— Bagian 40 · قنها. فإن النبي ﷺ قال: (لقنوا موتاكم شهادة أن لا… —
Bagian 40
قنها. فإن النبي ﷺ قال: (لقنوا موتاكم شهادة أن لا إله إلا الله). ويروى عنه ﷺ: (من كان آخر كلامه لا إله إلا الله مخلصًا بها من قبله، دخل الجنة).
الرابع والستون من شعب الإيمان وهو باب في الصلة على من مات من أهل القبلة قال النبي ﷺ: (صلوا على من قال: لا إله إلا الله) وكان يصلي على من مات من أصحابه، ومن لم يعلم به حتى قبر، صلى على قبره. قوال: (إن هذه القبور مملوءة ظلمًا حتى أصلي عليها). وقال: (حق المسلم على المسلم خمس فذكر منها، أن يشيع جنازته إذا مات). وليس في التشييع غرض إلا الصلاة. ومعناها التوجع لفراق الميت وإظهار الشح به، والتصور بصورة من كان لا يخليه بل يرده وجعه لو كان له إلى ذلك سبيلًا، ثم الفرع إلى الدعاء له عند وقوع التسليم الذي لابد منه. وتأييد ذلك الدعاء بتقديم القرآن والصلاة على النبي ﷺ قبله، رجاء أن ذلك إذا تقبل لم يجز الدعاء له عنه بل يجاب. وهذا نهاية الشفقة والرأفة والغاية، وهو الأمر الذي لا يمكن في تلك الحال غيره. وكل ذلك مما يقتضيه التشارك في الدين، والاجتماع في حال الحياة، على التناصر والتظاهر فيه، وبالله التوفيق. وينبغي لمن ولي أمر المسلمين في بلد، أن لا يتخلف عن جنازتهم ولا عن عيادة مرضاهم، إلا أنه إذا حضر كان ولي الميت من طريق النسب أولى بالصلاة عليه منه. فلا يتقدم إلا أن يقدمه الولي، لأن الصلاة على الميت من حقوقه الخاصة فهو كفيله، وتكفينه وإدخاله القبر ولا مدخل للولاة في ذلك، فكذلك الإمامة في الصلاة عليه. فإن قيل: وأي حق للميت في إمامة من فضل عليه قيل: حقه في ذلك أن الإمام كلما كان أحنى عليه وأشد تحرقًا وتائبًا، وما نزل به، كان دعاؤه له أخلص وأجمع. فيسري ذلك الكمال من صلاته إلى صلاة من خلفه لينبئهم الاقتداء به والله أعلم.
ا كان أحنى عليه وأشد تحرقًا وتائبًا، وما نزل به، كان دعاؤه له أخلص وأجمع. فيسري ذلك الكمال من صلاته إلى صلاة من خلفه لينبئهم الاقتداء به والله أعلم.
والصلاة على الميت أربع تكبيرات، أولها تكبيرة تتلوها قراءة الفاتحة، ثم تكبيرة تتلوها الصلاة على النبي ﷺ، ثم تكبيرة يتلوها الدعاء للميت، ثم تكبيرة التسليم. وكل شيء من ذلك يتفرع وكتابة في حكم الأحكام. وقد قيل: إن آدم صلوات الله عليه لما حضرته الوفاة أمر جبريل نبينا ﵉ أن يتقدم فيصلي عليه، وإنه كبر عليه ثلاثين تكبيرة، وقيل كبر عليه ألفًا، ومن الناس من ذهب إلى أن التكبيرات خمس، فاعتد بأن هذه التكبيرات كلها أركان، فهي في تقدير فواتح الصلاة، والصلوات المكتوبات كلها خمس. فوجب أن تكون التكبيرات خمس ليكون تقديرها أن الميت لما عجز عن الصلاة بنفسه أقيمت عليه الصلاة يوم وليلة، إذ كانت هذه المدة تستفرغ الصلوات كلها. ولم يكن إلى مجاوزتها سبيل. وقد يجاب عن هذا، أن هذا المعنى يحصل، وإن كانت التكبيرات أربعًا، ويكون ذلك أولى، لأن أربع تكبيرات تكون في تقدير أربع صلوات، والتسليم الذي هو ركن الخاتمة مكان الصلاة الخامسة، فتصير الصلوات الخمس مستوفاة من هذا الوجه. وسنة من شهد الجنازة أن يتقدمها، وهي المروي عن النبي ﷺ وأبي بكر وعمر، وهو الأشبه بحال الشفعاء وعادتهم بأنهم أبدًا يتقدمون من يشفعون له، ولا يتأخرون عنه، ولأنهم إذا تقدموا ثم حمل، عجلوا الصلاة عليه ودفنوه. وقد جاء في الحديث من كرامة الميت تعجيل دفنه. فكان ذلك أولى من أن يتأخروا عنه، فيحتاج في الصلاة عليه إلى انتظاره، والله أعلم. وأما ما عدا هذا من صفة الصلاة عليه وما يتعلق بها من المسائل موضعها كتب الأحكام، وهي مبينة فيها، فمن أراد الوقوف عليها فليرجع إليها. وحسن إذا صلى عليه وانصرف منه، أن لا ينس، ويزار قبره أحيانًا، ويذكر بالدعاء الصالح، فإن النهي عن زيارة القبور منسوخ، روى عن النبي ﷺ أنه قال: (كنت نهيت عن زيارة القبور فزوروها ولا تقولوا هجدًا). وقال: (زوروا إخوانكم وسلموا عليهم وصلوا فإن لكم فيهم عبرة).
الخامس والستون من شعب الإيمان وهو باب في تشميت العاطس روي ذلك في الحديث الذي قيل له (حق المسلم خمس) فذكر منها أن تشميته إذا عطس ونص بالتشميت بالآخر. فسئل عن ذلك فقال: إن هذا حمد الله، وهذا لم يحمد الله. ويقال: أن الأصل في ذلك ما ذكره وهب في كتابه في بدء الخلق: إن أبانا آدم صلوات الله عليه كان مصورًا من فخار، فلما نفخ الله تعالى فيه الروح وجعله بشرًا عطس. فقال له: قل الحمد لله. فقالها. فقال له: يرحمك الله، أو يرحمك ربك. ومعنى حمد الله عند العطاس، أن العطاس دفع للأذى من الدماغ الذي فيه قوة الذكر والفكر، ومنه منشأ الأعصاب التي هي معدن الحس والحركة وسلامتها تكون سلامة الأعضاء، والتواصل بكل شيء منها إلا ما خلق له. فإن تيسر ذلك فإنما هو نعمة جليلة، وفائدة عظيمة. فلا تقل من أن نعرف قدرها بالحمد لله ﷿. وفيه مع ذلك اعتراف له بالخلق والتدبير وإضافة ما يقدر منه إليه، لا إلى الطباع كما يقوله الملحدون. فكان مما تحق المحافظة عليه هذا المعنى. وإذا عطس فحمد الله ﷿، فإن اتبع ذلك، الصلاة على المصطفى ﷺ فحسن. لأنه لو يعلم سنة الحمد عند العطاس إلا من جهته وعلى لسانه. فإن قضى حقه في ذلك الموضع بالصلاة عليه كان ذلك أحسن، وأولى به من أن يغفل عنه. وإذا حمد العاطس ربه ﷿ كان تشميته أن يقال: يرحمك الله. فإذا قيل له ذلك، فقد جاء عن النبي ﷺ إنه كان إذا عطس، فقيل له: يرحمك الله قال: يهديكم الله. وجاء: يهديكم الله
س ربه ﷿ كان تشميته أن يقال: يرحمك الله. فإذا قيل له ذلك، فقد جاء عن النبي ﷺ إنه كان إذا عطس، فقيل له: يرحمك الله قال: يهديكم الله. وجاء: يهديكم الله
ويصلح بالكم. وجاء أنه أمر العاطس والمشمت بما قلنا. وقيل: إنما قال ذلك ليهودي فأسلم، فما قيل بعد ذلك. وجاء عن ابن مسعود- ﵁: يغفر الله لك أو لكم. وتقدير العاطس، إذا شمت كتقدير من دخل مجلس رجل فسلم عليه. فكما أنه يؤمن لا السلام عليه فكذلك المشمت يؤمن بأن يجيب عن التشميت بمثله. فإن قيل: فإن رد السلام سلام، فلم لا كان جواب التشميت كالتشميت؟ قيل: لأن السلام كلام الإيمان وجواب الإيمان إيمان. وتشميت العاطس دعاء له، ومن دعاء له بدعاء فأجاب، لم يؤخذ عليه أن يدعو بنفس ما دعي له به. وإنما كان دعاء التشميت ما ذكروا، كان أنواع البلاء والآفات كلها مؤخذات يؤاخذ الله تعالى بها عباده. وإنما تكون المؤاخذة بالذنوب. فإذا حطت مغفورة، وأدركت العبد رحمة الله تعالى، لم تقع المؤاخذة، فلهذا قيل للعاطس: يرحمك الله، أو يغفر الله لك. أي جعل ذلك لك لقدوم السلامة والصحة لك. وقد يحتمل أن يكون التشميت وجوابه كالسلام ورده. ويحتمل أن يكونا جميعًا سنتين، لأن التشميت دعاء، فهو كالدعاء للمريض، ودعاء التهنئة بالولد. وليس جواب ذلك بفرض. والسلام كلام إيمان فاقتضى ردًا، لأن ترك الجواب عنه يوهم المخالفة. وإذا عطس رجل في الصلاة فقال: الحمد لله جاز. فإن سمعه من ليس في صلاة قال: اللهم ارحمه، ولا يقول: يرحمك الله. لأن هذا خطاب، ولا يخاطب من لا يخاطب. فأي واحد من هذين قال له. فإذا فرغ أجابه. وإذا سمع من هو في صلاة سكت عنه حتى يفرغ ثم يشمته. وإن قال وهو في الصلاة: اللهم ارحمه، أو اللهم اغفر له، جاز. وإن قال: يرحمك الله وعلم أن ذلك لا يصلح في الصلاة فسدت صلاته. وإن ظن أنه يصلح فيها لم يفسد، ويشمت العاطس إذا حمد الله تعالى ثلاث. فإذا جاوزها لم يشمت وذلك من الزكام. وقال عبد الله بن عمر ﵄ لرجل شمت عاطسًا عنده ثلاث مرات فلما أراد أن يشمته في الرابعة قال له: دعه، فإنه مصوك.
لاث. فإذا جاوزها لم يشمت وذلك من الزكام. وقال عبد الله بن عمر ﵄ لرجل شمت عاطسًا عنده ثلاث مرات فلما أراد أن يشمته في الرابعة قال له: دعه، فإنه مصوك.
فإن قيل: فلم لا كان المزكوم بالدعاء له أولى؟ قيل له: هو بالدعاء أولى، إلا أن دعاء المرضى شفاك الله وعافاك الله. وأما تشميت العاطس فهو دعاء لدوام الصحة، لا دعاء لدفع المرض. فلذلك لم يكن المزكوم فيه نصيب والله أعلم. ولا ينبغي للعاطس إذا عطس بحضرة قوم أن يخفي حمد الله ﷿، لأن نعمة الله تعالى عليه ظهرت لهم، فلا يحس أن يخفي عنهم شكره، ولأنه يحرم بذلك نفسه دعاءهم له. فإن كان إنما يخفي الحمد لئلا يشمت، فذلك أسوأ وهو نظير من يدخل على قوم فلم يسلم عليهم أو يخفي السلام لئلا يسمع فيرد عليه. روي أن رسول الله ﷺ قال: (يحب الله العطاس ويكره التثاؤب، فإذا عطس أحدكم فقال: الحمد لله، فحق على من سمعه أن يقول: يرحمك الله). فأما التثاؤب فإنما هو من الشيطان، فإذا تثاءب أحدكم فليرده ما استطاع. فإن أحدكم إذا تثاءب ضحك منه الشيطان. ومعنى هذا أن الشيطان يعجبه التثاؤب لأنه أمارة الكسل وثقل الأعضاء. فإذا رأى الشيطان ذلك من أحد طمع في أن يكون منه النوم أو ترك العبادة، فذلك ضحكه والله أعلم. وروى أن رجلًا عطس عند رسول الله ﷺ: الله أكبر. فقال النبي ﷺ: الله أكبر وعطس آخر فقال: الحمد لله على كل حال. فقال رسول الله ﷺ: يرحمك الله. قال يحيى بن أبي كثير يدل أن شمت ذلك له، لأنه لم يوافق السنة، وشمت هذا لأنه وافق السنة. عن ابن مسعود ﵁ قال: إذا عطس أحدكم فليقل: الحمد لله رب العالمين وليقل له: يرحمنا الله وإياك، وليقل هو: يغفر الله لنا ولكم. وكان ابن عمر ﵁ إذا شمت يقول: يرحمنا الله وإياك وإياكم. وهذا إذ قيل له: يرحمك الله، فيقول: يرحمنا الله وإياك. وقال سالم: لا تدع لإنسان بدعوة إلا بدأت بنفسك، فإذا حمد الله عند العطاس، قيل: يرحمنا وإياك.
