— Bagian 9 · َلَيْكَ السَّلَامَ وَيَقُولُ غَيَّر عَتَبَةَ بَا… —
Bagian 9
َلَيْكَ السَّلَامَ وَيَقُولُ غَيَّر عَتَبَةَ بَابِكَ، قَالَ: ذَاكَ أَبِي وقد أمرني أن أٌن أُفارقك فالحقي بأهلك، وطلَّقها وَتَزَوَّجَ مِنْهُمْ بأُخرى. فَلَبِثَ عَنْهُمْ إِبْرَاهِيمُ مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ أَتَاهُمْ بَعْدُ فَلَمْ يَجِدْهُ فَدَخَلَ عَلَى امْرَأَتِهِ فَسَأَلَهَا عَنْهُ فَقَالَتْ: خَرَجَ يَبْتَغِي لَنَا، قَالَ: كَيْفَ أَنْتُمْ؟ وَسَأَلَهَا عَنْ عَيْشِهِمْ وَهَيْئَتِهِمْ، فَقَالَتْ: نَحْنُ بِخَيْرٍ وَسَعَةٍ، وَأَثْنَتْ على الله ﷿، قال: مَا طَعَامُكُمْ؟ قَالَتِ: اللَّحْمُ، قَالَ: فَمَا شَرَابُكُمْ؟ قَالَتِ: الْمَاءُ، قَالَ: اللَّهُمَّ بَارِكْ لَهُمْ فِي اللَّحْمِ وَالْمَاءِ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ يومئذٍ حَب وَلَوْ كَانَ لَهُمْ لَدَعَا لَهُمْ فِيهِ»، قَالَ: فَهُمَا لَا يَخْلُو عَلَيْهِمَا أَحَدٌ بِغَيْرِ مَكَّةَ إِلَّا لَمْ يُوَافِقَاهُ، قَالَ: فَإِذَا جَاءَ زَوْجُكِ فَاقْرَئِي ﵇ وَمُرِيهِ يثبِّت عَتَبَةَ بَابِهِ، فَلَمَّا جاء إسماعيل قَالَ: هَلْ أَتَاكُمْ مَنْ أَحَدٍ؟ قَالَتْ: نَعَمْ أَتَانَا شَيْخٌ حَسَنُ الْهَيْئَةِ وَأَثْنَتْ عَلَيْهِ، فَسَأَلَنِي عَنْكَ فَأَخْبَرْتُهُ فَسَأَلَنِي كَيْفَ عَيْشُنَا؟ فَأَخْبَرْتُهُ أنَّا بخير، قال أنَّا بِخَيْرٍ، قَالَ: فَأَوْصَاكِ بِشَيْءٍ؟ قَالَتْ: نَعَمْ هو يقرأ عليك السلام ويأمرك أن ثبِّت عَتَبَةَ بَابِكَ، قَالَ: ذَاكَ أَبِي وَأَنْتِ الْعَتَبَةُ أَمَرَنِي أَنْ أُمْسِكَكِ.
كِ بِشَيْءٍ؟ قَالَتْ: نَعَمْ هو يقرأ عليك السلام ويأمرك أن ثبِّت عَتَبَةَ بَابِكَ، قَالَ: ذَاكَ أَبِي وَأَنْتِ الْعَتَبَةُ أَمَرَنِي أَنْ أُمْسِكَكِ. ثُمَّ لَبِثَ عَنْهُمْ مَا شاء الله ثُمَّ جَاءَ بَعْدَ ذَلِكَ وَإِسْمَاعِيلُ يَبْرِي نَبْلًا لَهُ تَحْتَ دَوْحَةٍ، قَرِيبًا مِنْ زَمْزَمَ، فَلَمَّا رآه قام إليه وصنعا كما يصنع الوالد بالولد والولد بالوالد، ثُمَّ قَالَ: يَا إِسْمَاعِيلُ إِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي بأمر قال: فاصنع ما أمرك ربك، قَالَ: وَتُعِينُنِي؟ قَالَ: وَأُعِينُكَ، قَالَ: فَإِنَّ اللَّهَ أمرني أن أبني ههنا بَيْتًا، وَأَشَارَ إِلَى أَكَمَةٍ مُرْتَفِعَةٍ عَلَى مَا حَوْلَهَا قَالَ: فَعِنْدَ ذَلِكَ رَفَعَا الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ، فَجَعَلَ إِسْمَاعِيلُ يَأْتِي بِالْحِجَارَةِ وَإِبْرَاهِيمُ يَبْنِي حَتَّى إِذَا ارْتَفَعَ الْبِنَاءُ جَاءَ بِهَذَا الْحَجَرِ فَوَضَعَهُ لَهُ فَقَامَ عَلَيْهِ، وَهُوَ يَبْنِي وَإِسْمَاعِيلُ يُنَاوِلُهُ الْحِجَارَةَ وَهُمَا يَقُولَانِ: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّآ إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ قَالَ: فَجَعَلَا يَبْنِيَانِ حَتَّى يَدُورَا حَوْلَ الْبَيْتِ وَهُمَا يَقُولَانِ: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّآ إِنَّكَ أَنتَ السميع العليم﴾.
لْعَلِيمُ﴾ قَالَ: فَجَعَلَا يَبْنِيَانِ حَتَّى يَدُورَا حَوْلَ الْبَيْتِ وَهُمَا يَقُولَانِ: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّآ إِنَّكَ أَنتَ السميع العليم﴾. ثُمَّ قَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ أخبرنا أبو عامر عبد الملك بن عمرو، أخبرنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ نَافِعٍ عَنْ كَثِيرِ بْنِ كَثِيرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: "لَمَّا كَانَ بَيْنَ إِبْرَاهِيمَ وَبَيْنَ أَهْلِهِ مَا كَانَ خَرَجَ بِإِسْمَاعِيلَ وأُم إِسْمَاعِيلَ وَمَعَهُمْ شَنَّةٌ فِيهَا مَاءٌ فَجَعَلَتْ أُم إِسْمَاعِيلَ تَشْرَبُ مِنَ الشَّنَّةِ فَيَدِرُّ لَبَنُهَا عَلَى صَبِيِّهَا حَتَّى قدم مكة فوضعهما تَحْتَ دَوْحَةٍ ثُمَّ رَجَعَ إِبْرَاهِيمُ إِلَى أَهْلِهِ، فَاتَّبَعَتْهُ أُمُّ إِسْمَاعِيلَ حَتَّى بَلَغُوا كَدَاءَ نَادَتْهُ مِنْ وَرَائِهِ: يَا إِبْرَاهِيمُ إِلَى مَنْ تَتْرُكُنَا؟ قال: إلى الله، قالت: رضيت بالله. قال: فرجعت تشرب من الشنة ويدر لبناها عَلَى صَبِيِّهَا حَتَّى لَمَّا فَنِيَ الْمَاءُ. قَالَتْ: لو ذهبت فنظرت لعلي أحس أحداً، فذهبت فصعدت الصفا. فنظرت هَلْ تُحِسُّ أَحَدًا؟ فَلَمْ تُحِسَّ أَحَدًا، فَلَمَّا بلغت الوادي سعت حتى أتت المروة وفعلت ذلك أشواطاً حَتَّى أَتَمَّتْ سَبْعًا، ثُمَّ قَالَتْ: لَوْ ذَهَبْتُ فنظرت ما فعل الصَّبِيَّ، فَذَهَبَتْ فَنَظَرَتْ فَإِذَا هُوَ عَلَى حَالِهِ كَأَنَّهُ يَنْشَغُ لِلْمَوْتِ فَلَمْ تُقِرَّهَا نَفْسُهَا، فَقَالَتْ: لو ذهبت
فنظرتُ لعلي أحس أحداً، فَذَهَبَتْ فَصَعِدَتِ الصَّفَا، فَنَظَرَتْ وَنَظَرَتْ فَلَمْ تُحِسْ أَحَدًا حَتَّى أَتَمَّتْ سَبْعًا، ثُمَّ قَالَتْ: لَوْ ذَهَبْتُ فَنَظَرْتُ مَا فَعَلَ، فَإِذَا هِيَ بِصَوْتٍ فَقَالَتْ: أَغِثْ إِنْ كَانَ عِنْدَكَ خَيْرٌ، فَإِذَا جِبْرِيلُ ﵇ قَالَ: فَقَالَ بِعَقِبِهِ هَكَذَا وَغَمَزَ عَقِبَهُ عَلَى الْأَرْضِ، قَالَ: فَانْبَثَقَ الْمَاءُ فَدَهَشَتْ أُمُّ إِسْمَاعِيلَ فَجَعَلَتْ تَحْفِرُ قَالَ: فَقَالَ أَبُو الْقَاسِمِ ﷺ: «لَوْ تَرَكَتْهُ لَكَانَ الْمَاءُ ظَاهِرًا» قَالَ: فَجَعَلَتْ تَشْرَبُ مِنَ الْمَاءِ ويدرُّ لَبَنُهَا عَلَى صَبِيِّهَا. قَالَ: فَمَرَّ نَاسٌ مَنْ جُرْهُمَ بِبَطْنِ الْوَادِي فَإِذَا هُمْ بِطَيْرٍ كَأَنَّهُمْ أَنْكَرُوا ذَلِكَ، وَقَالُوا: مَا يَكُونُ الطَّيْرُ إِلَّا عَلَى مَاءٍ، فَبَعَثُوا رَسُولَهُمْ فَنَظَرَ فَإِذَا هُوَ بِالْمَاءِ فَأَتَاهُمْ فَأَخْبَرَهُمْ، فَأَتَوْا إِلَيْهَا فَقَالُوا: يَا أُمَّ إِسْمَاعِيلَ أَتَأْذَنِينَ لَنَا أَنْ نَكُونَ مَعَكِ وَنُسْكِنَ مَعَكِ؟
الْمَاءِ فَأَتَاهُمْ فَأَخْبَرَهُمْ، فَأَتَوْا إِلَيْهَا فَقَالُوا: يَا أُمَّ إِسْمَاعِيلَ أَتَأْذَنِينَ لَنَا أَنْ نَكُونَ مَعَكِ وَنُسْكِنَ مَعَكِ؟ فَبَلَغَ ابْنُهَا ونكح منهم امْرَأَةً. قَالَ: ثُمَّ إِنَّهُ بَدَا لِإِبْرَاهِيمَ ﷺ فَقَالَ لأَهْلِهِ: إِنِّي مُطَّلِعٌ تركتي، قال: فجاءهم فَسَلَّمَ فَقَالَ: أَيْنَ إِسْمَاعِيلُ؟ قَالَتِ امْرَأَتُهُ: ذَهَبَ يَصِيدُ، قَالَ: قُولِي لَهُ إِذَا جَاءَ غيَّرْ عتبةَ بابك، فلما أَخْبَرَتْهُ قَالَ: أنتِ ذَاكِ فَاذْهَبِي إِلَى أَهْلِكِ، قال: ثم إنه بدا لإبراهيم فقال: إِنِّي مُطَّلِعٌ تَرِكَتِي قَالَ، فَجَاءَ فَقَالَ: أَيْنَ إِسْمَاعِيلُ؟ فَقَالَتِ امْرَأَتُهُ: ذَهَبَ يَصِيدُ، فَقَالَتْ: أَلَا تَنْزِلَ فَتَطْعَمَ وَتَشْرَبَ؟ فَقَالَ: مَا طَعَامُكُمْ وَمَا شَرَابُكُمْ؟ قَالَتْ: طَعَامُنَا اللَّحْمُ وَشَرَابُنَا الْمَاءُ. قَالَ: اللَّهُمَّ بَارِكْ لَهُمْ فِي طَعَامِهِمْ وَشَرَابِهِمْ. قَالَ: فَقَالَ أَبُو الْقَاسِمِ ﷺ: «بَرَكَةٌ بِدَعْوَةِ إِبْرَاهِيمَ». قَالَ: ثُمَّ إِنَّهُ بَدَا لِإِبْرَاهِيمَ ﷺ، فَقَالَ لأَهْلِهِ: إني مطلع تركتي فجأة فوفق إِسْمَاعِيلَ مِنْ وَرَاءِ زَمْزَمَ يُصْلِحُ نَبْلًا لَهُ، فَقَالَ: يَا إِسْمَاعِيلُ إِنَّ رَبَّكَ ﷿ أَمَرَنِي أَنْ أَبْنِيَ لَهُ بَيْتًا، فَقَالَ: أَطِعْ ربك ﷿، قال: إنه أَمَرَنِي أَنْ تُعِينَنِي عَلَيْهِ، فَقَالَ: إِذَنْ أَفْعَلُ - أو كما قال - فقام فَجَعَلَ إِبْرَاهِيمُ يَبْنِي وَإِسْمَاعِيلُ يُنَاوِلُهُ الْحِجَارَةَ، وَيَقُولَانِ: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّآ إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ قَالَ: حَتَّى ارْتَفَعَ الْبِنَاءُ، وَضَعُفَ الشَّيْخُ عَنْ نَقْلِ الْحِجَارَةِ، فَقَامَ عَلَى حَجَرِ الْمَقَامِ، فَجَعَلَ يُنَاوِلُهُ الْحِجَارَةَ وَيَقُولَانِ: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّآ إِنَّكَ أَنتَ السميع العليم﴾.
