— Bagian 4 · كما قال الله تعالى: ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِ… —
Bagian 4
كما قال الله تعالى: ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ﴾ [الأحزاب: من الآية ١٠] أرسل الله على الأرض ريحاً شديدة في ليلة عظيمة البرد فجعلت تَكْفَأُ قدورَهم وتَطرَحُ أبنيَتهم فكان يُسمَع في تلك الليلة أصوات كالصواعق فألقى الله تعالى في قلوبهم الوهن والخوف والجزع قال حذيفة ﵁: وما أتت علينا ليلةٌ قط أشدّ ظلمةً (١) ولا أشدّ بَرداً ولا أشدّ (٢) ريحاً منها (٣) , أصوات ريحها أمثال الصّواعق وهي ظلمة , ما يرى أحدنا إصبعَه , واختلفت كلمة المشركين ووقع التخاذل بينهم , فقال أبو سفيان: يا معشر قريش والله ما أصبحتم بدار مقام , والله لقد هلك الكراع والخُفُ واخلفَتْنا بنو قريظة وبَلَغَنا عنهم الذي نَكْرَهُ ولقينا مِن شدّة الريح ما ترون ما تَطمئن لنا قِدْرٌ ولا تقوم لنا نارٌ ولا يستمسك لنا بناء فارتحِلوا إنّي مرتحِل , وكانت هذه الشدّة خاصّة على الكفار , فإن حذيفة بن اليمان ﵁ لمّا بَعثَه النبي ﷺ لينظر له خبر القوم في الليل قال (٤): فكنت كأنما أمشي في دِيماسٍ -يعني: حماماً- حتى رجَعْتُ (٥).
فصل وأما صالح ﵇ - فقيل إن فضيلته في أن أخرج الله (تعالى) (٦) له ناقةً جعلها له على قومه حجّةً وآيةً , وجعل في لبَنها البركة فكانت تشرب يوماً ماء نهرهم ويشربون يوماً لبَنها كما قال الله تعالى: ﴿لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الشعراء: ١٥٥] قلنا:
َنها البركة فكانت تشرب يوماً ماء نهرهم ويشربون يوماً لبَنها كما قال الله تعالى: ﴿لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الشعراء: ١٥٥] قلنا:
لمحمد ﷺ من الآيات الخوارق أعجب من هذا فإن اللبن معهود من النُّوق وإخراج الماء (من بين الأصابع أمر غير معروف فإن محمداً ﷺ كان إذا قلّ الماء عليهم دعا بالقدح ووضع أصابعه فيه فيتفجر الماء عيوناً) (١) من بين أصابعه حتى يرتوي القوم ودوابهم ويتزوّدوا وهم الجمّ الغفير والخلق الكثير حتى قيل لبعضهم: كم كنتم , قال: لو كنا مائة ألف لكفانا (٢) , ولم يعرف هذا لنبيّ قبله وكذلك كان [ق ٣٨/و] يطعمهم من الطعام اليسير فيشبعون ويتزودون ولو كانوا ألوفاً من طعام يكون قدر ما يكفي الواحد والاثنين ونحو ذلك , وقد كان محمد ﷺ يمسح ضرع الشاة الحائل فيَدُرّ لبَنُها فيحلب منها ويبارَك فيه وأبلغ من ذلك أنه مسَح ضرع الشاة التي لم يَنْزُ عليها الفحل فدرّت لبناً كما في حديث ابن مسعود (٣) وحديث أم مَعْبَد (٤) وغير ذلك وفي حال طفوليته وهو عند ظئره حَليمة وما أظهر الله تعالى من البركة في درّها ودرّ شارفها وقوّتها وقوّة أتانها حتى حلبوا وشربوا ورَوُوا ورَوِيَ ولدها ونامُوا وما كانوا ينامون الليل من بكائه وصارت أتانها تسبق
من البركة في درّها ودرّ شارفها وقوّتها وقوّة أتانها حتى حلبوا وشربوا ورَوُوا ورَوِيَ ولدها ونامُوا وما كانوا ينامون الليل من بكائه وصارت أتانها تسبق
القومَ بعد ما كانت لا تلحقهم إلا مع شدة (شديدة) (١) (٢) فكل ذلك محض بركةٍ أظهرها الله تعالى به وأجْراها على من أجراها بسببه ولم يكن حينئذ في معرض إظهار معجزة وإقامة حجة ودعاءٍ إلى نفسه وإن كانت مما يُستشهد بها في ثاني الحال على شرفه وعظم شأنه وعلوّ مكانه وصدقه في دعواه ﷺ؛ وأما ناقة صالح ﵇ وعظم خلقها وبديع شكلها وتذليل الله تعالى (لها) (٣) في يده فهذا شئ خُلِقَ لإبْرام أمْرٍ أراده الله تعالى لا يتم إلا على هذا الوجه وإنّما خُلقت لتطيعه وتَذِلّ وهي كانت مُعجزته الشاهدة برسالته والمصدّقة بنبوته والمعجزة الخارقة في تذليل المستصْعَبِ من الإبل المعتادِ صيالُها المعهودِ نُفورُها فإن محمداً ﷺ ذُللَّ له المُسْتَصْعَبُ من الإبل كما في حديث جابر ﵁ قال: سرنا مع رسول الله ﷺ فإذا جمل نادٌّ من صاحبه حتى إذا كان بين السِماطين خرّ ساجداً لرسول الله ﷺ فقال: «مَن صاحبُ هذا الجمل» فإذا فِتْيَةٌ من الأنصار قالوا: هو لنا يا رسول الله , قال: «فما شأنه» , قالوا: سَنَيْنا (٤) عليه مُنذ عشرين سَنة وكانت به شُحَيمة , فأردنا أن ننحره فنقسمه بين غلماننا فانفلتَ منّا , قال: «تبيعونه» , قالوا: لا بل هو لك يا رسول الله , قال: «أمّا لي فأحسنوا إليه حتى يأتي أجَلُه [ق ٣٨/ظ]» (٥)؛ وفي رواية عنه قال: أقبلنا مع رسول الله ﷺ من سفر , حتى دُفعنا إلى حائطٍ من
ك يا رسول الله , قال: «أمّا لي فأحسنوا إليه حتى يأتي أجَلُه [ق ٣٨/ظ]» (٥)؛ وفي رواية عنه قال: أقبلنا مع رسول الله ﷺ من سفر , حتى دُفعنا إلى حائطٍ من
حيطان بني النجّار , فإذا فيه جمل عظيم قَطِمٌ يعني هائجاً لا يدخل الحائط أحد إلا شدَّ عليه , فجاء النبي ﷺ حتى أتى الحائط فدعا البعير فجاءه (١) واضعاً مَشْفِرَهُ في الأرض , حتّى بَركَ بين يديه , فقال النبي ﷺ: «هاتوا خِطاماً» , فخطمَه ودفعه إلى أصحابه , ثم التفت إلى الناس , فقال: «إنه ليس شيء بين السماء والأرض إلا يعلم أني رسول الله غيرَ عاصي الجنّ والإنس» (٢)؛ وعن ثعلبة بن أبي مالك (٣) قال: (اشترى) (٤) إنسان من بني سَلِمَة جملاً ينضح عليه فأدخله مربداً فجرَّهُ كيما يعمل , فلم يقدر أحد أن يدخل عليه إلا تخبّطه فجاء رسولَ الله ﷺ فذكر ذلك له (٥) , فقال: «افتحوا عنه» , فقالوا: نخشى عليك يا رسول الله , قال: «افتحوا (عنه) (٦)» , ففتحوا فلمّا رآه الجمل خرّ ساجداً فسبّح القوم وقالوا: يا رسول الله نحن كنّا أحقّ بالسجود لك من هذه البهيمة , قال: «لو ينبغي لشيء من الخلق أن يسجد لشيء من دون الله لانبغى (٧) للمرأة أن تسجد لزوجها» (٨)؛ وعن عائشة ﵂ قالت: كان لآل رسول الله ﷺ وحش , فكان رسول الله ﷺ إذا خرج قام فأقبل وأدبر , فإذا دخل النبي ﷺ رَبَض فلم يترمرم كراهية أن يُؤذِيَه (٩).
فصل وأما ردّ الشمس ليوشع بن نون ﵇ - فإنها لم تَرُدَّ بعد غروبها ولكنها وقفت بدعائه , وذلك أنه كان في غزوٍ وأشرف على الفتح وكادت الشمس أن تغيب فخاف إن غابت أن لا يتم له أمر الفتح فدعا الله تعالى فقال: اللهم إني مأمور وإنها مأمورة فاحبسها علي شيئاً حتى يفتح لي فحبسها الله تعالى له (١) ولا ريب في إجابة دعاء الأنبياء والصالحين لا سيما في أمور الدين , والمعجز الكبير الذي أوتيئه محمد ﷺ من هذا الجنس أعظم وهو انشقاق القمر (نصْفَين لما سأله المشركون آية فأراهم القمر) (٢) وقد انشقّ حتى رأوا الجبل بين الشّقتين [ق ٣٩/و] فقال للنّاس (٣): «اشهدوا» (٤) وجاء من كان غائباً فأخبر أنه رآه منشقاً كذلك , فقال بعضهم: إن كان محمّد قد سَحَرنا فلم يكن سَحَر الناسَ كلهم (٥) , وانشقاق القمر كذلك أعظم من وقوف الشمس على حالها وهيئتها.
