Mukhtashar Tafsir Ibnu Katsir

Ringkasan tafsir Ibnu Katsir, riwayat dan tafsir bil-ma’tsur.

Bagian 10 dari 141

— Bagian 10 · َّا عَشَرَةً: (نُوحٌ، وَهُودٌ، وَصَالِحٌ، وشعيب،… —

Bagian 10

َّا عَشَرَةً: (نُوحٌ، وَهُودٌ، وَصَالِحٌ، وشعيب، وإبراهيم، وَإِسْحَاقُ، وَيَعْقُوبُ، وَإِسْمَاعِيلُ، وَمُحَمَّدٌ) عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ. قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: وَالسِّبْطُ الْجَمَاعَةُ وَالْقَبِيلَةُ الرَّاجِعُونَ إِلَى أَصْلٍ وَاحِدٍ، وَقَالَ قَتَادَةُ: أَمَرَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يُؤْمِنُوا بِهِ وَيُصَدِّقُوا بِكُتُبِهِ كُلِّهَا وَبِرُسُلِهِ.

  • ١٣٧ - فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَآ آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَّإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ
  • ١٣٨ - صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عابدون

يقول تعالى: ﴿فإن آمَنُواْ﴾ يعني الْكُفَّارُ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَغَيْرِهِمْ ﴿بِمِثْلِ مَآ آمَنْتُمْ بِهِ﴾ يا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ مِنَ الْإِيمَانِ بِجَمِيعِ كُتُبِ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ ﴿فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾ أَيْ فَقَدْ أَصَابُوا الْحَقَّ وَأَرْشَدُوا إِلَيْهِ. ﴿وَّإِن تَوَلَّوْاْ﴾ أَيْ عَنِ الْحَقِّ إِلَى الْبَاطِلِ بَعْدَ قِيَامِ الْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ ﴿فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فسيكفيكم اللَّهُ﴾ أَيْ فَسَيَنْصُرُكَ عَلَيْهِمْ وَيُظْفِرُكَ بِهِمْ ﴿وَهُوَ السميع العليم﴾. ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ قَالَ الضَّحَّاكُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: دين الله وقد ورد عن ابن عباس أَنَّ نبيَّ اللَّهِ ﷺ قال: "إن بني إسرائيل قالوا يا رسول الله هَلْ يَصْبُغُ رَبُّكَ؟ فَقَالَ اتَّقُوا اللَّهَ، فَنَادَاهُ رَبُّهُ يَا مُوسَى سَأَلُوكَ هَلْ يَصْبُغُ رَبُّكَ؟ فَقُلْ نَعَمْ: أَنَا أَصْبُغُ الْأَلْوَانَ الْأَحْمَرَ وَالْأَبْيَضَ والأسود والألوان كلها من صبغي"، كَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَرْدَوَيْهِ مَرْفُوعًا وَهُوَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي حَاتِمٍ مَوْقُوفٌ وَهُوَ أَشْبَهُ إِنْ صَحَّ إِسْنَادُهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَايَةِ ابْنِ مَرْدَوَيْهِ مَرْفُوعًا وَهُوَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي حَاتِمٍ مَوْقُوفٌ وَهُوَ أَشْبَهُ إِنْ صَحَّ إِسْنَادُهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

  • ١٣٩ - قُلْ أَتُحَآجُّونَنَا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَآ أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ
  • ١٤٠ - أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِندَهُ مِنَ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ
  • ١٤١ - تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَّا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ

يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى مُرْشِدًا نَبِيَّهُ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ إِلَى دَرْءِ مُجَادِلَةِ الْمُشْرِكِينَ: ﴿قُلْ أَتُحَآجُّونَنَا فِي اللَّهِ﴾ ⦗١٣٤⦘ أَيْ تناظروننا فِي تَوْحِيدِ اللَّهِ وَالْإِخْلَاصِ لَهُ، وَالِانْقِيَادِ، وَاتِّبَاعِ أَوَامِرِهِ، وَتَرْكِ زَوَاجِرِهِ ﴿وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ﴾ الْمُتَصَرِّفُ فِينَا وَفِيكُمُ، الْمُسْتَحِقُّ لِإِخْلَاصِ الْإِلَهِيَّةِ لَهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ ﴿وَلَنَآ أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ﴾ أَيْ نَحْنُ بُرَآءُ مِّنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ وَأَنْتُمْ بُرَآءُ مِنَّا كَمَا قَالَ فِي الْآيَةِ الخرى: ﴿فَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل لِّي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ، أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّآ أَعْمَلُ وَأَنَاْ بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ حَآجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ للَّهِ وَمَنِ اتبعني﴾ الآية. وَقَالَ تَعَالَى إِخْبَارًا عَنْ إِبْرَاهِيمَ: ﴿وَحَآجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أتحاجوني في الله﴾ الآية. وقال تَعَالَى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ في ربه﴾ الآية.

ا عَنْ إِبْرَاهِيمَ: ﴿وَحَآجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أتحاجوني في الله﴾ الآية. وقال تَعَالَى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ في ربه﴾ الآية. وقال في هذه الآية الكريمة: ﴿ولنا أعمالكنا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ﴾ أَيْ نَحْنُ بُرَآءُ مِنْكُمْ كَمَا أَنْتُمْ بُرَآءُ مِنَّا، وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ أَيْ فِي الْعِبَادَةِ وَالتَّوَجُّهِ. ثُمَّ أَنْكَرَ تَعَالَى عَلَيْهِمْ فِي دَعْوَاهُمْ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ ذُكِرَ بَعْدَهُ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ وَالْأَسْبَاطِ كَانُوا عَلَى مِلَّتِهِمْ، إِمَّا الْيَهُودِيَّةُ وَإِمَّا النَّصْرَانِيَّةُ فَقَالَ: ﴿قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أم الله﴾؟ يعين بَلِ اللَّهُ أَعْلَمُ، وَقَدْ أَخْبَرَ أَنَّهُمْ لَمْ يكونوا هوداً ولا نصارى كما كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلَا نَصْرَانِيّاً وَلَكِن كَانَ حَنِيفاً مُّسْلِماً وَمَا كَانَ من المشركين﴾. وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِندَهُ مِنَ الله﴾ قال الحسن البصري: كانوا يقرأون فِي كِتَابِ اللَّهِ الذِي أَتَاهُمْ إِنَّ الدِّينَ الْإِسْلَامُ، وَإِنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَإِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا بُرَآءَ مِنَ اليهودية والنصرانية، فشهدوا لله بذلك وأقروا على أنفسهم الله، فكتموا شهادة الله عنهم مِنْ ذَلِكَ.

َاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا بُرَآءَ مِنَ اليهودية والنصرانية، فشهدوا لله بذلك وأقروا على أنفسهم الله، فكتموا شهادة الله عنهم مِنْ ذَلِكَ. وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ تَهْدِيدٌ وَوَعِيدٌ شَدِيدٌ: أَيْ أَنَّ عِلْمَهُ مُحِيطٌ بعلمكم وسيجزيكم ليه، ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ﴾ أَيْ قَدْ مَضَتْ ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَّا كَسَبْتُمْ﴾ أَيْ لَهُمْ أَعْمَالُهُمْ وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ ﴿ولا تسئلون عما كانوا يعلمون﴾ وليس بغني عَنْكُمُ انْتِسَابُكُمْ إِلَيْهِمْ مِنْ غَيْرِ مُتَابِعَةٍ مِنْكُمْ لَهُمْ، وَلَا تَغْتَرُّوا بِمُجَرَّدِ النِّسْبَةِ إِلَيْهِمْ حَتَّى تكونوا منقادين مثلهم لأوام الله، واتباع رسله الذي بُعِثُوا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ، فَإِنَّهُ مَنْ كَفَرَ بِنَبِيٍّ وَاحِدٍ فَقَدْ كَفَرَ بِسَائِرِ الرُّسُلِ، وَلَا سِيَّمَا بِسَيِّدِ الْأَنْبِيَاءِ وَخَاتَمِ الْمُرْسَلِينَ، وَرَسُولِ رَّبِّ الْعَالَمِينَ إلى جميع الإنس والجن من الْمُكَلَّفِينَ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ وَعَلَى سَائِرِ أَنْبِيَاءِ اللَّهِ أَجْمَعِينَ.

  • ١٤٢ - سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قبلتهم التي كانوا عَلَيْهَا قُل للَّهِ المشرق وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ
  • ١٤٣ - وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَآ إِلَاّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بالناس لرؤوف رحيم

قيل: المراد بالسفهاء ههنا مُشْرِكُو الْعَرَبِ قَالَهُ الزَّجَّاجُ، وَقِيلَ: أَحْبَارُ يَهُودَ قَالَهُ مُجَاهِدٌ، وَقِيلَ: الْمُنَافِقُونَ قَالَهُ السُّدي، وَالْآيَةُ عامة في هؤلاء كلهم، والله أعلم. عن البراء ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صلَّى إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا، وَكَانَ يُعْجِبُهُ أَنْ تَكُونَ قِبْلَتُهُ قِبَلَ الْبَيْتِ، وَأَنَّهُ صَلَّى أَوَّلَ صَلَاةٍ صَلَاهَا صَلَاةَ الْعَصْرِ وَصَلَّى مَعَهُ قَوْمٌ فَخَرَجَ رَجُلٌ مِمَّنْ كَانَ صَلَّى مَعَهُ فَمَرَّ عَلَى أَهْلِ الْمَسْجِدِ وَهُمْ رَاكِعُونَ، فَقَالَ: أَشْهَدُ بِاللَّهِ ⦗١٣٥⦘ لَقَدْ صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ قِبَل مَكَّةَ، فَدَارُوا كَمَا هُمْ قَبِلَ الْبَيْتِ وَكَانَ الذِي قد مَاتَ عَلَى الْقِبْلَةِ قَبْلَ أَنْ تُحَوَّلَ قِبَل الْبَيْتِ رِجَالًا قُتِلُوا لَمْ نَدْرِ مَا نَقُولُ فيهم فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ الله بالناس لَرَءُوفٌ رحيم (رواه البخاري وأخرجه مسلم من وجه آخر)﴾

نَقُولُ فيهم فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ الله بالناس لَرَءُوفٌ رحيم (رواه البخاري وأخرجه مسلم من وجه آخر)﴾ وعن الْبَرَاءِ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَيُكْثِرُ النَّظَرَ إِلَى السَّمَاءِ يَنْتَظِرُ أَمْرَ اللَّهِ، فَأَنْزَلَ الله: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شرط الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ فَقَالَ رِجَالٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ: وَدِدْنَا لَوْ عَلِمْنَا عِلْمَ مَنْ مَاتَ مِنَّا قَبْلَ أَنْ نُصْرف إِلَى الْقِبْلَةِ، وَكَيْفَ بِصَلَاتِنَا نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ وَقَالَ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ - وَهُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ - مَا ولَاّهم عَنْ قِبْلَتِهِمُ التِي كَانُوا عَلَيْهَا؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ الناس (رواه ابن أبي حاتم)﴾ إلى آخر الآية. وعن ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا هَاجَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ أَمَرَهُ اللَّهُ أَنْ يَسْتَقْبِلَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ، فَفَرِحَتِ الْيَهُودُ فَاسْتَقْبَلَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِضْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا.

