— Bagian 41 · المتقون﴾. —
Bagian 41
المتقون﴾. وجاء عن النبي ﷺ أنه قال: (انتظار الفرج بالصبر عبادة). فدخل في ذلك الصبر في البأساء وفي كل حال يكره ويرجى زوالها. وعنه ﷺ أنه قال: (إنما مثل
المؤمن كمثل الزرع لا يزال الريح يفنيه ولا يزال المؤمن يصيبه البلاء. ومثل المنافق مثل شجرة أرز لا تهتز حتى تستحصد). وأما قوله ﷿ ﴿وحين البأس﴾ فمعناه عند القتال. أي من صبر في موطن القتال فلم يهرب من العدو. ومن هذا الصبر ما يجب ويحرم تركه. ومنه ما لا يجب ويجوز تركه. ونذكر ذلك في باب الجهاد إن شاء الله. ومما يلتحق بالصبر عند المصائب أن لا يشق المصائب ثوبه ولا يلطم وجهه ولا تنخدش بشرته. ولا المصابة تفعل شيئًا من ذلك، ولا تقطع شعرها ولا ترفع صوتها بالبكاء ولا تنوح ولا تقيم النوح. قال النبي ﷺ: (ليس منا من حلق وسلق وشق) وروى عن رسول الله ﷺ أنه قال: (ليس منا من لطم الخدود وشق الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية). وفي ذم النياحة: قال رسول الله ﷺ: (ما من نائحة تموت قبل أن تتوب إلا ألبسها الله سروالًا من نار ودرعًا من جرب). وفي البكاء على الميت: قيل لعمر ﵁: إن النساء قد اجتمعن يبكين على خالد بن الوليد، فقال: وما على نساء بن المغيرة أن يسفكن دموعهن على أبي سفيان ما لم يكن يقع لأوليائه. قيل: هما جميعًا الصوت السديد. وقيل: النقع صنعة الطعام الذي هو البقيعة. روى أن أبا بكر الصديق ﵁ لما توفي أقامت عائشة النوح، فأقبل عمر حتى قام ببابها، فنهاهن عن البكاء على أبي بكر، فأبين أن ينهين، فقال عمر ﵁ لهشام بن الحارث أو علي فاخرج إلى بيت أبي قحافة، فقالت عائشة لهشام: اخرج عليك يا بني. قال عمر لهشام: ادخل فقد أذنت لك. فدخل فأخرج أم فروة بنت أبي قحافة، فعلاها بالدرة ضربات فتخرس النوائح حين سمعت ذلك. فقال عمر ﵁: أردتن
رج عليك يا بني. قال عمر لهشام: ادخل فقد أذنت لك. فدخل فأخرج أم فروة بنت أبي قحافة، فعلاها بالدرة ضربات فتخرس النوائح حين سمعت ذلك. فقال عمر ﵁: أردتن
أن يقذف أبو بكر ببكائكن عليه، إن رسول الله ﷺ قال: (إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه). وقال: (ثلاث من الجاهلية: النياحة، والطعن في الأنساب، وشق الجيب). ولأن النياحة فيها مشابهة من الشناعة التي يستعملها الآدميون فيما بينهم، كأن النياحة تقول فيما تذكره من مدائح المفقود والفوائد التي كانت لأهله فيه: أيها الناس إن هذا المستجمع لهذه الصفات أحفاد إياه سلبنا، أي أن الإساءة، فمن عمل هذا بمكاننا شديدة، وإضراره بناء عظيم. وفي دون هذا ما يحيط الآخر، ويعظم الوزر. روى عن رسول الله ﷺ أنه قال لما توفي إبراهيم صلوات الله عليه قال: (القلب يحزن والعين تدمع، ولا نقول ما يسخط الرب وإنا بك يا إبراهيم لمحزنون) فبان بذلك أن التسليم لأمر الله تعالى إذا وقع هو الواجب، وما خالف ذلك فحرام.
الحادي والسبعون من شعب الإيمان وهو باب في الزهد وقصر الأمل قال الله ﷿: ﴿فهل ينظرون إلى الساعة أن تأتيهم بغتة، فقد جاء أشراطها﴾ وقال النبي ﷺ. (بعثت والساعة كهاتين). فعلمنا بخبر الله ﷿، ثم خبر رسول الله ﷺ، أن أجل الدنيا قريب، وإذا كان أجل الجماعة قريبًا، قبح من الواحد أن يطيل أمله، ثم لقد جاء الصحيح عن ابن عمر عن النبي ﷺ أنه قال: (إذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وإذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وخذ من شبابك لهرمك ومن صحتك ليوم سقمك، ومن غناك ليوم فقرك) وفي رواية أخرى: (اغتنم خمسًا: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وفراغك قبل شغلك، وغناك قبل فقرك، وحياتك قبل موتك). وجاء عنه ﷺ أنه قال: (ما حق امرئ مسلم أن يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عند رأسه). فاستقصر من دافع بالوصية يومين واستكثرهما له. وكل ذلك يدل على أن الاحتياط قصر الأجل، وإن إطالته عشرون، وخداع من المرء لنفسه، وسوء نظر لأمره وأهله وولده وسائر من يعينه شأنه، لأنه لا ساعة إلا ويمكن أن يكون فيها انقضاء أجله، ويدعى فيها ولا يجده بدًا من أن يجيبه. وإذا كان كذلك، فلا معنى لأن من متاع
الدنيا من يرى أنه مخلد غير منقول أبدًا عنها. فإن في ذلك إذا تمكن من قبله لها، استغل عن عبادة الله وطغى، وكأنه بجديته آخرته بقدر عمارته دنياه. فإن الله ﷿ يقول: ﴿فأما من طغى وآثر الحياة الدنيا فإن الجحيم هي المأوى﴾ وإذا نجى بما يمثل طبعه إليه وقصر أمله صار همه للاستعداد للآخر والانقطاع عن الدنيا وذلك أحوط. لأنه إن احتضر قريبًا كما يظن كان ساهيًا عن ربه مقدمًا (ما) يحتاج إليه منقلبه، وإن أمهل فكلما ازداد مهلة ازداد طاعة وبرًا وقربة، فكان ذلك أنظر له من أن ينهمك في الدنيا مطيلًا أمله، فإن احتضر قريبًا من حيث لم يظنه، فكان كمن عافصه سفر لا يجد منه بدًا، وهو لا زاد عنه، ولا راحله له، فيلزمه المشي على قديمه، وأسوأ حال وأقبحها. وإن أمهل لم يزدد على الأيام للدنيا إلا حبًا وعلى عمارتها والاستكناف منها إلا حرصًا. فإن مثله مثل الخمر يدعو قليلها إلى كثيرها، ويسرق القصير منها إلى ما فوقها، فمن علم هذا ثم كان منه في عامة أحواله على ما ذكر كما جاءت الوصية به. فقبل أكثروا ذكرها ذم اللذات لم يدع النظر لنفسه بترك الاحتياط إلى الخطأ إن شاء الله. وقد جاء في هذا الباب من الأخبار والآثار ما لا يمكن انتقاؤها لكثرتها، وقد أوردنا منها ما لابد للكاتب من ذكره. فمنها ما روي عن عائشة ﵂ أنها قالت: ما شبع رسول الله ﷺ ثلاثة أيام تباعًا من خبر بر حتى مضى لسبيله. وروى الحسن ﵁ قال: كان النبي ﷺ: يركب الحمار ويلبس الصوف ويأكل على الأرض ويلعق أصابعه ويقول: (إنما أنا عبد آكل كما يأكل العبد). وعن أبي مسلم الخولاني ﵁ أن النبي ﷺ قال: (ما أوحي إلي أن أجمع المال وأكون من التاجرين ولكن أوحي إلي أن أسبح بحمد ربك، وكن من الساجدين، واعبد ربك حتى يأتيك اليقين) وعن زياد بن جبير ﵁ قال: ثبت أن النبي ﷺ قال: (اللهم اجعل رزق آل محمد كفافًا، وخير الرزق الكفاف)
حمد ربك، وكن من الساجدين، واعبد ربك حتى يأتيك اليقين) وعن زياد بن جبير ﵁ قال: ثبت أن النبي ﷺ قال: (اللهم اجعل رزق آل محمد كفافًا، وخير الرزق الكفاف)
وعن الحسن ﵁ قال: دخل عمر ﵁ على النبي ﷺ وهو على سرير موصول، فبكى فقال له النبي ﷺ (ما يبكيك؟ فقال: ذكرت كسرى وقيصر، واعلم أنك أكرم على الله منهما، أو تريد الشيء لتنفقه في سبيل الله فما تقدر عليه. فقال: يا ابن الخطاب، أما ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة؟ قال: بلى. قال: فإنه كذلك). وعن عطاء ﵁ قال: بلغنا أن عمر ﵁ دخل على النبي ﷺ، فرآه مضطجعًا على ضجاع من أدم، محشو من النثار في البيت إهاب لم تدبغ ملقاة بعضها على بعض، فبكى عمر، فقال النبي ﷺ: (ما يبكيك يا عمر قال: أبكي لأن كسرى عدو الله في الخز والبز والديباج، وقيصر مثل ذلك. وأنت يا رسول الله، أمين الله، وخيرته على هذه الأمة. فقال النبي ﷺ: (اسكت يا عمر، فلو شاء أن يسير الجبال الراسيات معي ذهبًا لسارت). وعن عائشة ﵂ قالت: ما ترك رسول الله ﷺ دينارًا ولا درهمًا ولا شاة ولا بعيًرا ولا أوصى شيئًا). وعن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: (كيف أنعم، وصاحب الصور التقم القرن وحتى صيحته تسمع متى تؤمر أن أنفخ فينفخ. قال أصحاب رسول الله ﷺ: فكيف نقول؟ قال: قولوا: حسبنا الله ونعم الوكيل، على الله توكلنا). وعن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال لها: (ما فعلت الذهب؟ قال: قلت هذه هي عندي يا رسول الله، وهي بين التسعة والخمسة فأخذها فجعلها في كفه، ثم قال: ما ظن محمد بالله، لو لقى الله وهذه عنده، أنفقيها). وعن عائشة ﵂ أنها صنعت للنبي ﷺ فراشين فأبى أن يضطجع إلى على أحدهما: وعن عبيد بن عمير قال: كان عيسى بن مريم ﵉ يأكل من الشجر، ويبيت حيث أمسى، لم يكن له ولد فيموت ولا بنت فتجرب ولا يجبي لغد شيئًا. وعن عروة ﵁ قال: كان دادود النبي صلوات الله عليه يصنع القفف من الخوص وهو
الشجر، ويبيت حيث أمسى، لم يكن له ولد فيموت ولا بنت فتجرب ولا يجبي لغد شيئًا. وعن عروة ﵁ قال: كان دادود النبي صلوات الله عليه يصنع القفف من الخوص وهو
على المنبر ويرسل فيبيعها ويأكل ثمنها. وقال سليمان بن داود صلوات الله عليهما: كان العيش قد جربناه بلينه وشديده، وجدناه يكفي منه أدناه. وعن ابن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال: (يوم كلم الله موسى كانت عليه جبة صوف وكساء صوف وسراويل صوف وكمه صوف، ونعليه من جلد حمار غير ذكي). وعن عطاء ﵁ قال: بلغنا أن موسى النبي ﷺ صلوات الله عليه طاف بين الصفا والمروة وعليه جبة قطوانية وهو يقول: لبيك اللهم لبيك، يجيبه ربه لبيك يا موسى وها أنا معك. وعن مجاهد ﵁ قال: حج البيت سبعون نبيًا، فمنهم موسى صلوات الله عليه، عليه عمامتان قطوانيتان وهو يهل. ومنهم يونس صلوات الله عليه، وهو يقول: لبيك كاشف الضر لبيك. وعن عبد الله ﵁ قال: كانت للأنبياء قبلكم لا يستخبون، يلبسون الصوف ويركبون الحمر ويحلبون الغنم. وعن جعفر بن محمد عن أبيه أن عليًا- ﵃ أجمعين- لما دخل بفاطمة- ﵂ كان فراشها إهاب كبش إذا أرادا أن يناما قلباه على صوفه ووسادتها من أدم حشوها ليف. وفي قصر الأمل: قال رسول الله ﷺ: (أكثرون من ذكر هادم اللذات، وما ذكره عبد قط وهو في سعة إلا ضيق عليه، ولا ذكره وهو في ضيق إلا وسع عليه). أم الدرداء ﵂ قالت لأبي الدرداء ﵁: مالك لا تطلب كما يطلب فلا سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إن أمامكم عقبه كؤود لا يجوزها المثقلون، فأنا أحب أن أتخفف لتلك العقبة). وقال حذيفة ﵁: إن أقر أيامي، يوم أرجع فيه إلى أهلي فيشكون لي