ْحِجَارَةِ، فَقَامَ عَلَى حَجَرِ الْمَقَامِ، فَجَعَلَ يُنَاوِلُهُ الْحِجَارَةَ وَيَقُولَانِ: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّآ إِنَّكَ أَنتَ السميع العليم﴾. قال محمد بن إسحاق عَنْ مُجَاهِدٍ وَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ: أَنَّ الله بَوَّأَ إِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ، خَرَجَ إِلَيْهِ مِنَ الشام وخرج معه إسماعيل وأُمه هاجر، وإسماعيل طفل صغير يرضع، وَمَعَهُ جِبْرِيلُ يَدُلُّهُ عَلَى مَوْضِعِ الْبَيْتِ وَمَعَالِمِ الحرم، فَكَانَ لَا يَمُرُّ بِقَرْيَةٍ إِلَّا قَالَ: أَبِهَذِهِ أُمرتُ يَا جِبْرِيلُ؟ فَيَقُولُ جِبْرِيلُ: امْضِهِ، حَتَّى قَدِمَ بِهِ مَكَّةَ وَهِيَ إِذْ ذَاكَ عِضَاةُ (سَلْمٍ وَسَمُرٍ) وَبِهَا أُنَاسٌ يُقَالُ لَهُمُ الْعَمَالِيقُ خَارِجَ مَكَّةَ وَمَا حَوْلَهَا، وَالْبَيْتُ يومئذٍ رَبْوَةٌ حمراء مدرة فقال إبراهيم لجبريل: أههنا أُمِرْتُ أَنْ أَضَعَهُمَا؟ قَالَ: نَعَمْ، فَعَمَدَ بِهِمَا إِلَى مَوْضِعِ الْحِجْرِ فَأَنْزَلَهُمَا فِيهِ، وَأَمَرَ (هَاجَرَ) أُم إسماعيل أن تتخذ فيه عرشاً فَقَالَ: ﴿رَّبَّنَآ إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ﴾ إِلَى قوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يشكرون﴾ وقال عبد الرزاق عن مجاهد: خَلَقَ اللَّهُ مَوْضِعَ هَذَا الْبَيْتِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ شَيْئًا بِأَلْفَيْ سَنَةٍ وَأَرْكَانُهُ فِي الْأَرْضِ السابعة.
وقال عبد الرزاق عن مجاهد: خَلَقَ اللَّهُ مَوْضِعَ هَذَا الْبَيْتِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ شَيْئًا بِأَلْفَيْ سَنَةٍ وَأَرْكَانُهُ فِي الْأَرْضِ السابعة. وَقَالَ الْبُخَارِيُّ ﵀ قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿وَإِذْ يرفع إبراهيم القوعد مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ﴾ الْآيَةَ: الْقَوَاعِدُ أَسَاسُهُ، وَاحِدُهَا قاعدة، والقواعد مِنَ النسآء واحدتها قاعدة، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «أَلَمْ تريْ أَنَّ قَوْمَكِ حِينَ بَنَوُا الْبَيْتَ اقْتَصَرُوا عَنْ قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ؟» فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَا تَرُدَّهَا عَلَى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ؟ قَالَ: «لَوْلَا حِدْثَانُ قَوْمِكِ بِالْكُفْرِ»، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: لَئِنْ كَانَتْ عَائِشَةُ سَمِعْتَ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَا أَرَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَرَكَ اسْتِلَامَ الرُّكْنَيْنِ اللَّذَيْنِ يليان الحجر، إلا أن البيت لم يتم على قواع إبراهيم ﵇. ورواه مسلم أيضاً من حديث نافع عَنْ عَائِشَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَوْلَا أَنْ قَوْمَكِ حَدِيثُو عَهْدٍ بِجَاهِلِيَّةٍ - أَوْ قَالَ
- ١٢٤ - وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ
يَقُولُ تَعَالَى منبِّهاً عَلَى شَرَفِ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلِهِ ﵇، وَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَهُ إِمَامًا لِلنَّاسِ يُقْتَدَى به في التوحيد، حين قام به كَلَّفَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ مِنَ الْأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي، ولهذا قال: ﴿وَإِذَا ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ﴾ أَيْ وَاذْكُرْ يَا محمد لهؤلاء المشركين وأهل الكتابين الذي ينتحلون ملة إبراهيم وليسوا عليها .. اذكر لهؤلاء ابتلاء الله إبراهيم أي اختاره لهم بِمَا كَلَّفَهُ بِهِ مِنَ الْأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي ﴿فَأَتَمَّهُنَّ﴾ أي قام بهن كلهن كما قالت تعالى ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الذي وفَّى﴾ أَيْ وفَّى جَمِيعَ مَا شَرَعَ لَهُ فَعَمِلَ بِهِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ* شَاكِراً لأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إلى صِرَاطٍ مستقيم﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلَا نَصْرَانِيّاً وَلَكِن كَانَ حَنِيفاً مُّسْلِماً وَمَا كَانَ من المشركين * إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَاللَّهُ وَلِيُّ المؤمنين﴾. وَقَوْلُهُ تَعَالَى ﴿بِكَلِمَاتٍ﴾ أَيْ بِشَرَائِعَ وَأَوَامِرَ وَنَوَاهٍ، ﴿فَأَتَمَّهُنَّ﴾ أَيْ قَامَ بِهِنَّ، قَالَ: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً﴾ أَيْ جَزَاءً عَلَى مَا فَعَلَ كَمَا قَامَ بِالْأَوَامِرِ وَتَرَكَ الزَّوَاجِرَ جَعَلَهُ اللَّهُ لِلنَّاسِ قُدْوَةً وَإِمَامًا يُقْتَدَى بِهِ وَيُحْتَذَى حَذْوَهُ.
عَلَى مَا فَعَلَ كَمَا قَامَ بِالْأَوَامِرِ وَتَرَكَ الزَّوَاجِرَ جَعَلَهُ اللَّهُ لِلنَّاسِ قُدْوَةً وَإِمَامًا يُقْتَدَى بِهِ وَيُحْتَذَى حَذْوَهُ. وقد اختلف في تعيين الْكَلِمَاتِ التِي اخْتَبَرَ اللَّهُ بِهَا إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلَ ﵇، فروي عن ابن عباس قال: ابتلاه الله بالمناسك، وروي عنه قال: ابتلاه بِالطَّهَارَةِ خمسٌ فِي الرَّأْسِ، وخمسٌ فِي الْجَسَدِ، فِي الرَّأْسِ: قَصُّ الشَّارِبِ وَالْمَضْمَضَةُ وَالِاسْتِنْشَاقُ وَالسِّوَاكُ وَفَرْقُ الرَّأْسِ، وَفِي الْجَسَدِ: تَقْلِيمُ الْأَظْفَارِ وَحَلْقُ الْعَانَةِ وَالْخِتَانُ وَنَتْفُ الْإِبِطِ وَغَسْلُ أَثَرِ الْغَائِطِ والبول بالماء. وفي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "الْفِطْرَةُ خَمْسٌ: الْخِتَانُ ⦗١١٦⦘ وَالِاسْتِحْدَادُ وَقَصُّ الشَّارِبِ وَتَقْلِيمُ الْأَظْفَارِ وَنَتْفُ الْإِبِطِ". وقال عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: مَا ابْتُلِيَ بِهَذَا الدِّينِ أَحَدٌ فَقَامَ بِهِ كُلِّهِ إلا إبراهيم، قال الله تعالى: ﴿وإذا ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ ربُّه بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾، قُلْتُ لَهُ: وَمَا الْكَلِمَاتُ التِي ابْتَلَى اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ بِهِنَّ فَأَتْمَهُنَّ؟ قَالَ: الْإِسْلَامُ ثَلَاثُونَ سَهْمًا مِنْهَا عَشْرُ آيات في براءة: ﴿التائبون العابدون﴾ إِلَى آخِرِ الْآيَةِ، وَعَشْرُ آيَاتٍ فِي أَوَّلِ سورة ﴿قَدْ أَفْلَحَ المؤمنون﴾ وعشر آيات من الأحزاب: ﴿إِنَّ المسلمين والمسلمات﴾ إلى آخر الآية فأتمهن كلهم فكتبت له براءة.