الْمَدِينَةِ أَمَرَهُ اللَّهُ أَنْ يَسْتَقْبِلَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ، فَفَرِحَتِ الْيَهُودُ فَاسْتَقْبَلَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِضْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا. وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُحِبُّ قِبْلَةَ إِبْرَاهِيمَ، فَكَانَ يَدْعُو اللَّهَ وَيَنْظُرُ إِلَى السَّمَاءِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﷿: ﴿فَوَلُّواْ وُجُوِهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ أَيْ نَحْوَهُ، فَارْتَابَ مِنْ ذَلِكَ الْيَهُودُ وَقَالُوا: مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ التِي كَانُوا عَلَيْهَا؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿قُل للَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (رَوَاهُ ابْنُ أبي حاتم)﴾ وَقَدْ جَاءَ فِي هَذَا الْبَابِ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ وَحَاصِلُ الْأَمْرِ: أَنَّهُ قَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أُمِر بِاسْتِقْبَالِ الصَّخْرَةِ مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، فَكَانَ بِمَكَّةَ يُصَلِّي بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ فَتَكُونُ بَيْنَ يَدَيْهِ الْكَعْبَةُ وَهُوَ مُسْتَقْبَلٌ صَخْرَةَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، فَلَمَّا هَاجَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ تَعَذَّرَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا فَأَمَرَهُ اللَّهُ بِالتَّوَجُّهِ إِلَى بيت المقدس قاله ابن عباس والجمهور.

ْدِسِ، فَلَمَّا هَاجَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ تَعَذَّرَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا فَأَمَرَهُ اللَّهُ بِالتَّوَجُّهِ إِلَى بيت المقدس قاله ابن عباس والجمهور. وَالْمَقْصُودُ أَنَّ التَّوَجُّهَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ بَعْدَ مقدمه ﷺ المدينة واستمر الْأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ بِضْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا، وَكَانَ يُكْثِرُ الدُّعَاءَ وَالِابْتِهَالَ أَنْ يُوَجَّه إِلَى الْكَعْبَةِ التِي هِيَ قِبْلَةُ إِبْرَاهِيمَ ﵇، فَأُجِيبَ إِلَى ذَلِكَ وَأُمِرَ بِالتَّوَجُّهِ إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ، فَخَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ النَّاسَ فأعلمهم بِذَلِكَ، وَكَانَ أَوَّلُ صَلَاةٍ صَلَاهَا إِلَيْهَا صَلَاةُ العصر كما تقدم في الصحيحين. وذكر غير واحد من المفسِّرين أن تحويل القبلة نزل على رسول الله وقد صلى ركعتين من الظهر وذلك في مسجد بني سلمة: فسمي (مسجد القبلتين) وَأَمَّا أَهْلُ قُبَاءَ فَلَمْ يَبْلُغْهُمُ الْخَبَرُ إِلَى صَلَاةِ الْفَجْرِ مِنَ الْيَوْمِ الثَّانِي كَمَا جَاءَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّهُ قَالَ: "بَيْنَمَا النَّاسُ بِقُبَاءَ فِي صَلَاةِ الصبح إذا جَاءَهُمْ آتٍ فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ أُنْزِل عَلَيْهِ اللَّيْلَةَ قُرْآنٌ وَقَدْ أُمر أَنْ يَسْتَقْبِلَ الْكَعْبَةَ فَاسْتَقْبِلُوهَا، وَكَانَتْ وُجُوهُهُمْ إِلَى الشَّامِ فَاسْتَدَارُوا إِلَى الْكَعْبَةِ" (أخرجه الشيخان عن ابن عمر) وَلَمَّا وَقَعَ هَذَا حَصَلَ لِبَعْضِ النَّاسِ مِنْ أَهْلِ النِّفَاقِ وَالرَّيْبِ وَالْكَفَرَةِ مِنَ الْيَهُودِ ارتيابٌ وزيغ عن الهدى وتخبيط وشك، وقالو: ﴿مَا ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها﴾ أي قالوا: مَا لِهَؤُلَاءِ تَارَةً يَسْتَقْبِلُونَ كَذَا وَتَارَةً يَسْتَقْبِلُونَ كَذَا؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ جَوَابَهُمْ فِي قَوْلِهِ: ﴿قُل للَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾ أَيِ الْحُكْمُ وَالتَّصَرُّفُ وَالْأَمْرُ كله لله، ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ الله﴾ أَيِ الشَّأْنُ، كُلُّهُ فِي امْتِثَالِ أَوَامِرِ اللَّهِ، فَحَيْثُمَا وَجَّهْنَا تَوَجَّهْنَا،

كله لله، ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ الله﴾ أَيِ الشَّأْنُ، كُلُّهُ فِي امْتِثَالِ أَوَامِرِ اللَّهِ، فَحَيْثُمَا وَجَّهْنَا تَوَجَّهْنَا، فَالطَّاعَةُ فِي امْتِثَالِ أَمْرِهِ وَلَوْ وَجَّهَنَا فِي كُلِّ يَوْمٍ مراتٍ إِلَى جهات متعددة فنحن عبيده، وَهُوَ تَعَالَى لَهُ بِعَبْدِهِ وَرَسُولِهِ مُحَمَّدٍ صَلَوَاتُ ⦗١٣٦⦘ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ وأُمته عِنَايَةٌ عَظِيمَةٌ، إِذْ هَدَاهُمْ إِلَى قِبْلَةِ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلِ الرَّحْمَنِ، وَجَعَلَ توجههم إلى الكعبة أَشْرَفَ بُيُوتِ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ، إِذْ هِيَ بِنَاءُ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ ﵇، وَلِهَذَا قَالَ: ﴿قُل للَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إلى صراط مُّسْتَقِيمٍ﴾. عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَعْنِي فِي أَهْلِ الْكِتَابِ: «إِنَّهُمْ لَا يَحْسُدُونَنَا عَلَى شَيْءٍ كَمَا يَحْسُدُونَنَا عَلَى يَوْمِ الْجُمْعَةِ التِي هَدَانَا اللَّهُ لَهَا وضلوا عنها، وعلى القبلة التي هدانا الله لَهَا، وَضَلُّوا عَنْهَا، وَعَلَى قَوْلِنَا خَلْفَ الْإِمَامِ آمين (رواه الإمام أحمد عن عائشة مرفوعاً)»

لَهَا وضلوا عنها، وعلى القبلة التي هدانا الله لَهَا، وَضَلُّوا عَنْهَا، وَعَلَى قَوْلِنَا خَلْفَ الْإِمَامِ آمين (رواه الإمام أحمد عن عائشة مرفوعاً)» وقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً﴾، يَقُولُ تَعَالَى إِنَّمَا حولناكم على قِبْلَةِ إِبْرَاهِيمَ ﵇، وَاخْتَرْنَاهَا لَكُمْ لَنَجْعَلَكُمْ خِيَارَ الأُمم لِتَكُونُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ شُهَدَآءَ عَلَى الأُمم، لِأَنَّ الْجَمِيعَ مُعْتَرِفُونَ لَكُمْ بِالْفَضْلِ، والوسطُ ههنا: الْخِيَارُ وَالْأَجْوَدُ، كَمَا يُقَالُ: قُرَيْشٌ أَوْسَطُ الْعَرَبِ نَسَبًا وَدَارًا أَيْ خَيْرُهَا، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَسَطًا فِي قَوْمِهِ، أي أشرفهم نسباً، ومنه (الصلاة الوسطى) وهي العصر، وَلَمَّا جَعَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْأُمَّةَ وَسَطًا خصَّها بِأَكْمَلِ الشَّرَائِعِ، وَأَقْوَمِ الْمَنَاهِجِ وَأَوْضَحِ الْمَذَاهِبِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حرَج مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى الناس﴾.

كُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى الناس﴾. عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "يُدْعَى نُوحٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُقَالُ لَهُ هَلْ بلَّغت؟ فَيَقُولُ نَعَمْ، فَيُدْعَى قَوْمُهُ فَيُقَالُ لَهُمْ هَلْ بَلَّغَكُمْ؟ فَيَقُولُونَ مَا أَتَانَا مِنْ نَذِيرٍ وَمَا أَتَانَا مِنْ أَحَدٍ، فَيُقَالُ لِنُوحٍ مَنْ يَشْهَدُ لَكَ؟ فَيَقُولُ مُحَمَّدٌ وَأُمَّتُهُ، قَالَ فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً﴾ قال: والوسط الْعَدْلُ فَتُدْعَوْنَ فَتَشْهَدُونَ لَهُ بِالْبَلَاغِ ثُمَّ أَشْهَدُ عليكم (رواه البخاري والترمذي والنسائي) " وعن أبي سعيد الخدري قال: قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "يجيء النبي يوم القيامة وَمَعَهُ الرَّجُلَانِ وَأَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ فَيُدْعَى قَوْمُهُ فيقال: هَلْ بلَّغكم هَذَا؟ فَيَقُولُونَ: لَا فَيُقَالُ لَهُ: هل بلغت قومك؟ فيقول نعم: فيقال مَنْ يَشْهَدُ لَكَ، فَيَقُولُ مُحَمَّدٌ وَأُمَّتُهُ فَيُدْعَى محمد وَأُمَّتِهِ: فَيُقَالُ لَهُمْ هَلْ بَلَّغَ هَذَا قَوْمَهُ؟ فَيَقُولُونَ نَعَمْ. فَيُقَالُ وَمَا عِلْمُكُمْ؟ فَيَقُولُونَ جَاءَنَا نبينا فَأَخْبَرَنَا أَنَّ الرُّسُلَ قَدْ بَلَّغُوا فَذَلِكَ قَوْلُهُ ﷿: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً﴾ قَالَ عَدْلًا ﴿لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شهيدا﴾ (رواه أحمد عن أبي سعيد الخدري مَرْفُوعًا) " عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «أَنَا وأُمتي يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى كَوْمٍ مُشْرِفِينَ عَلَى الْخَلَائِقِ مَا مِنَ النَّاسِ أَحَدٌ إِلَّا ودَّ أَنَّهُ مِنَّا، وَمَا مِنْ نَبِيٍّ كَذَّبَهُ قَوْمُهُ إِلَّا وَنَحْنُ نَشْهَدُ أَنَّهُ قَدْ بَلَّغَ رسالة ربه ﷿» (رواه ابن مردويه عن جابر بن عبد الله).

