Mukhtashar Tafsir Ibnu Katsir

Ringkasan tafsir Ibnu Katsir, riwayat dan tafsir bil-ma’tsur.

Bagian 108 dari 141

— Bagian 108 · والشياطين والمخلوقات العظيمة؟ فَإِنَّهُمْ يُقِرُ… —

Bagian 108

والشياطين والمخلوقات العظيمة؟ فَإِنَّهُمْ يُقِرُّونَ أَنَّ هَذِهِ الْمَخْلُوقَاتِ أَشَدُّ خَلْقًا مِنْهُمْ، وَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ فَلِمَ

يُنْكِرُونَ الْبَعْثَ؟ وَهُمْ يُشَاهِدُونَ مَا هُوَ أَعْظَمُ مما أنكروا، كما قال ﷿: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ ولكنَّ أَكْثَرَ الناس لَا يَعْلَمُونَ﴾ ثُمَّ بيَّن أَنَّهُمْ خُلِقُوا مِنْ شَيْءٍ ضَعِيفٍ فَقَالَ: ﴿إِنَّا خَلَقْنَاهُم مِّن طِينٍ لَاّزِبٍ﴾ قَالَ مجاهد وَالضَّحَّاكُ: هُوَ الْجَيِّدُ الَّذِي يَلْتَزِقُ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ، وقال ابن عباس وعكرمة: هو اللزج الجيد، وَقَالَ قَتَادَةُ: هُوَ الَّذِي يَلْزَقُ بِالْيَدِ، وَقَوْلُهُ ﷿: ﴿بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ﴾ أَيْ بَلْ عَجِبْتَ يَا مُحَمَّدُ مِنْ تَكْذِيبِ هَؤُلَاءِ الْمُنْكِرِينَ لِلْبَعْثِ، وَأَنْتَ موقن مصدق بما أخبر الله تعالى مِنَ الْأَمْرِ الْعَجِيبِ، وَهُوَ إِعَادَةُ الْأَجْسَامِ بَعْدَ فَنَائِهَا، وَهُمْ بِخِلَافِ أَمْرِكَ مِنْ شِدَّةِ تَكْذِيبِهِمْ يَسْخَرُونَ مِمَّا تَقُولُ لَهُمْ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ قَتَادَةُ: عَجِبَ مُحَمَّدٌ ﷺ وَسَخِرَ ضُلَّالُ بَنِي آدَمَ، ﴿وَإِذَا رَأَوْاْ آيَةً﴾ أَيْ دَلَالَةً وَاضِحَةً عَلَى ذَلِكَ ﴿يَسْتَسْخِرُونَ﴾، قَالَ مجاهد: يَسْتَهْزِئُونَ، ﴿وَقَالُوا إِنْ هَذَا إِلَاّ سِحْرٌ مُّبِينٌ﴾ أَيْ مَا هَذَا الَّذِي جِئْتَ بِهِ إِلَاّ سِحْرٌ مُّبِينٌ، ﴿أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ * أَوَ آبَآؤُنَا الْأَوَّلُونَ﴾؟ يَسْتَبْعِدُونَ ذَلِكَ وَيُكَذِّبُونَ بِهِ ﴿قُلْ نَعَمْ وَأَنتُمْ دَاخِرُونَ﴾، أَيْ قُلْ لَهُمْ يَا مُحَمَّدُ: نعم تبعثون يوم القيامة بعدما تَصِيرُونَ تُرَابًا وَعِظَامًا، ﴿وَأَنتُمْ دَاخِرُونَ﴾ أَيْ حَقِيرُونَ تَحْتَ الْقُدْرَةِ الْعَظِيمَةِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ﴾، وقال تعالى: ﴿سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾،

يْ حَقِيرُونَ تَحْتَ الْقُدْرَةِ الْعَظِيمَةِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ﴾، وقال تعالى: ﴿سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾، ثم قال جلت عظمته: ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ فَإِذَا هُمْ يَنظُرُونَ﴾ أي فإنما هُوَ أَمْرٌ وَاحِدٌ مِنَ اللَّهِ ﷿، يدعوهم أَن يَخْرُجُواْ مِنَ الْأَرْضِ، فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ بَيْنَ يَدَيْهِ يَنْظُرُونَ إِلَى أَهْوَالِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ.

  • ٢٠ - وَقَالُوا يَا وَيْلَنَا هَذَا يَوْمُ الدِّينِ
  • ٢١ - هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِي كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ
  • ٢٢ - احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُواْ وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُواْ يَعْبُدُونَ
  • ٢٣ - مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ
  • ٢٤ - وَقِفُوهُمْ إنهم مسؤولون
  • ٢٥ - مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ
  • ٢٦ - بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ

يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ قَيْلِ الْكَفَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، أَنَّهُمْ يَرْجِعُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْمَلَامَةِ، وَيَعْتَرِفُونَ بأنهم كانوا ظالمين لأنفسهم، فإذا عاينوا أهوال القيامة، ندموا كل الندامة حَيْثُ لَا يَنْفَعُهُمُ النَّدَمُ، ﴿وَقَالُواْ يَا وَيْلَنَا هَذَا يَوْمُ الدِّينِ﴾، فَتَقُولُ لَهُمُ الْمَلَائِكَةُ وَالْمُؤْمِنُونَ: ﴿هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِي كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ على وجه التقريع والتوبيخ، ويأمر الله تعالى الْمَلَائِكَةَ أَنْ تُمَيِّزَ الْكُفَّارَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، فِي الْمَوْقِفِ فِي مَحْشَرِهِمْ وَمَنْشَرِهِمْ، وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُواْ وَأَزْوَاجَهُمْ﴾، قَالَ النُّعْمَانُ بْنُ بشير: يَعْنِي بِأَزْوَاجِهِمْ أَشْبَاهَهُمْ وَأَمْثَالَهُمْ (وَكَذَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَعِكْرِمَةُ وَمُجَاهِدٌ وَالسُّدِّيُّ وأبو العالية وغيرهم.

ِهِمْ أَشْبَاهَهُمْ وَأَمْثَالَهُمْ (وَكَذَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَعِكْرِمَةُ وَمُجَاهِدٌ وَالسُّدِّيُّ وأبو العالية وغيرهم. وروي عن ابن عباس أنه قال: ﴿أزواجهم﴾ نساؤهم، وهو غريب والمعروف عنه الأول)؛ وعن عمر بن الخطاب: ﴿وَأَزْوَاجَهُمْ﴾ قال: إخوانهم، وقال النعمان: سَمِعْتُ عُمَرَ يَقُولُ: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُواْ وَأَزْوَاجَهُمْ﴾ قال: أشباههم، قال: يجيء أصحاب الزنا مع أصحاب الزنا، وأصحاب الربا مع أصحاب الربا، وأصحاب الخمر مع أصحاب الخمر، وقال ابن عباس: ﴿أَزْوَاجَهُمْ﴾ قُرَنَاءَهُمْ، ﴿وَمَا كَانُواْ يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أَيْ مِنَ الْأَصْنَامِ وَالْأَنْدَادِ تُحْشَرُ مَعَهُمْ في أماكنهم، وقوله تعالى: ﴿فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ﴾ أَيْ أَرْشَدُوهُمْ إِلَى طَرِيقَ جَهَنَّمَ، وهذا كقوله تعالى: ﴿مَّأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زنادهم سعيراً﴾، وقوله تعالى: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مسؤولون﴾ أي قفوهم

حَتَّى يُسْأَلُوا عَنْ أَعْمَالِهِمْ وَأَقْوَالِهِمُ، الَّتِي صَدَرَتْ عنهم في الدار الدنيا، قال ابن عباس: يعني احبسوهم إنهم محاسبون، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَيُّمَا دَاعٍ دَعَا إِلَى شَيْءٍ كَانَ مَوْقُوفًا مَعَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا يُغَادِرُهُ وَلَا يُفَارِقُهُ، وَإِنْ دَعَا رَجُلٌ رَجُلًا» ثُمَّ قرأ: ﴿وقفوهم إنهم مسؤولون﴾ (رواه ابن أبي حاتم وابن جرير والترمذي عن أنَس بن مالك مرفوعاً)، وقال ابن المبارك: "إِنَّ أَوَّلَ مَا يُسْأَلُ عَنْهُ الرَّجُلُ جُلَسَاؤُهُ: " ثُمَّ يُقَالُ لَهُمْ عَلَى سَبِيلِ التَّقْرِيعِ وَالتَّوْبِيخِ ﴿مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ؟﴾ أَيْ كَمَا زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ؟ ﴿بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ﴾ أَيْ مُنْقَادُونَ لِأَمْرِ اللَّهِ لَا يُخَالِفُونَهُ وَلَا يحيدون عنه، والله أعلم.