وَعَشْرُ آيَاتٍ فِي أَوَّلِ سورة ﴿قَدْ أَفْلَحَ المؤمنون﴾ وعشر آيات من الأحزاب: ﴿إِنَّ المسلمين والمسلمات﴾ إلى آخر الآية فأتمهن كلهم فكتبت له براءة. قال الله تعالى: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الذي وفى﴾ وقال محمد بن إسحاق عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: الْكَلِمَاتُ التِي ابْتَلَى اللَّهُ بِهِنَّ إِبْرَاهِيمَ فَأَتَمَّهُنَّ: فِرَاقُ قَوْمِهِ فِي اللَّهِ حِينَ أُمِرَ بِمُفَارَقَتِهِمْ، وَمُحَاجَّتُهُ نُمْرُوذَ فِي اللَّهِ حِينَ وَقَفَهُ عَلَى مَا وَقَفَهُ عَلَيْهِ مِنْ خَطَرِ الْأَمْرِ الذِي فِيهِ خِلَافُهُ، وَصَبْرُهُ عَلَى قَذْفِهِ إِيَّاهُ فِي النَّارِ لِيَحْرِقُوهُ فِي اللَّهِ عَلَى هَوْلِ ذَلِكَ مِنْ أَمْرِهِمْ، وَالْهِجْرَةُ بعد ذلك من ووطنه وَبِلَادِهِ فِي اللَّهِ حِينَ أَمَرَهُ بِالْخُرُوجِ عَنْهُمْ، وما أمر بِهِ مِنَ الضِّيَافَةِ وَالصَّبْرِ عَلَيْهَا بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ، وَمَا ابْتُلِيَ بِهِ مِنْ ذَبْحِ ابْنِهِ حِينَ أَمَرَهُ بِذَبْحِهِ، فَلَمَّا مَضَى عَلَى ذَلِكَ مِنَ اللَّهِ كُلِّهِ وَأَخْلَصَهُ لِلْبَلَاءِ قَالَ اللَّهُ لَهُ: ﴿أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ العالمينْ﴾ عَلَى مَا كَانَ مِنْ خِلَافِ النَّاسِ وَفِرَاقِهِمْ. وَقَالَ ابْنُ جرير: كان الحسن يقول: إي والله، لقد ابْتَلَاهُ بِأَمْرٍ فَصَبَرَ عَلَيْهِ، ابْتَلَاهُ بِالْكَوْكَبِ وَالشَّمْسِ وَالْقَمَرِ فَأَحْسَنَ فِي ذَلِكَ وَعَرَفَ أَنَّ رَبَّهُ دَائِمٌ لَا يَزُولُ، فَوَجَّهَ وَجْهَهُ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفاً وَمَآ كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، ثُمَّ ابْتَلَاهُ بِالْهِجْرَةِ فَخَرَجَ مِنْ بِلَادِهِ وَقَوْمِهِ حَتَّى لَحِقَ بِالشَّامِ مُهَاجِراً إِلَى اللَّهِ، ثُمَّ ابْتَلَاهُ بِالنَّارِ قَبْلَ الْهِجْرَةِ فَصَبَرَ عَلَى ذَلِكَ، وابتلاه بذبح ابنه، والختان فصبر على ذلك.
َ بِالشَّامِ مُهَاجِراً إِلَى اللَّهِ، ثُمَّ ابْتَلَاهُ بِالنَّارِ قَبْلَ الْهِجْرَةِ فَصَبَرَ عَلَى ذَلِكَ، وابتلاه بذبح ابنه، والختان فصبر على ذلك. وعن الربيع بن أنس قَالَ: الْكَلِمَاتُ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً﴾ وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا﴾، وَقَوْلُهُ: ﴿واخذوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ وَقَوْلُهُ: ﴿وَعَهِدْنَآ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ﴾ الْآيَةَ، وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ القوعد مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ﴾ الْآيَةَ. قَالَ: فَذَلِكَ كُلُّهُ من الكلمات التي ابتلي بهن إبراهيم. وَفِي الْمُوَطَّأِ وَغَيْرِهِ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّهُ سَمِعَ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ يَقُولُ: إِبْرَاهِيمُ ﵇ أَوَّلُ مَنِ اخْتَتَنَ، وَأَوَّلُ مَنْ ضاف الضيف، وَأَوَّلُ مَنْ قَلَّمَ أَظْفَارَهُ، وَأَوَّلُ مَنْ قَصَّ الشَّارِبَ، وَأَوَّلُ مَنْ شَابَ. فَلَمَّا رَأَى الشَّيْبَ قَالَ: مَا هَذَا؟ قَالَ: وَقَارٌ، قَالَ: يَا رب زدني وقاراً.
فَارَهُ، وَأَوَّلُ مَنْ قَصَّ الشَّارِبَ، وَأَوَّلُ مَنْ شَابَ. فَلَمَّا رَأَى الشَّيْبَ قَالَ: مَا هَذَا؟ قَالَ: وَقَارٌ، قَالَ: يَا رب زدني وقاراً. قَالَ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ مَا حَاصِلُهُ: أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْكَلِمَاتِ جَمِيعُ ما ذكر، وجاز أَنْ يَكُونَ بَعْضَ ذَلِكَ، وَلَا يَجُوزُ الْجَزْمُ بِشَيْءٍ مِنْهَا أَنَّهُ الْمُرَادُ عَلَى التَّعْيِينِ إِلَّا بِحَدِيثٍ أَوْ إِجْمَاعٍ. قَالَ: وَلَمْ يَصِحَّ فِي ذَلِكَ خَبَرٌ بِنَقْلِ الْوَاحِدِ وَلَا بِنَقْلِ الْجَمَاعَةِ الذي يجب التسليم له. ولما جَعَلَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ إِمَامًا سَأَلَ اللَّهَ أَنْ تَكُونَ الْأَئِمَّةُ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ فَأُجِيبُ إِلَى ذَلِكَ، وَأُخْبِرَ أَنَّهُ سَيَكُونُ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ ظَالِمُونَ وَأَنَّهُ لَا يَنَالُهُمْ عَهْدُ اللَّهِ، وَلَا يكونون أئمةً فلا يقتدي بهم ﴿قَالَ وَمِن ذريَّتي، قَالَ لَا ينالُ عَهْدِي الظالمين﴾، والدليل على أنه أجيب إلى طلبته قوله تَعَالَى فِي سُورَةِ الْعَنْكَبُوتِ: ﴿وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النبوة والكتاب﴾ فكل نبي أرسله الله، وكل كتاب أنزل اللَّهُ بَعْدَ إِبْرَاهِيمَ، فَفِي ذُرِّيَّتِهِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ، وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ فَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ فقال مجاهد: لا يكون إمام ظالم يقتدى به. , وعنه قال: أما من كان منهم صالحاً فأجعله إِمَامًا يُقْتَدَى بِهِ، وَأَمَّا مَنْ كَانَ ظَالِمًا فلا ولا نعمة عين.
مجاهد: لا يكون إمام ظالم يقتدى به. , وعنه قال: أما من كان منهم صالحاً فأجعله إِمَامًا يُقْتَدَى بِهِ، وَأَمَّا مَنْ كَانَ ظَالِمًا فلا ولا نعمة عين. وعن ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ، قَالَ اللَّهُ لِإِبْرَاهِيمَ: إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا، قَالَ: وَمِنْ ذُرِّيَّتِي، فَأَبَى أَنْ يَفْعَلَ، ثُمَّ قَالَ ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظالمين﴾ وروي عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي ⦗١١٧⦘ الظَّالِمِينَ﴾ قَالَ: لَا يَنَالُ عهدُ اللَّهِ فِي الْآخِرَةِ الظَّالِمِينَ، فَأَمَّا فِي الدُّنْيَا فَقَدْ نَالَهُ الظالم فأمن به وأكل وعاش وَقَالَ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ: عهدُ اللَّهِ الذِي عَهِدَ إِلَى عِبَادِهِ دينهُ، يَقُولُ: لَا يَنَالُ دِينُهُ الظَّالِمِينَ أَلَا تَرَى أَنَّهُ قَالَ: ﴿وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وعلى إسحق وَمِن ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ مُبِينٌ﴾ يَقُولُ لَيْسَ كُلُّ ذُرِّيَّتِكَ يَا إِبْرَاهِيمُ عَلَى الحق. وعن النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ قَالَ: «لَا طَاعَةَ إِلَّا في المعروف» (أخرجه ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ مرفوعاً) وَقَالَ السُّدي ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾: يَقُولُ عَهْدِي نُبُوَّتِي. فَهَذِهِ أَقْوَالُ مُفَسِّرِي السَّلَفِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ عَلَى مَا نَقَلَهُ ابْنُ جَرِيرٍ. وقال ابن خويز منداد: الظالم لا يصلح أن يكون خليفة ولا حاكماً ولا مفتياً ولا شاهداً ولا راوياً.
بِكُفْرٍ - لَأَنْفَقْتُ كَنْزَ الْكَعْبَةِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ولجعلت بابها بالأرض، ولأدخلت فيها الحِجْر». (ذِكْرُ بِنَاءِ قُرَيْشٍ الْكَعْبَةَ بَعْدَ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ ﵇ وَقَبْلَ مَبْعَثِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِخَمْسٍ سنين) وقد نقل معهم الْحِجَارَةِ وَلَهُ مِنَ الْعُمُرِ خَمْسٌ وَثَلَاثُونَ سَنَةً صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ دَائِمًا إِلَى يَوْمِ الدين. قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ فِي السِّيرَةِ: وَلَمَّا بَلَغَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَمْسًا وَثَلَاثِينَ سَنَةً، اجْتَمَعَتْ قريش لبنيان الكعبة وكانوا يهابون هَدْمَهَا، وَإِنَّمَا كَانَتْ رَضْمًا فَوْقَ الْقَامَةِ، فَأَرَادُوا رَفْعَهَا وَتَسْقِيفَهَا، وَذَلِكَ أَنَّ نَفَرًا سَرَقُوا كَنْزَ الكعبة. وَكَانَ الْبَحْرُ قَدْ رَمَى بِسَفِينَةٍ إِلَى جُدَّةَ لِرَجُلٍ مَنْ تُجَّارِ الرُّومِ فَتَحَطَّمَتْ، فَأَخَذُوا خَشَبَهَا فَأَعَدُّوهُ لِتَسْقِيفِهَا، وَكَانَ بِمَكَّةَ رَجُلٌ قِبْطِيٌّ نَجَّارٌ فَهَيَّأَ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ بَعْضَ مَا يُصْلِحُهَا، وكانت حية تخرج من بئر الكعبة فتشرف عَلَى جِدَارِ الْكَعْبَةِ وَكَانَتْ مِمَّا يَهَابُونَ، وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ لَا يَدْنُو مِنْهَا أَحَدٌ إِلَّا احزألت (إحْزأَلَّتْ: ارتفعت واستعدث للوثوب) وَكَشَّتْ وَفَتَحَتْ فَاهَا فَكَانُوا يَهَابُونَهَا، فَبَيْنَا هِيَ يوماً تشرف عَلَى جِدَارِ الْكَعْبَةِ كَمَا كَانَتْ تَصْنَعُ، بَعَثَ اللَّهُ إِلَيْهَا طَائِرًا فَاخْتَطَفَهَا فَذَهَبَ بِهَا، فَقَالَتْ قُرَيْشٌ: إِنَّا لَنَرْجُو أَنْ يَكُونَ اللَّهُ قَدْ رَضِيَ مَا أَرَدْنَا، عِنْدَنَا عَامِلٌ رَفِيقٌ وَعِنْدَنَا خَشَبٌ وَقَدْ كَفَانَا اللَّهُ الْحَيَّةَ، فَلَمَّا أَجْمَعُوا أمرهم في هدمها وبنيانها قام ابن وهب (خال والد النبي، وكان شريفاً ممدوحاً) بن عمرو بن عائذ فَتَنَاوَلَ مِنَ الْكَعْبَةِ حَجَرًا فَوَثَبَ مِنْ يَدِهِ حَتَّى رَجَعَ إِلَى مَوْضِعِهِ، فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ قريش لا تدخلوا في بنانها مِنْ كَسْبِكُمْ إِلَّا طَيِّبًا، لَا يَدْخُلُ فِيهَا مَهْرُ بَغِيٍّ،
