار.

لناس ليس بمجرد في أقل من أربعة أثواب: جلباب وردع وخمار وإزار. فأما العجوز التي صارت من القواعد، فلا بأس أن تضع جلبابها وتقتصر الدرع والخمار والإزار.

وروي عن عبد الله في قوله ﴿أن يضعن ثيابهن﴾ قال: الجلباب. وعن الحسن ﵁ قال: تمشي وتصلي في خمار ودرع. وأما نظر المحرم إلى الشعر، ولمس البنفقة أو التعظيم، فقد جاء عنه: أن الحسن والحسين رحمة الله عليهما دخلا على أم كلثوم أختهما وهي تمشط. وأن عبد الله بن الزبير دخل على عائشة ﵂ تزين عذرها. قبل أبو بكر ﵁ رأسها فقالت: يا أبت ألا عذرتني، فقال: أي سماء تظلني وأي أرض تقلني، إذا قلت ما لا أعلم. ولا ينبغي للمرأة المسلم أن تبدي للمرأة الكافرة، ما جعل لها إبداؤه من رتيبها لأهل دينها، أن الله ﷿ قال: ﴿أو نسائهن﴾. وكتب عمر بن الخطاب ﵁ إلى أبي عبيدة ﵁: لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن ينظر إلى عورتها إلا أهل دينها. وسئل عبادة بن أنس عن اليهودية والنصرانية تقبل ولد المسلمة فكره ذلك. وقال سليمان بن موسى: هذا مكروه. وقال أبو بكر ﵁ لابنه له إذا أحضر شارب الغلام، فلا تجلسي عنده ولا تضعي جلبابك، ولا تسوكي عنده، ولا تضعي سواكك إليه، ولا تكتحلي عنده، ولا تضعي كحلك، ولا تتحمي عنده، ولا تضعي خاتمك عنده، ولا تضحكي إليه، ولا يضحل إليك، وامري نساءك بهذا. يحتمل معنى ولا سواكك ولا كحلك ولا خاتمك أي عند الغلام بعدما بلغ لئلا يلبس جلبابها ولا يتختم بخاتمها ولا يتسوك بسواكها، ولا يكتحل بمرودها من كحلها. والنظر إلى الوجه والكفين من الأجنبية وإن كان مباحًا لا لشهوة، فإن لمس السبابة والتعظيم ليس إلا لمحرم دون الأجنبي. فإن رسول الله ﷺ روى عنه أنه كان لا يصافح النساء في البيعة. وروى أنه أجابه: كانت توضع وقتها ماء فيدخل النبي ﷺ في يده، فإذا أخرجها أدخلت المرأة يدها مكان ذلك منه لهن، كالمصافحة للرجال. رأيت امرأة جلس إليها من لا يحل له النظر إلى شعرها ولا إليها غير مختمرة، فلا ينبغي أن تجلس عنده في خمار رقيق وجلباب رقيق ما تحتاجه، فإنه روى أن النبي ﷺ استيقظ ليلة

فقال: (سبحان الله، فإذا أنزل الله الليلة من الفتنة، ماذا أنزل من الخير، أين من يوقظ صواحب الحجرات، يا رب كاسيه في الدنيا عارية في الآخرة). وروى أن دحية الكلبي لما رجع من عندهن قد أعطاه رسول الله ﷺ قبطية، فقال: (اجعل خديعًا لك قميصًا، واعط صاحبك صديعًا يختمر به- والصديع النصف وهو كالشقيق والشق- ثم قال له: مرها تجعل تحتها شيئًا لئلا تصف). وذكر أبو هريرة ﵁ ربة ثياب النساء، فقال: الكاسيات العاريات الناعمات السنيات. ورحل نسوة من بني تيم ابن مرة على عائشة ﵂، عليهن ثياب رقيقة. فقال عائشة: إن كنتن مؤمنات فليس هذا لباس المؤمنات. وإن لم تكن مؤمنات فتمنعنه. وأدخلت امرأة عروس على عائشة ﵂، وعليها خمار قبطي معصفر، فلما رأتها قالت: لم يوص بسورة البقرة أمراء لبسوا هذا؟ وإنما أنكرت عائشة أفراد الرقيق الذي تصف ما تحته باللبس، ولو كان تحته غيره لم يكره، لأنه ليس في زنة الثوب ما يحرمه. ولا ينبغي للمرأة أن يطيل ذيلها أكثر ما يحتاج إليه ليستر قدميها، وكان رسول الله ﷺ حد لذيل المرأة شبرًا، فقالت أم سلمة: لا يكفيهن، فقال: (ذراع). وليس هذا إن شاء الله بوقتنا لازمًا، وإنما المراد ما تقع به الكفاية. ولا تخرج بالنهار إلا عن ضرورة، فإن عمر ﵁ كان لا يدع امرأة تخرج نهارًا. وقال الحسن: إن كانت المرأة لتنخرق خصرها ومجلسها منه أخصر، وإن كانت المرأة لتخرج من الحاجة فترى الرجل فيخر فيقع. وعن الحسن قال: إن كان الرجل ليخرج من منزله أول النهار فما يرجع حتى يرتفع النهار،- وذكر: وسط النهار-، فما يرى امرأة في الطريق. وقالت امرأة عبد الله بن مسعود لابن مسعود: اكسي جلباب الله الذي جلبك،- يعني بيتك-. ولا ينبغي للمرأة أن تخرج إن خرجت من بيتها متطيبة ولا لابسة شهرة من الثياب، لا إلى مسجد ولا إلى سوق، ولا إلى بيت جارة. قال رسول الله ﷺ للنساء: (إذا خرجتن إلى مساجد الله فأخرجن بغلات وألصقن بالخدرات ولا تمسسن طيبًا).

الثياب، لا إلى مسجد ولا إلى سوق، ولا إلى بيت جارة. قال رسول الله ﷺ للنساء: (إذا خرجتن إلى مساجد الله فأخرجن بغلات وألصقن بالخدرات ولا تمسسن طيبًا).

وقال عمر ﵁: ما يمنع المرأة المسلمة إذا كان لها حاجة أن تخرج في اطمارها أو اطمار جارتها مستخفية لا يعلم بها أحد حتى ترجع إلى بيتها. وقال ابن مسعود: أن المرأة تلبس ثيابها، فقال لها: أين تذهبين، فتقول: أعود مريضًا، أشهد جنازة، آتي المسجد فأصلي فيه. فقال لها: ما تريدين إلى ذلك؟ فتقول: أريد وجه الله، ولا والذي لا إله غيره ما طلبت وجه الله بمثل ذلك إلا أن تتقي الله وتقعد في بيتها. ولا يحل لامرأة أن تصل شعرها بشعر إنسان، ولا شعر ما لا يؤكل لحمه، فإن وصلته بشعر ما يؤكل لحمه لزوجها فلا بأس وكذلك الوشم. لعن رسول الله ﷺ الواصلة والمستوصلة والواشمة والمستوشمة. ولا ينبغي لها أن تدع الخضاب فإنه يروى أن رسول الله ﷺ رأى امرأة لا تختضب فقال: (تدع إحداكن يدها حتى كأنها يد رجل، فما زالت تختضب وقد جاوزت التسعين حتى ماتت). ودخلت امرأة على عائشة ﵂ وهي مبيضة أظفارها فقالت: مال هذه التجارة، غيري أظفارك. وأرسلت أم الفضل بين يزيد بن المهلب إلى أنس بن مالك ﵁ تسأله عن الخضاب، فنهانا عن النقط وأمرها بالعشر. ويروى عن عمر ﵁ قال: يا معشر النساء، إياكم والنقش والتظاريف، وإذا اختضبت إحداكن فلتخضب إلى هذه- وأشار إلى الكوع-. ويتسحب للمرأة أن لا تتعطل، وتكون في عنقها قلادة من سير في خرز. فإن ذلك يروى عن رسول الله ﷺ، قالت عائشة ﵂: لا ينبغي للمرأة أن تكون بغير قلادة أما بخيط أو بسير. وقال أنس ﵁: يستحب للمرأة أن تعلق في عنقها في الصلاة ولو سير. وقيل لعائشة ﵂: يا أم المؤمنين، كيف ترين في حق المرأة عن حبيبها، فقالت: أميطي عنك للأخرى وتتصنع المرأة لبعلها بما شاءت. وقيل لها: يا أم المؤمنين، ما تقولين في الخضاب والصباغ والتماغر، والقرطين، والخلخال وخاتم الذهب ورقاق الثياب؟ فقالت: يا معشر النساء قصتكن قصة امرأة واحدة، أحل الله لكن الزينة غير متبرجات لمن لا يحل لكن أن يروا منكن محرمًا. وسألت امرأة عائشة