وقال إبراهيم: إذا عطس أحدكم فليسمعنا الحمد حتى نشمته. وقال: إذا شمت أخاك فقل: يرحمك الله تعالى. فإن معه الحفظة كما أنك لو سلمت على رجل لقلت: السلام عليكم، كان أحسن من أن تقل: السلام عليك، وقد يفترقان لأن التشميت للعاطس، ولاحظ للملك فيه، والتسليم للصلاة، والملك من أهل الصلاة، وتستحب الصلاة على رسول الله ﷺ عند العطاس. عطس رجل عند ابن عمر ﵁، فقال: الحمد لله رب العالمين فقال ابن عمر: لو أتممتها، فقلت: والسلام على رسول الله. ولا يشمت المزكوم، لن رجلًا عطس عند النبي ﷺ فقال له: رحمك الله. ثم عطس الثانية فقال النبي ﷺ: (هذا رجل مذكوم). وإذا لم يشمت المزكوم فالمنعكس كذلك، بل أولى، وإنما تشميت من عطس، لأن عله، ومن غير اختلاف لأن الأخبار في ذلك جاءت. وفي أدب العطاس: روى أن رسول الله ﷺ كان إذا عطس حمر وجهه. وروى خفض صوته. وقال أبو موسى كان اليهود يأتون النبي ﷺ فيتعاطسون عند رجاء أن يقول: يرحمكم الله، فيقول: يهنيكم الله ويصلح بالكم. فإن قيل: قد شمتهم وهم يتعاطسون، قل: قد يخفى عليه أنهم تعاطسوا، وقد يعلم ذلك، فلا يحب إظهاره لهم بترك التشميت تألفًا لهم. ولأن يقولوا: إنما لم يشمتنا لأنا لم نكن من أهل دينه. وعن الزهري ﵁ يكره شدة عطاس الرجل ورفع صوته في تثاؤبه في المسجد. ونهى مجاهد ﵁ عن الإعلان بالتثاؤب والعطاس. وقال عبد الكريم بن أبي مالك يكره أن يرفع الصوت عند العطسا، والتثاؤب والتنخم ومطه بقوله يا غلام، وهو الذي جاء في العطاس من خفض الصوت، يحتمل أنه كان شمته، ولم يكن عمدًا، والناس في ذلك متفاوتون. وقد يجوز أن يفضل الباب،
والتنخم ومطه بقوله يا غلام، وهو الذي جاء في العطاس من خفض الصوت، يحتمل أنه كان شمته، ولم يكن عمدًا، والناس في ذلك متفاوتون. وقد يجوز أن يفضل الباب،
فيقال: من كان في رأسه ثقل وشدة، فعطس، فشدد عطاسه، ورفع صوته ليعين بذلك عن انتفاخ شدقه لم يكن في ذلك ما يكره. وإن أراد برفع الصوت التلعب، وإرعاب بعض السامعين كره ذلك. في العاطس إذا حمد الله: عن ابن عباس ﵄ قال: إذا عطس الرجل فقال: الحمد لله، قالت الملائكة: رب العالمين. وإذا قال: رب العالمين. قالت الملائكة: يرحمك الله. في التثاؤب: قال رسول الله ﷺ: (إذا تثاءب أحدكم فليضع يده على فيه، فإن الشيطان يدخل). ومعي هذا أنه أعلم أنه إذا مد النفس فقد فغر فاه لم يؤمن أن يمتد معه شيء يكون في الهواء، فيدخل فيه فيتأذى بذلك. فسمي ما كان من ذلك شيطانًا، لأنه مؤذي، يدخل على الإنسان منه ما يكره كالشيطان، كما يقال للرجل الحسن الكريم ملك. وقال النبي ﷺ (يطلع من هذا الفج رجل بوجهه مسحة ملك) فأطلع جرير. وإنما قال بوجهه مسحة، ذلك لأنه كان حسنًا صبيحًا، إلا أنه كان هناك مسح بالحقيقة والله أعلم. وينبغي إذا عطس العاطس أن يتأنى حتى يسكن بما به ثم يشمتوه، ولا يعاجلوه بالتشميت. وإذا عطس الخاطب وقال: الحمد لله ومر في خطبته لم يشمت، وإن وقف شمتوه. وإذا عطس أحد القوم فحمد الله تعالى جده، شمت إشارة. وقيل يشمت بكلام. وإذا علم من رجل يكره أن يشمت، ويرفع نفسه أن يتأسف، بذلك لم يشمت لا إجلالًا له بل إجلالًا للتشميت عن أن يرهل له من يكرهه، قال الله ﷿ فيما حكاه عن نوح النبي صلوات الله عليه أنه قال لقومه: ﴿أرأيتم إن كنت على بينة من ربي وآتاني رحمة من عنده، فعميت عليكم، أفلزمكموها وأنتم لها كارهون﴾. فإن قيل: إذا كان التشميت سنة، فلم تترك السنة بكراهية من يكرهها؟
كنت على بينة من ربي وآتاني رحمة من عنده، فعميت عليكم، أفلزمكموها وأنتم لها كارهون﴾. فإن قيل: إذا كان التشميت سنة، فلم تترك السنة بكراهية من يكرهها؟
قيل: هي سنة لمن أحبها، وليس بسنة لمن كرهها. لأن من يرغب عن الخير رغب الخير عنه. وإن كره رجل أن يسلم عليه عند اللقاء لم يسلم عليه لما وصفنا. كما أنه إذا مرض فكره أن يعاد لم يعد. وإن أوصى محتضر بأن لا يصلي عليه إذا مات صلى عليه، لأن الصلاة عليه شفاعة له. وهو إذا أسرف على أنفسه بأن أوصى أن لا يصلي عليه أحوج إلى الشفاعة له منه إذا لم يوص به. وأما السلام فتحية، والتشميت مثله. ومن كره التحية لم يحيى، كما أن من كره الزيارة لم يزر والله أعلم. ولأن الصلاة عليه ودفنه واجبان بإيجاب الله تعالى وفرضه، فلا يعمل بوصيته في إبطالها والله أعلم.
السادس والستون من شعب الإيمان وهو باب في مباعدة الكفار والمفسدين والغلظة عليهم قال الله ﷿: ﴿يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم﴾. وقال: ﴿يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة﴾. وقال: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة﴾ إلى قوله: ﴿تسرون إليهم بالمودة وأنا أعلم بما أخفيتم وما أعلنتم، ومن يفعله منكم فقد ضل سواء السبيل﴾. وقال: ﴿إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم، ومن يتولهم، فأولئك هم الظالمون﴾. وقال: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء إن استحبوا الكفر على الإيمان﴾. وقال: ﴿ومن يتولهم منكم فإنه منهم، إن الله لا يهدي القوم الظالمين﴾ وقال: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزوًا ولعبًا من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم والكفار أولياء، واتقوا الله إن كنتم مؤمنين﴾. وقال: ﴿المؤمنين والمؤمنات بعضهم أولياء بعض﴾. وقال: ﴿المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض﴾. إشارة أن لا ولاية بين المؤمن والمنافق. وقال النبي ﷺ: (لا تراءى ناراهما- يعني المسلم والمشرك) أي لا ينبغي أن
يكون المسلم بقرب الكافر فيرى هذا نار ذاك نار هذا. وقال عمر بن الخطاب رضي لله عنه: اجتنبوا أعداء الله اليهود والنصارى في عيدهم يوم جمعهم. فإن السخط ينزل عليهم فأخشى أن يصيبكم، ولا تعلموا رطانتهم فتخلقوا بخلقهم. وقال الله ﷿: ﴿لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين، ومن يفعل ذلك، فليس من الله في شيء إلا أن تتقوا منهم تقاة، ويحذركم الله نفسه، وإلى الله المصير﴾. وقال: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالًا ودوا ما عنتم، قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر﴾ وقال: ﴿وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها، فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذًا مثله﴾. وقال: ﴿وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فاعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره، وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين﴾. وقال: ﴿ولا تكن للخائنين خصيمًا﴾ وقال: ﴿ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم، إن الله لا يحب من كان خوانًا أثيمًا﴾ وقال: ﴿ها أنتم هؤلاء جادلتم عنهم في الحياة الدنيا، فمن يجادل الله عنهم يوم القيامة أم من يكون عليهم وكيلًا﴾. وقال: ﴿لا تجد قومًا يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله﴾ إلى آخر السورة. فدلت هذه الآيات وما في معناها، على أن المسلم لا ينبغي له أن يواد كافرًا ولو كان أباه أو ابنه أو أخاه. ولا يقاربه ولا يجزيه في الخلطة والصحبة مجرى مسلم منه وإن بعد. ويجتهد في أن لا يكون من قلبه ولحظة ولفظة بالميل إليه نصيب، ويكون عليه أشد منه على قاتل أبيه أو وليه. فإنه إن كان ممن يؤمن بالله ورسوله فبالحري أنه إذا فكر في أنه متكلم في الله ﷿ بما لا يرضاه الله تعالى، ويكذب رسوله ويتكلم فيه بما أجل الله قدره عنه أن يكون ذلك أشد عليه من أن يناله في نفسه أو في والده، أو في ولده بما
في الله ﷿ بما لا يرضاه الله تعالى، ويكذب رسوله ويتكلم فيه بما أجل الله قدره عنه أن يكون ذلك أشد عليه من أن يناله في نفسه أو في والده، أو في ولده بما
يكره، فالله تعالى أولى به من نفسه، ومن أبيه وأمه وولده، والتي أولى بالمؤمنين من أنفسهم. ولهذا قال عز اسمه: ﴿لا تجد قومًا يؤمنون بالله واليوم الآخر، يوادون من حاد الله ورسوله، ولو كان آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم﴾. فينبغي له إذا كان الأمر على ما وصفت أن لا يزور الكافر إلا أن يألفه بذلك على الإسلام. وذلك بعد أن ظهرت له أمارات مثله إليه، ولا يعوده إذا مرض إلا أن يرجو تآلفه على الإسلام. كما جاء عن النبي ﷺ أنه عاد يهوديًا فوجده يماته، فدعاه إلى الإسلام فقال له أبواه أبلغ أبا القاسم فأسلم، فقام رسول الله ﷺ وهو يقول: (الحمد لله الذي أنقذه من النار) أو يكون له جار فيكون بينه في عيادته مراعاة حق الجار الذي عظمه رسول الله ﷺ، لا يشغل القلب به والتوجع له فيما حل به. وإذا دخل عليه لم يدع له بالعافية إلا أن يقر به بالهدى فيقول: شفاك الله وهداك وأقامك مهديًا في عافية. وما أشبه ذلك. ولم يشر عليه بما يرى أنه ينفع إلا أن سأله عنه. فإن سأله عنه لم يغشه. وأخبره بما عنده لا على أن يتخير عليه، ولكن على أنه ائتمنه، فلا يجوز له أن يخونه، لأن الله ﷿ يقول: ﴿فإن أمن بعضكم بعضًا فليؤد الذي اؤتمن أمانته﴾. وقال النبي ﷺ: (علامات المنافق ثلاث: فذكر منها إذا اؤتمن خان) وحرام عليه أن يشهد جنازته أو يقوم على قبره إذا لم يكن ذا قرابة منه. قال الله ﷿ في المنافق: ﴿ولا تصل على أحد منهم أبدًا، ولا تقم على قبره، إنهم كفروا بالله ورسوله﴾. ولا ينبغي له إن مت وهو ضعيف الحال أن يعين في جهازه إلا أن تكون له صنيعة بمكانه قدمها في حياته أو لوراثة فيعنه بما يعلم أنه محتاج إليه، لإسقاط المسنة فيما مضى عن نفسه، فأما على الوجه البر والصلة فكلا. وإذا أعلا فلا ينبغي له أن يعطيه من لباسه وكسوته. فإن فعل فلا ينزع له ثوبه الذي هو لابسه.