فصل وأما داود ﵇ - فقد قال الله تعالى في حقه: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا يَاجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ (١٠) أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [سبأ: ١٠ - ١١] فمحمّد ﷺ قال الله تعالى (له) (١): ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ [النساء: ١١٣] فجعل الفضل الذي آتاه داود ﵊ فضلاً مُرسَلاً , وجعل الفضل الذي آتاه محمداً ﷺ فضلاً عظيماً , وأما قوله تعالى: ﴿يَاجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ﴾ [سبأ: من الآية ١٠] فالحَصى من جنس الجبال وكان يسبّح في يد محمّدٍ ﷺ بل وفي أيدي أصحابه رفعةً لشأنه وبياناً لبرهانه , روى أبو نعيم وغيره عن سويد بن يزيد قال: كنت اتتبع رسول الله ﷺ في خلواته فدخلت ذات يوم المسجد فإذا هو فيه فجئت فجلست , فبينا أنا جالس إذ جاء أبو بكر ﵁ , فقال رسول الله ﷺ: «ما جاء بك (يا أبا بكر) (٢)» , فقال: إلى
في خلواته فدخلت ذات يوم المسجد فإذا هو فيه فجئت فجلست , فبينا أنا جالس إذ جاء أبو بكر ﵁ , فقال رسول الله ﷺ: «ما جاء بك (يا أبا بكر) (٢)» , فقال: إلى الله وإلى رسوله , فجلس (عن يمين) (٣) رسول الله ﷺ , ثم جاء عمر ﵁ , فقال: «ما جاء بك يا عمر» , قال: إلى الله وإلى رسوله , قال: فجلس عن شمال رسول الله ﷺ , قال: ثم جاء عثمان , فقال له: «ما جاء بك يا عثمان» , فقال: إلى الله وإلى رسوله , قال: فأخذ رسول الله ﷺ سبع حصياتٍ فسبّحن في يده حتى سمعت حنينهنّ كحنين الإبل ثم وضعهن فخَرِسْن , ثم أخذهن فدفعهن في يدا أبي بكر ﵁ , قال: فسبّحن في يده حتى سَمِعتُ حنينَهن كحنين النّحل ثم وضعهن فخَرِسْن , ثم أخذهن فدفعهن في يد عمر ﵁ فسبحن في يده
حتى سمعت حنينهن كحنين النّحل ثم وضعهن فخَرِسن (١)؛ وعن علقمة [ق ٣٩/ظ] عن عبدالله ﵁ قال: كنّا نأكل عند النبي ﷺ فنسمع تسبيح الطّعام (٢)؛ وأما تأويب الطير معه فإنه ﵊ كان حسن الصّوت إذا قرأ الزبور جاوبته الجبال والطّير , فقد كان في أصحاب محمد ﷺ من أوتي مثل ذلك , فقد سمع النبي ﷺ ليلة قراءة أبي موسى الأشعري ﵁ فقال (٣): «لقد أوتي مزماراً من مزامير آل داود» (٤) , وروى أبو عمر بن عبدالبَرّ في الاستيعاب عن أبي عثمان النهديّ أنه قال: أدركت الجاهلية فما سمعت صوت صنج ولا بربط ولا مزمار أحسن من صوت أبي موسى بالقرآن وإن كان ليصلي بنا صلاة الصبح فنَودّ لو قرأ بالبقرة من حسن صوته , قال أبو حفص فحدثت به يحيى بن سعيد فاستحسنه واستعادَنيه غير مرّة (٥)؛ فأما هو ﷺ فقد ثبت في صحيح البخاري عن البراء بن عزاب ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقرأ في العشاء: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (١)﴾ [التين: ١] فما سمعتُ أحداً أحسن صوتاً منه أو قراءة (٦) , ولمّا سمعت الجنّ قراءته (قالوا: إنا سمعنا قرآناً) (٧) عجباً يهدي إلى الرشد , وأعجب من ذلك نزول السّكينة لقراءة بعض أصحابه وهو أُسَيدُ بن حُضَير ﵁ (٨) فإنه كان يقرأ سورة الكهف وإلى جانبه
معنا قرآناً) (٧) عجباً يهدي إلى الرشد , وأعجب من ذلك نزول السّكينة لقراءة بعض أصحابه وهو أُسَيدُ بن حُضَير ﵁ (٨) فإنه كان يقرأ سورة الكهف وإلى جانبه
فرس مربوط بشطنين فتغشته سحابة فجعلت تدنو وتدنو وجعل فرسه ينفر منها فلمّا أصبح ذَكر ذلك للنبي ﷺ فقال: «تلك السكينة (١) نزلت للقرآن» (٢) وفي رواية أخرى قال: «تلك الملائكة دنت لصوتك ولو قرأت لأصبح الناس ينظرون إليها لا تتوراى منها» (٣) وكان حسن الصّوت , فدنوّ السكينة والملائكة لسماع قراءة ابن خضير أعظم من تسمّع الجبال والطير والوحش لصوت داود ﵊ , وفي الصحيح عن ابن عباس ﵄ قال: "سجد النبي ﷺ بالنجم وسجد معه المسلمون والمشركون والجن والإنس" (٤) , وقد سخّر الله تعالى لنبينا ﷺ من الوحش والبهائم [ق ٤٠/و] ماهو أعظم من الطير كالذئب الذي نطق بنبوته وشهد برسالته وكالجمل الشارد الذي سجد له وانقادَ إلى طاعته (٥)؛ وروى أبو سعيد الخدريّ ﵁ قال: بينا راعٍ بالحَرَّة إذِ انتَهَز الذِّئبُ شاةً فتبعه الراعي فحال بينه وبينها , فأقبل الذئب على الراعي فقال: يا راعي ألا تتقي اللهَ تحول بيني وبين رزق ساقه الله إليّ , فقال الرّاعي: العَجب من ذئب مقعياً على ذنبه يكلمني بكلام الإنس , فقال الذئبُ: ألا أخبرك بما هو أعجب من هذا؟ رسول الله ﷺ بين الحَرَّتين يدعو الناس إلى أنباء ما قد سبق , فَساق الرّاعي شاءَهُ حتّى أتى المدينة فزواها إلى زاوية من زواياها ثم دخل على النبي ﷺ فأخبره بما قال الذئب , فخرج رسول الله ﷺ فقال للراعي: «أخبرهم بما قال الذئب» فقال رسول الله ﷺ: «صدق الراعي , إنّ من أشراط الساعة كلامَ السّباع الإنسَ والذي نفسي بيده لا تقوم السّاعة حتى تكلّم السّباعُ الإنسَ» (٦)؛ وعن حمزة بن أبي أسيد (٧) قال:
خرج النبي ﷺ في جنازة رجل من الأنصار إلى بقيع الغرقد , فإذا الذئب مفترش ذراعيه قال رسول الله ﷺ: «هذا أويس يستقضي فافرِضوا له» قالوا رأيَك يا رسول الله , قال: «لكل سائمة (١) شاة في كل عام» , فقالوا: كثير , «فأشار إليه أن خالِسْهم» (٢)؛ وعن عبدالرحمن بن عبدالله بن مسعود عن عبدالله ﵁ قال: كنّا مع رسول الله ﷺ في سَفرٍ فدخل رجل غَيْضةً (٣) فأخرج منها بيض حُمَّرة , فجاءت الحُمَّرة تَرِفُّ على رسول الله ﷺ فقال: «أيّكم فَجَع هذه؟ » , قال رجل: أنا أخذت بَيْضها , فقال: «رُدَّه رحمةً لها» (٤) ؛ وعن ابن عباس ﵄ قال: كان رسول الله ﷺ إذا أراد الحاجة أبعد المشي , فانطلق يوماً لحاجته , ثم توضأ ولَبِسَ أحدَ خُفيه , ثم جاء طائر أخضر فأخذ الخُفّ الآخر , فارتفع به ثم ألقاه فخرج منه أسود سالخ فقال رسول الله ﷺ: «هذه كرامة أكرمني الله تعالى بها» ثم قال رسول الله ﷺ[ق ٤٠/ظ]: «اللهم إني أعوذ بك من شر من يمشي على رجلين , ومن شر من يمشي على بطنه , ومن شر من يمشي على
أربع» (١) , وأعجب من هذا تسخير (٢) السَبُع لغلامه سَفِينة (٣) , لمّا ضلّ مرّ به الأسد فلمّا رآه قال: أنا سَفِينة مولى رسول الله ﷺ فهَمْهَمَ الأسَدُ به ودَلّه على الطريق (٤)؛ وأما إلانة الحديد لداود ﵇ فإنّ إلانَةَ الحديد معروفة بالنّار وقد ألان الله تعالى الحجارة لمحمد ﷺ ولا يعرف لينُ الحجارة لا بالنار ولا بغيرها وهذا أبلغ , فإن الله تعالى ألان لمحمّد ﷺ صخرة بيت المقدس حتى صارت كهيئة العجين فخرقها بيده وربَط فيها البراق (٥) , وكذلك حجر كان في بعض شعاب مكة أصَمّ صَلدٌ استروح إليه (٦) في صلاته فَلان له حتى أثّر فيه بذراعيه وساعديه (٧) , ويوم أُحُد مال برأسه إلى الجبل ليُخفي شخصه عنهم فليّن الله تعالى له الجبل حتى أدخل (فيه) (٨) رأسه (٩) , وتحرّك الجبل (مرّةً) (١٠) تحته فقال:
ه (٧) , ويوم أُحُد مال برأسه إلى الجبل ليُخفي شخصه عنهم فليّن الله تعالى له الجبل حتى أدخل (فيه) (٨) رأسه (٩) , وتحرّك الجبل (مرّةً) (١٠) تحته فقال:
«اسكن فما عليك إلا نبيّ أو صديق أو شهيد (١)» وكان عليه هو (٢) ﷺ وأبو بكر وعمر ﵄ (٣) , وهذا (٤) وأمثاله أعجب من إلانة الحديد لداود ﵇ , وأعجب من هذا أنه كان إذا مشى على الصخر لان تحت أقدامه وإذا مشى على الرمل لايؤثر قدمه فيه (٥) خرقاً للعادة الجارية على أنّ محمّداً ﷺ أعطي من تسخير الجبال ما لو شاء لصارت جبال مكّة معه ذهَباً وقال له مَلَكُ الجبال: إن شئت أن أُطْبِقَ عليهم الأخْشَبَينِ يعني جَبلي (٦) مكّة على الكفّار فقال ﷺ: «بل أرجو أن يُخْرِجَ اللهُ من أصلابهم من يعبد الله تعالى لا يشرك به شيئاً» (٧).
فصل وأما ما أوتي سليمان ﵊ فإنه قال: رب اغفر لي وهب لي مُلكاً لا ينبغي لأحد من بعدي إنك أنت الوهاب , يقول الله تعالى: ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ (٣٦) وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ (٣٧) وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ (٣٨) هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [ص: ٣٦ - ٣٩] فقد أعطي محمد ﷺ أعظم من ذلك فإنه ﷺ قال: «زُوِيَتْ لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها وإنّ ملك أمّتي سيبلغ ما زوي لي منها» (١) وقد أعطاه الله تعالى مفاتيح خزائن الأرض فأباها [وردها] (٢) بحذافيرها وعرضَ له أن يجعل (له) (٣) بطحاء مكّة ذهباً فقال: «لا يا رب - ثلاثاً-[ق ٤١/و] , فإذا جُعتُ تضرّعتُ إليك وذكرتُك , وإذا شبعتُ حمدتك وشكرتك» (٤) واختار ﷺ أن يجوع يوماً ويشبع يوماً فإذا جاع صَبر وتضرّع إلى الله , وإذا شبع حمد الله
, فإذا جُعتُ تضرّعتُ إليك وذكرتُك , وإذا شبعتُ حمدتك وشكرتك» (٤) واختار ﷺ أن يجوع يوماً ويشبع يوماً فإذا جاع صَبر وتضرّع إلى الله , وإذا شبع حمد الله وشكره (٥) , وهاتان الحالتان الصبر والشكر هما من أرفع مراتب العبادة التي يحصل بها المُلْك الكبير الذي لا ينقطع وهو ﷺ مَلِك الآخرة من بني آدم , وفي حديث جابر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «أُتيتُ بمقاليد الدنيا على فرس أبلق» كما سيأتي , وقد قال ﷺ لعائشة ﵂: «يا عائشة لو شئتُ لسارت معي جبال الذّهب , جاءني ملك إنّ حُجزته (٦) لَتُسَاوِي الكعبةَ , فقال: إنّ ربّك يقرأ عليك السّلام (٧) ويقول لك: إن شئت نبيّاً عبداً وإن شئت نبيّاً مَلِكاً , فنظر إليّ جبريل فأشار إليّ أن ضَعْ نفْسك , فقلت: نبيّاً عبداً» (٨) والأحاديث في ذلك مشهورة كثيرة.
