— Bagian 3 · ه , ثم إن من نُصر به محمد ﷺ كان جبريل والملائكة … —
Bagian 3
ه , ثم إن من نُصر به محمد ﷺ كان جبريل والملائكة عليه وعليهم السلام كما قال رسول الله ﷺ: «لو دنا منّي لاختطفتهُ الملائكةُ [ق ٢٣/و] عضواً عضواً» (٩) ,
فهو أعظم مما نُصِر به موسى ﵊ فإنه كان الثعبان المنقلب عن العصا وبينه وبين جبريل بَوْنٌ [بعيد] (١) عظيم. فإن قيل: انقلاب العصا الجماديّة ثعباناً حيّاً آية عظيمة وفضيلة جسيمة لموسى ﵇ , قيل: لمحمد ﷺ أمثالها وأعظم فإنه قد سبّح الحصى في يده وفي يد أصحابه (٢) فهذه حياة في جمادٍ ونطق بتسبيح يسمعه من حَضر , وكذلك سبح الطعام وهو يؤكل بحضرته (٣) , والأحجار قد سلمت عليه (٤) , والأشجار قد دعاها فأقبلت إليه (٥) , وكذلك العذق دعاه فنزل من رأس النخلة ينقز حتى وقف بين يديه فشهد برسالته ثلاثاً
ثم عاد ينقز إلى مكانه (١) , وكذلك حنّ الجذع اليابس إليه حين فارقه فلمّا جاءه واحتضنه سكن (٢). فإن قيل: إن موسى ﵇ لما وفد بخيار قومه وهم سبعون نَفْساً إلى الله تعالى وكانوا من أفاضلهم فلمّا صاروا في البَرِّيَّةِ غلب رَوحُ القُرْبة على قلبه , وتحقق صدق الإجابة , وظاهَرَهُ قوة الوصول , أسرَعَ إلى ربّه ناسياً لقومه لما وجد من الوله قاصداً للمناجاة فقال الله تعالى (له) (٣): ﴿وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَامُوسَى﴾ [طه: ٨٣] فقال: ﴿هُمْ أُولَاءِ عَلَى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى﴾ [طه: من الآية ٨٤] , وهذه حالة شريفة خصّ بها موسى ﵊ دون سائر المرسلين ﵈ , عبّر عن نفسه ودلّ على قصده ومراده , قيل: إنّ الله عظّم شأن محمّد ﷺ في آيتين أعلمه (فيهما) (٤) رضاه عنه وأعطاه سؤله ومناه من غير سؤال منه ولا رغبة تقدمت منه فقال تعالى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾ [البقرة: من الآية ١٤٤] , وقال في الآية الأخرى: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ [الضُّحى: ٥] فمنحه رضاه وأعطاه مُناه في جميع مايهواه ويتمنّاه , وغيرُه من الأنبياء ﵈ سألوا وطلبوا رضى مولاهم , وفي حديث عائشة ﵂ أنها قالت: "لما أنزلت هذه الآية: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ [الأحزاب: من الآية ٥١] قلتُ:
اهم , وفي حديث عائشة ﵂ أنها قالت: "لما أنزلت هذه الآية: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ [الأحزاب: من الآية ٥١] قلتُ: ما أرى ربّك إلا يسارع في هواك" (٥) , وخصه مع الرضى بالرحمة والرأفة [ق ٢٣/ظ] فقال: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ ... ﴾ الآية [آل عمران: ١٥٩] وكان رقيق القلب , وأمر الله تعالى
موسى ﵇ بالملاينة لفرعون لما كان فيه من الفظاظة والغلظة وقال له ولأخيه: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا﴾ [طه: من الآية ٤٤] , وذكر عن محمّد ﷺ الملاينة والرأفة وأمره بضدّها فقال: ﴿وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: من الآية ٧٣] وإنّ لكلّ مقام مقالاً , والذي اشتهر من حال موسى ﵊ الحدّة وقلة التماسك عند ورود الملمات عليه كما فعل في إلقاء الألواح وفي أخذه برأس أخيه ولحيته وجرّه إليه , وروى زيد بن (أسلم) (١) عن أبيه: "أن موسى ﵇ كان إذا غضب اشتعلت قلنسوته ناراً" من شدّة غضبه ذكره الثعلبي (٢) , ومحمد ﷺ بُولغ في أذاه وفي خِلافه (٣) وعداوته حتى ألقوا على ظهره السَّلا والفرث والدّم وهو ساجد , وضربوه حتّى أدموه إلى غير ذلك من أصناف الأذى فعلاً وقولاً , فقال: «اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون» (٤) , فكان عاقبة الصّبر النصر , وأثنى الله تعالى عليه ﷺ في سَعَةِ خُلقه وحسن سيرته وجميل صبره فقال: ﴿وَإِنَّكَ (٥) لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤]؛ وأما شوقهُ ﷺ إلى ربّه تعالى ولقائه (فإنّه) (٦) حين جاءه (٧) نصر الله والفتح ودخل الناس في دين الله أفواجاً , وأكمل له الدّين وأتم عليه النعمة , وكان العيش عند ذلك مطلوباً وطول البقاء في الدنيا محبوباً مَرِض فَخُيّر بين الحياة وبين لقاء رَبّه , فاختار لقاء ربّه ولم يزل يقول: «الرفيق الأعلى» (حتى) (٨) قُبض ﷺ (٩) , وموسى
وطول البقاء في الدنيا محبوباً مَرِض فَخُيّر بين الحياة وبين لقاء رَبّه , فاختار لقاء ربّه ولم يزل يقول: «الرفيق الأعلى» (حتى) (٨) قُبض ﷺ (٩) , وموسى
عليه الصلاة والسلام لمّا حضره ملك الموت ليقبض رُوحَه لطمه ففقأ عينه كما ثبت ذلك في الصحيح , فرجع ملك الموت (إلى ربّه) (١) فقال: "ياربّ إنّك أرسلتني إلى عبد لك لايحب الموت وقد فقأ عيني فردّ الله عليه عينه ... " الحديث (٢)؛ ثم أين أصحاب موسى الذين اختارهم لميقات ربّه ثم تهجّموا على ربهم فقالوا لموسى: لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة , فأخذتهم الصاعقة فماتوا جميعاً فقال [ق ٢٤/و] موسى: رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإيّاي , أتهلكنا بما فعل السفهاء منا , رب كيف أرجع إلى بني إسرائيل (٣) وقد أهلكت خيارهم , فلم يزل موسى يناشد ربَّه حتى أحياهم الله ﷿ (جميعاً) (٤) رجلاً بعد رجل ينظر بعضهم إلى بعض (٥) كيف يُحيَوْن فذلك قوله ﷿: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: ٥٦] (٦) فهؤلاء الذين اختارهم موسى من قومه , وقد روى أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا راح منّا إلى الجمعة سبعون رجلاً كانوا كالسبعين الذين وفدوا مع موسى ﵇ وأفضل» (٧) , وأما أصحاب محمد ﷺ فإن الإيمان كان أرسخ في (٨) قلوبهم من الجبال الراسيات , منهم من يغرر بنفسه ومالِه في نصرة الدين , ومنهم من يهجر ولده , ومنهم من يطلق زوجته , ومنهم من يقتل قريبه ونسيبه , ومنهم مَن يُعْرَض على القتل فيختار القتل والموت على الإسلام
في نصرة الدين , ومنهم من يهجر ولده , ومنهم من يطلق زوجته , ومنهم من يقتل قريبه ونسيبه , ومنهم مَن يُعْرَض على القتل فيختار القتل والموت على الإسلام
ولا يكفر , ومنهم من يُعَذّب بأنواع العذاب كصهيب وبلال ﵄ وأرضاهما ونحوهما , ومنهم من يقول: ولست أبالي حين أُقتل مسلماً ... على أيّ جنب كان في الله مصرعي وذلك في ذات الإله وإن يشأ ... يبارك على أوصال شلو ممزّع (١) وهو خُبَيب ﵁ إلى غير ذلك من أحوال كثير من أصحاب محمد ﷺ ومن بعدهم ﵃ أجمعين. فإن قيل: قد أكرم الله تعالى موسى ﵊ بأن ألقى له المحبة في القلوب وكان بين عينيه نور لاينظر إليه أحد إلا أحبّه قال الله تعالى: ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾ [طه: من الآية ٣٩] وهذا أحد الأقوال في هذه المحبّة وهو الوارد في هذا المكان , قيل: إنما كان ذلك في صغره لشدّة الحاجة إلى ذلك , لأنه ﵊ أُلقي في البحر وكان الأطفال في ذلك الوقت تذبح ولاتستبقى حتى (٢) أُخرج من اليَمِّ والتقطه آل فرعون وجعلوا يطلبون (له) (٣) المراضع ليُنْفذ الله تعالى حكمه ويمضي قدَره فقالت أخت موسى [ق ٢٤/ظ]: ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ﴾ [القصص: من الآية ١٢] , فكان أولَ ما أخرج من اليمّ أحبّه (٤) فرعون وامرأته حتى ربَّوه في دار المملكة (مكرماً) (٥) معززاً إلى أن نشأ وكان من شأنه ما كان , فظهر له منهم ومن بني إسرائيل من العداوة والشنآن ما الله به العليم حتى من أهله كقارون ونحوه فإنه لما قال لبني إسرائيل: ﴿اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ (٦) لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف: من الآية ١٢٨] ,
وا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ (٦) لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف: من الآية ١٢٨] ,
أجابوه بأبشع جواب وأشنعه فقالوا: ﴿أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا﴾ [الأعراف: من الآية ١٢٩] فقال لهم: ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: من الآية ١٢٩] فكان رَدُّه (١) عليهم بهذا اللطف عن ذاك (٢) الجفاء والغِلظة , وأظهروا خلافه فيما أمرهم به من الدخول على الجبابرة في الأرض المقدّسة حتى قالوا (إنّا) (٣) لن ندخلها أبداً ماداموا فيها كما تقدم , وكما نهاهم عن الصيد يوم السبت فاحتالوا في حبس الحيتان , وكما نهاهم عن الإدخار من المن والسلوى فادخروا , ولما (٤) غاب عنهم زمن المناجاة عَبَد العجل منهم الجم الغفير , وقارون القريب النسيب (٥) جرى في حقّه منه ما جرى وعاداه العداوة البليغة , والسامري الذي كان من عظماء بني إسرائيل (٦) نافَق وعمل ما عمل وكل ذلك في كبره وفي زمان النبوّة , ولم يُسْلِمْ له ممن أحبّه طفلاً إلا امرأة فرعون ومؤمن آل فرعون , وقد قال لمحمد صلى الله عليه وعليه وسلم ليلةَ الإسراء: إنه عالج بني إسرائيل أشد المعالجة (٧) , واقترحوا عليه من الأمور المنكرة والأمور الدينية ما عُرف به سوء أدبهم (معه) (٨) وقلّة [معرفتهم و] (٩) احترامهم إياه , كما أنه لما كان يعتزلهم في
