خصائص سيد العالمين وما له من المناقب العجائب

Kitab sirah Nabi Muhammad ﷺ karya السرمري (w. 776 H).

Bagian 2 dari 8 354 halaman

— Bagian 2 · د لله الذي لم يُمتني حتى أراني في أمة محمد ﷺ من … —

Bagian 2

د لله الذي لم يُمتني حتى أراني في أمة محمد ﷺ من فُعل به كما فُعل بإبراهيم خليل الرحمن (٤) ﵇. وأما إلقاء إبراهيم ﵊ في المنجنيق ورميهم به فإن في أصحاب

محمد ﷺ ماهو شبيه بذلك , وهو أنَّ البراء بن مالك ﵁ لمَّا كانت وقعة مسيلمة وتحصَّنوا وأغلقوا باب الحصن , قال البراء لأصحابه: ضعوني على تُرسٍ واحملوني على رؤوس الرِّماح ثم ألقوني من أعلاها إلى داخل الحصن ففعلوا فوقع وقام فقاتل المشركين وقتل عشرةً أو أكثر وفتح الباب للمسلمين وكان سبب الفتح وقَتْل عدوِّ الله مسيلمة (١)؛ ونظير ذلك ما فعَل طُلَيحة بن خويلد لما خرج في أصحابه لغزو الروم في البحر فلقيهم العدو في سفينة فقال طُلَيحة لأصحابه: اقذفوني في سفينتهم , ففعلوا فغشيهم بسيفه حتى تطايروا (٢) فرقاً منه فغرق من غرق واستسلم [ق ٨/ظ] من استسلم فبلغ ذلك عمر ﵁ فأعجبه (٣) وإبراهيم ﵊ أُلقي في المنجنيق مُكرهاً , وهذان بذلا أنفسهما وطلبا ذلك واختاراه ففعلاه وهي فضيلة لنبينا ﷺ إذ (٤) كان في أمته مثل ذلك. وأما كرم إبراهيم ﵊ وإقراؤه للضيف وأنه كان يخرج المسافة يبتغي من يأكل معه حتى قيل له: أبو الضِيفان , فقد كان نبينا ﷺ من ذلك بالمنزلة التي لاتجهل فإنه كان يعطي عطاء من لا يخاف الفاقة فيهب المائة من الإبل , وأعطى رجلاً غنماً بين جبلين , وما سأله أحد شيئاً فقال: لا (٥) , ولقد أتاه مرةً ضيف فأرسل إلى

كان يعطي عطاء من لا يخاف الفاقة فيهب المائة من الإبل , وأعطى رجلاً غنماً بين جبلين , وما سأله أحد شيئاً فقال: لا (٥) , ولقد أتاه مرةً ضيف فأرسل إلى

أزواجه واحدةً بعد واحدةٍ فيَقُلْن: والذي بعثك بالحق ماعندنا إلا ماء (١)؛ وذلك أنه كان لا يدَّخر شيئاً حتى يجوع ويربط على بطنه الحجر , وإبراهيم ﵊ كان صاحب مال وماشية يُطعِم ويُضيف من جملة ماله ولم نسمع أنه أعطى كلَّ ماعنده , ونبينا ﷺ يقول: «ما يكن عندي من خير فلن ادّخره عنكم» (٢) وقال: «لو أنَّ لي مثلَ هذه العِضاهِ نعماً لقسمته بينكم ثم لا تجدوني بخيلاً ولا جباناً» (٣) وجوده وكرمه من أشهر (٤) صفاته الحميدة صلوات الله عليه وسلامه. وأما فضيلة إبراهيم ﵊ في صبره على ما ابتُلي به مِن ذبح ولده حتى أكرمه الله تعالى بالفِداء وهذه رُتبة عظيمة , قلنا: ليس هذا بأعظم من فضيلة نبينا ﷺ إذ جاد بنفسه في جهاد أعداء الله تعالى فإنه صبَّر نفسه وغرَّر (٥) بها في طاعة ربه تعالى حتى إنه يوم حنين لما تولى عنه أصحابه وبقي وحده ما يألو ما صادم العدو بنفسه

وأخذ كفًّا من تراب فرمى به في وجوه القوم فهزمهم الله تعالى (١) , وجوده ﷺ بنفسه وصبره في (مثل) (٢) هذا المقام الذي لم يبق معه ناصر ولا معاضد والعدو حريص على قتله أعظم من صبر إبراهيم ﵊ على ذبح ابنه. وأما قول الله تعالى في إبراهيم: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ [البقرة: من الآية ١٢٤] ففي الحديث أن نبينا ﷺ[ق ٩/و] قال: «أنا إمامهم إذا بُعثوا وخطيبهم إذا ورَدُوا ... » الحديث (٣) , وقد صلى بإبراهيم وغيره من الأنبياء ليلة الإسراء وشريعته داخلة في شريعة محمد صلى الله عليهما وسلم وشريعة محمد ﷺ أتم وأكمل (٤) من شريعة إبراهيم صلى

, وقد صلى بإبراهيم وغيره من الأنبياء ليلة الإسراء وشريعته داخلة في شريعة محمد صلى الله عليهما وسلم وشريعة محمد ﷺ أتم وأكمل (٤) من شريعة إبراهيم صلى

الله عليه وسلم كما هو معروف؛ وقوله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا﴾ [النحل: من الآية ١٢٠] ومعنى الأمة أنه كان معلماً للخير وداعياً إليه , ولا ريب أنَّ علم نبينا ﷺ وتعليمَه وما ظهر من الخير على يديه في زمانه وبعد موته بسببه أمر لا يكاد يرتاب فيه عاقل , فإنَّ علمَه وشريعته متداولة بين أمته إلى يوم القيامة , وسنَّة إبراهيم ﷺ من بعض ماهو من سنن محمد ﷺ التي دعا إليها وأمر بالاستنان بها , وقنوت محمد ﷺ كان أعظم فإنه ﷺ لما نزل عليه: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: من الآية ٢] قام (١) فصلى حتى تفطرت قدماه فقيل له: قد غُفر لك من ذنبك ماتقدم وما تأخر , فقال: «أفلا أكون عبداً شكوراً» (٢) وصلّى حتى أنزل عليه ﷺ: ﴿طه (١) مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى (٢) إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى﴾ [طه: ١ - ٣] (٣). فإن قيل: إن إبراهيم ﷺ بوَّأ الله تعالى له مكانَ البيت حتى عَمَره وأقام شعائر الله , قيل: ما فعله محمد ﷺ في أمر البيت أعظم , فإن إبراهيم ﵊ جاء إلى أرض داثرة (٤) فبنى فيها بيتاً وأقام فيه أموراً شرعها الله تعالى له , وليس في ذلك كبير (٥) مشقة وإن كان فيه من الفضل والإحسان مافيه , فإن فعل نبينا ﷺ أعظم خطراً

وأشدّ ابتلاء فإنَّه بُدِّلت تلك الشعائر (١) التي رسمها إبراهيم ﵊ (بعده) (٢) , وتناسخت الأحوال حتى صار ذلك البيت الذي بناه إبراهيم ﵊ لإقامة شعائر الدين الحنيف بتبديل الجاهلية مَركزاً للشرك ومحلًّا للأوثان وصار يُعبَد فيه غير الله ويُدعى من سواه ويُقاتل على ذلك , فبعث الله محمداً ﷺ[ق ٩/ظ] فمحا تلك الآثار وكسر تلك الأصنام وأزال المنكرات وأعاد سنَّة إبراهيم ﵊ التي كانت (٣) قد دثرت , وعبد الله وحده وزال (٤) الإشراك (٥) وزاد على شريعة إبراهيم مما (٦) شرعه الله تعالى له حتى كان عام حجَّة الوداع أنزل عليه: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: من الآية ٣] حتى قال بعض اليهود لعمر بن الخطاب: " (يا أمير المؤمنين) (٧) آيةٌ في كتابكم تقرؤنها لو علينا معشر يهود أنزلت لاتخذنا ذلك اليوم عيداً , فقال عمر: أيّ آية , قال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ... ﴾ الآية [المائدة: من الآية ٣] , فقال عمر ﵁: إني لأعلم الموضع الذي نزلت فيه واليوم الذي نزلت فيه يوم جمعة عشية عرفة" (٨)؛ ففرقٌ بين من بنى بيتاً وسنَّ سُنَّة من غير منازع إلى من جاء إلى أمَّة جاهلية جهلاء , قد اجتمعت على بيتٍ جعلته دينها وأقامت فيه الأصنام يعبدونها من دون الله وشرعوا أموراً زيَّنها لهم الشيطان فرأوها حسنة واتخذوها ديناً وقاتلوا على ذلك وتوارثوه خلفاً عن سلف ووجدوا عليه آبائهم فأمرَهم بترك ما قد نشأوا عليه من ذلك الدين ومفارقة ما قد رسمه لهم أسلافهم

نة واتخذوها ديناً وقاتلوا على ذلك وتوارثوه خلفاً عن سلف ووجدوا عليه آبائهم فأمرَهم بترك ما قد نشأوا عليه من ذلك الدين ومفارقة ما قد رسمه لهم أسلافهم

ونبتت عليه (١) لحومهم ودماؤهم فصرفهم عنه طوعاً وكرهاً وردَّهم عنه إلى دين لم يعرفوه هم ولا آباؤهم بما أوضحه لهم من الحق حتى أطاعوه وقال أحبَّ إليهم من آبائهم وأولادهم وإخوانهم وعشيرتهم حتى ضَرَبَ الدينُ بحرانه واستقر على أركانه. وأما كفالة إبراهيم ﵊ الأطفال (٢) المؤمنين الذين يُتوفون وهم صغار فليس ذلك بأعظم من كفالة الأطفالِ في الدنيا , فإن في الدنيا يحتاجون إلى ما يمونهم من مأكول ومشروب وغير ذلك , بخلاف من هو في الآخرة في كفالة الله تعالى لا يحتاج إلى أكل وشرب وكسوة ومؤنة , فإن محمداً ﷺ كان لليتيم كالأب الرحيم وللأرملة كالزوج الشفيق كما قال فيه عمه أبو طالب: وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ... ثمال اليتامى عصمة للأرامل (٣) فكفالة الأحياء (بلا ريب أعظم من كفالة الأموات) (٤). فإن قيل: إن الله تعالى أمر محمداً ﷺ وبارك باتباع [ق ١٠/و] ملة إبراهيم ﷺ , قلنا: ذلك إحدى حسناته ﷺ فإنَّ محمداً ﷺ قد اتبع ملة إبراهيم ﷺ فحاز آخرها وزاد عليها ما أمر اللهُ به فكان له الفضل أولاً وأخيراً. فإن قيل: إن الله تعالى سمَّى إبراهيم حليماً ومنيباً وأوَّاهاً , قيل: هذه كلّها من بعض خصال محمد ﷺ وله من الخصال الحميدة أضعافُ أضعاف هذه كما هو مبسوط في كتب مناقبه , فكان في الحلم آيةً [كما] (٥) قال أنس ﵁: "خدَمتُه عشر سنين (٦)