َّكُمْ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ؟ ﴿بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ﴾ أَيْ مُنْقَادُونَ لِأَمْرِ اللَّهِ لَا يُخَالِفُونَهُ وَلَا يحيدون عنه، والله أعلم.

  • ٢٧ - وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ
  • ٢٨ - قَالُوا إِنَّكُمْ كُنتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ
  • ٢٩ - قَالُواْ بَلْ لَّمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ
  • ٣٠ - وَمَا كَانَ لَنَآ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ بَلْ كُنتُمْ قَوْماً طَاغِينَ
  • ٣١ - فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَآ إِنَّا لَذَآئِقُونَ
  • ٣٢ - فَأَغْوَيْنَاكُمْ إِنَّا كُنَّا غَاوِينَ
  • ٣٣ - فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ
  • ٣٤ - إِنَّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ
  • ٣٥ - إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ
  • ٣٦ - وَيَقُولُونَ أئنا لتاركوا آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ
  • ٣٧ - بَلْ جَآءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ المرسلين

يذكر تعالى: أن الكفار يتلامون فِي عَرَصَاتِ الْقِيَامَةِ، كَمَا يَتَخَاصَمُونَ فِي دَرَكَاتِ النَّارِ، ﴿فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً فَهَلْ أَنتُم مُّغْنُونَ عَنَّا نَصِيباً مِّنَ النار﴾؟ كما قال تَعَالَى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِندَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلِ، يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلَا أَنتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ﴾ وهكذا قالوا لهم ههنا: ﴿إِنَّكُمْ كُنتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ اليمين﴾، قال ابْنِ عَبَّاسٍ، يَقُولُونَ: كُنْتُمْ تَقْهَرُونَنَا بِالْقُدْرَةِ مِنْكُمْ عَلَيْنَا، لِأَنَّا كُنَّا أَذِلَّاءَ وَكُنْتُمْ أَعِزَّاءَ، وَقَالَ مجاهد: يعني عن الحق، تقوله الكفار لِلشَّيَاطِينِ، وَقَالَ قَتَادَةُ: قَالَتِ الْإِنْسُ لِلْجِنِّ: ﴿إِنَّكُمْ كُنتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ﴾، قَالَ: مِنْ قِبَلِ الْخَيْرِ فَتَنْهُونَا عَنْهُ وَتُبْطِئُونَا عَنْهُ، وَقَالَ السُّدِّيُّ: تأنوننا من قبل الحق وتزينوا لنا الباطل، وتصدونا عن الحق،

قَالَ: مِنْ قِبَلِ الْخَيْرِ فَتَنْهُونَا عَنْهُ وَتُبْطِئُونَا عَنْهُ، وَقَالَ السُّدِّيُّ: تأنوننا من قبل الحق وتزينوا لنا الباطل، وتصدونا عن الحق، قال الحسن: أي والله يأيته عِنْدَ كُلِّ خَيْرٍ يُرِيدُهُ فَيَصُدُّهُ عَنْهُ، وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: مَعْنَاهُ تَحُولُونَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْخَيْرِ، وَرَدَدْتُمُونَا عَنِ الْإِسْلَامِ وَالْإِيمَانِ وَالْعَمَلِ بِالْخَيْرِ الَّذِي أمرنا به. وقوله تعالى: ﴿قَالُواْ بَلْ لَّمْ تَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ﴾ تَقُولُ الْقَادَةُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لِلْأَتْبَاعِ: مَا الْأَمْرُ كَمَا تَزْعُمُونَ، بَلْ كَانَتْ قُلُوبُكُمْ مُنْكِرَةً لِلْإِيمَانِ، قَابِلَةً لِلْكُفْرِ وَالْعِصْيَانِ، ﴿وَمَا كَانَ لَنَآ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ﴾ أَيْ مِنْ حُجَّةٍ عَلَى صِحَّةِ مَا دَعَوْنَاكُمْ إِلَيْهِ، ﴿بَلْ كُنتُمْ قَوْماً طَاغِينَ﴾ أَيْ بَلْ كَانَ فِيكُمْ طُغْيَانٌ وَمُجَاوَزَةٌ لِلْحَقِّ، فَلِهَذَا اسْتَجَبْتُمْ لَنَا وَتَرَكْتُمُ الْحَقَّ الَّذِي جَاءَتْكُمْ بِهِ الأنبياء، ﴿فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَآ إِنَّا لَذَآئِقُونَ * فَأَغْوَيْنَاكُمْ إِنَّا كُنَّا غَاوِينَ﴾، يَقُولُ الْكُبَرَاءُ لِلْمُسْتَضْعَفِينَ: حَقَّتْ عَلَيْنَا كَلِمَةُ اللَّهِ إِنَّا مِنَ الْأَشْقِيَاءِ الذَّائِقِينَ للعذاب يَوْمَ الْقِيَامَةِ، ﴿فَأَغْوَيْنَاكُمْ﴾ أَيْ دَعَوْنَاكُمْ إِلَى الضَّلَالَةِ ﴿إِنَّا كُنَّا غَاوِينَ﴾، أي فدعوناكم إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ فَاسْتَجَبْتُمْ لَنَا، قَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ أَيِ الْجَمِيعُ فِي النَّارِ كُلٌّ بِحَسَبِهِ، ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ * إِنَّهُمْ كَانُوا﴾ أَيْ فِي الدَّارِ الدُّنْيَا ﴿إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَاّ اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ أَيْ يَسْتَكْبِرُونَ أَنْ يَقُولُوهَا كَمَا يقولها المؤمنون.

وفي الحديث: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَمَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فَقَدْ عَصَمَ مِنِّي مَالَهُ وَنَفْسَهُ إلا بحقه وحسابه على الله ﷿» (أخرجه ابن أبي حاتم عن أبي هريرة مرفوعاً). وروى ابن أبي حاتم عَنْ أَبِي الْعَلَاءِ قَالَ: يُؤْتَى بِالْيَهُودِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُقَالُ لَهُمْ: مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ؟ فَيَقُولُونَ نعبد اللَّهَ وَعُزَيْرًا، فَيُقَالُ لَهُمْ: خُذُوا ذَاتَ الشِّمَالِ؛ ثُمَّ يُؤْتَى بِالنَّصَارَى فَيُقَالُ لَهُمْ: مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ؟ فَيَقُولُونَ: نَعْبُدُ اللَّهَ وَالْمَسِيحَ، فَيُقَالُ لَهُمْ: خُذُوا ذَاتَ الشِّمَالِ؛ ثُمَّ يُؤْتَى بِالْمُشْرِكِينَ فَيُقَالُ لَهُمْ: لَاّ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَيَسْتَكْبِرُونَ، ثُمَّ يُقَالُ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَيَسْتَكْبِرُونَ، ثُمَّ يُقَالُ لَهُمْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَيَسْتَكْبِرُونَ، فَيُقَالُ لَهُمْ: خُذُوا ذَاتَ الشِّمَالِ، قَالَ أَبُو نَضْرَةَ: فَيَنْطَلِقُونَ أَسْرَعَ مِنَ الطَّيْرِ، قَالَ أَبُو الْعَلَاءِ: ثُمَّ يُؤْتَى بِالْمُسْلِمِينَ فَيُقَالُ لَهُمْ: مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ؟ فَيَقُولُونَ: كُنَّا نَعْبُدُ اللَّهَ تعالى، فَيُقَالُ لَهُمْ: هَلْ تَعْرِفُونَهُ إِذَا رَأَيْتُمُوهُ؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، فَيُقَالُ لَهُمْ: فَكَيْفَ تَعْرِفُونَهُ وَلَمْ تَرَوْهُ؟ فيقولون: نَعْلَمُ أَنَّهُ لَا عِدْلَ لَهُ، قَالَ: فَيَتَعَرَّفُ لهم ﵎ وتقدس وينجي الله المؤمنين (أخرجه ابن أبي حاتم عن أبي العلاء موقوفاً).