الحاجة، والذي نفسي بيده لقد سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إن الله ﷿ ليتعهد عبده بالبلاء كما يتعاهد الوالد ولده، وإن الله ﷿ ليحمي عبده الدنيا، كما يحمي المريض الطعام. وقال النبي ﷺ: (ما ذئبان جائعان أرسلا في غنم، أفسد لهما من حرص المرء على المال والسرف لدينه). قال الحسن ﵁: أدركت أقوامًا وشهدت طوائف منهم ما طوى لأحد منهم ثوب قط، ولا أمر في بيتهم صنعة الطعام قط، إن كان أحدهم ليخرج فيعزم على أهله أن لا يردوا سائلًا. وأدركت أقوامًا وشهدت طوائف منهم إن كان أحدهم ليدعى إلى الميراث، هي لك لا حاجة لي به. وأدركت أقوامًا وشهدت طوائف منهم إن كان أحدهم لدينه أبصر منكم لدنياكم بقلوبكم وأبصاركم. وعن رسول الله ﷺ أنه قال: (ما من أحد غني أو فقير يوم القيامة إلا ود أن أوتي في الدنيا إلا قوتًا). وقال النبي ﷺ (من أصبح أكبر همه غير الله فليس من الله). ونهى النبي ﷺ عن التبقر في الأهل والمال إلى التوسع، وقال ابن مسعود ﵁: إن هذا الدينار والدرهم أهلكا من كان قبلكم وهما مهلكاهم. قالت عائشة ﵂: ما ترك رسول الله ﷺ دينارًا ولا درهمًا ولا عبدًا ولا أمة ولا شاة ولا بعيرًا. وقد قبض رسول الله ﷺ وإن درعه لمرهونة عند رجل من اليهود بأصوع من تمر. قال: دخل علي على أبي هاشم بن عيينة بن ربيعة وهو مريض يبكي. قال: ما يبكيك؟ أوجع بشرك أو حرص على الدنيا؟ قال: كلا، ولكن رسول الله ﷺ عهد إلي عهدًا لم آخذ به. فقال: يا أبا هاشم سترى أموالًا يرميها أقوام، وإنما يكفيك من جمع المال خادم ومركب في سبيل الله وأراني اليوم قد جمعت. وعن رسول الله ﷺ أنه قال: (أن أغبط أوليائي عندي مؤمن ذو حظ من صلاة،
يها أقوام، وإنما يكفيك من جمع المال خادم ومركب في سبيل الله وأراني اليوم قد جمعت. وعن رسول الله ﷺ أنه قال: (أن أغبط أوليائي عندي مؤمن ذو حظ من صلاة،
غامض في الناس لا يشار إليه بالأصابع، أطاع الله وأحسن عبادته في السر، وكان عيشه كفافًا، فأعجلت منيته، وقلت بواكيه وقل تراثه). وقال عمر بن الخطاب ﵁: هل تدرون ما يقيم وجوهكم عند ربكم؟ قالوا: ما؟ قال: بالورع عما نهاكم الله عنه في كتابه وبحسن نياتكم فيما عند الله. وقال أبو الدرداء ﵁: لولا ثلاث ما باليت أو لا أبقى في الأرض ساعة، لولا أني أعفر جنبي ساجدًا وأن أصوم يومًا طويل ما بين الطرفين وأن يغير وجهي في سبيل الله. وقال رسول الله ﷺ: (كيف أنتم إذا أشبعتم من ألوان الطعام؟ قالوا: ويكون ذلك يا رسول الله، قال: نعم، فإنكم أدركتموه، ومن أدركه منكم؟ فكبر القوم. ثم قال: كيف أنتم إذا سيرتم كما تسير الكعبة، فرق القوم وقالوا: رغبة يا نبي الله عن الكعبة. قال: لا ولكن من فضل تجدونه. قالوا: نحن يا نبي الله يومئذ خير أم نحن اليوم؟ قال: أنتم اليوم أفضل). وروى أن بعض الصحابة أهدى له هدية فالتمس الرسول في بيت رسول الله ﷺ وضعها فيه، فلما وجد، قال: (ضعها بالجصص، فلو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة ما يبقى كافر منها شربة من ماء). وعنه ﷺ أنه قرأ: ﴿فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام﴾ فقال: (إن النور إذا دخل القلب انشرح وانفتح. قالوا: وهل لذلك من علم يا نبي الله؟ قال: التجافي عن دار الغرور، والإنابة إلى دار الخلود، والاستعداد للموت قبل نزول الموت). وقال أبو هريرة ﵁: انطلقنا مع رسول الله ﷺ، فمررنا بزقاق من أزقة المدينة، فإذا فيه عناق ميتة، فقال: والله الدنيا أهون على الله من هذه العناق على أهلها حين ألقوها).
ة ﵁: انطلقنا مع رسول الله ﷺ، فمررنا بزقاق من أزقة المدينة، فإذا فيه عناق ميتة، فقال: والله الدنيا أهون على الله من هذه العناق على أهلها حين ألقوها).
وقال رسول الله ﷺ: (إن شراب أمتي الذين غدوا بالنعيم ونبت منهم أجسادهم). وقال ﷺ: (يدخل فقراء المسلمين قبل أغنيائهم الجنة بأربعين سنة). وقال ﷺ: (لا تكلوا فوق شبعكم، وأطعموا فقراءكم، فوالذي نفس محمد بيده ما شبعت ثلاثة أيام متواليات منذ بعثني الله نبيًا من الحبة السمراء). وعن عيسى بن مريم صلوات الله عليه قال: يا معشر الحواريين اعبروا الدنيا ولا تعمروها، إني لم أجد لكم فيها مسكنًا، واتخذ مساجد الله بيوتًا، واتخذوا بيوتكم مساجد ذلك مأوى. وعنه ﷺ قال: يا معشر الحواريين، كلوا خبز الشعير بالملح الجريش، ولا تأكلوا الإبل شهوة وألبسوا مسرح الشعر، وأخرجوا من الدنيا سالمين آمنين، حق أقول لكم: أن حلاوة الدنيا مرارة في الآخرة. وإن عباد الله ليسوا بالمتنعمين. فإن قال قائل: ما وجه التقرب إلى الله ﷿ بالامتناع مما أباحه الله وأحله، ولم يخلقه إلا لمنقعة عباده من المطاعم الشهية، والملابس الناعمة البهية، والمساكن النزهة، والفرش اللينة؟ فإن قلتم: تتركها في الدنيا لئلا تنقص لأجلها حظوظنا من نعم الآخرة. قيل لكم: النقص من نعيم الآخرة حرمان، والحرمان عقوبة، ولا عقاب على من استحل حلالًا واستباح مباحًا. فلم قلتم أن التنعم بنعيم الدنيا ينقص من نعيم الآخرة أن يفوته؟ فالجواب- وبالله التوفيق-: أن الذي يظهر من وجه التقرب إلى الله ﷿ بترك التنعيم من نعيم الدنيا أمران: أحدهما إن المقيم في الدنيا غير عالم بما هو صائر إليه، وهو يتمثل بين أن يكون من أهل الجنة أو من أهل النار. وإذا كان كذلك لم يكن في حاله محمل للتلذذ والتنعم، لأن النعمة لا تكون نعمة حتى يهيئ صاحبها، ولا تهيؤ للنعمة مع الخوف، ولا خوف أشد من خوف النار. ومعلوم فيما بينا أن من كان من سلطانه على رجل من وعيد وقع له منه فلا يتهيأ معه بنعمة، ولم تمل نفسه إلى شيء من الشهوات ما لم يأمن
جانبه، ويفرغ من ذلك الوعيد قلبه. فالوعيد الواقع من الله ﷿ أحق أن يشغل عن اللذات ويلهي عن الطيبات، إذ وعيده واقع بما لا طاقة لأحد به، ولا صبر لبدن عليه والله أعلم. والآخر: أن النعم المباحة مقتضية ممن ينعم بها شكرًا يقضي حقها، ولا شك في قوى العباد عن مقابلتها عن الشكر بما يكون لها توًا، فكان الاستمتاع بها مع قلة الحمل بحقها استهانة لها، وإعفاء عن حق موليها المنعم بها وذلك خيانة. فإنما روى أهل البصائر والإعراض عنها لئلا ينقلب النعمة عليهم نقمة، ولا تتبدل المنحة محنة. وذلك رأي لاحق لا يلام من وقع له فعمل به والله أعلم. قال عمر بن الخطاب ﵁: سلوا الله أن يرزقكم يومًا بيوم ولا عليكم أن يكثر لكم. ومما جاء في قصر الأمر: قال النبي ﷺ: (إن آدم ﵇ قبل أن يصيب الخطيئة كان أجله بين عينية وأمله خلف ظهره، فلما أصاب الخطيئة جعل أمله بين عينيه، وأجله خلف ظهره). وعن ثوبان ﵁ قال: قلت يا رسول الله، ما يكفيني من الدنيا قال: (ما سد جوعك، ووارى عورتك، ومنزل يظلك وإن كانت لك دابة تركبها) وفي رواية أخرى (وإن كان لك خادم يخدمك فذلك). سئل الزهري ﵁ عن الزهد في الدنيا فقال: أن لا يغلب الحلال شكره ولا الحرام صبره. أي لا يقصر في شكر الحلال إذا أصابه ويصير عن الحرام إذا أشبهناه ولا نواقعه. وقال أبو عبيدة الباهي دخلنا على الحسن نعوذه في مرضه قال: مرحبًا بكم وأهلًا، حباكم الله بالسلامة، وحبتنا وإياكم دار السلام، هذه علانية إن صبرتم وصدقتم واتقيتم، لا يكونن حظكم من هذا الخير، رحمكم الله أن تسمعوه بهذا الأذى. ويخرج من هذا الأذن، فإنه من رأى محمد ﷺ فقد رآه غاديًا رائحًا لا يضع لبنة على لبنة ولا فضة على فضة، ولكن رفع له علم فشمر إليه الوجاء الوجاء، ثم النجاء النجاء على ما
أذن، فإنه من رأى محمد ﷺ فقد رآه غاديًا رائحًا لا يضع لبنة على لبنة ولا فضة على فضة، ولكن رفع له علم فشمر إليه الوجاء الوجاء، ثم النجاء النجاء على ما