فإن قيل: إن سليمان ﵇ سُخرت له الرّيح تسير به في بلاد الله تعالى , وكان غدوّها شهراً ورواحها شهراً , قلنا: الذي أعطي محمّد ﷺ أعظم فإنه سار في ليلة واحدة من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى وهو مسيرة شهر , وعرج به في ملكوت السموات مسيرة خمسين ألف سنة في أقلّ من ثُلث ليلة فدخل السموات سماءً سماءً , ورأى عجائبها , وطيف به في الجنّة , وعرضت عليه النار , وعرضت عليه أعمال أمّته , وصلى بالأنبياء وبملائكة السموات , وخرق من الحُجُب ما لا يعلمه إلا الله , وأراه الله من آياته الكبرى , ثم دنا فتدلى , فكان قاب قوسين أو أدنى , فأوحى إلى عبده ما أوحى , وأعطاه الله تعالى خواتيم سورة البقرة من كنز تحت العرش , وعهد إليه أن يظْهر دينه على الأديان كلّها حتى لا يبقى في شرق ولا غرب إلا دينه , أو يؤدّي إلى (١) أهل دينه الجزية عن يد وهم صاغرون , وفرض عليه الصلوات الخمس , ولقي موسى عليهما الصلاة والسلام , وسأله مراجعة ربه تعالى في التخفيف عن أمّته مراراً؛ هذا كله في بعض ليلةٍ فأيّما أعجب.
ون , وفرض عليه الصلوات الخمس , ولقي موسى عليهما الصلاة والسلام , وسأله مراجعة ربه تعالى في التخفيف عن أمّته مراراً؛ هذا كله في بعض ليلةٍ فأيّما أعجب. فإن قيل: (إنّ) (٢) سليمان سُخرت له الجن وأنها كانت تعتاص عليه حتى يصفّدها كما ذكر الله تعالى: ﴿وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ﴾ [ص: ٣٨] , قيل: ما أعطي محمد ﷺ أعظم وذلك أن النّفر التسْعة (٣) الذين هم أشراف الجن وعظماؤهم (٤) [ق ٤١/ظ] الذين وصفهم الله تعالى فقال: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ ... ﴾ الآية [الأحقاف: ٢٩]
فإنهم أتوه طائعين راغبين في دينه , معظّمين لشأنه , مصدّقين لرسالته ولما جاء به , مؤمنين بنبوّته , متّبعين لأمْره , مستمدّين منه , ومستمنحين له , سائلين لهم ولدوابّهم الزّاد والعلف , فجعل لهم كلّ عظم ذكر اسم الله عليه يقع في أيديهم أوفر ما يكون لحماً , وكل روثة وبعرة علف لدوابهم , وعند ذلك نهى [النبي] (١) ﷺ المسلمين أن يستنجوا بهما وقال: «إنهما طعام إخوانكم الجن» (٢) , فجعل الجن إخوان المسلمين , ثم إن محمّداً ﷺ كان يجتمع بهم ويعلمهم ويتلو عليهم القرآن , فلمّا سمعوه قالوا: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا (٢) ... ﴾ الآيات [الجن: من الآية ١ - ٧] وأقبلت إليه وفودهم ليلة الجنّ المعروفةَ ألوفاً (٣) مؤلّفة متبايعين له على الصوم والصلاة (٤) والنصح للمسلمين , واعتذروا إليه عن قولهم على الله سبحانه الشّطط , فإنهم كانوا يزعمون أن لله (٥) ﷾ ولداً , فسبحان من سخّرهم له وأذل أعناقهم بين يديه , ولقد تمرّد عليه في بعض الأوقات عفريت ليقطع عليه صلاته (قال) (٦): «فأمكنني الله منه فذعَتُّه حتى سال لُعابُه على يدي فذكرت دعوة أخي سليمان فأطلَقتُه ولولا ذاك لأصبح مُوثَقاً يلعب به الوالدان» وقد تقدم ذلك , فهذا الغاية القصوى والدرجة العليا في التمكين والتمكن منهم والتحكّم فيهم حتى يصير العفريت الذي أُعطي من القوّة ما يحمل الجبل فَيَقلِبُه أعلاه أسفلَه , آل حاله معه في الذل إلى
ة العليا في التمكين والتمكن منهم والتحكّم فيهم حتى يصير العفريت الذي أُعطي من القوّة ما يحمل الجبل فَيَقلِبُه أعلاه أسفلَه , آل حاله معه في الذل إلى
أن أراد أن يسلّمه إلى ولدان أهل المدينة يلعبون به فأيّ حكم أبلغ من هذا , وتسخيرهم لسليمان ﵊ كان في الأعمال الدنيوية ومحمد ﷺ كان معرضاً عنها وغاية ما كان يحتاج من العون في الجهاد وقتال المشركين فأعطاه الله تعالى أصحاباً كَفاه بهم ما أراد وزيادة وأمدّه عند الحاجة بالملائكة (فقاتَلوا معه ولو أراد أن يسخّر الجن لما امتنع عليه , فكان إمداده بالملائكة) (١) أعظم من عون الجنّ والإنس؛ وتحصنه من [ق ٤٢/و] مردة الشياطين بالأذكار التي علّمه رَبُّه تعالى إيّاها وعلّمها (هو) (٢) ﷺ (أصحابَه) (٣) معلوم يضيق هذا الموضع عن استقصائه , وروى أبو نعيم عن عبدالله بن كثير بن جعفر بن أبي كثير (٤) قال حدثنا كثير بن عبدالله (٥) عن أبيه عن جدّه عن بلال بن الحرث (٦) قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في بعض أسفاره فخرج لحاجته , وكان إذا خرج لحاجته أبعدَ فأتيته بإدواة من ماء فانطلق , فسمعت عنده خصومةَ رِجال ولغطاً لم أسمع مثلها , فجاء فقال: «بلال» , فقلت: بلال , (قال) (٧): «أمعك ماء» , قلت: نعم , قال: «أصبتَ» وأخَذه مني فتوضأ , فقلت: يا رسول الله سمعت عندك خصومةً
أسمع مثلها , فجاء فقال: «بلال» , فقلت: بلال , (قال) (٧): «أمعك ماء» , قلت: نعم , قال: «أصبتَ» وأخَذه مني فتوضأ , فقلت: يا رسول الله سمعت عندك خصومةً
ولغط رجالٍ ما سمعتُ (١) أحَدّ من ألسنتهم , قال: «اختصم عندي الجنّ المسلمون والجنّ المشركون , سألوني فأسكنتُ المسلمين الجَلْسَ وأسكنت المشركين الغورَ» قال عبدالله بن كثير: قلت لكثير [بن عبدالله] (٢): ما الجَلْس , قال: القرى والجبال , والغور: ما بين الجبال والبحار , قال كثير: ما رأينا أحداً أصيب بالجلس إلا سلم ولا أصيب أحد بالغور إلا لم يكد يسلم (٣)؛ وعن أبي أُسَيد الخزرجي (٤) أنه قطع ثمر حائطه وجعله في غُرفة له فكانت الغُول تخالفه إلى مَشربته فتَسرق ثمره (٥) وتُفْسِدُ عليه , فشكا ذلك إلى النبي ﷺ فقال: «تلك الغُول يا أبا أسيد (٦) , فاستمع لها فإذا سمعت اقتحامها - يعني: وجبتها - فقل: بسم الله أجيبي رسول الله ﷺ» فأخذها , فقالت الغول: يا أبا أسيد اعفني أن تكلفني اذهب إلى نبي الله ﷺ وأعطيك موثقاً من الله أن لا أخالفك إلى بيتك ولا أسرق ثمرك وأدلّك على آية من كتاب الله تعالى لتقرأها على بيتك فلا يُخالَفُ إلى أهلك وتقرأ بها على إنائك فلا يُكشف غطاؤه (٧) , فأعطَتْهُ الموثق الذي رضي به منها , فقال: والآية التي قلتِ أدلك عليها , (قالت) (٨): هي آية الكرسي , ثم حَلَّت استها تضرط , فأتى النَّبي ﷺ فقصّ عليه القصّة , قال: جئتُ ولها ولها , فقال النبي ﷺ: «صدقت وهي كذوب» (٩)؛ وعن أبيّ بن كعب [ق ٤٢/ظ]﵁ أنه كان له جُرن (١٠) فيه تمر , وكان يتعاهدها فوجده ينقص فحرسَه ذات ليلة فإذا بدابّةٍ شبه الغلام المحتلم , قال: فسلّمت فردّ السلام , فقال: من أنتَ , أجنّ أم إنس , قال: لا بل
تمر , وكان يتعاهدها فوجده ينقص فحرسَه ذات ليلة فإذا بدابّةٍ شبه الغلام المحتلم , قال: فسلّمت فردّ السلام , فقال: من أنتَ , أجنّ أم إنس , قال: لا بل
جنّ , قال: قلت: ناولني يدك , فناولني يده , فإذا يد كلب وشعر كلب , فقلت: أهكذا خَلْقُ الجنّ , قال: قد عَلِمَتِ الجنّ ما فيهم أشدُّ مني , قلت: وما حملك على ما صنعت , قال: بلغنا أنك رجل تحبّ الصدقة وأحببنا أن نصيب من طعامك , قال له أبيّ: فما الذي يجيرنا منكم , قال: آية الكرسي , فجاء النّبيَّ ﷺ فأخبرَه بذلك , فقال: «صَدَق الخبيث» (١). وعن أبي أيوب الأنصاري ﵁ أنه كان له سَهْوة (٢) له فيها طعام , فكانت الغول تجيء فتأخذ منه , فشكاها إلى النبي ﷺ فقال: «إذا رأيتها فقل: بسم الله , أجيبي رسول الله» قال: فجاءت , فقال لها فأخذها , فقالت: إنّي لا أعود , فأرسلها , فجاء فقال له النبي ﷺ: «ما فعل أسيرك» , فقال: أخذتها فقالت لا أعود فأرسلتها , فقال: «إنها عائدة» , فأخذتها مرتين أو ثلاثاً كل ذلك (تقول) (٣): لا أعود , وَيجيء إلى النبي ﷺ فيقول: «ما فعل أسيرك» , فيقول (٤): أخذتها فقالت لا أعود , فيقول: «إنها عائدة» , فأخذتها فقالت: أرسلني وأعلّمك شيئاً تقوله ولا يقربُك شيء آية الكرسي , فأتى النّبيَّ ﷺ فأخبره فقال: «صَدَقَتْ وهي كذوب» (٥) , وعن أبي هريرة ﵁ قال:
وكلني رسول الله ﷺ بحفظ زكاة رمضان فذكر نحوه (١)؛ وعن أبي الأسود الدّؤليّ قال: قلت لمعاذ بن جبل ﵁ أخبرني عن قصّة الشيطان , قال: جعلني رسول الله ﷺ على تمر الصّدقة , فكنت أدخل الغرفة فأجد في التمر نقصاً فذكرته لرسول الله ﷺ فقال: «إن الشيطان يأخذه» , قال: ودخلت الغرفة وأسْفَقْتُ الباب عليّ فجاء سوادٌ (٢) عظيم , فغشي البابَ ثم دخل من شَقّ الباب ثم تحول في صورة فيل , وجعل يأكل , فشددتُ ثوبي على وسطي , فأخذته فالتفَّت [ق ٤٣/و] يداي على وسطه قال: قلت: ياعدوّ الله ما أدخلك بيتي تأكل التمر؟ , قال: أنا شيخ كبير فقير ذو عيال وقد كانت لنا هذه الغُرفة قبل أن بُعث صاحبك فلمّا بعث خرجنا منها ونحن من جنّ نصيبين , خَلِّ عني فإني لن أعود إليك , وجاء جبريل ﵇ فأخبر النَّبي ﷺ بخبره , فلمّا صلّى الغداة نادى مناديه أين معاذ؟ , ما فعل أسيرُك؟ فأخبرته , فقال: «أما إنه سَيعود إليك» فجئت إلى الغرفة ليلاً وأغلقت الباب , فجاء فجعل يأكل التمر فقبضت يدي عليه فقلت: يا عدوّ الله , قال: إني لن أعود إليك بعد , قال: قد قلت: إنك لا تعود , قال: فإني أخبرك بشيء إذا قلتَه لم يَدخل الشيطان البيتَ ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ... ﴾ إلى آخر السورة [البقرة: ٢٨٤ - ٢٨٦] (٣)؛ وروى الدّارميّ في جامعه عن عبدالله بن مسعود ﵁ قال: لقي رجل (٤) من أصحاب محمد ﷺ رجلاً من الجنّ , فصارعَه فصرعه الإنسيّ , فقال له الإنسيّ: إنّي لأراك ضَئيلاً شَحيباً (٥) , كأنّ ذُرَيِّعَتَيْك ذُرَيِّعَتا كلب , فكذلك أنتم معشر الجن , أم أنت من بينهم كذلك؟ , قال: لا والله إنّي منهم لضليع , ولكن عاوِدني الثانية ,
اً (٥) , كأنّ ذُرَيِّعَتَيْك ذُرَيِّعَتا كلب , فكذلك أنتم معشر الجن , أم أنت من بينهم كذلك؟ , قال: لا والله إنّي منهم لضليع , ولكن عاوِدني الثانية ,
فإن صرعتَني علّمتك شيئاً ينفعك , [فعاوده فصرعه , قال: هات علمني] (١) , قال: نعم , قال: تقرأ ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ ... ﴾ [البقرة: ٢٥٥] , قال: نعم , (قال) (٢): فإنك لا تَقرأوها في بيت إلا خرج منه الشيطان له خَبَجٌ كخَبَج الحمار ثم لا يدخله حتى يصبح , قال الدارمي: الضئيل: الدقيق , والشحيب: المهزول , والضّليع: الجيّد الأضلاع , والخبج: الريح يعني الضراط (٣)؛ وأبلغ من ذلك أن عماراً ﵁ صارع جنيّاً فصرعه عمّار (٤) ﵁؛ وإن صح حديث قتال علي بن أبي طالب ﵁ للجنّ في بئر ذات العلم كان غاية في هذا الموضع , وقد رواه من الحفاظ أبو الفضل ابن ناصر (٥) شيخ ابن الجوزي ولكن ردّه غيره وقالوا (٦) الحديث فيه موضوع فالله أعلم (٧) , والمقاتلة إنما مع العاصي , والجنّ
قد جاءوه طائعين فما [ق ٤٣/ظ] احتاج إلى قتالهم , وذلك أبلغ ممن كان يستعصي على سليمان ﵊ حتى يُصَفدهم ويستعملهم. فإن قيل: إن سليمان ﵊ سخرت له الجنّ يستعملهم في أمور الدنيا فكانوا يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات وكان يستعملهم و (١) يستعين بهم في أموره ويكلفهم ما أحبّ (٢) , قلنا: نعم وذلك فضيلة عظيمة ونعمة [جسيمة] (٣) كبيرة مما أنعم به على آل داود ﵇ و (لكن) (٤) سليمان ﵇ طلب ذلك فإنه سأل ربَّه ﷾ من المُلْك الذي لا يؤتاه غيره , فكان من مقتضى ذلك الأعمال الصّعبة التي لا يقدر عليها بنو آدم فسخّر الله تعالى له الجنّ يعملونها له , ومحمّد ﷺ لما عُرض عليه الملك وأن تجرى له بطحاء مكة وجبالها ذهباً
ك الأعمال الصّعبة التي لا يقدر عليها بنو آدم فسخّر الله تعالى له الجنّ يعملونها له , ومحمّد ﷺ لما عُرض عليه الملك وأن تجرى له بطحاء مكة وجبالها ذهباً اختار الفقر على الملك (٥) لما أراد الله تعالى (له) (٦) من عظم المنزلة في الآخرة , فلم يحتج إلى عمل يُكَلف فيه الجن , وإنما كان يحتاج إلى الجهاد , وكان في أصحابه ﵃ كفاية , ولمّا احتاج في بعض الأوقات إلى مزيد (٧) مساعدة في الجهاد أنزل عليه الملائكة فقاتلت معه , فكان عون محمد صلوات الله وسلامه عليه بالملائكة أعظم من عون سليمان ﵊ بالجن , وقد أشرنا إلى نحو ذلك فيما تقدم , وأما أمور محمد ﷺ الدنيويَةُ التي احتاج فيها إلى مساعد ومعاضد فإنه لما تظاهر عليه بعض أزواجه في الغيرة أنزل الله تعالى يخوفهن من التظاهر والتواطؤ عليه فيما يسوؤه فقال تعالى: ﴿وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ [التحريم: من الآية ٤] فأيّ ظهير أعظم من هذا وأيّ ناصر أقوى من هذا ,
فكانت الملائكة المقرّبون أنصاره ﷺ , وأعوانه , يقاتلون بين يديه في الحروب كفاحاً , ويمنعون عنه, ويدافعون دونه , ولمّا تواعدت قريش ليأخذوه فيقتلوه , وقد دخل المسجد يصلّي , فسمعوا صوتاً ما ظنّوا [ق ٤٤/و] أنّه بقي بتهامة جبل إلا نتق فغشي عليهم فما عقلوا حتى قضى صلاته , ثم رجع إلى أهله سالماً , ثم تواعدوا عليه مرّة أخرى , فنهضوا عليه فجاء الصَّفا والمروة حتى [التقت] (١) إحداهما (٢) بالأخرى , فحالتا بينه وبينهم (٣) , ولمّا حلف أبو جهل ليطأنّ عنقه إن رآه مصلّياً فلما همّ بذلك لم يفجأهم إلا وهو ينكص على عقبيه وقال: رأيت بيني وبينه خندقاً من نار وأهوالاً وأجنحة فقال رسول الله ﷺ لو دنا منّي لاختطفته الملائكة عضواً عضواً وقد تقدم ذلك.
م إلا وهو ينكص على عقبيه وقال: رأيت بيني وبينه خندقاً من نار وأهوالاً وأجنحة فقال رسول الله ﷺ لو دنا منّي لاختطفته الملائكة عضواً عضواً وقد تقدم ذلك. فإن قيل: إن سليمان ﵊ كان عنده من عُلماء الكتاب مَن أتى بعرش بلقيس (قبل أن يرتدّ إليه طرفه) (٤) , قيل: لنبيّنا ﷺ أعظم منه ففي حديث الإسراء أن قريشاً لمّا كذّبته في حديثه عن بيت المقدس وكان فيهم من قد رأى المسجد قالوا: هل تستطيع أن تنعت لنا المسجد؟ , قال: «نعم» , قال: «فذهبت أنعت فما زلت أنعت حتى التبس علَيّ» وكان قد جاءه ليلاً , قال: «فجيء بالمسجد وأنا أنظر إليه حتى وُضع دون دار عَقيل فَنَعَتُّ المسجدَ وأنا أنظر إليه» , فقال القوم: أما النعت فوالله لقد أصاب (٥)؛ فهذا قد حُمل له بيت المقدس (في لحظة حتى وُضع بإزائه ينظر إليه ويخبرهم عنه , وحمل بيت المقدس) (٦) من مكانه إلى مكّة أعظم من حمل عرش بلقيس
إلى سليمان ﵊ , وفي حديث الإسراء أيضاً أنهم سألوه عن أشياء منها أنهم سألوه عن عيرهم قال: «مررت بها بالتّنعيم» , قالوا: فما عِدّتها وأحمالها وهيئَتُها , قال: «كنت في شغل عن ذلك» , قال: «ثم مُثِّلَتْ له بعدّتها وأحمالها وهيئتها ومن فيها» , فقال: «نعم هيئتها كذا وكذا , وفيها فلان وفلان يقدُمها جمل أورق (١) عليه غرارتان محيطتان تطلع عليكم عند طلوع الشمس» فأحصَوا جميع ذلك فوجَدوه كما أخبر (٢)؛ وحَمل البعير بأحمالها وما فيها أعظم [ق ٤٤/ظ] من حمل عرش بلقيس , ومن ذلك أن النّجاشي لما مات ضرب جبريل ﵇ الجبال بجناحه فتوطأت حتى نظر النبي ﷺ إلى نعشه فصلّى عليه فيما قيل (٣) , وأعظم من ذلك كله ما في صحيح مسلم في حديثٍ ذكره عنه ﷺ أنه قال: «إنّي صُوّرت لي الجنّة والنّار , فرأيتهما دون هذا الحائط» (٤) , (وأعظم) (٥) من ذلك حمله على البراق إلى (فوق) (٦) سبع سموات وإلى فوق سدرة المنتهى وخرق الحجب حتى دنا من ربّه تعالى وتقدس فكان قاب قوسين أو أدنى , فكل ذلك أعظم من حمل عرش بلقيس من مسافة من الأرض قربت (٧) أو بعدت ,