تَرَوْهُ؟ فيقولون: نَعْلَمُ أَنَّهُ لَا عِدْلَ لَهُ، قَالَ: فَيَتَعَرَّفُ لهم ﵎ وتقدس وينجي الله المؤمنين (أخرجه ابن أبي حاتم عن أبي العلاء موقوفاً). ﴿ويقولون أئنا لتاركوا آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَّجْنُونٍ﴾ أَيْ أَنْحَنُ نَتْرُكُ عِبَادَةَ آلِهَتِنَا وَآلِهَةِ آبَائِنَا عَنْ قَوْلِ هَذَا الشَّاعِرِ الْمَجْنُونِ؟ يَعْنُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى تَكْذِيبًا لَهُمْ وَرَدًّا عَلَيْهِمْ: ﴿بَلْ جَآءَ بِالْحَقِّ﴾ يَعْنِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ جاء بالحق، ﴿وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ﴾ أَيْ صَدَّقَهُمْ فِيمَا أَخْبَرُوهُ عَنْهُ مِنَ الصِّفَاتِ الْحَمِيدَةِ، وَالْمَنَاهِجِ السَّدِيدَةِ، وَأَخْبَرَ عَنِ الله تعالى في شرعه وَأَمْرِهِ، كَمَا أَخْبَرُوا ﴿مَّا يُقَالُ لَكَ إِلَاّ مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ﴾ الْآيَةَ.

  • ٣٨ - إنكم لذائقوا الْعَذَابِ الْأَلِيمِ
  • ٣٩ - وَمَا تُجْزَوْنَ إِلَاّ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ
  • ٤٠ - إِلَاّ عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ
  • ٤١ - أُوْلَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ
  • ٤٢ - فَوَاكِهُ وَهُمْ مُكْرَمُونَ
  • ٤٣ - فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ
  • ٤٤ - عَلَى سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ
  • ٤٥ - يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ
  • ٤٦ - بَيْضَآءَ لَذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ
  • ٤٧ - لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ
  • ٤٨ - وَعِندَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ
  • ٤٩ - كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَّكْنُونٌ

ّارِبِينَ

  • ٤٧ - لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ
  • ٤٨ - وَعِندَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ
  • ٤٩ - كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَّكْنُونٌ

يَقُولُ تَعَالَى مخاطباً للناس: ﴿إنكم لذائقوا الْعَذَابِ الْأَلِيمِ * وَمَا تُجْزَوْنَ إِلَاّ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، ثُمَّ اسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ عِبَادَهُ الْمُخْلَصِينَ، كما قال تعالى: ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلَاّ وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْماً مَّقْضِيّاً * ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَّنَذَرُ الظالمين فِيهَا جثياً﴾، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ إِلَاّ أَصْحَابَ اليمين﴾، ولهذا قال جلَّ وعلا ههنا ﴿إِلَاّ عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ أَيْ لَيْسُوا يَذُوقُونَ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ، وَلَا يُنَاقَشُونَ فِي الْحِسَابِ، بَلْ يَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ إِنْ كَانَ لَهُمْ سَيِّئَاتٌ، وَيُجْزَوْنَ الْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ، إِلَى أضعاف كثيرة، وقوله جلَّ وعلا ﴿أُوْلَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَّعْلُومٌ﴾ قال السدي: يَعْنِي الْجَنَّةَ، ثُمَّ فَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَوَاكِهُ﴾ أي متنوعة ﴿وَهُم مُّكْرَمُونَ﴾ أي يخدمون وَيُرَفَّهُونَ وَيُنَعَّمُونَ ﴿فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ * عَلَى سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ﴾، قال مجاهد: لا ينظر بعضهم إلى قفا بعض، وقوله تعالى: ﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ * بَيْضَآءَ لَذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ * لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا

يُنزَفُونَ﴾ كما قال تعالى: ﴿لا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا ينزفون﴾ نزّه الله ﷾ خمر الجنة عَنِ الْآفَاتِ الَّتِي فِي خَمْرِ الدُّنْيَا، مِنْ صُدَاعِ الرَّأْسِ، وَوَجَعِ الْبَطْنِ، وَهُوَ (الْغَوْلُ) وَذَهَابِهَا بالعقل جملة، فقال تعالى: ﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ﴾ أَيْ بِخَمْرٍ مِنْ أَنْهَارٍ جَارِيَةٍ، لَا يَخَافُونَ انْقِطَاعَهَا وَلَا فراغها، قال زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ: خَمْرٌ جَارِيَةٌ بَيْضَاءُ، أَيْ لَوْنُهَا مُشْرِقٌ حَسَنٌ بَهِيٌّ، لَا كَخَمْرِ الدُّنْيَا فِي مَنْظَرِهَا الْبَشِعِ الرَّدِيءِ، مِنْ حُمْرَةٍ أَوْ سَوَادٍ أَوِ اصْفِرَارٍ أَوْ كُدُورَةٍ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يُنَفِّرُ الطَّبْعَ السَّلِيمَ، وَقَوْلُهُ ﷿: ﴿لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ﴾ أَيْ طَعْمُهَا طَيِّبٌ كَلَوْنِهَا، وَطِيبُ الطَّعْمِ دَلِيلٌ عَلَى طِيبِ الرِّيحِ، بِخِلَافِ خمر الدنيا في جميع ذلك، وقوله تعالى: ﴿لا فِيهَا غَوْلٌ﴾ يعني وجع البطن (قاله ابن عباس ومجاهد وَقَتَادَةُ وَابْنُ زَيْدٍ)، كَمَا تَفْعَلُهُ خَمْرُ الدُّنْيَا، وقيل: المراد بالغول ههنا صداع الرأس، وروي عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَقَالَ قَتَادَةُ: هُوَ صُدَاعُ الرأس ووجع البطن؛ وقال السُّدِّيِّ: لَا تَغْتَالُ عُقُولَهُمْ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ: فَمَا زَالَتِ الْكَأْسُ تَغْتَالُنَا * وَتَذْهَبُ بِالْأَوَّلِ الْأَوَّلِ.

لبطن؛ وقال السُّدِّيِّ: لَا تَغْتَالُ عُقُولَهُمْ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ: فَمَا زَالَتِ الْكَأْسُ تَغْتَالُنَا * وَتَذْهَبُ بِالْأَوَّلِ الْأَوَّلِ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: لَا مَكْرُوهَ فِيهَا وَلَا أَذًى، وَالصَّحِيحُ قَوْلُ مُجَاهِدٍ: إِنَّهُ وَجَعُ البطن، وقوله تعالى: ﴿وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: لَا تذهب عقولهم (وكذا قال ابن عباس والحسن وعطاء والسدي)، وقال ابْنِ عَبَّاسٍ: فِي الْخَمْرِ أَرْبَعُ خِصَالٍ: (السُّكْرُ، والصداع، والقيء، والبول)، فذكر الله تعالى خمر الجنة، فنزّهها عن هذه الخصال، وقوله تعالى: ﴿وَعِندَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ﴾ أَيْ عَفِيفَاتٌ لَا يَنْظُرْنَ إِلَى غَيْرِ أَزْوَاجِهِنَّ، كَذَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ومجاهد، وقوله ﵎: ﴿عِينٌ﴾ أَيْ حِسَانُ الْأَعْيُنِ، وَقِيلَ ضِخَامُ الْأَعْيُنِ، وَهِيَ النَّجْلَاءُ الْعَيْنَاءُ، فَوَصَفَ عُيُونَهُنَّ بِالْحُسْنِ وَالْعِفَّةِ، كقول زليخا في يوسف ﵇ ﴿ولقد روادته عَن نَّفْسِهِ فاستعصم﴾ أَيْ هُوَ مَعَ هَذَا الْجَمَالِ عَفِيفٌ تَقِيٌّ نقي، وهكذا الحور العين ﴿خَيْرَاتٌ حسان﴾، ولهذا قال ﷿: ﴿وَعِندَهُمْ قَاصِرَاتُ الطرف عِينٌ﴾. وقوله ﷻ: ﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَّكْنُونٌ﴾ وَصَفَهُنَّ بِتَرَافَةِ الْأَبْدَانِ بِأَحْسَنِ الألوان، قال ابن عباس ﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَّكْنُونٌ﴾ يقول: اللؤلؤ المكنون، وأنشد قول الشاعر: وهي زهراء مثل لؤلؤة الغوا * ص مِيزَتْ مِنْ جَوْهَرٍ مَكْنُونِ.