من بعض خصال محمد ﷺ وله من الخصال الحميدة أضعافُ أضعاف هذه كما هو مبسوط في كتب مناقبه , فكان في الحلم آيةً [كما] (٥) قال أنس ﵁: "خدَمتُه عشر سنين (٦)

وليس كلّ شأني كما يَرضى صاحبي , فما قال لي يوماً قط لشيء صنعته لم صنعت هذا هكذا , ولا لشيء لم أصنعه لِمَ لم تصنع هذا هكذا" (١) وكان ﷺ من الإنابة إلى ربِّه سبحانه بالموضع الذي لايخفى فإنه كان من دعائه: «اللهم بك أُقاتِل وبك أصول وبك أحول» (٢) إلى غير ذلك من الإنابة في جِلِّ الأمور ودِقِّها وكان من تأوهه وخوفه من ربه أنه يقول: «لو تعلمون ما أعلم لبكيتم كثيراً ولضحكتم (٣) قليلاً وما تلذذتم بالنساء على الفرش ولخرجتم إلى الصّعدات تجأرون إلى ربكم» (٤) إلى غير ذلك من أخباره عن حلمه وإنابته وتأوّهه. فإن قيل: إن إبراهيم ﵇ أوحي إليه: "يا إبراهيم إنك لمَّا سَلَّمت مالك إلى الضِيفان , وابنك إلى القربان , ونفسك إلى النيران , وقلبك إلى الرحمن , اتخذناك خليلاً" (٥) , قلنا: إن ذلك لفضل عظيم , وخير عميم , وفخر مقيم , وكل ذلك من

بعض ما أُعطي نبينا ﷺ وزاد عليه كما أشرنا إليه وكما يأتي فيما بعد إن شاء الله تعالى. فإن قيل: إن إبراهيم ﵊ أُعطي الصّحف وكانت عشر صحائف , قلنا: إن ما أوتي محمد ﷺ من السبع المثاني والقرآن العظيم أعظم من ذلك بكثير فإن صحف إبراهيم ﵇ كانت كلها مواعظ وأمثالاً كقوله فيها: "أيها الملِك المبتلى المُسَلّط المغرور إنِّي لم أبعثك لجمع الدنيا بعضها على بعض ولكن بعثتك لتَرُدَّ عنِّي دعوة المظلوم فإنِّي [ق ١٠/ظ] لا أردها وإن كانت من كافر" (١) وأمثال ذلك من الحِكَم (٢) , وكان ما أوتيه محمد ﷺ من القرآن فيه نبأ مَن مضى ونبأ مَن يأتي إلى يوم القيامة ومابين ذلك من الحِكَم والأحكام والمواعظ والزواجر والأمر والنهي والتحليل والتحريم إلى غير ذلك مما يطول ذكره ويشق حصره , فمحمد ﷺ سيّد الرُّسل عليهم الصلاة والسلام وكتابه سيّد الكتب وأمَّته خَيْر الأمم صلوات الله عليه وسلامه.

التحريم إلى غير ذلك مما يطول ذكره ويشق حصره , فمحمد ﷺ سيّد الرُّسل عليهم الصلاة والسلام وكتابه سيّد الكتب وأمَّته خَيْر الأمم صلوات الله عليه وسلامه. وأما قوله تعالى: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ [النجم: ٣٧]: أي وفَّى بما ابتلاه به من قوله تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ [البقرة: من الآية ١٢٤] اختلف العلماء في الكلمات التي ابتلى الله تعالى بها إبراهيم ﵊ فقال عكرمة عن ابن عباس ﵄: "هي ثلاثون سهماً , وهي شرائع الإسلام لم يُبْتلَ أحدٌ بهذا الدين فأقامه كلَّه إلا إبراهيم ﵇ أتمهنَّ فكُتِب له البراءة فقال: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ [النجم: ٣٧] وهي عشر في سورة براءة (٣): ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ ... ﴾ إلى

آخرها (١) [التوبة: ١١٢] وعشر في الأحزاب: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ ... ﴾ إلى آخرها [الأحزاب: ٣٥] وعشر في المؤمنين: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ... ﴾ [المؤمنون: ١] وقوله: ﴿إِلَّا الْمُصَلِّينَ ... ﴾ [المعارج: ٢٢] في سأل سائل" , وروى طاوس عن ابن عباس أيضاً قال: "ابتلاه الله تعالى بعشرة أشياء هي من الفطرة والطهارة , خمس في الرأس وخمس في الجسد فالتي في الرأس قصُّ الشارب والمضمضة والاستنشاق والسواك وفرق الرّأس (٢) , والتي في الجسد تقليم الأظفار ونتف الإبط وحلق العانة والختان والاستنجاء بالماء" , وقال مجاهد: "هي الآيات التي بعدها في قوله تعالى: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا ... ﴾ [البقرة: من الآية ١٢٤] إلى آخر القصة" , وقال الربيع وقتادة: مناسك الحج , وقال الحسن: سبعة أشياء ابتلاه [الله] (٣) بالكوكب والقمر والشمس وأحسن النظر في ذلك وعلم أن ربَّه دائم لايزول [أبداً] (٤) وابتلاه بالنَّار فصبر على ذلك وابتلاه بالهجرة فصبر على ذلك وابتلاه بذبح ابنه فصَبر [على ذلك] (٥) وبالختان فصبر على ذلك؛ وقال أبو رَوْقٍ (٦): هي قوله: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (٧٨) ... ﴾ [الشعراء: ٧٨] إلى آخر الآيات؛ وقال بعضهم: هي [ق ١١/و] أن الله تعالى ابتلاه في ماله وولده ونفسه وقلبه , فسَلَّم مالَه للضيفان , وولدَه إلى القربان , ونفسه إلى النيران , وقلبه إلى الرحمن , فاتخذه خليلاً؛ وقيل هي: سهام الإسلام وهي عشرة: شهادة أن لا إله إلا الله وهي الملة , والصلاة وهي الفطرة , والزكاة وهي الطُهْرة , والصوم وهو الجُنّة , والحج وهو

الشريعة , والغَزْو وهو النصرة , والطاعة وهي العصمة , والجماعة وهي الأُلفة , والأمر بالمعروف وهو الوفاء , والنهي عن المنكر وهو الحجة , فأتمهن , وقام بهن , ووفَّى بهن , فقال الله تعالى له: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ [البقرة: من الآية ١٢٤] (١).

والنهي عن المنكر وهو الحجة , فأتمهن , وقام بهن , ووفَّى بهن , فقال الله تعالى له: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ [البقرة: من الآية ١٢٤] (١).

الكلام على تفضيل هذه الأشياء وأنَّ ما أوتي محمد ﷺ منها مثلُها أو ما يوازيها على أتم مما أوتيها إبراهيم ﵊ وأكمل وأفضل فأما العشر التي في سورة براءة فقوله: ﴿التَّائِبُونَ﴾ [التوبة: من الآية ١١٢] فقد أوتيها محمد ﷺ بل وكثير من أمَّته , فإنه ﷺ قال: «استغفروا الله وتوبوا إليه فإنِّي أتوب إلى الله في اليوم مائة مرّة» (٢) , وفي أمّته من يفعل ذلك وقريباً منه كثير , وقوله: ﴿الْعَابِدُونَ﴾ [التوبة: من الآية ١١٢] فبعبادته تضرب الأمثال وحالُهُ فيها لاتطاق , فقد كان يقوم حتى تتفطر قدماه (٣) , ويصوم حتى يُقال لا يفطر , وكنت لاتشاء أن تراه من الليل قائماً إلا رأيته (٤) , وكان يقوم من الليل ما شاء الله ثم ينام ثم يقوم ثم ينام ثم يقوم (٥) وهذه حالةٌ لا يتمكن منها أحد غيره في الليلة الواحدة , وكثير من أمَّته كان يُحيي

الليل ويصوم النهار , وأراد بعض أصحابه أنْ يتبتَّل (١) فنهاهم عن ذلك (٢) , وعزموا على الوصال في رمضان كما كان يُواصِل فنهاهم خوفاً عليهم أن يُفرَض عليهم فيعجز منهم من يعجز منهم عنه (٣) , وكان كثيراً ما يعمل العمل والأشياء من النوافل وقتاً دون وقتٍ خوفاً أن يتبعه أصحابُه فيُفرَض عليهم , وخلائق من لايُحصى من أمَّته كان يصلِّي الصبح بوضوء العشاء ويَسرُد الصَّومَ في ضمن ما يعملون من الجهاد وغيره مما يطول شرحه وهو واضح ظاهر , وقوله: ﴿الْحَامِدُونَ﴾ [التوبة: من الآية ١١٢] فقد كان محمد ﷺ أعظم النَّاس [ق ١١/ظ] حمداً لربِّه سبحانه , وأنزل الله فاتحة الكتاب المفتتحة بالحمد لله التي لم تُنزل على أحد من الأنبياء قبله المتضمّنةِ لحقوق الله تعالى ومطالب العبد كما في الحديث «قسَمْتُ الصلاة بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل , يقول العبد: الحمد لله رب العالمين , يقول الله: حمدني عبدي ... » (الحديث) (٤) (٥) , فجعل الله

ي الحديث «قسَمْتُ الصلاة بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل , يقول العبد: الحمد لله رب العالمين , يقول الله: حمدني عبدي ... » (الحديث) (٤) (٥) , فجعل الله

هذه السورة مُكرَّرة في صلاته في كل ركعة من الصلوات الخمس فجعل صلاته كلّها حمداً لله تعالى , هذا غير ما يحمده في غيرها ضمن التسبيح والتحميد والتكبير الذي كان يفعله عقيب الصلوات وعند المنام وعند القيام وعند الطعام وعند غالب أحواله ولأمَّته من ذلك النصيب الوافر , ولهذا أنزل في التوراة على موسى في صفتهم أنهم "الحمَّادون رُعاة الشمس" (١) يعني المحافظين على الصلوات في أوقاتها بمراعاة (٢) زوال الشمس وتحلّقها (٣) وغروبها وغير ذلك , فمحمَّد ﷺ وأمَّته الحمَّادون الله (٤) على كل حال وفي كل نعمة , وفي التوراة أنهم الحمادون على كل نجد (٥) (٦)؛ وقوله:

﴿السَّائِحُونَ﴾ [التوبة: من الآية ١١٢] يعني «الصّائمين» (١) رواه أبو هريرة ﵁ عن النبي ﷺ (٢) , وقال سعيد بن جُبَيْر: هم الصائمون ألم تر أنّ الله تعالى إذاً ماذكر الصائمين (٣) , وقال الحسن: ﴿السَّائِحُونَ﴾ [التوبة: من الآية ١١٢] الصائمون عن الحلال الممسكون عن الحرام , وقال عطاء: ﴿السَّائِحُونَ﴾ [التوبة: من الآية ١١٢] الغُزَاةُ والمجتهدون , وقال عُمَر بن نافع: سمعت عكرمة وسئل عن قول الله تعالى: ﴿السَّائِحُونَ﴾ [التوبة: من الآية ١١٢] فقال: هم طلبة العلم (٤) , وقد أوتي محمَّد ﷺ وأمَّته من هذا النصيب الأوفى فقد ذكرنا أنه كان يصوم حتى يُقال لايُفطر , وقال بعض أصحابه وأراد التّبتل للعبادة: أما أنا فأصوم لا أُفْطر وهو عبدالله بن عمرو بن العاص وفعل ذلك مدَّة حتى نهاه النبي ﷺ عن ذلك شفقةً عليه (٥) , وأمّا كون السياحة الجهاد فقد باشر النبي ﷺ الجهاد بنفْسه وكُسرت رباعيته ودُمِي وهُشمت البيضة على رأسه وكان يَحْمل على الكَتيبَةِ ويقول: «أنا النبي لا كذب أنا ابن عبدالمطلب» (٦) فيُوَلّي الكفارُ الأدبارَ , وقد جاهد في الله تعالى حق جهاده , وفي الصحيح أنَّ البراء قال: كنا والله

إذا احمرَّ البأس نتَّقي به وإن الشجاع منَّا للذي يُحاذي به يعني [ق ١٢/و] النبي ﷺ (١) , وكان من أُمَّته من إذا لقي العدو كسَر جَفْن سيفه (٢) (٣) وحمل عليهم (٤) , ومنهم من كان في يده تمرات فلمَّا التقى الجمعان قال: لئن عشتُ حتى آكل تمراتي هذه إنَّها لحياة طويلة فألقى التمرات وقاتل حتّى قُتل (٥) ومن هذا الجنس في أمّة محمد ﷺ قديماً وحديثاً كثيرٌ معروف مشهور , وأمَّا كون السِّياحة طلب العلم فإنَّ محمَّداً ﷺ كان في بَدْء أمره يتزوَّد ويخرج إلى جبل حراء يتوقع نزولَ الوحي وتعلُّم العلم من الملَك , ولم يُنقَل عن أحد من الأمم في كثرة طلب العلم ما في أمَّة محمد ﷺ حتى إنَّ أحدهم يرحل مسيرة الشهر في طلب الحديث الواحد , ومنهم من يتغرَّب السنين في طلب العلم ويترك وطنه وأهله وولده , وقوله: ﴿الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ﴾ [التوبة: من الآية ١١٢]: يعني

طلب الحديث الواحد , ومنهم من يتغرَّب السنين في طلب العلم ويترك وطنه وأهله وولده , وقوله: ﴿الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ﴾ [التوبة: من الآية ١١٢]: يعني

المصلين , وقد ذكرنا (١) أن محمداً ﷺ صلَّى حتى تفطَّرت قدماه , وأمَّتُه الموصوفون في التوراة بأنهم رُعاة الشمس يُوضِّؤون أطرافهم ويسجدون على جباههم وأن الأرض كلها لهم مسجد وترابها طَهُور , فليس في الأمم أعظم صلاة منهم كما هو وصفهم في التوراة أنهم يصفّون في صلاتهم صفوف الملائكة وأصواتهم في مساجدهم كَدوي النحل (٢) , وأن موسى ﵇ قد كان أراد بني إسرائيل على أقلّ من خمس صلوات فلم يقدروا ولم يفعلوا كما في حديث الإسراء , وفي أمّة محمد ﷺ مَن يُصلي الخمس ثم يصلي من النوافل أضعافها , فصلاة محمد ﷺ وأمّته على أتمّ الوجوه وأكمل الأحوال؛ وقوله: ﴿الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [التوبة: من الآية ١١٢] وكان لمحمد ﷺ من ذلك النصيب الأوفى والحظ الأسنى كما أوحى الله تعالى إليه في شأن أهل الكتاب أنه ﷺ ﴿يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: من الآية ١٥٧] فأخبر ﷾ أنه مكتوب عندهم في التوراة والإنجيل بهذه الصفات وكذلك صفة [ق ١٢/ظ] أمته في التوراة أنهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر (٣) , وقوله: ﴿وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ﴾ [التوبة: من الآية ١١٢] قال ابن عباس ﵄: القائمون على طاعة الله (٤) , وهذا من خواص ما أوتي محمد ﷺ أنّ دينه لا يزال قائماً حتى تقوم الساعة كما في الصحيح: «لا تزال

الآية ١١٢] قال ابن عباس ﵄: القائمون على طاعة الله (٤) , وهذا من خواص ما أوتي محمد ﷺ أنّ دينه لا يزال قائماً حتى تقوم الساعة كما في الصحيح: «لا تزال

طائفة من أمتي يدعون إلى الحقّ لايضرهم مَن خذلهم ولا مَن خالفهم حتى تقوم الساعة» (١) , وقال الحسن: الحافظون لحدود الله هم أهل الوفاء ببيعته (٢) كما قال له بعض أصحابه حين ندبهم إلى الجهاد: والله لانقول لك كما قال أصحاب موسى لموسى: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون , بل نقول: اذهب أنت وربك فقاتلا إنّا معكم مقاتلون , واللهِ لو أمرتنا أن نُخيضها البحر لأخضناها , ولو أمرتنا أن نضرب أكبادَها إلى بَرك الغِماد لفعلنا (٣). ولما نودي في أصحابه يوم هوازن حين ولّوا لما رَمَوهم بالنّبل نادى العباس: يا أصحاب السَمُرة يا أصحاب سورة البقرة فذكّرهم عقد البيعة التي بايعوا بها محمّداً ﷺ تحت الشجرة عَطَفوا عطفة (٤) البقر على أولادها يقولون : يالبيّك يالبيّك , فقال رسول الله ﷺ: «الآن حين حمي الوطيس» (٥) وأنزل الله تعالى: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٧٢]؛ وأما تفصيل العشر التي في الأحزاب وأن محمّداً ﷺ أوتيها على أكمل الأحوال وأتمّ الأفعال فقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ ... ﴾ الآية

[الأحزاب: ٣٥] فقد روي أن مقاتل بن حَيَّان قال: بلَغني أنّ أسماء بنت عُمَيس ﵂ رجعت من الحبشة مع زوجها جعفر بن أبي طالب ﵄ (١) فدخلت على نساء رسول الله ﷺ فقالت (٢): هل نزل فينا شئ من القرآن , قلن: لا , فأتَتْ رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله إن النساء لفي خَيبةٍ وخسارٍ , فقال رسول الله ﷺ: «ومِمَّ ذاك» , قالت: لأنهنّ لا يُذكَرْن [ق ١٣/و] بخير كما يُذكَر الرجال فأنزل الله ﷾: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٣٥] (٣) ولا ريب أنّ هذه الأمور كانت من محمد ﷺ على أكمل الأحوال وفي كثير من أمّته كانت وتكون على الأحوال الكاملة , وقد قال عطاء بن أبي رباح رحمة الله عليه: من فوَّض أمره إلى الله ﷿ فهو داخل في قوله: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ﴾ [الأحزاب: من الآية ٣٥] , ومن أقرّ بأنَّ الله ربّه وأن محمداً ﷺ رسوله ولم يخالف قلبُه لسانَه فهو داخل في قوله: ﴿وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [الأحزاب: من الآية ٣٥] , ومن أطاع الله تعالى والرسول ﷺ في السنَّة فهو داخل في قوله: ﴿وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ﴾ [الأحزاب: من الآية ٣٥] , ومن صان لسانه عن الكذب فهو داخل في قوله: ﴿وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ﴾ [الأحزاب: من الآية ٣٥] , ومن صَلَّى فلم يَعرفْ مَن عن يمينه وعن يساره فهو داخل في قوله: ﴿وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ﴾

ّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ﴾ [الأحزاب: من الآية ٣٥] , ومن صَلَّى فلم يَعرفْ مَن عن يمينه وعن يساره فهو داخل في قوله: ﴿وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ﴾

[الأحزاب: من الآية ٣٥] , ومن صبر على الطاعة وعن المعصية وعلى الرَّزيئة (١) (٢) فهو داخل في قوله: ﴿وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ﴾ [الأحزاب: من الآية ٣٥] , ومن تصدَّق في كل أسبوع بدرهم فهو داخل في قوله تعالى: ﴿وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ﴾ [الأحزاب: من الآية ٣٥] , ومن صام في كل شهر أيام البيض: ثالث عشر ورابع عشر وخامس عشر فهو داخل في قوله: ﴿وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ﴾ [الأحزاب: من الآية ٣٥] , ومن حفظ فرجَه عمّا لا يحل له فهو داخل في قوله: ﴿وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ﴾ [الأحزاب: من الآية ٣٥] , ومن صلى الصلوات الخمس بحقوقها فهو داخل في قوله: ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: من الآية ٣٥] (٣) , فمحمَّد ﷺ في الإسلام جبل راسخ , وفي الإيمان عَلَم شامخ , وفي القنوت بحر طافح , وفي الصدق [ق ١٣/ظ] سحاب سافح (٤) , وفي الخشوع إمام , وفي الصبر على الطاعة هُمام , وكان أبعد الناس عن المعصية , وأصبرهم على المَرْزِية , وكان أعظم الخلق بالصّدقة إيثاراً , وفي الهَواجر (٥) على مواظبة الصوم اصطباراً , وكان ﷺ أمْلَكَ الخلق لإربه في الحلال فكيف عن الحرام , وأشد الناس مُثابرة على الصلوات والناس نيام , وكم في أمّته من قُطْبٍ (٦) استنَّ بسنّته , وكم فيهم من

ﷺ أمْلَكَ الخلق لإربه في الحلال فكيف عن الحرام , وأشد الناس مُثابرة على الصلوات والناس نيام , وكم في أمّته من قُطْبٍ (٦) استنَّ بسنّته , وكم فيهم من

وليٍّ سار بسيرته , وليس ذلك لغير محمد ﷺ (كما لَه , وليس لواحد من الأمم مثل ما) (١) ولأمّته (٢) , ولا اجتمع في أهل ملل غير أهل ملّته. وأما العشر التي في المؤمنين فقوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (٣) وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ (٤) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (٧) وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (٨) وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (٩) أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (١٠) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (١١)﴾ [المؤمنون: ١ - ١١] ... فقد مضى ذكر الإيمان والخشوع وهنا ذكر الخشوع في الصلاة فإنّه أوكَدُ منه في غير الصلاة واللغو القبيح من القول وقد قال ﷺ: «إني لم أُبْعَثْ لعَّاناً ولا فحَّاشاً ولا سخَّاباً في الأسواق» (٣) , وقوله: ﴿لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ﴾ [المؤمنون: من الآية ٤] ولم يكن ﷺ صاحبَ مال , وعُرضت عليه ﷺ كنوز الأرض فأباها (٤) ولم يكن فقره كفقر غيره من الناس الذين يأكلون الصدقات فإن الصدقة محرّمة عليه وعلى ذريّته وبَني عمّه إلى يوم القيامة , [ففقره أعلى درجة من درجة الملوك] (٥) , وهذه المرتبة أكمل من مرتبة صاحب مالٍ يُسأل من أين اكتسبه وفيما أنفقه (٦) , وفي أمّة محمد