ط المسنة فيما مضى عن نفسه، فأما على الوجه البر والصلة فكلا. وإذا أعلا فلا ينبغي له أن يعطيه من لباسه وكسوته. فإن فعل فلا ينزع له ثوبه الذي هو لابسه.
فأما ما جاء عن النبي ﷺ أنه أعطى عبد الله بن سلول رداءه ليكفن فيه أباه، فغير هذا. لأن ابن عبد الله كان مسلمًا. فلما مات أبوه حضر النبي ﷺ، فقال: يا رسول الله، أعطني رداءك أكفن فيه أبي. فأعطاه رعاية لحقه أو استطابة لقلبه، وتأكيدًا في الإسلام لنبيه. وقيل فعل ذلك لحق كان لأبيه قبل، فأراد أن يجزيه بعد موته وإن كان من ذكرنا المريض أو الميت ذا قرابة منه. فجائز له أن يشهده على أن تعظيم من حق الرحم ما عظمه الله تعالى جده لجل وجه سؤاله ويغسله ويكفنه ويواريه. وينجي عن قلبه. وجد إن أحسن به عليه، ويذكر أنه كان عدوًا لله تعالى ولرسوله ﷺ، وقد نقصه الله وأجازه إلى ما يستحقه. أذن رسول الله ﷺ لعلي بن أبي طالب ﵁ في غسل أبي طالب لما مات، ومواراته. ولا يقعد عليه ما شاء. وأما إذا افتقر في حياته، فاحتاج إلى أن يعوضه غيره، فعلى ولده المسلم أن ينفق عليه إن كان قادرًا على ذلك. وكذلك على الوالد المسلم هذا في ولده الكافر. وأيهما ملك الآخر عتق عليه. وإن قتل الكافر ولده المسلم لم يقتل به. وإن قذفه لم يجلد له. وهذه حكام وفرائض وحدود شرعها الله تعالى تعظيمًا لحق الولاد والرحم، فهي مقام طاعة لا شفقة على من يرجع نفعها إليه. فأما ما نهى عنه، أو لم يفرضه، فاجتنابه أولى، لأنه إذا أوقع لم يقع إلا وداد أو شفقة. وقد بينا أنه ليس لمسلم أن يواد كافرًا. ولا ينبغي لمسلم إذا لقي كافرًا في طريقه أن يتنحى عن الطريق بل يضيق الطريق عليه وينحيه إلى أرذله وأشده. روى عن رسول الله ﷺ أنه قال: (إذا لقيتم المشركين في الطريق فلا تبدأوهم بالسلام، واضطروهم إلى ضيقه). ولا بتدأوه بالسلام ولا تصافحنه. فإن مد الذي يده إليك، أعطاه يده في كمه. فإن مدها عارية لم يطل حبسها في يده. ولم ينتظر من أن يكون هو الشارع ليده ما ينتظره في مثل ذلك من المسلم.
وإن رأى على وجه كافر كافر أو ثوبه قذاة لم يمطها ولا يقدمه على نفسه في طريق ولا مدخل ولا مخرج، ولا يرفع مجلسه، ولا يلقي له وسادة بيده، ولا يرفع له مسعرًا، ولا يعينه على الركوب ولا يقوم له في مجلسه إذا رآه تهيئًا له، ولا يخاطبه إلا بما يخاطب به من لا يهاب، إلا أن يكون أتاه في هذا كله. ولا يشمته إذا عطس، وإن حمد الله، إلا أن يقول له هداك الله وأصلح الله حالك، أو أصلحك الله. ولا يهدى إلى الكافر ما إلا جزاء أو تآلفًا، ولا يضيفه فيطعمه من طعامه، ولاسيما إذا كان جائعًا، وليس ذلك كالتصدق عليه من النسك، لأن ذلك شيء أخرج من الملك لوجه الله. والإضافة يراد بها وجه الضيف، فإن قدم إليه شيئًا وهو شبعان لا يحتاج إليه فذلك أخف، وإن قدمه إليه وهو جائع من صومه، ففطره عليه وأكله ليصوم عليه، فذلك يغلظ، وبالكراهية حق لأنه إعانة على الباطل. ولا يعيره ثوبًا ليشهد الكنيسة منه أو البيعة، أو موقد النار، أو يقرأ فيه المحرف من كتاب الله، أو المفترى عليه. ويعمل ما عنده أنه صلاة، ولا قلمًا ولا مدادًا ليكتب به الباطل. وإن استضافه الكافر فلم يحسن منه مكانه، فهو بالخيار. وإن أجابه ليأكل من طعامه فيقتص بذلك من ماله فجائز. وإن رده لئلا يكون باسطه، فذلك جائز. وإن دعاه الكافر إلى وليمة، فإن كان جارًا نظر. فإن كان النكاح نكاحًا يقر عليه إذا أسلم، فله أن يحضر وليمته. وإن كان نكاحًا لا يقر عليه إذا أسلم فلا يحضر وليمته، وإن كان تعبدًا فلا بأس إن لم يحضره بحال. ولا ينبغي للمسلم أن يزور الكافر إذا قدم من سفره إلا أن يكون جاره ولا أن يهنئه بفصحه بحال، ولا بالنيروز والمهرجان، ولا أن يتابعهم على تعظيم ما يعظمونه من هذه الأوقات. ولا ينبغي للإمام أن يسامح أهل الذمة في الزنانير، ولا يعقدوها على أوساطهم. ولا في الخيل فيركبوها أعرابها وعجمها سواء. ولا في الرقيق المسلمين فيفتنوهم وينهاهم عن أن يتزيوا بزية المسلمين في ملابسهم، ولا يجعل لهم إلى إفشاء كفرهم، وإسماعهم المسلمين مقالاتهم سبيلًا، وينهى المسلمين عن الإصغاء إليهم والاستماع إلى ذلك مهم، إلا أن يحتاج مسلم مشركًا، ويجادله رغبة في إسلامه، ولا يمنع من ذلك.
م المسلمين مقالاتهم سبيلًا، وينهى المسلمين عن الإصغاء إليهم والاستماع إلى ذلك مهم، إلا أن يحتاج مسلم مشركًا، ويجادله رغبة في إسلامه، ولا يمنع من ذلك. ولا ينبغي لمسلم أن يتبع من مشرك خمرًا ولا خنزيرًا، ولا كتابًا فيه كفرًا أو يتحرف وكتابًا محرف من كتب الله ﷿. والبيع في ذلك باطل مفسوخ، إلا الوبر فإنه إن
كان فيه على ما هو عليه أو مكسورًا منعه من جنس المنافع المطلقة، ولم يكن غنيًا يجيبه، فالبيع فيه ماض إلا أنه من المشرك مكروه، ولا يبتع المسلم من الكافر عصيرًا يرى أنه يجده خمرًا ولا من الكافر سلاحًا، فإن فعل فالبيع مفسوخ. ولا ينبغي لمسلم أن يقود أباه الأعمى إلى الكنيسة أو البيعة أو موقد النار. فإن كان أبوه في بعض هذه الأماكن، وأراد الرجوع فله أن يقوده إلى بيته ومنزله. وهذا إذا قاده إلى هذه المواضع، فيعمل ما يرون أنه صلاة وعبادة. فإن كان له فيها شغل يحل الذهاب إليه، فله أن يقوده ليبيع فيه حاجته. ولا ينبغي للمسلم أن يؤاجر نفسه أو دابته كافرًا في حمل خمر أو خنزير أو عنب يعصر خمرًا فإن أجره نفسه فيما يحل، وهو محتاج إلى ذلك فلا بأس وإن كان له مندوحة عنه فليجتنبه، وبعض ذلك شر من بعض. فإنه إن أجره نفسه مشاهدة أو مشابهة، فذلك أحق بالكراهية من أن يؤجره نفسه في عمل يعمل له يومًا أو يومين أو أقل، ثم يتركه. وإن أجره نفسه في سياسة دوابه، فهو خير من أن يؤاجره نفسه في خدمة بدنه، لأن دابة الكافر خير من الكافر. ومن هذا الباب مجانبة الظلمة. وجاء عن رسول الله ﷺ أنه قال: (ما بعث الله ﵎ من نبي إلا كان بعده خلفًا، يقولون ما يفعلون، ويفعلون ما يؤمون، وسيكون بعدي أمراء يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون. قالوا. كيف نصنع يا رسول الله؟ قال: من اعتزلهم سلم منهم ونجا، ومن كان معهم هلك). وعن ﷺ قام خطيبًا، فقال: (ألا أني أوشك أن أدعى فأجيب، وليأتكم بعدي عمال يقولون ما يفعلون، ويعملون ما يعرفون، فطاعة أولئك طاعة، فيلبثون بذلك دهرًا، ثم يليكم عمال من بعدهم يقولون: ما لا يعلمون، ويعملون ما لا يعرفون، فمن ناصحهم ووازرهم، وشد على أعضادهم، فأولئك الذين هلكوا وأهلكوا. قالوا: فصف
هرًا، ثم يليكم عمال من بعدهم يقولون: ما لا يعلمون، ويعملون ما لا يعرفون، فمن ناصحهم ووازرهم، وشد على أعضادهم، فأولئك الذين هلكوا وأهلكوا. قالوا: فصف
لنا ما نصنع إن أدركنا ذلك؟ قال: خالطوهم بأجسادكم، وقاتلوهم بأعمالكم، واشهدوا على المحسن منهم أنه محسن، وعلى المسيء منهم إنه سيء والله أعلم). ولا ينبغي للمسلم أن يقبل هدية مشرك، لأن النبي ﷺ رد هدية مشرك، وقال: (أنا لا نقبل زبد المشركين). ويحتمل أن يكون ذلك، لأن الهدية تعلق بالقلب فتميله نحو المهدى، ولأنها في الثروة تقتضي المكافأة. فإذا وقع التهادي بين المسلم والكافر صار ذلك من جوالب الردة، ولا ينبغي للمسلم أن يواد كافرًا. ويحتمل أن يكون الزبد اسمًا للعطية أن يصدر من المعطى عن ظاهر لا حقيقة له، فيكون كالزبد على ظاهر الماء لا أصل له. وإنما هو طاف فوقه. وسمعت من يسمي الكلام الذي لا حاصل له زيدًا، ويذهب به إلى قول الله ﷿: ﴿فأما الزبد فيذهب جفاء﴾ أي أنه لا فائدة فيه ولا معنى له. ولا ينبغي للمسلم أن يفشي إلى كافر سرًا لأنه عدو الله تعالى، وأنه خائن لله ورسوله ولنفسه، فلا ينبغي له أن يأمنه. فإن كان ذلك من أمر دار الإسلام أو جيش المسلمين، أو إمامهم، أو عامتهم، فهو أدهى وأمر. ولا ينبغي للمسلمة أن تنكشف للكافرة، فترى منها ما لا يحل للرجل الأجنبي أن يراه، لأن الله ﷿ يقول: ﴿ولا تكن للخائنين خصيمًا﴾ ولا أن يضمن عن ذمي جزية، ليخفف عنه بضمانه، أو يدفع به صغارًا عنه، ولا أن يكفل نفسه لئلا يحتسب. فأما إن دفع عنه ظلمًا يراد به، فذلك من حقوق العهد، وليس من الود والإشفاق بسبيل. وإذا أراد المسلم نزول سكة أو حانوت، فليعلم جيرانه، ويتحرى أن لا يكون جاره كافرًا، وينأى عنه ما أمكنه. لقول النبي ﷺ: (لا تراءى ناراهما). فإن حدث له جار كافر فلا بأس عليه أن أقام موضعه. ولا ينبغي لفعله المسلمين وصناعهم أن يعملوا للمشركين كنيسة أو بيعة، أو صليبًا أو منبرًا. فأما غزل الزنار ونسجه فلا بأس به، لأن ذلك صغار لهم.