ذهب ورقاق الثياب؟ فقالت: يا معشر النساء قصتكن قصة امرأة واحدة، أحل الله لكن الزينة غير متبرجات لمن لا يحل لكن أن يروا منكن محرمًا. وسألت امرأة عائشة

رضي الله عنها عن كلف بوجهها: هل تداويه؟ فقالت: إن كنت ولدت وهي بلك فلا تحركيه وإن كان شيء حدث فداويه. وعندها ابن أخت لها وبوجهه أثر الجدري، فقالت: وددت أني وجدت من يذهب عنه هذا عن وجهه. ولا ينبغي للرجل إذا أقرب أهله أن يكشفها، فإنه يروى عن رسول الله ﷺ قال: (إذا جامع الرجل أهله فليلقين عليها ثوبًا، ولا يتعريا فعل الحمارين، فإنه إذا فعلا كذلك خرجت الملائكة من بيوتهما). وفي رواية أخرى، قال رسول الله ﷺ: (إذا أتى أحدكم أهله فليستر، ولا يتجرد تجرد البعيرين). وسئل الحسن عن الرجل يكون له جاريتان في بيت فيطأ إحداهما، فكره ذلك. أو قال: كرهوا ذلك. فقيل له: ما يكره من ذلك؟ قال: الفحشى. وجاء في هذا الباب عن النبي ﷺ أنه نهى عن دخول الحمامات، ثم أذن للرجل أن يدخلوها بالمئزر، ونهى النساء عن دخولها بالإطلاق. وذلك لما بنى عليه أمرهن من المبالغة في الستر، ألا ترى أن الواحدة منهن لا تخرج عطرة من بيتها كما يخرج الرجل. وأن النساء إذا اجتمعن على الصلاة تقوم أمامهن وسطهن ولا تتقدمهن كما يتقدم أمام الرجال. وأن المرأة إذا صلت لا ترفع صوتها بالقراءة في صلاة قط، وإنها لا تؤذن كما يؤذن الرجال. فكذلك لا تدخل الحمام متغطية، وإن دخل الرجل بعد أن تستر. وروى أن نساء دخلن على عائشة ﵂ من أهل الشام قالت لهن: أتين من اللائي يدخلن الحمامات، ما من واحدة تضع ثيابها في غير بيتها إلا هتكت الستر فيما بينها وبين الله. فإن قيل: قد وصف الله تعالى نبيه ﷺ بالاستحياء، فقال: ﴿إن ذلكم كان يؤذي النبي فيستحي منكم﴾ الآية. فلو كان حد الحياء خوف الذم لما استحى النبي ﷺ، لأنه لم يكن يخاف من أحد ذمًا، وقد جاء في صفته: إنه كان أشد حياء من العاتق في

خدرها. وهذا يدل على معنى الحياء غير ما ذكرتم. وقد يرى أن الصبيان الذين لا يدرون الحمد والذم يستحيون، فلو كان معنى الحياء ما ذكرتم لم يوجد الحياء إلا من عارف بالذم. فالجواب أن استحياء النبي ﷺ هو أن لا يفعل ما يمنع خوف الذم غيره من فعله، ولا شك أن غير النبي ﷺ لو يبرم بضيف، قد فرغ من الطعام والرياء، لكان الذي يمنعه من أن يخرجه من المنزل أو يقول: أبرمت لكم خوف الذم، وأن يقال: كان أول هذا الذم دعاء وآخره جفاء. فإذا وقع هذا النبي ﷺ وهو من البشر، كان من هذا في قلبه ما يدور في قلب غيره فذلك حياؤه. وأما الصبيان فإن وجود الحياء فهم لا يبطل أن يكون حقيقة الحياء ما قلنا، لأن الحياء ما جبل الناس عليه في كثير من الأشياء فهم يستحون، وإن كانوا لا يدرون ما الحياء، كما يجوعون ولا يدرون ما حقيقة الجوع ويعطشون ولا يدرون ما أحقية العطش، وينامون ولا يدرون ما حقيقة النوم، فكذلك يستحون وإن لم يدروا ما حقيقة الحياء. على معنى يمنعون من فعل ما لا يمنع من مثله إلا خوف الاستنكار والذم، وإن كانوا لا يخشون بذلك من نفوسهم، لكنهم لا يخلون من نفور يجدونه في قلوبهم، وذلك النفور حيلة، كما أن كراهية الذم حيلة، وحب المدح حيلة فما الصبي بنفور قلبه ولم يدر علة النفور حتى إذا عقل أدرك، سيكون الفعل من جنس ما يذم فاعله، أو ما يخشى أن يكون كذلك. وفي هذا بيان أن وجود الحياء من الصبيان لا يبطل ما حددنا به والله أعلم.

ر حتى إذا عقل أدرك، سيكون الفعل من جنس ما يذم فاعله، أو ما يخشى أن يكون كذلك. وفي هذا بيان أن وجود الحياء من الصبيان لا يبطل ما حددنا به والله أعلم.

الخامس الخمسون من شعب الإيمان وهو باب في بر الوالدين قال الله ﷿: ﴿وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانًا، إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولًا كريمًا، واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرًا﴾. وقال: ﴿ووصينا الإنسان بوالديه حسنًا، وإن جاهداك لتشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما﴾. وقال: ﴿ووصينا الإنسان بوالديه إحسانًا، حملته أمه كرهًا ووضعته كرهًا، وحمله وفصاله ثلاثون شهرًا، حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة، قال: رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت بها علي وعلى والدي، وأن أعمل صالحًا ترضاه وأصلح لي في ذريتي، أني تبت إليك وأني من المسلمين﴾. وقال: ﴿ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهنًا على وهن، وفصاله في عامين أن اشكر لي ولوالدي إلي المصير، وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفًا واتبع سبيل من أناب إلي ثم إلي مرجعكم، فأنبئكم بما كنتم تعملون﴾. وجاء عن النبي ﷺ أنه قال: (لئن يجزي ولد والدًا إلا أن يجده مملوكًا فيشتريه فيعتقه). وإنه قال: (رضاء الله مع رضاء الوالدين، وسخط الله مع سخط الوالدين). ولن تختلف الأخبار في أن عقوق الوالدين من الكبائر. وفي حديث

لوكًا فيشتريه فيعتقه). وإنه قال: (رضاء الله مع رضاء الوالدين، وسخط الله مع سخط الوالدين). ولن تختلف الأخبار في أن عقوق الوالدين من الكبائر. وفي حديث