مغتسلهم وكانوا يغتسلون عراة ينظر بعضهم (سوءة) (١) بعض , وكان موسى ﵊ ستيراً فكان يغتسل وحده فقالوا: ما يمنع أن يغتسل معنا إلا أنّ به أدرة (٢) أو آفة فقال الله لهذه الأمّة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا ... ﴾ الآية (٣) [الأحزاب: ٦٩] (٤) , وكما ذكرنا من سؤال الذين اختارهم أن يروا ربّهم جهرة , والذين قالوا: ادع لنا ربّك يخرج لنا مما تنبت الأرض [ق ٢٥/و] من بقلها وقثّائها وفومها وعدسها وبصلها , قال: أتستبدلون الذي (٥) هو أدنى بالذي هو خير , وتعنّتهم في سؤالهم عن البقرة التي (٦) أُمِرُوا بذبحها مرّةً بعد مرّةٍ (٧) , ولو أنهم ذبحوا بقرةً (في) (٨) أوّل مرّةٍ أيّ شيء كانت لأجزأت عنهم , لكنهم شدّدوا فشدّد الله عليهم , فأمّا محمد (٩) ﷺ فإن محبّته كانت مغروزة في قلوب الخلق في صغره وكبره حتى إن الكفار الذين كانوا يخالفونه وينابذونه كان في قلوبهم منه هيبة , وكان عندهم موقراً معزّزاً , وكان يسمى فيهم الأمين , وإذا قال قولاً لايشكّون في صدقه حتى عن الغائبات , كما قيل لبعضهم (١٠) إن محمداً يزعم أنه قاتلك فقال: والله مايكذب محمد إذا حدّث [به] (١١) ,
الأمين , وإذا قال قولاً لايشكّون في صدقه حتى عن الغائبات , كما قيل لبعضهم (١٠) إن محمداً يزعم أنه قاتلك فقال: والله مايكذب محمد إذا حدّث [به] (١١) ,
وبقي (١) ذلك الرجل متحرزاً مدّة حتى أنفذ (٢) الله فيه حكمه بما وَعَد به الرسول ﷺ , وما أظهروا عداوته إلا لما سَبّ آلهتهم وضلّل آبائهم وسفّه أحلامهم على عبادة غير الله. فأمَّا محبّة المؤمنين له عليه الصلاة (والبركة) (٣) والسلام فأمر ظاهر لايحتاج إلى برهان , فإنه لما دعى (٤) خواصهم كأبي بكر وعمر ﵄ , وعوامَهم ﵃ , وآمنوا به , أمرهم بالهجرة من بلادهم وعن أولادهم وعن قومهم وآبائهم وأمهاتهم وعشائرهم ومساقط رؤوسهم وأوطانهم , هاجر أناس إلى الحبشة وأناس إلى غيرها , وهجروا الأهل والمساكن والعشائر , ولايخفى محبة العرب لعشائرهم وقومهم وشدّة خوفهم إذا بَعُدوا عنهم أو فارقوهم إلى غيرهم , فهاجر من هاجر من مكّة وهي مركز دينهم وموضع شرفهم وعبادتهم التي فخروا بها على جميع الأمم وحسدهم عليها جميع الطوائف فتركوا بها الأهل والأموال , وهاجروا إلى الله تعالى ورسوله ﷺ رغبةً في الدين ومحبّة له حتى إنهم يوم بدر تكلموا في الأسارى فأشار كل قوم بما عندهم , فقال عمر ﵁: "ما أرى الذي رأوا ولكن تمكننا منهم فنضرب أعناقهم , فتمكن عليّاً من عَقيل فيضرب (٥) عنقه , وتمكّنني من فلان [ق ٢٥/ظ] نسيب لعمر فأضرب عنقه , فإنّ هؤلاء صناديد الكفر وأئمّته" (٦) , وفي صلح الحديبية يقول قائل (٧) الكفّار (٨): والله ما رأيتُ أحداً يعظّم أحداً مايعظّم محمّداً أصحابُه , لقد دخلت على الملوك فما رأيت قومهم يعظّمونهم كما يعظم محمّداً أصحابُه , فإنهم إن تكلم أنصتوا ولا يرفعون أصواتهم عنده إجلالاً له , وما تنخّم نخامةً إلا وقعت في يد رجل منهم فدلك بها وجهه وجسده؛ ومثل
يعظم محمّداً أصحابُه , فإنهم إن تكلم أنصتوا ولا يرفعون أصواتهم عنده إجلالاً له , وما تنخّم نخامةً إلا وقعت في يد رجل منهم فدلك بها وجهه وجسده؛ ومثل
هذا كثير في الصحابة ﵃؛ فأما الأنصار من أهل المدينة (١) فبايعوه بالأنفس والأموال والأولاد مع ماقيل لهم عند ذلك: إنّ هذا الأمر إن فعلتموه رمَتْكم العرب عن قوس واحدة (٢) , فحملهم حُبُّهم له على معاداة جميع العرب ومحاربة جميع الخلق وقالوا: والذي بعثك بالحق لنمنعنّك مما نمنع منه أبناءنا ونساءنا , فبايعوه وآووه (٣) إلى بيوتهم ونصروه وعزّروه وواسوه له ولأصحابه , ولما أمرهم بالقتال قالوا: والله لو أمرتنا أن نُخيضها البحر لأخضناها كما تقدّم , ولما قال: «لن (٤) يؤمن أحدكم حتى أكون أحبّ إليه من نفسه وأهله وماله» (٥) , فقال عمر: والله إنك لأحبُّ إليّ مِن كلّ شيء إلا نفسي , فقال (له) (٦): «لا حتى أكون أحبّ إليك من نفسك» , فقال: والله لأنتَ الآن أحبّ إليّ من نفسي , فقال: «الآن يا عمر» (٧) , وهذا باب واسع في محبة أصحابه ﵃ (له) (٨) ﷺ , ومحبة المؤمنين بَعْدَهم كما أخبر ﷺ عمن يأتي بعده حيث قال: «يأتي من بعدي قومٌ يَوَدّ أحدهم لو رآني بأهله وماله» (٩) , فهو كذلك بأبي وأمّي هو ﷺ , فمحمد وموسى صلى الله عليهما وسلم محبّتهما في قلب كل سعيد , وكلما عظمت محبة الله للعبد أعظم محبّته في قلوب عباده , ومحبّة الله تعالى لمحمد ﷺ أعظم وأكبر , فمحبته في قلوب الخلق أعظم , وقد روى ثابت البُناني أنّ النبي ﷺ قال: «موسى
له للعبد أعظم محبّته في قلوب عباده , ومحبّة الله تعالى لمحمد ﷺ أعظم وأكبر , فمحبته في قلوب الخلق أعظم , وقد روى ثابت البُناني أنّ النبي ﷺ قال: «موسى
صفي الله وأنا حبيب الله» (١) , ولا يخفى مابين الكليم والحبيب من التفاضل , ولعظم منزلة محمّد ﷺ عند الله في المحبّة لما قال من قال من الكفّار حين اشتكى فلم يقم ليلة أو ليلتين أنه قد وُدِّع فأنزل الله [ق ٢٦/و]﷿: ﴿وَالضُّحَى (١) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (٢) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى (٣) وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى (٤) وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ [الضُّحى: ١ - ٥] (٢). وأما تكليم الله لموسى ﵇ ففضيلة عظيمة ولمحمّد ﷺ مثلها وأعظم منها , فإن موسى ﵊ قد كلّمه الله تعالى وموسى في الأرض , ومحمد ﷺ كلّمه الله تعالى وهو في مقام قاب قوسين أو أدنى من فوق سبع سموات بما الله به عليم من العلوّ , وموسى ﵇ سأل رَبَّه الرّؤية فمُنِعها , ومحمد ﷺ أُعطِيها من غير سؤال ليلةَ المعراج في أحد قولي العلماء (٣) , قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾ [الإسراء: من الآية ٥٥].
فإن قيل: قد قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٩] , قيل: لايخفى مافي أمة محمد ﷺ من أئمة الهُدى والعدل , وأئمة الهُدى والفقه كأبي بكر وعمر ﵄ وعثمان وعلي وغيرهم من أئمة الهدى والعدل , ففي صحيح مسلم عن النبي ﷺ أنه قال: «كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء كلما هلك نبي خلفه نبيّ وإنه لانبي بعدي وستكون خلفاء فتكثر» قالوا: فما تأمرنا , قال: «فُوا ببيعة الأوّل فالأوّل وأعطوهم حقّهم فإن الله سائلهم عمّا استرعاهم» (١) , وكأبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد بن حنبل وغير هؤلاء ممن يهتدى به ويعدل في الأمة , وقد صح أن النبي ﷺ قال: «لا تزال طائفة من أمّتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم حتى تقوم الساعة وهم ظاهرون» (٢) وليس هذا في غير أمة محمد ﷺ , وهذه النعمة ببركة قولهم لنبيهم ﷺ: سمعنا وأطعنا , فإن الله خفف عنهم وغفر لهم ورفع عنهم الأغلال والآصار؛ وقوم موسى لما قالوا: سمعنا وعصينا , ثقل عليهم وعاقبهم وجعل الآصار والأغلال عليهم والذل إلى يوم القيامة , وسلبهم بركةَ الطاعة فجعلها في غيرهم وسلطهم عليهم كما قال تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ ... ﴾ الآية [النساء: ١٦٠] , وفي الجملة ففي [ق ٢٦/ظ]
قال تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ ... ﴾ الآية [النساء: ١٦٠] , وفي الجملة ففي [ق ٢٦/ظ]
مسائل موسى ﵊ ربَّه تعالى أنّه رأى في التوراة أمّةً صفتها كذا وكذا: ياربّ فاجعلها أمّتي , فيقول ربّه: تلك أمّة محمّد ﷺ , فقال: إني أجد في التوراة أمّة صفتهم كذا وكذا فاجلعهم أمتي , قال (١) له ربّه: تلك أمة محمد ﷺ , مراراً كثيرة يذكر أمّةً يجدهم في التوراة بصفات من الخير جليلة فيسأل ربّه أن يجعلهم أمّته وكل ذلك يقول له: تلك أمّة محمد ﷺ (فلما رأى الخير كله في أمّة محمّد , قال: يارب فاجعلني من أمّة محمّد) (٢) (٣) , والحديث الصحيح الذي رواه جابر أن عمر بن الخطاب ﵁ أتى النبي ﷺ بكتاب أصابه من بعض أهل الكتاب فقرأه على النبي ﷺ فغضب وقال: «أمتهوّكون (٤) فيها يا ابن الخطّاب , والذي نفسي بيده لقد جئتكم بها بيضاء نقية , لا تسألوهم عن شيء فيخبرونكم بحق فتكذبونه أو بباطل فتصدقونه والذي نفسي بيده لو أن موسى ﵇ كان حيّاً ما وسعه إلا أن يتبعني» (٥) , وعنه أيضاً قال: قال رسول الله ﷺ: «لو بدا لكم موسى فاتبعتموه ثم تركتموني لضلَلتم عن سواء السبيل , ولو كان موسى حيّاً ثم أدركني في نبوّتي لاتبعني» (٦) , وهذه من خصائص محمد ﷺ فإن الله تعالى يقول: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ﴾ [آل عمران: من الآية ٨١] , وهذا الميثاق أخذه الله تعالى على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام في محمد ﷺ لئن أدركوه ليؤمننّ به
ولينصرنه فكيف بأمته الذين قال فيهم: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ ... ﴾ (الآية) (١) [الفتح: ٢٩].