ولا ينبغي للإمام أن يأذن لذمي في إحياء شيء من موات دار الإسلام، ولا أن يقطعه معدنًا من معادنها. فإذا اتخذ الإمام سيافًا أو جلادًا، فلا يجعلنه من المشركين، ثم يسلطه على المسلمين، فإنه يتشفى منهم بما ينالهم به، وذلك صغار بالمسلمين. فينبغي لإمامهم أن يصرفهم عنه، ولا ينبغي إذا ظهر للمسلمين نفاق قوم أن يجادل فريقًا منهم فريقًا عنهم ليحموهم، ويدافعوا عنهم، فإن هذا قد وقع على عهد النبي ﷺ، ففيهم نزل قول ﴿ولا تكن للخائنين خصيمًا، واستغفر الله، إن الله كان غفورًا رحيمًا﴾. وقوله تعالى ﴿ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم، إن الله لا يحب من كان خوانًا أثيما. يستخفون من الناس، ولا يستخفون من الله وهو معهم، إذ يبيتون ما لا يرضى من القول وكان الله بما يعملون محيطا﴾. معنى قوله ﷿ ﴿ويقولون طاعة فإذا برزوا من عندك بيت طائفة منهم غير الذي تقول﴾ والنهي عن المجادلة والمخاصمة في هذه الآية، وإن كان للنبي ﷺ لفظًا، فالمراد به: الذين كانوا يفعلونها من المسلمين دونه، لوجهين: أحدهما أنه ﷿ إبان ذلك بما ذكره بعد، بقوله ﴿هؤلاء جادلتم عنهم في الحياة الدنيا، فمن يجادل الله عنهم يوم القيامة﴾. والآخر: أن النبي ﷺ كان يتيمًا بينهم حكمًا فكان من يعتد، يعتذر إليه، وهو لا يعتذر لحد إلى غيره. فصح أن الذمي وإن كان له لفظًا فليس له قصدًا، لكن لغيره والله أعلم. ولا ينبغي للمسلم أن ينظر في كتب المشركين، وما الفوه من آرائهم، وأبدوا به من مقالاتهم، وهجنوا به مذاهب غيرهم، قبل أن تحكم قواعد دين الله تعالى، ويرسخ في علمه، ويستبصر بأصوله وحججه. فيكون نظره في أعدائه، وأعداء رسله صلوات الله عليهم، بعد ذلك مقرونًا بما يريه الله تعالى عند الهجم عليها من فضائحه وعوراتها وقبائحها، فيميز المناقضات، ويبين الشبهات، ولا يترك دعاويهم وشرحهم أقوالهم منازل الحجج، فيعتمدها اعتماد ما قد يرى وضح الحق فيه، وقام دليله. ولا يقبل تشيعهم على من يخالفهم قبول من يرى أنهم هم المحقون وغيرهم المبطلون. فإن أكثر من اغتر بقول الفلاسفة وهلك بكتبهم، إنما أتي من قبل أنه افتتح بها، فسمع ما يسمع من آرائهم قبل أن يكون
ن يرى أنهم هم المحقون وغيرهم المبطلون. فإن أكثر من اغتر بقول الفلاسفة وهلك بكتبهم، إنما أتي من قبل أنه افتتح بها، فسمع ما يسمع من آرائهم قبل أن يكون
له بدين الله تعالى علم قليل، أن كثير، أو بآياته وبيناته وحججه الباهرة القاهرة. وبغير يسيره وخطيرة، فلا تسموا بالحكمة وسماهم الناس بها، وظهرت لهم في علم الأبدان وغيرها آثارها كثيرة، يأتون فيها بالفضل والبراعة، فظن أن منازلهم في علم النبأ العظيم الذي هم عنه معرضون. وللأمر الكاتف الجسيم الذي هم فيه متحيرون كمنازلهم فيما أدركوه ووفقوا له فأصابوه، فقبلوا قولهم تقليدًا بلا استبصار، وتعظيمًا لهم من غير نظر واعتبار، فضلوا عن الصواب، وأخطأوا سبل الرشاد. وهو عليهم قول الله تعالى ﴿ذلك هدى الله يهدي به من يشاء، ومن يضلل الله فما له من هاد﴾. وأيما مسلم جلس إلى بعض من حقت عليه الضلالة، فسمعه يظهر الكفر والاستهزاء بآيات الله، فحرام عليه أن يقضي عنه ويسامحه بترك الإنكار عليه، بأن كان لذلك أهلًا. فإن كان يقصر عن ذلك، فإن يرفعه إلى الأمام. أما الوالي والقاضي وأكبر علماء المسلمين في بلده ليزجره، يعمل به ما يستحقه. وإن لم يقدر على شيء من ذلك فليفارقه، ولا يقم عنده، وهو غمه في طغيانه، وتأبيط بالباطل لسانه، قال الله ﷿: ﴿وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفره بها﴾ الآية إلى آخرها. وقال:﴾ وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره﴾. وهذه الآية مكية. وكان النبي ﷺ بمكة لا يطيق مدافعة المشركين، فلهذا- والله أعلم- قصر فرضه عن الإعراض دون ما زاد عليه، ومن لم يفعل شيئًا مما ذكرنا، ولا هو أنكر ولا رفع الأمر إلى من يغيره، ولا قام فاعتزل، بل لزم مكانه يسمع ما يجري فيه من الباطل فلا يعتني به، لا يجد في قلبه منه ما يهزه ويزعجه، كان ممن قال الله ﷿ ﴿إنكم إذًا مثلهم إن الله جامع المنافقين والكافرين في جهنم جميعًا﴾. ونعوذ بالله من هذه الحال، وبالله التوفيق. فصل والفساق في كثير من المعاني التي سبق شرحها كالكفار، فلا ينبغي لعدل أن يلاين فاسقًا، لأن ملاينة العدل الفاسق، تجسر الفاسق وتخذل العدل. فلا ينبغي له أن يذل
ساق في كثير من المعاني التي سبق شرحها كالكفار، فلا ينبغي لعدل أن يلاين فاسقًا، لأن ملاينة العدل الفاسق، تجسر الفاسق وتخذل العدل. فلا ينبغي له أن يذل
نفسه ويعز فاسقًا، كما لا ينبغي لمؤمن أن يذل نفسه ويعز كافرًا، ولأن العدل إذا لاين فاسقًا لا لغرض صحيح، فإنما يغض في حق العدالة لا في حق نفسه، وليس له هذا كما أن المسلم إذا لاين كافرًا، لا عن عذر أو ضرورة إلا لغرض صحيح، فإنما يغض في حق الإسلام لا في حق نفسه، ولم يجز ذلك له ولا وسعه. ومن ملينة العدل الفاسق أن يراه مجاهرًا بفسقه وهو يقدر على ردعه فلا يردعه لحرمة عنده، أنه يرعاها له. وهذا كثير، لأنه يبع بالدنيا ورفض الأمانة، ودخول في جملة أهل الخيانة، والله ﷿ يقول: ﴿لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون﴾، وما بقي من القول في هذا فسيأتي في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. فصل فأما ما جاء عن بعض المتقدمين أن المسلم يعزي المسلم إذا مات أبوه النصراني، فيقول له: أعظم الله أجرك وخلف عليك. ويقول للنصراني إذا مات ابنه: اخلف الله عليك ولا نقص عددك. فإن وجه قوله في تعزية المسلم بالأب النصراني بين، لأنه إن لم يحزن عليه حزن له، وحزنه له إيمان بالله ﷿. فيجوز أن يقال له: أعظم الله أجرك لهذا. ويقال: خلف الله عليك. فمعناه: رزقك الله ولدًا مكان الذي سلبك، ولا نقص لك عددًا. أي فعل بك ما سألت فلا ينقص عددك بالذي أخذه. وهذا ليس دعاء أن يكثر الكفار، لأن وفور عدده ليس يكون بأن يكون ولده على دينه. ومعنى هذا القول أن يكون الدعاء له، على رتبة الدنيا. فإن أصل التعزية إنها دعاء. فإذا لم يكن أن يدعي للكافر بحسن المآب دعي له بشيء من متاع الدنيا، فيكون حق جواره، أو حق آخر، إن كان له قد قضى بذلك، والله أعلم.
السابع والستون من شعب الإيمان وهو باب في إكرام الجار قال الله ﷿: ﴿وبالوالدين إحسانًا، وبذي القربى واليتامى والمساكين والجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب وابن السبيل﴾. فقيل في التفسير: الجار ذا القربى، الجار الملاصق. والجار الجنب البعيد عن الملاصق. والصاحب بالجنب الرفيق في السفر. فقال النبي ﷺ: (ما زال جبريل يوصيني بالجار، حتى خشيت أنه يورثه). وروى (حتى ظننت أنه سيورثه). وقال ﷺ: (لا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه). والنبي ﷺ قال: (لا تحقرن من المعروف شيئًا، ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق. وإذا عملت مرقة فأكثر ماءها واغرف لجيرانك). وقال ﷺ: (لا يشبع الرجل دون جاره). وقال: (يا نساء المؤمنات لا تحقرن جارة لجارتها ولو فرسن شاة) ومن هذا الباب إكرام الجليس، قال ابن عباس ﵄: إكرام الناس على جليسي. وقال عمر بن العاص: من إكرام الناس على من جليسي الذي يتخطى الناس إلى سيجبرني وكان لا يرفع ركبتيه عن جليسه، ولا يخص
بوجهه أحد يعطي كل رجل منهم وجهًا. وقال ابن شهاب: كنت مع سعيد بن جبير، فأتاه ناس حتى عظمت الحلقة، فبدا له أن يقوم. فقال: أنكم جلستم إلي، وبدت لي حاجة، أفتأذنون لي أن أقوم إليها؟ قالوا: نعم. قال: ولو كنت أنا الذي جلست إليكم لم أستأذنكم. وروى عنه ﷺ أنه قال: (من أغلب بابه دون جاره مخافة على أهله وماله فليس بمؤمن. وليس بمؤمن من لا يأمن جاره بوائقه. أتدرون ما حق الجار؟ إذا استعانك أعنه، وإذا استقرضك أقرضه، وإذا افتقر تحدث إليه. وإن مرض عدته، وإن مات اتبعت جنازته. وإن أصابه خير هنأته، وإن أصابته مصيبة عزيته، ولا تستطيل عليه بالبناء ولا تحجب عنه الريح إلا بإذنه. وإذا اشتريت فاكهة فاهد له، وإن لم تفعل فأدخلها سرًا ولا تخرج بها ولدك ليغيظ بها ولده. ولا تؤذه بقتار قدرك، إلا أن تعرف له منها. أتدرون ما حق الجار والذي نفسي بيده، لا يبلغ حق الجار إلا قليل ممن ﵀، فما زال يوصيهم بالجار حتى ظنوا أنه سيورثه).
ؤذه بقتار قدرك، إلا أن تعرف له منها. أتدرون ما حق الجار والذي نفسي بيده، لا يبلغ حق الجار إلا قليل ممن ﵀، فما زال يوصيهم بالجار حتى ظنوا أنه سيورثه). ثم قال رسول الله ﷺ: (الجيران ثلاثة: منهم من له ثلاثة حقوق ومنهم من له حقان، ومنهم من له حق واحد. فأما الذي له ثلاثة حقوق، فالجار المسلم القريب، حق الجوار وحق الإسلام وحق القرابة. وأما الذي له حقان، فالجار المسلم له حق الجوار وحق الإسلام. وأما الذي له حق واحد، فالجار الكافر له حق الجوار. قالوا: يا رسول الله، أتطعمهم من لحوم النسك؟ قال: لا تطعموا المشركين من نسك المسلمين). فهذا الحديث قد أتى على إنابة أكثر حقوق الجار، وما ذكر فيه من النهي من طعام المشركين من نسك المسلمين. قد يحتمل أن يكون أريد به النسك الواجب في الذمة الذي لا يجوز للناسك أن يأكل منه، ولا أن يطعمه الأغنياء. فأما ما لم يكن واجبًا في الذمة، فجاز أن يأكل منه بنفسه ويطعم منه الأغنياء، فجائز له أن يطعمه أهل الذمة. وجاء في ذلك عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال لها عند تفريق لحم الأضحية: (ابدئي بجارنا اليهودي) فدل ذلك على أن معنى الحديث ما ذكرته.