ِ حَتَّى رَجَعَ إِلَى مَوْضِعِهِ، فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ قريش لا تدخلوا في بنانها مِنْ كَسْبِكُمْ إِلَّا طَيِّبًا، لَا يَدْخُلُ فِيهَا مَهْرُ بَغِيٍّ، وَلَا بَيْعُ رِبًا، وَلَا مَظْلِمَةُ أحد من الناس. ثُمَّ إِنَّ قُرَيْشًا تَجَزَّأَتِ الْكَعْبَةَ فَكَانَ شِقُّ الْبَابِ لِبَنِي عَبْدِ مَنَافٍ وَزُهْرَةَ، وَكَانَ مَا بَيْنَ الرُّكْنِ الْأَسْوَدِ وَالرُّكْنِ الْيَمَانِيِّ لِبَنِي مَخْزُومٍ وَقَبَائِلَ مِنْ قُرَيْشٍ انْضَمُّوا إِلَيْهِمْ، وَكَانَ ظَهْرُ الْكَعْبَةِ لِبَنِي جُمَحٍ وَسَهْمٍ، وَكَانَ شَقُّ الْحِجْرِ لبني عبد الدار ابن قُصَيٍّ وَلِبَنِي أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ قُصَيٍّ وَلِبَنِي عَدِيِّ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ وَهُوَ الْحَطِيمُ، ثُمَّ إِنِ النَّاسَ هَابُوا هَدْمَهَا وَفَرَقُوا مِنْهُ، فَقَالَ الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ: أَنَا أَبْدَؤُكُمْ فِي هَدْمِهَا، فَأَخَذَ الْمِعْوَلَ ثُمَّ قَامَ عَلَيْهَا وَهُوَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ لَمْ تَرُعِ، اللَّهُمَّ إِنَّا لَا نُرِيدُ إِلَّا الْخَيْرَ، ثُمَّ هَدَمَ مِنْ نَاحِيَةِ الرُّكْنَيْنِ، فَتَرَبَّصَ النَّاسُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ وَقَالُوا: نَنْظُرُ فَإِنْ أُصيب لَمْ نَهْدِمْ مِنْهَا شَيْئًا وَرَدَدْنَاهَا كَمَا كَانَتْ وَإِنْ لَمْ يَصُبْهُ شَيْءٌ فَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ مَا صَنَعْنَا، فَأَصْبَحَ الْوَلِيدُ مِنْ لَيْلَتِهِ غَادِيًا عَلَى عَمَلِهِ. فَهَدَمَ، وهدم الناس معه حتى انتهى الهدم بهم إلا الْأَسَاسِ - أَسَاسِ إِبْرَاهِيمَ ﵇ أَفْضَوْا إِلَى حِجَارَةٍ خُضْرٍ كَالْأَسِنَّةِ آخِذٌ بَعْضُهَا بعضاَ قَالَ: فَحَدَّثَنِي بَعْضُ مَنْ يَرْوِي الْحَدِيثَ: أَنَّ رَجُلًا مِنْ قُرَيْشٍ مِمَّنْ كَانَ يَهْدِمُهَا أَدْخَلَ عَتَلَةً بين حجرين منها ليقلع بها أيضاً أحدهما فلما تحرك الحجر انتفضت مكة بأسرها فانتهوا عن ذلك الأساس. (يتبع ... )
مَّنْ كَانَ يَهْدِمُهَا أَدْخَلَ عَتَلَةً بين حجرين منها ليقلع بها أيضاً أحدهما فلما تحرك الحجر انتفضت مكة بأسرها فانتهوا عن ذلك الأساس. (يتبع ... )
- ١٢٥ - وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْناً وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إبراهيم مصلى وَعَهِدْنَآ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ والعاكفين والركع السجود
عن ابن عباس ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ﴾ قَالَ: يَثُوبُونَ إليه ثم يرجعون. وحدث عبدة بن أبي لبابة قَالَ: لَا يَنْصَرِفُ عَنْهُ مُنْصَرِفٌ وَهُوَ يَرَى أنه قد قضى منه وطراً قال الشاعر: جُعِلَ الْبَيْتُ مَثَابًا لَهُمْ * لَيْسَ مِنْهُ الدهرَ يَقْضُونَ الوَطَر وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ فِي الرواية الأخرى وعكرمة وقتادة ﴿مَثَابَةً لِّلنَّاسِ﴾: أي مجمعاً ﴿أمناً﴾ أي أمناً للناس، وَقَدْ كَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ يُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ وهم آمنون لا يُسبون. ومضمون هَذِهِ الْآيَةَ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَذْكُرُ شَرَفَ الْبَيْتِ، وَمَا جَعَلَهُ مَوْصُوفًا بِهِ شَرْعًا وَقَدَرًا مِنْ كَوْنِهِ مَثَابَةً لِلنَّاسِ، أَيْ جَعَلَهُ مَحَلًّا تَشْتَاقُ إِلَيْهِ الْأَرْوَاحُ وَتَحِنُّ إِلَيْهِ، وَلَا تَقْضِي مِنْهُ وَطَرًا وَلَوْ تَرَدَّدَتْ إِلَيْهِ كُلَّ عَامٍ، اسْتِجَابَةً مِنَ اللَّهِ تَعَالَى لِدُعَاءِ خَلِيلِهِ إِبْرَاهِيمَ ﵇، فِي قَوْلِهِ: فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ﴾ إِلَى أَنْ قَالَ: ﴿رَبَّنَا وتقبل دعائي﴾، وَيَصِفُهُ تَعَالَى بِأَنَّهُ جَعَلَهُ أَمْنًا مَنْ دَخَلَهُ أَمِنَ، وَلَوْ كَانَ قَدْ فَعَلَ مَا فَعَلَ ثم دخله كان آمناً. فقد كان الرجل يلقى قاتل أبيه أو أخيه فيه فلا يعرض له. وَمَا هَذَا الشَّرَفُ إِلَّا لِشَرَفِ بَانِيهِ أَوَّلًا وهو خليل الرحمن كما قال تعالى: ﴿وإذا بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَن لَاّ تُشْرِكْ بي شيئا﴾
لشَّرَفُ إِلَّا لِشَرَفِ بَانِيهِ أَوَّلًا وهو خليل الرحمن كما قال تعالى: ﴿وإذا بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَن لَاّ تُشْرِكْ بي شيئا﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ * فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ نَبَّهَ عَلَى مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مَعَ الْأَمْرِ بِالصَّلَاةِ عِنْدَهُ، فَقَالَ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ وَقَدِ اخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ في المراد بالمقام ما هو؟ فقال مجاهد عن ابن عباس: مقام إبراهيم الحرم كله، وقيل: مقام إبراهيم الحج كله (منى ورمي الجمار والطواف بين الصفا والمروة (ذكره عطاء عن ابن عباس ﵄ وقال سفيان الثوري عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ قَالَ: الْحَجَرُ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ نَبِيِّ اللَّهِ قَدْ جَعَلَهُ اللَّهُ رَحْمَةً فَكَانَ يَقُومُ عليه ويناوله إسماعيل الحجارة، وَقَالَ السُّدِّيُّ: الْمَقَامُ الْحَجَرُ الذِي وَضَعَتْهُ زَوْجَةُ إِسْمَاعِيلَ تَحْتَ قَدَمِ إِبْرَاهِيمَ حَتَّى غَسَلَتْ رَأْسَهُ. عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ: سَمِعَ جَابِرًا يُحَدِّثُ عَنْ حَجَّةِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: لَمَّا طَافَ النَّبِيُّ ﷺ قَالَ لَهُ عُمَرُ: هَذَا مقام أبينا؟ قَالَ: «نَعَمْ»، قَالَ: أَفَلَا نَتَّخِذُهُ مُصَلًّى؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﷿: ﴿وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مصلى﴾ وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: بَابُ قَوْلِهِ ﴿وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إبراهيم مصلى﴾ مثابة يثوبون: يرجعون.
﷿: ﴿وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مصلى﴾ وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: بَابُ قَوْلِهِ ﴿وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إبراهيم مصلى﴾ مثابة يثوبون: يرجعون. قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: وَافَقْتُ رَبِّي فِي ثَلَاثٍ أَوْ وَافَقَنِي رَبِّي فِي ⦗١١٨⦘ ثَلَاثٍ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوِ اتَّخَذْتَ مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى، فَنَزَلَتْ ﴿وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ وَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ يَدْخُلُ عَلَيْكَ الْبَرُّ وَالْفَاجِرُ فَلَوْ أَمَرْتَ أُمهات الْمُؤْمِنِينَ بِالْحِجَابِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ آية الحجاب. قال: وَبَلَغَنِي مُعَاتِبَةُ النَّبِيِّ ﷺ بَعْضَ نِسَائِهِ فَدَخَلْتُ عَلَيْهِنَّ فَقُلْتُ: إِنِ انْتَهَيْتُنَّ أَوْ لَيُبَدِّلَنَّ اللَّهُ رَسُولَهُ خَيْرًا مِنْكُنَّ، حَتَّى أتيت إحدى نسائه قالت: يَا عُمَرُ أَمَا فِي رَسُولِ اللَّهِ مَا يَعِظُ نِسَاءَهُ حَتَّى تَعِظَهُنَّ أَنْتَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﴿عَسَى رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبْدِلَهُ أَزْوَاجاً خَيْراً مِّنكُنَّ مُسْلِمَاتٍ﴾ الآية. وقال أنَس: قَالَ عُمَرُ ﵁: وَافَقْتُ رَبِّي ﷿ فِي ثَلَاثٍ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوِ اتَّخَذْتَ مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى فَنَزَلَتْ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾، وَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ نِسَاءَكَ يَدْخُلُ عَلَيْهِنَّ الْبَرُّ وَالْفَاجِرُ فَلَوْ أَمَرْتَهُنَّ أَنْ يَحْتَجِبْنَ فَنَزَلَتْ آيَةُ الْحِجَابِ. وَاجْتَمَعَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ نِسَاؤُهُ فِي الْغَيْرَةِ فَقُلْتُ لَهُنَّ: عَسَى رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أزاجاً خَيْراً مِّنكُنَّ فنزلت كذلك (رواه أحمد عن أنس ﵁ ورواه الإمام مسلم بن حجاج في صحيحه بسند آخر ولفظ آخر عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنْ عُمَرَ قَالَ: وَافَقْتُ رَبِّي فِي ثَلَاثٍ: فِي الْحِجَابِ، وفي أسارى بدر، وفي مقام إبراهيم.