شهر رمضان: أن جبريل صلوات الله عليه قال: رغم أنف امرئ أدرك أبويه أو أحدهما فلم يغفر له، فقال النبي ﷺ: (آمين). وبالجنين أن يكون لحق الوالدين هذا التغليظ، فإنهما سبب لكون الولد ووجوده، والفضائل كلها تعقب الوجود. فما صار سببًا له فهو سبب لها، وكفى بهذا حقًا عظيمًا وذمًا أكيدًا. ثم الأم أعظمها حقًا وأوجبها حرمة لأن شغلها للولد أكثر، فإنه من الرحم يحدث، ثم يكون فيه إلى أن يتم خلقه، وينفخ فيه الروح. وتقاسي الأم في ولادته وتربيته ما لا خفاء به. والوالد خلي هذا كله. فوجب إذًا (أن يكون حق الأم أعظم وحرمتها أكد. فأما نسبة الولد، فإنما كانت إلى الأذن دون الأم لأن المراد منها الشهر والتعريف، وأمر النساء مبني على الستر فلم تقع الإضافة إلى الأم ما هو المراد من الشهر، والتعريف إذا كانت العادة أن الأم بنفسها غير معروفة ولا مشهورة، ويستحيل أن يقع تعريف المجهول بإضافته إلى مجهول مثله، أو أشد جهالة منه، فلذلك أنهي بذكر الأب وصف ذكر الأم عند الدعوة، ومما يبين حق الأم أنها أخص بالولد من الأب، لأن الولد لابد له من الأم. فأما الأب فله منه يد، لأن الله ﷿ قد خلق عيسى ﵇ من أب منخلق، وكونه فتكون. فلما كان الذي طرق وجوده الولادة تقتضي الأم وتنبغي بها، ولا تقتضي الأب. علمنا أن الأم أخص بالولد من الأب. فإذا كان للأبوين من الحق ما لا يكون لغيرهما، كان للأم من الحق ما لا يكون للأب. وبين ذلك أيضًا أن الأبوين يشتركان في الولد ثم يكون من الأم الرضاع الذي لو وقع من أجنبي لأوجب قربًا وألزم حقًا، فصار للأم في الولد سببان ولأبيه سبب واحد. فعلمنا أن حق الأم أوجب وأعظم.

في الولد ثم يكون من الأم الرضاع الذي لو وقع من أجنبي لأوجب قربًا وألزم حقًا، فصار للأم في الولد سببان ولأبيه سبب واحد. فعلمنا أن حق الأم أوجب وأعظم. وجاء في بعض الأخبار أن امرأة أبي الأسود الدؤلي خاصمته إلى بعض القضاة في ابن لها منه أراد أن يأخذه منها، فقالت المرأة: أيها القاضي، إن هذا الصبي كان بدني له غذاء، وحجري له وقاء، وجوفي له وعاء، فالآن لما كبر، قد عزم أن يفجعني به، فقال أبو الأسود: إن كان كذاك فقد حملته قبل أن تحمليه، ووضعته قبل أن تضعيه، فقالت المرأة: حملته خفًا وحملته ثقلًا، ووضعته حياء ووضعته كرهًا. فقال القاضي: قد خصمتك، خذي ولدك.

فصل وقد اختلفت الدلائل في كون الجنين، فذهب بعضهم إلى أن يكون من ماء الرجل وحده، ويتربى في رحم الأم، ويستمد في الدم الذي يكون فيه. وذهب غيرهم إلى أنه يكون من ماء الرجل والمرأة معًا. ومن قال بالقول الأول، قال: إنما نسب إلى الأب ولم ينسب إلى الأم لأنه خلق من ماء الأب ولم يخلق من ماء الأم. وذهب إلى أن حق الأب ألزم وأعظم لأنه جزء منه منسول من بدنه وليس بسلالة من الأم، واحتج بقول الله ﷿ ﴿ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين، ثم جعلناه نطفة في قرار مكين﴾. وقوله: ﴿ألم يك نطفة من مني يمنى﴾ فدل ذلك على أن الخلق كان من ماء واحد. ومن قال بالقول الثاني: قال: إنما ينسب إلى الأب دون الأم لما سبق بيانه ولأن القيام بصالحه كلها من النفقة وغيرها عليه. أما الخلق فإنه منهما. وذهب إلى أن حق الأم أعظم وأوجب، واحتج بقول الله ﷿: ﴿يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى﴾ وقوله: ﴿خلق من ماء دافق يخرج بين الصلب والترائب﴾. وقال: أراد به أصلاب الرجال وترائب النساء. ولأن المرأة تمني كما يمني الرجل، ولو لم يكن منها خلق لم يكن لها شيء. وبأن النبي ﷺ سألته امرأة عن المرأة ترى في منامها ما يرى الرجل، هل عليها الغسل. فقالت لها أم سلمة: فضحت النساء وهل ترى المرأة ذلك؟ فقال النبي ﷺ: (نعم، يكون شبه الخؤول والعموم، إذا علا ماء الرجل أشبه الولد الرجل، وإذا علا ماء المرأة شبه الولد المرأة) ثم قال النبي ﷺ: (إذا رأت إحداكن الماء الدافق فلتغتسل). ومن ذهب إلى هذا، قال: ذكر الله ﷿ أنه خلق الإنسان من السلالة والنطفة ولكنه لم يصفه إلى أحد الأبوين دون الآخر كالسلالة لهما والنطفة منهما بدلالة قوله ﷿: ﴿خلق من ماء دافق يخرج من بين الصلب والترائب﴾. وقد

السلالة والنطفة ولكنه لم يصفه إلى أحد الأبوين دون الآخر كالسلالة لهما والنطفة منهما بدلالة قوله ﷿: ﴿خلق من ماء دافق يخرج من بين الصلب والترائب﴾. وقد

قال ﷿ في قصة الطوفان: ﴿فالتقى الماء على أمر قد قدر﴾. وإنما أراد ماء السماء وماء الأرض، لأن الالتقاء لا يكون إلا من اثنين، فلا ينكر أن يقول: ﴿خلقنا الإنسان من سلالة من طين﴾ ويريد ماءين والله أعلم. فصل ثم أن الله ﵎ كما وصى بالوالدين الإحسان وكرر من حقوقهما ما عسى يعقل الأولاد عنه، كذلك للأحكام بين الوالدين والمولودين على ما يقتضيه الأصل الذي سبق وصفه، فمن ذلك أنه نهى عن انتهار الوالدين وأمر بالتواضع والذلة لهما من الرحمة وقيل في الرحمة: أنها صفة مركبة من الحب والجزع، وهذا من الآدميين، فلا يجوز مثل هذا على الله، فأمر الولد أن يحب والديه، وأن يكون قلبه لهما بحيث لا يحتمل أن يصيبهما أذى أو يمسهما سوء بألم من أدنى مكروه يصل إليهما. فإذا كان من الحب لهما بهذه المنزلة، فذلك هو الرحمة، وهو إذا وجدها في قلبه لهما، لم يكن منه انتهار لهما ولا مفارقة لطاعتهما إلا أن يكونا كافرين، ويأمر الوالد بالكفر، أو يكونا فاسقين، فيدعو الولد إلى الفسق فيحرم عليه أن يطيعهما، لأن الله ﷿ أولى به منهما، وحقه أولى وأعظم من حقهما، وهو يأمره بخلاف ما يأمرانه به، فطاعته أولى من طاعتهما، ومن ذلك أنه أبطل القصاص عن الأبوين إذا قتلا أو أحدهما الولد. ومعنى ذلك أنهما كانا سبب وجود الولد، فإنهما قبلة قضى الله تعالى عن الوالد حقه، لأن القتل لأجله، فيكون بقاؤه بعدما قتل ولده حرًا لكونه سببًا لوجود الولد في الابتداء. وكذلك إذا قتل ولد والده لم يقتله ولده قصاصًا لهذا المعنى بعينه. ومن ذلك أنه إذا قذف ولده لم يجلد، لأنه كان سببًا لكل فضيلة من فضائل الأحياء نالها الولد، فجعل ترك الجلد عليه لئلا ينادي به، ولا يألم منه قضاء بحق الولد عنه، فيما كان للولد سببًا لوصوله إليه من نعمة الحياء وغيرهما. ومن ذلك أن الولد إذا ملك أبويه عتقًا عليه لأنهما كانا سببًا لوجوده، وكل ما تبع الوجود من الفضائل فلم يسلط عليهما