  • ﷺ من أولياء الله الصّالحين مَن سُئل عن قدر الزكاة ماهو فقال للسائل: عندنا أو عندكم , وكان السائل فقيهاً , فقال السائل: وهل عندكم غير ماعندنا , قال: نعم , أنتم عندكم في كلّ مائتي درهم خمسة دراهم حقّ الله , ونحن عندنا أنّ الكلّ حقّ الله (١) و [ق ١٤/و] لهذا قال النبي ﷺ: «ما يكن عندي من خير فلن ادّخره عنكم» (٢) وكان ﷺ لا (٣) يدّخر شيئاً لغد , وكان يعطي عطاء من لايخشى الفاقة. وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾ [المؤمنون: ٥] فقد تقدم شرف النبي ﷺ في هذا المقام , وأنه كان أملك الخلق لإربه , وفي أمّته عجائب في حفظ الفروج ومجانبة الزّنا كما يروى عن مَن حُصِر في بيت وأُغلق عليه ودُعي إلى الفاحشة فمنهم من ألقى نفسه من أعالي البيت فسَلِم , ومنهم من دخل الخلاء وتلطَّخ بالعَذرة وخرج في زيّ مجنون , وأمثال هذه الأمور كما سيأتي في قصّة يوسف ﵊ , كل ذلك حفظاً للفروج وخوفاً من الله تعالى عن تعدِّي حدوده (٤) واللائمة يوم القيامة , وتقدّم الكلام في مراعاة العهود والوفاء بها والمحافظة على القيام بها. وأما المحافظة على الصلوات فكان النبي ﷺ وأصحابه ﵃ من المحافظة عليها في أوقاتها من الغاية , حتى إن رسول الله ﷺ أبطأ ليلة فلم يخرج إليهم حتى ذهب ما شاء الله من الليل فقالوا: أبطأت عنّا يا رسول الله , فقال: «أبشروا فإنه ليس أحد ينتظر الصلاة غيركم» (٥) ولم يكن يومئذ يُصلَّى بغير المدينة , ولهم اختصاص الانتظار للصلاة

قالوا: أبطأت عنّا يا رسول الله , فقال: «أبشروا فإنه ليس أحد ينتظر الصلاة غيركم» (٥) ولم يكن يومئذ يُصلَّى بغير المدينة , ولهم اختصاص الانتظار للصلاة

بعد الصلاة , والمراعاة للجماعات والمشي إليها في الظلمات , حتى إنّ في هذه الأمّة من ذُكِر أنه لم يفته صلاة في جماعة إلا مرّة فصلى سبعاً وعشرين صلاة لما بلغه أن صلاة الجماعة تضاعف على صلاة الواحد سبعاً وعشرين ضعفاً والحكاية معروفة (١) , وفي إسباغ الوضوء في المكروهات والمشي إلى الجماعات وانتظار الصلوات بعد الصلوات يَختصم الملأ الأعلى كما جاء في الحديث المشهور (٢) , فأولئك هم الوارثون الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون , وهذا الميراث إنما هو أنّ هذه الصلوات عرضت على من كان قبلهم فأضاعوها , كما قال تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ﴾ [مريم: من الآية ٥٩] فأوْرَثَ الله هذه الأمّة [ق ١٤/ظ] مكانهم الذي وعدهم على حفظ الصلوات لو حفظوها والله تعالى أعلم؛ واستثنى الله تعالى في

سورة (سأل سائل) المصلين الذين هم على صلاتهم دائمون ممّن ذمّهم بالهَلع والجزع , وجعل الدائمين عليها المحافظين في جنّات مكرمين (١). وأما العشرة التي ذكرها طاوس عن ابن عباس ﵄ من الفطرة التي أوتيها إبراهيم ﵊ فقد أوتيها محمد ﷺ وزيادة عليها ففعلها هو ﷺ وأمَّته على الوجه الكامل والحال الفاضل. وأما قول مجاهد بأنها قوله تعالى: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ [البقرة: من الآية ١٢٤] فقد كانت إمامة محمد ﷺ أظهر وتبع الخلق له على دينه أشهر.

وأما قول مجاهد بأنها قوله تعالى: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ [البقرة: من الآية ١٢٤] فقد كانت إمامة محمد ﷺ أظهر وتبع الخلق له على دينه أشهر. وأما قول الحسن أنها سبعة أشياء الكوكب والقمر والشمس فقد ذكرنا (٢) أنّ محمداً ﷺ أوتي في صباه من الحفظ والإيقان والسلامة من أسباب الإشراك وإلهام التوفيق إلى الحق مافيه كفاية , وكذلك ذكرنا صبره ﷺ على القتل بنفسه والتّغْرير بها في طاعة الله تعالى ماهو أعظم من الصبر على فقد الولد وألم الختان وصبره في هجرته ﷺ من مكة إلى المدينة وبلواه كانت أعظم من صبر إبراهيم ﷺ في هجرته , فإنه خرج مختفياً وقد بيَّته القوم كما ذكر الله ﷿ في كتابه ليقتلوه , ولما علموا أنه قد خرج بعثوا في طلبه في جميع الطرق وبذلوا الأموال الكثيرة لمن يقتله أو يأتي به , وقصته مع سُراقة في ذلك معروفة حتى قدم المدينة. وأما قول أبي رَوْق أنها قوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (٧٨) ... ﴾ [الشعراء: ٧٨] [الآيات] (٣) فإنّ محمداً ﷺ كان من هذه الأمور بالمنزلة التي لايصل إليها غيره وهي ظاهرة مِن سيرته ﷺ , وقد ذكرنا الكلام على قول بعضهم أنها ابتلاؤه (٤) في ماله وولده ونفسه وقلبه وأنّ الله اتخذه لذلك خليلاً , فمحمّد ﷺ كان في هذه الأمور أكمل قدراً وأعظم أجْرًا فإن الله تعالى اتخذه خليلاً حبيباً.

ه (٤) في ماله وولده ونفسه وقلبه وأنّ الله اتخذه لذلك خليلاً , فمحمّد ﷺ كان في هذه الأمور أكمل قدراً وأعظم أجْرًا فإن الله تعالى اتخذه خليلاً حبيباً.

وأما قول من قال: هي سهام الإسلام وهي عشرة شهادة أن لا إله إلا الله وهي الملّة فقد كان محمّد ﷺ يدعوا إليها على [ق ١٥/و] الوجه الأتمّ , والحال الأعمّ كما صعد ﷺ على الصّفا ونادى «يا صباحاه» فاجتمعوا فقال: «أرأيتم لو أخبرتكم (١) أنّ عدوّاً يُصَبّحكم أو يُمَسّيكم أكنتم مصدِّقي» , قالوا: ما جرَّبنا عليك كذباً , قال: «فإني نذير لكم بين يدَي عذاب شديد» (٢) يعني أن تقولوا لا إله إلا الله , وكان يدعو إلى سبيل ربِّه بالحكمة والموعظة الحسنة ويجادلهم بالتي هي أحسن كما أمره الله تعالى حتى أذن له في جهادهم فجاهدهم حتى أقام الدّين وظهر أمْرُ الله وهم كارهون وأقام الملّة العوجاء وقالوا: لا إله إلا الله , وأما الصلاة فقد تقدم الكلام فيها وقال ﷺ: «أُمِرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله وأنِّي رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة ... » الحديث (٣) , وكذلك الحج والجهاد والطاعة والجماعة والألفة (٤) والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فقد أشرنا إلى ذلك وأنَّ محمّداً ﷺ فعل هذه الأمور مع غيرها من شريعته وسنّته على أتمّ النظام وأكمل الأقْسام , فمرتبة إبراهيم الخليل ﵊ جليلة (٥) , ومزيّته نبيلة , ودرجته أثيلة (٦) , ولا كمحمّد ﷺ صاحب الوسيلة والمنزلة الرفيعة العريضة الطويلة صلوات الله وسلامه عليهما , وبركاته وتحيّاته واصلة إليهما , فقد تبين بالبرهان الواضح , والدليل الرّاجح , أن ماوَفّى محمد ﷺ أبلغ مما وفّى إبراهيم ﷺ فإنه بلغ ما أوحي إليه من ربِّه سبحانه البلاغ المبين ولم يألُ جهداً في توضيح أصول الدين , ولم يكتم شيئاً ممّا أوحي إليه , وسواءً كان ذلك له أو عليه كما قالت عائشة رضي الله

عنها لمّا نزلت قصّة زيد ﵁ من قوله تعالى: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾ [الأحزاب: من الآية ٣٧]: "لو كان النبي ﷺ كاتماً شيئاً من الوحي كتم هذه الآية" (١) فلم يمنعه من تبيلغ الوحي مانعٌ , ولا دفعه عن قول الحق دافعٌ , كما قال بعض أصحابه: "لقد تَرَكَنا رسولُ الله ﷺ ومامن طائر يطير بين السماء والأرض إلا وقد ذكر لنا منه علماً" (٢) واستنطق الناس في أعظم حَفْلٍ وأكثر جمعٍ [ق ١٥/ظ] يوم حجّة الوداع «ألا هل بلّغت» فيقولون: نعم , فيرفع يده إلى فوق وينكبها (٣) إليهم ويقول: «اللهم اشهد» (٤) , وأما قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ﴾ [الأنبياء: من الآية ٥١] وقوله في الكوكب والقمر والشمس وإلهامُه أن قال: ﴿وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: من الآية ٧٩] فإنَّ حال محمد ﷺ أكمل وأتمّ وأقوى في التبليغ وأنجع في قلوب السامعين , وروى أبو نعيم بسنده عن النَّزَّال بن سَبْرَة عن علي ﵁ قال: قيل للنبي ﷺ: هل عبدت وثناً قطّ قال: «لا» , قالوا: هل شربت خمراً قطّ قال: «لا وما زلت أعرف أن الذي هم عليه كفر وما كنت أدري ما الكتاب ولا الإيمان» (٥) , وفي حديث آخر أنه ﷺ قال:

قطّ قال: «لا» , قالوا: هل شربت خمراً قطّ قال: «لا وما زلت أعرف أن الذي هم عليه كفر وما كنت أدري ما الكتاب ولا الإيمان» (٥) , وفي حديث آخر أنه ﷺ قال:

«لمّا نشأتُ بُغضت إليّ أوثان قريش وبُغض إليَّ الشعر» (١) , وعن نافع بن جبير بن مطعم عن أبيه جُبير ﵁ قال: كانت قريش إنَّما تدفع (٢) من المزدلفة وتقول: نحن الحُمْس (٣) فلا نخرج من الحرم , وقد تركوا الموقف بعرفة , قال: فرأيت رسول الله ﷺ في الجاهلية يقف مع الناس بعرفة على جمل له ثم يصبح مع قومه بالمزدلفة ثم يدفع بدفعهم إذا دَفعُوا (٤) , وأمثال هذا كثير من تجنُّبه لشركهم وضلالهم وكل ذلك بتوفيق من الله تعالى له. وقيل له: متى كنت نبيّاً , قال: «وآدم مُنْجدلٌ (٥) في طينته» (٦) فمن يكون هذا حاله كيف يتطرق إليه شرك أو (٧) شكّ وقد جرى بينه وبين رجل من قريش كلامٌ فقال له

القرشيّ: احلف باللات والعزى فقال: «والله ما أبغضتُ شيئاً ما أبغضتهما وإنّي لأمُرُّ بهما فأعرِض عنهما» , فقال له القرشي [ق ١٦/و]: أنت صادق فيما تقول (١)؛ وقد كان ﷺ قبل الوحي يتألَّه ويتحنَّث ويتعبَّد لله تعالى كما قد ثبت في الصحاح وغيرها من سيرته ﷺ وكل ذلك رُشد آتاه الله تعالى إيَّاه في صغره وتوفيق مَنَحه إيَّاه في طفوليته , وذلك (من) (٢) فضل الله الذي يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم؛ وأما تبليغ دعوة إبراهيم ﷺ لمّا بنى البيت بالحج في الناس فبلغ صوته مَن قضى الله أن يحجّ , قلنا لمحمد ﷺ أبلغ من ذلك فإنه زُويت (٣) له الأرض فرأى مشارقها ومغاربها وقال: «سيبلغ مُلْك أمّتي مازوي لي منها» (٤) ولو أراد أن يبلّغ الله صوته ما بلغ نظره لكان ذلك , وما أُعطي محمد ﷺ أعظم مما أُعطي إبراهيم ﵊ , وقد أعطى الله بعض أمة محمد ﷺ أن بلغ صوته حيث أراد وكشف عن بصيرته وبصره المسافة البعيدة مسيرة شهر وذلك ما

وما أُعطي محمد ﷺ أعظم مما أُعطي إبراهيم ﵊ , وقد أعطى الله بعض أمة محمد ﷺ أن بلغ صوته حيث أراد وكشف عن بصيرته وبصره المسافة البعيدة مسيرة شهر وذلك ما رواه أبو نعيم بإسناده عن عمرو بن الحارث قال: "بينما عمر بن الخطاب ﵁ يخطب يوم الجمعة إذ ترك الخطبة فقال: يا ساري (٥) (٦) الجبل مرتين أو ثلاثاً ثم أقبل على خطبته , فقال أولئك النظراءُ من أصحاب محمد ﷺ: لقد جُنَّ إنه لمجنون , بينا (٧) هو في خطبته قال: يا ساري الجبل , فدخل عليه عبدالرحمن بن عوف ﵁ وكان يطمئنّ إليه فقال: لشدّ ما ألُومُهم عليه أنك لتجعل لهم على نفسك مقالاً بينا أنت تخطب إذ أنت

تصيح: يا ساري الجبل أيّ شيء هذا؟ قال: إني والله ما ملكت ذلك أن رأيتهم يقاتلون عند جبل يُؤتَون من بين أيديهم ومن خلفهم فلم أملك أن قلت: يا ساري الجبل ليلحقوا بالجبل , فلبثوا إلى (١) أن جاء رسول سارية بكتابه أنّ القوم لقونا يوم الجمعة فقاتلناهم من حين صلينا الصّبح حتى إذا حضرت الجمعة وسمعنا منادياً ينادي: يا ساري الجبل مرتين فلحقنا بالجبل فلم نزل قاهرين لعدوِّنا حتى هزمهم الله تعالى وقتلهم , فقال أولئك الذين طعنوا عليه: دعوا (٢) هذا الرجل فإنه مصنوع له (٣) " (٤).

ل مرتين فلحقنا بالجبل فلم نزل قاهرين لعدوِّنا حتى هزمهم الله تعالى وقتلهم , فقال أولئك الذين طعنوا عليه: دعوا (٢) هذا الرجل فإنه مصنوع له (٣) " (٤).

(فصل) (١) فأما موسى ﵊ فهو صفي الله تعالى [ق ١٦/ظ] ونجيّه وكليمه ونبيّه ورسوله , ففضله ليس يخفى , ونور جلاله قدره لا يَطفا , عالج القبط وبني إسرائيل , وقاسى شدائد منهم شرحُها طويل , وجاهد أعداء الله تعالى (ونصر كلمته , وصابر وثابر لله تعالى) (٢) وبلّغ رسالته , فصلوات الله عليه ما كان أصبره , وبمُداراة القوم ومُدارأتهم (٣) ما أخبره , وقد أُعطي محمد ﷺ من ذلك ما تُعقد عليه البنان الخمس , وسار في الآفاق مسير القمر والشّمس , فكل فضيلة أوتيها موسى , وكل قضيّة (٤) لقيها نعمى وبؤسى , فلمحمّد ﷺ نظيرتها وأكبر , وأوضح منها لمن تأمّلها وأظهر , وكلٌّ كان عند الله وجيهاً , وكل منهما قد كان نبيّاً نبيهاً , فمن ذلك معجز موسى ﵊ في العصا واليد وانفجار الماء من الحجر في التّيه , فإن الله تعالى أعطى محمّداً ﷺ مثل ذلك أو أعجب وأعظم فإن العصي (٥) (لموسى) (٦) ﵊ كانت من خشب يجعلها الله تعالى له ثعباناً حيّاً يتلقف ما يأفك سحرة فرعون ثم تعود إلى خاصيتها وسيرتها الأولى , وكان لموسى ﵊ فيها مآرب أخرى فما ذاك بأعجب من جذع يابس كان محمد ﷺ يخطب عليه , فلما عمل المنبر وتحوّل إليه حنّ ذلك الجذع إليه كحنين العشار إلى أولادها , وجعل يَخُور كما يخور الثور حتى سمع أهل المسجد ذلك , فلم يزل كذلك يحنّ ويئنّ حتى جاءه رسول الله ﷺ فاحتضنه وضمّه إليه فسكن وقال: «والذي نفسي بيده لو (لم) (٧) ألتزمه لما زال كذلك حتى تقوم الساعة جزعاً على رسول الله ﷺ» (٨) , وأعجب من ذلك أنه دعا شجرةً من أقصى الوادي فجاءت تَخُدّ الأرض (٩)

حتى وقفت بين يديه ثم أمرها فرجعت إلى منبتها فقامت كما كانت (١) , ونحو ذلك دعاؤه للعذق من رأس النخلة فانْحدَرَ وجاءه يَنقُزُ حتى صار بين يديه ثم أمره أن يعود حيث كان فصعد كذلك (٢) , وأعجب من ذلك أنه كان بالحَجون (٣) وهو كئيب حزين فقال

  • ﷺ: «اللهم أرني اليوم آيةً لا أبالي من كذّبني بعدها من قومي [ق ١٧/و] فأُمِر أن ينادي شجرةً من عقبة المدينة فناداها فجاءت تَشُق الأرض حتى انتهت إليه فسلّمت عليه ثم أمَرها فذهبت فقال: ما أبالي من كذّبني بعدها من قومي» (١) , وأعجب من هذا أو أبلغ أنه كان حين بُعث لا يمرّ بحجر ولا شجر إلا قال: السلام عليك يارسول الله , وقال: «كان حجر بمكة يسلّم عليّ قبل أن أُبعث إني لأعرفه الآن» (٢) ونحوه تسبيح الحصى في يديه , وتسبيح الطعام وهو يؤكل عنده وسنذكر ذلك إن شاء الله تعالى وهذا بابٌ (واسع) (٣). وأما ضرب موسى ﵇ بالحجر بعصاه فانفجرت منه اثنتا عشرة عيناً وهم في التيه فليس بأعجب من أنّ محمداً ﷺ كان في سفر فأعوز القوم من الماء فدعا بقدح فجعل أصابعه فيه فجعل الماء ينبع من بين أصابعه حتى روي القوم أجمعون (٤) , وخروج الماء من الأحجار أمْرٌ معتاد قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ

ى روي القوم أجمعون (٤) , وخروج الماء من الأحجار أمْرٌ معتاد قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ

مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ (١)﴾ [البقرة: من الآية ٧٤] , وأما من بين الأصابع فلا يعهده أحد لغير (٢) محمد ﷺ فهو أعظم وأعجب , وذلك ماروى عبدالرحمن بن أبي عمرة الأنصاري قال: حدثني أبي قال: "كُنّا مع رسول الله ﷺ في غزوة غزاها فأصاب الناس مخمصة فدعا بركوة فوضعت بين يديه ثم دعا بماء فصبّ فيها , (ثم مجّ فيها) (٣) , وتكلم بما شاء الله أن يتكلم , ثم أدخل خنصره فيها , فَأُقسِمُ بالله لقد رأيت أصابع رسول الله ﷺ تتفجَّر ينابيع الماء , ثم أمر الناس فسَقوا وشربوا وملأوا قِربهم وإداواتهم" (٤) , والأحاديث في هذا المعنى كثيرة مشهورة معلومة في كتب الصّحاح (٥) والسنن والسِّير وغير ذلك. فإن قيل: إن موسى ﵊ انفلق له البحر لما ضربه بعصاه فجازه هو وأصحابه لما تبعهم فرعون وجنوده , قيل: لمحمد ﷺ أعجب من ذلك (٦) فإنه لم يحتج إلى عبور البحر بل بعض أصحابه قال: "والله لو أمرتنا أن نُخيضها البحر لأخضناها" (٧) , ولم يشترطوا انفلاق البحر وهم صادقون فيما قالوا وقد حقّق هذا الفعل بعض أصحابه في حياته وبعد موته وهو العلاء بن الحضرميّ ﵁ لما كان بالبحرين واضطر إلى عبور [ق ١٧/ظ] البحر فعبر هو وأصحابه ولم يبتل لهم ثوب , وذلك ما روى أبو هريرة ﵁ قال: "لما بعث النبي ﷺ العلاء بن الحضرميّ إلى البحرين تبعتُه

واضطر إلى عبور [ق ١٧/ظ] البحر فعبر هو وأصحابه ولم يبتل لهم ثوب , وذلك ما روى أبو هريرة ﵁ قال: "لما بعث النبي ﷺ العلاء بن الحضرميّ إلى البحرين تبعتُه

فرأيت منه خصالاً ثلاثاً لا أدري أيتهن أعجب , انتهينا إلى شاطئ البحر فقال: سموا الله تعالى واقتحِمُوا , فسمّينا واقتحمنا فعَبرنا فما بلّ الماء إلا أسافل (١) أخفاف الإبل , فلما قفلنا جُزنا معه بفلاة من الأرض وليس معنا ماء فشكونا إليه فصلّى ركعتين ثم دعا فإذا سحابة مثل الترس ثم أرخت عَزالَيْها (٢) فسَقينا واستقينا (٣) ومات فدفنّاه , فلما سرنا غير بعيد قلنا: يجيء سبع فيأكله فرجعنا فلم نره" (٤) وقد تقدمت (٥) هذه القصّة بأتم من هذا السياق عند ذكر نوح ﵊ , وكذلك قصة سعد بن أبي وقاص ﵁ فإنه لما فرغ من أمر القادسية ونزل بالمسلمين الكوفةَ ومدائن (٦) كسرى بالأجناد والرجال فافتتحوها وهرب منها أردشير (٧) فدخل المسلمون مدينة (٨) نهرشير (٩) وهي المدينة الدُنيا