حه بسند آخر ولفظ آخر عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنْ عُمَرَ قَالَ: وَافَقْتُ رَبِّي فِي ثَلَاثٍ: فِي الْحِجَابِ، وفي أسارى بدر، وفي مقام إبراهيم. وروى ابن جريج عَنْ جَابِرٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَمَلَ ثَلَاثَةَ أَشْوَاطٍ وَمَشَى أَرْبَعًا حَتَّى إِذَا فَرَغَ عَمَدَ إِلَى مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ فَصَلَّى خَلْفَهُ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إبراهيم مُصَلًّى﴾ وقال ابن جرير عَنْ جَابِرٍ قَالَ: اسْتَلَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الرُّكْنَ فَرْمَلَ ثَلَاثًا وَمَشَى أربعاً ثم نفذ إِلَى مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ فَقَرَأَ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ فَجَعَلَ الْمَقَامَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَيْتِ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، وَهَذَا قِطْعَةٌ مِنَ الْحَدِيثِ الطَّوِيلِ الذي رواه مسلم في صحيحه. فهذا كلهم مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمَقَامِ إِنَّمَا هُوَ الْحَجَرُ، الذِي كَانَ إِبْرَاهِيمُ ﵇ يَقُومُ عَلَيْهِ لِبِنَاءِ الْكَعْبَةِ، لَمَّا ارْتَفَعَ الْجِدَارُ أَتَاهُ إِسْمَاعِيلُ ﵇ بِهِ لِيَقُومَ فَوْقَهُ، ويناوله الحجارة فيضعها بيده لرفع الجدار، وكلما كَمَّلَ نَاحِيَةً انْتَقَلَ إِلَى النَّاحِيَةِ الأُخرى يَطُوفُ حَوْلَ الْكَعْبَةِ وَهُوَ وَاقِفٌ عَلَيْهِ كُلَّمَا فَرَغَ مِنْ جِدَارٍ نَقَلَهُ إِلَى النَّاحِيَةِ التِي تَلِيهَا وهكذا حتى تم جدران الْكَعْبَةِ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ فِي قِصَّةِ إِبْرَاهِيمَ وإسماعيل وَكَانَتْ آثَارُ قَدَمَيْهِ ظَاهِرَةٌ فِيهِ، وَلَمْ يَزَلْ هَذَا مَعْرُوفًا تَعْرِفُهُ الْعَرَبُ فِي جَاهِلِيَّتِهَا، وَلِهَذَا قَالَ أَبُو طَالِبٍ فِي قَصِيدَتِهِ الْمَعْرُوفَةِ اللَّامِيَّةِ: وموطىء إِبْرَاهِيمَ فِي الصَّخْرِ رَطْبَةٌ * عَلَى قَدَمَيْهِ حَافِيًا غير ناعل
ذَا قَالَ أَبُو طَالِبٍ فِي قَصِيدَتِهِ الْمَعْرُوفَةِ اللَّامِيَّةِ: وموطىء إِبْرَاهِيمَ فِي الصَّخْرِ رَطْبَةٌ * عَلَى قَدَمَيْهِ حَافِيًا غير ناعل وقد كان هذا المقام ملصقاً بجدار الكعبة وَمَكَانُهُ مَعْرُوفٌ الْيَوْمَ إِلَى جَانِبِ الْبَابِ، مِمَّا يَلِي الْحَجَرَ يُمْنَةَ الدَّاخِلِ مِنَ الْبَابِ، فِي الْبُقْعَةِ الْمُسْتَقِلَّةِ هُنَاكَ، وَكَانَ الْخَلِيلُ ﵇ لَمَّا فَرَغَ مِنْ بِنَاءِ الْبَيْتِ وَضَعَهُ إِلَى جِدَارِ الْكَعْبَةِ، أَوْ أَنَّهُ انْتَهَى عِنْدَهُ الْبِنَاءُ فَتَرَكَهُ هُنَاكَ، وَلِهَذَا - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - أُمِرَ بِالصَّلَاةِ هناك عند الفراغ من الطَّوَافِ، وَنَاسَبَ أَنْ يَكُونَ عِنْدَ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ حَيْثُ انْتَهَى بِنَاءُ الْكَعْبَةِ فِيهِ وَإِنَّمَا أَخَّرَهُ عَنْ جِدَارِ الْكَعْبَةِ أميرُ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁، أَحَدُ الْأَئِمَّةِ الْمَهْدِيِّينَ وَالْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ، الَّذِينَ أُمِرْنَا بِاتِّبَاعِهِمْ، وَهُوَ أَحَدُ الرَّجُلَيْنِ اللَّذَيْنِ قَالَ فِيهِمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «اقْتَدَوْا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر» (أخرجه الترمذي عن حذيفة بن اليمان)، وهو الذي نزل القرآن يوافقه فِي الصَّلَاةِ عِنْدَهُ وَلِهَذَا لَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ أَحَدٌ مِنَ الصَّحَابَةِ ﵃ أَجْمَعِينَ.
لترمذي عن حذيفة بن اليمان)، وهو الذي نزل القرآن يوافقه فِي الصَّلَاةِ عِنْدَهُ وَلِهَذَا لَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ أَحَدٌ مِنَ الصَّحَابَةِ ﵃ أَجْمَعِينَ. ⦗١١٩⦘ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ الْمَقَامَ كان زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وزمان أبي بكر ﵁ مُلْتَصِقًا بِالْبَيْتِ ثُمَّ أَخَّرَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ (رواه البهيقي قال ابن كثير: وهذا إسناد صحيح) وعن مجاهد قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخِطَابِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ صَلَّيْنَا خَلْفَ الْمَقَامِ، فأنزل ﴿واتخذوا مِن مَّقَامِ إبراهيم مصلّى﴾ فكام؟؟ الْمَقَامُ عِنْدَ الْبَيْتِ فحوَّله رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى موضعه هذا (رواه ابن مردويه عن مجاهد. قال ابن كثير: هذا مرسل عن مجاهد وهو مخالف لرواية عبد الرزاق عنه) وهو مخالف لما تقدم أَنَّ أَوَّلَ مَنْ أخَّر الْمَقَامَ إِلَى مَوْضِعِهِ الْآنَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁، وَهَذَا أَصَحُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ مَرْدَوَيْهِ مَعَ اعتضاد هذا بما تقدم، والله أعلم.
(تابع ... ٢): تتمة الآية (١٢٥): وَعَهِدْنَآ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ للطائفين ... ... قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: ثُمَّ إِنَّ الْقَبَائِلَ مِنْ قُرَيْشٍ جَمَعَتِ الْحِجَارَةَ لِبِنَائِهَا، كُلُّ قَبِيلَةٍ تَجْمَعُ عَلَى حِدَةٍ، ثُمَّ بَنَوْهَا حَتَّى بَلَغَ الْبُنْيَانُ مَوْضِعَ الرُّكْنِ يَعْنِي (الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ) فَاخْتَصَمُوا فِيهِ، كُلُّ قَبِيلَةٍ تُرِيدُ أَنْ تَرْفَعَهُ إِلَى مَوْضِعِهِ دُونَ الأُخرى، حَتَّى تَحَاوَرُوا وَتَخَالَفُوا وَأَعَدُّوا لِلْقِتَالِ، فَقَرَّبَتْ بَنُو عَبْدِ الدَّارِ جَفْنَةً مَمْلُوءَةً دَمًا، ثما تعاقدوا هم وبنوا عدي
ابن كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ عَلَى الْمَوْتِ وَأَدْخَلُوا أَيْدِيَهُمْ فِي ذَلِكَ الدَّمِ فِي تِلْكَ الْجَفْنَةِ فَسُمُّوا «لَعَقَة الدَّمِ» فَمَكَثَتْ قُرَيْشٌ عَلَى ذَلِكَ أَرْبَعَ لَيَالٍ أَوْ خَمْسًا، ثُمَّ إِنَّهُمُ اجْتَمَعُوا فِي الْمَسْجِدِ فَتَشَاوَرُوا وَتَنَاصَفُوا، فَزَعَمَ بَعْضُ أَهْلِ الرِّوَايَةِ أن أبا أُمية بن المغيرة - وَكَانَ عامئذٍ أسنَّ قُرَيْشٍ كُلِّهِمْ - قَالَ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ اجْعَلُوا بَيْنَكُمْ فِيمَا تَخْتَلِفُونَ فِيهِ أَوَّلَ مَنْ يَدْخُلُ مِنْ بَابِ هَذَا الْمَسْجِدِ، يَقْضِي بَيْنَكُمْ فِيهِ فَفَعَلُوا، فَكَانَ أَوَّلُ دَاخِلٍ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَلَمَّا رَأَوْهُ قَالُوا: هَذَا الْأَمِينُ رَضِينَا ... هَذَا مُحَمَّدٌ، فلما انتهى إليهم وأخبروه الخبر قال ﷺ: "هلمَّ إليَّ بثوب، فأُتي بِهِ، فَأَخَذَ الرُّكْنَ - يَعْنِي الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ - فَوَضَعَهُ فِيهِ بِيَدِهِ ثُمَّ قَالَ: "لِتَأْخُذْ كُلُّ قبيلة بناحية من الثوب ثم ارْفَعُوهُ جَمِيعًا، فَفَعَلُوا حَتَّى إِذَا بَلَغُوا بِهِ مَوْضِعَهُ، وَضَعَهُ هُوَ بِيَدِهِ ﷺ، ثُمَّ بَنَى عَلَيْهِ، وَكَانَتْ قُرَيْشٌ تُسَمِّي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَبْلِ أَن يُنَزَّلَ عليه الوحي (الأمين).