له أن يطعمه أهل الذمة. وجاء في ذلك عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال لها عند تفريق لحم الأضحية: (ابدئي بجارنا اليهودي) فدل ذلك على أن معنى الحديث ما ذكرته.
وروي أن شاة ذبحت في أهل عبد الله بن عمرو فلما جاء قال: أهديتم لجارنا اليهودي، ثلاث مرات. سمعت رسول الله ﷺ يقول: (ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه). وقال ﷺ: (خير الأصحاب عند الله خيرهم لصاحبه، وخير الجيران عند الله خيرهم لجاره). ومما جاء عن النبي ﷺ في هذا الباب قوله: (الجار أحق بسقبه) وقيل معناه: أنه أحق بشرًا ما يباع من جيرته من الرجل الأجنبي. وجاء أن سعد بن أبي وقاص ﵁ عرض داره للبيع وطلب منه ثمانمائة درهم، فما زادها أبو رافع بأربع مائة فقال له: لولا أني سمعت رسول الله ﷺ يقول (الجار أحق بسقبه) لما بعتكما بأربعمائة. فلقد طلب مني ثمانمائة درهم، فحمله الصحابي السامع له من رسول الله ﷺ، على هذا المعنى، وإياه فهم منه. وقيل معناه: أنه أحق شفعة بإتباع، إذ كانت الشفعة لا تنيب إلا فيما يمكن. قلت: الشركة فيه جوار بالقسم، فلما أخصت بما يكون فيه الجوار أشبه أن يستحق بالجوار والله أعلم. وقيل: أراد بالجار الشريك لأن الأغلب أن الشريكين في الدار يشتركان في سكناها فيكون متجاورين بأبدانهما. ولذلك قيل لامرأة الرجل جارته. لأن الأغلب أن الزوجين يتعاشران فيتجاوران بأبدانهما والله أعلم. ويحتمل أن يكون المعنى الذي عظم الجوار، هو أن كل واحد من المتجاورين لائذ بصاحبه، آمن بأمانه، لأن أحدًا لا يمكنه أن يسكن أرضًا وحده، فإنه لا يأمن أن يسلب ويجرب فتقتله المجاعة والعري، أو تفترسه السباع، وإذا كثر الناس واجتمعوا على سكنى ببلد اعتقد بعضهم ببعض، فأحرز بكل واحد منهم ماله وأهله وولده، بجيرانه ورفقائه دفع بعضهم عن بعض. وكل من كان ألصق بآخر، كانت هذه الفائدة له من منه أوفر. وكان به من قبلها أخص. فلما فات أن يصل إلى القيام بهذا الحق على جميع أهل
البلد. أمر بأن يقوم على الأحضين به منهم وهم الجيران. ولهذا كانت الزكاة موضوعة في جيران المال، ولم يجز أن يعدل بها عنهم ما دام يوجد فيهم من يكن وضعها فيه منهم، والله أعلم. وحد الجوار من كل وجه من البيت إلى أربعين بيتًا. وروى أن رجلًا جاء إلى النبي ﷺ، فقال: إني نزلت محلة قرم، وإن أقربهم إلي جوار أشدهم لي أبدًا. فبعث النبي ﷺ أبا بكر وعمر وعليًا يصيحون على أبواب المساجد: إلا أن أربعين دارًا جار ولا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه. وأما قول النبي ﷺ (ليس بمؤمن من لا يأمن بوائقه لأن الجوار سبب الأمن كما يثبت، فإذا أخاف الجار الجار، كان كمن أمنه رجل فعدا عليه فقتله، فيكون قد جازى الحسنة بالسيئة، ولذلك ملوم في الطبائع ومذموم في الشرائع. فصل وأما الرفيق في السفر، فإنه جار لأنه والرفيق يتجاوران بدنًا ومكانًا، ولكل واحد منهما في صاحبه من الفائدة والمنفعة مثل ما ذكرنا منها في المتجاورين، في المتجر أو القرية، ولذلك وقعت من الله ﷿ التوصية به، والله أعلم.
الثامن والستون من شعب الإيمان وهو باب في إكرام الضيف جاء فيه عن النبي ﷺ: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه). وروى أنه ضاف رسول الله ﷺ ضيف كافر، فأمر له رسول الله ﷺ بشاة فحلبت فشربه، حتى شرب حلاب سبع شباه. ثم أصبح الغد فأسلم. فأمر له رسول الله ﷺ بشاة فحلبت، فشرب حلابها ثم أمر له بأخرى فلم يستتمها، فقال رسول الله ﷺ: (المؤمن يشرب من معاء واحد، والكافر يشرب في سبعة أمعاء). وينبغي لمن نزل به ضيف أن يعجل له ما يقدر عليه، فيقدمه في الوقت إليه، لأن الأغلب توقان نفسه إلى الطعام. قال الأحنف بن قيس: ثلاث ليس عندي فيهن أناة، الضيف إذا نزل بي أعجل له ما كان، والجنازة أن لا أحبسها، والأيم إذا عرضت لي رغبة أن أزوجها. وجاء أن رجلًا دخل على سلمان فدعا له بخبز وملح فأكل. قال سلمان: لولا أن رسول الله ﷺ نهانا أولًا، أنا نهينا أن يتكلف أحدنا لصاحبه لتكلفت لك. ومعنى هذا فيما نرى أنه نهاهم أن يرفضوا الضيف إلى أن يدرك ما يتكلف به. ولم ينههم عن التكلف أصلًا، لأنه قد قال: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه).
هذا فيما نرى أنه نهاهم أن يرفضوا الضيف إلى أن يدرك ما يتكلف به. ولم ينههم عن التكلف أصلًا، لأنه قد قال: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه). وليس من الإكراه أن يكون الذي في المنزل مما لا يكرم أحد فيه، فقد يمد إليه فيقتصر الضيف عليه ولا يتكلف له غيره. فثبت أن معنى الحديث ما قلت. وفيه من المعنى أن الضيف ألصق جوارًا من الجار المطلق، لأن ذلك جار بالبدن، فأي إحسان أوجب لأبعد الجارين، فهو لأقربهما أوجب. وفيه أن من نزل به ضيف ثقة، وإحسان
ظن به فقبله، أو كان استضافه، فإن استضافه أمانة، ويدخل في عهده، لأن قبول الضيف لا يكون إلا للقرى، وإذا لم يقره ولم يكرمه كان كمن قبل أمانة ثم ضيعها. ألا ترى أن لوطًا النبي ﵇ كيف شرح صدرًا بأن يقري الذين قدرهم لضيافة ببناته، فقال: ﴿هؤلاء بناتي هن أطهر لكم، فاتقوا الله ولا تخزوني في ضيفي﴾. وقال: ﴿إن هؤلاء ضيفي فلا تفضحون واتقوا الله ولا تخزون﴾. لو رأى أن الأضياف أمانات لما التزم في بناته ما لا شيء أشد على قلوب الرجال منه. وفيه أن التقصير في حق الضيف لوم وخشية، والله ﷿ بعث لرسول الله ﷺ بمكارم الأخلاق، وقال: أن يحب معالي الأخلاق وينقص بسفسافها. فدل ذلك على أن معاملة الضيف بغير الإكرام ليست من أخلاق هذا الدين والله أعلم. ثم قد جاء عن النبي ﷺ أنه قال: (الضيافة ثلاثة أيام فإن جاوزها فهو صدقة) وجاء عن رسول الله ﷺ أنه قال: (ليلة الضيف حق واجب على كل مسلم، فإن أصبح بفنائه، فهو دين عليه إن شاء اقتضاه).
(الضيافة ثلاثة أيام فإن جاوزها فهو صدقة) وجاء عن رسول الله ﷺ أنه قال: (ليلة الضيف حق واجب على كل مسلم، فإن أصبح بفنائه، فهو دين عليه إن شاء اقتضاه). وقال ﷺ: (الضيافة ثلاثة أيام، وجائزته يوم وليلة وما أنفق عليه بعد ذلك فهو صدقة له ولا يحل له أن يثوى عنده حتى يخرجه). فبان أن الضيف إذا لم يوجد بعد ثلاث لم يكن له الإخلال بحقه في الكراهية له، لو وقع في الثلاث، لأن الصدقة تكون بحسب رأي المتصدق، وكما يمكن ويتسر. وإكرام الضيف أن يلقاه صاحب البيت بالطلاقة والبشر، ويحضر ما يحتاج إليه قبل الوقت الذي يتوقعه فيه، وأحسن وأوفر بما جرت به عادته مع أهله وولده. ويثويه أوسع ما عنده من الأماكن وأنزهها وأشرحها لصدره، وأسنحها في الشتاء، وأدوجها في الصيف، ويفرش مجلسه ومرقده أحسن وأنعم مما يفرشه لنفسه. ويحتمل عنه من مؤن من يصحبه من خدامه ودوابه ما يحمل من مؤونة نفسه. وإذا خرج زوده ما يكفيه يومه، وشيعه ميلًا إن كان عليه خوفًا، فقدر على أن يمده بمن يأمن بمرافقتهم إلى المنازل، وفعل ذلك حسن والله أعلم.