تعرجون، أنتم ورب الكعبة كأنكم والأمر معًا. وعن طارق بن شهاب ﵁ قال: لما قدم عمر ﵁ الشام تلقاه الجنود وعليه إزار وخفان وعمامة، وهو آخذ برأس راحلته يخوض الماء، فقالوا: يا أمير المؤمنين، يلقاك الجنود وبطارقة الشام وأنت على حالتك هذه فقال: إنا أعزنا الله بالإسلام، فلن يلتمس العز بغيره. وعن شفيق بن سلمة ﵁ قال: خرجنا في ليلة مخوفة، فمررنا برجل نائم في أجمة، قد مد حرسه وهي ترعى عند رأسه، فأيقظناه وقلنا له: أتنام في هذا المكان؟ فرفع رأسه وقال: إني لأستحيي من ذي العرش أن يعلم إني أخاف شيئًا دونه، ثم ضرب برأسه فنام. وعن وكيع ﵁ قال: كان عامر بن عبد قيس يربي السباع فيقول: إني لأستحي أن أخاف شيئًا غير الله. وعن إبراهيم اليتمي ﵁ أن أباه كان يلبس الرداء يباع إليه من خلفه ويديه من بين يديه فقلت: يا أبت لو اتخذت رداء أو تبع من رداءك هذا قال: يا بني، لم تقول هذا، فوالله ما على الأرض لقمة لقمتها إلا وددت أنها في أبغض الناس إلي. قال عمر بن ذر ما رأيت على عطاء قميصًا قط، ولا رأيت عليه ثوبًا يساوي خمسة دراهم. وعن علي ﵁، قال: اشتكت فاطمة ﵂ محل يديها من الطحن، فأمرتها أن تأتي النبي ﷺ وتسأله خادمًا، فأتته فقال: هل لكل حاجة قالت: لا، فرجعت. قلت: ما صنعت؟ قالت: أتيته فقال: هل لك حاجة قلت: لا. فاستحيت. قال: قلت ارجعي إليه. فأتيته، فوجدته قد رقد فرجعت. فلما استيقظ أتانا وعليه قطيفة إن لبسناها طولًا خرجت جنوبنا، وإن لبسناها عرضًا خرجت أقدامنا ورؤوسنا. فقالوا: لم أتيتنا أنك جئت، فهل لك من حاجة؟ قالت: لا. قلت: بلى، اشتكت محل يديها، فأمرتها أن تسألك خادمًا. فقال: ألا أدلكما على ما هو خير لكما من الخادم فأمر بأربع وثلاثين وثلاث وثلاثين مرتين تكبر وتحمد وتسبح. وعن الحسن ﵁ أن النبي ﷺ مر على سخلة ميتة ملقاة على ظهر الطريق، فقال: ترون هذه هينة على أهلها، الدنيا على الله أهون من هذه على أهلها. وعن الحسن ﵁ أن النبي ﷺ قال: (لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح
على ظهر الطريق، فقال: ترون هذه هينة على أهلها، الدنيا على الله أهون من هذه على أهلها. وعن الحسن ﵁ أن النبي ﷺ قال: (لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح
ذبابة ما أعطى الكافر منها شيئًا). وعن قتادة ﵁ قال: ذكر لنا أن النبي ﷺ قال: ألا أن الدنيا حلوة خضرة، وأن الله مستخلفكم فيها، فناظر كيف تعلمون. ألا فاتقوا الدنيا واتقوا فتنة النساء). وعن الحسن ﵁ أن النبي ﷺ قال: (الدنيا سجن المؤمن، وجنة الكافر). وعن سفيان ﵁ قال: قال لقمان لابنه: يا بني إن الدنيا بحر عميق يغرقها فيها ناس كثير، فلتكن سفينتك فيها، وحشوها إيمان بالله، وشراعها التوكل على الله، فلعلك أن تنجو، وما أدراك بناج. وقال عبد الله بن مسعود ﵁: الدنيا دار من لا دار له، ومال من لا مال له، ولها بجمع من لا علم له. وعن أبي حازم ﵁ قال: وجدت الدنيا تشير بشيء منها هو لي، فلن أتعجله قبل أجله، ولو طلبت بقوة السموات والأرض، وشيء منها هو لغيري فذاك ما لم أنله فيما مضى، ولن أرجوه. فيما بقى، منع الذي لي من غيري، كما منع الذي لغيري مني، ففي أثني هذين أدى غيري، ووجدت ما أعطيت من الدنيا يشير بشيء يأتي أجله قبل أجلي، فأغلب عليه، وشيء منها يأتي أجلي قبل أجله فأموت أتركه لغيري، ففي اثني هذين أعصي ربي. وعن مسعود ﵁، أن النبي ﷺ قال: (أما أنا والدنيا إنما مثلي ومثل الدنيا كمثل راكب قال في ظل شجرة في يوم صائف ثم راح وتركها). قال: ودخل سعد ابن أبي وقاص ﵁ على سلمان يعوده فبكى سلمان. فقال له سعد: ما يبكيك يا أبا عبد الرحمن، توفي رسول الله ﷺ وهو عنك راض، وتلقى أصحابك وترد عليه الخوص، فقال سلمان: إني لا أبكي جزعًا من الموت ولا حرصًا على الدنيا، ولكن رسول الله ﷺ عهد إلينا فقال: (ليكون بلاغ أحدكم من الدنيا مثل زاد الراكب وحولي هذه الأساود). فقال سعد: يا أبا عبد الله، أعهد إلينا عهدًا نأخذ به بعدك. فقال: يا سعد، اذكر الله عند همك إذا هممت، وعند حكمك إذا حكمت، وعند برك إذا قسمت.
وعن الحسن ﵁ قال: إن الذي كانوا من قبلكم كانوا يأخذون من الدنيا بلاغًا ويتسارعون بالفضل أنفسهم من الله رحمة، رحم الله عبدًا جعل العيش عيشًا واحدة، فأكل كسرة، ولبس خلقًا، ولزق بالأرض واجتهد في العبادة، وبكى على الخطيئة وهرب من العقوبة، وأبقى الرحمة حتى يأتي أجله، وهو كذلك. وعن الحسن ﵁ قال: المؤمن في الدنيا كالغريبة من دلها ألا تنجزع، ولا تنافس أهلها، في عزها لأهلها حال. وله حال أخرى فداهمته نفسه، والناس منه في راحة، ونفسه منه في شغل. وعن أنس ﵁، أن النبي ﷺ قال: (ما من أحد يوم القيامة غني ولا فقير، إلا ود أن ما كان له من الدنيا قوتًا) وعن محمد بن كعب القرطبي ﵁ قال: إذا أراد الله بعبد خيرًا أزهده في الدنيا، وفقهه في الدين، وبصره عيوبه. ومن أوتيهن، فقد أوتي خيرًا كثيرًا في الدنيا والآخرة. قال وكتب عمر إلى أبي موسى الأشعري ﵄: إنك لن تنال عمل الآخرة بشيء أفضل من الزهد في الدنيا. وعن جعفر بن ثوبان ﵁ قال: بلغني أن وهب ابن منبه قال: أعون الأخلاق على الدين الزهد في الدنيا، وأوشك ردعًا إتباع الهوى. ومن إتباع الهوى الرغبة في الدنيا، ومن الرغبة في الدنيا حب المال، ومن حب المال والصرف استحلال المحارم، ومن استحلال المحارم غضب الله، الداء لا دواء له، إلا رضوان الله، ورضوان الله الدواء الذي لا يضر معه داء، فمن يرد أن يرضي ربه يسخط نفسه ومن لا يسخط نفسه يرضي الله. وقال رجل للحسن ﵁: أن فقهاءنا يقولون: وقال الحسن: وهل رأيت فقيهًا؟ الفقيه الزاهد في دنياه، البصير بدينه، المداوم على عبادة ربه. وعن سفيان ﵁ قال: كان بعض أهل العلم يقول: إذا رأيتم الرجل يزهد في الدنيا، فأدنوا منه، فإنه يلقي الحكمة. وعن بكر بن عبد الله المزني قال: كانت امرأة متعبدة باليمن، فإذا أمست قالت: يا نفس الليلة ليلتك، لا ليلة لك غيرها. فاجتهدت، وإذا أصبحت قالت: يا نفس، اليوم يومك، لا يولك لك غيره، فاجتهدت.
امرأة متعبدة باليمن، فإذا أمست قالت: يا نفس الليلة ليلتك، لا ليلة لك غيرها. فاجتهدت، وإذا أصبحت قالت: يا نفس، اليوم يومك، لا يولك لك غيره، فاجتهدت.
وعن أبي موسى الأشعري ﵁، أن النبي ﷺ قال: (من أحب دنياه أضر بآخرته، ومن أحب آخرته أضر بدنياه، فأثروا ما يبقى على ما يفنى). وعن الحسن ﵁ قال: قال عامر بن عبد قيس: صرفت عن الدنيا، فانصرفت إلا عن أمرين: النوم والطعام، وأيم الله لأصبرن بهما جهدي. وعن طاووس ﵁ قال: من كانت الدنيا أكبر همه جعل فقره بين عينيه وأقسى عليه صنعته. ومن كانت الآخرة أكبر همه جعل الغنى في قلبه، وأمسك عليه صنعته. وعن الحسن ﵁. يا ابن آدم، بع دنياك بآخرتك ونجهما جميعًا. ولا تبع آخرتك بدنياك فتخسرهما جميعًا. وعن الحسن ﵁ قال: يا ابن آدم، لا غنى بك عن نصيبك من الدنيا وأنت إلى نصيبك من الآخرة أفقر، فعليك بنصيبك من الآخرة، فإنه سيأتي على نفسك من الدنيا فينتظم انتظامًا فيزول معك حيثما زلت. وعن الحسن ﵁ قال: يا ابن آدم، إذا رأيت الناس في خير فناصبهم فيه، وإذا رأيتهم في هلكة فذرهم وما اختاروا لأنفسهم. فقد رأيت أقوامًا آثروا عاجلتهم على عاقبتهم، فذلوا وهلكوا وافتضحوا. وعن خيثمة ﵁ قال: تقول الملائكة: يا رب، عبدك الكافر تبسط له في الدنيا وتزوي عنه البلاء، فتقول الملائكة: اكشفوا عن ثوابه، فإذا رأوا ثوابه قالوا: يا رب، ما يضره ما أصابه في الدنيا. وعن سعد بن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال: (للفقراء زين على المؤمن من العذار الحسن على حد القرنين). قال: وكان أبو الدرداء ﵁ يؤم الناس في شهر رمضان بدمشق ففرغ من بعض القيام، ثم أقبل على الناس بوجه فقال: يا أهل دمشق ألا تتجيرون فيما تصنعون؟ فقال القوم: ما بلغ أبا الدرداء عنا. فوجد القوم في أنفسهم فقال: إنكم- والله- لأخواني في الدين، وجيراني في الدار، وأعواني على العدو، فلا تستحيون مما تصنعون تبنون ما لا تسكنون وتجمعون ما لا تأكلون، وتأملون ما لا تدركون كالذين من قبلكم، بنوا شديدًا وجمعوا وأملوا بعيدًا، فأصبحت بيوتهم قبورًا وجمعهم بورًا وآمالهم غرورًا. وعن مسروق ﵁ قال: قلت لعائشة ﵂: يا أماه ما أكثر ما
لذين من قبلكم، بنوا شديدًا وجمعوا وأملوا بعيدًا، فأصبحت بيوتهم قبورًا وجمعهم بورًا وآمالهم غرورًا. وعن مسروق ﵁ قال: قلت لعائشة ﵂: يا أماه ما أكثر ما
كان النبي ﷺ يقول إذا دخل البيت: (لو أن لابن آدم واديان من ذهب لتمنى إليهما ثالثًا، لا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، إنما جعل الله هذا المال، لتقام به الصلاة، وتؤتى به الزكاة. ويتوب الله على من تاب). وعن أبي الدرداء- ﵁ قال: من أكثر ذكر الموت، قل فرحه وقل حسده. وعن عمر بن الخطاب ﵁ قال: زنوا أنفسكم قبل أن توزنوا، وحاسبوها قبل أن تحاسبوا فإنه أهون عليكم غدًا، وتزينوا للعرض الأكبر، وذلك يوم القيامة يومئذ تعرضون، لا تخفى منكم خافية. قال ابن عباس ﵄: ما رأيت رجلًا أشد محاسبة لنفسه من عمر، كان يجلس فيقول: ما صنعت اليوم كذا، وصنعت كذا، ثم يضرب هره بالدرة. وعن أبي الدرداء ﵁ قال: اعبدوا الله كأنكم تروه، وعدوا أنفسكم من الموتى، واعلموا أن قليلًا يغنيكم خير من كثير يلهيكم. واعلموا أن البر لا يبلى وأن الإثم لا ينس. وعن وهب بن منبه ﵁ قال: مكتوب في حكمة آل داود، حق العاقل أن لا يغفل عن أربع ساعات من النهار: ساعة يناجي فيها ربه، وساعة يحاسب فيها نفسه، وساعة يقضي فيها إليها إخوانه من المسلمين الذين ينصحونه في نفسه ويصدونه عن عيوبه وساعة تخلى بين نفسه وبين لذاتها مما يحل ويجمل. فإن هذه الساعة تكون له عون على هذه الساعات واستجمام للقلوب وفضل بلغه. وعلى الغافل أن يكون مالكًا للسانه، مقبلًا على شأنه. وعن الحسن ﵁ قال: لقي رجل أخاه فقال: يا ابن أخي، أجاءك عن الله أنك وارد النار؟ قال: يا بني، والله لقد جاء في عن الله ﴿وإن منكم إلا واردها، كان على ربك حتمًا مقضيًا﴾. قال ابن أخي: أجاءك أنك صادر عنها؟ قال: لا، والله لقد جاءني في الورود ولم نخش الصدور. قال يا ابن أخي، فقيم الضحك وقيم اللعب وقيم التناقل.