ِ مَوْضِعَهُ، وَضَعَهُ هُوَ بِيَدِهِ ﷺ، ثُمَّ بَنَى عَلَيْهِ، وَكَانَتْ قُرَيْشٌ تُسَمِّي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَبْلِ أَن يُنَزَّلَ عليه الوحي (الأمين). قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَكَانَتِ الْكَعْبَةُ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ ثماني عشر ذراعاً، وكان تُكْسَى الْقَبَاطِيَّ، ثُمَّ كُسِيَتْ بعدُ الْبُرُودَ، وَأَوَّلُ مَنْ كَسَاهَا الدِّيبَاجَ الْحَجَّاجُ بْنُ يُوسُفَ (قُلْتُ): ولم تزل على بناء قريش حتى احترقت فِي أَوَّلِ إِمَارَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ بَعْدَ سَنَةِ سِتِّينَ وَفِي آخِرِ وِلَايَةِ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ لَمَّا حَاصَرُوا ابْنَ الزُّبَيْرِ، فَحِينَئِذٍ نَقَضَهَا (ابْنُ الزُّبَيْرِ) إِلَى الْأَرْضِ وَبَنَاهَا عَلَى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ ﵇، وَأَدْخَلَ فِيهَا الْحِجْرَ وَجَعَلَ لَهَا بَابًا شَرْقِيًّا وَبَابًا غَرْبِيًّا مُلْصَقَيْنِ بِالْأَرْضِ كَمَا سَمِعَ ذَلِكَ مِنْ خَالَتِهِ عَائِشَةَ أُم المؤمنين عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَمْ تَزَلْ كَذَلِكَ مُدَّةَ إِمَارَتِهِ حَتَّى قَتَلَهُ الْحَجَّاجُ، فَرَدَّهَا إِلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ بِأَمْرِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ لَهُ بِذَلِكَ، كَمَا قال مسلم عن عطاء: "لمَّا احْتَرَقَ الْبَيْتُ زَمَنَ (يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ) حين غزاها أهل الشام فكان مِنْ أَمْرِهِ مَا كَانَ تَرَكَهُ ابْنُ الزُّبَيْرِ، حتى قدم الناس الموسم يريد أن يحزبهم أو يجيروهم عَلَى أَهْلِ الشَّامِ، فَلَمَّا صَدَرَ النَّاسُ قَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَشِيرُوا عَلِيَّ فِي الْكَعْبَةِ أَنْقُضُهَا ثُمَّ أَبْنِي بِنَاءَهَا أَوْ أُصْلِحُ مَا وهَى منها؟
مَّا صَدَرَ النَّاسُ قَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَشِيرُوا عَلِيَّ فِي الْكَعْبَةِ أَنْقُضُهَا ثُمَّ أَبْنِي بِنَاءَهَا أَوْ أُصْلِحُ مَا وهَى منها؟ قال ابن عباس: إنه قد خرق لِي رَأْيٌ فِيهَا أَرَى أَنْ تُصْلِحَ مَا وهَى مِنْهَا وَتَدَعَ بَيْتًا أَسْلَمَ النَّاسُ عَلَيْهِ، وأحجاراً أسلم الناس عَلَيْهَا النَّبِيُّ ﷺ، فَقَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ: لَوْ كَانَ أَحَدُهُمُ احْتَرَقَ بَيْتُهُ مَا رَضِيَ حَتَّى يجدِّده فَكَيْفَ بَيْتُ رَبِّكُمْ ﷿؟ إِنِّي مُسْتَخِيرٌ رَبِّي ثَلَاثًا ثُمَّ عَازِمٌ عَلَى أَمْرِي. فَلَمَّا مَضَتْ ثَلَاثٌ أَجْمَعَ رَأْيَهُ عَلَى أَنْ يَنْقُضَهَا، فَتَحَامَاهَا النَّاسُ أَنْ يَنْزِلَ بِأَوَّلِ النَّاسِ يَصْعَدُ فِيهِ أَمْرٌ مِنَ السَّمَاءِ حَتَّى صَعِدَهُ رَجُلٌ فَأَلْقَى مِنْهُ حِجَارَةً. فَلَمَّا لَمْ يَرَهُ النَّاسُ أَصَابَهُ شَيْءٌ تَتَابَعُوا فَنَقَضُوهُ حَتَّى بَلَغُوا بِهِ الْأَرْضَ. فَجَعَلَ ابْنُ الزُّبَيْرِ أَعْمِدَةً يَسْتُرُ عَلَيْهَا السُّتُورَ حَتَّى ارْتَفَعَ بناؤهه. وَقَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ: إِنِّي سَمِعْتُ عَائِشَةَ ﵂ تَقُولُ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَوْلَا أَنَّ النَّاسَ حديثٌ عَهْدُهُمْ بِكُفْرٍ وَلَيْسَ عِنْدِي مِنَ النَّفَقَةِ مَا يُقَوِّينِي عَلَى بِنَائِهِ لَكُنْتُ أَدْخَلْتُ فِيهِ مِنَ الحجر خمسة أذرع ولجعلت له بابً يَدْخُلُ النَّاسُ مِنْهُ، وَبَابًا يَخْرُجُونَ مِنْهُ»، قَالَ: فَأَنَا أَجِدُ مَا أُنْفِقُ وَلَسْتُ أَخَافُ النَّاسَ. قال: فزاد خَمْسَةَ أَذْرُعٍ مِنَ الْحِجْرِ حَتَّى أَبْدَى لَهُ أساً فنظر النَّاسُ إِلَيْهِ فَبَنَى عَلَيْهِ الْبِنَاءَ، وَكَانَ طُولُ الْكَعْبَةِ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ ذِرَاعًا، فَلَمَّا زَادَ فِيهِ اسْتَقْصَرَهُ فَزَادَ فِي طُولِهِ عَشَرَةَ أَذْرُعٍ وَجَعَلَ لَهُ بَابَيْنِ أَحَدُهُمَا يُدْخَلُ مِنْهُ، وَالْآخَرُ يُخْرَجُ مِنْهُ.
مَّا زَادَ فِيهِ اسْتَقْصَرَهُ فَزَادَ فِي طُولِهِ عَشَرَةَ أَذْرُعٍ وَجَعَلَ لَهُ بَابَيْنِ أَحَدُهُمَا يُدْخَلُ مِنْهُ، وَالْآخَرُ يُخْرَجُ مِنْهُ. فَلَمَّا قُتِل ابْنُ الزُّبَيْرِ كَتَبَ الْحَجَّاجُ إلى عبد الملك يستجيزه بِذَلِكَ، وَيُخْبِرُهُ أَنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ قَدْ وَضَعَ الْبِنَاءَ عَلَى أسٍّ نَظَرَ إِلَيْهِ الْعُدُولُ مِنْ أهل المكة. فَكَتَبَ إِلَيْهِ عَبْدُ الْمَلِكِ: إِنَّا لَسْنَا مِنْ تَلْطِيخِ ابْنِ الزُّبَيْرِ فِي شَيْءٍ، أَمَّا مَا زَادَهُ فِي طُولِهِ فَأَقِرَّهُ، وَأَمَّا مَا زَادَ فِيهِ مِنَ الحِجْر فَرُدَّهُ إِلَى بِنَائِهِ وَسُدَّ الْبَابَ الذِي فَتَحَهُ، فَنَقَضَهُ وَأَعَادَهُ إِلَى بِنَائِهِ" (رواه مسلم والنسائي عن عطاء، واللفظُ لمسلم)
وَقَدْ كَانَتِ السُنَّة إِقْرَارَ مَا فَعَلَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ ﵄ لِأَنَّهُ هُوَ الذِي وَدَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَلَكِنْ خَشِيَ أَنْ تُنْكِرَهُ قُلُوبُ بَعْضِ النَّاسِ لِحَدَاثَةِ عَهْدِهِمْ بِالْإِسْلَامِ وَقُرْبِ عَهْدِهِمْ مِنَ الْكُفْرِ، وَلَكِنْ خَفِيَتْ هَذِهِ السُّنَّةُ على (عبد الملك بن مروان) وَلِهَذَا لَمَّا تَحَقَّقَ ذَلِكَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا رَوَتْ ذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: وَدِدْنَا أَنَّا تَرَكْنَاهُ وَمَا تولى. فَدَلَّ هَذَا عَلَى صَوَابِ مَا فَعَلَهُ ابْنُ الزبير، فلو ترك لكان جيداً. ولكنْ بعدما رَجَعَ الْأَمْرُ إِلَى هَذَا الْحَالِ فَقَدْ كَرِهَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ أَنْ يغيَّر عَنْ حَالِهِ، كَمَا ذُكِرَ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ هَارُونَ الرَّشِيدِ أَوْ أَبِيهِ الْمَهْدِيِّ، أَنَّهُ سَأَلَ الْإِمَامَ مَالِكًا عَنْ هَدْمِ الْكَعْبَةِ وَرَدِّهَا إِلَى مَا فَعَلَهُ ابْنُ الزُّبَيْرِ، فَقَالَ لَهُ مَالِكٌ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لَا تَجْعَلْ كَعْبَةَ اللَّهِ مَلْعَبَةً لِلْمُلُوكِ لَا يَشَاءُ أَحَدٌ أَنْ يَهْدِمَهَا إِلَّا هَدَمَهَا!! فَتَرَكَ ذلك الرشيد، نقله عياض والنووي. وَلَا تَزَالُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - هَكَذَا إِلَى آخِرِ الزَّمَانِ إِلَى أَنْ يُخَرِّبَهَا (ذُو السُّويقتين) مِنَ الْحَبَشَةِ كَمَا ثَبَتَ ذَلِكَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يُخَرِّبُ الْكَعْبَةَ ذُو السُّوَيْقَتَيْنِ من الحبشة». وعن ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «كَأَنِّي بِهِ أَسْوَدَ أَفْحَجَ يَقْلَعُهَا حجراً حجراً» وعن مجاهد عن عبد الله بن عمرو ابن الْعَاصِ ﵄ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «يُخَرِّبُ الْكَعْبَةَ ذُو السُّوَيْقَتَيْنِ مِنَ الْحَبَشَةِ وَيَسْلُبُهَا حِلْيَتَهَا وَيُجَرِّدُهَا مِنْ كُسْوَتِهَا، وَلَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ أُصَيْلع، أُفَيْدع، يضرب عليها بمسحاته ومعوله» (رواه أحمد. والفَدْع: زيغٌ بَيْنَ الْقَدَمِ وَعَظْمِ السَّاقِ)
وَتِهَا، وَلَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ أُصَيْلع، أُفَيْدع، يضرب عليها بمسحاته ومعوله» (رواه أحمد. والفَدْع: زيغٌ بَيْنَ الْقَدَمِ وَعَظْمِ السَّاقِ) وَهَذَا - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - إِنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ خُرُوجِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ لما جاء في صحجيح الْبُخَارِيِّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «ليُحجَنَّ البيتُ وليُعتَمرنَّ بَعْدَ خُرُوجِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ». وَقَوْلُهُ تَعَالَى حِكَايَةً لِدُعَاءِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ ﵉: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَآ أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ﴾ قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: يَعْنِيَانِ بِذَلِكَ وَاجْعَلْنَا مُسْتَسْلِمِينَ لِأَمْرِكَ، خَاضِعِينَ لِطَاعَتِكَ، لَا نُشْرِكُ مَعَكَ فِي الطَّاعَةِ أَحَدًا سِوَاكَ، وَلَا فِي الْعِبَادَةِ غَيْرَكَ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾ قَالَ اللَّهُ: قَدْ فَعَلْتُ ﴿وَمِن ذُرِّيَّتِنَآ أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ﴾ قَالَ اللَّهُ: قَدْ فَعَلْتُ. وَقَالَ السُّدِّيُّ: ﴿وَمِن ذُرِّيَّتِنَآ أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ﴾ يَعْنِيَانِ الْعَرَبَ. قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَالصَّوَابُ أَنَّهُ يَعُمُّ الْعَرَبَ وَغَيْرَهُمْ، لِأَنَّ مِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمِن قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾.
ِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمِن قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾. (قُلْتُ) وَهَذَا الذِي قَالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ لَا ينفيه السدي فإن تخصيصهم بذلك لا ينفقي مَنْ عَدَاهُمْ، وَالسِّيَاقُ إِنَّمَا هُوَ فِي الْعَرَبِ، وَلِهَذَا قَالَ بَعْدَهُ: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ ويعلِّمهم الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ﴾ الْآيَةَ. وَالْمُرَادُ بِذَلِكَ مُحَمَّدٌ ﷺ، وَقَدْ بُعِثَ فِيهِمْ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿هُوَ الذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً منهم﴾، ومع هذا لا ينفي رسلاته إِلَى الْأَحْمَرِ وَالْأَسْوَدِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَدِلَّةِ الْقَاطِعَةِ، وَهَذَا الدُّعَاءُ من إبراهيم وإسماعيل ﵉ كما أخبرنا اللَّهُ تَعَالَى عَنْ عِبَادِهِ الْمُتَّقِينَ الْمُؤْمِنِينَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً﴾.