نَّهُ مِنَّا، وَمَا مِنْ نَبِيٍّ كَذَّبَهُ قَوْمُهُ إِلَّا وَنَحْنُ نَشْهَدُ أَنَّهُ قَدْ بَلَّغَ رسالة ربه ﷿» (رواه ابن مردويه عن جابر بن عبد الله). وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ التِي كُنتَ عَلَيْهَآ إِلَاّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ﴾، يَقُولُ تَعَالَى إِنَّمَا شَرَعْنَا لَكَ يَا مُحَمَّدُ التَّوَجُّهَ أَوَّلًا إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، ثُمَّ صَرَفْنَاكَ ⦗١٣٧⦘ عَنْهَا إِلَى الْكَعْبَةِ، لِيَظْهَرَ حَالُ مَنْ يَتَّبِعُكَ وَيُطِيعُكَ وَيَسْتَقْبِلُ مَعَكَ حَيْثُمَا تَوَجَّهْتَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ، أَيْ مُرْتَدًّا عَنْ دِينِهِ ﴿وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً﴾ أَيْ هذه الفعلة وهي صَرْفُ التَّوَجُّهِ عَنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ إِلَى الْكَعْبَةِ، أَيْ وَإِنْ كَانَ هَذَا الْأَمْرُ عَظِيمًا فِي النُّفُوسِ، إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَأَيْقَنُوا بِتَصْدِيقِ الرَّسُولِ، وَأَنَّ كُلَّ مَا جَاءَ بِهِ فَهُوَ الْحَقُّ الذِي لَا مِرْيَةَ فِيهِ، وَأَنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ وَيَحْكُمُ مَا يُرِيدُ، فَلَهُ أَنْ يُكَلِّفَ عِبَادَهُ بِمَا شَاءَ وَيَنْسَخَ مَا يَشَاءُ، وَلَهُ الْحِكْمَةُ التَّامَّةُ وَالْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ، بِخِلَافِ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ، فَإِنَّهُ كُلَّمَا حَدَثَ أَمْرٌ أَحْدَثَ لَهُمْ شَكًّا، كَمَا يَحْصُلُ لِلَّذِينِ آمَنُوا إيقانٌ وَتَصْدِيقٌ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا مَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَّن يَقُولُ: أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَاناً؟ فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُواْ هُدًى وَشِفَآءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عمى﴾.

ِجْسِهِمْ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُواْ هُدًى وَشِفَآءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عمى﴾. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَآءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إَلَاّ خَسَاراً﴾، وَلِهَذَا كَانَ - مَنْ ثَبَتَ عَلَى تَصْدِيقِ الرَّسُولِ ﷺ وَاتِّبَاعِهِ فِي ذَلِكَ، وَتَوَجَّهَ حَيْثُ أَمَرَهُ اللَّهُ مِنْ غَيْرِ شَكٍّ وَلَا رَيْبٍ - مِنْ سَادَاتِ الصَّحَابَةِ، وَقَدْ ذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّ السَّابِقِينَ الْأَوَّلِينَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ والأنصار هم الذين صلوا إلى القبلتين. عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: "بَيْنَا النَّاسُ يُصَلُونَ الصُّبْحَ فِي مَسْجِدِ قُبَاءَ إِذْ جَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ: قَدْ أُنْزِلَ عليَّ النَّبِيِّ ﷺ قُرْآنٌ، وَقَدْ أُمر أَنْ يَسْتَقْبِلَ الكعبة فاستقبلوها، فتوجهوا إلى الكعبة" (رواه البخاري ومسلم عن ابن عمر) وفي رواية أَنَّهُمْ كَانُوا رُكُوعًا فَاسْتَدَارُوا كَمَا هُمْ إِلَى الكعبة وهم ركوع، وهذا يدل على كمال طاعتهم لله ولرسوله وَانْقِيَادِهِمْ لِأَوَامِرِ اللَّهِ ﷿ ﵃ أَجْمَعِينَ.

رُكُوعًا فَاسْتَدَارُوا كَمَا هُمْ إِلَى الكعبة وهم ركوع، وهذا يدل على كمال طاعتهم لله ولرسوله وَانْقِيَادِهِمْ لِأَوَامِرِ اللَّهِ ﷿ ﵃ أَجْمَعِينَ. وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ أَيْ صَلَاتُكُمْ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ قَبْلَ ذلك، ما كان يضيع ثوابها عند الله، وفي الصحيح عَنِ الْبَرَاءِ قَالَ: مَاتَ قَوْمٌ كَانُوا يُصَلُّونَ نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، فَقَالَ النَّاسُ: مَا حَالُهُمْ فِي ذَلِكَ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ ليضيع إيمانكم﴾ (رواه التِّرْمِذِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَصَحَّحَهُ)، وَقَالَ ابْنُ إسحاق عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ أَيْ بِالْقِبْلَةِ الأُولى وَتَصْدِيقَكُمْ نَبِيَّكُمْ وَاتِّبَاعَهُ إِلَى الْقِبْلَةِ الأُخرى، أَيْ لِيُعْطِيُكُمْ أَجْرَهُمَا جَمِيعًا ﴿أَنَّ الله باناس لرؤوف ررحيم﴾ وقال الحسن البصري: وما كان ليضيع إيمانكم: أي مان اللَّهُ لِيُضِيعَ مُحَمَّدًا ﷺ وَانْصِرَافَكُمْ مَعَهُ حَيْثُ انْصَرَفَ ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ وَفِي الصَّحِيحِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَأَى امْرَأَةً مِنَ السَّبْيِ قَدْ فُرِّقَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ وَلَدِهَا، فَجَعَلَتْ كُلَّمَا وَجَدَتْ صَبِيًّا مِنَ السَّبْيِ أَخَذَتْهُ فَأَلْصَقَتْهُ بِصَدْرِهَا وَهِيَ تَدُورُ عَلَى وَلَدِهَا، فَلَمَّا وَجَدَتْهُ ضمته إليه وَأَلْقَمَتْهُ ثَدْيَهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَتَرَوْنَ هَذِهِ طَارِحَةً وَلَدَهَا فِي النار وهي تقدر على أن لا تَطْرَحَهُ»؟ قَالُوا: لَا يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: «فواللهِ، للُّه أرحمُ بِعِبَادِهِ مِنْ هَذِهِ بِوَلَدِهَا».

  • ١٤٤ - قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوِهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ وَمَا الله بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ

قال ابْنِ عَبَّاسٍ: كَانَ أَوَّلُ مَا نُسِخَ مِنَ الْقُرْآنِ الْقِبْلَةُ، وَذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، لَمَّا هَاجَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ وَكَانَ ⦗١٣٨⦘ أَكْثَرُ أَهْلِهَا الْيَهُودَ فَأَمَرَهُ اللَّهُ أَنْ يَسْتَقْبِلَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ، فَفَرِحَتِ الْيَهُودُ، فَاسْتَقْبَلَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِضْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا، وَكَانَ يُحِبُّ قِبْلَةَ إِبْرَاهِيمَ، فَكَانَ يَدْعُو اللَّهِ وَيَنْظُرُ إِلَى السَّمَاءِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فَوَلُّواْ وُجُوِهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ فارتابت مِنْ ذَلِكَ الْيَهُودُ، وَقَالُوا: ﴿مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قبلتهم التي كَانُواْ عَلَيْهَا؟ قُل للَّهِ المشرق والمغرب﴾. وَقَالَ: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾، وَقَالَ الله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا القبلة لتي كُنتَ عَلَيْهَآ إِلَاّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ وَرَوَى ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا سَلَّمَ مِنْ صَلَاتِهِ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ رَفَعَ رَأْسَهَ إِلَى السَّمَاءِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ إِلَى الْكَعْبَةِ، إِلَى الْمِيزَابِ يؤم به جبريل ﵇ (أخرجه الحافظ ابن مردويه عن ابن عباس) وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ قَالَ: شَطْرَهُ قِبَله (أخرجه الحاكم عن علي بن أبي طالب وقال: صحيح الإسناد)، ثُمَّ قَالَ الْحَاكِمُ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ.

َرَامِ﴾ قَالَ: شَطْرَهُ قِبَله (أخرجه الحاكم عن علي بن أبي طالب وقال: صحيح الإسناد)، ثُمَّ قَالَ الْحَاكِمُ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ. وعن ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قال: «البيت قِبْلَةٌ لِأَهْلِ الْمَسْجِدِ، والمسجدُ قبلةٌ لِأَهْلِ الْحَرَمِ، وَالْحَرَمُ قِبْلَةٌ لِأَهْلِ الْأَرْضِ فِي مَشَارِقِهَا وَمَغَارِبِهَا من أمتي». وعن الْبَرَاءِ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صلَّى قِبَلَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا، وَكَانَ يُعْجِبُهُ قِبْلَتُهُ قِبَلَ الْبَيْتِ، وَأَنَّهُ صَلَّى صَلَاةَ الْعَصْرِ وَصَلَّى مَعَهُ قَوْمٌ، فَخَرَجَ رَجُلٌ ممَّن كَانَ يُصَلِّي معه مر عَلَى أَهْلِ الْمَسْجِدِ وَهُمْ رَاكِعُونَ فَقَالَ: أَشْهَدُ بِاللَّهِ لَقَدْ صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قِبَل مَكَّةَ فَدَارُوا كَمَا هم قِبَل البيت (أخرجه أبو نعيم عن البراء بن عازب). وقال عبد الرزاق عَنِ الْبَرَاءِ قَالَ: لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ صَلَّى نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُحِبُّ أَنْ يُحَوَّلَ نَحْوَ الْكَعْبَةِ فَنَزَلَتْ: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ فصرف إلى الكعبة.