ام في محمد ﷺ لئن أدركوه ليؤمننّ به
ولينصرنه فكيف بأمته الذين قال فيهم: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ ... ﴾ (الآية) (١) [الفتح: ٢٩].
فصل وأما عيسى ﷺ فَرُوح الله , وكلمته ألقاها إلى مريم , أعطاه (الله) (٢) تعالى الآيات البينات , والمعجزات الباهرات , كلّم الناس في المهد وكهلاً , وأنطقه الله تعالى بالعبوديّة والنبوّة طفلاً , وآتاه الإنجيل , وجعله يبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى بإذن الله , وجعله مباركاً أينما كان , وله معجزات كثيرة , ومنقبات منيرة , منها قوله تعالى في حقّه: ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا [ق ٢٧/و] وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ [آل عمران: ٤٥] (فقد أعطي محمد ﷺ من الوَجاهة في الدنيا والآخرة) (٣) حتى قبل أن يبعث ﷺ كما أشرنا إليه ونبّهنا عليه من أن قريشاً كانت تسمّيه الأمين , ولمّا اختلفوا في وَضع الحجر الأسود مكانه عند عمارة الكعبة اجتمعوا على أن يضعه أوّل من يخرج عليهم , فخرج محمد ﷺ فقالوا: هذا الأمين (٤) , فرَضُوا كلّهم به لِما جمع الله تعالى (فيه) (٥) من الخصال المحمودة , والسيرة المرضية , والنسب الشريف , والحسب المنيف , (والبيت) (٦) , والجاه , والمنصب , والعشيرة , فلم يكن بمكة في زمانه أَوْجَه منه في جميع أموره , فلما بُعث ﷺ بالرسالة فلا يخفى ما ازداد من الوَجاهة , ولا يخفى ما أعطي من النّباهة , وأمّا في
يرة , فلم يكن بمكة في زمانه أَوْجَه منه في جميع أموره , فلما بُعث ﷺ بالرسالة فلا يخفى ما ازداد من الوَجاهة , ولا يخفى ما أعطي من النّباهة , وأمّا في
الآخرة فله الجاه الأعظم والمقام الأكرم في محل الشفاعة حين يُدعا إليها (١) آدمُ فمن دونه من الأنبياء وكُلٌّ يقول: لست (٢) لها , فإذا أفضت إليْه قال: أنا لها , فيَسأل اللهَ ثم يسأله فيعطيه ما طلب ويُشَفِّعُه في أهل المحشر فيحاسَبون ويَستريحون من شدّة ما كانوا فيه فيُشَفَّعُ فيهم , ثم إذا صار العصاة من أمّته إلى النار يُشَفَّع فيهم مرّةً بعد مرّة حتى لا يبقى في النار من قال: لا إله إلا الله إلا أُخرج بشفاعته (٣) , وذلك المقام المحمود الذي وُعِدَه ﷺ بقوله تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: من الآية ٧٩] فيَغبِطُهُ بهذا المقام الأوّلون والآخرون , فأيّ جاه في الدنيا والآخرة أعظم من هذا الجاه , وقد قال قوم من أهل العلم في قوله: ﴿يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: من الآية ٧٩] هو أن يُجلسه معه على العرش كما سيأتي (٤) , وأما القرب فأيّ منزلة أقرب من منزلة الحبيب (٥) , وهل نال أحد ما نال محمد ﷺ من التقريب , أمَا هو الذي خُصّ بدرجة دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى حتى أوحى الله إليه ما أوحى. وأما قوله في عيسى ﵇: ﴿وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (٤٨) وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ [ق ٢٧/ظ] الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٤٩) وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (٥٠) إِنَّ
اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [آل عمران: ٤٨ - ٥١] قلنا: هذه معجزات عظيمة , وآيات كريمة , ومرتبة جسيمة , ولنبيّنا محمد ﷺ مثلها وأعظم , وزاد عليها في الفضل وتمّم , فإن الله تعالى أنزل على محمّد ﷺ كتاباً مصَدِّقاً لما جاء به موسى , ومقرِّراً لما أنزل على عيسى , وشاهداً للنبيّين بالصّدق والنّبوة , ولولا كتابه لما ظهرت (لنا) (١) لنبوتهم قوّة , فكتابه فيه ما في كتبهم وزيادة , ولِصدْقهم فيما ادعوه أكبر شهادة , ونسَخ الله تعالى به من شرائع مَن قبله ماشاء , وأحلّ ما شاء , وحرّم ما شاء , ورفع (فيه) (٢) عن أمّته ما كان من الآصار والأغلال على من قبلهم , وجَمع فيه نَبَأ ما كان وما يكون , وجعله يُحفظ ويتلى بخلاف غيره من الكتب المنزلة فإنها كانت تكتب في الصحف ولا تحفظ في الصدور , وتكفّل الله تعالى بحفظ هذا الكتاب بنفسه فقال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحِجر: ٩] , فكتاب محمد ﷺ القرآن أعظم معجزاته , فليس لنبيّ معجزة مثله , وقد تحدّى الله ﷿ به الإنس والجن على أن يأتوا بمثله (٣) (٤) فلم يقدروا , وعلى سورة من مثله فلم يستطيعوا (٥) , فهو كلام الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد , لاتفنى عجائبه , ولا يَخلقُ على كثرة الرّدّ , فهو معجزة قائمة إلى يوم القيامة , كل نبيّ انقضت معجزته بموته ومعجزة محمّد ﷺ قائمة إلى يوم الدين , شاهدة بمعجزة مَن قبله , ولولا ذلك لم يمكن أحداً من أهل الأديان إقامة دليل على نبوّةٍ ولا معجزة لتبديل الكتب وانقطاع السَّند الصحيح لمن قبل هذه الأمّة , فرسالة محمّد ﷺ كما ذكرها الله تعالى رحمة للعالمين؛ وأما الحكمة فكان [ق ٢٨/و] كلام محمّد ﷺ كلّه حِكَم حتى ما يفاوض به الأطفال
يح لمن قبل هذه الأمّة , فرسالة محمّد ﷺ كما ذكرها الله تعالى رحمة للعالمين؛ وأما الحكمة فكان [ق ٢٨/و] كلام محمّد ﷺ كلّه حِكَم حتى ما يفاوض به الأطفال
كقوله: «يا (أبا) (١) عُمَير ما فَعل النُّغَير (٢)» (٣) لنُغَرٍ كان يلعب به فمات فرآه حزيناً فقال له ذلك , فكُتب عنه ودُوّن وصُحّح , فاعترض بعض الزنادقة والملحدين وقال: وأيّ فائدة في هذا الكلام حتى نقل عن النبي ﷺ؟ ! فانتدب له بعضُ من نوّر الله قلبه بالإيمان وملأه من الحكمة فاستخرج (٤) من هذا الحديث ما يزيد على مائة حُكم من أحكام الشريعة المحمّديّة (٥) , و [قد] (٦) قال الله تعالى لأزواج محمد ﷺ: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ [الأحزاب: من الآية ٣٤] فالآيات: القرآن , والحكمة: كلام الرسول ﷺ , وهذا باب واسع تكلّ الألسنة
والخواطر عن إدراك ما اشتمل عليه كلامه من الحكم , فكان ما أوتي (عيسى) (١) ﵇ بل وغيره من النبيين ﵈ من الحِكَم داخل فيما أوتي نبينا ﷺ من الحكم , وكان أمره بالتبليغ للأمّة بالحكمة والموعظة الحسنة , هذا مع ما أوتي [رسول الله] (٢) ﷺ من الفصاحة , والبلاغة , وجوامع الكلم , وفواتحه , وخواتمه , وما اختُصر له من الحكمة , وما أوتي عيسى من تعليمه التوراة , والإنجيل , وإرساله إلى بني إسرائيل , فإن نبيّنا ﷺ أوتي القرآن المجيد الذي استوعب مافي الكتب كلّها وزاد عليها كما تقدّم , وأرسل إلى الخلق (٣) كافة , وكان الأنبياء قبله يبعث النبي إلى قومه خاصّةً , وقال الله تعالى لمحمّد ﷺ: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [سبأ: من الآية ٢٨].