فوق سدرة المنتهى وخرق الحجب حتى دنا من ربّه تعالى وتقدس فكان قاب قوسين أو أدنى , فكل ذلك أعظم من حمل عرش بلقيس من مسافة من الأرض قربت (٧) أو بعدت ,
وعمل الملائكة مع محمد ﷺ مع إيمانهم بالله تعالى ورسوله ﷺ واليوم الآخر أعظم وأكمل من عمل الشياطين مع كفرهم بالله ﷾ ورسوله ﵊ وتمرّدهم , وما صبروا عليه من التسخير إلا تحكم سليمان ﵊ فيهم , وخوفهم من عقوبته إيّاهم , فلما مات ولم يَعلموا بموته تَمُّوا في (العمل) (١) كما أخبر الله تعالى عنهم , وقد كانوا يوهمون الإنسَ أنّهم يَعلمون الغيب فلبثوا معبَّدين في العمل ما شاء الله أن يلبثوا , وسليمان ﵊ مَيِّتٌ مُتَوكّئ على مِنسَأتِه , فلمّا أكلتها الأرضة وقع , فعلمت الإنس أن الجن كانت كاذبة في إدعائها علم الغيب , لأنهم لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين , وسليمان ﵇ ميّت في تلك المدّة , فأين تسخير هؤلاء المعاندين الكفّار المجتهدين في أذى سليمان ﵊ وغيره من الإنس وانتظار غِرَّتهم كما يُذكر عن صَخرٍ المارد من الكيد والغدر لو قدر على ذلك من إسعاد الملائكة وإعانتهم ونصرهم لمحمّد ﷺ وجنده في غير موطن كيوم بدر والأحزاب وغيرهما قال الله تعالى: ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ (١٢٤) بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ [ق ٤٥/و] مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ (١٢٥) وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ (بِهِ) (٢) وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ [آل عمران: ١٢٤ - ١٢٦] , وقال (تعالى) (٣): ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ (٩) وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ (بِهِ قُلُوبُكُمْ) (٤) وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال: ٩ - ١٠] وقال تعالى: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى
ِ قُلُوبُكُمْ) (٤) وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال: ٩ - ١٠] وقال تعالى: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى
الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ [الأنفال: ١٢] وقد قال بعض الصحابة ﵃: "إنّي لأتْبَعُ رجلاً من المشركين لأضرِبه إذ وقع رأسُه قبل أن يَصل إليه سيفي فعرَفتُ أنّ غيري قتله" (١) , ولمّا أسَر أبو اليَسَر (٢) العبّاسَ , قال له رسول الله ﷺ: «كيف أسرتَه» وكان العباس أشدّ بطشاً منه قال: لقد أعانني عليه رجل ما رأيته قبل ذلك ولا بعده , هيئته كذا وكذا , فقال (له) (٣) رسول الله ﷺ: «لقد أعانك عليه ملَك كريم» (٤). فإن قيل: إن سليمان عليه [الصلاة و] (٥) السلام كان يفهم كلام الطّير كما قال تعالى عنه: ﴿عُلِّمْنَا (٦) مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ﴾ [النمل: من الآية ١٦] وقصّة الهدهد , ورسالته به إلى بلقيس , وكلام النملة له ونحو هذا , قلنا: لا شك في أنّ هذا فضل مبين , وشرَف متين , والفضل (بيده) (٧) تعالى يؤتيه من يشاء وهو ذو الفضل العظيم , فقد أخبر الله تعالى أن الفضل الذي آتاه سليمانَ ﵇ مبين ,
أنّ هذا فضل مبين , وشرَف متين , والفضل (بيده) (٧) تعالى يؤتيه من يشاء وهو ذو الفضل العظيم , فقد أخبر الله تعالى أن الفضل الذي آتاه سليمانَ ﵇ مبين ,
وأخبر أنّ ما آتى محمّد ﷺ من الفضل كان عظيماً (كما) (١) قال تعالى: ﴿وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ [النساء: من الآية ١١٣] , فكان ما أوتي سليمان عليه (الصلاة و) (٢) السلام فضلاً مبيناً , وما أوتي محمد ﷺ فضلاً عظيماً , والعظيم أبلغ وأكمل وأفضل من المبين , وليس منطق الطير والنملة بأعظم من منطق الذئب والغَزال والضبّ والجمل والحمار وغير ذلك , بل ومنطق الجَماد كحنِين الجِذْع وتسليم الأحجار والأشجار [ق ٤٥/ظ] وتسبيح الحصا والطعام في يده ﷺ وفي أيدي أصحابه كما تقدم , وتكليم (٣) ذراع الشاة المسمومة , وفَهْمُ هذه (الأشياء) (٤) كلامه ﷺ وفهمه كلامها كما أخبر عن الجمل أنه قال: أنّ صاحبه يُدْئِبُهُ ويجيعه, وأن الغزالة لها أولاد صغار, كما أشرنا إليه ونبّهنا عليه على أن محمداً ﷺ قد كان يفهم كلام الطير ويعرف مراده كما في الحديث أن بعض أصحابه أخذ فِراخَ حمّرة فجاءت الحمّرة فجعلت تُرَشِش على رؤوسهم فقال ﷺ: «مَن فجع هذه بِفراخها» ثم أمره بردّها (٥) , فقد روي عن معاذ بن جبل ﵁ قال: أتَى النّبيَّ ﷺ وهو بخيبر حمارٌ أسودُ فوقف بين يديه فقال: «من أنت؟ » , قال: أنا (٦) عمرو بن فلان ,كنّا سبعةَ إخوة وكلّنا رَكِبَنَا الأنبياء وأنا أصغرهم , وكنت لك فمَلكَنَي رجل من اليهود , فكنت إذا (٧) ذَكَركَ يعني بسوء كبَوت به فيُوجِعُني ضَرْباً , وفي رواية: فكنت أعْثُرُ (به) (٨) عمداً (٩) , فقال النبي ﷺ: «فأنتَ يَعْفور (١٠)» (١١) , وقد كلّمته ذِراعُ
الشاة المسمومة وقالت: فيَّ سَمّ فلا تأكلْني (١) , فكلّ هذه الأمور وما يشابهها أعجب من كلام الطير والنملة , وكان في تكليم هذه الأشياء لنبيّنا ﷺ معجزات كالتسليم عليه بالنبوة , والشهادة له بالرسالة , والتصديق لما (٢) جاء به , والتوسّل إليه والتشفع (٣) به في الشدائد , بخلاف كلام الطير والنملة , فإنّ ذلك لم يكن لإظهار المعجز لسليمان ﵊ , وإنما كان شيئاً علّمه إيّاه فسمع ذلك فيفهمه (٤) كما يسمع من يعرف لسان الفارسي فارسيّاً يتكلم أو يُكلّمه فيفهم ما يقول , فهي فضيلة واحدة: وهي فهم كلامِ ذلك المتكلم , وفهم محمّد ﷺ لتلك الأشياء كان فيه هذه الفضيلة وفيه معجزة تخبر برسالته وأمور أخرى كما تقدّم , وإنما كان تبليغ الهدهد رسالةَ سليمان ﵊ إعانة له على تبليغها , وقد كان يمكنه إرسالها مع غير الهدهد مما سخّر الله تعالى له [ق ٤٦/و] من الريح والجنّ وغير ذلك , ومُبلّغوا رَسائل محمّد ﷺ كانوا أصحابَه الذين يتكلّمون بما لا يمكن غيرهم من التبليغ ما يمكنهم كما هو معروف في سيرته , وأما النملة فإنما كان كلامُها لمصلحتها ومصلحة النمل , لا لمصلحة سليمان ﵊ ولا إظهاراً لمعجزته , بل خوفاً من أن يحطمها سليمانُ وجنوده وهم لا يشعرون , ففهّم الله تعالى سليمان ﵊ كلامَها , وهو فضيلة جليلة لكن فضيلة محمّد ﷺ أعظمُ لما قدّمناه , وأبلغ من ذلك أن الحجر والشجر الجمادَين يكلّمان أمّةَ محمّد ﷺ , وذلك ما روي في الصحاح وغيرها عن أبي هريرة ﵁ أنّ رسول الله ﷺ قال: «لاتقوم السّاعة حتى يُقاتل المسلمون اليهودَ , فيقتلهم المسلمون حتى يختبئ اليهوديّ من وراء الحجر والشّجر , فيقول الحجر أو الشجر: يا مسلم يا عبدالله هذا يهوديّ خلفي فتعال فاقتله , إلا (٥) الغرقد فإنّه من شجر اليهود» (٦).
بئ اليهوديّ من وراء الحجر والشّجر , فيقول الحجر أو الشجر: يا مسلم يا عبدالله هذا يهوديّ خلفي فتعال فاقتله , إلا (٥) الغرقد فإنّه من شجر اليهود» (٦).