لوصوله إليه من نعمة الحياء وغيرهما. ومن ذلك أن الولد إذا ملك أبويه عتقًا عليه لأنهما كانا سببًا لوجوده، وكل ما تبع الوجود من الفضائل فلم يسلط عليهما

بالاسترقاق، لأن حقهما عليه يقتضي أن يخفض لهما جناح الذل من الرحمة. والاسترقاق استصغار واستذلال، فاستحال يستذل من أمر بالذلة لهما، ومن ذلك وجوب النفقة لهما عليه عند الحاجة ليكون سببًا لبقائهما عند حاجتهما إلى معونته، كما كانا سببًا لوجوده. ومن ذلك أن على الابن أن يعف أباه إذا عاد وبصق. وقدر الإبن على إعفائه ليصونه عن الرجم والجلد فلا يناله واحد منهما من قبله، قياسًا على أنه لو قتله لم يضل لأجله، ولو قذفه لم يجلد لأجله. فكذلك لا ينبغي أن يناله في بدنه رجم ولا جلد من قبله، ولو لم يعفه وهو قادر على إعفائه، حتى أوقعه السبق في أحد الحدين لكان ذلك قد أصابه من قبله، لأنه قادر على دفعه عنه بالاعقاف ولم يفعل. فثبت بذلك أن عليه إعقافه. وذكر بعض العلماء أن الأب لا يحبس في دين الابن، ولم يختلفوا في أنه لا تقطع إذا سرق مال الولد. ومعناه ما مضى، أن ابن الأب سبب لوجود الولد على ما هو عليه من كمال خلقه وتمام إعطائه، فجري عنه بأن لا ينقص شيء منه لأجله، ومن ذلك أن أحد الأبوين إذا وهب لولده شيئًا وسلمه إليه، كان له أن يراجعه إن بدا له. قال النبي ﷺ: (لا يحل لأحد أن يرجع فيما وهب إلا الوالد فيما وهب لولده). ومعنى ذلك أن الوالد لا يعطي ولده ماله إلا استزاده به من بره. ولا يرجع عطيته في الغالب إلا لعقوق يظهر منه. فإذا كانت العطية لاستزاده إليه فكانت فيهما عقوق، كانت كما لو وقعت شرط ثواب، فلم يوصل إلى الثواب.

من بره. ولا يرجع عطيته في الغالب إلا لعقوق يظهر منه. فإذا كانت العطية لاستزاده إليه فكانت فيهما عقوق، كانت كما لو وقعت شرط ثواب، فلم يوصل إلى الثواب. وإذا كانت أحكام الله تعالى موضوعة على ما وضعت، فواجب على الولد أن ينهج في تعظيم الأبوين وطاعتهما المنهج الذي يليق بهذا الموضوع. فإذا أصبح تقدم إلى الأبوين تقدم العبد إلى سيده وسلم عليهما، أو حياهما بأحسن ما تكون التحية، وانتظر ما يأمرانه به ويمثلانه به، فيبلغ فيه ما يسرهما ويرضيهما عنه إن قدر ولم يحل دونه حائل. فإن كان له عذر أخبرهما به غير متضجر من أمرهما ولا مستقل إياه على أرفق وجه وأقربه إلى أن يستوحشا عنه ولا يظنا به خلاف ما عنده، وكان في عامة الأوقات لهما كما يحبان ويرضيان. فإن احتاجا إلى ماله لم يبخل به عليهما. وإن لم يكن له مال، وكان له كسب واحتاجا

إليه كسب عليهما كما يكسب على نفسه، ووفاهما كل ما يفيه نفسه. وإن أراد الجهاد متطوعًا ولم يكن فقيرًا، فمعناه قعد، لأن النبي ﷺ قال للذي يريد الجهاد: (هل لك أبوان؟ قال: نعم. قال: ففيهما الجهاد). وإذا كان هذا مما يؤمر به إذا كان له أبوان يحتاجان إلى قيامه عليهما، فهما إذا صرحا بالنهي كان ذلك ألزم له وأوجب عليه. وإن خرج إلى الجهاد وهما لا يعلمان، أو علما ولم يتهيآ، أو أذنا ثم بدا لهما فأرادا رده، فواجب عليه أن يرجع ما لم يلتق الزحفان، فإذا التقيا لم يجز له أن يرجع. وهكذا إذا منعاه من حجة التطوع، وإن خرج بإذنهما أو بغير إذنهما، فأراد رده، وجب عليه أن يرجع ما لم يحرم، فإذا أحرم لم يرجع حتى يكمل نسكه. وإذا كان للولد سوق يتجر فيها، فأراد أبواه أن يقيم عندهما ولا يفارقهما، فينبغي له، إن لم يكن له إلى التجارة حاجة، أن ينصب في السوق من ينوب عنه، أو يقارض ماله رجلا ويقعد عند أبويه. وإن كانت له إلى الكسب حاجة، فإن قدر على كسب لا يحتاج إلى مفارقتهما إلا آثر ذلك الكسب على غيره، وأقام عندهما. وإن احتاج إلى الكسب ولم يجد بدًا من الخروج، خرج أقل ما يكفيه ولم يشقق عليهما، عيفا وقته، ثم عاد إليهما واعتذر، وسأل أن يعفوا عنه ويستغفر له والله أعلم. وإذا احتاج الأبوان إلى خدمة يصلح الولد لها، فينبغي له أن يفيهما ولا يكلهما إلى غيره، وإن لم يصلح لها بنفسه، وقدر على ما يصلح لها بملك وأجاره وتحمل من دين ما يقضي به الحاجة، وتنزاح العلة. وينبغي له أن تكون عامة ما يؤديه من حقوق والديه ويتقلد مكانهما من إحسان مقرونًا باليسر والطلاقة والسلاسة، لا يريان منه تكرهًا وضجرًا ببغضه عليهما. ويجتهد في أن لا يمر به زمان وإن قل وهما عنه غير راضين فيه. وكلما ازداد لهما برًا وإكرامًا، فإن الله تعالى حقق هذه الحال بالذكر فقال: ﴿إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف﴾. إنما فعل ذلك- والله أعلم- لأن قلوبهما عند ذلك تكون أرق وأخلاقهما أضيق فكان استرضاؤهما على الولد أشق. فكذلك زاده الله تعالى وصية بهما في هذه الحالة فوق ما وصاه بهما في عامة الأحوال.

وبهما عند ذلك تكون أرق وأخلاقهما أضيق فكان استرضاؤهما على الولد أشق. فكذلك زاده الله تعالى وصية بهما في هذه الحالة فوق ما وصاه بهما في عامة الأحوال.

وفيه وجه آخر وهو أن الأبوين إذا كبرا فقد أشرفا على المفارقة، فينبغي أن يكون الولد في ذلك الوقت أرأف بهما وأشد ولوعًا وكلفًا بهما، وأن يزودهما من بره وشفقته وحسن طاعته ما يقدر عليه. ويتزود من رضاهما عنه ودعائهما له ما يرجى أن يكون سببًا لنجاته في الآخرة، أو لزيادة درجات الثواب في الجنة والله أعلم. فأما الذي قال النبي ﷺ فيمن أدرك أبويه الكبر أو أحدهما، فلم يغفر له، فإنما أراد به أن من وسع الله تعالى له المهلة من مجاورة أبويه، فكانا معه إلى أن كبرا، ثم لم يكن منه في جميع الأيام ما يقضى عنه حقهما، ووجب له رضاهما، ويحملهما على أن يدعو له بخير فلا غفر الله له. وهذا على الحقيقة عظيم. ومما ينبغي للولد أن يشكر به والديه أن يديم الدعاء لهما بالاستغفار، وسؤال كل خير يسأله الله تعالى لنفسه من عاقبته وصحته وغيرهما. فإن الله ﷿ قد قال: ﴿وقل رب ارحمهما كما ربياني صغير﴾. وحكي عن إبراهيم صلوات الله عليه أنه قال لأبيه: سأستغفر لك ربي، وأنه لما يبين له أنه عدو لله، كان يستغفر له ويقول: لأستغفرن لك وما أملك لك من الله من شيء تصديقًا منه بوعده الذي كان وعده بربه بذلك، إن هذا القضاء ما يقدر عليه له، وللإجابة بيد الله تعالى. فإن لم تكن في حكمته أن يجيب، فليس علي من ذلك شيء. فثبت بهذا أن الاستغفار للوالدين من أعظم ما يقضي به حقوقهما، وكل دعاء يدعو به المرء لنفسه ما يريد به صلاح دين أو دنيا، فهو نظر للاستغفار والله أعلم. ومن جملة حقوق الوالدان لا يرغب الولد عنه وينتسب إلى غيره. جاء عن النبي ﷺ أنه قال: (إن كفرًا بكم أن ترغبوا عن آبائكم) وفي رواية أخرى: (من رغب عن أبيه فقد كفر). ومعنى هذا أنه فعل ما كان أهل الجاهلية يترجعوا فيه لكفرهم. فإذا قد جاء الإسلام ووقع الحكم بأن لا ينقل النسب ولا يحول، فليس لأحد أن يرغب عن أبيه الذي ولده، فإنه وإن انتسب إلى غيره لم يضر ذلك