ء قبله يبعث النبي إلى قومه خاصّةً , وقال الله تعالى لمحمّد ﷺ: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [سبأ: من الآية ٢٨]. وأما خَلق عيسى ﵇ للطير بإذن الله ونفخه (٤) فيه فيصير طيراً يطير , فليس ذلك بأعظم من حنين الجذع وهو خشبة يابسة (٥) , وتسليم الأحجار والأشجار عليه وهي من الجمادات (٦) , وقلب الأعيان وصَيُّورُهَا إلى حالة أخرى , كما ذكر أبو نعيم في كتابه (٧) دلائل النبوة: أن عكاشة بن محصن انقطع سيفه يوم بدر فدفع إليه رسول الله ﷺ جذلاً من حطبٍ وقال: «قاتلْ بهذا» فعاد في يده سيفاً شديد المتن , أبيض الحديدة , طويل القامة , فقاتل به حتى فتح الله على المسلمين [ق ٢٨/ظ] ثم لم يزل يشهد به المشاهد إلى أيّام الردّة (٨). وأمّا ما كان عيسى ﵇ يخلق من الطين كهيئة الطير فإنه كان يطير حتى يغيب عن العيون ويعود إلى ما كان أوّلاً في ساعته , والجذع الذي حَنّ إلى محمّد
- ﷺ حتى جاء فاحتضنه فسكن قال: «لو لم أحتضنه لَحَنّ إلى يوم القيامة» (١) فهذا أبلغ وأعظم في إحياء الميت , وكذلك التّسبيح والتقديس والتهليل من الحجر الأصمّ في يده (٢) , وشهادة (٣) الأحجار والأشجار له بالنبوّة كلّما مرّ بها وتسليمها عليه بالرسالة (٤) , وطاعة الأشجار له في المجيء إليه لما دعاها ورجوعها إلى محلها حين أمرها بالرجوع (٥) , ونزول العذق من النخلة عن أمره وصعوده إلى محلّه كما كان بقوله (٦) أبلغ من إحياء ميتٍ قد كان عهد منه حياة , وأيضاً فإن الصُوَر أدخل في باب الحياة وما يترتب عليها من الحركة والكلام وغير ذلك من الأشجار والجمادات , ولهذا نهى عن التصوير لما فيه الروح خوفاً من الفتنة به كما عُبدت الصُّور التي صَورها قوم نوح ومن بعدهم لدخول الشياطين فيها , وعيسى ﵇ إنما أذن له في ذلك لإظهار معجزته التي يدعو إلى الله تعالى وإلى توحيده وعبادته بها , فجريان الأرواح في الصُّوَر أمر معهود , فأمّا في الأحجار والأشجار فلا , وأما إحياء عيسى ﵇ الموتى بإذن الله فإنه كان يمر بالميت أو بالقبر (٧) فيصلي ويسأل الله أن [يحييه] (٨) فيحييه ويكلّمه ما أراد ثم يعود ميتاً كما كان (٩) , ففضيلة محمد ﷺ في هذا الباب
الله فإنه كان يمر بالميت أو بالقبر (٧) فيصلي ويسأل الله أن [يحييه] (٨) فيحييه ويكلّمه ما أراد ثم يعود ميتاً كما كان (٩) , ففضيلة محمد ﷺ في هذا الباب أعظم , فإن قتادة بن النعمان لما أصيبت [عينه يوم أحد فجاء وهي في يده] (١٠) إلى رسول الله ﷺ[فقال: يارسول الله إني رجل
مبتلى بحب النساء و] (١) أخاف [أن يقلن بأعور فلا يردنني فادع الله تعالى لي أن يردها علي , فقال: «إن شئت صبرت واحتسبت فلك الجنة , وإن دعوت الله تعالى فكانت كما كانت» فقال] (٢): بل ادعُ لي بالجنّة وأن يردّها عليّ , فأخذها النبي ﷺ فردّها إلى مكانها فعادت أحسن عينيه وأحدّهما -: يعني نظراً- (٣) (٤)؛ فإنّ إحياء العضو الواحد الذي بان عن الجسد وانفصل عنه زماناً وأُيس من عوده غير معهود ولا جرت عادة بذلك , بخلاف ما (إذا) (٥) أصيب العضو وهو قائم بالجسد فإن تلافيَه بالمداواة معتاد معهود , والصرع الذي يعم البدن فيبقى صاحبه ميتاً أو كالميت يمكن تلافيه بالأدوية والرُّقا (٦) ونحو ذلك , ولا يمكن إلصاق اليد إذا بانت وبردت ولا إلصاق الرِجل ولا الرأس ولا نحو ذلك من سائر الأطراف , فكان إعادة مالم تجر العادة بإعادة مثله أبلغ في المعجز؛ وكان نظير تكليم عيسى ﵊ للموتى وأبلغ منه ذِراع الشاة التي أخبَرت النبي ﷺ بأنّها مسمومة وكانت مشويّةً قد قُدمت ليأكلها , فكلمته وقالت: إنّي مسمومة فلا تأكلني (٧) , ولم تجر العادة من عضو حيوان (٨) بهيم أن يتكلم , بل ولا
يتكلم حيوانُه وهو حيّ , فكان تكليم عضو واحد منه بعد ذبحه وشيّه أبلغ من تكليم ميت قد وردت السُنّة الثّابتة بوقوعه (١) , وذلك «أن الميت [إذا] (٢) وضع في قبره جاءه ملكان فيُقعدانِه ويسألانه: من ربك , ومن نبيك , وما دينك , [فأما المؤمن فيقول: ربي] (٣) الله ونبيّي محمد وديني الإسلام , وأما الكافر أو (٤) المنافق [فيقول: هاه هاه لا أدري , سمعت الناس يقولون] (٥) شيئاً فقلته ... » (٦) الحديث بطوله وهو صحيح [مشهور , ونحو ذلك ما روى أبو نعيم عن حبيب بن فويك (٧) عن أبيه أنه] (٨) خرج به إلى [النبي ﷺ وعيناه مبيضتان لا يبصر بهما شيئاً فسأله: «ما أصابك» , قال: كنت أمرن جملي فوضعت رجلي على بيض حية فأصابت بصري , فنفث النبي ﷺ على عينيه فأبصر قال:
بي ﷺ وعيناه مبيضتان لا يبصر بهما شيئاً فسأله: «ما أصابك» , قال: كنت أمرن جملي فوضعت رجلي على بيض حية فأصابت بصري , فنفث النبي ﷺ على عينيه فأبصر قال:
فرأيته يدخل الخيط في الإبرة وأنه ابن ثمانين سنة وأن عينيه لمبيضتان] (١) (٢) وهذا إحياء لبعض عضو ميتٍ من جسَدٍ كلّه حَيّ , وهو غاية في عظم المعجز؛ فأما إحياء ميتٍ بجملته فقد روى أبو نعيم في كتابه "دلائل النبوة" بإسناده في إحياء شاة جابر ﵁ , فإنه ذبح شاة له ودعا النَّبيَّ ﷺ والأنصارَ وقدم الطعام , فكان يدخل قوم ويخرج قوم ويأكلون والطعام على هيئته , وكان قال لهم: «كلوا ولاتكسروا عظماً» , ثم إنّ (٣) رسول الله ﷺ جمع العِظام في وسط الجفنة فوضع عليها يده وتكلم بكلام لم أفهمه إلا أنّي أرى شفتيه تتحرّك , فإذا الشاة قد قامت تنفُضُ ذَنَبها , فقال لي: «خذ شاتك يا جابر بارك الله لك فيها» , فأخذتها ومضيت , وإنها لتنازعني أذنها حتى أتيت بها البيتَ , فقالت لي المرأة: ما هذا يا جابر؟ قلت: هذه واللهِ شاتُنا التي ذبحناها لرسول ﷺ (فأحْياها لنا , قالت: أنا) (٤) أشهد أنه رسول الله ﷺ , أشهد أنه رسول الله ﷺ , (أشهد أنه رسول الله ﷺ) (٥) (٦). وروى فيه أيضاً عن أنس بن مالك ﵁ قال: "دخلنا على رجل من الأنصار وهو مريض , فلم نبرح حتى قضى فبسطنا عليه ثوباً وأمّ له عجوز كبيرة عند رأسه فقلنا: يا هذه احتسبي مصيبتك على الله ﷿ , قالت: ومات ابني , قلنا: نعم , قالت: حقّاً تقولون , قلنا: نعم , قال: فمدّت يديها فقالت: اللهم إنك تعلم أنّي أسلمت لك , وهاجرت إلى رسولك , رجاء أن تغيثني عند كلّ شدّة ورخاءٍ , فلا تحمل عليّ هذه المصيبة اليوم , فكشف الثوب عن وجهه , ثم ما برحنا حتّى طعمنا معه" (٧).
لك , وهاجرت إلى رسولك , رجاء أن تغيثني عند كلّ شدّة ورخاءٍ , فلا تحمل عليّ هذه المصيبة اليوم , فكشف الثوب عن وجهه , ثم ما برحنا حتّى طعمنا معه" (٧).
وروى أيضاً عن ربعي بن حراش قال: "مات أخي فسجّيناه , فذهبت في التماس كفنه , فرجعت وقد كشف الثوب عن وجهه وهو يقول: ألا إنّي لقيت ربّي بعدكم فتلقاني بروح وريحان وربّ غير غضبان , وأنه كساني ثياباً خضراً من سندس وإستبرق , وأنّ الأمر أيسر مما في أنفسكم فلا تغتروا , وعدني رسول الله ﷺ لا يَذهب حتى أُدركه , قال (١): فما شبّهت خروج نفسه إلا بحصاةٍ أُلقِيَتْ في ماءٍ فرسَبت , فذُكر ذلك لعائشة ﵂ فصَدّقت بذلك وقالت: قد كنّا نتحدّث أنّ [ق ٣٠/و] رجلاً من هذه الأُمّة يتكلّم بعد موته قال: وكان أقْوَمَنا في الليلة الباردة وأصْوَمَنا في اليوم الحارّ" (٢) فهذه الثلاثة (٣) أحاديث رواها بمعناها الحافظ أبو نعيم الأصبهاني في كتابه دلائل النبوة في إحياء الموتى بدعائه وفي دعاء بعض أصحابه بإحيائها وفي حياة بعض أمّته الصالحين بعد موته من غير دعاء أحَدٍ حتى أخبر عن حاله مع ربّه سبحانه ثم مات؛ وروى أبو نعيم أيضاً بإسناده عن عُتبَة بن ضَمْرة (٤) قال سمعت والدي (٥) يقول: كان لرجل صِرْمَةٌ من غنم وكان له ابن يأتي النبيَّ ﷺ بقدح من لبن إذا حَلَب ثم إن النبي ﷺ افتقده فجاء أبوه فأخبره أنّ ابنه هلك , فقال النبي ﷺ: «أتريد أن أدعو الله أن يَنشره لك أو تَصبِرَ فَيدّخره لك إلى يوم القيامة فيأتيك ابنك فيأخذ بيدك فينطلق بك إلى باب الجنة فيدخلك من أيّ أبواب الجنة شئت» , فقال الرجل: ومَن لي بذلك يا نبيّ الله قال: «هو لك ولكلّ مؤمن» (٦)؛ فلو لم يكن النبي ﷺ واثقاً من ربّه تعالى بإجابة دعوته في إحياء الموتى لما تهَجّم وضمن ذلك للرجل ولا يليق بعاقل أن يدخل تحت هذا الدّرك العظيم إلا بأوثق ضمان.