في جوف الليل , فلاح لهم القصر الأبيض قال المسلمون: الله أكبر هذا أبيض كسرى الذي وعدنا الله تعالى ورسولُهُ ﷺ وتابعوا التكبير حتى أصبحوا وذلك في صفر سنة ست عشرة وكان هذا القصر الأبيض مدينة كسرى القصوى التي فيها منزله فوقف المسلمون على دجلة وطلب سعد السفن ليعبر بالناس إلى المدينة القصوى فلم يقدروا على شيء منها ووجدهم قد ضمّوا السفن فأقاموا بنهرشير أياماً يريدونه على العبور فيمنعه الإبقاء على المسلمين حتى أتاه أعلاجٌ (١) فَدلُّوهُ على مَخاضَةٍ فأبى وتردّد عن ذلك وفجئهم المَدُّ فرأى رؤيا أن خيول المسلمين اقتحمتها فعبرت وقد أقبلت يعني دجلة من المدّ بأمر عظيم فعزم لتأويل رؤياه على العبور فجمع سعدٌ الناسَ فحمد الله وأثنى عليه وقال: إن عدوّكم قد اعتصم منكم بهذا البحر فلا تخلصون إليهم وهم (٢) يخلصون إليكم إذا شاءوا فَيُناوشونكم (٣) (٤) في سُفنهم وليس وراءكم [ق ١٨/و] شيء تخافون أن تُؤتَوا منه وإنّي قد عزمت على قطع هذا البحر إليهم , فقالوا جميعاً: عزم الله لنا ولك على الرّشد فافعل , فندَب سعدٌ (الناسَ) (٥) للعبور فقال: من يبدأ ويَحمي لنا العِرَاصَ (٦) حتى يَتلاحق به الناس لكي لايمنعوهم من

يعاً: عزم الله لنا ولك على الرّشد فافعل , فندَب سعدٌ (الناسَ) (٥) للعبور فقال: من يبدأ ويَحمي لنا العِرَاصَ (٦) حتى يَتلاحق به الناس لكي لايمنعوهم من الخروج فانتدب له عاصم بن عمرو (٧) وانتدب (له) (٨) ستمائة رجل من أهل النجدَات فاستعمل عليهم عاصماً فسار بهم حتى وقف على شاطئ دجلة ثم قال: من ينتدب معي يمنع العراص من عدوّكم فانتدب له ستون منهم فجعلهم نصفين على خيول إناث وذكور ليكون أسلس لعَوْم الخيل إذا اقتحموا دجلة فلما رأى سعد عاصماً على العراص قد منعها أذن للناس في الاقتحام وقال: قولوا نستعين بالله ونتوكّل عليه ,

حسبنا الله ونعم الوكيل , لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم , وتلاحق عظم الجند فركبوا اللجة وإنَّ دجلة لترمي بالزَّبد وإنّها لمسودّة وإن الناس ليتحدّثون في عومهم وقد اقترنوا كما يتحدّثون في مسيرهم على الأرض ففجئوا أهلَ فارس بأمرٍ لم يكن في حسابهم فَأجهَضُوهم وأعجلوهم عن جُمهور أموالهم (١) ودخلها المسلمون واستولوا على كل مابقي في بيوت كسرى من الثلاثة ألف ألف ألفٍ وما جمع شِيرِينُ ومَن بعده (٢) , وروى أبو بكر بن حفص بن عمر قال: "الذي كان يُساير سعداً في الماء سلمان الفارسي ﵄ فعامَتْ بهم الخيل وسعد يقول: حسبنا الله ونعم الوكيل , والله لينصرن الله وليَّه وليظهرنّ دينه , وليهزمنّ عدوَّه , وإن يكن في الجيش بغي وذنوب تغلبُ الحسناتُ , فقال سلمان: إن الإسلام جديد ذلَّل لهم والله البحارَ كما ذلّل لهم البَرّ , أمَا والذي نفس سلمان بيده ليَخرُجُنّ أفواجاً كما دخلوه أفواجاً , وطبَّقُوا (٣) الماء حتى ما يُرى الماءُ من الشاطئ , ولهم فيه أكثر حديثاً منهم في البَر , فخرجوا منه لم يفقدوا شيئاً ولم يغرق منهم أحد" (٤) , وعن حبيب ابن صُهْبَان (٥) قال: "شهدتُ القادسية -قال: - فانهزَمُوا حتى أتوا المدائن وتبعناهم -قال: - فانتهينا إلى دجلة وقد قطعوا الجسور وذهبوا بالسفن فانتهينا إليها وهي تَطْفَح فأقحم رجل (٦) منّا فرسَه وقرأ ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ [ق ١٨/ظ] كِتَابًا مُؤَجَّلًا﴾ [آل عمران: من الآية ١٤٥] قال: فعبر ثم تبعه النّاس أجمعون فعبروا فما فقدوا عِقالاً ما عدا رجلاً منهم انقطع قَدحٌ له كان معلّقاً بسَرْجه فرأيته يدور في الماء , قال: فلما رأونا انهزموا من غير قتال فبلغ سهم

ون فعبروا فما فقدوا عِقالاً ما عدا رجلاً منهم انقطع قَدحٌ له كان معلّقاً بسَرْجه فرأيته يدور في الماء , قال: فلما رأونا انهزموا من غير قتال فبلغ سهم

الرجل منا ثلاث عشرة دابة وأصابوا من الجامات (١) الذهب والفضة فكان الرجل منا يَعرِض الصحفة (٢) الذهبَ يبدلها بصحفة (٣) من فضة يُعجبه بياضُها فيقول: من يأخذ صفراء ببيضاء (٤) , وعن أبي عثمان النهدي (٥) قال: سَلِمُوا من عند آخرهم إلا رَجل من بَارِق (٦) يُدعى غَرْقَدة (٧) زال عن ظهر فرس له أشقر كأني انظر إليها تَنفُضُ أعرافَها (٨) (٩) عُرْياً والغريق طافي فثنى القعقاعُ بن عمرو (١٠) عنان فرسه إليه وأخذه بيده فجرَّه حتى عبر قال:

وما ذهب لهم في الماء شيء إلا قدح كانت علاقته رثَّةً (١) , فانقطعت , فذهب به الماء , فقال الرجل الذي يعاومه صاحبُ القدح: أصابه القدرُ -معزِّياً له- فقال: والله إنِّي لعلى طريقة ما كان (الله) (٢) ليَسلُبَني قدحي من بين أهل العسكر , فلمّا عبروا إذا رجل ممن كان يحمي (٣) العراصَ وإذا (بالقدح) (٤) قد ضربته الرّياح والأمواج حتى وقع إلى الشاطئ فتناوله برمحه فجاء به إلى العسكر يعرّفه وأخذه صاحبه (٥) , وعن عمير الصائدي (٦) قال: "لما أقحم سعدٌ الناسَ في دجلة اقترنوا , فكان سلمانُ قرين سعدٍ إلى جانبه يسايره في الماء , فقال سعد: ذلك تقدير العزيز العليم , والماء يطمُو (٧) بهم وما يَزال فرسٌ يستوي قائماً قد أعيا , تنشِزُ له تَلْعَةٌ (٨) فيستريح عليها كأنه على الأرض , فلم يكن في المدائن أمر أعجب من ذلك , ولذلك كان يدعى يوم الجراثيم لا يعيي أحدٌ إلا نشزت (له) (٩) جرثومة (١٠) يُريح عليها , وقال حبيب بن صُهبان (١١): لمّا عبر المسلمون يوم المدائن دجلة فنظر الفُرسُ إليهم وهم يعبرون فجعلوا يقولون بالفارسية: ديوانان (١٢) يعنون أنّ هؤلاء مجانين , وقال بعضهم: والله إنكم لم تقاتلوا الإنس وما تقاتلون إلا الجنّ فانهزموا (١٣) , فهذا في الفضيلة لنبينا محمد ﷺ أعظم من الفضيلة لموسى ﷺ في

ؤلاء مجانين , وقال بعضهم: والله إنكم لم تقاتلوا الإنس وما تقاتلون إلا الجنّ فانهزموا (١٣) , فهذا في الفضيلة لنبينا محمد ﷺ أعظم من الفضيلة لموسى ﷺ في

عبور [ق ١٩/و] البحر , فإنّ ذلك كان في صحبة موسى وأخيه هارون وهما اللذان تقدَّما القومَ , وهذا كان من أصحاب محمّد ﷺ بعد موته بمدّة , وأيضاً فإن التغرير بالنفس في خوض دجلة مع شدّة جريانها وعظم طغيانها أعظم من اقتحام البحر مع سكونه وعدم (١) جنونه , وأيضاً فإن موسى وأصحابه إنما دخلوا البحر لما ضربه موسى ﵇ بعصاه فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم وظهرت أرض البحر فمشوا عليها كما قال (الله) (٢) تعالى: ﴿فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى﴾ [طه: من الآية ٧٧] فلما تبعهم فرعون بجنوده أطبقه الله عليهم وأغرقهم ونجى موسى وأصحابه , وأيضاً فإنّ أصحاب موسى ﵊ عبروا البحر وهم مطلوبون خائفون كما قال تعالى عنهم قالوا: ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ [الشعراء: من الآية ٦١] , وأصحاب محمد ﷺ كانوا طالبين لعدوّهم , وفرق عظيم بين من يغرّر بنفسه في طلب عدوّه ليقتله وبين من يغرّر بنفسه فارًّا منه في طلب النجاة لئلّا يقتله , وأيضاً فمشي أصحاب محمد ﷺ على وجه الماء أعظم من مشي أصحاب موسى ﵊ على أرض البحر اليابسة , فإن المشي على الأرض شيء معتاد معروف بخلاف المشي على وجه الماء. فأما توريث الله تعالى لموسى ﵊ وأصحابه أموال فرعون وقومه كما قال تعالى: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا﴾ [الأعراف: من الآية ١٣٧] فليس هذا بأعظم مما ورّث الله تعالى أصحاب محمد ﷺ إكراماً لمحمد ﷺ , فإن الأرض التي أُورثها موسى وقومه هي أرض فرعون التي كان يحكم فيها لا جميع الأرض التي خلق الله تعالى بدليل قوله: ﴿الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾ [الأعراف: من الآية ١٣٧] وليس كل الأرض بارك الله فيها , وقد أورث الله تعالى أصحاب محمد ﷺ من آل كسرى ما لا يعد ولا يحصى من الذهب والفضّة والجواهر والأمتعة والفرش والأواني والعُدد والسلاح والدوابّ إلى غير ذلك من سائر أنواع الجواهر