هْرًا وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُحِبُّ أَنْ يُحَوَّلَ نَحْوَ الْكَعْبَةِ فَنَزَلَتْ: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ فصرف إلى الكعبة. وعن أَبِي سَعِيدِ بْنِ الْمُعَلَى قَالَ: "كُنَّا نَغْدُو إِلَى الْمَسْجِدِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَنُصَلِّي فِيهِ، فَمَرَرْنَا يَوْمًا وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَاعِدٌ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَقُلْتُ لَقَدْ حَدَثَ أَمْرٌ فَجَلَسْتُ، فَقَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾ حَتَّى فَرَغَ مِنَ الْآيَةِ، فَقُلْتُ لِصَاحِبِي تَعَالَ نَرْكَعُ رَكْعَتَيْنِ قَبْلِ أَن يُنَزَّلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَنَكُونَ أَوَّلَ مَنْ صَلَّى فَتَوَارَيْنَا فَصَلَّيْنَاهُمَا، ثُمَّ نَزَلَ النَّبِيُّ ﷺ وصلى للناس الظهر يومئذ (رواه النسائي عن أبي سعيد بن المعلّى) " وَكَذَا رَوَى ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ أَوَّلَ صَلَاةٍ صَلَّاهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْكَعْبَةِ صَلَاةُ الظُّهْرِ وَأَنَّهَا الصَّلَاةُ الْوُسْطَى، وَالْمَشْهُورُ أَنَّ أَوَّلَ صَلَاةٍ صَلَاهَا إِلَى الْكَعْبَةِ صَلَاةُ الْعَصْرِ، وَلِهَذَا تَأَخَّرَ الْخَبَرُ عَنْ أَهْلِ قُبَاءَ إِلَى صَلَاةِ الْفَجْرِ، وقال الحافظ ابن مردويه عن نُوَيْلَةَ بِنْتِ مُسْلِمٍ قَالَتْ: صَلَّيْنَا الظُّهْرَ أَوِ الْعَصْرَ فِي مَسْجِدِ بَنِي حَارِثَةَ، فَاسْتَقْبَلْنَا مَسْجِدَ (إِيلِيَاءَ) فَصَلَّيْنَا رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ جَاءَ مَنْ يُحَدِّثُنَا أن رسول الله ﷺ قَدِ اسْتَقْبَلَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ فَتَحَوَّلَ النِّسَاءُ مَكَانَ الرِّجَالِ وَالرِّجَالُ مَكَانَ النِّسَاءِ فَصَلَّيْنَا السَّجْدَتَيْنِ الْبَاقِيَتَيْنِ وَنَحْنُ مُسْتَقْبِلُونَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ، فَحَدَّثَنِي رَجُلٌ مِنْ بَنِي حَارِثَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «أولئك رجال يؤمنون بالغيب»، وقوله: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوِهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ أَمَرَ تَعَالَى بِاسْتِقْبَالِ الْكَعْبَةِ مِنْ جَمِيعِ جِهَاتِ الْأَرْضِ،

ن بالغيب»، وقوله: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوِهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ أَمَرَ تَعَالَى بِاسْتِقْبَالِ الْكَعْبَةِ مِنْ جَمِيعِ جِهَاتِ الْأَرْضِ، شَرْقًا وَغَرْبًا، وَشَمَالًا وَجَنُوبًا، وَلَا يُسْتَثْنَى مِنْ هَذَا شَيْءٌ سِوَى النَّافِلَةِ فِي حَالِ السَّفَرِ، فَإِنَّهُ يُصَلِّيهَا حَيْثُمَا تَوَجَّهَ قَالَبُهُ وَقَلْبُهُ نَحْوَ الْكَعْبَةِ، وَكَذَا فِي حَالِ الْمُسَايَفَةِ فِي الْقِتَالِ يُصَلِّي عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَكَذَا مَنْ جَهِلَ جِهَةَ الْقِبْلَةِ يُصَلِّي بِاجْتِهَادِهِ وَإِنْ كَانَ مُخْطِئًا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يُكَلِّفُ نَفْساً إِلَاّ وُسْعَهَا. ⦗١٣٩⦘ (مَسْأَلَةٌ) وَقَدِ اسْتَدَلَّ الْمَالِكِيَّةُ بِهَذِهِ الْآيَةِ عَلَى أَنَّ الْمُصَلِّيَ يَنْظُرُ أَمَامَهُ لَا إِلَى مَوْضِعِ سُجُودِهِ كَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الشَّافِعِيُّ وأحمد وأبو حنيفة، قال المالكية بقوله: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ فَلَوْ نَظَرَ إِلَى مَوْضِعِ سُجُودِهِ لَاحْتَاجَ أَنْ يَتَكَلَّفَ ذَلِكَ بِنَوْعٍ مِنَ الِانْحِنَاءِ وَهُوَ يُنَافِي كَمَالَ الْقِيَامِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَنْظُرُ الْمُصَلِّي فِي قِيَامِهِ إِلَى صَدْرِهِ، وَقَالَ شَرِيكٌ الْقَاضِي: يَنْظُرُ فِي حَالِ قِيَامِهِ إِلَى مَوْضِعِ سُجُودِهِ كَمَا قَالَ جُمْهُورُ الْجَمَاعَةِ، لِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي الْخُضُوعِ وَآكَدُ فِي الْخُشُوعِ، وَقَدْ وَرَدَ بِهِ الْحَدِيثُ، وَأَمَّا فِي حَالِ رُكُوعِهِ فَإِلَى مَوْضِعِ قَدَمَيْهِ، وَفِي حَالِ سُجُودِهِ إِلَى مَوْضِعِ أَنْفِهِ، وَفِي حَالِ قُعُودِهِ إلى حِجْره.

لْحَدِيثُ، وَأَمَّا فِي حَالِ رُكُوعِهِ فَإِلَى مَوْضِعِ قَدَمَيْهِ، وَفِي حَالِ سُجُودِهِ إِلَى مَوْضِعِ أَنْفِهِ، وَفِي حَالِ قُعُودِهِ إلى حِجْره. وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ إِنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ﴾ أَيْ وَالْيَهُودُ الَّذِينَ أَنْكَرُوا اسْتِقْبَالَكُمُ الْكَعْبَةَ وَانْصِرَافَكُمْ عَنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى سَيُوَجِّهُكَ إِلَيْهَا بِمَا فِي كُتُبِهِمْ عَنْ أَنْبِيَائِهِمْ مِنَ النَّعْتِ وَالصِّفَةِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأُمَّتِهِ، وَمَا خَصَّهُ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ وشرَّفه مِنَ الشَّرِيعَةِ الْكَامِلَّةِ الْعَظِيمَةِ، ولكنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ يَتَكَاتَمُونَ ذَلِكَ بَيْنَهُمْ حسداً وكفراً وعناداً ولهذا تهددهم تَعَالَى بِقَوْلِهِ: ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾.

  • ١٤٥ - وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَّا تَبِعُواْ قِبْلَتَكَ وَمَآ أَنتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم مِنْ بَعْدِ مَا جَآءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذَاً لَّمِنَ الظَّالِمِينَ

يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ كُفْرِ الْيَهُودِ وَعِنَادِهِمْ، وَمُخَالَفَتِهِمْ مَا يَعْرِفُونَهُ مِنْ شَأْنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَأَنَّهُ لَوْ أَقَامَ عَلَيْهِمْ كُلَّ دَلِيلٍ عَلَى صِحَّةِ مَا جَاءَهُمْ بِهِ لَمَا اتَّبَعُوهُ وَتَرَكُوا أَهْوَاءَهُمْ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ* وَلَوْ جَآءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حتى يَرَوُاْ العذاب الأليم﴾، ولهذا قال ههنا: ﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَّا تَبِعُواْ قِبْلَتَكَ﴾، وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَآ أَنتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ﴾ إِخْبَارٌ عَنْ شِدَّةِ مُتَابَعَةِ الرَّسُولِ ﷺ لِمَا أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ، وَأَنَّهُ كَمَا هُمْ مُسْتَمْسِكُونَ بِآرَائِهِمْ وَأَهْوَائِهِمْ، فَهُوَ أَيْضًا مُسْتَمْسِكٌ بِأَمْرِ اللَّهِ وَطَاعَتِهِ وَاتِّبَاعِ مَرْضَاتِهِ، وَأَنَّهُ لَا يَتَّبِعُ أَهْوَاءَهُمْ فِي جَمِيعِ أَحْوَالِهِ، ولا كونه متوجهاً إلى بيت المقدس لكونها قِبْلَةُ الْيَهُودِ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ عَنْ أَمْرِ اللَّهِ تعالى، ثم حذَّر تَعَالَى عَنْ مُخَالَفَةِ الْحَقِّ الذِي يَعْلَمُهُ الْعَالِمُ إِلَى الْهَوَى، فَإِنَّ الْعَالِمَ الْحُجَّةُ عَلَيْهِ أَقْوَمُ مِنْ غَيْرِهِ. وَلِهَذَا قَالَ مُخَاطِبًا لِلرَّسُولِ وَالْمُرَادُ به الأمة: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم مِنْ بَعْدِ مَا جَآءَكَ مِنَ العلم إِنَّكَ إِذَاً لَّمِنَ الظالمين﴾.