رجعوا فيه لكفرهم. فإذا قد جاء الإسلام ووقع الحكم بأن لا ينقل النسب ولا يحول، فليس لأحد أن يرغب عن أبيه الذي ولده، فإنه وإن انتسب إلى غيره لم يضر ذلك

الأجنبي أبًا بانتسابه إليه. ولا ينفك الذي ولده أن يكون أباه وإن لم ينتسب إليه، ولا تحصل من ذلك إلا على جفاء الأب وبخسه حقه وإبخاسه من نفسه، وذلك من أعظم الحقوق، والعقوق من الكبائر. ومن حق الوالد، قيل. إن رجلًا قام إلى ابن عمر ﵄ فسأله، فألقى إليه عمامته، فقال: بعض القوم لو أعطيته درهمًا لأجزاه، فقال ابن عمر، سمعت رسول الله ﷺ: (إن من البر أن يصل الرجل أهل ود أبيه). وإن هذا كان من أهل ود عمر. وعن رسول الله ﷺ أنه قال: (لعن الله من لعن والده، ولعن الله من ذبح لغير الله، ولعن الله من آذى محدثًا، ولعن الله من غير منار الأرض). وفي حديث (لعن الله من عتق والديه، ولعن الله من تولى غير مواليه). وعنه ﷺ: (إياكم وعقوق الوالدين، فإنه ما تنسم ريح الجنة عاق ولا قاطع رحم). وفي بر الوالدين قال رجل لرسول الله ﷺ: من أبر؟ قال: (أمك، قال: ثم من؟ قال: أمك. قال: ثم من؟ قال أمك. قال: ثم من؟ قال: أباك ثم الأقرب فالأقرب) وقال ابن مسعود ﵁ سأل رسول الله ﷺ أي الأعمال أفضل؟ قال: (الصلاة لميقاتها. قلت: ثم ماذا يا رسول الله؟ قال: بر الوالدين. قلت: ثم ماذا يا رسول الله؟ قال: الجهاد في سبيل الله). وقال النبي ﷺ: (رضى الرب في رضى الوالد وسخط الرب في سخط الوالد). وقال رسول الله ﷺ: (ألا أحدثكم بأكبر الكبائر: قال: بلى يا رسول الله. قال: الإشراك بالله وعقوق الوالدين). وروى أن رجلا أتى

النبي ﷺ فقال يا رسول الله، إني أصبت ذنبًا عظيمًا، فهل لي من توبة؟ فقال: (هل لك من أم؟ قال: لا. قال: هل من خالة؟ قال: نعم! قال: فبرها). وقال النبي: (ثلاث دعوات مستجابات لا شك فيهن: دعوة المظلوم، ودعوة المسافر، ودعوة الوالد على ولده). ومن بر الوالدين قال النبي ﷺ قال: (لا يرد القضاء إلا الدعاء ولا يزيد في العمر إلا البر). معنى لا يرد القضاء إلا الدعاء أي القضاء الذي صدر من الله تعالى عامًا لقوم. فإذا استعصم أحدهم بالدعاء دفعه الله عنه، فيصير مخصومًا من بينهم، ويكون ذلك ردًا للقضاء العام عند الله، كان إلا شمله في الظاهر، ثم يكون ذلك دعاء الواحد لنفسه، وقد يكون دعاء غيره له. وذلك مثل أن يأمر الملائكة بتغريق قوم أو بهدم بيت على قوم أو إرسال نار على قوم ونحو ذلك. وجاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، دلني على عمل يقربني إلى الله. قال: (هل لك والدة ووالد؟ قال: نعم. قال: فإنما يكفي مع البر بالوالدين العمل اليسير). وجاء في حق الوالدين أنه ﷺ قال: (من البر أن تصر صديق أبيك). وجاء عنه ﷺ قال: (لا تبغض والديك، وإنما أمراك أن تخرج من الدنيا كلها فاخرج). وعنه ﷺ: (من أحب أن يمد له في عمره ويزداد في رزقه فليبر والديه وليصل رحمه). وعنه ﷺ: (لا يدخل الجنة مدمن خمر ولا عاق ولا منان). وفي رواية

أخرى (أربعة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة: عاق، ومنان، ومدمن خمر، ومكذب بالقدر). وقال رسول الله ﷺ: (إن أكبر الذنب أن يسب الرجل والديه. قالوا: يا رسول الله، كيف يسب الرجل والديه قال: يساب الرجل فيسب أهله ويسب أباه، فيسب أمه وأباه). وقال فرقد السبحي: قرأت في بعض الكتب النظر إلى الوالدين عبادة. ولا ينبغي للولد أن يمشي بين يدي والديه، ولا يتكلم إذا أشهدهما، ولا يمشي عن يمينهما ولا عن يسارهما إلا أن يدعوا له فيجيبهما، أو يأمراه فيطيعهما، ولكن يمشي خلفهما كما يمشي العبد الذليل خلف مولاه. وعنه ﷺ أوصى امرءًا بأمه: أوصه بأمه، أوصه بأمه، أوصه بأمه، أوصه بأبيه، أوصه بمولاه الذي يليه، وإن كان عليه فيه أذى فيؤذيه).


د الذليل خلف مولاه. وعنه ﷺ أوصى امرءًا بأمه: أوصه بأمه، أوصه بأمه، أوصه بأمه، أوصه بأبيه، أوصه بمولاه الذي يليه، وإن كان عليه فيه أذى فيؤذيه).


السادس والخمسون من شعب الإيمان وهو باب في صلة الأرحام قال الله ﷿: ﴿فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض، وتقطعوا أرحامكم﴾. فجعل قطع الرحم من الإفساد في الأرض، ثم ذلك الأخبار، بأن ذلك من حيث عليه لعنة، الانتفاع بسمعه وبصره، فهو سمع دعوة الله وتبصر آياته وبياناته. فلا يجب الدعوة ولا ينقاد للحق كأنه لم يسمع ولم يقع من الله البيان، وجعله كالبهيمة أو أسوأ حالًا منها، فقال: ﴿أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم. وقال في الواصل والقاطع: ﴿إنما يتذكر أولوا الألباب، الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق، والذين يصلوا ما أمر الله به أن يوصل ويخشون ربهم ويخافون سوء الحساب، والذين صبروا ابتغاء وجه ربهم وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سرًا وعلانية، ويدرأون بالحسنة السيئة، أولئك لهم عقبى الدار﴾ إلى آخرها: ﴿والذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه، ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض أولئك لهم اللعنة ولهم سوء الدار﴾. فقرن وصل الرحم وإيتاء الزكاة لوجهه، وجعل ذلك كله من فعل أولي الألباب، ثم وعد به الجنة وزيارة الملائكة إياهم فيها وتسليمهم عليهم وحدهم لهم. وقرن قطيعة الرحم بنقض عهد الله والإفساد في الأرض ثم أخبرنا بأن لهم عند الله اللعنة وسواء المنقلب. فثبت بالآيتين ما في صلة الرحم من الفضل، وفي قطعها من الوزر والإثم. وقال ﷿: ﴿قل لا أسألكم عليه أجرًا إلا المودة في القربى﴾. وقيل في تفسير ذلك وجهان:

فثبت بالآيتين ما في صلة الرحم من الفضل، وفي قطعها من الوزر والإثم. وقال ﷿: ﴿قل لا أسألكم عليه أجرًا إلا المودة في القربى﴾. وقيل في تفسير ذلك وجهان:

أحدهما: أنه أراد لا أسألك على ما أعاقبه في استصلاحكم أجرًا إلا ما يلزمكم في حق قرائبي منكم، فإنها تقتضي أن تصلوني وتودوني وتدنو مني، ولا تنقضي أن تعاملوني وتؤذوني وتقطعوني. والوجه الآخر: أنه أراد بذلك أن لا تؤذوا قرائبي، أن تعرفوا حقهم وتكرموهم وتوقروهم وتميزوهم عن غيرهم. وأي واحد من هذين كان المراد ففيه البيان لحق الرحم. لأن بين لهم في التأويل الأول أن حق القرابة هو الوصل لا القطع والنصر لا القهر. وبين في التأويل الآخر أن قرابة الرجل تجري مجرى نفسه، ألا ترى أنه احتسب ودهم لقرابته ودًا لهم، وقضاء لحقه. فمن قطع قرابته فكأنما يقطع نفسه ويمنعه من النظر لها حطة. وقال الله ﷿: ﴿لا تجد قومًا يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كان آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم﴾. فلما حرم عليهم موادة الكفار أخبرهم أنها لا تحل بحال، وإن كان الكافر ذا قربى ورحم. فلولا أن حق الرحم أن يوصل وحكم القرب أن يرعى ما دلهم على عظم الذنب في مؤاخاة الكفار، فإنها لا تحل وإن كانت بمكان قريب أو ذي رحم. وإذا بين ذلك لهم بان أن القربة لهم والرحم لا يطلقانه ولا يسوغانه، دل ذلك على أنهما مقتضيان للبر والصلة، لولا أن الكفر إذا عرض أبطل على الكافر كل حق وأفسد عليه من الخير كل حظ والله أعلم. وقال النبي ﷺ، قال الله تعالى: (أنا الرحمن وهي الرحم شققت لها من اسمي، فمن وصلها وصلته، ومن قطعها قطعته). واحتمل قوله (أنا الرحمن وهي الرحم شققت لها من اسمي) إن الرحمن والرحيم اسمان مشتقان من الرحمة. فأنا الرحمن لما وسع كل شيء من رحمتي وهي الرحم، لأن الجواز في الرحم موجب للرحمة، فمن عرف هذا الحق جزيته به خيرًا، ومن أغفله حرمته ذلك الخير. يدل عليه ما روي أن عمرًا

رضي الله عنه قال على المنبر: تعلموا من أنسابكم، ثم صلوا أرحامكم، فوالله أنه ليكون بين الرجل وأخيه تنازع ولو يعلم الذي بينه وبينه من داخله الرحم لردعه ذلك عن انتهاكه. وقال صلى الله عليه سلم: (لا يدخل الجنة قاطع رحم). قال أبو ذر ﵁: أوصاني خليل صلوات الله عليه أن أصل رحمي وإن أدبرت. وجاء عن النبي ﷺ أنه قال: (إن الرجل ليصل رحمه وقد بقى من أجله ثلاثة أيام، فيزيد الله في عمره ثلاثين سنة. وأن الرجل ليقطع رحمه وقد بقي من عمره ثلاثون سنة فيقطعه إلى ثلاثة أيام). وهذا تفسير ما جاء في حديث آخر (من سره أن ينشأ في أجله ويزاد في رزقه فليصل رحمه). ومعنى الحديثين جميعًا: أن من الناس من قضى الله له بأنه أن يوصل رحمه عاشر عددًا من السنين مبينًا، وإن قطع رحمه عاش عددًا دون ذلك، فإذا أظهر أمره لملائكته أمر ملك الموت أن تقبض روحه عهد انتهاء أول العددين، فإذا دنا ذلك يتفق له أن يبر رحمه ويصلها، فيأمر الله تعالى أن يؤخره إلى آخر الأجلين. فنهى ملك الموت إلى أن يقبض روحه، فيقال قد زاد في عمره أو يكون عبد ملك الموت أن عمر واحد لا ينتهي إلى سنين فيتفق منه أن يقطع رزقه، فيأمر الله تعالى الملك أن يقبض روحه، فيقال: قد نقص من عمره. والمعنى أنه زاد على ما كان عند الملك ونقص ما كان عند الملك. فأما ما كان عند الله من أنه عمر بعمره وينفيه في الدنيا وفي أي وقت يقله عنها فلم يختلف، وهو وإن كان قضي عليه بأنه وإن وصل رحمه عاش كذا، وإن قطع رحمه عاش كذا، فلم يخفى عليه أن يصل أو يقطع فكذلك لا يخفى عليه أنه أي العددين يعيش، وبالله التوفيق. ولما بين عظم حق القرابة والرحم، إن الله ﷿ ورث القرابات بعضهم من بعض فجعل مال الواحد إذا مات فاستغنى عنه للأمس والأمس، وللأخص فالأخص بذي قرابته، فجمع ذلك أيضًا أحق كل واحد منهما بالآخر. أما الميت فمن حيث أن ماله لم

عض فجعل مال الواحد إذا مات فاستغنى عنه للأمس والأمس، وللأخص فالأخص بذي قرابته، فجمع ذلك أيضًا أحق كل واحد منهما بالآخر. أما الميت فمن حيث أن ماله لم

ينقل إلى الأجانب، فيزداد عما إذا تفكر عند دنو أجله، أنه يفارق ماله إلى من لا يرعى حقه فيه. ولا يذكره إذا انتفع به، وتقلب فيه بدعاء ولا غيره، وسيد الأمر عليه في مفارقته. وأما الحي فمن حيث أنه يسكن عنه غير حميمه الذي فقد، بأن استخلف في ماله وأوثر به على الأجانب الذين ليس لهم مثل حقه، ولولا ذلك عه بموت قريبه أكثر، ومصيبته به أشد. ويشتمل التوريث على النظر لهما جميعًا، وأبان أن أحدهما إذا كان أولى من الآخر بعد الموت فهما بأن يكونا كذلك في حال الحياة أولى ليتعاشرا كمتواليين لا تعاشر الأصلين، وبالله التوفيق. ولأجل دلالة التوريث على عظم الحق المراعى فيه، قال النبي ﷺ: (ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت- أو قال خشيت- أنه سيورثه). فدل هذا القول منه على أنه يورث القرابات بعضهم من بعض إنما كان لعظم الحقوق التي لبعضهم على بعض. إذا كان لما سمع جبريل يعظم في قلبه حق الجار، خشي أنه يبلغ به حق القرابة فيورث به وبالله التوفيق.