قال بكى عبد الله بن رواحة- ﵁ فبكت امرأته، فقال لها: ما يبكيك؟ قالت: رأيتك بكيت فبكيت قال: إني أنبئت أني وارد النار، ولم أنبأ أني صادر ههنا. قيل: خرج النبي ﷺ على أصحابه فقال: (أين الراضون بالمقدور والساعون للمشكور عجبت لمن أيقن بدار الخلود كيف يسعى لدار الغرور). وعن الحسن ﵁ قال: المؤمن- والله- يمسي حزينًا ويصبح حزينًا. وكان الحسن ﵁ قل ما إلا رأيته كالرجل تصيبه مصيبة محدثه. وعن الحسن ﵁ قال: ما عبد الله بمثل الحزن. وقال عامر بن قيس: أكثر الناس فرحًا في الجنة أطولهم حزنًا في الدنيا. وأكثر الناس ضحكًا في الجنة، أكثرهم بكاء في الدنيا. وأخلص الناس إيمانًا يوم القيامة، أكثرهم تفكيرًا في الدنيا. وعن ابن مسعود ﵁ قال: ينبغي لحامل القرآن أن يعرف بليله إذا الناس نائمون، وبنهاره إذا الناس يفطرون وبحزنه إذا الناس يفرحون، وببكائه إذا الناس يضحكون، وبصمته إذا الناس يخلطون وبخشوعه إذا الناس يختالون. وينبغي لحامل القرآن أن يكون باكيًا محزونًا حكيمًا حليمًا سكينًا لبيبًا. ولا ينبغي لحامل القرآن أن يكون جافيًا ولا غافلًا ولا صخابًا ولا صياحًا ولا جديدًا. وعن أبي موسى الجهني ﵁ قال: سمعت عون بن عبد الله بن عتبة وهو يقول: ويحيى، كيف أغفل ولا يغفل عني، أم كيف تهويني معيشتي واليوم الثقيل ورائي، أم كيف لا يطول حزني ولا أدري ما فعل في ذنبي. وعن مجاهد ﵁ قال: من بيت مذر ولا وبر وألا يطيف به ملك الموت كل يوم مرتين. وعن صالح أبي الخليل ﵀ قال: ما رأى النبي ضاحكًا ولا متبسمًا منذ نزلت ﴿أفمن هذا الحديث تعجبون وتضحكون ولا تبكون﴾ وعن رسول الله ﷺ قال: (والذي نفس محمد بيده، لو تعلمون ما أعلم لبكيتم كثيرًا ولضحكتم
ا ولا متبسمًا منذ نزلت ﴿أفمن هذا الحديث تعجبون وتضحكون ولا تبكون﴾ وعن رسول الله ﷺ قال: (والذي نفس محمد بيده، لو تعلمون ما أعلم لبكيتم كثيرًا ولضحكتم
قليلًا). وعنه ﷺ قال: (لا يبكي رجل من خشية الله فيدخل النار أبدًا حتى يلج اللبن في الضرع). وعن حمران بن أعين ﵁ أن النبي ﷺ قرأ ﴿إن لدينا أنكالًا وجحيمًا وطعامًا ذا غصة﴾ قال: فصعق. وعن أبي الزارع ﵁ قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، إني أحبك. فقال: (إن كنت تحبني، فأعد للفقر تجفافًا، فإن الفقر إلى من يحبني أسرع من السيل إلى منتهاه). وعن أبي الدرداء ﵁، إن النبي ﷺ قال: (إن الأكثرين هم الأسفلون إلا من قال بالمال هكذا وهكذا أربع مرات، وقليل ماهم). وعن الزهري أن عمر ﵁ أتى بغنائم فجعل يقلبها ويبكي، فقال له عبد الرحمن بن عوف ﵁: يا مير المؤمنين هذا يوم فرح، فقال: والله ما أوتيه قوم إلا وقع بينهم العداوة والبغضاء. وعن محمد بن خير ﵁ أن النبي ﷺ أتى بمال من البحرين، فلما سمع به المهاجرون والأنصار حضروا فخرج النبي، فلما رآهم تبسم وقال: (أسمعتم بهذا المال الذي جاءني؟ قالوا: نعم. قال: أبشروا وأقبلوا الذي بشركم، فوالذي نفسي بيده ما أخف عليكم الفقر، ولكني أخاف عليكم الدنيا أن تفتح عليكم من ها هنا وها هنا، فيعجبكم كما أعجب الذين من قبلكم، ويهلككم كما أهلكت الذين من قبلكم). وعن حباب بن الإرث ﵁ قال: هاجرنا مع النبي ﷺ في سبيل الله نبتغي به وجه الله، فوجب أجرنا على الله، فمنا من مضى لم يأكل من أجره شيئًا، منهم مصعب بن عمير قتل يوم أحد، فلم يوجد له شيء يكفن فيه، إلا نمرة كنا إذا وضعناها على رجليه خرج رأسه، وإذا وضعناها على رأسه خرجت رجلاه. فقال لنا النبي ﷺ:
مصعب بن عمير قتل يوم أحد، فلم يوجد له شيء يكفن فيه، إلا نمرة كنا إذا وضعناها على رجليه خرج رأسه، وإذا وضعناها على رأسه خرجت رجلاه. فقال لنا النبي ﷺ:
(ضعوها مما يلي رأسه واجعلوا على رجليه شيء من الأرض). ومنا من أينعت ثمرته فهو يهديها. وعن ثوبان ﵁ قال: كان النبي ﷺ إذا سافر كان آخر ما يكون عهده به فاطمة، وإذا قدم كان أول ما يأتيها، فجاء من سفره وقد علقت سترًا، وسورت الحسن والحسين سوارين من فضة، فلم يدخل عليها. فظنت إنما منعه الستر والسواران، فهتكت الستر ونزعت السوارين، وقالت: انطلقوا به إلى النبي ﷺ، فذهب به إليه فقال: (هؤلاء أهل بيتي أكره أن تأكلوا طيباتهم في حياتهم الدنيا، يا ثوبان اذهب بهما إلى فلان واشتر لفاطمة قلادة من عصب وسوارين من عاج). وعن الحسن ﵁ قال: أكل ابن سمرة بن جندب حتى بشم، فتقيأ، فقال له سمرة: لو مت ما صليت عليك. وعن مطرف بن الشجير عن أبيه ﵄ أنه انتهى إلى النبي ﷺ وهو يقول: ﴿ألهاكم التكاثر﴾ فقال: (يقول ابن آدم: مالي مالي وهل لك من مال إلا ما تصدقت فأمضيت، أو لبست فأبليت أو أكلت فأفنيت). وعن الحسن ﵁ أن النبي ﷺ قال: (إذا مات الميت قالت الملائكة: ما قدم؟ ويقول بنو آدم: ما ترك). وعن أبي الدرداء ﵁، قال رسول الله ﷺ لعائشة ﵂: (إن أردت اللحوق بي، فليكفك من الدنيا كزاد الراكب، وإياك مجالسة الأغنياء، ولا تستخلفي ثوبًا حتى ترقيعه). وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (انظروا إلى من هو أسفل منكم ولا تنظروا إلى من هم فوقكم، فإنه أجدر أن لا تزدروا نعمة الله عليكم. وعن عون ابن عبد الله بن عتبة ﵁ قال: كم من مستقبل يوم لا يستكمله، وكم من منتظر غدًا لا يبلغه. لو نظرتم في الأجل ومسيرة لأبغضتم الأمل وعدوله.
وعن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: (يا عبد الله كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل. وإذا أمسيت فلا تحث نفسك بالضياع، وخذ من حياتك قبل موتك، ومن صحتك قبل سقمك، فإنك لا تدري يا عبد الله ما اسمك غدًا). وعن الحسن ﵁ أن النبي ﷺ قال لأصحابه: (كلكم يجب أن يدخل الجنة. قالوا: نعم يا رسول الله، فدانا الله فداك. قال: فاقصروا من الأمل واستحيوا من الله حق الحياء. قالوا: يا رسول الله، لكنا نستحي من الله. قال: أليس ذاك الحياء، ولكن الحياء من الله: أن تذكروا المقابر والبلى والجوف وما وعى، والرأس وما احتوى. ومن يشتهي كرامة الآخرة يدع زينة الدنيا هنالك استحياء العبد من الله، وأصاب ولاية الله) وعن علي ﵁ قال: أخوف ما أخوف عليكم انتياب طول الأمل واتباع الهوى أما طول الأمل فينسى الآخرة، وأما إتباع الهوى فيصد عن الحق أن الدنيا قد أديت مدبرة، والآخرة مقبلة، ولكل واحد منهما بنون، فكونوا من أبناء الآخرة. فإن اليوم عمل ولا حساب وغدًا حساب ولا عمل. وعن قتادة ﵁ قال: قال لقمان لابنه: يا بني اعتزل الشر كما يغتر لك، فإن الشر للشر حاق. وعن الحسن ﵁ أن النبي ﷺ قال: (إياكم ومجالس الطرق، فإن كنتم جالسين لا محالة، فإن عليكم أن تغضوا البصر وأن تعينوا الضعيف وأن تهدوا الطريق وأن تردوا السلام). وعن ابن مسعود ﵁ قال لابنه وهو يوصيه: ليسعك بيتك، وابل من خطيئتك، واملك عليك إساءة. وعن كعب بن مالك ﵁ قال: وددت أن لي سدادًا من عيش، وأن بيني وبين الناس باب مغلق. وعن بعض أصحاب النبي ﷺ أنه قال: (أعجب الناس إلى منزله، رجل يؤمن بالله ورسوله ويقيم الصلاة ويؤتي الزكاة ويعمر ماله ويحفظ دينه). وعن مجاهد ﵁ قال: قال عمر بن الخطاب ﵁: وجدنا خير عيشنا في الصبر. وعن علي ﵁: لا يرجون العبد إلا ربه، لا يخافن إلا دينه، ولا يستحي العالم إذا سئل عن شيء لا يعلمه أن يقول: لا أعلم. ولا
اب ﵁: وجدنا خير عيشنا في الصبر. وعن علي ﵁: لا يرجون العبد إلا ربه، لا يخافن إلا دينه، ولا يستحي العالم إذا سئل عن شيء لا يعلمه أن يقول: لا أعلم. ولا
يستحي الذي لا يعلم أن يتعلم. وعليكم بالصبر، فإن الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد، إذا قطع الرأس بان سائر الجسد. إلا أنه لا إيمان لمن لا صبر له. قال: مكتوب في الحكمة، يا بني إياك وشدة الغضب، فإن شدة الغضب منحقة لفؤاد الحكيم. وعن حارثة بن حكيم أنه قال: حدثني عمر أن أنه أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، علمني شيئًا ينفعني الله به؟ أو قال لعلي أعلى ما بقول. فقال له النبي ﷺ: (لا تغضب) فأعاد عليه مرارًا، يقول النبي: (لا تغضب). وعن عبد الله بن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال: (ما تعدون الصرعة فيكم؟ قالوا: الذي لا يصرعه الرجال. قال: لا، ولكن الصرعة الذي يملك نفسه عند الغضب). وفي قصر الأمل قال: سأل عبد الملك بن مروان زر بن حفيش كتابًا يعظه فيه، فكان في آخر كتابه: لا يطعمنك في طول الحياة ما يظهر من صحة بدنك، فأنت أعلم بنفسك واذكر ما تكلم به الأولون: إذا الرجل ولدت أولادها وبليت من كبر أجسادها وجعلت أسقامها يعتادها تلك زروع قد دنا حصادها فلما قرأ عبد الملك الكتاب حتى بل طرف ثوبه. صدق زر، صدق زر، وبالله التوفيق.