  • ١٤٦ - الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ
  • ١٤٧ - الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ

أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ

  • ١٤٧ - الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ

يُخْبِرُ تَعَالَى أَنَّ عُلَمَاءَ أَهْلِ الْكِتَابِ يَعْرِفُونَ صِحَّةَ مَا جَاءَهُمْ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ كَمَا يَعْرِفُ أَحَدُهُمْ وَلَدَهُ، وَالْعَرَبُ ⦗١٤٠⦘ كَانَتْ تَضْرِبُ الْمِثْلَ فِي صِحَّةِ الشَّيْءِ بِهَذَا كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لِرَجُلٍ مَعَهُ صَغِيرٌ: «ابْنُكُ هَذَا»؟ قَالَ: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَشْهَدُ به، قال: «أما أنه لا يخفى عليك ولا تخفى عليه» ويروى عن عمر أنه قَالَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ: أَتَعْرِفُ مُحَمَّدًا كما تعرف ولدك؟ قال: نعم وأكثر، نظل الْأَمِينُ مِنَ السَّمَاءِ عَلَى الْأَمِينِ فِي الْأَرْضِ بنعته فعرفته، وابني لا أدري ما كان من أمه (قُلْتُ): وَقَدْ يَكُونُ الْمُرَادُ: ﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ من بين أبناء الناس كلهم، لا يشك أحد ولا يمتري في معرفة ابنه إذا رآه من أَبْنَاءِ النَّاسِ كُلِّهِمْ، ثُمَّ أَخْبَرَ تَعَالَى أَنَّهُمْ مَعَ هَذَا التَّحَقُّقِ وَالْإِتْقَانِ الْعِلْمِيِّ، ﴿لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ﴾ أَيْ لَيَكْتُمُونِ النَّاسَ مَا فِي كُتُبِهِمْ مِنْ صِفَةِ النَّبِيِّ ﷺ ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾، ثم ثبَّت تعالى نبيّه ﷺ وَالْمُؤْمِنِينَ وَأَخْبَرَهُمْ بِأَنَّ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ هُوَ الْحَقُّ الذِي لَا مِرْيَةَ فِيهِ وَلَا شَكَّ فَقَالَ: ﴿الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾.

  • ١٤٨ - وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَمَا تَكُونُواْ يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعاً إِنَّ اللَّهَ على كل شَيْءٍ قَدِيرٌ

لِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَمَا تَكُونُواْ يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعاً إِنَّ اللَّهَ على كل شَيْءٍ قَدِيرٌ

عن ابن عباس: ﴿وَلِكُلٍّ وجهة هو مولياها﴾ يعني بذلك أهل الأديان، يقول لكل قبيلة قبلةٌ يَرْضَوْنَهَا، وَوِجْهَةُ اللَّهِ حَيْثُ تَوَجَّهَ الْمُؤْمِنُونَ، وقال أبو العالية: لليهود وجهة هو موليها، وللنصارى وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا، وَهَدَاكُمْ - أَنْتُمْ أَيَّتُهَا الْأُمَّةُ - إلى القبلة التي هي القبلة. وقال الحسن: أَمَرَ كُلَّ قَوْمٍ أَنْ يُصَلُّوا إِلَى الْكَعْبَةِ، وَهَذِهِ الْآيَةُ شَبِيهَةٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ ليبلوكم فيما آتَاكُم فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا﴾، وقال ههنا: ﴿أينما تكونوا يأتب بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعاً أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أَيْ هُوَ قَادِرٌ عَلَى جَمْعِكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِنْ تَفَرَّقَتْ أَجْسَادُكُمْ وَأَبْدَانُكُمْ.

  • ١٤٩ - وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ
  • ١٥٠ - وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ المسجد الحرام وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوِهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلَاّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَاّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ

هَذَا أَمْرٌ ثَالِثٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى بِاسْتِقْبَالِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ مِنْ جَمِيعِ أَقْطَارِ الْأَرْضِ، وَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي حِكْمَةِ هَذَا التَّكْرَارِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَقِيلَ: تَأْكِيدٌ لِأَنَّهُ أَوَّلُ نَاسِخٍ وَقَعَ فِي الْإِسْلَامِ عَلَى مَا نَصَّ عَلَيْهِ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ، وَقِيلَ: بَلْ هُوَ مُنَزَّلٌ عَلَى أَحْوَالِ، فَالْأَمْرُ الْأَوَّلُ لِمَنْ هُوَ مُشَاهِدٌ الْكَعْبَةَ، وَالثَّانِي لِمَنْ هُوَ فِي مَكَّةَ غَائِبًا عَنْهَا، وَالثَّالِثُ لِمَنْ هُوَ فِي بَقِيَّةِ الْبُلْدَانِ هَكَذَا وجَّهه فَخْرُ الدِّينِ الرَّازِيُّ.

وَالثَّانِي لِمَنْ هُوَ فِي مَكَّةَ غَائِبًا عَنْهَا، وَالثَّالِثُ لِمَنْ هُوَ فِي بَقِيَّةِ الْبُلْدَانِ هَكَذَا وجَّهه فَخْرُ الدِّينِ الرَّازِيُّ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: الْأَوَّلُ لِمَنْ هُوَ بِمَكَّةَ، وَالثَّانِي لِمَنْ هُوَ فِي بَقِيَّةِ الأمصار، والثالث لمن خرج في الأسفار، وَقِيلَ: إِنَّمَا ذَكَرَ ذَلِكَ لِتَعَلُّقِهِ بِمَا قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ مِنَ السِّيَاقِ، فَقَالَ أَوَّلًا: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾، فَذَكَرَ فِي هَذَا الْمَقَامِ إِجَابَتَهُ إِلَى طَلَبَتِهِ وَأَمْرِهِ بِالْقِبْلَةِ ⦗١٤١⦘ التِي كَانَ يَوَدُّ التَّوَجُّهَ إِلَيْهَا وَيَرْضَاهَا وَقَالَ فِي الْأَمْرِ الثَّانِي: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾، فذكر إِنَّهُ الحق مِن الله وارتقاءه الْمَقَامِ الْأَوَّلِ حَيْثُ كَانَ مُوَافِقًا لِرِضَا الرَّسُولِ ﷺ، فَبَيَّنَ أَنَّهُ الْحَقُّ أَيْضًا مِنَ اللَّهِ يُحِبُّهُ وَيَرْتَضِيهِ، وَذَكَرَ فِي الْأَمْرِ الثَّالِثِ حِكْمَةُ قَطْعِ حُجَّةِ الْمُخَالَفِ مِنَ اليهود الذين كان يَتَحَجَّجُونَ بِاسْتِقْبَالِ الرَّسُولِ إِلَى قِبْلَتِهِمْ وَقَدْ كَانُوا يَعْلَمُونَ بِمَا فِي كُتُبِهِمْ أَنَّهُ سَيُصْرَفُ إِلَى قِبْلَةِ إِبْرَاهِيمَ ﵇ إِلَى الْكَعْبَةِ، وَكَذَلِكَ مُشْرِكُو الْعَرَبِ انْقَطَعَتْ حُجَّتُهُمْ لَمَّا صُرِفَ الرَّسُولُ ﷺ عَنْ قِبْلَةِ الْيَهُودِ إِلَى قِبْلَةِ إِبْرَاهِيمَ التِي هِيَ أَشْرَفُ، وَقَدْ كانوا يعظمون الكعبة وأعجبهم استقبال الرسول إِلَيْهَا، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الْأَجْوِبَةِ عَنْ حكمة التكرار، وقد بسطها الرازي وغيره، والله أَعْلَمُ.

ا يعظمون الكعبة وأعجبهم استقبال الرسول إِلَيْهَا، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الْأَجْوِبَةِ عَنْ حكمة التكرار، وقد بسطها الرازي وغيره، والله أَعْلَمُ. وَقَوْلُهُ: ﴿لِئَلَاّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ﴾ أَيْ أَهْلُ الْكِتَابِ فَإِنَّهُمْ يَعْلَمُونَ مِنْ صِفَةِ هَذِهِ الْأُمَّةِ التَّوَجُّهَ إِلَى الْكَعْبَةِ، فَإِذَا فَقَدُوا ذَلِكَ مِنْ صِفَتِهَا رُبَّمَا احْتَجُّوا بِهَا عَلَى المسلمين، ولئلا يَحْتَجُّوا بِمُوَافَقَةِ الْمُسْلِمِينَ إِيَّاهُمْ فِي التَّوَجُّهِ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَهَذَا أَظْهَرُ، قَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: ﴿لِئَلَاّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ﴾ يَعْنِي بِهِ أَهْلَ الْكِتَابِ حِينَ قَالُوا: صُرِفَ مُحَمَّدٌ إِلَى الْكَعْبَةِ، وَقَالُوا: اشْتَاقَ الرَّجُلُ إِلَى بَيْتِ أَبِيهِ وَدِينِ قَوْمِهِ. وَكَانَ حُجَّتُهُمْ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ انْصِرَافَهُ إِلَى الْبَيْتِ الْحَرَامِ أَنْ قَالُوا: سَيَرْجِعُ إِلَى دِينِنَا كَمَا رَجَعَ إلى قبلتنا. قَوْلِهِ: ﴿إِلَاّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ﴾ يَعْنِي مُشْرِكِي قُرَيْشٍ، وَوَجَّهَ بَعْضُهُمْ حُجَّةَ الظَّلَمَةِ وَهِيَ دَاحِضَةٌ أَنْ قَالُوا: إنَّ هَذَا الرَّجُلُ يَزْعُمُ أَنَّهُ عَلَى دِينِ إِبْرَاهِيمَ، فَإِنْ كَانَ تَوَجُّهُهُ إِلَى بيت المقدس على ملة إبراهيم فلم يرجع عَنْهُ؟ وَالْجَوَابُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى اخْتَارَ لَهُ التَّوَجُّهَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ أَوَّلًا، لِمَا لَهُ تَعَالَى فِي ذَلِكَ مِنَ الْحِكْمَةِ، فَأَطَاعَ رَبَّهُ تَعَالَى فِي ذَلِكَ، ثُمَّ صَرَفَهُ إِلَى قِبْلَةِ إِبْرَاهِيمَ وَهِيَ الْكَعْبَةُ، فَامْتَثَلَ أَمْرَ اللَّهِ فِي ذَلِكَ أَيْضًا فَهُوَ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ مُطِيعٌ لِلَّهِ فِي جَمِيعِ أَحْوَالِهِ، لَا يَخْرُجُ عَنْ أَمْرِ اللَّهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ وَأُمَّتُهُ تبعٌ لَهُ.

لَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ مُطِيعٌ لِلَّهِ فِي جَمِيعِ أَحْوَالِهِ، لَا يَخْرُجُ عَنْ أَمْرِ اللَّهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ وَأُمَّتُهُ تبعٌ لَهُ. وَقَوْلُهُ: ﴿فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي﴾ أَيْ لَا تَخْشَوْا شُبَهَ الظَّلَمَةِ الْمُتَعَنِّتِينَ وَأَفْرِدُوا الْخَشْيَةَ لِي، فَإِنَّهُ تَعَالَى هُوَ أَهْلُ أَنْ يُخْشَى مِنْهُ، وَقَوْلُهُ: ﴿وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾ عَطْفٌ عَلَى ﴿لِئَلَاّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ﴾، أي لأتم نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ فِيمَا شَرَعْتُ لَكُمْ مِنَ اسْتِقْبَالِ الْكَعْبَةِ لِتَكْمُلَ لَكُمُ الشَّرِيعَةُ مِنْ جَمِيعِ وُجُوهِهَا، ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ أَيْ إِلَى مَا ضَلَّتْ عَنْهُ الْأُمَمُ هَدَيْنَاكُمْ إِلَيْهِ وَخَصَصْنَاكُمْ بِهِ، وَلِهَذَا كَانَتْ هَذِهِ الْأُمَّةُ أَشْرَفَ الْأُمَمِ وَأَفْضَلَهَا.

  • ١٥١ - كَمَآ أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ
  • ١٥٢ - فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ

يذكِّر تَعَالَى عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ، مَا أَنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِمْ مِنْ بِعْثَةِ الرَّسُولِ مُحَمَّدٍ ﷺ إِلَيْهِمْ، يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ ﴿وَيُزَكِّيهِمْ﴾ أَيْ يُطَهِّرُهُمْ مِنْ رَذَائِلِ الْأَخْلَاقِ، وَدَنَسِ النُّفُوسِ وَأَفْعَالِ الْجَاهِلِيَّةِ، وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلَمَاتِ إِلَى النُّورِ، وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَهُوَ الْقُرْآنُ، وَالْحِكْمَةَ وَهِيَ السُّنَّةُ، ويعلِّمهم مَا لَمْ يَكُونُواْ يَعْلَمُونَ، فَكَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ الْجَهْلَاءَ يُسفِّهون بالقول القُرّاء، فَانْتَقَلُوا بِبَرَكَةِ رِسَالَتِهِ، وَيُمْنِ سِفَارَتِهِ، إِلَى حَالِ الْأَوْلِيَاءِ، وَسَجَايَا الْعُلَمَاءِ، فَصَارُوا أَعْمَقَ النَّاسِ عِلْمًا، وَأَبَرَّهُمْ قُلُوبًا، وَأَقَلَّهُمْ تَكَلُّفًا، وَأَصْدَقَهُمْ لَهْجَةً. وَقَالَ تعالى: ﴿قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا ⦗١٤٢⦘ مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ﴾ الآية. وَذَمَّ مَنْ لَمْ يَعْرِفْ قَدْرَ هَذِهِ النِّعْمَةِ فَقَالَ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّواْ قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَعْنِي بِنِعْمَةِ اللَّهِ مُحَمَّدًا ﷺ وَلِهَذَا نَدَبَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى الِاعْتِرَافِ بِهَذِهِ النِّعْمَةِ وَمُقَابَلَتِهَا بِذِكْرِهِ وشكره. وقال: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ فِي قَوْلِهِ: ﴿كَمَآ أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِّنْكُمْ﴾ يقول: كما فعلتُ فاذكروني.

َذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ فِي قَوْلِهِ: ﴿كَمَآ أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِّنْكُمْ﴾ يقول: كما فعلتُ فاذكروني. قال زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ: أَنَّ مُوسَى ﵇ قَالَ: يَا رَبِّ كَيْفَ أَشْكُرُكَ؟ قَالَ لَهُ رَبُّهُ: «تَذْكُرُنِي وَلَا تَنْسَانِي فَإِذَا ذَكَرْتَنِي فَقَدْ شكرتني، وإذ نسيتني فقد كفرتني» قال الحسن البصري: إِنَّ اللَّهَ يَذْكُرُ مَنْ ذَكَرَهُ، وَيَزِيدُ مَنْ شَكَرَهُ، وَيُعَذِّبُ مَنْ كَفَرَهُ، وَقَالَ بَعْضُ السَّلَفِ في قوله تعالى: ﴿اتقوو الله حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ هُوَ «أَنْ يُطَاعَ فَلَا يُعْصَى، ويُذكر فَلَا يُنْسى، ويُشْكَر فلا يُكْفر» وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ اذكروني فيما افترضت عليكم اذكركم فيا أوجبت لكم على نفسي، عن سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: اذْكُرُونِي بِطَاعَتِي أَذْكُرْكُمْ بِمَغْفِرَتِي، وفي رواية برحمتي. وفي الصَّحِيحِ: «يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى مَن ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي، ومَن ذَكَرَنِي فِي مَلَأٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلَأٍ خير منه» وعن أنَس قال: قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «قَالَ اللَّهُ ﷿ يَا ابْنَ آدَمَ إِنْ ذَكَرْتَنِي فِي نَفْسِكَ ذَكَرْتُكَ فِي نَفْسِي، وَإِنْ ذَكَرْتَنِي فِي مَلَأٍ ذَكَرْتُكَ فِي مَلَأٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ - أَوْ قَالَ فِي مَلَأٍ خير منه - وَإِنْ دَنَوْتَ مِنِّي شِبْرًا دنوتُ مِنْكَ ذِرَاعًا، وَإِنْ دَنَوْتَ مِنِّي ذِرَاعًا دَنَوْتُ مِنْكَ بَاعًا، وإن أتيتني تمشي أتيتك هرولةً» (أخرجه البخاري من حديث قتادة، ورواه الإمام أحمد عن أنَس بن مالك) " قال قتادة: الله أقرب بالرحمة وقوله: ﴿واشكروا لِي وَلَا تكفرون﴾ أم الله تعالى بشكره ووعد عَلَى شُكْرِهِ بِمَزِيدِ الْخَيْرِ،

م أحمد عن أنَس بن مالك) " قال قتادة: الله أقرب بالرحمة وقوله: ﴿واشكروا لِي وَلَا تكفرون﴾ أم الله تعالى بشكره ووعد عَلَى شُكْرِهِ بِمَزِيدِ الْخَيْرِ، فَقَالَ: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لئن شركتم لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ روى أَبُو رَجَاءٍ الْعُطَارِدِيُّ قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا (عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ) وَعَلَيْهِ مِطْرَفٌ مِنْ خَزٍّ لَمْ نَرَهُ عَلَيْهِ قَبْلَ ذَلِكَ وَلَا بَعْدَهُ، فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ نِعْمَةً فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ أَنْ يَرَى أَثَرَ نِعْمَتِهِ عَلَى خلقه (أخرجه الإمام أحمد عن ابي رجاء العطاردي)» وروي: على عبده.

  • ١٥٣ - يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ
  • ١٥٤ - وَلَا تَقُولُواْ لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ

لَمَّا فَرَغَ تَعَالَى مِنْ بيان الأمر بالشكر، شرع في بينان الصبر والإرشاد والاستعانة بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ، فَإِنَّ الْعَبْدَ إِمَّا أَنْ يَكُونَ فِي نِعْمَةٍ فَيَشْكُرُ عَلَيْهَا، أَوْ فِي نِقْمَةٍ فَيَصْبِرُ عَلَيْهَا، كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: "عَجَبًا لِلْمُؤْمِنِ لَا يَقْضِي اللَّهُ لَهُ قَضَاءً إِلَّا كَانَ خَيْرًا لَهُ: إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ فَشَكَرَ كَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ فَصَبَرَ كَانَ خَيْرًا لَهُ".

ُ قَضَاءً إِلَّا كَانَ خَيْرًا لَهُ: إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ فَشَكَرَ كَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ فَصَبَرَ كَانَ خَيْرًا لَهُ". وبيَّن تَعَالَى أَنَّ أَجْوَدَ مَا يُسْتَعَانُ بِهِ عَلَى تَحَمُّلِ الْمَصَائِبِ الصَّبْرُ وَالصَّلَاةُ كَمَا تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصلاة وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إلا على الخاشعين﴾ وَفِي الْحَدِيثِ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كان إذا حز به أمر صلّى» والصبر صبران: فصبرك عَلَى تَرْكِ الْمَحَارِمِ وَالْمَآثِمِ، وَصَبْرٌ عَلَى فِعْلِ الطَّاعَاتِ وَالْقُرُبَاتِ، وَالثَّانِي أَكْثَرُ ثَوَابًا لِأَنَّهُ الْمَقْصُودُ، ⦗١٤٣⦘ وأما الصبر الثالث وهو الصبر على المصائب والنوائب فذاك أيضاً واجب كالاستغفار من المعايب. قال زَيْنُ الْعَابِدِينَ: إِذَا جَمَعَ اللَّهُ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ يُنَادِي مُنَادٍ أَيْنَ الصَّابِرُونَ لِيَدْخُلُوا الْجَنَّةَ قَبْلَ الحساب؟ قال: فيقوم عُنُق (جماعة متقدمة، وزين العابدين هو (علي بن الحسين) ﵁ مِنَ النَّاسِ فَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ فَيَقُولُونَ: إِلَى أَيْنَ يَا بَنِي آدَمَ؟ فَيَقُولُونَ: إِلَى الْجَنَّةِ، فَيَقُولُونَ: قبل الحساب؟ قالوا: نعم، قالوا: مَن أنتم؟ قالوا: نحن الصابرون، قالوا: وما كان صبكم؟ قَالُوا: صَبَرْنَا عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ وَصَبَرْنَا عَنْ معصية الله حتى توفانا الله، قالو: أَنْتُمْ كَمَا قُلْتُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ. (قُلْتُ): وَيَشْهَدُ لِهَذَا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصابرون أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حساب﴾، وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: الصَّبْرُ اعْتِرَافُ الْعَبْدِ لِلَّهِ بِمَا أَصَابَ مِنْهُ، وَاحْتِسَابُهُ عِنْدَ اللَّهِ رَجَاءَ ثَوَابِهِ، وَقَدْ يَجْزَعُ الرَّجُلُ وَهُوَ مُتَجَلِّدٌ لَا يُرَى مِنْهُ إِلَّا الصَّبْرُ.