ضهم من بعض إنما كان لعظم الحقوق التي لبعضهم على بعض. إذا كان لما سمع جبريل يعظم في قلبه حق الجار، خشي أنه يبلغ به حق القرابة فيورث به وبالله التوفيق. وقد كان الناس من قبل يتوارثون بالموالاة والمعاقدة، فلما نسخ الله تعالى ذلك وأبطله قال: ﴿وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله﴾. فنهاهم على أن المال إذا خرج من ملك الميت، فقد تخلف عنه من هو كالشقيق، أو من أبيه، أو من أمه فهو أولى بأن ينزل من ماله ميراثه من الخليف. والولي الذي لم يكن ببنه وبينه إلا الحقد قد ماتت مقاصده لموته، ولم يكن لازمًا له في حياته. ولما أدخل في حكم الميراث من ليس بقريب وهو المعتق نسبه النبي ﷺ ألحق الواجب من قبل العتاقة بالنسب، فقال: لولا لحمه كلحمة النسب، وسماه ما لا يدل به على أن المعتق أولى الناس بالمعتق، كما أن أولي الأرحام بعضهم أولى ببعض. فثبت بما ذكرنا أن سبيل أولي الأرحام أن يكونوا آمنوا لينين متناصرين ليعزهم الله تعالى بإعزاز بعضهم بعضًا، وذلك عاجل ثوابهم فلا يتخاذلون فيخذلهم بخذلان بعضهم بعضًا وذلك عاجل عقابهم. ألا ترون أن نبي الرحمة مع لينه وسماحته ورأفته بالقريب والبعيد من أمته كيف اشتد عليه فراق بني أمية وبني نوفل إياه أيام الشغب، وانحيازهم إلى أعدائه من قريش حتى أخرجهم

الرحمة مع لينه وسماحته ورأفته بالقريب والبعيد من أمته كيف اشتد عليه فراق بني أمية وبني نوفل إياه أيام الشغب، وانحيازهم إلى أعدائه من قريش حتى أخرجهم

بالأجانب، وأحوجهم من عداد الأقارب، وخص بالخمس بني هاشم وبني المطلب. وقال: (أنهم لم يفارقوني في جاهلية ولا إسلام). ولا شك أنه لم يفعل ذلك إلا بأمر الله ﷿ وأن الله ﷿ لم يأمره بذلك إلا ابتغاء ماله منهم، ولا أمره بضم بني المطلب إلى بني هاشم إلا قوامًا لهم وقضى عنهم حقهم. فعلم بهذا أن سنة أولي الأرحام أن يتواصلوا ويجري كل واحد منهم قريبة وحميمه منزلة نفسه والله أعلم. وليس يحتاج إلى الإكثار في هذا الباب مع ما كتبناه في إكرام الجار، لأن قرب ذي الرحم أمس وأخص وألزم من الجوار. فإذا وجب للجار على الجار من الحقوق ما سبق ذكرها، فأولى أن تكون تلك وغيرها لازمة للقرب القريب. فينبغي إذا كان في أهل بيت شيخ أو عالم أو المشار إليه بالعقل والدين، أن يعرف الجماعة حقه بالتوقير والزيارة والرجوع إلى رأيه، والقبول لخطابه ونصائحه، وابتدائه بالسلام إذا لقوه، لأنه يروى في الحديث مرفوعًا (الشيخ في قريبه كالنبي في أمته)، وأن يواسوه بالمال إن كان أرق حالًا منهم، ويصوبوا قدره في المبذل، وإتيان ما يزوى به. وإن كان في أهل البيت محاويج وأغنياء، فلا ينبغي للأغنياء أن يضيعوا المحاويج. وينبغي أن يعولوهم كما كان العباس يعول جماعة بني المطلب لغناه وحاجتهم، وإن لم يعولوهم آثروا بصدقاتهم ومعروفهم. ومن كان منهم مرضى بعده يعطيه، فليقدم بها قرابته. وإن رأى أحدًا منهم أظهر قطيعة لم يزل وراءه يزيده برًا وصلة حتى يرجع إلى الوصل الذي آثره الله به. وإن تقاطع منهم اثنان، فلا ينبغي لأحدهما أن ينتظر فيه للآخر، وليحرص كل واحد منهما على أن يكون ابتداء البر والوصل منه، فإن النبي ﷺ قال: (لا يحل المسلم أن يهجر أخاه فوق الثلاث، وخيرهما الذي بدأ بالسلام أو بالكلام). وجاء في قوله ﵎ ﴿خذ العفو وأمر بالعرف واعرض عن الجاهلين﴾ قال: (صل من قطعك وأعط من حرمك واعف عمن ظلمك). والأشبه أن يكون

المراد بقوله صل من قطعك من ذوي الأرحام، أو يكون عامًا لهم، وأخبرهم: وأيهما يتهيأ صلة القاطع أن يستعفى إن كان مظلومًا، ويعفى عنه إن كان ظالمًا. فأما الصدفة، فقد جاء فيها عن النبي ﷺ، سئل عن أفضل الصدقة قال: (الصدقة على ذي الرحم الكاشح). وإنما قال ذلك- والله أعلم- لأنها صدقة وعقوق صلة رحم فهي ثلاث قرب. وأما السلام فقد جاء فيه عن النبي ﷺ أنه قال: (بادروا أرحامكم ولو بالسلام) والمعنى صلوا أرحامكم. كأنه جعل وصلوا الرحم كسكين الحدادة بالماء. وجاء عن النبي ﷺ أنه لما نزل قوله تعالى: ﴿وأنذر عشيرتك الأقربين﴾ قال: (يا فاطمة، اشتري نفسك من الله، فإني لا أغني عنك من الله شيئًا، غير أن لك رحمًا فصلاها صلاها). فيحتمل أن يكون معنى ذلك تحصينها بفضل الدعاء لها. وجاء عن النبي ﷺ أنه قال: (استوصوا بالقبط خيرًا فإن لي فيهم رحمًا) وإنما أراد بذلك أن جاريته أم ابنه إبراهيم، وهي (مارية) كانت قبطية، فقضى رسول الله ﷺ حق الرحم الذي كان له بهذا الأمر. وأبان أن حق الرحم لا يضيع، قويًا كان أو ضعيفًا. لأن إدلاء عامة القبط بأن مارية كانت ذات رحم بابن النبي ﷺ إدلاء يحق بعبد، وليس في القوة كالأرحام المعروفة. فإذا وجبت المحافظة عليه كانت المحافظة على الحقوق الظاهرة القوية، والقرابات الدانية الأكيدة أوجب وألزم، وبالله التوفيق.

س في القوة كالأرحام المعروفة. فإذا وجبت المحافظة عليه كانت المحافظة على الحقوق الظاهرة القوية، والقرابات الدانية الأكيدة أوجب وألزم، وبالله التوفيق.

السابع والخمسون من شعب الإيمان وهو باب في حسن الخلق ودخل في هذا كظم الغيظ ولين الجانب والتواضع. ومعنى حسن الخلق: سلامة النفس نحو الأرضي الأحمدي من الفعال. وقد يكون ذلك في ذات الله تعالى، وقد يكون فيما بين الله وهو في ذات الله ﷿ أن يكون العبد منشرح الصدر بأوامر الله ونواهيه يفعل ما فرض الله طيب النفس سلسًا نحوه. وينتهي عما حرم عليه واسعًا به غير متضجر منه ويرغب في نوافل الخير، ويترك كثيرًا من المباح لوجه الله تعالى إذا رأى أن تركه إلى العبودة من فعله متبشرًا لذلك غير ضجر منه ولا متعسر. وهو في المعاملات بين الناس أن يكون سمحًا بحقوقه لا يطالب غيره بها ويوفي ما يجب لغيره عليه منها. فإن مرض فلم يعد، أو قدم من سفر فلم يزر، أو سلم فلم يرد عليه، أو ضاف فلم يكرم، أو يشفع فلم يجب، أو أحسن فلم يشكر، أو دخل على قوم فلم يمكن له، أو يتكلم فلم ينصت له، أو استأذن على صديق فلم يؤذن له، أو خطب فلم يزوج، أو استمهل الدين فلم يمهل، أو استنقض منه فلم ينقض، وما أشبه ذلك. فلم يغضب، ولم يعاقب ولم يتنكر من حاله حال، ولم يستشعر في نفسه أنه قد جفى وأوحش، وأنه يقابل كل ذلك إذا وجد السبيل إليه بمثله، بل يضمر أنه لا يعتد بشيء من ذلك. ويقابل كلامه بما هو أحسن وأفضل وأقرب إلى البر والتقوى، وأشبه بما يحمد ويرضى. ثم يكون في اتقاء ما يكون عليه كهو في حظه ما يكون له. فإذا مرض أخوه المسلم عاده، وإن جاءه في شفاعة شفعه، وإن استمهله لقضاء دين أمهله، وإن احتاج منه إلى معاونة أعانه، وإن استسمحه في بيع سمح له، ولا ينظر إلى الذي يعامله كيف كانت معاملته إياه فيما خلا، أو كيف يقابل الناس، إما يتخذ الأحسن إمامًا لنفسه فينحو نحوه ولا يخالفه. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم

الذي يعامله كيف كانت معاملته إياه فيما خلا، أو كيف يقابل الناس، إما يتخذ الأحسن إمامًا لنفسه فينحو نحوه ولا يخالفه. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم

(أكمل الناس إيمانًا أحسنهم خلقًا). وقال: (رحم الله عبدًا سمحًا، إذا باع سمحًا، وإذا اشترى سمحًا وإذا اقتضى سمحًا). وعن عائشة ﵂ أنها قالت: ما أحد أحسن خلقًا من رسول الله ﷺ، ما دعاه أحد من أهل بيته، ولا أحد من أصحابه إلا قال له: لبيك ولذلك أنزل الله ﷿: ﴿وإنك لعلى خلق عظيم﴾. وعن رسول الله ﷺ: (إن أفضل ما يوضع في الميزان يوم القيامة الخلق الحسن). وعنه ﷺ: (أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خلقًا). وروى أن رسول الله ﷺ لم يكن فاحشًا ولا متفحشًا وكان يقول: (إن خياركم أحاسنكم أخلاقًا). وعنه ﷺ: (يا أبا ذر، ألا أدلك على خصلتين هما أخف على الظهر وأثقل في الميزان من غيرهما! قال: بلى يا رسول الله. قال: عليك بحسن الخلق وطول الصمت فوالذي نفسي بيده ما عمل الخلائق مثلهما). وسأل النواس بن سمعان رسول الله ﷺ عن البر والإثم، قال: (البر حسن الخلق، والإثم ما حل في نفسك وكرهت أن تطلع عليه الناس). وروى في حديث آخر: (الإثم ما حاك في صدرك وإن قال الناس عنه وافتروا). وفي حديث عبد الله: (الإثم حوار القلوب) أي ما حل في الصدور. وإن رسول الله ﷺ كان عرف نفاق ابن أبي سلول، ولقي فيه من الخلاف له والتخذيل عنه يوم (أحد) ما لقي. فلما مات جاءه ابنه، فقال: يا رسول الله أعطني قميصك أكفنه فيه. فنزع رسول الله ﷺ قميصه فأعضاه إياه. إنما توخيا لمسرة ابنه إذ كان مسلمًا وتأسيًا لحق أبيه.

وعنه ﷺ أنه قال: (ما مشي يوضع في الميزان أثقل من حسن الخلق فإن صاحب حسن الخلق بلغ به درجة صاحب الصوم والصلاة) وقال عبد الله بن المبارك حسن الخلق بسط الوجه وبذل المعروف وكف الأذى. وقال رجل: يا رسول الله، الرجل أمر به فلا يقربني ولا يضيفني، فيمر بي فأجزيه قال: (لا أقره). وقال رسول الله ﷺ: (لا تكونوا إمعة تقولن، إن أحسن الناس أحسنا، وإن ظلموا ظلمنا، ولكن وطنوا نفوسكم إن أحسن الناس أن تحسنوا وإن أساءوا فلا تظلموا). وعنه ﷺ أنه قال: (أن أحبكم إلي وأقربكم مني مجلسًا أحاسنكم أخلاقًا، وإن أبغضكم إلي وأبعدكم مني يوم القيامة الثرثارون والمتشدقون والمتفيهقون. قالوا: يا رسول الله، قد علمنا الثرثارون والمتشدقون فمن المتفيقهون، قال: المتكبرون). ومن هذا الباب أن يكون طلق الوجه بش اللقاء يدرك البشر لمن يلقاه، ولا يعرض وجهه عمن جفاه. قال رسول الله ﷺ: (لا تسعون الناس بأموالكم، ولكن ليسعهم منكم بسط الوجه وحسن الخلق). وإذا استوقفه صاحب حاجة وقف. وإذا رأى أخًا له حرص على أن يكون هو البادئ بالسلام، وإن صافحه لم ينزع يده حتى يكون الاخر هو الذي ينزعها منه إذا علم أنه متكبر أو متنزل فصافحته. وروى عن أنس ﵁ أنه قال: ما رأيت أحدًا التقم إذن عن رسول الله ﷺ فينحى رأسه حتى يكون هو الذي ينحى رأسه- يعني الرجل- وما رأيت رسول الله ﷺ أخذ يد رجل فنزل يده، حتى يكون الرجل هو الذي ينزع يده. وإذا استأذن أخ له عليه، لم يحجبه من غير عذر ولا أطال الباب حبسه. وإذا دخل عليه في غير وقت، ثم تطير الكراهة له. وإن طال الجلوس لم يظهر التضجر منه. وإذا دعي إلى الطعام وإن خف أجاب، وإن أهدى إليه شيء وإن نزر قبل إذا علم أن المهدي يسره أن يقبل

ثم تطير الكراهة له. وإن طال الجلوس لم يظهر التضجر منه. وإذا دعي إلى الطعام وإن خف أجاب، وإن أهدى إليه شيء وإن نزر قبل إذا علم أن المهدي يسره أن يقبل

ويسره أن يرده. قال النبي ﷺ: (لو دعيت إلى ذراع لأجبت، ولو أهدى إلي كراع لقبلت). وإن جهل عليه جاهل تجافى عنه لم يقابله. قيل في قول الله ﷿: ﴿وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلامًا﴾. معناه: قالوا قولاً سالمًا من العيب ولم يقابلوا الجهل بالجهل. وقال ﷿: ﴿خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين﴾. وقد ذكرنا أنه جاء في تفسيره: صل من قطعك وأعط من حرمك واعف عمن ظلمك. وهذه مكارم الأخلاق. والخلق الكريم هو الحسن الذي ينفع صاحبه بأن يعود عليه بالحمد وينفع غيره منه بأن يزهق به. والخلق الحسن قد يكون غريزة وقد يكون مكتسبًا، وإنما يصح اكتسابه لمن كان في غريزته أصل منه فهو يضم باكتسابه إليه ما يضمه. ومعلوم في العادات أن ذا الرأي يزداد بمجالسه الصلحاء صلاحًا، والعامل يزداد بجالسة العقلاء عقلًا. فلا يمكن أن يكون ذو الخلق الجميل يزداد حسن الخلق بمجالسة أولي الأخلاق الحسنة. ثم ينظر في أمره، فإن كان ما اكتسبه قد علق بنفسه ورسخ في قلبه جرى ذلك مجرى الغريزي، وإن كلما عرض له أمرًا يحتاج إليه حسن المحلق لم يتأت ذلك منه إلا بالشكر أو نفسه، قيل له: متخلق. وكان معناه مرضيًا ونفسه غير محمودة حمد النفس التي تطوع بالبر والإحسان وبالله التوفيق. ومن فروع هذا الباب لين الجانب والتواضع وترك الزهو والصلف والخيلاء والفخر والتمدح. وجاء عن رسول الله ﷺ أنه قال: (جاء أهل اليمن هم أرق إفادة، وألين قلوبًا، والإيمان يمان والحكمة يمانية، والسكينة في أهل الغنم، الفخر والخيلاء في القراد من أهل الوبر قبل مطلع الشمس). وعنه أنه قال: (ليس الشديد الصرعة: قالوا: وما الشديد يا رسول الله، قال: الذي يملك نفسه عند الغضب). وعنه أنه قال: (المسلمون هينون لينون كالجمل الأنف، إن قيد انقاد وأن أنيخ على هجرة استناخ).

Bagian 37 dari 42