التاسع والستون من شعب الإيمان وهو باب في الستر على أصحاب القروف قال الله ﷿: ﴿إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة﴾. وقال ﷺ لهزال: (هلا سترت عليه ولو بثيابك!). وقال ﷺ: (من أتاه على مسلم عورة ليشينه بها بغير حق شانه بها في النار يوم القيامة). وقال ﷺ: (يا معشر من أسلم بلسانه ولم يفض إلى الإيمان إلى قلبه، لا تؤذوا المسلمين ولا تعيروهم، ولا تتبعوا عوراتهم، فإنه من تتبع عورة أخيه المسلم يتبع الله عورته، ومن يتبع الله عورته يفضحه ولو في جوف رجله). وهذا قدر يلتحق بالباب الذي قبل هذا، لأن أحدًا لا يحب أن تهتك ستره، فينبغي أن لا يهتك ستر أخيه. وقد يزيد عليه بأن في إشاعة الفاحشة على واحد من المسلمين خيفة أن يفتدى به فيها من أهل الملة من يسمع مواقعته لها. وفيها أيضًا إشمات أعداء الملة بأهلها، ويمكنهم من القدح فيهم والثلب لهم، ونسبهم إلى أنهم غير معتقدين ما يظهرون. فمن هذين الوجهين ينبغي الستر على أصحاب المعاصي والقروف، كما ينبغي من الوجه الذي سبق في الباب الذي قبل هذا شرحه. ومنها تخفيف أمر الفاحشة على قلب من يشاع فيه، لأنه ربما كان يخشى أن يعرف أمره ولا يرجع إلى ما قارفه أو يستغل منه. فإذا هتك ستره اجترأ وأقدم، واتخذ ما وقع منه
فيف أمر الفاحشة على قلب من يشاع فيه، لأنه ربما كان يخشى أن يعرف أمره ولا يرجع إلى ما قارفه أو يستغل منه. فإذا هتك ستره اجترأ وأقدم، واتخذ ما وقع منه
عادة، فيعسر بعدها عليه النزوع عنها، وهذا إضرار به. فينبغي أن يتقي من هذا الوجه الرابع، كما وجب أن يتقي من الوجوه المتقدمة. ومنها إسقاط جاهة وحرمته بين الناس، لأنه لا ينظر إليه بعدما عرف منه كما كان ينظر إليه من قبل بتطليق الألسنة بالسب والشتم، وهذا أيضًا نوع من الإضرار به. فينبغي أن يصان عنه. فإن قيل: فقد جاء عن النبي ﷺ أنه قال: (أترغبون عن ذكر الفاجر أو الفاسق، اذكروه بما فيه كي يحذره الناس). قيل: هذا في الفاسق المجاهر المعلق بذكر ما فيه، لأنه لا يبالي بذلك، ليحذره من لم يبلغه حديثه، فلا يعقد نكاحًا بشهادته، ولا يقتصر على إشهاده في الحقوق التي يجب توثيقها بالشهود. فأما من بدرت منه زلة في خفية، وظاهره عند الناس جميل، فهو خارج عن حكم هذا الحديث، وملتحق بالجملة الأولى، وبما جاء عنه ﷺ من قوله: (أقبلوا ذوي الهنات عثراتهم أو زلاتهم). فالإمساك عنه وعن كل مستر أولى، والله أعلم. ومنها معنى سادين، وهو أنه إذا لم يكن للمتحدث بالفاحشة عن غيره غرض صحيح بالتحدث، فلا ضرورة إليه، فإنما ينعته عليه الدغل، ورداءة الطبع وسوء النية، وكل ذلك مذموم. فكان ما يدعو إليه من الإساءة مذموم. قال علي ﵁، وذكر آخر الزمان والفتن، قال: خير أهل ذلك الزمان كل الفوقه أولئك مصابيح الهدى ليسوا بالمسابيح ولا المذابيع البذر والفوقة الحامل والمذياع المسمع بالفواحش عمن يراها فيه، والتشيع لها، والساح الذي يسح في الأرض بالشهر والنميمة، والإفساد بين الناس والبذر جمع الباذر، وهو الذي يبذر الكلام بين الناس. كما لا ينبغي لأحد أن يهتك ستر غيره من إخوانه المسلمين فأولى به وألزم أن لا يهتك
الإفساد بين الناس والبذر جمع الباذر، وهو الذي يبذر الكلام بين الناس. كما لا ينبغي لأحد أن يهتك ستر غيره من إخوانه المسلمين فأولى به وألزم أن لا يهتك
ستر نفسه. جاء عن النبي ﷺ: (من أتى منكم من هذه القاذورات فليستتر بستر الله، فإنه من تبد لنا صفحته نقم عليه كتاب الله). فأمر كل واحد بالستر على نفسه. وجاء عنه ﷺ في هذا الحديث، وهو أن قال: (إياكم والمجاهرة! قيل: وما المجاهرة؟ قال: يبيت أحدكم يذنب ذنبًا قد ستر الله عليه، ثم يصبح فيحدث به الناس، فيخرج سترًا ستره الله عليه). وعلة هذا أن من فعل فاحشة ثم تحدث بها، فقد جمع إلى مواقعة الذنب الجرأة عليه، وقلة المبالاة، وذلك أغلظ من أسراره، وإخفائه. لأن الأسرار لا تكون إلا من الخوف والوجل. ألا ترى أن جرم المحارب إذا قتل وأخذ المال، أغلظ من جرم القتال السارق وسمى الله ﷿ ذلك محاربة الله ورسوله. فما جرى مجراه فهو في الغلظ والقبح مثله. وإذا رأى رجلًا فلا يرى، ولم ير معه غيره، وفيه إذا هتك ستره معنى سابع وهو أنه يعرض نفسه للحد مع معرفته بصدقه. وهذا القرار منه بنفسه، فلا ينبغي له أن يفعله. وكذلك إذا رأيت أربعة من الفساق الأخلاط رجلًا له امرأة على الزنا الكامل، أو فاسقًا رجلًا يشرب أو يسرق، فيسألهم سئل الواحد، فأما إذا رأيت أربعة من العدول رجلًا وامرأة على زنا كامل. أو رأى هذان رجلًا يشرب الخمر أو يسرق. فليس هذا موضع الأمر بالستر لما فيه من تفصيل حدود الله تعالى. وينبغي لهم أن يشهدوا القيام الحد الذي وجب، فيكون فيه طهارة للحدود، وردع له ولغيره عن مثل فعله، لأن الله ﷿ يقول: ﴿يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم﴾. فإن قيل: فقد قال النبي ﷺ: (ادرأوا الحدود ما استطعتم) والشهود يستطيعون درأه لئلا يشهدوا! قيل: بل لا يستطيعون ذلك، لأن على الشهود إذا خافوا أن يتأول حق ويضيع، بتركهم إقامة الشهادة، أن يشهدوا ويحيوا الحق. فصح أنهم لا يستطيعون
الدواء بعد ما عاينوا أو عرفوا. وإنما هذا خطاب للآية في الحد إذا تردد من وجه إقامة، ووجه دفع، ليغلبوا وجه الدفع على وجه الإقامة. فأما غيرهم فهم من هذا بمعزل، وبالله التوفيق. وكل ما سبق ذكره فهو في الفواحش التي لا تخرج عن الملة. فأما إذا سمع رجل رجلًا أظهر الإسلام وقال: إني مسلم، يتكلم بكلام الكفر فعرف به أنه من المنافقين فلا ينبغي له أن يستر عليه. فإن الله ﷿ لم يستر على المنافقين، لكنه أنزل على نبيه ﷺ سورة ينبئهم بما في قلوبهم، ويقرر عنده كذبهم، فكانت تلك السورة وهي التوبة، تسمى في الصحابة الفاضحة والتأدب بأدب الله تعالى في من ظهر بفاقة أن يفضح ولا يستر عليه، لمعلم المسلمون أنه خارج من جملتهم، ولا يغيروا بما يظهروه لهم، فينكحوه، أو يأكلوا ذبيحته، إن كان كفره كفرًا. فحرم ذباح أهله، ولا تقدموا للصلاة، فيصلوا خلفه، أو يرضى أحد منهم بأطفاله ولاية ماله. وإن كان كذلك واقعًا منه على سبيل الارتداد عن دين الحق بعدما كان يعتقده، دعي إلى الرجعة، فإن أجاب، وإلا قتل والله أعلم. وهذا لأن من أظهر للكفر، فقد زالت حرمته، فإن الحرمة فيما أوجبنا فيما تقدم ستره، إنما كان لدين المتعاطي له فإذا لم يكن دين فقد زالت العلة، والله أعلم، وبالله التوفيق.
، فقد زالت حرمته، فإن الحرمة فيما أوجبنا فيما تقدم ستره، إنما كان لدين المتعاطي له فإذا لم يكن دين فقد زالت العلة، والله أعلم، وبالله التوفيق.
السبعون من شعب الإيمان وهو باب في الصبر على المصائب، وعما تنزع النفس إليه من لذة وشهوة قال الله ﷿: ﴿واستعينوا بالصبر والصلاة، وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين﴾. فقيل: أراد بالصبر والصوم. لأن فيه صبرًا عن الطعام والشراب المعتادين بالنهار مع تحرك الطبع نحوهما، ونزوع النفس إليها. ولهذا قيل لشهر رمضان شهر الصبر. وجاء عن النبي ﷺ أنه قال: (صوم شهر الصبر رمضان، وثلاثة أيام في كل شهر يذهبن كثيرًا من وحي الصدر). وقيل: أريد بالصبر على ما يعرض من المسلمين من قبل أعدائهم المشركين ثم قال جل اسمه ﴿وإنها لكبيرة﴾ فقيل رجعت الكناية إلى الصلاة وحده، وقيل رجعت إلى كل واحد منهما بمعنى الخصلة أو بمعنى الطاعة، أو بمعنى القربة، أو بمعنى العبادة، أو بمعنى الفعلة. كأنه قال: وأن كل واحدة من الخصلتين أو الطاعتين أو القربتين أو العبادتين أو الفعلتين لكبيرة، أي لشاقة. إلا على الخاشعين الذي يكثرن في كل وقت، أنهم ملاقوا ربهم في ذلك الوقت. فهم يحبون أنهم يردون على الله صائمين مصلين، ولا يدعون طول الأمد إلى المدافعة بالعبادات واستقبالها في حيث ما هو أحب إليهم وآثر عليهم من إتباع الشهوات وغيرها والله أعلم. وقال ﷿: ﴿يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة، إن الله مع الصابرين﴾.
ها في حيث ما هو أحب إليهم وآثر عليهم من إتباع الشهوات وغيرها والله أعلم. وقال ﷿: ﴿يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة، إن الله مع الصابرين﴾.
والأشبه بالصبر في هذه الآية، الصبر على الشدائد، لأنه ﷿ اتبع مدح الصابرين بقوله: ﴿ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات بل أحياء ولكن لا تشعرون ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين، الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا: إنا لله وإنا إليه راجعون. أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون﴾. فضرب الأمر بالصبر بالنهي عن أن يقال للشهداء أنهم أموات. وليس المراد القول وحده لأنهم لو كانوا أمواتًا بالحقيقة لم ينهوا عن أن يسموا بأسمائهم ويوصفوا بأوصافهم ولكن المراد، لا تعلموهم أمواتًا. أي لا تعتقدوا فيهم أنهم أموات وأنهم أحياء حيث أصارهم الله إليه وأعده لهم. والمعنى أنهم ليسوا بموتى فلا تجزعوا عليهم كما يجزع على الموتى. على أن الجزع على الموت ليس مما ينبغي بل الصبر على المصيبة لهم ألزم وأولى، فإن الله مع الصابرين، أن يوفقهم للصبر لينبئهم به خيرًا، من المعاني التي سلبوها بقبض من قبضه من بينهم. وقد يتموها ما كانت من نفقة كانوا ينفقونها عليهم. أو معونة في النوائب كانوا يبذلونها، أو أنس وبهجة كانا فهم في لقائهم، أو قوة وكثر كانتا لهم بمكانهم. أو علم وتبصرة كانوا يستفيدونها منهم، وانقطعت مادتها عنهم بموتهم، فالله تعالى ينسيهم بما أخذه منهم إذا صبروا ما يجبر كثيرهم ويزيدهم درجات فيما أعد لهم من الكرامة في الجنة، ثم قال ﷿ ﴿ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع﴾ أي من قبل الأعداء، والجوع أي نبتليكم بالقحط ونقص من الأموال أي الآفات التي تجتاح الأموال وهي كثيرة. وتحتمل الأنفس الأمراض والأحزان، وما يعرض للناس في إعطائهم وجوارحهم من العمي والصم والتأمل وذهاب الأطراف والثمرات.
لآفات التي تجتاح الأموال وهي كثيرة. وتحتمل الأنفس الأمراض والأحزان، وما يعرض للناس في إعطائهم وجوارحهم من العمي والصم والتأمل وذهاب الأطراف والثمرات. قيل: أراد بها الثمرات التي هي دون الأقوات، وقيل: أولاد الأولاد. وأولاد الأولاد بمنزلة الثمرات من وجهين: أحدهما أن الثمرة من زوائد الأصل، فكذلك الولد من زوائد الوالدين. والآخر أن الثمرة تستأنس بها وتقر العين برؤيته إلى أن يبلغ فتكون منه العوائد المقصودة بابتغائه والله أعلم.