(فصل) (١) فأمّا ما أوتي يعقوب ﵇ فلا شكّ في فضله , ولا مرية (٢) في نبْله , فهو أحدُ الكرماء الذين شهد نبيّنا ﷺ لهم بالكرم (٣) , فإنّه الكريم ابن الكريم (ابن الكريم) (٤) , وله القدم الصدق , والعقب المبارك عليه , فمن نسله الأسباط (٥) , ومن ذريّته الهُداة , ومنهم مريم بنت عمران سيّدة نساء العالمين , وجعل فيهم الحُكم والنبوّة والكتاب؛ قلنا: نعم , وهو حقيق بذلك وبما هو أكبر منه , ولكن لنبينا ﷺ أعظم نصيباً , وأرفع ذكْراً في العالمين , وأجلّ خطراً في الأولين والآخِرين , فإنه أفضل الخلق كما بينّا من شأنه , وقرّرنا من برهانه , ومن ذرّيته ابنتهُ فاطمة ﵍ سيّدة نساء المسلمين الذين هم خير أمّة أخرجت للناس , والحسنُ والحسين اللذان هما سيّدا شباب (٦) أهل الجنة وهم أغصان شجرته وثمرة جُرثومته (٧) , والمهديّ الذي يكون في آخر الزمان يملأ الأرض عدلاً كما مُلئت جوراً من أهل بيته وعترته , فأما الأصل فإنّ [ق ٤٦/ظ] محمّداً ﷺ من ولد إسماعيل بن إبراهيم , ويعقوب بن إسحاق بن إبراهيم , ولا شكّ في فضل إسماعيل على إسحاق عليهما الصلاة والسلام (٨) , ولا يضرّ محمّداً ﷺ ما بينه وبين
ن ولد إسماعيل بن إبراهيم , ويعقوب بن إسحاق بن إبراهيم , ولا شكّ في فضل إسماعيل على إسحاق عليهما الصلاة والسلام (٨) , ولا يضرّ محمّداً ﷺ ما بينه وبين
إسماعيل من بعد الآباء وكثرتهم وكفر من كان كافراً (١) , كما لايضرّ إبراهيم ﵊ كفر أبيه ولا كفر من كان كافراً فيما بينه وبين نوح ﵊ , على أن الفضل بالآباء والأبناء ليس بالخطب الجليل , مع أنّ لنبيّنا محمّد ﷺ فيه من الفضل ماجاء في الحديث عنه ﷺ أنّه قال: «إنّ الله تعالى قسم الخلق قسمين فجعلني في خيرهم قسماً ثم جعل القسم أثلاثاً فجعلني في خيرهم» وقد تقدم الحديث في أول الكتاب , وعنه أيضاً ﷺ أنه قال في حديث آخر: «إنّ الله اختار بني آدم , واختار من بني آدم العرب , واختار من العرب مضر , واختار من مضر قريشاً , واختار من قريش بني هاشم , واختارني من بني هاشم فأنا خير من خيار ... » (٢) الحديث. فأما تفضيل يعقوب ﵊ لكون الأنبياء عليهم الصلاة والسلام من أولاده كثير , فنبيّنا محمد ﷺ على ماهو عليه من الفضيلة التي استقرّت قواعدها , وعلت أركانها , كان خاتم النبيين لانبيّ بعده , وكانت رسالته إلى جميع الخلق , ودعوته قائمة إلى يوم القيامة , فلم تحتج الأمّة بعده إلى نبيّ , فكتابه محفوظ بحفْظ الله تعالى , ودينه ظاهر بتأييد الله تعالى , ودعوته قائمة إلى يوم القيامة , وسلطانه حاكم إلى يوم الطّامّة , وقد قال بعض أصحابه: لو كان بعده نبيّ لعاش ابنه إبراهيم (٣) , وقال: «لو كان بعدي نبيّ لكان عمر بن الخطاب» (٤) , فنبوّته ﷺ قائمة إلى يوم القيامة لم تنسخ ,
قال بعض أصحابه: لو كان بعده نبيّ لعاش ابنه إبراهيم (٣) , وقال: «لو كان بعدي نبيّ لكان عمر بن الخطاب» (٤) , فنبوّته ﷺ قائمة إلى يوم القيامة لم تنسخ ,
بل يعمل بها العباد إلى يوم الأشهاد , فالحاصل من هذا أن كل فضيلة في نبي من الأنبياء صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين من وجه من الوجوه فقد جعل الله تعالى لمحمّد ﷺ من جنسها ماهو أفضل منها , وأكثر , وأكبر , وسواء كانت في [ق ٤٧/و] النفس , أو في الأصل , أو (في) (١) النسل , أو في المعجزة , أو في الكتاب , أو في الأمّة , أو في غير ذلك من الأمور التي تتفاضل فيها الأنبياء عليهم الصلاة والسلام , وتتباين بها درجاتهم وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم. فإن قيل: إن يعقوب ﵊ فقد ولدَه يوسف ﵊ وكان يحبّه حُبّاً شديداً فقال: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ [يوسف: ١٨ - ٨٣] , ولا يخفى ما للصابرين عند الله من المنزلة , قيل: إن يعقوب ﵊ كان له أحد عشر ولداً ذُكْراناً غير يوسف ﵇ , أكبرَ سنّاً منه , نَصْبَ عينه , يروحون ويَغدُون عليه , وبكى على يوسف حتّى عنّفه أولاده فقالوا له: ﴿تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ﴾ [يوسف: من الآية ٨٥] , فقال: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: من الآية ٨٦] يعني: أنه حيّ وأن الله تعالى جامع به الشّمل , ولكن بكائي شوقاً إليه وحُزناً عليه؛ وأمّا محمد ﷺ فلم يكن له حيّ غير ولد واحدٍ ذكرٍ وهو إبراهيم , فمات فصبر عليه , ولم يظهر منه جزع , وإنما كان بكاؤه عليه ساعةَ الموت رحمةً فجمع (ﷺ بين حالتين هما من أشرف الأحوال الصّبر والرحمة , صبر بلا قسوة , ورحمة) (٢) بلا جزع , هذا وكان واحدَه , وقرّة عينه , لم يكن له ولد ذكر غيره , فصبر على فراقه الذي لا طمع في رجوعه , ويعقوب ﵊ كان له أحد عشر ابناً غيره نصب عينه , وكان
يرجو لقاء المفقود (١) , وقال: ﴿يَاأَسَفَا عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ﴾ [يوسف: من الآية ٨٤] , ومحمد صبر واحتسب ولم يتأسّف بل قال: «تدمع العين ويحزن القلب ولانقول إلا ما يُرضي ربّنا» (٢).
(فصل) (٣) وأمّا يوسف الصّدّيق الكريم ﷺ الموصوف بالحسن والجمال , والعلم والعقل والأفضال , الذي قصّته في القرآن أحسن القصص , وسيرته أجمل السّير , المبتلى بأنواع من البلاء , وصبر فيها أحسن الصبر , وآل به صبره فيها إلى أحسن ما آل صبر على ما كان من إخوته في حقه فآل أمرهم إلى أن سجدوا [ق ٤٧/ظ] له وقالوا: ﴿تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ﴾ [يوسف: من الآية ٩١] , وابتُلي بكيد النّساء فآل أمره بعد سجنه سبع سنين إلى أن قالت غريمته: ﴿(الْآنَ) (٤) حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [يوسف: من الآية ٥١] , وابتُلي بالسجن عند صاحب مصر فآل أمره إلى أن صار تدبير مُلْكه إليه؛ كتب بعضهم إلى صديق له وهو في شدّة: وراء مضيق الخوف متّسَع الأمن ... وأوّل مفرُوح به آخر الحزن فلا تَيْأسنْ فالله مَلّكَ يوسفاً ... خزائنَهُ بعد الخلاص من السجن (٥) وقال النبي ﷺ: «لو لبثتُ في السجن ما لبث يوسف ثم دُعِيتُ لأجَبْتُ الدّاعي ولأسرعت» (٦) وذلك أنّ الملِك لما قال: ﴿ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي﴾ [يوسف: من الآية
ثتُ في السجن ما لبث يوسف ثم دُعِيتُ لأجَبْتُ الدّاعي ولأسرعت» (٦) وذلك أنّ الملِك لما قال: ﴿ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي﴾ [يوسف: من الآية
٥٤] , فجاءه الرسول بذلك فقال (له) (١): ﴿ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: من الآية ٥٠] , وأراد بذلك أن يتحقق الملك حقيقةَ الحال , وبراءة ساحته , لئلا يكون بين يديه فيَذكر (٢) من شأنه ماوقر في صدره من شيء الحقُّ خلافه , فيشوش قلبَه , فأراد أن يكون بين يديه على أحسن الأحوال وهذه حال حسنة جميلة , ومرتبة جليلة نبيلة , وقول نبينا ﷺ: «لأسرَعت إلى الداعي» أيضاً من أحسن الأحوال , وأكمل الخلال , ولنبينا ﷺ في هذه الأمور النصيب الأوفى , والكأس الأروى , فأمّا الكرم المذكور ليوسف ﵊ , فإن النبي ﷺ سُئل من أكرم الناس فقال: «الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم ... » (٣) الحديثَ , وقد ثبت أن نبيّنا محمداً ﷺ كان أكرم خلق الله على الله , فقد روى التّرمذي من حديث أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «أنا أوّل الناس خروجاً إذا بعثوا وأنا خطيبهم إذا وفدوا وأنا مبشّرهم إذا يئسوا وأنا أكرم ولد آدم على ربّي ولا فخر» (٤) , وفي رواية: «أنا أكرم الأوّلين والآخرين على الله ﷿ ولا فخر» (٥) وسنذكر (من ذلك) (٦) فيما بعد طرفاً صالحاً بعون الله , ومن كرامته عليه قرن اسمه مع اسمه فلا يُذكر إلا ذُكر معه [ق ٤٨/و] , وجعل طاعته مقرونة بطاعته
٥) وسنذكر (من ذلك) (٦) فيما بعد طرفاً صالحاً بعون الله , ومن كرامته عليه قرن اسمه مع اسمه فلا يُذكر إلا ذُكر معه [ق ٤٨/و] , وجعل طاعته مقرونة بطاعته
فقال تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾ [آل عمران: من الآية ٣٢] وقال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥]. فأمّا الجمال والحسن فلمحمد ﷺ فيه أمْرٌ قد علا , ومَورِدٌ قد عَذُبَ وحَلا (١) , ولا يخفى ابنُ جَلا (٢) , ففي حديث هند بن أبي هالة (٣) المشهور المعروف الطويلِ في صفته ﷺ قال: "كان رسول الله ﷺ فخماً مفخماً , يتلألَأ وجهه تلألؤ القمر ليلة البدر , أطول من المربوع , وأقصر من المشذب (٤) , عظيم الهامة , رَجِل الشعر , إن (٥) انفرقت عَقِيقَتُه (٦) فرَق وإلا فلا , يُجاوز شعره شحمةَ أذنيه إذا هو وَفّره , أزهر اللون (٧) , واسع الجبين , أزجّ الحواجب سوابغ في غير قرن , بينهما عِرقٌ يُدِرُّه الغضب , أقنى العِرنين (٨) له نور يعلوه , يحسبه من لم يتأمّله أشمّ (٩) , كثّ اللحية , سهل الخدّين , ضليع الفم , أشنب (١٠) (١١) , مفلج الأسنان -أي: مفرق الأسنان- , دقيق المَسْرُبَة (١٢) ,كأن عنقه جيدُ