ِمَا أَصَابَ مِنْهُ، وَاحْتِسَابُهُ عِنْدَ اللَّهِ رَجَاءَ ثَوَابِهِ، وَقَدْ يَجْزَعُ الرَّجُلُ وَهُوَ مُتَجَلِّدٌ لَا يُرَى مِنْهُ إِلَّا الصَّبْرُ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَقُولُواْ لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ﴾ يُخْبِرُ تَعَالَى أَنَّ الشُّهَدَاءَ فِي بَرْزَخِهِمْ أَحْيَاءٌ يُرْزَقُونَ كَمَا جَاءَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ: " إِنَّ أَرْوَاحَ الشُّهَدَاءِ فِي حَوَاصِلِ طيور خُضْرٍ تَسْرَحُ فِي الْجَنَّةِ حَيْثُ شَاءَتْ، ثُمَّ تَأْوِي إِلَى قَنَادِيلَ مُعَلَّقَةٍ تَحْتَ الْعَرْشِ، فَاطَّلَعَ عليهم ربك اطلاعة فقال: ماذا تبغون؟ قالوا: يَا رَبَّنَا وَأَيُّ شَيْءٍ نَبْغِي وَقَدْ أَعْطَيْتَنَا مَا لَمْ تُعْطِ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ؟ ثُمَّ عاد عليهم بِمِثْلِ هَذَا فَلَمَّا رَأَوْا أَنَّهُمْ لَا يُتْرَكُونَ من أن يسألوا، قالو: نُرِيدُ أَنْ تَرُدَّنَا إِلَى الدَّارِ الدُّنْيَا فَنُقَاتِلَ فِي سَبِيلِكَ حَتَّى نُقْتَلَ فِيكَ مَرَّةً أُخرى - لما يرون من ثواب الشاهدة - فَيَقُولُ الرَّبُّ ﷻ: إِنِّي كَتَبْتُ أَنَّهُمْ إليها لا يرجعون" وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «نَسَمَةُ الْمُؤْمِنِ طَائِرٌ تَعْلَقُ فِي شَجَرِ الْجَنَّةِ حَتَّى يُرْجِعَهُ اللَّهُ إِلَى جَسَدِهِ يَوْمَ يَبْعَثُهُ» فَفِيهِ دَلَالَةٌ لِعُمُومِ الْمُؤْمِنِينَ أَيْضًا وَإِنْ كَانَ الشُّهَدَاءُ قَدْ خُصِّصُوا بِالذِّكْرِ فِي الْقُرْآنِ تَشْرِيفًا لَهُمْ وَتَكْرِيمًا وَتَعْظِيمًا.

  • ١٥٥ - وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ
  • ١٥٦ - الَّذِينَ إِذَآ أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا للَّهِ وَإِنَّآ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ
  • ١٥٧ - أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ

أخبرنا تعالى أنه يبتلي عباده أي يختبرهم ويمتحنهم، كما قال تعالى: ﴿ولنبونكم حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ فَتَارَةً بِالسَّرَّاءِ، وَتَارَةً بِالضَّرَّاءِ مِنْ خَوْفٍ وَجُوعٍ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ والخوف﴾، فَإِنَّ الْجَائِعَ وَالْخَائِفَ كُلٌّ مِنْهُمَا يَظْهَرُ ذَلِكَ عَلَيْهِ، وَلِهَذَا قَالَ: ﴿لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ﴾ وَقَالَ ههنا: ﴿بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ﴾ أَيْ بِقَلِيلٍ مِنْ ذَلِكَ، ﴿وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ﴾ أَيْ ذَهَابُ بَعْضِهَا ﴿وَالْأَنْفُسِ﴾ كَمَوْتِ الْأَصْحَابِ وَالْأَقَارِبِ وَالْأَحْبَابِ، ﴿وَالثَّمَرَاتِ﴾ أَيْ لا تغل الحدائق والمزارع كعادتها، قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ فَكَانَتْ بَعْضُ النَّخِيلِ لَا تثمر غير واحة، وَكُلُّ هَذَا وَأَمْثَالُهُ مِمَّا يَخْتَبِرُ اللَّهُ بِهِ عباده، فمن صبر أثابه ومن قنط أحل به عقابه، ولهذا قال تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الصابرين﴾

غير واحة، وَكُلُّ هَذَا وَأَمْثَالُهُ مِمَّا يَخْتَبِرُ اللَّهُ بِهِ عباده، فمن صبر أثابه ومن قنط أحل به عقابه، ولهذا قال تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الصابرين﴾ ثمَّ بيَّن تَعَالَى مَنِ الصَّابِرُونَ الَّذِينَ شَكَرَهُمْ فقال: ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا للَّهِ وَإِنَّآ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ ⦗١٤٤⦘ أَيْ تَسَلَّوْا بِقَوْلِهِمْ هَذَا عَمَّا أَصَابَهُمْ، وَعَلِمُوا أَنَّهُمْ مِلْكٌ لِلَّهِ يَتَصَرَّفُ فِي عَبِيدِهِ بِمَا يَشَاءُ، وَعَلِمُوا أَنَّهُ لَا يَضِيعُ لَدَيْهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَأَحْدَثَ لَهُمْ ذَلِكَ اعْتِرَافَهُمْ بِأَنَّهُمْ عَبِيدُهُ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ، وَلِهَذَا أَخْبَرَ تَعَالَى عَمَّا أَعْطَاهُمْ عَلَى ذَلِكَ فَقَالَ: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾ أي ثناء من الله عليهم ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: نِعْمَ العِدْلان وَنَعِمَتِ العِلاوة ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾ هذان الْعَدْلَانِ ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ فَهَذِهِ الْعِلَاوَةُ، وَهِيَ مَا تُوضَعُ بَيْنَ الْعَدْلَيْنِ، وَهِيَ زِيَادَةٌ فِي الحمل فكذلك هَؤُلَاءِ أُعْطُوا ثَوَابَهُمْ وَزِيدُوا أَيْضًا.

َ﴾ فَهَذِهِ الْعِلَاوَةُ، وَهِيَ مَا تُوضَعُ بَيْنَ الْعَدْلَيْنِ، وَهِيَ زِيَادَةٌ فِي الحمل فكذلك هَؤُلَاءِ أُعْطُوا ثَوَابَهُمْ وَزِيدُوا أَيْضًا. وَقَدْ وَرَدَ في ثواب الاسترجاع عِنْدَ الْمَصَائِبِ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ فَمِنْ ذَلِكَ مَا رواه الإمام أحمد عن أم سلمة قالت: أتاني أبو سلمى يَوْمًا مِنْ عِنْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: لَقَدْ سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَوْلًا سُرِرْتُ بِهِ، قَالَ: "لَا يُصِيبُ أَحَدًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ مُصِيبَةٌ فَيَسْتَرْجِعُ عِنْدَ مُصِيبَتِهِ ثُمَّ يَقُولُ: اللَّهُمَّ أجرني في مصيبتي واخلف لي خيرا منها، إِلَّا فَعَلَ ذَلِكَ بِهِ" قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: فَحَفِظْتُ ذَلِكَ مِنْهُ، فَلَمَّا تُوُفِّيَ أَبُو سَلَمَةَ اسْتَرْجَعْتُ وَقُلْتُ: اللَّهُمَّ أَجِرْنِي فِي مُصِيبَتِي وَاخَلُفْ لي خيراً منها، ثم رجعت إلى نفسي فقلت: من أن لِي خَيْرٌ مِنْ أَبِي سَلَمَةَ؟ فَلَمَّا انْقَضَتْ عدتي استأذن ليَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَنَا أَدْبُغُ إِهَابًا لِي، فَغَسَلْتُ يَدِي مِنَ الْقَرَظِ وأذْنت لَهُ، فَوَضَعْتُ لَهُ وِسَادَةَ أَدَمٍ حَشْوُهَا لِيفٌ فَقَعَدَ عَلَيْهَا فَخَطَبَنِي إِلَى نَفْسِي، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ مَقَالَتِهِ قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله ما بي أن لا يَكُونَ بِكَ الرَّغْبَةُ، وَلَكِنِّي امْرَأَةٌ فيَّ غَيْرَةٌ شَدِيدَةٌ، فَأَخَافَ أَنْ تَرَى مِنِّي شَيْئًا يُعَذِّبُنِي اللَّهُ بِهِ، وَأَنَا امْرَأَةٌ قَدْ دَخَلْتُ فِي السِّنِّ وَأَنَا ذَاتُ عِيَالٍ، فَقَالَ: «أَمَّا مَا ذكرتِ مِنَ الْغَيْرَةِ فَسَوْفَ يُذهبها اللَّهُ ﷿ عَنْكِ، وَأَمَّا مَا ذكرتِ مِنَ السِّنِّ فَقَدْ أَصَابَنِي مِثْلُ الذِي أَصَابَكِ، وَأَمَّا مَا ذكرتِ مِنَ الْعِيَالِ فَإِنَّمَا عِيَالُكِ عِيَالِي»، قَالَتْ: فَقَدْ سلَّمتُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَتَزَوَّجَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ بَعْدُ: أَبْدَلَنِي اللَّهُ بِأَبِي سَلَمَةَ خَيْرًا مِنْهُ: رَسُولَ اللَّهِ ﷺ.