قال ابن عباس ﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَّكْنُونٌ﴾ يقول: اللؤلؤ المكنون، وأنشد قول الشاعر: وهي زهراء مثل لؤلؤة الغوا * ص مِيزَتْ مِنْ جَوْهَرٍ مَكْنُونِ. وَقَالَ الْحَسَنُ: ﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مكنون﴾ يعين مصون لم تمسه الأيدي، وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: ﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَّكْنُونٌ﴾ يعني بطن البيض، وَقَالَ السُّدِّيُّ ﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَّكْنُونٌ﴾ يَقُولُ بَيَاضُ الْبَيْضِ حِينَ يُنْزَعُ قِشْرُهُ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ لِقَوْلِهِ ﴿مَّكْنُونٌ﴾ قَالَ: وَالْقِشْرَةُ الْعُلْيَا يَمَسُّهَا جَنَاحُ الطير والعش، وتنالها الأيدي بخلاف داخلها، وفي الحديث عَنْ أنَس ﵁ قَالَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَنَا أَوَّلُ النَّاسِ خُرُوجًا إِذَا بُعِثُوا، وَأَنَا خَطِيبُهُمْ إِذَا وَفَدُوا، وَأَنَا مُبَشِّرُهُمْ إِذَا حَزِنُوا، وَأَنَا شَفِيعُهُمْ إِذَا حُبِسُوا، لِوَاءُ الْحَمْدِ يومئذٍ بِيَدِي، وأنا أكرم ولد آدم على الله ﷿ وَلَا فَخْرَ، يَطُوفُ عَلِيَّ أَلْفُ خَادِمٍ كَأَنَّهُنَّ الْبَيْضُ الْمَكْنُونُ - أَوِ اللُّؤْلُؤُ الْمَكْنُونُ -» (أخرجه ابن أبي حاتم وروى بعضه الترمذي).

  • ٥٠ - فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ
  • ٥١ - قَالَ قَآئِلٌ مِّنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ
  • ٥٢ - يَقُولُ أَئِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ
  • ٥٣ - أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَدِينُونَ
  • ٥٤ - قَالَ هَلْ أَنتُمْ مُطَّلِعُونَ
  • ٥٥ - فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَآءِ الْجَحِيمِ
  • ٥٦ - قَالَ تَاللَّهِ إِن كِدتَّ لَتُرْدِينِ
  • ٥٧ - وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ
  • ٥٨ - أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ
  • ٥٩ - إِلَاّ مَوْتَتَنَا الأولى وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ
  • ٦٠ - إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ
  • ٦١ - لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ

ِلَاّ مَوْتَتَنَا الأولى وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ

  • ٦٠ - إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ
  • ٦١ - لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ

يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ أَنَّهُ ﴿أَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَآءَلُونَ﴾ أَيْ عَنْ أَحْوَالِهِمْ وَكَيْفَ كَانُوا فِي الدُّنْيَا، وَمَاذَا كَانُوا يُعَانُونَ فِيهَا، وَذَلِكَ مِنْ حَدِيثِهِمْ عَلَى شَرَابِهِمْ وَاجْتِمَاعِهِمْ فِي تُنَادِمِهِمْ، ومعاشرتهم فِي مَجَالِسِهِمْ، وَهُمْ جُلُوسٌ عَلَى السُّرُرِ، وَالْخَدَمِ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ، يَسْعَوْنَ وَيَجِيئُونَ بِكُلِّ خَيْرٍ عَظِيمٍ، مما لا رأت عين، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ، ﴿قَالَ قَآئِلٌ مِّنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ﴾ قال مجاهد: يعني شيطاناً، وقال ابْنِ عَبَّاسٍ: هُوَ الرَّجُلُ الْمُشْرِكُ يَكُونُ لَهُ صاحب من أهل الإيمان في الدنيا (القائل هو أحد الرجلين اللذين قال الله فيهما: ﴿واضرب لهم مثلاً رجلين﴾ والقرين: الرجل الذي دخل جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لنفسه، وقد وردت قصتهما في سورة الكهف)، وَلَا تَنَافِي بَيْنَ كَلَامِ مُجَاهِدٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَكُونُ مِنَ الْجِنِّ فَيُوَسْوِسُ فِي النَّفْسِ، وَيَكُونُ مِنَ الْإِنْسِ فَيَقُولُ كَلَامًا تَسْمَعُهُ الأذنان، وكلاهما يتعاونان، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً﴾ وكل منهما يوسوس، كما قال الله ﷿: ﴿مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ * الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صدور الناس من الجنة والناس﴾، وَلِهَذَا: ﴿قَالَ قَآئِلٌ مِّنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ * يَقُولُ أَئِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ﴾ أَيْ أَأَنْتَ تُصَدِّقُ بِالْبَعْثِ وَالنُّشُورِ، وَالْحِسَابِ وَالْجَزَاءِ؟ يَعْنِي يَقُولُ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ التَّعَجُّبِ وَالتَّكْذِيبِ وَالِاسْتِبْعَادِ، وَالْكُفْرِ وَالْعِنَادِ ﴿أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَدِينُونَ﴾؟ قَالَ مُجَاهِدٌ وَالسُّدِّيُّ: لَمُحَاسَبُونَ،

ْعَادِ، وَالْكُفْرِ وَالْعِنَادِ ﴿أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَدِينُونَ﴾؟ قَالَ مُجَاهِدٌ وَالسُّدِّيُّ: لَمُحَاسَبُونَ، وَقَالَ ابْنُ عباس: لمجزيون بأعمالنا، قال تعالى: ﴿قَالَ هَلْ أَنتُمْ مُّطَّلِعُونَ﴾ أَيْ مُشْرِفُونَ، يَقُولُ الْمُؤْمِنُ لِأَصْحَابِهِ وَجُلَسَائِهِ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ ﴿فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَآءِ الْجَحِيمِ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ والسدي: يَعْنِي فِي وَسَطِ الْجَحِيمِ، وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: في وسط الجحيم كأنه شهاب يتقدم، وقال قتادة: ذكر أنه اطلع فرأى جماجم القوم تغلي، وقال كعب الأحبار: فِي الْجَنَّةِ كُوًى، إِذَا أَرَادَ أَحَدٌ مِّنْ أَهْلِهَآ إِن يَنْظُرَ إِلَى عَدُوِّهِ فِي النَّارِ، اطلع فيها فازداد شكراً لله، ﴿قَالَ تَاللَّهِ إِن كِدتَّ لَتُرْدِينِ﴾ يَقُولُ الْمُؤْمِنَ مُخَاطِبًا لِلْكَافِرِ: وَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُهْلِكُنِي لَوْ أَطَعْتُكَ، ﴿وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾ أي وَلَوْلَا فَضْلُ الله عليك لكنت مثلك فِي سَوَآءِ الجحيم، محضر معك في العذاب، ولكنه رحمني فهداني للإيمان، وأرشدني إلى توحيده ﴿وما كما لِنَهْتَدِيَ لولا أَنْ هدانا الله﴾. وقوله تعالى: ﴿أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ * إِلَاّ مَوْتَتَنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾؟ هذا من كلام المؤمن، مغطبتاً نفسه بما أعطاه الله تعالى، مِنَ الْخُلْدِ فِي الْجَنَّةِ وَالْإِقَامَةِ فِي دَارِ الكرامة، بلا موت فيها ولا عذاب، ولهذا قال ﷿: ﴿إِنَّ هذا لَهُوَ الفوز العظيم﴾. قال الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: عَلِمُوا أَنَّ كُلَّ نَعِيمٍ فَإِنَّ الْمَوْتَ يَقْطَعُهُ، فَقَالُوا: ﴿أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ * إِلَاّ مَوْتَتَنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ

بِمُعَذَّبِينَ﴾؟ قيل: لَا، قَالُوا: ﴿إنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾. وقوله ﷻ: ﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ﴾ قَالَ قَتَادَةُ هَذَا مِنْ كَلَامِ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: هُوَ مِنْ كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى، وَمَعْنَاهُ: لِمِثْلِ هَذَا النَّعِيمِ وَهَذَا الْفَوْزِ فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ فِي الدنيا ليصيروا إليه في الآخرة. قال السدي: كَانَ شَرِيكَانِ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ، أَحَدُهُمَا مُؤْمِنٌ وَالْآخَرُ كَافِرٌ، فَافْتَرَقَا عَلَى سِتَّةِ آلَافِ دِينَارٍ، لكل واحد منهما ثلاثة آلاف دينار، ثم افترقا فَمَكَثَا مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَمْكُثَا، ثُمَّ الْتَقَيَا، فَقَالَ الْكَافِرُ لِلْمُؤْمِنِ: مَا صَنَعْتَ فِي مَالِكَ؟ أَضَرَبْتَ بِهِ شَيْئًا، أَتَّجَرْتَ بِهِ فِي شيء؟ قال لَهُ الْمُؤْمِنُ: لَا، فَمَا صَنَعْتَ أَنْتَ؟ فَقَالَ اشتريت به أرضاً ونخلاً وثمارا وأنهارا بالف دينار - قَالَ - فَقَالَ لَهُ الْمُؤْمِنُ: أَوَ فَعَلْتَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَرَجَعَ الْمُؤْمِنُ حَتَّى إِذَا كَانَ الليل صلى ما شاء الله تعالى أَنْ يُصَلِّيَ، فَلَمَّا انْصَرَفَ أَخَذَ أَلْفَ دِينَارٍ فَوَضَعَهَا بَيْنَ يَدَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ إِنَّ فُلَانًا - يَعْنِي شَرِيكَهُ الْكَافِرَ - اشْتَرَى أَرْضًا وَنَخْلًا وَثِمَارًا وَأَنْهَارًا بِأَلْفِ دِينَارٍ ثُمَّ يَمُوتُ غَدًا وَيَتْرُكُهَا. اللَّهُمَّ إِنِّي اشْتَرَيْتُ مِنْكَ بِهَذِهِ الْأَلْفِ دِينَارٍ أَرْضًا وَنَخْلًا وَثِمَارًا وَأَنْهَارًا فِي الْجَنَّةِ، قَالَ: ثُمَّ أَصْبَحَ فَقَسَمَهَا فِي

إِنِّي اشْتَرَيْتُ مِنْكَ بِهَذِهِ الْأَلْفِ دِينَارٍ أَرْضًا وَنَخْلًا وَثِمَارًا وَأَنْهَارًا فِي الْجَنَّةِ، قَالَ: ثُمَّ أَصْبَحَ فَقَسَمَهَا فِي الْمَسَاكِينِ، قَالَ: ثُمَّ مَكَثَا مَا شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ يَمْكُثَا، ثُمَّ الْتَقَيَا، فَقَالَ الْكَافِرُ لِلْمُؤْمِنِ: مَا صَنَعْتَ فِي مَالِكَ أَضَرَبْتَ بِهِ فِي شَيْءٍ؟ أتجرت به في شيء؟ قال: لا، قال: فَمَا صَنَعْتَ أَنْتَ؟ قَالَ: كَانَتْ ضَيْعَتِي قَدِ اشْتَدَّ عليَّ مُؤْنَتُهَا، فَاشْتَرَيْتُ رَقِيقًا بِأَلْفِ دِينَارٍ، يقومون لي فِيهَا وَيَعْمَلُونَ لِي فِيهَا، فَقَالَ لَهُ الْمُؤْمِنُ: أَوَفَعَلْتَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَرَجَعَ الْمُؤْمِنُ حَتَّى إِذَا كَانَ اللَّيْلُ صَلَّى مَا شَاءَ اللَّهُ تعالى أَنْ يُصَلِّيَ، فَلَمَّا انْصَرَفَ أَخَذَ أَلْفَ دِينَارٍ فَوَضَعَهَا بَيْنَ يَدَيْهِ ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ إِنَّ فُلَانًا - يَعْنِي شَرِيكَهُ الْكَافِرُ - اشْتَرَى رَقِيقًا مِنْ رقيق الدنيا بألف دينار يموت غداً فيتركهم أو يموتون فيتركونه، اللَّهُمَّ إِنِّي اشْتَرَيْتُ مِنْكَ بِهَذِهِ الْأَلْفِ دِينَارٍ رقيقاً فِي الْجَنَّةِ، قَالَ: ثُمَّ أَصْبَحَ، فَقَسَمَهَا فِي الْمَسَاكِينِ قَالَ: ثُمَّ مَكَثَا مَا شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ يَمْكُثَا، ثُمَّ الْتَقَيَا، فَقَالَ الْكَافِرُ لِلْمُؤْمِنِ: مَا صَنَعْتَ فِي مَالِكَ أَضَرَبْتَ بِهِ فِي شَيْءٍ، أَتَّجَرْتَ بِهِ فِي شَيْءٍ؟ قَالَ: لا، فما صنعت أنت؟ قال: كان أَمْرِي كُلُّهُ قَدْ تَمَّ إِلَّا شَيْئًا وَاحِدًا، فُلَانَةٌ قَدْ مَاتَ عَنْهَا زَوْجُهَا فَأَصْدَقْتُهَا أَلْفَ دِينَارٍ، فَجَاءَتْنِي بِهَا وَمِثْلَهَا مَعَهَا، فَقَالَ لَهُ الْمُؤْمِنُ: أَوَفَعَلْتَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ، فَرَجَعَ الْمُؤْمِنُ حَتَّى إِذَا كَانَ اللَّيْلُ صَلَّى مَا شَاءَ الله تعالى أن يصلي، فلما انصرف أخذ الألف دينار الباقية فوضعها بين يدي، وَقَالَ اللَّهُمَّ إِنْ فُلَانًا - يَعْنِي شَرِيكَهُ الْكَافِرَ - تزوج زوجة من أزواج الدنيا بألف دينار،