لم يتأمّله أشمّ (٩) , كثّ اللحية , سهل الخدّين , ضليع الفم , أشنب (١٠) (١١) , مفلج الأسنان -أي: مفرق الأسنان- , دقيق المَسْرُبَة (١٢) ,كأن عنقه جيدُ
دُمية في صفاء الفضّة , معتدل الخلق , بادن متماسك , سواء البطن والصدر , عريض الصدر , بعيد ما بين المنكبين , ضخم الكرادِيس (١) , أنورَ المتجرَّدِ (٢) , موصول ما بين السُّرّة واللَّبَّةِ (٣) بشعرٍ يَجْري كالخطّ , عارِي الثَّدْيَيْن والبَطْنِ مما سوى ذلك , أشعر (٤) الذراعين والمنكبين وأعالي الصدر , طويل الزَنْدين , رحب الراحة , شثنَ الكفين والقدمين (٥) , سائل الأطراف (٦) , خمصان الأخمصين (٧) , مسيح القدمين (٨) يَنبُو عنهما الماء , إذا زال زال تقلعاً (٩) , يَخْطُو تَكَفِئاً , ويَمشي هَوْناً , ذريع المشية إذا مشى كأنّما ينحط من صبَب , وإذا التفت التفت جميعاً , خافض الطرف , نظرُه إلى الأرض أطول من نظره إلى السّماء , جلّ (١٠) نظره الملاحظة , يسوق أصحابَهُ , يَبْدُرُ من لقي بالسّلام" (١١)؛ وفي حديث عائشة ﵂ الطويل في صفته ﷺ: وكأنّ عَرَقه في
وجهه مثل اللّؤلؤ أطيب من المسك الأذفر - وفيه - وكان إذا امتشط بالمُشْط كأنّه حُبُكُ الرمال وكأنّه المتون (١) التي في الغُدُر إذا سَفَقَتْها الرياح , وكان ربما جعله (٢) غدَائر , يُخرِج الأذن اليمنى [ق ٤٨/ظ] من بين غديرتين يتكنّفانها , ويُخرج الأذنَ اليسرى من بين غديرتين يتكنفانها , ينظر من يتأمّلها من بين تلك الغدائر كأنّهما (٣) تَوَقُّدُ الكواكب الدُريّة بين سواد شعره , وكان رسول الله ﷺ أحسنَ الناس وجهاً , وأنورَهم لوناً ,لم يصفه واصف قط إلا شبَّه وجهه بالقمر ليلة البدر ويقول: هو أحسن في أعيننا من القمر , أزهر يتلألأ وجهُه تلألؤ القمر كما وصفه صاحبه وصدّيقه وخليفته أبو بكر ﵁: أمينٌ مصطفى للخير يَدْعُو ... كضوء البدر زايَلَهُ الظَّلامُ وكما كان عمر ﵁ يُنشد قول زهير بن أبي سُلْمى: لو كنتَ من شيء سوى بشر ... كنتَ المُنوَّرَ ليلةَ القدر" (٤) وكان (كل) (٥) من سُئل عنه ﷺ ممن رآه فإمّا يشبّهه بالشمس أو بالقمر وأحسن من ذلك , ومنهم من يقول (٦) ناعِتُه: لم أر قبله ولا بعده مثله؛ وقد روي عن [جابر بن سمرة ﵁] (٧) قال: نظرت إلى رسول الله ﷺ وعليه حُلّة حمراء ونظرت إلى القمر ليلة
البدر فلَهُوَ (١) أحسن في عيني من القمر (٢)؛ وسُئلَتِ الرُّبَيّع بنت مُعوذ من صفته ﷺ فقالت: لو رأيته رأيتَ الشمس طالعةً (٣)؛ وقيل لجابر بن سمرة ﵁ أكان وجه رسول الله ﷺ مثل السيف قال: لا بل مثل الشمس والقمر (٤) , فإن قيل: إن يوسف ﵊ كان إذا مرّ بأزِقَّةِ مصرَ يتلألأ نوره على الجدران تلألؤ الشمس والماء على الجُدران , قيل: محمّد ﷺ كان إذا مشى في الشمس لا يوجَد له ظلّ من شدّة نوره على نور الشمس (٥) , وهذا أعظم من تلألؤ نور يوسف ﵇ على الجدران في الأزِقَة؛ وقد روى هاشم بن عروة عن أبيه عن عائشة ﵂ قالت: "كان النبي ﷺ (عندي) (٦) جالساً وأنا [ق ٤٩/و] أغزل فَبُهِتُّ انظر إليه وقد عَرِق صُدْغُه وقَذالُه , وجعلت لا أنظر إلى شيء منه إلا حُوّل في عيني منه نوراً , فسَكن مغزلي , فلمّا رآني قد سكن مغزلي
أغزل فَبُهِتُّ انظر إليه وقد عَرِق صُدْغُه وقَذالُه , وجعلت لا أنظر إلى شيء منه إلا حُوّل في عيني منه نوراً , فسَكن مغزلي , فلمّا رآني قد سكن مغزلي
نظر إليّ وقال: «مالكِ يا عائشة؟ » فقلت: واللهِ يا رسولَ اللهِ إنّكَ لأنتَ أحقُّ بقول أبي كبير , قال: «وما قال أبو كبير» قلت: قال أبو كبير (١): ومُبرّإٍ من كل غُبَّرِ (٢) حيضةٍ ... وفسَاد مُرضعةٍ (٣) وداءٍ مُغيل فإذا نظرتَ إلى أسِرَّة وجهِه ... بَرَقَتْ كَبَرْقِ العارض المتهلّل" (٤). وفي الجملة فيوسف ﵇ كان من أحسن الناس , فأما محمد ﷺ فإنّه كان أحسنَ الناس وقد روي عن عبدالله بن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ قال: «هبط عليّ جبريل فقال يا محمّد إن الله ﷿ يقول: كسوت حسن يوسف من نور الكرسي , وكسوت نور وجهك من نور عرشي» (٥)؛ ولاشك أن العرش أعظم من الكرسي ونوره أعظم من نوره , وفي حديث الإسراء من رواية مسلم في صحيحه: «فإذا يوسف وإذا هو قد أُعطي شطر الحسن» (٦) فمحمّد ﷺ قد أُعطي الحسن كلّه.
فأما علم يوسف ﵊ بالتعبير للرؤيا , فإنّ نبيّنا ﷺ كان أعلم خلق الله بها وكان من شأنه أنه إذا صلى الصبح واستقبل الناس قال: «هل رأى أحد منكم رؤيا» فيقصّها ويخبره بالجواب (١) , وكان أوّل ما بدئ به من الوحي الرؤيا الصالحة فكان لايرى (٢) رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصّبح (٣) , ورأى منامات كثيرةً فعبّرها فوقعت كما عبّرها , كما عبَر في رؤياه السوارين من الذهب بكذّابين يخرجان بعدَه فكان كذلك خرج الأسوَدُ (٤) العنسي ومسيلمة الكذّاب (٥) , وكذلك رُؤياه البقر التي رآها تُنحَرُ فكان ما عَبره بأن نفراً من أصحابه يُقتلون فكان كذلك (٦) , وهكذا رؤياه في السيف الذي هزّه في
سيلمة الكذّاب (٥) , وكذلك رُؤياه البقر التي رآها تُنحَرُ فكان ما عَبره بأن نفراً من أصحابه يُقتلون فكان كذلك (٦) , وهكذا رؤياه في السيف الذي هزّه في
المنام فاندقّ صدره ثم هزّه فعاد كما كان عبره بهزيمة أصحابه ثم يُنصرون بعد ذلك فكان كذلك (١) , ومن الشواهد على علمه بالتعبير العلم التامّ الكامل [ق ٤٩/ظ] ما قصّه عبدالله بن سلام ﵁ (عليه) (٢) , فقال له أبو بكر الصديق ﵁ بأبي أنت دعني فأعبُرَها , فقال: «اعبُرْها» فتكلم عليها أبو بكر ﵁ ثم قال: والله لتُخبرنّي يا رسولَ الله أصبتُ أم أخطأتُ , فقال: «أصبتَ بعضاً وأخطأتَ بعضاً» , فقال: والله لتخبرنّي ما الذي أصبتُ وما الذي أخطأتُ , فقال: «لاتقسم» (٣)؛ ولولا وفور علمه لما انتقَد على أبي بكر هذا الانتقاد , وقد كان في أمّة محمّد ﷺ مَن يَعْبُرُ الرؤيا من السلف والخلف أمور عجيبة وأحوال غريبة ليس هذا مكان شرحها لكثرتها. فأما قوله لصاحبي (٤) السجن: ﴿لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا (٥) ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي﴾ [يوسف: من الآية ٣٧] , فهذا لمحمّد ﷺ وأمثالُه بل لغيره من الأنبياء صلى الله عليه وعليهم وسلم , على أن محمّداً ﷺ قد أُعطي من هذا الباب النّصيب الأوفى , فإنّه ﷺ أخبر قريشاً بما فعلت الأرضة بكتابهم الذي كتبوا بينه وبينهم وأنّها قد لَحِسَتْ ما فيه من الجور وأبقت ما فيه من العدل والصلاح (٦) , وأخبر عمَّه العبّاسَ ﵁ بما كان دَفع إلى زوجته حين خرج من مكّة ولم يعلم به أحد إلا الله (٧) ,
وأخبر ممّا (١) سيكون قبل كونه بأمور عظيمة منها: إخبارُه بغلب الروم وأنهم سيغلبون في بضع سنين , ومنها ظهور كذّاب ومبير (٢) , وأمور يطول ذكرها وقع بعضها والباقي سيقع لا محالة , (كالدّجال) (٣) , ويأجوج ومأجوج , ونزول عيسى ﵊ , وطلوع الشمس من مغربها وغير ذلك , وقد تقدّم من ذلك جملة , وسيأتي فيما بعد إن شاء الله تعالى أشياء أخر في أماكنها. وأمّا عقل يوسف ﵊ , وحلْمه , وصبره على الأذى , وما لقي أوّلاً من إخوتِه , ثم آخراً لمّا وُجد الصّاع في رحل (٤) أخيه قالوا: ﴿إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ﴾ [يوسف: من الآية ٧٧] , ولمّا قدموا المرّة الأولى فعرفهم وهم له منكرون , وهو حينئذ على خزائن الملْك , فلم [ق ٥٠/و] يَهِجْهُ ما فعلوا به , ولم تحرّكه القدرة عليهم على الانتقام منهم , بل قال: ﴿ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ أَلَا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ﴾ [يوسف: من الآية ٥٩] , ثم لمّا عَرفوه حين قال: ﴿أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا﴾ [يوسف: من الآية ٩٠] , قالوا له: ﴿تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ﴾ [يوسف: ٩١] , فقال هو: ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [يوسف: من الآية ٩٢]؛ وهذا غاية في الحِلْم , فإنه عفا عنهم من قبل أن يَسألوه العفو , وأبوهم يعقوب ﵊ لمّا قالوا له: ﴿اسْتَغْفِرْ لَنَا [ذُنُوبَنَا] (٥)﴾ [يوسف: من الآية ٩٧] , قال: ﴿سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي﴾ [يوسف: من الآية ٩٨] , قلنا هذه صفات حسنة , وأخلاق جميلة , وطباع كريمة , ولمحمّد ﷺ في ذلك عجائب لا يدرك مداها , ولا يبلغ منتهاها , من ذلك: أن اليهود
[يوسف: من الآية ٩٨] , قلنا هذه صفات حسنة , وأخلاق جميلة , وطباع كريمة , ولمحمّد ﷺ في ذلك عجائب لا يدرك مداها , ولا يبلغ منتهاها , من ذلك: أن اليهود