وأما إبراء عيسى ﵇ الأكمهَ والأبرصَ قيل المراد بالأكمه: الذي خلق لا نظر له (١) , والأبرص: الذي قد أُيس من بُرئه , ولا ريب في أن ذلك معجز عظيم وخطْب جسيم وليس ذلك بأعجب من إحياء الموتى وهو شئ قد أُعْطِيَهُ عيسى ﵊ إكراماً له وإظهاراً لمعجزته وزيادة في إقامة برهانه ولكن لنبيّنا ﷺ أعظم منه من إحياء الموتى كما ذكرنا وكما سيأتي , ومن إبراء الأدواء التي لا يمكن تلافيها بالأدوية المقدورة للبشر مما هو مُدَوَّن في كتب الحديث والسِّيَر وغيرها , فمن ذلك مسحه وتفلُه ولمسه على أدواء تبرأ في الحال كائنةً ما كانت , فإنه تَفَل في عين علي ﵁ وهو أرمد فبرأ في الحال وما اشتكاهما بعد ذلك (٢) , ولقد كان ﷺ يُؤتى بالمَرْضى والمُصابين فيَدعو [الله] (٣) لهم ويمسحهم فيردّون أصحّاء , وأتي بصبيّ يأخذه الشيطان فقال: «اخسأ (٤) عدوّ الله أنا رسول الله» فثَعَّ ثَعَّةً (٥) فخرج منه [ق ٣٠/ظ] كالجرو الأسود (٦)؛ وعاد مريضاً كان قد صار مثل الفرخ المنتوف فدعا له فكأنّما نُشِط من عقال (٧)؛ وله ﷺ في
إبراء الأسقام وإزالة الأمراض والآلام ممن استشفى وشكى إليه وَصَبَهُ وألَمَهُ فدعا له فَعُوفي أمورٌ يطول ذكْرها ويشق حَصْرها ومن ذلك أنّ عائذ بن عمرو (١) قال: أصابتني رَمْية وأنا أقاتل بين يدي رسول الله ﷺ يوم حنين في وجنتي فأسَالت الدم على وجهي ولحيتي وصدري فتناول النبي ﷺ بيده فسَلت الدم عن وجهي وصدري إلى ثُنْدُؤتَيَّ (٢) ثم دعا لي , فلمّا مات وغسلوه نظروا إلى ما كان يصف من أثرِ يَدِ رسول الله ﷺ فإذا في صدره كغُرة الفرس سائلة (٣)؛ وكان بوجه أبيض بن حمّال المأرِبي (٤) حَزازة -يعني: القُوباء (٥) - قد التمعَتْ أنفَه فدعاه رسولُ الله ﷺ فمسح على وجهه فلم يُمْسِ من ذلك اليوم وفيه أثر (٦)؛ ودخل رافع بن خديج (٧) يوماً على النبي ﷺ وعندهم قِدْر تفور لحماً , قال: فأعجبتني شحمة فأخذتها فازدردتها فاشتكيت عليها سنةً ثم ذكرته لرسول الله ﷺ فقال: «إنه كان فيها نَفْسُ سَبْعَةِ أناسِي» ثم مسح بطني فألقيتها خَضْراء فوالذي بعثه بالحق ما اشتكيت بطني حتى السّاعة (٨)؛ وعبدالله بن عَتيك لما ذهب ليقتل أبا رافع
فيها نَفْسُ سَبْعَةِ أناسِي» ثم مسح بطني فألقيتها خَضْراء فوالذي بعثه بالحق ما اشتكيت بطني حتى السّاعة (٨)؛ وعبدالله بن عَتيك لما ذهب ليقتل أبا رافع
اليهوديَّ وقصته مشهورة في الصحاح وغيرها فوقع فانكسرت رجْله فعصّبها بعمامته وأتى النّبيَّ ﷺ فأخبره فقال: «ابسُط رجلك» فبسطها فمسحها قال فكأنما لم اشتكها قط (١)؛ وقد أبرأ ﷺ من الجنون كما في حديث المرأة التي رفعت إليه ولدها وذكرت أن الشيطان يُلم به منذ سبع سنين فقال النبي ﷺ: «اخرُجْ عدوّ الله فأنا رسول الله» (٢) فخرج ولم يعاوده وقد سبق ذلك (٣)؛ وحديث المرأة التي كانت تصرع وتنكشف فقال لها: «إن شئتِ دعوتُ اللهَ لكِ وإن شئتِ صَبرتِ واحتسبتِ ولكِ الجنّة» فقالت: أصبرُ وأحتسِبُ ولكن ادع الله لي أن [ق ٣١/و] لا أنكشف , فدعا لها , فلم تنكشف (٤)؛ وأبلغ من ذلك أنّ (في) (٥) أمّة محمّد ﷺ من كان به برص فدعا الله تعالى (٦) (فبرأ وهو أويس القرني كان به برص فدعا الله) (٧) فأذهبه الله عنه إلا موضع درهم ليذكر به نعمة الله تعالى عليه (٨).
وأما إخبار عيسى ﵇ بالغيوب في قوله (١): ﴿وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ﴾ [آل عمران: ٤٩] , فلمحمّد ﷺ من هذا الجنس عجائب يحار فيها عقول الألبّاء فمن ذلك إخباره ﷺ بموت النجاشي في اليوم الذي مات فيه بالحبشة ومحمد ﷺ بالمدينة (٢) , وإخباره بمن استشهد بمؤتةَ من أرض الشام زيد وجعفر وابن رواحة ﵃ يوم استشهدوا قبل أن يأتي خبرهم (٣) وكان السائل يأتيه ليسأله فيقول: «إن شئت أخبرتك عما جئت تسألني وإن شئت تسأل فأُخبرك» فيقول: لا بل أخبرني فيخبره بما كان في نفسه من سؤاله إياه (٤) , وأخبر عُميْرَ بن وهب الجمحي بما تواطأ (٥) عليه هو وصفوان بن أمية لما قعدا في الحجر من الفَتْك برسول الله ﷺ بعد مصاب أهل بدر حتى أسلم عمير (٦) , ومنها إخبارُه عمَّه العباسَ بن عبدالمطلب لمّا أُسِر ببدر وأراد (٧) أن يفاديه
ا في الحجر من الفَتْك برسول الله ﷺ بعد مصاب أهل بدر حتى أسلم عمير (٦) , ومنها إخبارُه عمَّه العباسَ بن عبدالمطلب لمّا أُسِر ببدر وأراد (٧) أن يفاديه
فقال: ليس لي مال , قال: «فأين المال الذي أودعته لأمّ الفضل لما أردت الخروج وعهدت إليها فيه» فقال العباس: والذي بعثك بالحق ما علم به أحد غيري وغيرها (١) , ومنها قصّة المرأة التي حملت كتاب حاطب بن أبي بلتعة إلى أهل مكة فبَعث ﷺ عليّاً والزّبير ﵄ فأدركاها بروضة خاخ فجحدت أنّ معها كتاباً , فقال عليّ ﵁: والله ما كذب رسول الله ﷺ لتخرجِنَّ الكتابَ أو لأجرّدنّك فخافت فأخرجته من عقاصها كما أخبر به النبي ﷺ (٢) , ومنها لما ضلّت راحلته (٣) منصرفة من تبوك فقال بعض المنافقين: ألا حدثه الله بمكانها , فأطلعه الله عليها وعلى مافي نفس المنافق فأسلم وفارق النفاق (٤) , ومنها: إخباره لرسولَي فيروز لما قدما عليه المدينة من اليمن حين كتب إليه كسرى فقال لهما: «إنّ ربي قد قَتل ربّكما البارحة» فكتبا تلك الليلة [ق ٣١/ظ] فلما رجعا إلى اليمن أتى فيروزَ الخَبرُ أن شيرويه بن كسرى قتل أباه تلك الليلة (٥) , فهذه أشياء وقعت وهو غائب عنها فأخبر بها كما وقعت وهذا باب واسع نبّهنا به على ما وراءه إذ حصر ما ورد في ذلك عزيز أو متعذّر؛ وأما الأشياء التي أخبر بها مما لم يكن أنه سيكون فهذا أيضاً باب واسع وطريق شاسع وفيه من العجائب ما يَدْهَشُ العقولَ فمن
ذلك ما أخبره (١) الله تعالى به في القرآن كقوله: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ﴾ [آل عمران: من الآية ١٢] فكان الغلب كما ذكر (٢) وتقريراً للعذاب (٣) إذا حشروا , فإنهم قاتلوا وغُلِبوا وسيحشرون إلى النار كما وُعِدُوا , ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ (٤)﴾ [الأنفال: من الآية ٧] فهزم الله المشركين (٥) , ومن ذلك قوله: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ﴾ [الحج: من الآية ٤٠] فَنَصَر الله حزبه على حزب الشيطان وأظهر دينه على الأديان , ومن ذلك قوله
تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا﴾ [النور: من الآية ٥٥] فكان الاستخلاف والتمكين في الأرض والأمن كما وعد , ومن ذلك قوله تعالى: ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣) فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ [الروم: ١ - ٤] فَراهَنَ أبو بكر الصديق ﵁ على وقوعه ووقع كما وعد (١) , ومن ذلك قوله [سبحانه] (٢) تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ] مُحَلِّقِينَ [(٣)﴾ [الفتح: من الآية ٢٧] فدخلوه (٤) كذلك , ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا﴾ [الفتح: من الآية ٢١] يعني العجم وفارس فملكها المسلمون كما أخبر , ومن ذلك إخباره ﷺ بغزو فارس والروم والعجم وبني حَنيفة وأصحاب مسيلمة فقاتلهم أبو بكر ثم عمر ﵄ , ومن ذلك أنه وعَد المسلمين بأخْذِ أبيضِ كسْرى فأخذوه كما قدّمنا ذكره , ومن ذلك أنه وعَد أن تَخرُجَ الظّعينة من الحيرة حتى تطوف بالبيت بغير جوار أحَدٍ فوقع ذلك (٥) , ومن ذلك قوله سبحانه: ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً (٦)﴾ [الممتحنة: من
َدٍ فوقع ذلك (٥) , ومن ذلك قوله سبحانه: ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً (٦)﴾ [الممتحنة: من
الآية ٧] فكان من ذلك أن تزوّج النبي ﷺ أم حبيبة بنت أبي سفيان واستكتب أخاها معاوية وأسلم أبوه وصارت مودّة ومصاهرة , ومن [ق ٣٢/و] ذلك إخباره بالفتن الكائنة بعده وردّةِ جماعة ممن شاهده وما يجري على عمر (١) وعثمان (٢) وعلي (٣) والحسين (٤)