انصرف أخذ الألف دينار الباقية فوضعها بين يدي، وَقَالَ اللَّهُمَّ إِنْ فُلَانًا - يَعْنِي شَرِيكَهُ الْكَافِرَ - تزوج زوجة من أزواج الدنيا بألف دينار، فيموت غداً فيتركها أو تموت غداً فَتَتْرُكُهُ، اللَّهُمَّ وَإِنِّي أَخْطُبُ إِلَيْكَ بِهَذِهِ الْأَلْفِ دينار حوراء عيناء في الجنة - قال - ثُمَّ أَصْبَحَ فَقَسَمَهَا بَيْنَ الْمَسَاكِينِ - قَالَ - فَبَقِيَ المؤمن ليس عنده شيء، فَخَرَجَ شَرِيكُهُ الْكَافِرُ وَهُوَ رَاكِبٌ، فَلَمَّا رَآهُ عَرَفَهُ، فَوَقَفَ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَصَافَحَهُ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: أَلَمْ تَأْخُذْ مِنَ الْمَالِ مِثْلَ ما آخذت؟ قال: بلى، قال: وَهَذِهِ حَالِي وَهَذِهِ حَالُكَ؟ قَالَ: أَخْبِرْنِي مَا صَنَعْتَ فِي مَالِكَ؟ قَالَ: أَقْرَضْتُهُ، قَالَ: مَنْ؟ قَالَ: الْمَلِيءَ الْوَفِيَّ، قَالَ: مَنْ؟ قَالَ: اللَّهَ ربي، قال، فَانْتَزَعَ يَدَهُ مِنْ يَدِهِ، ثُمَّ قَالَ: ﴿أَئِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ * أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَدِينُونَ﴾؟ قَالَ السُّدِّيُّ: مُحَاسَبُونَ، قَالَ: فَانْطَلَقَ الكافر وتركه، فلما رآه المؤمن وليس يلوي عليه رجع وتركه وجعل يَعِيشُ الْمُؤْمِنُ فِي شِدَّةٍ مِنَ الزَّمَانِ، وَيَعِيشُ الْكَافِرُ فِي رَخَاءٍ مِنَ الزَّمَانِ، قَالَ: فَإِذَا كان يوم القيامة وأدخل الله تعالى الْمُؤْمِنَ الْجَنَّةَ، يَمُرُّ فَإِذَا هُوَ بِأَرْضٍ وَنَخْلٍ وَثِمَارٍ وَأَنْهَارٍ فَيَقُولُ: لِمَنْ هَذَا؟ فَيُقَالُ: هَذَا لك، فيقول: يا سبحان الله، أو بلغ مِنْ فَضْلِ عَمَلِي أَنْ أُثَابَ بِمِثْلِ هَذَا؟ قَالَ، ثُمَّ يَمُرُّ، فَإِذَا هُوَ بِرَقِيقٍ لَا تُحْصَى عِدَّتُهُمْ، فَيَقُولُ: لِمَنْ

هَذَا فَيُقَالُ: هَؤُلَاءِ لَكَ، فَيَقُولُ: يَا سُبْحَانَ الله، أو بلغ مِنْ فَضْلِ عَمَلِي أَنْ أُثَابَ بِمِثْلِ هَذَا؟ قَالَ: ثُمَّ يَمُرُّ، فَإِذَا هُوَ بِقُبَّةٍ مِنْ يَاقُوتَةٍ حَمْرَاءَ مُجَوَّفَةٍ فِيهَا حَوْرَاءُ عَيْنَاءُ، فَيَقُولُ: لِمَنْ هَذِهِ؟ فَيُقَالُ: هَذِهِ لَكَ، فَيَقُولُ: يَا سبحان الله، أو بلغ مِنْ فَضْلِ عَمَلِي أَنْ أُثَابَ بِمِثْلِ هَذَا؟ قَالَ: ثُمَّ يَذْكُرُ الْمُؤْمِنُ شَرِيكَهُ الْكَافِرَ، فَيَقُولُ: ﴿إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ * يَقُولُ أَئِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ * أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَدِينُونَ﴾، قَالَ، فَالْجَنَّةُ عَالِيَةٌ، وَالنَّارُ هَاوِيَةٌ، قَالَ: فيريه الله تعالى شَرِيكَهُ فِي وَسَطِ الْجَحِيمِ مِنْ بَيْنِ أَهْلِ النَّارِ، فَإِذَا رَآهُ الْمُؤْمِنُ عَرَفَهُ، فَيَقُولُ: ﴿تَاللَّهِ إِن كِدتَّ لَتُرْدِينِ * وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ * أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ إِلَاّ مَوْتَتَنَا الأولى وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ * إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ﴾ بِمَثَلِ ما قد مُنَّ عَلَيْهِ، قَالَ: فَيَتَذَكَّرُ الْمُؤْمِنُ مَا مَرَّ عليه في الدنيا من شدة، فَلَا يَذْكُرُ مِمَّا مَرَّ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا من الشدة أشد عَلَيْهِ مِنَ الموت (أخرجه ابن أبي حاتم).

  • ٦٢ - أَذَلِكَ خَيْرٌ نُّزُلاً أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ
  • ٦٣ - إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ
  • ٦٤ - إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الجحيم
  • ٦٥ - طلعها كأنه رؤوس الشَّيَاطِينِ
  • ٦٦ - فَإِنَّهُمْ لآكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ
  • ٦٧ - ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْباً مِنْ حَمِيمٍ
  • ٦٨ - ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ
  • ٦٩ - إِنَّهُمْ أَلْفَوْاْ آبَآءَهُمْ ضَالِّينَ
  • ٧٠ - فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ

مِيمٍ

  • ٦٨ - ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ
  • ٦٩ - إِنَّهُمْ أَلْفَوْاْ آبَآءَهُمْ ضَالِّينَ
  • ٧٠ - فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ

يَقُولُ الله تعالى: أهذا الذي ذكر مِنْ نَعِيمِ الْجَنَّةِ، وَمَا فِيهَا مِنْ مَآكِلَ وَمُشَارِبَ وَمَنَاكَحَ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمَلَاذِّ خَيْرٌ ضِيَافَةً وَعَطَاءً ﴿أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ﴾ أَيِ الَّتِي في جهنم؟ وقوله ﷿: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِّلظَّالِمِينَ﴾، قَالَ قَتَادَةُ: ذُكِرَتْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ، فَافْتَتَنَ بِهَا أَهْلُ الضَّلَالَةِ، وَقَالُوا صَاحِبُكُمْ يُنْبِئُكُمْ أَنَّ فِي النَّارِ شَجَرَةً وَالنَّارُ تأكل الشجر، فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ في أَصْلِ الجحيم﴾ غذيت مِنَ النَّارِ وَمِنْهَا خُلِقَتْ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِّلظَّالِمِينَ﴾. قَالَ أَبُو جَهْلٍ لَعَنَهُ اللَّهُ: إِنَّمَا الزَّقُّومُ التَّمْرُ وَالزُّبْدُ أَتَزَقَّمُهُ؟ قُلْتُ: وَمَعْنَى الْآيَةِ إِنَّمَا أَخْبَرْنَاكَ يَا مُحَمَّدُ بِشَجَرَةِ الزَّقُّومِ، اخْتِبَارًا تَخْتَبِرُ بِهِ النَّاسَ، مَنْ يُصَدِّقُ منهم ممن يكذب، كقوله ﵎: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَاّ فِتْنَةً لِّلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَاّ طيغاناً كَبِيراً﴾ وقوله تعالى: ﴿إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ﴾ أَيْ أَصْلُ مَنْبَتِهَا فِي قَرَارِ النَّارِ: ﴿طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رؤوس الشياطين﴾ تبشيع لها وتكريه لذكرها، وإنما شبّهها برؤوس الشَّيَاطِينِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مَعْرُوفَةً عِنْدَ الْمُخَاطَبِينَ، لِأَنَّهُ قَدِ اسْتَقَرَّ فِي النُّفُوسِ أَنَّ الشَّيَاطِينَ قبيحة المنظر، وقوله تعالى: ﴿فَإِنَّهُمْ لآكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ﴾، ذَكَرَ تَعَالَى أَنَّهُمْ يَأْكُلُونَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ، الَّتِي لَا أَبْشَعَ مِنْهَا وَلَا أَقْبَحَ مِنْ مَنْظَرِهَا،

ونَ مِنْهَا الْبُطُونَ﴾، ذَكَرَ تَعَالَى أَنَّهُمْ يَأْكُلُونَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ، الَّتِي لَا أَبْشَعَ مِنْهَا وَلَا أَقْبَحَ مِنْ مَنْظَرِهَا، مَعَ مَا هِيَ عَلَيْهِ مِنْ سُوءِ الطَّعْمِ وَالرِّيحِ وَالطَّبْعِ، فَإِنَّهُمْ لَيَضْطَرُّونَ إِلَى الْأَكْلِ مِنْهَا، لأنهم لَا يَجِدُونَ إِلَاّ إياها وما هو فِي مَعْنَاهَا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿لَّيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَاّ مِن ضَرِيعٍ * لَاّ يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي من جوع﴾، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ وَقَالَ: «اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ، فَلَوْ أَنَّ قَطْرَةً مِنَ الزَّقُّومِ قُطِرَتْ فِي بِحَارِ الدُّنْيَا لَأَفْسَدَتْ عَلَى أَهْلِ الْأَرْضِ مَعَايِشَهُمْ، فكيف بمن يكون طعامه؟» (أخرجه الترمذي وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ صَحِيحٌ).

وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْباً مِنْ حَمِيمٍ﴾، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَعْنِي شُرْبَ الحميم على الزقوم، وعنه ﴿شَوْباً مِنْ حَمِيمٍ﴾ مَزْجًا مِنْ حَمِيمٍ، وَقَالَ غَيْرُهُ: يَعْنِي يَمْزُجُ لَهُمُ الْحَمِيمَ بِصَدِيدٍ وَغَسَّاقٍ، مما يسيل من فروجهم وعيونهم، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ ﵁، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: «يُقَرَّبُ - يَعْنِي إِلَى أَهْلِ النَّارِ - مَاءٌ فَيَتَكَرَّهُهُ، فَإِذَا أُدْنِيَ مِنْهُ شَوَى وَجْهَهُ، وَوَقَعَتْ فَرْوَةُ رَأْسِهِ فِيهِ، فَإِذَا شَرِبَهُ قطع أمعاءه، حتى تخرج من دبره» (أخرجه ابن أبي حاتم)، وروى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: «إِذَا جَاعَ أَهْلُ النَّارِ اسْتَغَاثُوا بِشَجَرَةِ الزَّقُّومِ، فَأَكَلُوا مِنْهَا فَاخْتَلَسَتْ جُلُودَ وُجُوهِهِمْ، فَلَوْ أَنَّ ماراً قد مر بهم يعرفهم لعرفهم بوجوههم فِيهَا، ثُمَّ يَصُبُّ عَلَيْهِمُ الْعَطَشَ، فَيَسْتَغِيثُونَ فَيُغَاثُونَ بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ، وَهُوَ الَّذِي قَدِ انْتَهَى حَرُّهُ، فَإِذَا أَدْنَوْهُ مِنْ أَفْوَاهِهِمُ اشْتَوَى مِنْ حَرِّهِ لحوم ووجوههم، التي سَقَطَتْ عَنْهَا الْجُلُودُ وَيُصْهَرُ مَا فِي بُطُونِهِمْ، فَيَمْشُونَ تَسِيلُ أَمْعَاؤُهُمْ، وَتَتَسَاقَطُ جُلُودُهُمْ ثُمَّ يُضْرَبُونَ بِمَقَامِعَ مِنْ حَدِيدٍ، فَيَسْقُطُ كُلُّ عُضْوٍ عَلَى حياله يدعون بالثبور» (هذا حديث موقوف أخرجه ابن أبي حاتم)، وقوله ﷿: ﴿ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لإِلَى الْجَحِيمِ﴾ أَيْ ثُمَّ إِنَّ مَرَدَّهُمْ بَعْدَ هَذَا الْفَصْلِ لَإِلَى نَارٍ تتأجج، وجحيم تتوقد، وسعير تتوهج، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ هَكَذَا تَلَا قَتَادَةُ هَذِهِ الْآيَةَ عِنْدَ هَذِهِ الآية، وهو تفسير حسن قوي، وكان عبد الله (المراد به ابن مسعود ﵁ وهي رواية السدي عنه) ﵁ يَقُولُ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يَنْتَصِفُ النَّهَارُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يَقِيلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ فِي الْجَنَّةِ،

رواية السدي عنه) ﵁ يَقُولُ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يَنْتَصِفُ النَّهَارُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يَقِيلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ فِي الْجَنَّةِ، وَأَهْلُ النَّارِ فِي النَّارِ. ثُمَّ قَرَأَ: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرّاً وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾. وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ أَلْفَوْاْ آبَآءَهُمْ ضَآلِّينَ﴾ أي إنما جازيناه بِذَلِكَ لِأَنَّهُمْ وَجَدُوا آبَاءَهُمْ عَلَى الضَّلَالَةِ، فَاتَّبَعُوهُمْ فِيهَا بِمُجَرَّدِ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ وَلَا بُرْهَانٍ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ﴾ قال مجاهد: شبَّهة بِالْهَرْوَلَةِ، وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: يُسَفَّهُونَ.

  • ٧١ - وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ
  • ٧٢ - وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ
  • ٧٣ - فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ
  • ٧٤ - إِلَاّ عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ

يُخْبِرُ تَعَالَى عَنِ الْأُمَمِ الْمَاضِيَةِ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ كَانُوا ضَالِّينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخرى. وَذَكَرَ تَعَالَى أَنَّهُ أرسل فيهم منذرين ينذرونهم بأس الله، ويحذرونهم سطوته ونقمته، وَأَنَّهُمْ تَمَادَوْا عَلَى مُخَالَفَةِ رُسُلِهِمْ وَتَكْذِيبِهِمْ، فَأَهْلَكَ الله الْمُكَذِّبِينَ وَدَمَّرَهُمْ، وَنَجَّى الْمُؤْمِنِينَ وَنَصَرَهُمْ وَظَفَّرَهُمْ، وَلِهَذَا قال تعالى: ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ إِلَاّ عِبَادَ الله المخلصين﴾.

  • ٧٥ - وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ
  • ٧٦ - وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ
  • ٧٧ - وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ
  • ٧٨ - وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ
  • ٧٩ - سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ
  • ٨٠ - إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ
  • ٨١ - إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ
  • ٨٢ - ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ

ٍ فِي الْعَالَمِينَ

  • ٨٠ - إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ
  • ٨١ - إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ
  • ٨٢ - ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ

لَمَّا ذَكَرَ تَعَالَى عَنْ أَكْثَرِ الْأَوَّلِينَ أَنَّهُمْ ضَلُّوا عَنْ سَبِيلِ النَّجَاةِ شَرَعَ يُبَيِّنُ ذَلِكَ مفصلاً، فذكر نوحاً ﵊ وَمَا لَقِيَ مِنْ قَوْمِهِ مِنَ التَّكْذِيبِ، وَأَنَّهُ لَمْ يُؤْمَنْ مِنْهُمْ إِلَّا الْقَلِيلُ مَعَ طُولِ المدة، لَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا، فَلَمَّا طَالَ عَلَيْهِ ذَلِكَ وَاشْتَدَّ عَلَيْهِ تَكْذِيبُهُمْ، وكلما دعاهم ازدادوا نُفْرة ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مغلوب فانتصر﴾، فغضب الله تعالى لغضبه عليهم، ولهذا قال ﷿: ﴿وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ﴾ لَهُ، ﴿وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ﴾ وَهُوَ التَّكْذِيبُ وَالْأَذَى، ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الباقين﴾ قال ابن عباس: لَمْ تَبْقَ إِلَّا ذُرِّيَّةُ نُوحٍ ﵇، وقال قتادة: النَّاسُ كُلُّهُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ نُوحٍ ﵇، وقد روى الترمذي عَنْ سَمُرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ﴾ قَالَ: سَامٌ وَحَامٌ ويافث، وروى الإمام أحمد، عن سمرة ﵁ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «سَامٌ أَبُو الْعَرَبِ، وَحَامٌ أَبُو الْحَبَشِ، ويافث أبو الروم» (أخرجه الإمام أحمد ورواه الترمذي في السنن)، وقوله ﵎: ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يُذْكَرُ بِخَيْرٍ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: يَعْنِي لِسَانَ صِدْقٍ لِلْأَنْبِيَاءِ كُلِّهِمْ، وَقَالَ قَتَادَةُ وَالسُّدِّيُّ: أَبْقَى اللَّهُ عَلَيْهِ الثَّنَاءَ الْحَسَنَ فِي الْآخَرِينَ، قَالَ الضَّحَّاكُ: السَّلَامُ وَالثَّنَاءُ الْحَسَنُ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ﴾ مُفَسِّرٌ لِمَا أَبْقَى عَلَيْهِ مِنَ الذِّكْرِ الْجَمِيلِ وَالثَّنَاءِ الْحَسَنِ، أَنَّهُ يُسَلِّمُ عَلَيْهِ فِي جَمِيعِ الطَّوَائِفِ وَالْأُمَمِ،