سحروه وأخبره جبريل ﵇ بالسّحر وبمن سحرَه ولم يعاقبه (١) مع ما كان مستحقّاً للعقوبة مع مخالفته لدينه وغدره وخيانته لله ﷾ ولرسوله ﷺ , وكذلك اليهوديّة التي جعلت السُمّ في طعامه فإنه عفا عنهما ولم يعاقبهما (٢) , وهذا أعظم من عفو يوسف ﵊ (عن إخوته) (٣) , فإنّ القرابة والرّحم قلّ أن تسمح النّفس بالعقوبة لهم , ولا سيما مع طول المُدَد وتقادُم العهد , فإن جمرة الغضب إذا طال الزمان تَطفئ , وبَوادرَ الانتقام تسكن حينئذ وتخفى، وأمّا حلم (٤) محمد ﷺ عن قومه وما بالغوا معه في الأذى قولاً وفعلاً ولمّا مكّنه (٥) الله تعالى منهم يوم الفتح قال: «من دخل بيته فهو آمن ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن» ونحو ذلك (٦) , مع شدّة ما أسلفوه من العداوة ,
وما أبدوه في حقّه من الأذى , قابلهم بهذا الحلم (١) الوافر , والإحسان العظيم , على تقارب العهد , والجرح طري ولم يندمل , حتى قالت الأنصار ﵃: أما الرجل فأدركته الرأفَة بقومه والرغبة في قريته (٢) , على أن له من العقل والحلم والأفضال مما أشرنا إليه , وما سنذكر منه ما (٣) ييسّر اللهُ تعالى بعونه ومشيئته على من آذاه , وسبَّه , وقصد مضرّتَه , بل وقتله من الكفار والمنافقين واليهود وغيرهم فضلاً عن الذين آذوه من قومه وأهله وبني عمّه ما تضيق عن حصره مجلّدات (٤) كثيرة , فعفوه عن الأجانب من المشركين واليهود وغيرهم [ق ٥٠/ظ] أعظم من عفوه عن أهله , وإن كان أذاهم مُمِضّاً مُرْمِضاً كما قال طَرفَة (٥): وظلم ذوي القربى أشدّ مضاضةً (٦) ... على المرء من وقع الحسام المهنَّد
٠/ظ] أعظم من عفوه عن أهله , وإن كان أذاهم مُمِضّاً مُرْمِضاً كما قال طَرفَة (٥): وظلم ذوي القربى أشدّ مضاضةً (٦) ... على المرء من وقع الحسام المهنَّد وكما جرى في قصّة غَوْرَث (٧) الذي جاء والنبي ﷺ نائم فاخترَط سيفه فانتبَه النبي ﷺ وغَورَث قائم على رأسه بالسيف صلتاً فقال له: مَن يمنعك منّي؟ , فقال: «الله» , فألقى السيف من يده فلم يؤاخذه ولم يعاقبه (٨) , وكما ذكرنا من قصّة الساحر لبيد بن الأعصم اليهودي , واليهوديّة التي جعلت السمّ في طعامه ليأكله فيموت (٩) , وكالأعرابي الذي جاءه من خلْفه فجبذه بردائه حتّى أثّرت حاشية الرّداء في عنقه وقال أعطني من
مال الله الذي عندك , فالتفت إليه فضحك وأمر له بعطاء (١) , وأشباه هذا مما يطول عَدُّهُ وقد قدمنا قصّته (٢) مع أبي جهل حين أراد كيده والذي وضع الفرث والسّلا على ظهره وهو ساجد وغير ذلك. وأما عصمة الله تعالى وتقدّس ليوسف ﵊ من امرأة العزيز , فإن الله تعالى رزق محمّدًا ﷺ العصمة الكاملة , والنعمة الشاملة , ولم يبتله بما ابتلى به يوسف ﵊ حتى ضجّ إلى الله تعالى فقال: ﴿وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [يوسف: من الآية ٣٣] , ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [يوسف: ٣٤] , فأما محمد ﷺ فإن الله تعالى (مع) (٣) ما أعطاه من القوّة على الجماع حتى إنه كان يدور على نسائه ﵅ في الساعة من الليل والنهار وهن إحدى عشرة , قيل لأنس: وهل كان يطيق ذلك , قال: كنا نتحدّث أنه أعطي قوة ثلاثين يعني ثلاثين امرأة , ويروي أنه تسّع لتسع نسوة (٤) , وقد كان يقبّل النساء وهو صائم فقيل له في ذلك , فقال: «أنا أملككم لإرْبه (٥)» (٦) والمراد بالإرب العضو , ويروى لأرَبه والمعنى لحاجته إلى النكاح (٧) , ومِلكُ الإرب والأربة التي
[ق ٥١/و] أعطيها محمّد ﷺ أعظم من (ملك) (١) حالة يوسف ﵊ (لهما) (٢) وأكمل , وأبلغ من ذلك أن الله تعالى عَصَم آباءَهُ من لدن عبدالله بن (عبد) (٣) المطّلب إلى آدم ﵊ مِن السّفاح , فما التقى لمحمد ﷺ أبوان على سِفاح من سفاح الجاهلية (٤) ولا عَهْرٍ من عَهْرها حتى ولد طيباً طاهراً منزّهاً من كل عيبٍ وريب فقد عصمه الله تعالى وهو في ظهر أبيه أن يشتمل عليه فرجان من حرام كما في حديث الخثعميّة والمُرِيَّة لمّا مرّ أبوه عليهما ونور النبوّة بين عينيه فكل منهما قد دَعته إلى نفسها وبذلت له مائة من الإبل على أن يقع عليها فصانه الله تعالى وحفظه من أن يُلم أبوه بحرام إكراماً له ﷺ (٥) , مع أنّ في أمّته من رُزق من الكرامة ماهي شبيهة بهذه
وقد روي عن أبي بكر الزقاق (١) أنه قال: جاورت بمكة عشر سنين فكنت أشتهي اللبن , فغلبتني نفسي يوماً فخرجت إلى عُسْفان (٢) , واستضفت حيّاً من أحياء العرب فنظرت بعيني اليمنى إلى جارية حسناء لم أر أحسن منها فأخذت بقلبي فقلت: يا جارية قد أخذ كلّك بكلي فما فيّ لغيرك مطمع , فقالت: تقبَح بك الدعاوى العالية وأنت في أسر شهوة لو كنت صادقاً قد ذهبت عنك شهوة اللبن , قال: فقلعت عيني اليمنى التي نظرت (بها) (٣) إليها , فقالت لي مِثلُكَ من نظر لله , فرَجعت إلى مكّة فطفت أسبوعاً ثم نمت فرأيت في منامي يوسفَ الصّدّيق ﵇ فقلت: يا نبي الله أقرّ الله عينك بسلامتك مِنْ إزليخا (٤) فقال لي: يا مبارك وأنت أقرّ الله (عينك) (٥) بسلامتك من العسفانيّة ثم تلى
ي يوسفَ الصّدّيق ﵇ فقلت: يا نبي الله أقرّ الله عينك بسلامتك مِنْ إزليخا (٤) فقال لي: يا مبارك وأنت أقرّ الله (عينك) (٥) بسلامتك من العسفانيّة ثم تلى
- ﵇: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن: ٤٦] فَصِحتُ من طيب تلاوته , ورخامة صوته , فانتبهت وإذا عيني المقلوعة صحيحة كما كانت (١)؛ على أنّ في بني إسرائيل من جرى له قريباً من هذا وليس هذا من خصائص يوسف ﵇ وذلك ما ذكره ابن الجوزي في عيون حكاياته قال أخبرنا محمد بن أبي منصور قال أخبرنا المبارك بن عبدالجبار قال أخبرنا إبراهيم بن عمر البرمكي قال أخبرنا أبو الحسن عبدالله بن إبراهيم الزينبي قال حدثنا محمد بن خلف بن المرزبان قال أخبرني أحمد بن حرب قال حدثني عبدالله بن محمد قال حدثني أبو عبدالله البلخي: أن شابّاً كان [ق ٥١/ظ] في بني إسرائيل لم يُرَ شابّ قطّ أحسن منه , وكان يبيع القِفَافَ (٢) , وبينا هو ذات يوم يطوف بقفافه خرجت امرأة من دار ملك من ملوك (٣) بني إسرائيل فلمّا رأته رجعت مبادرة , فقالت لابنة الملك: يا فلانة , إني رأيت بالباب شاباً يبيع القفاف لم أر شاباً قطّ أحسن منه , فقالت: أدخليه فخرجت إليه , فقالت: يا فتى أدخل نشتري منك , فدخل , فأغلقت الباب دونه , ثم قامت فاستقبلته بنت الملك كاشفة عن وجهها ونحرها , فقال لها: استتري عافاك الله , فقالت: إنّا لم ندعك لهذا إنما دعوناك لكذا -تعني: المراودة عن نفسه- , فقال لها: اتّق الله , قالت: إنّك إن لم تطاوعني على ما أريد أخبرت الملك أنك إنما دخلت عليّ تكابِرني عن نفسي , فأبى , ووعظها , فأبت , فقال: ضعوا لي وَضوءاً , فقالت: أعليّ , تعال يا جارية ضعي له وَضوءاً فوق الجوسق (٤) وهو مكان لا يستطيع أن يفرّ , ومن الجوسق إلى الأرض أربعون ذراعاً , فلمّا صار في أعلى الجوسق قال: اللهمّ
, تعال يا جارية ضعي له وَضوءاً فوق الجوسق (٤) وهو مكان لا يستطيع أن يفرّ , ومن الجوسق إلى الأرض أربعون ذراعاً , فلمّا صار في أعلى الجوسق قال: اللهمّ
إني دُعيتُ إلى معصيتك [وإني] (١) أختار أن أصبِر نفسي فألقِيها في هذا الجوسق ولا أركب المعصية ثم قال: بسم الله وألقى نفسه من (٢) أعلى الجوسق , -قال: - فأهبط الله تعالى إليه ملكاً , فأخذ بضَبْعَيْه فوقع قائماً على رجليه فلمّا صار في الأرض قال: اللهم إن شئت رزقتني رزقاً تغنيني عن بيع هذه القفاف , فأرسل الله إليه جراداً من ذهبٍ فأخذ منه حتّى ملأ ثوبه ثم قال: (اللهم) (٣) إن كان هذا رزقاً رزقتنيه في الدنيا فبارك لي فيه , وإن كان ينقصني مما لي عندك في الآخرة فلا حاجة لي به , قال: فنودي أن هذا الذي أعطيناك جزء من خمسة وعشرين جزءاً لِصبرك على إلقائك نفسك من هذا الجوسق , فقال: اللهم لا حاجة لي فيما ينقصني مما لي عندك في الآخرة , قال: فرفع (٤)؛ وعفّة محمد ﷺ أعظم من عفة يوسف ﵊ , ومحمد ﷺ أملك لأربه وإربه عن جميع الخلائق. وأما قول يوسف ﵊ للملك: ﴿اجْعَلْنِي (٥) عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: من الآية ٥٥] , وولاية الملك له ذلك , وحسن تصرفه في سني الجدب , وما أعده لها في سني الخِصب؛ قلنا: هذا ما لا ريب فيه ولا شك يعتريه وحال محمد ﷺ في مثل ذلك أجمل , وفضله أكمل [ق ٥٢/و] , فإن يوسف ﵊ قال للمَلِك: ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ﴾ [يوسف: من الآية ٥٥] يعني: أرض مصر , فإن ذلك المَلك لم يكن يملك غيرها , وإن كانت حالة يوسف ﵇ من النبوّة وتبليغ الرسالة وإظهار الشريعة أكبر من تدبير مملكة مصر والتصرف في خزائنها , فإن محمداً ﷺ عرضت عليه مفاتيح كنوز الأرض وأن تجرى له بطحاء مكة ذهباً فأباها