أولادها وبليت من كبر أجسادها وجعلت أسقامها يعتادها تلك زروع قد دنا حصادها فلما قرأ عبد الملك الكتاب حتى بل طرف ثوبه. صدق زر، صدق زر، وبالله التوفيق.
الثاني والسبعون من شعب الإيمان وهو باب في الغيرة والمذاء جاء في الحديث أن النبي ﷺ قال: (الغيرة من الإيمان والمذاء من النفاق) والمذاء أن يجمع بين الرجال والنساء ثم يخليهم يماذي بعضهم بعضًا، وأخذه من المذي. وقيل: هو إرسال الرجال مع النساء من قولهم: مذيت فرسي إذا أورتها ترعى. وقال: ﷿ ﴿وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها﴾ يعني الكحل والخاتم ﴿وليضربن بخمرهن على جيوبهن ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن﴾ إلى قوله ﷿ ﴿أو التابعين غير أولي الأربة من الرجال أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء﴾. فلم يأذن لامرأة أن تبدي زينتها إلا لمن تحل له. ولمن هي محرمة عليه في التأييد، فيؤمن أن يتحرك طبعه إليها لوقوع الناس له منها، أو إن كان له إلى نكاحها سيبل كان غير ذي اربة من النساء، أو غير ذي علم بهن. وهذه هو الغيرة التي وصى الله تعالى النبي ﷺ أن يعلمها المؤمنات. وقال في نساء النبي خاصة: ﴿يا نساء النبي لستن كأحد من النساء إن اتقيتن فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض وقلن قولًا معروفًا، وقرن في بيوتكن، ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى﴾ فحماهن لأجل نبيه ﷺ عن أن ينسب إليهن، فينسب بما يوحش رسول الله ﷺ ويسؤوه. وقال: ﴿يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارًا﴾ فدخل في جملة ذلك أن يحمي الرجل امرأته وبنته مخالطة الرجال ومحادثتهم والخلوة بهم. وقال أحد المخنثين في غزوة ثقيف للنبي ﷺ: (لئن فتح لنا الطائف غدًا دللتك على أم غيلان، فإنها تقبل بأربع
وتدبر بثمان. قال النبي ﷺ: (إن كنت لا أراك تعرف هذا؟) وأمر نساءه أن يحتجبن عنه. وقال الله ﷿: ﴿يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن، ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين﴾ أي فلا يؤذيهن المنافقون، أن يتعرضوا لهن إذا علموهن مؤمنات قصدًا إلى إيذاء النبي ﷺ، أو أولئك المؤمنين الذين ينسبن إليهم. وهذا الذي ورد به الشرع من الحث على الغيرة، وبإلحاقها بشعب الإيمان، وإدخالها في جملة العري والأركان، فهو موافق لما جبل الناس عليه من الكراهية الشديدة لأن يصيب أجنبي من امرأة أحد منهم أو ابنته أو أخته، ما لا يحل له، وإن كان ذلك خطأ بعد أن يكون منسوبًا بما لو أظهره لشق احتماله والإغضاء عنه. فإن هذا باب تسفك فيه الدماء، وتنشأ منه إحن وبوائر، لا تعمل الحيل واللطائف في إطفائها. فإذا انضم الشرع إلى الطبع فقد تأكد الأمر ولم يكن لأحد مع ذلك أن يأخذ ما هو ينافيه مقدرًا، إن ذلك من باب الصفح الجميل، وبالدفع بالتي هي أحسن والعفو المستحب. بل ينبغي أن يعلم أنه هو باب التقصير القادح من الإنسانية المباين للديانة، الجالب للضرر العظيم، فإنه إذا تفحش ولم يحسم من أوله لم يؤمن أن يكون منه التباس النسب، والعار الذي يجلبه تلوث الفراش وسوء الأحدوثة ولو كان هذا كله محتملًا، ولو كان الأمر فيه عند الله يسيرًا، لما تناهر الزوج إذا قذف امرأته، ولما جعل إيمانه حجة له، ولما عذره بما لا يقدر الأجنبي القاذف به. ولما حكم بأن اللعان قاطع للفراش والنسب، فحرم عليه أبدًا. وإنما فعل ذلك كله على عظم لهذا الأمر عند الله. وما كان بهذه المنزلة، لم يكن الصبر عليه يستحسن، إنما يحمد الصبر على ما رضى الله تعالى الصبر عليه، وما ظهر أن الصبر عليه ليس بصائر. فأما ما نزل هذه المنزلة فالصبر عليه من أقبح الأمور وبالله التوفيق. ثم إن الغيرة إذا كانت بالمحل الذي ذكرنا، فإنما تكون إذا وقعت في موضع الريبة. فأما إذا وقعت لا في موضع الريبة، فلم تطب نفس الرجل بأن يخلي أخته تخلو بأخيه، أو ابنته بابنه، او بأن تخلو امرأته وأخوها، أو امرأته وأبوها، فليس ذلك بمحمود.
ذا وقعت لا في موضع الريبة، فلم تطب نفس الرجل بأن يخلي أخته تخلو بأخيه، أو ابنته بابنه، او بأن تخلو امرأته وأخوها، أو امرأته وأبوها، فليس ذلك بمحمود.
روي عن رسول الله ﷺ أنه قال: (إن من الغيرة ما يجب الله، ومنها ما يبغض الله، فأما الغيرة التي يحب الله فالغيرة في الريبة، وأما الغيرة التي يبغض الله في غير الريبة). وكان إبراهيم يكره أن يبعث الخادم ليلًا في حاجة ويقول: أكره أن أعرضها للريبة. وذهب بعض أهل العلم، إلى أن معنى (أن الغيرة من الإيمان) الغيرة على الدين حتى إذا سمع ما يقع مخالفًا في الدين، يطعن في دين الإسلام أو يذكر الله ﷿ بما لا يجوز أن ويذكر به، أو يذكر النبي ﷺ بما لا يحل. أو يذكر القرآن بمثل ذلك لم يسكت ولم يعص ولم يظن أن ذلك من باب الغيرة المستحب، فإن هو أعصى وسكت كان منافقًا، لأن الله ﷿ قال في الجالسين مع الذين يستهزئون بآيات الله إنكم إذًا مثلهم، إن الله جامع المنافقين والكافرين في جهنم جميعًا، وهذا قاله هذا القائل، إن كان مرادًا فذلك لا يمنع من أن يكون ما قلنا مرادًا. وقد يجوز أن يكون الحديث عامًا لهم، وإن كان خاصًا فالغيرة المعروفة إذا طلع ذكرها هي ما قلنا، فقصره عليها أولى من قصره على غيرها والله أعلم. ومن صرف الحديث إلى الغيرة على الدين، إن جملة ذلك أن لا يخاصم المسلم اليهودي في المفاضلة بين نبينا وموسى صلوات الله عليهما. ولا النصراني في المفاضلة بين نبينا وعيسى صلوات الله عليهما. فإنه إذا فعل ذلك لم يؤمن أن يحملها المراد وما يقصدانه في المبالغة في تفضيل موسى وعيسى على أن بعضًا من النبي ﷺ، بعضًا من أمره. فيكون المسلم مخاصمته إياهما هو الجالب لذلك إلى نبيه ﷺ. وإذا أمكن أن يقع ذلك في الغيرة على الدين يقتضي مجانبته والتحرز منه. وقد قال الله ﷿: ﴿ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فسبوا الله عدوًا بغير علم﴾ فصار هذا أصلًا في هذا الباب. روى أن رسول الله ﷺ سمع مسلمًا ويهوديًا يخاصمان، فيقول المسلم: لا والذي اصطفى محمدًا على البشر، ويقول اليهودي: لا والذي اصطفى موسى على البشر. فقال: (لا تفضلوني على موسى) وإنما أراد عنه بأن لا تفضلوني عند اليهود. وإذا كلمتم اليهود
مدًا على البشر، ويقول اليهودي: لا والذي اصطفى موسى على البشر. فقال: (لا تفضلوني على موسى) وإنما أراد عنه بأن لا تفضلوني عند اليهود. وإذا كلمتم اليهود
على موسى لئلا يعصوا لذلك منه أو يسبوه. فيكون المسلمون هم الجالبين لذلك إليه، ونعوذ بالله منه. ويدخل في هذا الباب المحافظة على الجهاد في سبيل الله دفعًا للمشركين عن جوزة المسلمين، وإشفاقًا من أن يظهروا على شيء من الدار فيسبوا النساء والذراي، ويسترقوا الأحرار. لأن الغيرة المذكورة في الحديث، إن كانت الغيرة على النساء فهي تقتضي الجهاد ودفع الأعداء. وإن كانت الغيرة على الدين، فكذلك إن تمكين الكفار من إصابة المسلمات مخالف للدين. فالجهاد في الوجهين من الغيرة التي جاء في الحديث أنها من الإيمان وبالله التوفيق. فأول ما يدخل في هذه الجملة، الغيرة من كل مسلم على دينه حتى لا يتسم بركوب المعاصي، ولا ينظر اليهود والنصارى إلى المسلمين وهم يتعاطون ما يزعمون أنه حرام عليهم، ويعلمون من أنفسهم كيف تحاشيهم محظورات أديانهم، حتى أن كبيرهم يحرم عليهم الشيء فلا يأتونه سرًا ولا جهرًا، ويحرم على الرجل أن يكلم امرأته فلا يكلمها ولا تكلمه وهما في بيت واحد ولا ثالث معهما. فيروا أن المسلمين ليسوا على ثقة من دينهم، وأنهم لو كانوا عالمين أن دينهم حق ليردعوا عما يحرمه دينهم. أو صدقوا إنما يقولون أنهم متحزبون بعد الموت، لا يشكوا عما يقدمون عليه. فهذا من أولى ما يغار به على الدين والله أعلم.
الثالث والسبعون من شعب الإيمان وهو باب في الإعراض عن اللغو قال الله ﷿: ﴿قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون، والذين هم عن اللغو معرضون﴾. وقال: ﴿والذين لا يشهدون الزور وإذا مروا باللغو مروا كرامًا﴾. وقال: ﴿وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه﴾. واللغو الباطل الذي لا يتصل بفعل صحيح. ولا يكون لقائله فيه فائدة، وربما كان وبالًا عليه، ثم ينقسم فيكون منه أن يتكلم الرجل بما لا يعنيه من أمور الناس فيفشي أسرارهم، ويهتك أستارهم، ويذكر أموالهم وأحوالهم ومعاملاتهم من غير حاجة على شيء من ذلك عادة. سواء ألفها فلا يريد النزوع عنها، ويكون من الخوض فيما لا يحل من ذكر الفجار والفجور والفساق والفسوق، والملاهي ونحو ذلك. ويكون منه الافتخار بلأي الجاهلي والتمدح بها، والذكر للمعاملات المبينة على الاستطالة والعسف، بتقدير أن منها مفتخرًا وأن لها محتجًا، ويكون منه خوض المبطلين في القصائد والنحل فيما عندهم، وبفضلهم إياه على ما عندهم بالدعاوى والتوسع في المقال من غير حجة ولا برهان. ويكون منه إنشاد الأشعار المنقولة في ضروب الأحاديث، وتكون منه دراسة الحساب وفصول المسائل التي وضعوها في المثلثات والمربعات والمخمسات، مما لا يجدي على أهلها نفعًا في العاجل ولا في الآجل، والاشتغال بها تضييع للزمان، فكل ما كان لغوًا فينبغي أن لا يشتغل به، قال رسول الله ﷺ: (من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه). قيل مر زيد بن خالد الجهني ﵁، صاحب رسول الله ﷺ بموضع فسمع لهوًا فأسرع المشي، وقال: أن رسول الله ﷺ قال: (نزهوا أسماعكم عن الباطل)
ء تركه ما لا يعنيه). قيل مر زيد بن خالد الجهني ﵁، صاحب رسول الله ﷺ بموضع فسمع لهوًا فأسرع المشي، وقال: أن رسول الله ﷺ قال: (نزهوا أسماعكم عن الباطل)
ويعرض عنه فلا يكلم الملاهي ولا يشارك في حديثه، ولا يجلس عنده فيصغي إليه. وإن دعت الضرورة إلى الجلوس عند سكت عنه ولم يتلق حديثه منه، كما يتلقى عن اللغو ممن يقوله، ويظهر كراهيته لوجه، وإن أمكن وعظه وردعه عما هو عليه، وصرفه إلى ما هو أولى وألزم، فعل. فأما الإعراض عن أهل النحل الفاسدة فلا ينبغي لمن كان من أهله، ومن كان من أهله فليسكت عنهم إذا لم يكن كلامهم كلام من يحاج ويجادل، وإنما يريدون التشيع والشغب، إلا أن يخشى من ضعضعة المسلمين اعتزازً بهم وجنوحًا إليهم. فلا ينبغي عند ذلك أن يسكت عنهم، وبالله التوفيق. هذا كله وراء الآيات التي كتبناها والسنة التي رويناها لوجهين: أحدهما إن ترك الإعراض من اللغو إنما يكون بالإقبال عليه والكلام نحو الكلام، والسمع مستنطق اللسان، فلا يؤمن أن يكون من المقبل على اللاغي، والمخالط له مشاركة له، ومجاراة إياه، وفي الإعراض أمان منه. فلذلك كان أولى. والوجه الآخر: إن مجالسة اللاغي والإصغاء إليه تضييع للزمان، والعمر مر، والزمان مستعاد فاغتنامه بإنفاذه في الحق والجد أولى من تضييعه وشغله بما لا فائدة منه، والله أعلم.