وعمار بن ياسر (١) وما يُصلح الله بالحسن بين الأمّة (٢) وافتتاح البلدان والأمصار الممصرة (٣) (٤) كالكوفة والبصرة وبغداد على أمّته إلى غير ذلك مما يطول ذكره ويَعَزّ (٥) حصرُه وأمّا ما أكنّتْه الصدور وأضمرته القلوب فأطلع الله تعالى عليه محمداً ﷺ وجعله من معجزاته الباهرة وشواهد رسالته الظاهرة فكثير واستيعابه خطب خطير [و] (٦) من ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ﴾ [المائدة: من الآية ١٣] وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا
لِيلًا مِنْهُمْ﴾ [المائدة: من الآية ١٣] وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا
أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: من الآية ٧٦] يعني من بعث محمد ﷺ ﴿لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: من الآية ٧٦] فأعلمه الله تعالى بذلك فقال: ﴿أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ [البقرة: ٧٧] ومن ذلك قوله: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا﴾ [الأحزاب: من الآية ١٨] وذلك أنّ اليهود قالوا للمنَافقين سراً يوم الخندق: على ما تقتلون أنفسكم , هلموا إلينا , ما ترجون من محمد , والله ما تجدون عنده خيراً؛ ومن ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ﴾ [محمد: من الآية ٢٥] إلى قوله: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ﴾ [محمد: من الآية ٢٦] وذلك أنهم قالوا: أن قريظة والنضير ستُطيعكم في بعض الأمر فأظهر الله تعالى إسرارهم لرسوله ﷺ , ونظائر ذلك في القرآن كثيرة نبهنا ببعضها على ما فيها؛ فأمّا إخبارهُ ﷺ بالغائبات من غير القرآن فكثير أيضاً كإخباره بأمر الخلافة وأنها تكون كذلك ثلاثين سنة ثم تصير مُلْكاً (١) , وبأن عثمان سَيُقمص قميصاً ويُراد على خلعه وأوصاه أن لا يخلعه (٢) , وأن أشقى الآخِرين سَيخضِب لحية عليّ بن أبي طالب ﵁ من رأسه (٣) , وأن الحسين ﵁ سَيُقتل (٤) , وأن فاطمة ﵂ أول أهله به لحُوقاً (٥) , وأخبر بخروج الخوارج (٦) , وبأنّ عمّاراً ﵁ تقتله الفئة الباغية (٧) , وأنه يخرج من ثقيفٍ
كذّابٌ ومُبير فخرج المختار والحجّاج (١) , وأخبر أن أصحابه سَيَلقون بعده أثَرةً وأموراً عظاماً (٢) , وأن أمته ستفترق [ق ٣٢/ظ] , وأنّ بني أمّية سيملكون (٣) , وأن بني العباس يملكون الملك (٤) , وأنه يكون مَلك (٥) يحثوا المال حَثْياً لا يعدّه عَدّاً (٦) , وأنّ مُلك أمّته
ينتهي إلى مشارق الأرض ومغاربها (١) , وأن أمّته تقاتل قوماً نعالهم الشعر صغار الأعين ذلف الأنوف (٢) , وكل واحد من هذه الأمور فيه حديث صحيح أوحسن مشهور مُدَوّن في كتب الحديث والسِّيَرِ والتّاريخ وغير ذلك , قد استقرّ في القلوب تصديقه لِتَلَقِي الأمّة له بالقبول وتدوينهم إيّاه في دواوين الإسلام (٣) نبّهنا بذكر كل نوع منه على ما وراءه , وهذه الأمور من أقوى الأدلة وأعدل الشهود على (٤) صدق ما أخبر به من أمور الآخرة وشأن البرزخ كعذاب القبر والحشر والنّشر والحساب والشفاعة والميزان والجنّة والنّار والصّراط وغير ذلك مما هو من شأن اليوم (٥) الآخر , والله تعالى الموفق.
فإن قيل: قد أتيح لعيسى ﵇ حواريون (١) كانوا أنصارَه وأعوانه , قد (٢) ذكرهم الله تعالى ومدحهم بذلك في قوله سبحانه عن عيسى: ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ﴾ [آل عمران: من الآية ٥٢ , الصف: من الآية ١٤] قلنا قد أعطي محمد ﷺ أنصاراً قد أشرنا إلى ذكرهم وأنهم قالوا له: واللهِ لو أمرتنا أن نخيضها البحر لأخضناها (٣) , وظهر من صدقهم ونصرهم إيّاه ومنعهم مَن أرادَهُ بسوء وإجلالهم له وتوقيرهم إياه وامتثال أمره أمورٌ يطول ذكرها ولا يمكن حصرها من خلوص الطاعة وصحّة النيّة وحسن المؤازرة وبذل النفوس في نصره ومجاهدتها في إقامة دينه , فإن الله امتحن قلوبهم للتقوى وكانوا لا يُحدّون النظر إليه إعظاماً له , ولا يرفعون أصواتهم عنده إجلالاً له وإكراماً , ولا يتنخم نخامة إلا ابتدروها يتمسّحون بها (٤) ولا سقطت من شعره شعرة إلا تنافسوا فيها (٥) حتى إن معاوية أوصى أن يدفن معه شعر من شعر رسول الله ﷺ (٦) , وشرب عبدالله بن الزُّبير محجمةً مِن دَمِهِ كان أمره أن يهريقها فأودعها جوفه (٧) وكان إذا حضره من لا يوقّره ولا يعظّمه من جفاة العرب
رسول الله ﷺ (٦) , وشرب عبدالله بن الزُّبير محجمةً مِن دَمِهِ كان أمره أن يهريقها فأودعها جوفه (٧) وكان إذا حضره من لا يوقّره ولا يعظّمه من جفاة العرب استأذنوه في ضرب عنقه [ق ٣٣/و] كما لقي عروةَ بن مسعود يوم الحديبية من ابن أخيه المغيرة بن شعبة لمّا قَرَع يدَه بنعل السيف وقال له: أكفف يدك قبل أن لا ترجع إليك فرجع عروة إلى قريش فأخبرهم بما
أعجبهم من تعظيمهم له (١) , وواسَوه بأموالهم ووَقَوْه (٢) بأنفسهم وقاتلوا عنه حتى أهلَهُم وعشيراتِهم وعادَوا فيه حتى قومَه الذين خالفوه وعصوه وقد قال ﷺ: «إن لكل نبيّ حوارياً وحواري الزبير بن العوام» وكان أولَّ من سَلّ سيفاً في سبيل الله وكان في شِعْبِ المَطابخ فسمع أن النبي ﷺ قد قتل فأخذ السّيف وخرج عرياناً في يده السيف صلتاً فلقيه النبي ﷺ كِفَّةَ كِفَّةَ , فقال: «مالك؟ » , قال: سمعت أنك قُتلت , قال: «فما كنت صانعاً؟ » , قال: أردت أن أستعرض أهلَ مكّة , فدعا له رسول الله ﷺ (٣). فإن قيل: إن عيسى ﵇ طلب الحواريون منه أن يدْعو ربَّه أن ينزل عليهم (٤) مائدة من السماء تكون لهم عيداً يأكلون منها لتطمئن قلوبهم ويعلموا أنه قد صَدَقهم ويشهدوا له بذلك، قيل: قد أعطى الله محمداً ﷺ ماهو أفضل من ذلك من غير هذه الشروط وذلك ما روى سَمُرَة بن جندب أن رسول الله ﷺ أُتي بقصعة من ثريد فَوُضِعَتْ بين يدي القوم فتعاقبوها من غدوة إلى الظهر يقوم قوم ويجلس آخرون , فقال رجل لسمرة: أما كانت تُمدّ؟ , قال: من أي شيء تَعجَبُ ما كانت تُمَدّ إلا من هاهنا وأشار بيده إلى السماء (٥)؛ وأصحاب محمد ﷺ لمّا أسلموا كان منهم من عُذِّبَ كبلال وصهيب وعمّارٍ وأبويه , فعُذِّبوا أشد العذاب ولم يُزحزِحهم ذلك عن دينهم شيئاً , وفيهم من أُسِر وقُتِل كَخُبَيْب وغيره , ولم يتزلزل إيمانهم ولم يقترحوا على نبيّهم مثلَ هذه الاقتراحات وقصصهم معروفة وسيرهم مشهورة؛ وأما حواريّو عيسى ﵇ فغايتهم أن قالوا له: ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا [ق ٣٣/ظ] مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ ... ﴾ الآية
م مشهورة؛ وأما حواريّو عيسى ﵇ فغايتهم أن قالوا له: ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا [ق ٣٣/ظ] مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ ... ﴾ الآية
[المائدة: ١١٢] , فإن قيل: كان (عيسى) (١) سياحاً جَوَّاباً جَوّالاً في البراري وسواحل البحار , قلنا: قد أشرنا قبلُ إلى سياحة نبينا ﷺ وأمّته وأنّ منها الجهاد برّاً وبحراً وقد كان منهم ما أشرنا إليه وأضعاف ذلك , فكانت سياحة محمد ﷺ وبارك أفضل وأكمل , ونفعها أعم وأحسن وأجمل , لأنه حصل في سياحته فتح البلاد وقتل الكفار الذين أظهروا في الأرض الفساد حتى استنفَد عشر سنين في إقامة الدين فتابَعه مالم يُتابِع نبياً قبله في أضعاف تلك المدّة ولا يقاربه , فإن نوحاً لبث في قومه يدعوهم ألف سنة إلا خمسين عاماً فما بلغ من كان معه من المؤمنين في السفينة مائة نفس (٢) , فكان محمد ﷺ في مدّة نبوّته إمّا مجاهداً وإمّا مجهّزاً جيشاً أو سريةً أو باعِثاً بَعْثاً في إقامة الدين وإعلاء الكلمة وإبلاغ الرسالة وإسماع الدعوة حتى طبّق الأرض دينُه وذكْرُه وعَمّ البسيطةَ ظُهوره وقهرُه. فإن قيل: إن عيسى عليه [الصلاة و] (٣) السلام كان زاهداً في الدنيا يُقنِعه اليسيرُ منها ويجتزي بالطفيف من البلغة حتى خرج من الدنيا كفافاً فلا له ولا عليه , قلنا: كذلك كان محمد ﷺ كان يطوي اليومين والثلاثة لايجد من الدقل (٤) ما يملأ به بطنه (٥)