وَهَذَا الْقَدْرُ مَرْغُوبٌ فِيهِ شَرْعًا فإنَّ مِنْ تَمَامِ مَحَبَّةِ عِبَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى أَنْ يُحِبَّ أَنْ يَكُونَ مِنْ صُلْبِهِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ. وَلِهَذَا لَمَّا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِإِبْرَاهِيمَ ﵇: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ قَالَ: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾، وَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الاصنام﴾ وَقَدْ ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، أَنَّهُ قَالَ: "إِذَا مَاتَ ابْنُ آدَمَ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثٍ: صدقةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ ولدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ". ﴿وأرنا ناسكنا﴾ قال عطاء: أخرجها لنا، علمناها، وقال مجاهد: ﴿أرنا مَنَاسِكَنَا﴾ مذابحنا. وقال أبو داود الطيالسي عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: "إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَمَّا أُري أَوَامِرَ الْمَنَاسِكِ عَرَضَ لَهُ الشَّيْطَانُ عِنْدَ الْمَسْعَى، فَسَابَقَهُ إِبْرَاهِيمُ، ثُمَّ انْطَلَقَ بِهِ جِبْرِيلُ حَتَّى أَتَى بِهِ (مِنًى) فقال: هذا مناخ الناس، فَلَمَّا انْتَهَى إِلَى (جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ) تَعَرَّضَ لَهُ الشَّيْطَانُ، فَرَمَاهُ بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ حَتَّى ذَهَبَ، ثُمَّ أتى به إلى (الْجَمْرَةَ الْوُسْطَى) فَعَرَضَ لَهُ الشَّيْطَانُ فَرَمَاهُ بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ حَتَّى ذهب، ثم أتى به إلى (الْجَمْرَةَ الْقُصْوَى) فَعَرَضَ لَهُ الشَّيْطَانُ فَرَمَاهُ بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ حَتَّى ذَهَبَ، فَأَتَى بِهِ جَمْعًا فَقَالَ: هَذَا الْمَشْعَرُ، ثُمَّ أَتَى بِهِ عَرَفَةَ فَقَالَ: هذه عرفة، فقال له جبريل: أعرفت؟ " (أخرجه الطيالسي عن ابن عباس).
- ١٢٩ - رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
ثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
يَقُولُ تَعَالَى إِخْبَارًا عَنْ تَمَامِ دَعْوَةِ إِبْرَاهِيمَ لِأَهْلِ الْحَرَمِ أَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ، أَيْ مِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ، وَقَدْ وَافَقَتْ هَذِهِ الدَّعْوَةُ الْمُسْتَجَابَةُ قَدَرَ اللَّهِ السَّابِقَ فِي تَعْيِينِ مُحَمَّدٍ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عليه رسولاً في الأميين إليهم، وإلى سائر الأعجميين مِنَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ، كَمَا قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنِ الْعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ قَالَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنِّي عِنْدَ اللَّهِ لَخَاتَمُ النَّبِيِّينَ وَإِنَّ آدَمَ لَمُنْجَدِلٌ فِي طِينَتِهِ، وَسَأُنْبِئُكُمْ بِأَوَّلِ ذَلِكَ، دَعْوَةُ أَبِي إِبْرَاهِيمَ، وَبِشَارَةُ عِيسَى بِي، وَرُؤْيَا أُمِّي الَّتِي رَأَتْ، وكذلك أُمَّهات النبيين يرين» (رواهما الإمام أحمد في مسنده) وقال أبو أمامة قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا كَانَ أَوَّلُ بَدْءِ أَمْرِكَ؟ قَالَ: «دَعْوَةُ أَبِي إِبْرَاهِيمَ، وَبُشْرَى عِيسَى بِي، وَرَأَتْ أُمي أَنَّهُ خَرَجَ مِنْهَا نورٌ أضاءت له قصور الشام» (رواهما الإمام أحمد في مسنده) وَالْمُرَادُ أَنَّ أَوَّلَ مَنْ نَوَّهَ بِذِكْرِهِ وَشَهَرَهُ فِي النَّاسِ إِبْرَاهِيمُ ﵇، وَلَمْ يَزَلْ ذِكْرُهُ فِي النَّاسِ مَذْكُورًا مَشْهُورًا سَائِرًا، حَتَّى أَفْصَحَ بِاسْمِهِ خَاتَمُ أَنْبِيَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ نَسَبًا وهو (عيسى بن مَرْيَمَ) ﵇ حَيْثُ قَامَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ خَطِيبًا، وَقَالَ: ﴿إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسمه أحمد﴾، وَلِهَذَا قَالَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ: دَعْوَةُ أَبِي إبراهيم وبشرى عيسى بن مَرْيَمَ.
َّوْرَاةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسمه أحمد﴾، وَلِهَذَا قَالَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ: دَعْوَةُ أَبِي إبراهيم وبشرى عيسى بن مَرْيَمَ. وَقَوْلُهُ: «وَرَأَتْ أُمي أَنَّهُ خَرَجَ مِنْهَا نُورٌ أَضَاءَتْ لَهُ قُصُورُ الشَّامِ» قِيلَ: كَانَ مَنَامًا رَأَتْهُ حِينَ حَمَلَتْ بِهِ وقصَّته عَلَى قَوْمِهَا، فَشَاعَ فِيهِمْ وَاشْتَهَرَ بَيْنَهُمْ، وَكَانَ ذَلِكَ تَوْطِئَةً! وتخصيصُ الشَّامِ بِظُهُورِ نُورِهِ إِشَارَةٌ ⦗١٣٠⦘ إِلَى استقرار دينه ونبوته بِبِلَادِ الشَّامِ، وَلِهَذَا تَكُونُ الشَّامُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ مَعْقِلًا لِلْإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ، وَبِهَا يَنْزِلُ (عِيسَى ابن مريم) إذا نزل بدمشق بمنارة الشَّرْقِيَّةِ الْبَيْضَاءِ مِنْهَا، وَلِهَذَا جَاءَ فِي الصَّحِيحَيْنِ: «لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمّتي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ وَلَا مَنْ خَالَفَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَذَلِكَ» وَفِي صحيح البخاري «وهم بالشأم». قَوْلِهِ: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ يَعْنِي أُمّة مُحَمَّدٍ ﷺ، فَقِيلَ له: قد استجيب لك وهو كائن في آخر الزمان، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ﴾ يَعْنِي الْقُرْآنَ، ﴿وَالْحِكْمَةَ﴾ يعني السنة، قاله الحسن وقتادة، وَقِيلَ: الْفَهْمُ فِي الدِّينِ، وَلَا مُنَافَاةَ ﴿وَيُزَكِّيهِمْ﴾ قال ابْنِ عَبَّاسٍ: يَعْنِي طَاعَةَ اللَّهِ وَالْإِخْلَاصَ، وَقَالَ محمد بن إسحاق: ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الكتاب والحكمة﴾: يعلمهم الخير فيفعلوه والشر فيقوه، ويخبرهم برضا الله عنهم إذا أطاعوه ليستكثروا من طاعته ويجتنبوا ما يسخطه مِنْ مَعْصِيَتِهِ، وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ أَيِ الْعَزِيزُ الذِي لَا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، الْحَكِيمُ فِي أَفْعَالِهِ وأقواله فيضع الأشياء في محالها لعلمه وحكمته وعدله.
- ١٣٠ - وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَاّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ
- ١٣١ - إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ
- ١٣٢ - وَوَصَّى بِهَآ إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَاّ وَأَنْتُمْ مسلمون
يقول تعابرك وَتَعَالَى رَدًّا عَلَى الْكُفَّارِ فِيمَا ابْتَدَعُوهُ وَأَحْدَثُوهُ مِنَ الشِّرْكِ بِاللَّهِ، الْمُخَالِفِ لِمِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ إِمَامِ الْحُنَفَاءِ، فَإِنَّهُ جرَّد تَوْحِيدَ رَبِّهِ ﵎ فَلَمْ يَدْعُ مَعَهُ غَيْرَهُ، وَلَا أُشْرِكَ بِهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ، وَتَبَرَّأَ مِنْ كُلِّ مَعْبُودٍ سِوَاهُ، وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ سَائِرَ قَوْمِهِ، حَتَّى تَبَرَّأَ مِنْ أَبِيهِ، فَقَالَ: ﴿يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ * إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فطر السموات والأرض حَنِيفاً وَمَآ أَنَاْ مِنَ المشركين﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَآءٌ مِّمَّا تَعْبُدُونَ* إِلَاّ الذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ إِلَاّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَآ إِيَّاهُ، فَلَمَّا تبيَّن لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ للَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ.
مَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ إِلَاّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَآ إِيَّاهُ، فَلَمَّا تبيَّن لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ للَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ. إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ* شَاكِراً لأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إلى صِرَاطٍ مستقيم﴾، وَلِهَذَا وَأَمْثَالِهِ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَاّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ﴾؟ أَيْ ظَلَمَ نَفْسَهُ بِسَفَهِهِ وَسُوءِ تَدْبِيرِهِ، بِتَرْكِهِ الْحَقَّ إِلَى الضَّلَالِ، حَيْثُ خَالَفَ طَرِيقَ مَنِ اصْطُفِيَ فِي الدُّنْيَا لِلَّهِدَايَةِ وَالرَّشَادِ مِنْ حَدَاثَةِ سِنِّهِ إِلَى أَنِ اتَّخَذَهُ اللَّهُ خَلِيلًا، وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الصالحين السعداء، فمن ترك طريقه هذا وملكه وَمِلَّتَهُ، وَاتَّبَعَ طُرُقَ الضَّلَالَةِ وَالْغَيِّ فأيُّ سَفَهٍ أَعْظَمُ مِنْ هَذَا؟ أَمْ أَيُّ ظُلْمٍ أَكْبَرُ مِنْ هَذَا؟ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ قال أبو العالية وقتادة: نزلت فِي الْيَهُودِ أَحْدَثُوا طَرِيقًا لَيْسَتْ مِنْ عِنْدِ الله، وخالفوا ملة إبراهيم فيما أحدثوه، وَيَشْهَدُ لِصِحَّةِ هَذَا الْقَوْلِ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلَا نَصْرَانِيّاً وَلَكِن كَانَ حَنِيفاً مُّسْلِماً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ* إن أولى اللناس بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ والله وَلِيُّ المؤمنين﴾.
َمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ* إن أولى اللناس بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ والله وَلِيُّ المؤمنين﴾. ⦗١٣١⦘ وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ أَيْ أَمَرَهُ اللَّهُ بِالْإِخْلَاصِ لَهُ وَالِاسْتِسْلَامِ وَالِانْقِيَادِ فَأَجَابَ إِلَى ذَلِكَ شَرْعًا وَقَدَرًا وَقَوْلُهُ: ﴿وَوَصَّى بِهَآ إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ﴾ أَيْ وَصَّى بِهَذِهِ الْمِلَّةِ وَهِيَ الْإِسْلَامُ لِلَّهِ، أَوْ يَعُودُ الضَّمِيرُ عَلَى الْكَلِمَةِ وَهِيَ قَوْلُهُ: ﴿أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ لِحِرْصِهِمْ عَلَيْهَا وَمَحَبَّتِهِمْ لَهَا حَافَظُوا عَلَيْهَا إِلَى حِينِ الْوَفَاةِ وَوَصَّوْا أبناءهم مِنْ بَعْدِهِمْ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾ وَالظَّاهِرُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّ إِسْحَاقَ وُلِدَ لَهُ (يَعْقُوبُ) فِي حَيَاةِ الْخَلِيلِ وَسَارَّةُ، لِأَنَّ الْبِشَارَةَ وقعت بهما في قوله: ﴿فبشرناها بإسحق ومن وراء إسحق يعقوب﴾، أيضا فَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْعَنْكَبُوتِ: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إسحق وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النبوة والكتاب﴾ الْآيَةَ.