اللاغي والإصغاء إليه تضييع للزمان، والعمر مر، والزمان مستعاد فاغتنامه بإنفاذه في الحق والجد أولى من تضييعه وشغله بما لا فائدة منه، والله أعلم.
الرابع والسبعون من شعب الإيمان وهو باب في الجود والسخاء جاء عن النبي ﷺ أنه قال: (السخاء قريب من الله، قريب من الناس، قريب من الجنة). وأنه قال: (خصلتان لا تجتمعان في مؤمن: البخل وسوء الخلق) وأنه قال: (لا يجتمع الشح والإيمان في قلب عبدًا أبدًا). ومن قبل ذلك فقد قال الله ﷿ فيما يثني به على الذين يسمحون بأموالهم لأجل الحاجة إليها، فقال: ﴿وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين، الذين ينفقون في السراء والضراء﴾. وقال: ﴿هدى للمتقين الذي يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون﴾. وقال: ﴿الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرًا وعلانية، فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون﴾. وقال: ﴿إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم، وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانًا وعلى ربهم يتوكلون. الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون﴾. وهذا السياق يدل على أن هذه النفقة غير الزكاة وذم المحالفي، غير أنه قال: ﴿الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل ويكتمون ما أتاهم الله من فضله واعتدنا للكافرين عذابًا مهينًا﴾. وقال: ﴿فمنكم من يبخل، ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه﴾. وقال:
يبخلون ويأمرون الناس بالبخل ويكتمون ما أتاهم الله من فضله واعتدنا للكافرين عذابًا مهينًا﴾. وقال: ﴿فمنكم من يبخل، ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه﴾. وقال:
﴿والله لا يحب كل مختال فخور، الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل، ومن يتول فإن الله هو الغني الحميد﴾ وقال: ﴿ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون﴾. وقال: ﴿إنا بلوناهم كما بلونا أصحاب الجنة إذا أقسموا ليصرمنها مصبحين ولا يستثنون فطاف عليها طائف من ربك وهم نائمون، فأصبحت كالصريم﴾. وعن ابن عباس ﵄ في قول الله ﷿: ﴿فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى﴾ يقول: من أعطى من ماله واتقى وصدق بالخلف من الله فسنيسره للخير. وأما من بخل واستغنى عن ربه وكذب بالخلف فسنيسره للعسرى، يقول: للشر. فثبت بجمع ما ذكرت أن الجلود من مكارم الأخلاق والبخل من أرذلها. وليس الجواد الذي يعطي في غير موضع العطاء، والبخل الذي لا يمنع لا في موضع العطاء. لكن الجواد الذي يعطي في موضع العطاء، والبخيل الذي يمنع في موضع العطاء. فكل من استفاد مما يعطى أجرًا أو حمدًا، فهو جواد، ومن استحق بالمنع ذمًا أو عقابًا فهو البخيل ومن لم يستفد بالعطاء أجرًا ولا حمدًا، أو استوجب به ذمًا فليس بجواد، وإنما هو مسرف مذموم، وهو من المبذرين الذين جعلهم الله إخوان الشياطين، وأوجب الحجر عليهم. ومن لم يستوجب بالمنع عقابًا ولا ذمًا، أو استوجب به حمدًا فهو من أهل الرشد الذين يستحقون القيام على أموال غيرهم بحسن تدبيرهم وسد اذرائهم، ولا يقال لهذا بخيل. وجاء عن النبي ﷺ في الحث على الجود وذم البخيل وقيل: (لا تنهمكوا على غير ما بكم) أي لا تسقصوا عليهم فتستوفوا جميع الحق ولا تدعوا منه شيئًا. وجاء عنه في البخل، قال ﷺ: (من شر ما أعطي العبد شح هالع وجبن خالع) الهالع المحزن. والخالع المخيف، الذي يخلع القلب من شدته يقال: أقبل الفصل لبن أمه إذا استنفذه، فلم يبق الثدي شيئًا. قلت: يحتمل أن يكون نهى عن ذلك إذا كان في الاستيفاء إبعاد الغريم. قال ﷺ: (إن الله يبغض البخيل في حياته، الشحيح عند
موته) وإذا قد ظهر الجود والبخل فليتكلم على علة مدح الجواد وذم البخيل، فيقول إن الجواد متأدب بأدب الله، فإن الله تعالى عامل عباده بالخوف، فمن عليهم بالنعم التي سبق ذكرها. كذلك لما جعل لهم سبيلًا إلى أن ينعموا على غيرهم، كان الإنعام منهم محمودًا. ألا ترى أن الله تعالى لما وصف نفسه بأن يغفر الذنوب ويعفوا عن السيئات، ثم جعل لعباده سبيلًا إلى أن يعفوا عن من أساء إليهم، ويغفروا لهم، كان العفو والتجاوز عنهم محمودًا. ولما علم عباده ما لم يكن يعلمونه، ومن عليهم بذلك. جعل لهم السبل إلى أن يعلموا غيرهم ما علمهموه، كان التعليم منهم محمودًا. فكذلك الجواد بالمال هذا سبيله. وأيضًا فإن الجود مما يبعث عليه أهل الرأي والتمييز، لأن العاقل إذا ذكر في أنه إن لم يؤخذ ماله عنه بعوارض الآفات، أخذ عن ماله مما كتب عليه من الممات. ثم لا يدري أن الذي يخالفه في ماله، ماذا يصنع به، وفيم ينفقه. علم أن ما يجعله منه ما يوجب له حمدًا في العاجل، وأجرًا في الآجل، أولى به وأعود عليه، وانظر له من أن يمسكه حتى يأتيه المنية، فينتقل من ملكه وهو كاره إلى من إن أحسن فيه فلنفسه، ولا يرجع إليه من إحسانه شيئًا، ولا يجب له به أجر. هذا والعوارض مخوفة والآفات غير مأمونة. وما يدريه لعله إذا أمسك ماله فقد بان له في الاحتياط، انقلب المال وبالًا عليه، فكانت منيته. ولعله يسرق أو يغضب أو تأكله النار أو الماء. وإذا كان كل ذلك ممكن لا يعصمه منه إمساكه والشح به، فإن ينظر لنفسه، ويجوز لها حظًا من حمد أو أجر، أولى به من أن يعرضه ويتعرض به للخطر وبالله التوفيق. هذا وليس فائدة المال إمساكه، إنما فائدته صرفه فيما ينفع مالكه. ولا يقع أعظم من اكتساب الذكر الجميل والاسم الحسن الحميد، واستحباب الأجر العظيم. والثواب الكريم. فمن كان لا يستحقها بالإنفاق فيما يوجب له في العاجل المحمدة، وفي الآجل الجنة وبالله التوفيق. وعن أسماء بنت أبي بكر ﵄. قالت: قلت يا رسول الله، إنه ليس في بيتي إلا ما أدخل على الزبير، أفأعطي؟ قال: (نعم ولا توكي فيو كأعليك).
جنة وبالله التوفيق. وعن أسماء بنت أبي بكر ﵄. قالت: قلت يا رسول الله، إنه ليس في بيتي إلا ما أدخل على الزبير، أفأعطي؟ قال: (نعم ولا توكي فيو كأعليك).