ويمكث الهلال إلى الهلال إلى الهلال ثلاثة أهلّه في شهرين ما تُوقَد في بيت من بيوته نار وإنما كان يتقوّتون بالأسودين التمر والماء (١) إذا حصل وهم مع ذلك تسعة أهل أبيات ومات ودرعه مرهونة على أوساق شعير إدَّانَها قُوتاً لأهله (٢) ولم يترك إلا سلاحه وبغلته , وعيسى ﵇ كان وحده لا ولد يجوع ولا بيت يخرب على أن الله تعالى قد كان عرض (على) (٣) محمد ﷺ مفاتيح كنوز الأرض فأبى أن يقبلها وقال: «أجوع يوماً فأذكرك وأشبع يوماً فأشكرك» (٤) فمحمد ﷺ أزهَدُ الأنبياء طُرّاً وأعظمهم فيه فضيلةً وفخْراً فإنه خرج من الدنيا ولم يشبع من خبز بُرٍّ ثلاثة أيّام تباعاً (٥) وكان يربط الحجر على بطنه من الجوع (٦) ويطوي اللّيالي ما يجد ما يقتات (٧) وله ثلاث عشرة امرأة يَزِدن
تارة ويَنقُصن [ق ٣٤/و] أخرى سوى من يَطْرَأ عليه من خارج (١) , وكان يلبس الصوف وينتعل المخصوف (٢) ويفترش إهاب شاة (٣) وكانت وسادته من أدَم (٤) حشوُها ليفٌ (٥) وكان لا يدّخر شيئاً لغدٍ (٦) و [كان] (٧) زهده في الدنيا وفقره معروف مشهور , ولمّا فتح الله تعالى عليه خزائن الملوك ووطّأ له أعناق الجبابرة ومكّن له في البلاد وأعطي من غنائم العباد , كان يقسم في اليوم الواحد ثلاثمائة ألف ويعطي الرجل المائة من الإبل (٨)
زائن الملوك ووطّأ له أعناق الجبابرة ومكّن له في البلاد وأعطي من غنائم العباد , كان يقسم في اليوم الواحد ثلاثمائة ألف ويعطي الرجل المائة من الإبل (٨)
والخمسين وما بين جبلين من الغنم (١) , ويُمسي فيأتي السائل فيقول: «والذي بعثني بالحق ما أمسى في بيت من بيوت آل محمد صاع من شعيرٍ ولا تمرٍ» (٢) ولم يكن لعيسى ﵇ من (٣) يطالبه بشيء لا زوجة ولا ولد ولا يحتاج إلى ما كان يحتاج إلى مثله محمد ﷺ. فإن قيل: إن عيسى ﵇ قد كان في حياطة وحرز من ربّه تعالى (٤) أن يعدوَ عليه ظالم وأن يُنال بسوء كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ ... ﴾ الآية [المائدة: من الآية ١١٠] وأيّده بروح القدس فكان يمسي ويُصبح آمناً ساكن القلب ثابت الجأش لما كان الله يتولّاه , قيل: قد كان لمحمد ﷺ أبلغ من ذلك , فإن العجم والعرب انتصبت لمعاداته والجن والإنس استعدّوا لمناصبته فأيده الله بروح منه ونصره عليهم وأنزل عليه: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: من الآية ٦٧] وأنزل عليه المعوّذات والقرآن الذي كان يقرأه فيجعل الله بينه وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجاباً مستوراً , وقصدوه بالأذى (٥) عوداً على بدْءٍ ويردّ الله كيدهم في نحورهم ويحفظه من شرورهم كما أشرنا إليه من قصة أبي جهل وما أراده سُراقة في سفر الهجرة وأشباه ذلك كثير (٦) , والشياطين تدلّت عليه من رؤوس الجبال بالشعل من النار
فعلّمه جبرئيل ما يتعوّذ منهم ففعل فكفِيَ شرهم وطَفِئت نيرانهم (١) , واعترض عليه شيطان في المحراب وهو يصلي فأمكنه الله تعالى منه فخنقه وأراد أن [ق ٣٤/ظ] يربطه بسارية من سواري المسجد فذكر دعوة سليمان فأطلقه ولولا ذلك لأصبح مُوثَقاّ يلعب به الغلمان (٢) , وهذا باب واسع لا يمكن استيفاء ما ورد فيه لكثرته على أن أعداء نبيّنا ﷺ كانوا أشدّ شكيمة (٣) وأعظم عداوة , وأكبر حقْداً , وأكثر عَدداً وعُدَداً , أهل جاهليّة
ب واسع لا يمكن استيفاء ما ورد فيه لكثرته على أن أعداء نبيّنا ﷺ كانوا أشدّ شكيمة (٣) وأعظم عداوة , وأكبر حقْداً , وأكثر عَدداً وعُدَداً , أهل جاهليّة
جهلاء حتّى رمته العرب عن قوسٍ واحدة , حتى أهْلُه وبنو عمّه وعشيرته , وهو مع ذلك من قوّة القلب وثبوت الجأش بالمنزلة التي لا يَجهلها من وقف على سيرته , وتدبّر أحواله مع قومه , بما ألقى الله في قلوب أعدائه من الرهبة والجَزَع أن يهجموا عليه , ولقد (١) تَمالَأ عليه القبائل ليقتلوه كما قال (الله) (٢) تعالى مخبراً عنهم: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (٣٠)﴾ [الأنفال: ٣٠] فقد كان الله سبحانه يحفظه ويصونه ويصرف عنه من أراده بالسّوء من كفّار قريش حتى صرف عنه شتمهم وسبّهم (كما أخبر ﷺ في قوله: «ألا تعجبون كيف يصرف الله عني شتم قريش وسبهم) (٣) ولعنهم فإنهم يشتمون مذمماً ويلعنون مذمماً وأنا محمّد» (٤) , وعن ابن عباس ﵄: أن الملأ من قريش اجتمعوا في الحجر , فتعاقدوا باللات والعزى , ومناة الثالثة الأخرى وإسافَ ونائلة: لو رأينا محمّداً قمنا إليه قيام رجل واحد , فلم نفارقه حتى نقتله , فدخلت فاطمة ﵍ (٥) على (٦) أبيها ﷺ وهي تبكي فقالت له: إن الملأ من قومك اجتمعوا في الحجْر فتعاقدوا [على] (٧) أن لو رأوك قاموا إليك فقتلوك , وقد عرف كل رجل منهم نصيبه من دمك , فقال: «يا بُنَيَّة أدْنِي وَضُوءاً» فتوضّأ ثم دخل عليهم المسجد فلمّا رأوه قالوا هاهو هذا , فَعَقِروا في مجالسهم , وخفضوا رؤسهم , ولم يقم إليه منهم رجل واحد , فأقبل رسول
الله ﷺ حتى قام على رؤسهم فأخذ قبضة من التراب فحصَبَهُ عليهم وقال: «شاهت الوجوه» فما أصابت رجلاً منهم حصاة إلا قتله الله يوم بدر كافراً (١)؛ وعن أنس ﵁[ق ٣٥/و] قال: "إن إبليس ما بين قدميه إلى كعبيه كذا وكذا وأنّ عرشه لعلى البحر ولو ظهر للناس لعُبد , قال: فلما بعث الله محمداً ﷺ أتاه وهو بجَمْعٍ يكيده فانقَضَّ عليه جبرئيل ﵇ فدفعه بمنكبه فألقاه بوادِي الأُرْدُنّ" (٢)؛ وعن ابن عباس ﵁ قال: "لما نزلت ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾ [المسد: من الآية ١] جاءت امرأة أبي لهب إلى أبي بكر ﵁ , وأبو بكر جالس مع النبي ﷺ , فلما رآها أبو بكر قال: يا رسول الله إنها امرأة بذيئة فلو قمت فإني أخاف عليك أن تؤذيك , فقال: «إنها لن تراني» , فجاءت فقالت: يا أبا بكر هجاني صاحبك , فقال لها أبو بكر: لا وما يقول الشعر , قالت: إنك عندي لمصدَّق (٣) وانصرفت , فقال أبو بكر: يارسول الله وما رأتك , قال: «إنه نزل ملك فسترني منها بجناحه» (٤)؛ وروى أبو مصعب المكي قال: أدركت أنس بن مالك وزيد بن أرقم والمغيرة بن شعبة فسمعتهم يحدثون: أن النبي ﷺ قال: أمر الله سبحانه شجرةً ليلة الغار فنبتت في وجه النبي ﷺ , وأمَر العنكبوت فنسجت في وجه النبي ﷺ فسترتْه , وأمر الله حمامتين وحشيّتين فوقعتا بفم الغار , وأقبل فتيان من قريش من كل بطن رجل بِعِصِيّهم وهراواتهم وسيوفهم حتى كانوا من النبي ﷺ قدر أربعين ذراعاً فجعل كذا بعضهم ينظر في الغار فرأى حمامتين بفم الغار فرجع إلى أصحابه فقالوا له: مالك لم (٥) تنظر في الغار , فقال: رأيت حمامتين بفم الغار فعرفت أن ليس فيه أحد , فسمع
ينظر في الغار فرأى حمامتين بفم الغار فرجع إلى أصحابه فقالوا له: مالك لم (٥) تنظر في الغار , فقال: رأيت حمامتين بفم الغار فعرفت أن ليس فيه أحد , فسمع
النبي ﷺ ما قال , فعرف أن الله قد [تعالى] (١) قد درأ (٢) عنه بهما فدعا لهنّ وسَمَّتَ (٣) عليهن وفرض جزاءهن وأُقرِرن في الحرم (٤)؛ ولما ظهر الخوف من أبي بكر ﵁ على (٥) النبي ﷺ قال له رسول الله ﷺ: «ما ظنّك يا أبا بكر باثنين الله ثالثهما» (٦) ولمّا لحقهم سراقة بن مالك قال أبو بكر: يا رسول الله أُدركنا , قال له النبي (٧) ﷺ: «لاتحزن إنّ الله معنا» (٨)؛ ولما قدم المدينة قالت له اليهودُ: يا محمد إنّا ذَوُو عدّة وبأس شديد فاحذر أن نقتلك , فكان جماعة من المهاجرين والأنصار يحرسونه مُسْتلْئمين في السلاح يخافون عليه [ق ٣٥/ظ] اليهودَ حتى أنزل (٩) الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: من الآية ٦٧] يعني من اليهود , أي: أنا أمنعك منهم , فرَدّ الحرسَ إلى منازلهم وكان يبرز وحده في سواد الليل وبالأسحار إلى البقيع والأودية (١٠) ممنوعاً منهم لا يَصِلون إليه بسوء , وكانت هذه العصمة زيادة في عزيمته وتقوية لقلوب أصحابه وتخفيفاً عنهم وتطيباً لقلوبهم وتبييناً لصدق خبره لأنه أخبر بالعصمة في المستقبل من أيامه والمستأنف من زمانه وذلك غيب لا يعلمه إلا الله ولا يخبر به عنه محتجّاً به مستميتاً إليه إلا رسول مبين يعلم أنه على بينة من ربه وبصيرة من أمره.