والمزارع والأملاك وغير ذلك , وحُمل ذلك أو معظمه إلى عمر (١) ﵁ فلما رآه قال: إنّ قوماً أدَّوا هذا لَذَوُو أمانة , فقال له علي ﵁: إنك عَففت [ق ١٩/ظ] فعفّت الرعيّة (٢) , وقال جابر بن عبدالله ﵄: "والله الذي لا إله إلا هو ما اطّلعنا على أحد من أهل القادسية وما بعدها من المدائن أنّه يريد الدنيا والآخرة ولقد إئتمنا ثلاثة نفر فما رأينا مثل أمانتهم وزهدهم وهم: طُليحة بن خويلد (٣) , وعمرو بن معدي كرب (٤) , وقيس بن المكشوح (٥) (٦) " (٧) , وكان من جملة ما أصابوه أسفاط (٨) فيها تاج كسرى وحلته ووشاحه ودرعه التي كان يلبس للمباهاة والثياب التي كان يلبس من الديباج المنسوج بالذهب

المنظوم بالجوهر , وأصابوا أيضاً عَيُبَتَيْنِ (١) في غِلافين (٢) , في الواحد منهما خمسة أسياف وفي الأخرى ستة أسياف وأدراع فيها درع كسرى ومغفره (٣) وساقاه وساعده ودرع هرقل ودرع خاقان (ودرع دَاهِر (٤)) (٥) ودرع بهرام (٦) ودرع سِيا خُرْس (٧) ودرع النعمان (٨) كانوا سَبَوْها أيام عزِّهم , فبعث بذلك إلى عمر ليراه المسلمون ويسمع بذلك العرب , ومما وُجد أيضاً سَفَطانِ في إحداهما فرس من ذهب مسرّج بسرج من فضة على ثفره (٩) ولبته (١٠) الياقوت والزمرّذ (١١) منظوماً ولجام كذلك وفارسُه من فضة مكلّل بالجوهر , وسَفط فيه ناقة من فضّة عليها شليلٌ (١٢) من ذهب زمامُها من ذهب وكل ذلك منظوم بالياقوت والجوهر وعليها رجل من ذهب مكلل بالجوهر كان (١٣) كسرى يضعهما إلى

وسَفط فيه ناقة من فضّة عليها شليلٌ (١٢) من ذهب زمامُها من ذهب وكل ذلك منظوم بالياقوت والجوهر وعليها رجل من ذهب مكلل بالجوهر كان (١٣) كسرى يضعهما إلى

اسطوانتي التاج , وأقبل رجل بِحُقّ إلى صاحب الأقْباض, في ذلك الحُقّ صنوف من نفيس الجوهر , فقال له صاحب الأقباض ومن كان معه: ما رأينا مثل هذا قط ولا يَعدله ما عندنا ولا يقاربه , وقال للرجل: هل أخذتَ منه شيئاً فقال: أما والله لولا الله ما أتيتُكم به فعرفوا أن للرجل شأناً , فقالوا له: مَن أنت؟ قال: لا والله (لا) (١) أُخبركم , فأتبعوه رجلا حتّى انتهى إلى أصحابه فسأل عنه فإذا هو عامر بن عبدقيس (٢) (٣). وأيضاً (٤) فإنّ قهر أصحاب موسى ﵇ لفرعون وقومه كان بما أطبقه الله تعالى عليهم من البحر وإغراقهم وقهر أصحاب محمد ﷺ لكسرى وقومه كان بمباشرتهم وسيوفهم ورماحهم وقوّتهم وأسلم من أسلم واستسلم على الجزية والصَّغار [ق ٢٠/و] مَن استسلم فكان أبلغ في النكاية على العدوّ وأعظم لظهور الإسلام وأدحر (٥) لمعالم الكفر والطغيان , فأصحاب موسى ﵇ كانوا فارّين من عدوّهم وأصحاب محمد ﷺ كانوا طالبين لعدوّهم وفرق بين هؤلاء وهؤلاء والله يؤيد بنصره من يشاء , وكان ذلك أبلغ مما لو أهلكهم جميعاً فإنه أبقى في أعقابهم الذّلّ والصَّغار ليُعتبر بهم , وجعل ما يؤخذ منهم قوّة للمسلمين وزيادة في أموالهم واستمراراً للذلّة (٦) في عدوّهم , ثم إنّ ما علمنا أنّ المسلمين غنموه (٧) من آل كسرى أعظم مما علمنا أن أصحاب موسى ﵊ غنموه من آل فرعون وذلك أن سعداً ﵁ لمّا قسم المغانم بين العسكر جمع

, ثم إنّ ما علمنا أنّ المسلمين غنموه (٧) من آل كسرى أعظم مما علمنا أن أصحاب موسى ﵊ غنموه من آل فرعون وذلك أن سعداً ﵁ لمّا قسم المغانم بين العسكر جمع

كل شئ (أراد) (١) أن يتعجّب منه عمر من ثياب كسرى وحليه وسيفه وغير ذلك مما كانت العرب تعجب أن يقع إليهم (٢) ويصير بأيديهم , فمن ذلك أنه أخرج بساطاً يعرف بالقطيف (٣) مقدار سَعته جريبٌ أرضُهُ مُذهبَةٌ فيه صور (٤) مختلفة ووشي وفصوص كالنُوار (٥) في خلالها صُور النخل والشجر وفي حافاتها طُرْزٌ كالأرض المزروعة والأرض المُبقِلة بالنبات في الربيع معمولاً بالحرير وعليه قضبان من ذهب ونُواره معمول بالذهب والفضة وغرائب الألوان البديعة , كان كسرى يبسطه في الشتاء إذا ذهب النوار والرياحين ويَشرب عليه مع رجاله كأنهم في روضةٍ , فلم تَعتدل قسمته فقال سعد للمسلمين: هل لكم في أن تطَّيبوا نَفْساً على أربعة أخماسه ونبعثه إلى عمر ليضعه حيث يرى فإنا (٦) لا نراه تتّفق قسمته علينا وهو قليل بيننا وسيقع من أهل المدينة موقعاً فقالوا: نعم (٧) , وبعث به سعد إلى عمر ﵄ فلما قدم عليه بالمدينة جمع الناس فاستشارهم بالبساط وأخبرهم خبره فمن بين مُشير عليه بقبضه وآخر مُفوِّض إليه وآخر متوقف فقام علي ﵁ فقال له: إنه ليس لك من الدنيا إلا ما أعطيت فأمضيت , أو لبست فأبليت , أو أكلت فأفنيت , فقال: صدقتني , فقطَّعه وقسمه بين الناس وقال: إن الأخماس يُنفِّل منها (٨) من شهد ومن غاب من أهل البلاء فأصاب عليّاً (٩) قطعةٌ من البساط فباعها بعشرين ألفاً وما هي بأجود تلك القطع (١٠) [ق ٢٠/ظ] ولما أُتي (١١) عمر ﵁ بحلي كسرى

ن شهد ومن غاب من أهل البلاء فأصاب عليّاً (٩) قطعةٌ من البساط فباعها بعشرين ألفاً وما هي بأجود تلك القطع (١٠) [ق ٢٠/ظ] ولما أُتي (١١) عمر ﵁ بحلي كسرى

وزيّه في المباهاة وزيّه في غير المباهاة وكان له عند كل حالة زيّ قال: عَلَيَّ بمُحَلِّمٍ (١) , وكان من أجسم عربي يومئذ بالمدينة , فأُلبس تاجَ كسرى على عمودين وخشب , ثم صبّ عليه أوشِحَتُه وقلائده وثيابه وأجلس للناس , فنظر إليه عمر والناس معه فرأوا أمراً عظيماً من أمر الدّنيا وفتنتها , ثم قام عن ذلك فألبس زيّاً آخر فنظروا إلى مثل ذلك في غير ما نوع , ثم ألبس سلاحه وقلّد سيفه فنظروا إليه في ذلك , ونفّل عمر ﵁ مُحَلِّماً سيف كسرى وقال: أحمِق بامرئٍ من المسلمين غرّته الدنيا هل يبلغنّ مغرور منها إلا دون هذا ومثلَه (٢)؛ فهذا الذي أوتي محمد ﵊ أعظم مما أوتي موسى ﵊ من فلق البحر وميراث آل فرعون , ثم إن أصحاب محمد ﷺ لما فرغوا من هذه الغزوة وبعثوا الأموال إلى عمر ﵁ توجّهوا إلى غزوة أخرى وهي الوقعة المعروفة بجَلُولاء وغيرها لا يَشغلهم ما أصابوا من الأموال والأنفال عن غزو أعداء الله تعالى والجهاد في سبيل الله تعالى , وقوم موسى ﵊ لمّا نجوا من البحر أتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم فقالوا: يا موسى اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة , قال: إنكم قوم تجهلون , إنّ هؤلاء متبّر ماهم فيه وباطل ما كانوا يعملون , وأصحاب (محمد) (٣) ﷺ لما فرغوا من أمر الفرس وانتهى سعد ﵁ إلى إيوان (٤) كسرى ورأى المدائن وخُلُوَّها وما تركوا فيها فقرأ: ﴿كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٢٥) وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (٢٦) وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ (٢٧) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ﴾ [الدخان: ٢٥ - ٢٨] فصلى سعد ﵁ في الإيوان صلاة (٥) الفتح ثمان ركعات لا يفصل بينهنّ (٦) , وأتم الصلاة

يوم دخل المدائن لأنه أراد المقام بها , وكانت أول جمعة جمعت بالمدائن , واتّخذ سعد ﵁ الإيوان مصلّى للأعياد واتخذ فيه منبراً؛ فقد تبين فضل محمد ﷺ على موسى ﷺ وفضل أمّة محمد ﷺ على أمة موسى ﷺ , وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلاً. فإن قيل [ق ٢١/و]: إنّ موسى ﵊ أتى فرعون وقومَه بالعذاب الأليم الجراد والقمل والضفادع والدّم على ما أخبر الله تعالى في كتابه , قلنا: نعم هو كذلك وكان لموسى ﵊ من المنزلة أعظم من هذا , ولكن لمحمّد ﷺ أعظم من ذلك , فإنّ قريشاً لمّا عتوا وتجبّروا ولم يجيبوا (١) إلى الإسلام دعا عليهم محمد ﷺ أن يعينه عليهم بسنين كسني يوسف فقال: «اللهم اشدد وطأتك على مُضَر واجعلها عليهم سنين كسني يوسف» (٢) , فتوالت عليهم السنون بالجَدْب حتى أكلوا العظام والجيف وكان أحدهم ينظر فيما بينه وبين السّماء فيرى كهيئة الدّخان قال الله تعالى: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (١٠) يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الدخان: من الآية ١١] (فقالوا) (٣): ﴿رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ﴾ [الدخان: ١٢] فقال الله تعالى: ﴿إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ (١٥) يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ﴾ [الدخان: ١٥ - ١٦] يعني: يوم بدر فإنه لما كشف عنهم العذاب في الأولى عادوا إلى كفرهم فسلّط الله تعالى عليهم رسوله ﷺ فانتقم منهم بأن جعل هلاكهم بسيفه , فشفى صدره وصدور (٤) المؤمنين منهم (٥).