اللَّهِ ﷺ، فَتَزَوَّجَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ بَعْدُ: أَبْدَلَنِي اللَّهُ بِأَبِي سَلَمَةَ خَيْرًا مِنْهُ: رَسُولَ اللَّهِ ﷺ. وعن أم سلمة قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَا مِنْ عبدٍ تُصِيبُهُ مُصِيبَةٌ فَيَقُولُ ﴿إِنَّا للَّهِ وَإِنَّآ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ اللَّهُمَّ أجرني في مصيبتي واخلف لي خيرا منها إلا آجره الله في مُصِيبَتِهِ وَأَخْلَفَ لَهُ خَيْرًا مِنْهَا»، قَالَتْ: فَلَمَّا تُوُفِّيَ أَبُو سَلَمَةَ قُلْتُ كَمَا أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأَخْلَفَ اللَّهُ لِي خَيْرًا مِنْهُ: رَسُولَ اللَّهِ ﷺ " (رَوَاهُ مسلم عن أُم سلمة). وعن النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ وَلَا مُسَلَمَةَ يُصاب بِمُصِيبَةٍ فَيَذْكُرُهَا وإن طال عَهْدُهَا فَيُحْدِثُ لِذَلِكَ اسْتِرْجَاعًا إِلَّا جَدَّدَ اللَّهُ لَهُ عِنْدَ ذَلِكَ فَأَعْطَاهُ مِثْلَ أَجْرِهَا يَوْمَ أصيب» (رواه أحمد وابن ماجة) وعن أَبِي سِنَانٍ قَالَ: دَفَنْتُ ابْنًا لِي فَإِنِّي لَفِي الْقَبْرِ إِذْ أَخَذَ بِيَدِي أَبُو طَلْحَةَ (يَعْنِي الْخَوْلَانِيُّ) فَأَخْرَجَنِي وَقَالَ لِي: أَلَا أبشِّرك؟ قلت: بلى، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "قَالَ اللَّهُ: يَا مَلَكَ الْمَوْتِ قَبَضْتَ وَلَدَ عَبْدِي؟ قَبَضْتَ قُرَّةَ عَيْنِهِ وَثَمَرَةَ فُؤَادِهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَمَا قَالَ؟ قَالَ: حَمِدَكَ واسترجع، قال: ابنوا لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَسَمُّوهُ بَيْتَ الْحَمْدِ" (رواه أحمد والترمذي)

  • ١٥٨ - إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَن تَطَوَّعَ خَيْراً فَإِنَّ الله شَاكِرٌ عليم ⦗١٤٥⦘ روى الإمام أحمد عن عروة عن عائشة قال، قلتُ: أرأيتِ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾؟ فَوَاللَّهِ مَا عَلَى أحدٍ جُنَاحٌ أَنْ لَا يتطوف بهما، فقالت عائشة: بئس ما قلتَ يَا ابْنَ أُخْتِي إِنَّهَا لَوْ كَانَتْ عَلَى مَا أَوَّلْتَهَا عَلَيْهِ كَانَتْ فَلَا جُناح عليه أن لا يطَّوف بِهِمَا، وَلَكِنَّهَا إِنَّمَا أُنْزِلَتْ أَنَّ الْأَنْصَارَ كَانُوا قَبْلَ أَنْ يُسْلِمُوا كَانُوا يهلِّون لِمَنَاةَ الطاغية التي كانوا يعبدونها عن الْمُشَلَّلِ، وَكَانَ مَنْ أهلَّ لَهَا يَتَحَرَّجُ أَنْ يطَّوف بِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، فَسَأَلُوا عَنْ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا كُنَّا نَتَحَرَّجُ أَنْ نطَّوف بِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﷿، ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ قَالَتْ عَائِشَةُ: ثُمَّ قَدْ سنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الطَّوَافَ بِهِمَا فَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَدَعَ الطواف بهما (رواه الشيخان وأحمد). وقال أنَس: كنا نرى أنهما مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ، فَلَمَّا جَاءَ الْإِسْلَامُ أَمْسَكْنَا عَنْهُمَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﷿: ﴿إِنَّ الصَّفَا والمروة مِن شَعَآئِرِ الله﴾ وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: كَانَ إِسَافٌ عَلَى الصَّفَا وَكَانَتْ نَائِلَةُ عَلَى الْمَرْوَةِ، وَكَانُوا يَسْتَلِمُونَهُمَا فَتَحَرَّجُوا بَعْدَ الْإِسْلَامِ مِنَ الطَّوَافِ بَيْنَهُمَا فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ.

ْ نَائِلَةُ عَلَى الْمَرْوَةِ، وَكَانُوا يَسْتَلِمُونَهُمَا فَتَحَرَّجُوا بَعْدَ الْإِسْلَامِ مِنَ الطَّوَافِ بَيْنَهُمَا فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ. وفي صَحِيحِ مُسْلِمٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا فَرَغَ مِنْ طَوَافِهِ بِالْبَيْتِ عَادَ إِلَى الرُّكْنِ فَاسْتَلَمَهُ ثُمَّ خَرَجَ مِنْ بَابِ الصَّفَا وَهُوَ يَقُولُ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللَّهِ﴾، ثُمَّ قَالَ: «أَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ» (رواه مسلم من حديث جابر الطويل) وعن حَبِيبَةَ بِنْتِ أَبِي تَجْرَاةَ قَالَتْ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَطُوفُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَالنَّاسُ بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُوَ وَرَاءَهُمْ وَهُوَ يَسْعَى، حَتَّى أَرَى رُكْبَتَيْهِ مِنْ شِدَّةِ السَّعْيِ يَدُورُ بِهِ إِزَارُهُ وَهُوَ يَقُولُ: «اسْعَوْا فإن الله كتب عليكم السعي» (أخرجه الإمام أحمد) وقد استدل بهذا الحديث مَنْ يَرَى أَنَّ السَّعْيَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ رُكْنٌ فِي الْحَجِّ، كَمَا هُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَرِوَايَةً عَنْ أَحْمَدَ وَهُوَ الْمَشْهُورُ عَنْ مَالِكٍ، وَقِيلَ: إِنَّهُ وَاجِبٌ وَلَيْسَ بِرُكْنٍ فَإِنْ تَرَكَهُ عَمْدًا أَوْ سَهْوًا جَبَرَهُ بِدَمٍ وَهُوَ رِوَايَةٌ عن أحمد. وقيل: بل مستحب.

نْ مَالِكٍ، وَقِيلَ: إِنَّهُ وَاجِبٌ وَلَيْسَ بِرُكْنٍ فَإِنْ تَرَكَهُ عَمْدًا أَوْ سَهْوًا جَبَرَهُ بِدَمٍ وَهُوَ رِوَايَةٌ عن أحمد. وقيل: بل مستحب. واحتجوا بقوله تعالى: ﴿فَمَن تَطَوَّعَ خَيْراً﴾، وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَرْجَحُ لِأَنَّهُ ﵇ طَافَ بينهما وقال: «خذوا عني مناسككم» بيَّن تَعَالَى أَنَّ الطَّوَافَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ ﴿مِن شَعَآئِرِ اللَّهِ﴾ أَيْ مِمَّا شَرَعَ اللَّهُ تَعَالَى لأبراهيم فِي مَنَاسِكِ الْحَجِّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ أَصْلَ ذَلِكَ مَأْخُوذٌ مِنْ طواف هَاجَرَ، وَتَرْدَادِهَا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ فِي طَلَبِ الماء لولدها لمّا نفد ماؤهما وزادهما، فلم تزل تتردد فِي هَذِهِ الْبُقْعَةِ الْمُشَرَّفَةِ بَيْنَ (الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ) متذللة خائفة وجلة حَتَّى كَشَفَ اللَّهُ كُرْبَتَهَا، وَآنَسَ غُرْبَتَهَا، وفرَّج شِدَّتَهَا وَأَنْبَعَ لَهَا زَمْزَمَ التِي مَاؤُهَا «طَعَامُ طَعْمٍ، وَشِفَاءُ سُقْمٍ»، فَالسَّاعِي بَيْنَهُمَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَسْتَحْضِرَ فَقْرَهُ وَذُلُّهُ وَحَاجَتَهُ إِلَى اللَّهِ فِي هِدَايَةِ قَلْبِهِ، وَصَلَاحِ حَالِهِ، وَغُفْرَانِ ذَنْبِهِ، وأن يلتجىء إلى الله ﷿ لتفريج ما هو به. وَقَوْلُهُ: ﴿فَمَن تَطَوَّعَ خَيْراً﴾ قِيلَ: زَادَ فِي طَوَافِهِ بَيْنَهُمَا عَلَى قَدْرِ الْوَاجِبِ ثَامِنَةً وَتَاسِعَةً وَنَحْوَ ذَلِكَ، وَقِيلَ: يَطُوفُ بَيْنَهُمَا فِي حَجَّةِ تَطَوُّعٍ أَوْ عُمْرَةِ تَطَوُّعٍ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ تَطَوَّعَ خيراً في سائر العبادات. وَقَوْلُهُ: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ أَيْ يُثِيبُ عَلَى الْقَلِيلِ بِالْكَثِيرِ ﴿عَلِيمٌ﴾ بِقَدْرِ الْجَزَاءِ فَلَا يَبْخَسُ أَحَدًا ثَوَابَهُ وَ ﴿لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْراً عظيما﴾.

  • ١٥٩ - إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَآ أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ
  • ١٦٠ - إِلَاّ الَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُوْلَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ
  • ١٦١ - إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ
  • ١٦٢ - خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنظَرُونَ

هَذَا وَعِيدٌ شَدِيدٌ لِمَنْ كَتَمَ مَا جَاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ، مِنَ الدَّلَالَاتِ الْبَيِّنَةِ عَلَى الْمَقَاصِدِ الصَّحِيحَةِ، وَالْهُدَى النَّافِعِ لِلْقُلُوبِ، مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَهُ اللَّهُ تَعَالَى لِعِبَادِهِ، فِي كُتُبِهِ التِي أَنْزَلَهَا عَلَى رُسُلِهِ، وقد نَزَلَتْ فِي أَهْلِ الْكِتَابِ كَتَمُوا صِفَةَ مُحَمَّدٍ ﷺ وفي الحديث: «مَنْ سُئِلَ عَنْ عِلْمٍ فَكَتَمَهُ أُلجم يَوْمَ القيامة بلجام من نار» (أخرجه أبو داود والترمذي عن أبي هريرة) وروي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ: لَوْلَا آيَةٌ فِي كِتَابِ اللَّهِ مَا حدَّثت أَحَدًا شَيْئًا ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَآ أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ والهدى﴾ الآية. قال أبو العالية: ﴿وَيَلْعَنُهُمُ اللاعنون﴾ يعني تلعنهم الملائكة وَالْمُؤْمِنُونَ، وَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: «أَنَّ الْعَالِمَ يستغفر له كل شيء حتى الحِيتان في البحر»، وَجَاءَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّ كَاتِمَ الْعِلْمِ يلعنه الله والملائكة والناس أجمعون.

Bagian 10 dari 141