أيامه والمستأنف من زمانه وذلك غيب لا يعلمه إلا الله ولا يخبر به عنه محتجّاً به مستميتاً إليه إلا رسول مبين يعلم أنه على بينة من ربه وبصيرة من أمره.
فإن قيل: إن عيسى ﵇ رفع إلى السماء كما قال تعالى: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: من الآية ٥٥] , قلنا: قد أعطى محمداً ﷺ ذلك على أكمل الوجوه فإن الله رفع محمداً ﷺ إلى فوق سبع سموات , وإلى سدرة المنتهى , وخرق من الحجب ما شاء الله , ورأى من آيات (١) ربه الكبرى ولم يُتوفه , وسأله عما يختصم فيه الملأ الأعلى فأخبره وعلّمه مالم يعلّمه غيرَه وعاد ببشرى من الله تعالى وقد أعطاه مالم يعط أحداً من النبيين الأولين والآخرين مع أن بعض أصحابه قد رفع إلى السماء فإن جعفر بن أبي طالب لما قاتل يوم مُؤتَة وقُطِعت يداه وقُتل جعل الله له جناحين يطير بهما في الجنة (٢) , وعن عامر بن الطُّفَيل (٣) أنه رأى عامر بن فُهيرة (٤) يوم بئر مَعُونة (٥) حين قتل رفع إلى السماء حتى إني لأنظر السماء بينه وبين الأرض (٦) , ومما يدخل في هذا الباب
حديث حنظلة بن (أبي) (١) عامر الرّاهب (٢) فإنه يوم تزوج بِجَميلَة بنت عبدالله بن أبيّ ابن سلول دخل بها بعد أن صلى الصبح وذلك يوم أُحُد , ثم خرج يريد النبي ﷺ بأُحُد , فأرسلت إلى أربعة من قومها فأشهدتهم أنه قد دخل بها , فقيل لها في ذلك , فقالت: رأيت كأنّ السماء فُرجت له فدخل فيها ثم أطبقت فقلت: هذه [ق ٣٦/و] الشهادة وعلقت بعبدالله بن حنظلة , فلمّا قتل حنظلة قال رسول الله ﷺ: «إني رأيت الملائكة تغسل حنظلة بن أبي عامر بين السماء والأرض (بماء) (٣) المزن في صحاف الفضّة» , قال أبو أسيد الساعديّ (٤): فذهبنا فنظرنا فإذا رأسه يقطر ماء (٥) فرجعت إلى رسول الله ﷺ فأخبرته فأرسل إلى امرأته يسألها فأخبرته (٦) أنه خرج وهو جنب (٧) فولده يقال لهم بنو غسيل الملائكة (٨)؛ وقد طهّر الله تعالى محمّداً ﷺ من كل
شين , وخصّه وجمّله بكل زين , وقد جعل الذين اتبعوه فوق جميع الخلق منزلةً وقدراً إلى يوم القيامة كما أشرنا إليه من حديثه ﷺ (أنه قال) (١): «لا تزال طائفة من أمتي قائمة على الحق إلى يوم القيامة ... » الحديث (٢). فإن قيل: عيسى ﵇ دعا فنزلت المائدة وعليها أنواع من الطعام , قيل: دعاء محمد ﷺ (كان) (٣) أعظم نفعاً وأكثر بركة وأحسن عاقبة , فإن المائدة كان فيها طعام مخصوص لقوم مخصوصين لم يكن عامّاً لجميع المخلوقين مع أن عاقبة نزول المائدة كان شراً على من طلبها من عيسى ﵇ , فإنهم عُوقبوا إذ لم يشكروا ومُسِخوا خنازير إذ عَصَوا وادخروا , فكانت المائدة عقوبة لهم إذ عذّبهم الله تعالى عذاباً لم يعذب به من كان قبلهم , ثم ارتفعت هذا إن صحّ أنّها نزلت (٤) , فأما محمد ﷺ فإن أمّته لما شكَوا إليه الجدب واستئخار المطر عن إبّانِ زمانه فقالوا له: ادع اللهَ يُغيثنا وكان يخطب على المنبر يوم الجمعة فرفع يديه ودعا فما نزل حتى جاء المطر وجاش كل ميزاب فلم يزالوا يُمطَرُون إلى الجمعة الأخرى , فقالوا: يا رسول الله تهدمت البيوت وانقطعت السبل فادع الله (تعالى) (٥) يحبسها عنا فدعا فأقلعت وانجابت عن (٦) المدينة انجياب الثوب وسالَ وادي قناةَ (٧) شهراً ولم يجئ أحد من ناحيةٍ إلا أخبر بالجَوْد (٨) , فدعوة
تعالى) (٥) يحبسها عنا فدعا فأقلعت وانجابت عن (٦) المدينة انجياب الثوب وسالَ وادي قناةَ (٧) شهراً ولم يجئ أحد من ناحيةٍ إلا أخبر بالجَوْد (٨) , فدعوة
محمد ﷺ كانت نعمة ورحمة وبركة فإن المطر (١) خير الأرزاق لجميع المخلوقات بل هو أصل الأرزاق كلها وأساس النعم جميعها وقد أنزل الله تعالى [ق ٣٦/ظ] على جماعة من أمّة محمّد ﷺ من السّماء طعاماً وشراباً عند حاجتهم إليه , وبُورِك لآخرين في قليل الطعام والشراب حتى سَدّ مسدّ الكثير وهذا أمر معلوم معهود في أمّته , وقد روى أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «لما فرغت مما أمرني الله تعالى به من أمر السموات والأرض يعني ليلة المعراج قلت: يا ربّ إنه لم يكن نبي قبلي إلا وقد كرّمته , (جعلت إبراهيم) (٢) خليلاً , وموسى كليماً , وسخرت لداود الجبال يسبحن والطير , ولسليمان الريح والشياطين , وأحييت لعيسى الموتى , فما جعلت لي , قال: أوليس قد أعطيتك (٣) أفضل من ذلك كله أن لا أُذكَر إلا ذُكِرتَ معي وجَعلت صدور أمّتك أناجيل يقرؤن القرآنَ ظاهراً ولم أُعطها أمّةً , وأنزلت عليك كلمة من كنوز عرشي لا حول ولا قوة إلا بالله» (٤) وقد أشرنا إلى هذا وسيأتي حديث الإسراء فيما بعد إن شاء الله تعالى , فقد
ظهر فضل محمد ﷺ على أولى العزم من الرسل صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين بما تيسر من ذكر فضائلهم وفضائل محمّد ﷺ (لما) (١) قابلنا بينهما , وأنه لم يؤتَ أحد منهم فضيلة إلا وقد أُعطي محمد ﷺ مثلها وأعظم , و [قد] (٢) خُصّ بما لم ينالوا من جنسه شيئاً كما أشرنا إليه وكما ندلّ فيما بعد إن شاء الله تعالى عليه , ونحن نذكر بمشيئة الله تعالى وعونه وحسن توفيقه مما ورد في فضل غيرهم من الأنبياء (وإن كان الفضل للمتقدم , فإن محاسن الأنبياء) (٣) ومعجزاتهم تتوق الأنفس إلى سماعها ونبيّن فضل ما أوتي محمد ﷺ وعليهم على نحو ما تقدم من شأن أولي العزم صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.
سن الأنبياء) (٣) ومعجزاتهم تتوق الأنفس إلى سماعها ونبيّن فضل ما أوتي محمد ﷺ وعليهم على نحو ما تقدم من شأن أولي العزم صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.
فصل قال الله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (٥٦) وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ [ مريم: ٥٧ - ٥٨] ولا ريب أنّ منزلة محمد ﷺ من الصّدّيقية والنبوة أعظم [ق ٣٧/و] من منزلة إدريس ﵇ , وأمّا رفعته إلى المكان العلي فغيره من الأنبياء رفع إلى أعلى مكانة (٤) كما سيأتي في ذكر المعراج والإسراء , وأن محمّداً ﷺ علا فوق منزلة إدريس ﵇ وفوق منزلة من هو فوقه , فإنه رفع فوق سبع سموات وفوق سدرة المنتهى , وطيفَ به في جنة المأوى , بعد أن دنا من ربّه تعالى فتدلى , فكان قاب قوسين أو أدنى , ورأى من آيات ربّه الكبرى , والحديث في الصحاح والسنن والمساند وغيرها من السّير وكتب العلم مشهور معروف فقد حصل له في الرفع البَدَني مالم يحصل لملَك مقرّب ولا نبيّ مُرسَل , فأما رفع القدر والمنزلة فقد قال تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشَّرح: ٤] روى أبو سعيد الخدري ﵁ عن رسول الله ﷺ في قوله: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشَّرح: ٤] قال:
فقد قال تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشَّرح: ٤] روى أبو سعيد الخدري ﵁ عن رسول الله ﷺ في قوله: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشَّرح: ٤] قال:
«قال لي جبريل: قال الله تعالى: إذا ذُكِرتُ ذُكِرتَ معي» (١) فرفع الله تعالى له ﷺ شأنه , وأقام برهانه في الدنيا والآخرة بأن قرن اسمه مع اسمه في الشهادة بربوبيّته وتوحيده في مشارق الأرض ومغاربها فليس خطيبٌ ولا مصَلٍ ولا داعٍ إلا ينادي بذكره مع ذكر الله (تبارك) (٢) وتعالى. وأما هود ﵇: فقيل إن الله تعالى فضله بأن انتصر له من أعدائه بالريح العقيم ما تذر من شيء أتت عليه إلا جعلته كالرّميم , قلنا لمحمّد ﷺ أفضل من ذلك فإن الله تعالى انتصر له من أعدائه يوم الخندق بالريح أيضاً وبالملائكة الكرام كما قال تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾ [الأحزاب: من الآية ٩]؛ روى أبو نعيم عن ابن عباس ﵄ قال: لما كان يوم الأحزاب انطلقت الجَنُوبُ إلى الشَّمال فقالت: انطلقي بنا ننصر محمّداً ﷺ , فقال الشمال: إن الحُرّة لا تسري إلا بليل , فأرسل الله عليهم الصَّبا , فذلك قوله تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾ [الأحزاب: من الآية ٩] (٣)؛ وفي الصحيح عنه ﷺ[ق ٣٧/ظ] أنه قال: «نُصِرتُ بالصّبا وأُهلِكَت عادٌ بالدَّبُور» (٤) فإنّ يوم الخندق لمّا تألّب الأحزاب على المسلمين واشتدّ (الأمر) (٥) عليهم