ا كشف عنهم العذاب في الأولى عادوا إلى كفرهم فسلّط الله تعالى عليهم رسوله ﷺ فانتقم منهم بأن جعل هلاكهم بسيفه , فشفى صدره وصدور (٤) المؤمنين منهم (٥).

فإن قيل: إن موسى ﵇ أنزل الله عليه وعلى قومه المن والسلوى وظلّل عليهم الغمام , قلنا: لمحمّد ﷺ أفضل من ذلك فإنّ المنّ والسلوى رزق رزقهم الله تعالى كُفُوا فيه السّعي والاكتساب على ماكانوا قد منعوا منه من الطيبات كما قال الله تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ [النساء: من الآية ١٦٠] وكانوا لما أنزل الله تعالى عليهم المن والسلوى محصورين في التّيه يتيهون , فهي (١) نعمة في طيّ نَقِمَةٍ تفضّلاً من الله تعالى عليهم , فإنه ذو مغفرة للناس على ظلمهم ولا يمنع عاصياً رزقَه المكتوب له لأجل معصيته , فإنه لابدّ له من القوت أيّام حياته مطيعاً وعاصياً. فأما محمّد ﷺ (فإنه) (٢) ما أملق (٣) أصحابه أو عطشوا إلا دعا لهم (٤) بالبركة في الطعام والشراب حتى يكتفوا ويفضل عنهم وكان في ذلك [ق ٢١/ظ] فضيلة أخرى وهي جعل البركة في القليل حتى يكفي النفر الجليل , فقد كان يصيب أصحابَه الفاقَةُ في غزواتهم ويَقلّ عليهم الطعام والماء فيدعو بما يكون قد بقي معهم من ذلك , فيوجَد الشيء اليسير فيدعو فيه فيبارَك فيه حتى يأكلوا ويشربوا ويكتفوا ويفضل منهم (٥) كما هو مستفيض في المنقول , وأحلّ لهم الغنائم ولم يحلّ لأحد كان قبلهم رحمةً لهم ولطفاً بهم لأنّه رأى ضعفهم فأحلّها (٦) لهم وقوّاهم بها على عدوّهم وعلى أمور دينهم ودنياهم , فأدّوا الأمانة فيما أمروا به من اجتناب الغلول (٧) وحمل ما يحصل من الغنائم إلى الإمام ورضاهم بما يحصل لهم بالقسمة كما ذكرنا من خبر قيس بن سعد (٨) حين وَجَدَ الحُقَّ

فيما أمروا به من اجتناب الغلول (٧) وحمل ما يحصل من الغنائم إلى الإمام ورضاهم بما يحصل لهم بالقسمة كما ذكرنا من خبر قيس بن سعد (٨) حين وَجَدَ الحُقَّ

الذي فيه من الأموال ما تستغني به عِدَةُ أهل أبياتٍ غِنَى الأبد فردَّهُ وقال لهم: لولا الله ما رأيتموه؛ وأما قوم موسى ﵇ فإنه يكفل لهم بأن المنّ (١) والسلوى ينزل عليهم كل يوم قدر كفايتهم وأمرهم أن لا يدّخروا شيئاً فخانوا وخالفوا (٢) وادخروا فأنتن ما ادخرُوا وَدَادَ (٣) وفسد فقطعه الله تعالى عنهم كما جاء في الحديث: «لولا بنوا إسرائيل لم يخنز اللحم وَلولا حوّاء لم تخن أنثى زوجَها الدهرَ» (٤) فأين هؤلاء من هؤلاء؟ ! وأبلغ من ذلك أنّ أصحاب محمد ﷺ كانوا يخرجون في غزواتهم فيحصل لهم الحاجة فيجدون ما يكفيهم ويفضل كالذين خرجوا إلى ساحل البحر وقلّت أزوادهم فوجدوا حوتاً قد قذفه البحر فأكلوا منه شهراً وادّهنوا حتى سمنوا (٥)؛ وأما دعاؤه ﷺ لأحاد من الناس بالبركة ونحو ذلك فيضيق الوقت عن حصْرِه كَعُكّة (٦) أم سُلَيم التي أهدت له (فيها) (٧) سمناً

فردّها ولم يعصرها فكانت كلّما أرادت (١) سَمْناً أخذت منها حتى عصَرتها ففني فقال ﷺ: «لو لم تَعصرها لأخذَتْ منها وقام لها أدم بيتها ... » الحديث (٢) , وكجراب أبي هريرة ﵁ الذي كان فيه دون عشرين تمرة فدعا فيه بالبركة فأكل وجهّز في سبيل الله كذا وكذا وسقا وبقي يأكل منه ويطعم إلى أن قتل عثمان [ق ٢٢/و] بن عفّان ﵁ ففقد الجراب في تلك الواقعة (٣) , وكشعير عائشة ﵂ الذي دعا فيه فكانت تأكل منه حتى كالته ففني (٤) وهذا باب واسع؛ وأيضاً فإنّ بني إسرائيل لمّا رزقوا المنّ والسّلوى كانوا (٥) محجوراً عليهم في التّيه , معاقَبين (٦) على مخالفة الأمر بالدخول إلى الأرض المقدّسة لما احتجوا بأنّ فيها قوماً جبّارين , فقالوا: إنّا لن ندخلها أبداً ماداموا فيها , وقالوا لموسى: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون , فحرمها عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض , فجعلهم يتيهون في أرض التّيه تلك المدّة , فهذا كان حالهم لما أنزل الله تعالى عليهم المن والسلوى وأصحاب نبيّنا ﷺ لمّا أمرهم بالقتال قالوا: اوْمُرْنا بما شئت فوالله لو

أمرتنا أن نخيضها البحر لأخضناها , ولو أمرتنا أن نضرب أكبادها إلى برك الغماد لفعلنا , إنّا لا نقول كما قال أصحاب موسى لموسى: اذهب أنت وربّك فقاتلا (إنّا هاهنا قاعدون , بل نقول: اذهب أنت وربك فقاتلا) (١) إنا معكم مقاتلون (٢) , وقد تقدم هذا المعنى؛ فكان ما أعطي أصحاب موسى ﵇ في مقام الرحمة , وما أعطي أصحاب محمد ﷺ في مقام الكرامة والنعمة. فإن قيل: إن موسى ﵇ أعطي العصا لما حضرت السّحرة وألقوا حبالهم وعصيّهم ألقى موسى ﵇ عصاه فتلقفت ما صنعوا واستغاث فرعون بموسى (٣) ﵇ رهبة وفرقاً منها , قيل: فقد أُعطي (٤) محمد ﷺ أعظم من ذلك , وذلك أن أبا جهل بن هشام قال: يا معشر قريش إن محمّداً قد أبى إلا ماترون من عيب ديننا , وشتم آبائنا , وتسفيه أحلامنا , وسبّ آلهتنا , وإني أعاهد الله لأجلسنَّ له بحجر قدر ما أطيق حَمله , فإذا سجد في صلاته رضخت به رأسَه , فأسلموني (عند ذلك) (٥) أو امنعوني , فليصنع بنو عبد مناف ما بدا لهم , قالوا: لا والله لا نُسْلِمُكَ لشيء أبداً فاصنع ما تريد , فلما أصبح أبو جهل أخذ حجراً كما وصف وجلس لرسول الله ﷺ , وغدا رسول الله ﷺ كما كان يغدو , فقام يصلّي وقد قعدت قريش في أنديتهم [ق ٢٢/ظ] ينتظرون ما أبو جهل صانع , فلما سجد رسول الله ﷺ احتمل أبو جهل الحجر ثم أقبل نحوه حتى إذا دَنا منه رجع مَبْهوُتاً , مُنتقعاً لونه مَرْهُوباً , قد يبسَتْ يداه على حجره حتى قذف الحجر من يده , وقامت (٦) إليه رِجَالاتُ قريش وقالوا: مالك يا أبا الحكم؟ قال: قمت إليه لأفعل به ما قلتُ لكم البارحة , فلما دنوت منه عَرض لي دونه فحل من الإبل , (لا) (٧) والله ما

ه رِجَالاتُ قريش وقالوا: مالك يا أبا الحكم؟ قال: قمت إليه لأفعل به ما قلتُ لكم البارحة , فلما دنوت منه عَرض لي دونه فحل من الإبل , (لا) (٧) والله ما

رأيت مثل هامته ولا قَصَرته ولا أنيابه , فهمّ أن يأكلني , فيُذكر أنّ رسول الله ﷺ قال: «ذاك جبريل لو دنا منّي لأخَذَه» (١) , وفي رواية أخرى: فلمّا أتاه وهو ساجد رفع يده وفيها الفِهرُ ليَدْمغ رسولَ الله ﷺ (زعم) (٢) , فيبست يده على الحجر (٣) , فلم يستطع إرسال الحجر من يده , فرجع إلى أصحابه فقالوا: أجَبُنتَ عن الرجل؟ ! فقال: لم أفعل , ولكن هذا في يدي لا أستطيع إرسالَه , فعجبوا من ذلك فوجدوا أصابعه قد يبست على الحجر فعالَجوها حتى خلصوها وقالوا: هذا شيء يُراد (٤) , وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال أبو جهل (٥): هل يغفّر محمّدٌ وجهه بين أظهركم , فقيل: نعم , (فقال) (٦): واللات والعزّى لئن رأيته يفعل ذلك لأطأنّ على رقبته أو لأعفِّرنَّ وجهه في التراب -قال-: فأتى رسولَ الله ﷺ وهو يصلي زعم لِيَطَأ على رقبته , فما فجئهم منه إلا وهو ينكص على عقبيه ويتّقي بيديه (٧) -قال-: فقيل له: مالك , قال: إنّ بيني وبينه لخندقاً من نار وهَولاً وأجنحةً , فقال رسول الله ﷺ: «لو دَنا مني لاختطفته الملائكة عُضواً عضواً ... » الحديث (٨)؛ فكيد سحرة فرعون وإن كان عظيماً فإنه كان لأجل فرعون إما رغبة وإمّا رهبة فلا يوازي كيد أبي جهل إذ كان يجهد لنفسه بنفسه في أذى رسول الله ﷺ ليَشفي غيظ قلبه منه , وليس من يسعى ويجهد لغيره في القوّة كمن يسعى لنفسه , ثم إن من نُصر به محمد ﷺ كان جبريل والملائكة عليه وعليهم السلام كما قال رسول الله ﷺ: «لو دنا منّي لاختطفتهُ الملائكةُ [ق ٢٣/و] عضواً عضواً» (٩) ,

Bagian 2 dari 8