ثم قال ﷿: ﴿وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا: إنا لله وإنا إليه راجعون﴾. وأكثر الإشارة في ذلك إلى أن يقولوا في نفوسهم أو يخطروا بقلوبهم. وإذا كانوا له، كان ما ينسبونه إلى أنفسهم من المال والولد أيضًا لله. فإن أخذ عنهم شيئًا فإنما أخذ ما كان له، فليس لهم أن يصبوا بذلك درعًا. فإن المعير إذا استرجع عاريته لم يكن للمستعير أن يتأسف ويحزن ﴿وأنهم إليه راجعون﴾ أي أنه نازل بهم في أنفسهم ما نزل ممن يهتمون له، فأولى بهم أن يهتموا لأنفسهم، ويقدموا قبلهم ما يفرحون به إذا وردوا عليه. فإن رجلين لو خرج أحدهما إلى بلد متنقلًا إليه، وأراد الآخر الخروج بعده للانتقال إليه، وهو يعلم أن ذلك نازل، لا يجد القادم فيه إلا ما قم، فكان اهتمامه لنفسه، وتقديمه إلى ذلك البلد ما يكون معدًا فيه حتى إذا قدم وجده فيه، أولى به عنده العقلاء من أن يصرف جميع همه إلى التفكر في مفارقة الآخر إياه. ثم قال ﷿: ﴿أولئك﴾ يعني: القائلين بما حكينا، والمعتقدين لما بينا، عليهم صلوات من ربهم للانبيه الحسنة والمدائح الفخمة التي يعظمون لأجلها في عباد الله ﴿ورحمته﴾ يعني: كشف الكربة وقضاء الحاجة ﴿وأولئك هم المهتدون﴾ هم المستبصرون بالأحق والألزم المجتنبون للأطغى والأظلم. جاء عن عمر بن الخطاب ﵁ في هذا: نعم العدلان، ونعمت العلاوة. يعني بالعدلين: الصلاة والرحمة والعلاوة ﴿أولئك هم المهتدون﴾. وقال الله ﷿ لنبيه ﷺ: ﴿فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل، ولا تستعجل لهم﴾ وقال: ﴿وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به، ولئن صبرتم لهو خير للصابرين، واصبر وما صبرك إلا بالله ولا تحزن عليهم، ولا تك في ضيق مما يمكرون﴾. فأمره أن يصبر على أذى قومه، كما صبر إخوانه من النبيين الذين تقدموه، وكانوا أولي حد في أمر الله ويوهن القلب على احتمال ما يستقبلهم من قومهم. وأن يستعجل بما لهم عنده الله من الجزاء بكفرهم وشقاقهم وأبدانهم أتاهم، وزادهم توصية في الآية الأخرى على الأمرة بالتصبر أن اذكره أنه لا يستطيع الصبر إلا بإعانة الله تعالى إياه عليه، وتوفيقه له، ليرجع إليه ﷿، فيسلمه إياه أن يصبره وينبئه.
الآية الأخرى على الأمرة بالتصبر أن اذكره أنه لا يستطيع الصبر إلا بإعانة الله تعالى إياه عليه، وتوفيقه له، ليرجع إليه ﷿، فيسلمه إياه أن يصبره وينبئه.
ثم قال: ﴿ولا تحزن عليهم﴾ أي فلا تحسر على ما يفوتك كثرة، ووفور عدة بهم لو كثروا بل فإن الله تعالى ناصرك ومكثرك بغيرهم، ومبدل أترابك فيهم خيرًا منهم وهذا على أن المراد بالآية، الذين كانوا يؤذونه من قريش، ﴿ولا تك في ضيق مما يمكرون﴾ أي لا تستشعر من الحزن ما يضيق به صدرك لأجل ما تسمعه، أو تظن أنهم يمكرونه بمكانك، فإن الله تعالى ﴿مع الذين اتقوا والذين هم محسنون﴾. وأنت رأسهم والذين اتبعوك كلهم بهذه الصفة ﴿ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله﴾. ومكرهم بشيء فهو عائد عليهم وغير متجاوزهم إلى غيرهم. وأما قوله ﷿: ﴿وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به، ولئن صبرتم لهو خير للصابرين﴾. فقد قيل نزل في قتل حمزة ﵁. قال النبي ﷺ لما رآه قد مثل به قال: (لئن أظهرني الله عليهم لأضعن بثلاثين منهم مثل الذي صنعوا بحمزة). فأنزل الله ﷿: ﴿فإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به﴾ ثم قال: ﴿ولئن صبرتم﴾ عن المجازاة والمماثلة ﴿لهو خير للصابرين﴾ ولم يقل: فهو خير لكم. لأن الصبر ليس بمستحب لهم، ولكن لكل مصاب بظلم، فالصبر على الانتقام والتشفي من ظالمه في الدنيا، فذلك أشفى لصدر المظلوم، من أن يفعل في الدنيا به مثل ما فعل. لأن أدنى ما يمسه من وهج النار أعظم وأكثر من كل ما يمكن أن يفعل بالظالم، ويأتيه بمكافئه في الدنيا. وأما أن يكون الظالم وقد صار إلى ما يوجب له مغفرة الله تعالى في الآخرة فالله تعالى يعوض المظلوم ما أصابه من الظلم الذي لحقه، ما هو أعلى قدرًا وأجل خطرًا وأعظم نفعًا منه. فإذا كان كذلك بان بأن الصبر خير للمظلوم من التشفي والانتقام، وقال ﷿: ﴿وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير﴾. وقال: ﴿ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها، إن ذلك على الله يسير، لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما أتاكم﴾. فأخبر ﷿ أن ما
اب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها، إن ذلك على الله يسير، لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما أتاكم﴾. فأخبر ﷿ أن ما
يصيب الناس من زوال نعمة عنهم، فإنما سببه حادث وقع منهم. أما ترك الشكر، وأما ارتكاب معصية بعد إحسان الله تعالى بالخوف. وقد يجوز أن يكون هذا الكلام خارجًا عن الأغلب الأكثر، أي فإذا كان هذا هكذا، فلا تحزنوا من المصيبة إذا وقعت، وارجعوا باللوم على أنفسهم، ويحفظوا من الأسباب المؤدية إلى المصائب قبل أن تقع لئلا تقع. وهذا فإن المصيبة بما يمكن بحكم العادة أن تدوم كالصحة والثروة والذكر الحسن والعلم والحكمة ونحوها والله أعلم. وأما قول الله ﷿: ﴿ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب﴾ يحتمل- والله أعلم- ما أصاب من مصيبة عامة ولا خاصة إلا وقد كتبها الله في اللوح المحفوظ من قبل أن يرفعها وينزلها، فقد أعلمكم ذلك، وبينه لكم لكيلا تأسوا على ما فاتكم، وتعلموا أن الغبطة كانت مقدرة بالوقت الذي جاوزتكم فيه. ومن أعطى شيئًا إلى وقت لم يمنع إذا استرجع منه بعد ذلك أن يحزن. ولا تفرحوا بما أتاكم، أي لا تسروا به وتنظروا به وتتكبروا به، على من لم يؤت مثله ما أتيتم، لأنه عارية عندكم وليست بملك. فإن حقيقة الملك لله ﷿، وليس للمستعير أن يتبذخ بالعارية، لأنه لا يأمن في كل لحظة أن يسترجعها منه صاحبها، فنعم الدنيا هكذا والله أعلم. وقال ﷿: ﴿إنما يتذكر أولوا الألباب، الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق﴾ إلى قوله: ﴿والذين صبروا ابتغاء وجه ربهم وأقاموا الصلاة﴾. وقال: ﴿إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب﴾. وقال: ﴿نعم أجر العاملين الذين صبروا وعلى ربهم يتوكلون﴾. والصبر في هذه الآيات ينتظم معاني: أحداهما: الصبر على كلف العبادات، وما يلحق النفس في إقامتها من المشقة. والآخر: الصبر على المصائب المؤلمة الكارثة. والثالث: الصبر على أذى المخالفين وما يفرغ للأسماع من قولهم السوء، واستهزائهم وسبهم وما يتصل بذلك من أمرهم. والرابع: الصبر على الشهوات ومجاهدة النفس في وقعها عما يهم به منها حلالها وحرامها. وجملة ذلك الصبر عما لا ضرورة
إليه ونزل عليه. وقد يجوز أن تكون هذه الوجوه كلها مرادة بهذه الآيات، لأنه لا ينافي بينها حتى إذا كان أحدها من إذا امتنع أن يكون للآخر مرادًا. وقد قال الله ﷿: ﴿يا أيها الذين آمنوا، اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون﴾. فقيل معنى قوله ﷿ ﴿اصبروا﴾ أي على ما كلفتم، ولا تخلوا بشيء منه ولا تقصروا فيه. ومعنى قوله ﴿وصابرون﴾ أي صابروا العدو واثبتوا لهم كما يثبتون لكم. وقال قبل هذا ﴿لتبلون في أموالكم وأنفسكم، ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم، ومن الذين أشركوا أذى كثيرًا. وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور﴾ فأخبرهم ﷿ أن نسخ الشرائع المتقدمة وانبعاث نبي فله جريده، والأمر مع ذلك بقتال من خالف. فعرضهم لأن يبتلوا في أموالهم وأنفسهم. أما في أموالهم بأن ينفقوها في نصرة دين الله، وبأن يذهب منهم أن ظهر أمر العدو عليهم، والأنفس بأن يمتهن ويبتذل ويجوع ويعطش وينصب ويجهد في نصرة دين الله. وأن يعرض للقتل، فيطاب نفسًا عنها ويعوضها أن لا يسمعوا من أهل الملل المرفوعة، ومن المشركين أدى كثيرًا. فإن هم ضاقوا صدرًا بكل مكروه يلحقهم فليعلموا أن لا قوام لدينهم في التضجر بما يصيب فيه ولأجله. وإن وطنوا قلوبهم على الصبر واتقوا عذاب الله ﵎ فلم يعرضوا دينهم للذهاب، باستشعار القلق والضجر ﴿فإن ذلك من عزم الأمور﴾. أي من فعل الحازم العازم، وهو الثابت في الأمر الجاد فيه. وهكذا حكمه ﷿ عن لقمان بعدما وصفه بالحكمة أنه قال فيما وعظ به ابنه: ﴿واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور﴾. وبالله التوفيق. وأما الصبر على المصائب، فقد تقدم القول فيه، وقد قال ﷿ فيما يتصل منه بالصبر عن محازاة الظالم: ﴿والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون. وجزاء سيئة سيئة مثلها، فمن عفا وأصلح فأجره على الله إنه لا يحب الظالمين، ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور﴾. فكان معنى قوله ﷿ ﴿والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون﴾
مثلها، فمن عفا وأصلح فأجره على الله إنه لا يحب الظالمين، ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور﴾. فكان معنى قوله ﷿ ﴿والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون﴾
أي ينتصرون جميعًا أي يتناصرون، لا يخذل بعضهم بعضًا. وهذا مدح لهم بالتناصر إذا قصد المبغي عليه أن ينتصر. ثم بين بعده إن كان الانتصار مملوكًا، فالعفو خير له لأنه يستحق به إذا أراد وجه الله تعالى أجرًا هو خير له، وأعود عليه من الانتصار. ثم زاد نعتًا على العفو وندبًا إليه، فقال: ﴿ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور﴾. أي من فعل العازم وهو الثابت الجاد في الأمور. وفي الصبر على البلاء: روى عن رسول الله ﷺ أنه قال في الخصي: (من ابتلى بمثل ما ابتلي هذا فصبر، فله الجنة). وهذا- والله أعل- إذا صبر فلم يجزع، ولم يقل بلسانه ما يقول المصاب مما يشتد عليه، ولم يضق ذرعًا بما يحس في نفسه من شهوة لا يستطيع قضاءها. ورغب فيما عند الله من ثوابه، فهون المصيبة على قبله واستخفها في حب ما يرجوه من فضل ربه ﷿. فأما الصبر لا على هذا الوجه فصبر ومره وليس هذا المراد بالحديث والله أعلم. وفي الصبر على المصيب: قال النبي ﷺ: (إذا اشتد حزن أحدكم على هالكه فليذكرني، وليعلم إني قد هلكته). وفي الصبر على البلاء عن الأصبع بن ببامه قال: خلنا مع علي ﵁ على الحسن بن علي ﵄ نعوده، فقال له علي: كيف أصبحت يا ابن رسول الله ﷺ؟ قال: أصبحت بحمد الله بارئًا. فقال علي ﵁: كذلك إن شاء الله. ثم قال: اسندوني. فأسنده علي إلى صدره، فقال: سمعت جدي رسول الله ﷺ يقول: (عليكم بالقنوع تكن أغنى الناس، وأداء الفرائض تكن من أعبد الناس، يا بني، إن في الجنة شجرة البلوى يؤتى بأهل البلاء يوم القيامة فلا ينصب لهم ميزان، ولا ينشر لهم ديوان، يصب عليهم الأجر صبًا). وقرار رسول الله ﷺ ﴿إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب﴾. ومن ذلك ما جاء عن رسول الله ﷺ من قوله (سلبته كريمته فوضعه بينهما الجنة).
عليهم الأجر صبًا). وقرار رسول الله ﷺ ﴿إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب﴾. ومن ذلك ما جاء عن رسول الله ﷺ من قوله (سلبته كريمته فوضعه بينهما الجنة).