وقال ﷺ: (السخي قريب من الله، قريب من الجنة، قريب من الناس، بعيد من النار. والبخيل بعيد من الله، بعيد من الجنة، بعيد من الناس، قريب من النار. والجاهل سخي أحب إلى الله من عابد بخيل). وقال ﷺ: (لا يدخل الجنة خب ولا بخيل ولا منان). فأما البخيل فإنه بخل لمخالفته بما رضى الله تعالى به لنفسه من المعاملة، ويمدح بها، وأوجب على عباده شكره عليها. وفيه أن الناس كلهم ليسوا بأغنياء ولكن منهم فقراء وأوساطًا. فإذا شح الغني بماله ضاق الأمر على من ليس له في مثل حاله، وذلك لؤم بالغني وقسوة، ويسوء دخله أن يرى بأخيه المسلم حاجة وهو قادر أن يقضيها له ويبلغ فيها مراده من غير ضرر يرجع عليه، فيتركه مرتبكًا في حاجته، مهتمًا بأمر نفسه لا لغرض يكون له في ذلك، أكثر من الإشفاق على ماله أن ينقص ذلك النقص إذا دفع، لم يبن عليه منه أثر، ولا لحقه لأجله ضرر. فلما كان هذا في العادات المعقولة كما ذكرنا، وفي الشريعة مخالفًا لما جاء عن النبي ﷺ من قوله: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه) استحق أن يكون مذمومًا. وأيضًا فإن البخيل مغرور بماله وهو عند نفسه محتاط. لأنا قد ذكرنا في الوجه الذي قيل، هذا ما في الجدد من الاحتياط والنظر في الجواد، وحبًا في الإمساك من التغرير. وكل ما قلنا فيه، فهو من البخيل بخلافه. وأيضًا فإن المنفق ماله في الشهوات أنفق ولا لوجه الله تصدق فهو المحروم الذي خسر الدنيا والآخرة، ولو عدم المال فقال ذلة العدم لكان خيرًا له من أن يجد فيحرم فائدة الوجد، فيكون المال وبالًا عليه، والنكر حاصلًا له وواصلًا إليه. ولولا أن ذلك كذلك، لا شبه أن لا يقول الله ﷿ ﴿ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون﴾. فصل وقد تتفق أحوال وداد الجود والسماحة فيها فضلًا، نحو إن شكر قوم يجوز وعد غيرهم من فضول المال ما يقدرون به على تخليصهم، أو نفع حاجة إلى عمارة مسجد
فصل وقد تتفق أحوال وداد الجود والسماحة فيها فضلًا، نحو إن شكر قوم يجوز وعد غيرهم من فضول المال ما يقدرون به على تخليصهم، أو نفع حاجة إلى عمارة مسجد
الجماعة، أو حفر نهرهم وليس عند الجميع ما يقدرون به على تحمل المؤونة، وعند بعضهم من المال ما يتسع المؤاساه، والجمالة عن الآخرين، أو يقع بين قوم ثأر ولزم أن يؤاخيهم أو غير ذلك، ويمكن إصلاح ذات بينهم بشيء من المال. فإن الأحسن في هذا كله البذل والإنفاق والسماحة، وفيه الذكر والثوبة. فأما إذا قحط الناس وأعوز بعضهم الطعام، وكان عند الآخرين من فضول أقواتهم ما يقدرون به على المواساة، فحرام عليهم أن يحرموهم ولا يطعموهم، إما متصدقين وإما معارضين، وليس الإطعام في هذه الحال بجود، إنما الجود أن لا يرغب في العوض، فإن تصدق على المحتاج ولم يبعه الطعام فقد جاد، والله أعلم. ومن الأوقات التي يستحب فيها الجود شهر رمضان، لأن الناس كلهم يكونون مشاغيل بالصيام والصلاة وقراءة القرآن. فإذا قام المكفيون الموسعون، بأمر الأوساط والمحتاجين يفرغوا للعبادة وإذا خلوهم وأنفسهم اشتغلوا بالسعي على أنفسهم على العبادة. فكان حمل الكلفة عنهم إرفاقًا لنفوسهم حتى لا يجتمع عليها جهد الصوم ونصب الاضطراب والتصرف وأعانهم لهم على العبادة. وجاء عن رسول الله ﷺ أنه كان أجود الناس بالخير، فكان أجود ما يكون في شهر رمضان. وكان يلقاه جبريل صلوات الله عليه، فيقرأ عليه القرآن. فكان إذا رآه أجود بالخير من الريح المرسلة ﷺ. وقيل: إن الريح المرسلة هي واحدة الرياح التي وصفها الله تعالى بأنه يرسلها بشرى بين يدي رحمته، وأنه يرسلها فتسير السحاب. وقال تعالى: ﴿والمرسلات عرفا﴾ وإنما أراد بذلك أنه لا يتمالك في تلك الحال، بل كان يسمح بما عنده كما أن الشيء الريح لا يملك حبس رائحته لكنها تفوح فيحبسها من يدنو منها والله أعلم. فصل ومن وجوه البخل أن يرد الواحد الصدقة، فيعمد إلى أرذل الأموال فيتصدق بها، وهذا بخل منه يجوده المال، كما أنه لو حبس الصدقة أصلًا لكان ذلك بخلًا منه بنفس
المال، والله ﷿ يقول في مثل هذا: ﴿ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون، ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه﴾ ومن وجوه البخل أن يعطى ثم يحدث بالذي أعطى، أو يمن به على من أعطى، وهما جميعًا مذمومان. قال الله ﷿: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى﴾. فالمن المتحدث به، والأذى التغير. وإنما ألحقنا الأمرين بالبخل لأن كل واحد منهما يوحش المعطى ويزيل عن قلبه السرور الذي كان له بالعطية، ويصفها عليه، فيصير المعطي كالمسترجع لها منه، أو كالراجع عليه بعوض، لأنه لا يسلم له منفعة ما أخذ إلا بما أخذ من عوضه بإزائه، ويكون ذلك شرًا من البيع في الابتداء والله أعلم. فإن قال قائل: فإن البخلاء قد وصفوا لأنفسهم أصلًا فقالوا: المال لله، والعبد لله، فإنما عبد حرمه الله مالًا، فالأولى بالذي أعطاه أن يمنع من منعه الله، فإنه إن أعطاه فقد خالف ربه، وأراد أن يكون له الفضل عليه، إذ كان الرب قد منع وهذا يعطي. فالجواب: إن هذا جهل عن قائله، وهو الذي حكاه الله تعالى عن الكفار فقال: ﴿وإذا قيل لهم أنفقوا مما رزقكم الله، قال الذين كفروا للذين آمنوا: أنطعم من لو يشاء الله أطعمه﴾. وهذا ظن فاسد، لأنه لو كان صحيحًا، لوجب أن يكون تعليم الجاهل ومداواة المريض وتخليص المحبوس، وكل عمل يعمله من يحسنه لمن لا يحسنه، ومن يقدر عليه، قبيحًا مستكبرًا لمثل العلة التي اعتل بها لتحسين البخل ومنع المحتاج. وإذا لم تكن هذه الأمور التي عددناها قبيحة بل كانت في نهاية الحسن، فكذلك الجود وإعطاء المحتاج مثلها والله أعلم.
ي اعتل بها لتحسين البخل ومنع المحتاج. وإذا لم تكن هذه الأمور التي عددناها قبيحة بل كانت في نهاية الحسن، فكذلك الجود وإعطاء المحتاج مثلها والله أعلم.
الخامس والسبعون من شعب الإيمان وهو باب في رحم الصغير وتوقير الكبير وإنما ذكرتهما في باب واحد، لأن المعنى معاملة كل واحد بحسب سعة وقدر قوته، وما يليق بمنزلته. فالذي يقتضيه حال الكبير أن يوقر. جاء عن النبي ﷺ أنه قال: (ليس منا من لم يرحم صغيرًا ولم يوقر كبيرًا). وأما توقير الكبير، فقد جاء عن النبي ﷺ أنه قال لقوم تقدموا إليه في حديث فتكلم أصغرهم فقال له: (الكبر كبر) أي قدم من هو اكبر منك ليتقدم. وجاء عنه ﷺ أنه قال: (إذا جاءكم كريم قوم فأكرموه). وأنه ألقى بحرير كساه لما دخل عليه. وقال ﷺ: (أنا وكافل اليتيم في الجنة كهاتين- وأشار بإصبعيه السبابة والوسطى). وروى أنه قبل الحسن بن علي، والأقرع بن حانس جالس، فقال الأقرع: أن لي لعشرة من الولد، ما قبلت أحد منهم قط. فنظر إليه رسول الله ﷺ فقال: (إنه لا يرحم من لا يرحم). وفي الرحمة أبو سعيد قال: صلى الفجر بأقصر سورتين في القرآن. فقلنا: يا رسول الله، صليت لنا اليوم صلاة ما كنت تصليها: فقال: (إني سمعت صوت صفي في صف النساء). وكان رسول الله ﷺ يزور الأنصار،
أقصر سورتين في القرآن. فقلنا: يا رسول الله، صليت لنا اليوم صلاة ما كنت تصليها: فقال: (إني سمعت صوت صفي في صف النساء). وكان رسول الله ﷺ يزور الأنصار،
فإذا جاء دور الأنصار جاء صبيان الأنصار فيدورون حوله، فيدعوا لهم ويمسح رؤوسهم ويسلم عليهم. وفي الرحمة، أمر النبي ﷺ بتحديد الشعار، وأمر بها أن تواري عن البهائم. وعنه ﷺ: (تضار والدة عن ولدها). أي لا يفرق بينهما فيهتم لذلك أو تحزن. وفي قلة الرحمة قال رسول الله ﷺ: (إن الله يعذب الذين يعذبون الناس في الدنيا). وقال ﷺ: (من قيض يتيمًا بين أبوين مسلمين إلى طعامه وشرابه، أدخله الله الجنة، إلا أن يعمل ذنبًا لا يغفر). وقال ﷺ: (الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله، وكالذي يصوم النهار ويصلي الليل). وفي نعوت الصغار وإكرامهم عن عمرو بن العاص ﵁ فطاف بالبيت، فرأى خلقًا من قريش جلوسًا، فقال: مالي أراكم صرفتم هذه الأغيلمة عن خلقتكم لا تفعلوا، أدبوهم في المجلس، فاسمعوهم الحديث وافهموه إياهم، فإنهم اليوم صغار قوم يوشكون أن يكونوا كبار قوم وأنكم كنتم صغار قوم، فأصبحتم اليوم كبار قوم. وفي ترحم الصغير أخذ رجل بيد ابنه عند رسول الله ﷺ فجعل يضمه إليه، فقال النبي ﷺ: (يا فلان، أترحمه؟ قال: أي والله لأرحمه. قال: فالله تعالى أرحم به منك وهو ارحم الراحمين). وكما أن رحم الصغير محمود، فكذلك رحم كل ضعيف محتاج من غريب وصانع ومكروب محمول، والآخر فيه مأمول.
مه. قال: فالله تعالى أرحم به منك وهو ارحم الراحمين). وكما أن رحم الصغير محمود، فكذلك رحم كل ضعيف محتاج من غريب وصانع ومكروب محمول، والآخر فيه مأمول.
فقد روي أن النبي ﷺ أتى بسارق فقطعه، وكان غريبًا لم يكن له أهل بالمدينة في شدة البرد، فقام رجل يقال له قاتل، فضرب عليه خيمة وأوقد له نويرة. فخرج النبي ﷺ في بعض الليل فأبصر النار، فقال: (ما هذه النار؟ قيل: يا رسول الله، المصاب الذي قطعته. كان رجلًا غريبًا لم يكن له بالمدينة أحد أواه قاتل، فضرب له خيمة وأوقد له نويرة. فقال النبي ﷺ: اللهم اغفر لقاتل كما آوى عبدك هذا، المصاب). وفي الرحمة قالت عائشة ﵂: دخلت علي سائلة فأمرت لها بثلاث تمرات، ومعها صبيان. فأعطيت كل واحد منها تمرة، وصدعت الأخرى بنصفين فأعطيت كل واحد منهما نصفها. ودخلت على رسول الله ﷺ فأخبرته فقال: (وما أعجبك من ذلك، لقد دخلت بذلك الجنة). وقال: وكان رسول الله ﷺ يخطب (إذا دخل الحسين ابن علي فوطئ في ثوبه فسقط، فبكى. فنزل رسول الله ﷺ عن المنبر، فلما رآه الناس صفوا إلى الحسين يتعاطونه، يعطيه بعضهم بعضًا حتى وقع في يد رسول الله ﷺ فضمه إليه ثم قال: (قاتل الله الشيطان، إن الولد لفتنة، والذي نفسي بيده ما دريت إني نزلت عن منبري). وجاء عنه ﷺ قال: (لا ينزع الرحمة غلا من شقي، وإن من لا يرحم لا يرحم). وجاء عنه ﷺ في وجع إبراهيم ﵇، إن عينيه كانتا تدمعان وقال: (إنما هي رحمة، وإن من لا يرحم لا يرحم). وينبغي أن يدخل في هذه الجملة رحم كل مولى عليه من ولد أو مملوك أو زوجة أو رعية سلطان. وقد قال الله ﷿ في الزوجات ﴿وجعل بينكم مودة ورحمة﴾. فأما رحم الصغير فهو تعريفه لما فيه صلاحه، وتجنيبه لما يضره، والولوع بحفظه وحراسته، فعل من يجزع أن يسمه سوء، ويتخلف عنه نفع. فإن الرحمة كما ذكرنا وصف مركب من حب وجزع، فمن لم يقدر على شيء من ذلك، كأن يتمنى له ما هو محبوب عنده، ويجزع من أن يصيبه ما هو مكروه عنده.
وأما توقير الكبير، فهو أن يسلك بالشيخ الكبير مسلك الوالد في التهيب والتقدير، وترك ما يوحشه من القول والعمل والطاعة له، فيما يأمر به، بعدما يحسن ويحمد. وترك المخالفة له فيما لا يدع إلى خلافة فيه ضرورة. فإذا أراد الناس أن يمضوا في شغل، قدموا إذا ضاق المكان بهم أسنهم، إن لم يكن فيهم نقص قدره في النقائض، فرق قدر السنن في الفضائل. وإن اجتمعوا في مجلس رفعوا أسنهم على ما وصفت. وإن جاء وقت الكلام قدموه. وإن حضرت الصلاة وهم في شرائط الإقامة سواء أو متفاوتون في نحو ذلك والله أعلم. والأصل في توقير الكبير شيئان: أحدهما أن أكبر الناس شبيه لكل واحد منهم لأبيه لأنه أسبقهم في الزمان. والسبق في الزمان ضرورة لإمكان الأبوة. لأنه لا يمكن إلا أن يكون الأب سابقًا في الوجود للولد. فمن كان أسبق القوم زمانًا فهو الذي كان يمكن أن يكون أبًا للجماعة. فصار ذلك رجحان فيه، مقتدى به على غيره، فاستحق عليه التقديم. والآخر: أن أول ما يفضل الله تعالى به على عباده، هو أن أوجدهم، فمن كان منهم أسن فهو الذي بدأ به فيما أفضل به عليه من الإيجاد، فإذا دعت الحاجة إلى أن يبدأ من قوم في أمر من الأمور بأحدهم، وكانوا في عامة الإسلام سواء، إلا أن أحدهم أسن تقديمه والتبدية به أولى، إذ كان الله ﷿ عند استوائهم في العدم لما أراد إيجاد أحدهم بدأبه فأوجده قبل غيره هذا ولو شاهدنا ملكًا عليها، أو رئيسًا حكيمًا يفرق مالا بين قوم فيكرمهم به، لاستدللنا بتقديمه الذي قدمه منهم على أنه أقربهم وسيلة. وكذلك الظاهر ممن بدأ الله تعالى في المن مالا يجاد عليه أن ذلك وسيلة قد جعلها الله له. فكانت التبدية به على من ليس له مثل سنه أولى، والله أعلم.