ا فَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْعَنْكَبُوتِ: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إسحق وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النبوة والكتاب﴾ الْآيَةَ. وَقَالَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ أسحق ويعقوب نافلة﴾، وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ وُجِدَ فِي حَيَاتِهِ، وَأَيْضًا فَإِنَّهُ بَانِي بَيْتَ الْمَقْدِسِ كَمَا نَطَقَتْ بِذَلِكَ الْكُتُبُ الْمُتَقَدِّمَةُ، وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ مَسْجِدٍ وُضِعَ أَوَّلُ؟ قَالَ: «الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ»، قُلْتُ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: «بَيْتُ الْمَقْدِسِ»، قُلْتُ: كَمْ بَيْنَهُمَا: قَالَ: «أَرْبَعُونَ سَنَةً» الْحَدِيثَ فَزَعَمَ ابْنُ حبان أن بين سليمان الذي اعتقد بأنه باني بيت المقدس إنما كَانَ جَدَّدَهُ بَعْدَ خَرَابِهِ وَزَخْرَفَهُ - وَبَيْنَ إِبْرَاهِيمَ أَرْبَعِينَ سَنَةً، وَهَذَا مِمَّا أُنْكِرَ عَلَى (ابْنِ حيان) فإن المدة بينهما تزيد على ألوف السنين والله أعلم، وأيضاً فإن وَصِيَّةِ يَعْقُوبَ لِبَنِيهِ سَيَأْتِي ذِكْرُهَا قَرِيبًا، وَهَذَا يدل على أنه ههنا مِنْ جُمْلَةِ الْمُوصِينَ.
لى ألوف السنين والله أعلم، وأيضاً فإن وَصِيَّةِ يَعْقُوبَ لِبَنِيهِ سَيَأْتِي ذِكْرُهَا قَرِيبًا، وَهَذَا يدل على أنه ههنا مِنْ جُمْلَةِ الْمُوصِينَ. وَقَوْلُهُ: ﴿يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَاّ وَأَنْتُمْ مُّسْلِمُونَ﴾ أي أحسنوا في حلا الْحَيَاةِ، وَالزَمُوا هَذَا لِيَرْزُقَكُمُ اللَّهُ الْوَفَاةَ عَلَيْهِ، فَإِنَّ الْمَرْءَ يَمُوتُ غَالِبًا عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ، وَيُبْعَثُ عَلَى مَا مَاتَ عَلَيْهِ، وَقَدْ أَجْرَى اللَّهُ الْكَرِيمُ عَادَتَهُ بِأَنَّ مَنْ قَصَدَ الْخَيْرَ وُفِّق لَهُ وَيُسِّرَ عَلَيْهِ، وَمَنْ نَوَى صَالِحًا ثَبَتَ عَلَيْهِ، وَهَذَا لَا يُعَارِضُ مَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «إِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّا بَاعٌ أَوْ ذِرَاعٌ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيَدْخُلَهَا»، لِأَنَّهُ قد جاء في بعض الروايات هذا الحديث: ليعمل بعمل أهل الجنة فيما يبدو للناس، وبعمل أَهْلِ النَّارِ فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَأَمَّا مَن أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى* وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَى وَكَذَّبَ بالحسنى فسنيسره للعسرى﴾.
- ١٣٣ - أَمْ كُنتُمْ شُهَدَآءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِداً وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ
- ١٣٤ - تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَّا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ
يَقُولُ تَعَالَى مُحْتَجًّا عَلَى الْمُشْرِكِينَ مِنَ الْعَرَبِ أَبْنَاءِ إِسْمَاعِيلَ، وَعَلَى الْكُفَّارِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ بأن يعقوب لما حضرته والوفاة، وَصَّى بَنِيهِ بِعِبَادَةِ اللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ فَقَالَ لَهُمْ: ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي؟ قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وإسحق﴾، وَهَذَا مِنْ بَابِ التَّغْلِيبِ لِأَنَّ إِسْمَاعِيلَ عَمُّهُ، قَالَ النَّحَّاسُ: وَالْعَرَبُ تُسَمِّي ⦗١٣٢⦘ الْعَمَّ أَبًا نَقَلَهُ القرطبي، وقد استدل بهذه الآية الكريمة مِنْ جَعَلَ الْجِدَّ أَبًا وَحَجَبَ بِهِ الْإِخْوَةَ - كَمَا هُوَ قَوْلُ الصَّدِيقِ - حَكَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْهُ. وَقَوْلُهُ: ﴿إِلَهًا وَاحِداً﴾ أَيْ نُوَحِّدُهُ بِالْأُلُوهِيَّةِ وَلَا نُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا غَيْرُهُ، ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ أَيْ مُطِيعُونَ خَاضِعُونَ؛ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَن في السموات والأرض طَوْعاً وَكَرْهاً وإليه يرجعون﴾.
﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ أَيْ مُطِيعُونَ خَاضِعُونَ؛ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَن في السموات والأرض طَوْعاً وَكَرْهاً وإليه يرجعون﴾. وَالْإِسْلَامُ هُوَ مِلَّةُ الْأَنْبِيَاءِ قَاطِبَةً وَإِنْ تَنَوَّعَتْ شَرَائِعُهُمْ وَاخْتَلَفَتْ مَنَاهِجُهُمْ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَاّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَاّ أَنَاْ فَاعْبُدُونِ﴾ وقال ﷺ: «نَحْنُ مَعْشَرَ الْأَنْبِيَاءِ أَوْلَادُ عَلَّاتٍ دِينُنَا وَاحِدٌ» وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ﴾ أَيْ مَضَتْ، ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَّا كَسَبْتُمْ﴾ أَيْ إِنَّ السَّلَفَ الْمَاضِينَ مِنْ آبَائِكُمْ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَالِحِينَ لَا يَنْفَعُكُمُ انْتِسَابُكُمْ إِلَيْهِمْ إِذَا لَمْ تَفْعَلُوا خَيْرًا يَعُودُ نَفْعُهُ عَلَيْكُمْ، فَإِنَّ لَهُمْ أَعْمَالَهُمُ التِي عملوها ولكم أعمالكم ﴿ولا تسئلون عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾، وَلِهَذَا جَاءَ فِي الْأَثَرِ: «مَنْ أَبْطَأَ بِهِ عمله لم يسرع به نسبه (قد يطلق الأثر على ما يشمل الحديث المرفوع لأنه رواه مسلم مرفوعاً من حديث طويل عن أبي هريرة».
- ١٣٥ - وَقَالُواْ كُونُواْ هُوداً أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُواْ قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صُورِيَّا الْأَعْوَرُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: مَا الْهُدَى إِلَّا مَا نَحْنُ عَلَيْهِ فَاتَّبِعْنَا يَا مُحَمَّدُ تهتدِ، وَقَالَتِ النَّصَارَى مِثْلَ ذَلِكَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﷿: ﴿وَقَالُواْ كُونُواْ هُوداً أَوْ نصارى تَهْتَدُواْ (رواه ابن اسحق عن عكرمة عن ابن عباس)﴾، وقوله: ﴿قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً﴾ أَيْ لَا نُرِيدُ ما دعوتمونا إِلَيْهِ مِنَ الْيَهُودِيَّةِ وَالنَّصْرَانِيَّةِ بَلْ نَتَّبِعُ ﴿مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً﴾ أي مستقيماً، وقال مجاهد: مخلصاً، وَقَالَ أَبُو قِلَابَةَ: الْحَنِيفُ الذِي يُؤْمِنُ بِالرُّسُلِ كلهم من أولهم إلى آخرهم.
َّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً﴾ أي مستقيماً، وقال مجاهد: مخلصاً، وَقَالَ أَبُو قِلَابَةَ: الْحَنِيفُ الذِي يُؤْمِنُ بِالرُّسُلِ كلهم من أولهم إلى آخرهم.
- ١٣٦ - قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَآ أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ
أَرْشَدَ اللَّهُ تَعَالَى عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى الْإِيمَانِ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ بِوَاسِطَةِ رَسُولِهِ مُحَمَّدٍ ﷺ مُفَصَّلًا وما أُنْزِلَ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ الْمُتَقَدِّمِينَ مُجْمَلًا، وَنَصَّ عَلَى أَعْيَانٍ مِنَ الرُّسُلِ، وَأَجْمَلَ ذِكْرَ بَقِيَّةِ الْأَنْبِيَاءِ وَأَنْ لَا يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ بَلْ يُؤْمِنُوا بِهِمْ كُلِّهِمْ، وَلَا يَكُونُوا كَمَنْ قَالَ اللَّهُ فِيهِمْ: ﴿وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُواْ بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُواْ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً* أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا﴾ الآية.
ِ وَيقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُواْ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً* أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا﴾ الآية. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَ أَهْلُ الْكِتَابِ يقرأون التوراة بالعبرانية ويفسروها بِالْعَرَبِيَّةِ لِأَهْلِ الإِسلام، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَا تُصَدِّقُوا أَهْلَ الْكِتَابِ وَلَا تُكَذِّبُوهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَآ أُنْزِلَ الله» (رواه البخاري عن أبي هريرة.) ⦗١٣٣⦘ وقال أبو العالية وَقَتَادَةُ: (الْأَسْبَاطُ) بَنُو يَعْقُوبَ اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا، وَلَدَ كُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمْ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ فسموا الأسباط وقال الخليل بن أحمد: الأسباط من بَنِي إِسْرَائِيلَ كَالْقَبَائِلِ فِي بَنِي إِسْمَاعِيلَ، وَقَالَ الزمخشري: الأسباط حفدة يعقوب ذراري أَبْنَائِهِ الِاثْنَى عَشَرَ، وَقَدْ نَقَلَهُ الرَّازِيُّ عَنْهُ وَقَرَّرَهُ وَلَمْ يُعَارِضْهُ، وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: الْأَسْبَاطُ قَبَائِلُ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَسْبَاطِ ههنا شعوب بني إسرائيل، وما أنزل الله مِنَ الْوَحْيِ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ الْمَوْجُودِينَ مِنْهُمْ، كَمَا قَالَ مُوسَى لَهُمْ: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَآءَ وجعلكم ملوكا﴾ الآية. وقال تعالى: ﴿وَقَطَّعْنَاهُمُ اثنتي عَشْرَةَ أسباطا﴾ قال الْقُرْطُبِيُّ: وَسُمُّوا الْأَسْبَاطَ مِنَ السِّبْطِ وَهُوَ التَّتَابُعُ فهم جماعة، وَقِيلَ: أَصْلُهُ مِنَ السَبَط بِالتَّحْرِيكِ وَهُوَ الشَّجَرُ أي فِي الْكَثْرَةِ بِمَنْزِلَةِ الشَّجَرِ، الواحدةُ سَبْطَةٌ. قَالَ الزجاج: ويبين لك هذا ما روي عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كُلُّ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا عَشَرَةً: (نُوحٌ، وَهُودٌ، وَصَالِحٌ، وشعيب، وإبراهيم، وَإِسْحَاقُ، وَيَعْقُوبُ، وَإِسْمَاعِيلُ، وَمُحَمَّدٌ) عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ.