وفي الصبر على ما يشق: قال رسول الله ﷺ: لا يصبر على لأواها وجهدها أحد إلا كنت له شهيدًا أو شفيعًا يوم القيامة). وقد ينبغي الصبر من وجه آخر، وهو ما روى أن أبا بكر الصديق ﵁ قال: يا رسول الله، كيف الفلاح بعد هذه الآية من يعمل شرًا سخزيه؟ قال (يرحمك ربك يا أبا بكر، ألست بمرضي؟ ألست تحزن حينما يصيبك اللأو أو الجهد، فهذا ما يجاوز به). وإن المصائب إذا كانت قد تكون جزاء، ولا وجه لترك الصبر عليها، فينقلب الجزاء ذنبًا، بل الإيمان هو الصبر، وإن كان ما أصاب خيرًا عفى عن الذنب الذي هو جزاؤه، وكان احتمالك ذلك أهون من النار. وفي الصبر على المصيبة قال النبي ﷺ لإبراهيم ابنه ﵇، وهو لما به تدمع العين ويحزن القلب، ولا يقول بما يسخط الرب تعالى، ولو أنه مقضي وسبيل يأتي فإن الآخر لا حق بالأول، لكان وجدنا عليه أشد من وجدنا، (وإنا بك يا إبراهيم لمحزنون) ومن هذا الباب ما جاء عنه ﷺ أنه قال: (لا يموت لمؤمن ثلاثة أولاد فتمسه النار إلا يخله القاسم). وهذا على ما أصيب بهم فصبر واحتسب. وفي الصبر على العوارض والمصائب: قال النبي ﷺ: (إن الله إذا أراد بعبد خيرًا عجل له العقوبة، وإذا أراد بعبد شرًا أمسك عليه حتى توفاه يوم القيامة). وفي الصبر على الأمراض، قال رسول الله ﷺ: (ما وصب العبد المسلم من وصب ولا سقم ولا حزن ولا أذى حتى الهم، إلا الله يكفر به عنه خطاياه). وقيل لرسول الله ﷺ: من أشد الناس بلاء؟ قال: (الأنبياء، ثم المثل فالأمثل، فيبتلى العبد على حسب ذنبه، فما برح البلاء بالعبد حتى يدعه يمشي على الأرض ما عليه خطيئة). وقال عائشة ﵂: هذا مثابة الله للعبد بما يصيبه من الحمى
والنكبة والشوكة حتى البضاعة أبضعوا في لمه ففقدها، فيفزع منه، ويشد عليه، فيجدها في صبره، حتى إن العبد ليخرج من ذنوبه كما يخرج التبر الأحمر من الكير. وفي الصبر على الشدة قال رسول الله ﷺ: (من أسلم وكان رزقه كفافًا وقنع ثم صبر عليه). وفي الصبر على سوء الحال قال: كانت لرجل امرأة تقول كلما دخل عليها: مرحبًا يا سيدي، وسيد أهل بيتي، إن همك لآخرتك فزادك الله همًا، وإن كان همك لدنياك فإن الله سيرزقك، ويحسن إليك. فجاء إلى النبي ﷺ وأخبره بقول المرأة. فقال رسول الله ﷺ: (لها نصف أجر المجاهد في سبيل الله، وهي عامل من عمال الله في الصبر على الأمراض). قال رسول الله ﷺ: (أيكم يحب أن يصح ولا سقم؟ قالوا: كلنا يا رسول الله. قال: أتحبون أن تكونوا كالحمير الضالة ألا تحبون أن تكونوا أصحاب بلاء وأصحاب كفارات! والذي بعثني بالحق، أن العبد لتكون له الدرجة في الجنة ما يبلغنا بشيء من عمله). وقال رسول الله ﷺ: (لا يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة في جسده وماله وولده، حتى يلقى الله وما عليه من خطيئة). وقال رسول الله ﷺ: (إن العبد إذا كان طريقة حسنة من العبادة، ثم مرض، قيل للملك الموكل به: اكتب له عمله إذا كان طليقًا حتى أطلقه وألقيه إلي). وعن عبد الله بن مسعود ﵁ في قول الله ﷿: ﴿والصابرين في البأساء والضراء﴾ قال: البأساء الحاجة، والصبر المرض. وفي الصبر على البلاء: قال رسول الله ﷺ: (ليتعهد العبد المؤمن بالبلاء من المرض والمصائب في الدنيا، كما يتعاهد الوالد ولده. وإن الله ليحمي المؤمن من الدنيا، كما يحمي أهل المريض مريضهم من الطعام).
هد العبد المؤمن بالبلاء من المرض والمصائب في الدنيا، كما يتعاهد الوالد ولده. وإن الله ليحمي المؤمن من الدنيا، كما يحمي أهل المريض مريضهم من الطعام).
وقال ﷺ: (ما من سقم ولا وجع يصيب المؤمن إلا كان كفارة لذنبه حتى الشوكة يشاكها والنكبة ينكبها). وقال ﷺ: (إن الحمى كير من جهنم، فما أصاب المؤمن منها كان حظه من النار). وعنه ﷺ أنه قال: (من كنوز البر كتمان الأمراض والمصائب) ويشبه أن يكون المراد بالحديث أن الله ﷿ جعل الصبر في البأساء والضراء في كتابه من البر. ومن ذلك ما روى عنه صلى الله عيله وسلم أنه قال: (يقول الله: إن عبدًا من عبيدي ابتليته ببلاء على فراشه، فلم يشك إلى عواده، أبدلته لحمًا خير من لحمه، ودماء خير من دمه، فإن قبضته قال: رحمتي، وإن عاقبته وليس له ذنب. قيل: يا رسول الله، لحم خير من لحمه! قال: لحم لم يذنب. قيل: ودم خير من دمه! قال: دم يدمي). وأما الصبر على الشهوات حلالها وحرامها، وعن كل ما لا ضرورة به إليه، فإن من أطاقه كان سيدًا، كما وصف الله تعالى به يحيى بن زكريا صلوات الله عليه، فقال: ﴿وسيدًا وحصورًا ونبيًا من الصالحين﴾ لأن اسم الحصور كاسم الصبور، فإن الصبر والحصر جميعًا هما الحبس، فصار حابسًا نفسه عن الشهوات حلالها وحرامها، وإنه ما لم يخطأ ولا هم يخطئه. وقد أباح الله ﷿ نكاح الأمة لمن خشي العنت، ثم قال: ﴿وإن تصبروا خير لكم﴾ وندب إلى الصبر عما أباح. وأباح في الأول الأمر لمن شهد الشهر وهو صحيح مقيم أن يفطر في الشهر ثم يقضي ويفتدى، فقال مع ذلك ﴿ون تصوموا خير لكم﴾ فندب إلى الصيام الذي هو صبر عن الطعام والشراب، وإن كان قد أباح الفطر، ثم نسخ بقوله ﷿: ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه فثبت فرض الصوم على الصحيح المقيم، ولم يجعل الإفطار إلا للمريض والمسافر.
م والشراب، وإن كان قد أباح الفطر، ثم نسخ بقوله ﷿: ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه فثبت فرض الصوم على الصحيح المقيم، ولم يجعل الإفطار إلا للمريض والمسافر.
فأما الصبر على المحارم فهو من فروض الدين، وقد ذكرنا المحارم تامة في مواضعها والله أعلم. ومما وجدنا في فضل الصبر على كلف العبادات، إن الله ﷿ أرى إبراهيم صلوات الله عليه في منامه أن يعالج ذبح ابنه تقريبًا إلى الله ﷿. فلما استيقظ وقع له من تأويل ذلك أنه أمر بالذبح فأخبر ابنه بذلك. فقال الابن له: ﴿افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين﴾. فاستسلم كل واحد منهما لأمر الله تعالى جده، وصبر على شدته، وتجرع من مرارته، فما أوجبه عزمه وقوة دينه ويقينه، والله ﷿ يقول: ﴿قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه﴾. فينبغي لكل مؤمن في الصبر على كلف العبادات مثله، ومثل ولده ﷺ. فصل ومما يدخل في الصبر على الشهوات، ومما لا ضرورة بالعبد إليه، إن الله ﷿، وإن كان قد أباح لعباده الطيبات، فإنه ذم الذين استمتعوا بالطيبات في هذه الدنيا ولم يروا شيئًا منها لوجهه، رجاء أن يعوضهم منه، ما هو خير منه من طيبات الآخرة. فقال: ﴿ويوم يعرض الذين كفروا على النار أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها﴾. واحتج عمر ﵁ بهذه الآية مع علمه بأنها نزلت في الكفار، فقال لو شئت أن يذهبن لي لفعلت ولكني وجدت الله تعالى ذم قومًا، فقال: ﴿أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا، واستمتعتم بها﴾. فقد يحتمل أنه فهم عن الله ﷿ أنه أنكر عليهم توسعهم في لذات الدنيا، كما أنكر عليهم كفرهم، ثم جزاهم النار ببعضها لا بجميعها ومما حرم منها على المؤمنين كما حرمه على الكافرين، فقال ﷿: ﴿فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيًا، إلا من تاب﴾ وهذه كالصلاة قبلها، والشهوات اسم للمشهيات وهي قسمان: حلال وحرام. فالصبر على الحرام واجب، والصبر عن الحلال التي لا ضرورة إليه مستحب، إذا كان إنما يقع عنه لئلا يصبر النزوع إلى الطيبات الدنيا ولذاتها عادة، فيعمى القلب ويميل بالعبد عن طريقة التعبد،
وتذليل النفس وقمعها إلى خلاف ذلك. فتعسر عند ذلك العبادة، وتستعصي عليه النفس فيكون الصبر عن الحلال لوجه الله تعالى جده، فيرجى أن يعوضه الله تعالى عما صبر عنه ما هو أطيب وألذ وأنعم وأكثر مما ترك. مع أن المتروك من جنس المنقطع الفاني والموعود من جنس الدار الباقي، وبالله التوفيق. قال الله ﷿: ﴿ما عندكم ينفذ، وما عند الله باق، ولتجزين الذين صبروا أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون﴾. فيدخل في هذا الصبر عن الحرام، والصبر عن الحلال على الوجه الذي يثبت. وقال ﷿ في صفة أهل الجنة: ﴿والملائكة يدخلون عليهم من كل باب، سلام عليكم بما صبرتم، فنعم عقبى الدار﴾. وهذا أيضًا يصلح لانتظام الصبر عن الحرام والصبر عن الحلال. وقال ﷿ لنبيه ﷺ: ﴿ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجًا منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه، ورزق ربك خير وأبقى﴾. فبشره بأنه إذا لم يتطلع إلى زهرة الحياة الدنيا لئلا يشغله عن عبادة الله تعالى عوضه الله منها، ما هو خير وأدوم منها. وقال ﷿: ﴿وجعلنا بعضكم لبعض فتنة، أتصبرون وكان ربك بصيرًا﴾. فيحتمل أن يكون أعطينا بعضًا وحرمنا بعضًا ليمتحن المحروم بالمعطى. ﴿أتصبرون﴾ أي تظنون أيها المحرومون نفسًا بما حرمتم وتعلمون أن ذلك عدل من الله ﷻ، وليس يجوز، وتصبرون عن التطلع إلى من أعطى غيركم راضين، بأن تعرضوا عنه في دار الجزاء خيرًا منه. أي إن صبرتم فهو خير لكم، وإن يكن فإنه ثناء من الله على الصابرين الذين ذكرناهم آنفًا، وهم الصابرون على شدة الفقر والفاقة، لأن البأساء هي الشدة. فمدح الله ﷿ وأخبر أن صبرهم بر وألحقه بسائر الخصال المقرونة بالإيمان. فقال ﷿: ﴿ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر﴾ إلى قوله ﴿المتقون﴾. وجاء عن النبي ﷺ أنه قال: (انتظار الفرج بالصبر عبادة). فدخل في ذلك الصبر في البأساء وفي كل حال يكره ويرجى زوالها. وعنه ﷺ أنه قال: (إنما مثل