سيلة. وكذلك الظاهر ممن بدأ الله تعالى في المن مالا يجاد عليه أن ذلك وسيلة قد جعلها الله له. فكانت التبدية به على من ليس له مثل سنه أولى، والله أعلم.
السادس والسبعون من شعب الإيمان وهو باب في الإصلاح بين الناس إذا مرجوا وفسدت ذات بينهم، أما لدم أريق وإما لمال خطير أصيب لبعضهم، وإما لتنافس وقع بينهم أو غير ذلك من الأسباب التي تفسد الأخوة وتقطع المودة. قال الله ﷿: ﴿لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس﴾. وقال: ﴿إنما المؤمنون إخوة، فأصلحوا بين أخويكم﴾ أي بين كل اثنين منهم، ومن قرابين أخويكم، فالمعنى بين جماعتهم إذا فسد ما بينهم. وقال: ﴿وأن امرأة خافت من بعلها نشوزًا أو إعراضًا، فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحًا والصلح خير﴾. وقال ﴿وأن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكمًا من أهله، وحكمًا من أهلها، إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما﴾. وأباح رسول الله ﷺ لمن يحمل حالة في صلاح ذات البين أن يأخذ من الصدقات ما يستعين به على قضاء دينه، فإن لم يكن فقيرًا، وذلك راجع إلى الترغيب في الإصلاح، وتخفيف الأمر على القائمين به، ليكون تخفيفه عليهم مبعثه لهم في الدخول فيه. وكتب عمر بن الخطاب ﵁ إلى أبي موسى الأشعري: ردد الخصوم حتى يصطلحوا، فإن فضل القضاء يورث بينهم الضغائن. فدل جميع ما ذكرنا على استحباب الصلح بين المسلمين إذا تشاجروا. ومعنى ذلك ظاهر، وهو أن المسلمين مأمورون بالتظاهر والتعاون والاجتماع على الصلوات وفي الأعياد والجهاد في سبيل الله، فإذا بعد ذات بينهم تقاطعوا، ولم يجتمعوا على الصلوات، ويحزنوا عن الجهاد، ولم يضع بعضهم زكاة ماله في بغض وفي
الصلوات وفي الأعياد والجهاد في سبيل الله، فإذا بعد ذات بينهم تقاطعوا، ولم يجتمعوا على الصلوات، ويحزنوا عن الجهاد، ولم يضع بعضهم زكاة ماله في بغض وفي
هذا زوال الأمر عن نظامه، وذهاب الدين عن قوامه، ولا يؤمن أن يترامى إلى تجريد السيوف من بعضهم على بعض، ومفارقة الإمام، وتعطيل الحدود والأحكام. وما كان مآله إلى هذا الفساد، فحسم مادته في الابتداء من أوجب الأمور وألزم الفروض، وبالله التوفيق. فصل وإذا كان إصلاح ذات البين مهمًا، فسد واجبًا، فمن البين أن ترك الإفساد بين الناس باحتساب القائم واتقاء التضارب، والتحريش بينهم أوجب وألزم. جاء عن النبي ﷺ: (من جاء إلى أمر أمتي وهو جميع، ففرقه، فعليه لعنة الله ولعنة الملائكة والناس أجمعين). وجاء عنه ﷺ أنه قال: (لا يدخل الجنة قتات) وهو النمام. وذم الله ﷿ السحرة بقوله: ﴿فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه﴾. وهذا لأن الزوجين عقدا بينهما بكلمة الله تعالى عقدًا يراد به التآلف والتعاشر على التأييد. فمن فرق بينهما فقد خالف بهما عن قصدهما مع ما كان فيه من الصلاح، أو بقاء العالم بالتناسل. وتناسل الناس لا يكون إلا في الزوجة أو ملك اليمين. فإذا حصلت الزوجية التي هي أمانة الله تعالى، ومعقودة بكلمة الله تعالى سالمة عما يكدرها من الشوائب فأفسدها على الزوجين فسد بكيده ومكره، فإنما يثلم من أركان الصلاح ركنًا، ويفتح من أبواب الفساد بابًا، فاستحق لذلك أن يكون مذمومًا. وإذا كان هذا مذمومًان فمن سعى بالإفساد بين طائفة من المسلمين أولى بالذم، وبالله التوفيق.
السابع والسبعون من شعب الإيمان وهو باب في أن يحب الرجل لأخيه ما يحب لنفسه ويكره لأخيه ما يكره لنفسه ويدخل فيه إماطة الأذى عن الطريق. قال رسول الله ﷺ: (المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده). وقال: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه). فلا ينبغي لمسلم أن يتمنى بقلبه لأخيه المسلم من الشر ما يكرهه لنفسه أو يكره له من الخير ما يتمناه ويحبه لنفسه. وإذا عرضت لجماعة من المسلمين بلية، فلا ينبغي لأحدهم أن يتشبث إلى الخلاص لنفسه بإسلام الآخرين والإغراء بهم بل ينظر لهم لما ينظر لنفسه. فإن عجز نظر لنفسه من حيث لا يضر بهم. قال رسول الله ﷺ: (مثل المسلمين في تراحمهم وتواصلهم كمثل الجسد إذا اشتكى بعضه تداعى سائره بالسهر والحمى). فكذلك ينبغي أن يكونوا، فلم لا يجب أحد لإحدى يديه إلا ما يجب للأخرى. ولا لإحدى عينيه أو رجليه أو أذنيه أو شفتيه إلا ما يحب للأخرى. فكذلك ينبغي له أن لا يحب لأخيه المسلم إلا ما يحب لنفسه. فإن كان في البلد قتال، وجور أو نهب، وأي بلاء كان، فسلم منه سالم، فذكر له: إن أخًا من إخوانه من المسلمين بلي به، فقال: الحمد لله. فهذا على وجهين: إن أراد حمد الله تعالى على أن أصاب أخاه البلاء فقط، أخطأ وجهل. وإن حمد الله تعالى على أن يصيبهما معًا إن كان مصيبًا، وسلمت له نفسه، أو سلم له ماله، فهذا صلح. كرجل يصيب إحدى عينيه أو يديه بلاء، فيحمد الله على إن لم يصبهما معًا، لكن سلمت له إحدى يديه. وإن حمد الله على سلامة نفسه على هذا التجريد، فهذا
ا صلح. كرجل يصيب إحدى عينيه أو يديه بلاء، فيحمد الله على إن لم يصبهما معًا، لكن سلمت له إحدى يديه. وإن حمد الله على سلامة نفسه على هذا التجريد، فهذا
جفاء، لأنه لم يخلط أخاه المسلم في هذا الحد أصلًا وليس الوجه الذي قيل هذا مثله لأنه إذا حمد الله تعالى على أن لا يعمهما بالبلاء، فقد حمد الله على إحسانه إلى المثل بأن لم يعممه به بنفسه، إن عمد بأخيه المبتلى، فأما هذا الوجه الآخر فإنه إغفال من الحامد أو غيره أصلًا، فلهذا قلنا أنه جفاء وبالله التوفيق- فصار الوجه المرتضى من الحمد. كما روى عن عروة بن الزبير- ﵁ أنه لما قطعت رجله قال: ليهنك لئن كنت ابتليت لقد عافيت، ولئن أخذت لقد أعطيته. وروى أنه تمثل النبات ثم قال: اللهم إن كنت أخذت عضوًا فلقد أبقيت عضوًا، فلك الحمد. فصل وكل ما كتب في الباب الذي قبل هذا من وجوب مباعدة الكفار والغلظة عليهم، والقول في مساعدة المسلم أهل دينه بخلافه، وينبغي للمسلم أن يقارب إخوانه من أهل دينه، ويؤالفهم ويوادهم ويتحبب غليهم بكل ما يمكنه، ويبرهم ويصلهم، ولا يؤذي أحدًا منهم ولا يخرجه ولا يعتبه، ولا يخاطبه بما يكرهه، مبتدئًا إياه غاصًا به، ولا يلمزه ولا يهمزه، ولا يسخر منه، يضحك، ولا يضحك غيره منه، ولا يغتابه ولا يرضى من أحد أن يغتابه عنده، ولا يفشي له سرًا يكره أن يوقف عليه، ولا يتبع له عورة، ولا ينبزه بلقب، ولا يجانب له عبدًا ولا جارية ولا امرأة، ولا يفسد عليه حالًا صالحًا قد رضيها لنفسه، وسكن إليها قلبه، ولا يغير عليه قلب سلطن، ولا قلب من يضره بغير قلبه له. قال الله ﷿: ﴿والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانًا وإثمًا مبينًا﴾. وقال: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرًا منهم، ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيرًا منهن، ولا تلمزوا أنفسكم﴾ يعني لا يلمز بعضكم بعضًا، ولا تنابزوا بالألقاب. وقال: ﴿يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرًا من الظن، إن بعض الظن إثم، ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضًا﴾ ثم ضرب للغيبة مثلًا ينكرها به إلى قلوب المؤمنين، فقال: ﴿أيحب
ا الذين آمنوا اجتنبوا كثيرًا من الظن، إن بعض الظن إثم، ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضًا﴾ ثم ضرب للغيبة مثلًا ينكرها به إلى قلوب المؤمنين، فقال: ﴿أيحب
أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتًا فكرهتموه﴾ أي فكذلك فاكرهوا الغيبة. ودلت السنة على مثل ذلك. فجاء ما صام من أكل لحوم الناس، يعني الغيبة. ولا ينبغي أن يدخل بيته إلا بإذنه، لأنه لا يؤمن أن يكون فيه على حال لا يحب أن يلقاه عليها أحد. قال الله جل ثناؤه: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتًا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها﴾. وقوله تعالى: ﴿فإن لم تجدوا فيها أحدًا فلا تدخلوها حتى يؤذن لكم، وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا هو أزكى﴾ وهذا كله لأن كل واحد إذا كان يكره أن يدخل عليه بيته بغير إذنه، وأن يغتاب أو يتبع عوراته، أو يصاب منه شيء مما تقدم ذكره، وكانت طلوع الناس في هذه الأمور متفقة، وجب أن يعلم أن غيره يكره لنفسه، فلا ينبغي أن يقصده بشيء منها فيكون قد ساءه، وفرق بينه وبين نفسه، وإنما شرط الدين الذي يجمعهما بأن ينزله منزلة نفسه. وينبغي للمسلم إذا دعا لنفسه بالمغفرة أو العافية، أو بسعة الرزق أو بدوام النعمة أن يدخل معه إخوانه المؤمنين في دعائه، ولا خص نفسه بالدعاء. فقد جاء عن النبي ﷺ، وقد أخبر الله ﷿ الملائكة أنهم يدعون لمن في الأرض فقال: ﴿الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم، ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلمًا، فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم. ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم إنك أنت العزيز الحكيم. وقهم السيئات. ومن تق السيئات يومئذ فق رحمته، وذلك هو الفوز العظيم﴾. فإذا كانت الملائكة وليسوا من جنس البشر يرعون للبشر حق الإيمان الذي يجمعهم وإياهم فيستغفرون للمؤمنين، ويسألون الله تعالى لهم الخير. فالبشر لأن يرعى بعضهم لبعض حق الإيمان الجامع لهم دعاء ومسالة واستغفار أولى وأحق والله أعلم. ولا ينبغي إذا خلف المسافر طريقًا فيه لصوص واستقبله قوم يريدون ذلك الطريق