﴾ مُفَسِّرٌ لِمَا أَبْقَى عَلَيْهِ مِنَ الذِّكْرِ الْجَمِيلِ وَالثَّنَاءِ الْحَسَنِ، أَنَّهُ يُسَلِّمُ عَلَيْهِ فِي جَمِيعِ الطَّوَائِفِ وَالْأُمَمِ، ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ أَيْ هَكَذَا نَجْزِي مَنْ أَحْسَنَ من العباد في طاعة الله تعالى، نَجْعَلُ لَهُ لِسَانَ صِدْقٍ يُذَكَرُ بِهِ بَعْدَهُ، ثم قال تعالى: ﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ﴾ أَيِ الْمُصَدِّقِينَ الْمُوَحِّدِينَ الْمُوقِنِينَ، ﴿ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ﴾ أَيْ أَهْلَكْنَاهُمْ فَلَمْ تبق منهم عين تطرف، ولا ذكر وَلَا عَيْنَ وَلَا أَثَرَ، وَلَا يُعَرَفُونَ إِلَّا بِهَذِهِ الصِّفَةِ الْقَبِيحَةِ.

  • ٨٣ - وَإِنَّ مِن شِيعَتِهِ لِإِبْرَاهِيمَ
  • ٨٤ - إِذْ جَآءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ
  • ٨٥ - إِذْ قَالَ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ
  • ٨٦ - أَإِفْكاً آلِهَةً دُونَ الله تُرِيدُونَ
  • ٨٧ - فَمَا ظَنُّكُم بِرَبِّ العالمين

قال ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَإِن مِّنْ شِيعَتِهِ لإِبْرَاهِيمَ﴾ يَقُولُ: مِنْ أَهْلِ دِينِهِ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: عَلَى مِنْهَاجِهِ وَسُنَّتِهِ ﴿إِذْ جَآءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَعْنِي شَهَادَةَ أَنْ لَا إِلَهَ إلا الله، روى ابن أبي حاتم، عن عوف قال: قُلْتُ لِمُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ "مَا الْقَلْبُ السَّلِيمُ؟ قَالَ: يَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ حَقٌّ، وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا، وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَّن فِي القبور" (أخرجه ابن أبي حاتم من كلام ابن سيرين)، وقال الحسن: سليم من الشرك، ثمَّ قال تعالى: ﴿إِذْ قَالَ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ﴾؟ أَنْكَرَ عليهم عبادة الأصنام والأنداد، ولهذا قال ﷿: ﴿أَإِفْكاً آلِهَةً دُونَ الله تُرِيدُونَ * فَمَا ظَنُّكُم بِرَبِّ العالمين﴾؟ قال قتادة: يعني ما ظنكم أنه فاعل بكم إذا لا قيتموه وقد عبدتم معه غيره؟.

  • ٨٨ - فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ
  • ٨٩ - فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ
  • ٩٠ - فَتَوَلَّوْاْ عَنْهُ مُدْبِرِينَ
  • ٩١ - فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلا تَأْكُلُونَ
  • ٩٢ - مَا لَكُمْ لَا تَنْطِقُونَ
  • ٩٣ - فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً بِالْيَمِينِ
  • ٩٤ - فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ
  • ٩٥ - قَالَ أَتَعْبُدُونَ

مَا تَنْحِتُونَ

  • ٩٦ - وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ
  • ٩٧ - قَالُواْ ابْنُوا لَهُ بُنْيَاناً فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ
  • ٩٨ - فَأَرَادُواْ بِهِ كَيْداً فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ

وَمَا تَعْمَلُونَ

  • ٩٧ - قَالُواْ ابْنُوا لَهُ بُنْيَاناً فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ
  • ٩٨ - فَأَرَادُواْ بِهِ كَيْداً فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ

إِنَّمَا قَالَ إِبْرَاهِيمُ ﵊ لِقَوْمِهِ ذَلِكَ، لِيُقِيمَ فِي الْبَلَدِ إِذَا ذَهَبُوا إِلَى عِيدِهِمْ، فَإِنَّهُ كَانَ قد أزف خروجهم إلى عيدهم، فَأَحَبَّ أَنْ يَخْتَلِيَ بِآلِهَتِهِمْ لِيَكْسِرَهَا، فَقَالَ لَهُمْ كَلَامًا هُوَ حَقٌّ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، فَهِمُوا مِنْهُ أَنَّهُ سَقِيمٌ عَلَى مُقْتَضَى مَا يَعْتَقِدُونَهُ، ﴿فَتَوَلَّوْاْ عَنْهُ مُدْبِرِينَ﴾. قَالَ قَتَادَةُ: وَالْعَرَبُ تَقُولُ لِمَنْ تَفَكَّرَ: نَظَرَ فِي النُّجُومِ، يَعْنِي قَتَادَةُ أنه نظر إلى السَّمَاءِ مُتَفَكِّرًا فِيمَا يُلْهِيهِمْ بِهِ، فَقَالَ: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ أي ضعيف، فأما قوله ﵇: "لم يكذب إبراهيم ﵇ غَيْرَ ثَلَاثِ كَذْبَاتٍ: ثِنْتَيْنِ فِي ذَاتِ اللَّهِ تعالى، قَوْلُهُ: [﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾، وَقَوْلُهُ: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا﴾، وَقَوْلُهُ فِي سَارَةَ: (هِيَ أُخْتِي)] فَهُوَ حَدِيثٌ مخرج في الصحاح والسنن، ولكن ليس مِنْ بَابِ الْكَذِبِ الْحَقِيقِيِّ الَّذِي يُذَمُّ فَاعِلُهُ حاشا وكلا؛ وَإِنَّمَا هُوَ مِنَ الْمَعَارِيضِ فِي الْكَلَامِ لِمَقْصِدٍ شَرْعِيٍّ دِينِيٍّ كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: «إِنَّ في المعاريض لمندوحة عن الكذب».

لا؛ وَإِنَّمَا هُوَ مِنَ الْمَعَارِيضِ فِي الْكَلَامِ لِمَقْصِدٍ شَرْعِيٍّ دِينِيٍّ كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: «إِنَّ في المعاريض لمندوحة عن الكذب». قال ابن الْمُسَيَّبِ: رَأَى نَجْمًا طَلَعَ فَقَالَ: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ كَابَدَ نَبِيُّ اللَّهِ عَنْ دِينِهِ ﴿فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ﴾، وَقِيلَ: أَرَادَ ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ أَيْ مَرِيضُ الْقَلْبِ من عبادتكم الأوثان من دون الله تعالى، وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: خَرَجَ قَوْمُ إِبْرَاهِيمَ إِلَى عِيدِهِمْ فَأَرَادُوهُ عَلَى الْخُرُوجِ، فَاضْطَجَعَ عَلَى ظَهْرِهِ، وَقَالَ: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ وَجَعَلَ يَنْظُرُ فِي السَّمَاءِ، فَلَمَّا خَرَجُوا أَقْبَلَ إِلَى آلِهَتِهِمْ فَكَسَرَهَا (رَوَاهُ ابن أبي حاتم عن الحسن البصري)، ولهذا قال تعالى: ﴿فَتَوَلَّوْاْ عَنْهُ مُدْبِرِينَ﴾، وقوله تعالى: ﴿فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ﴾ أَيْ ذَهَبَ إِلَيْهَا بَعْدَ ما خَرَجُوا فِي سُرْعَةٍ وَاخْتِفَاءٍ، ﴿فَقَالَ أَلا تَأْكُلُونَ﴾؟ وَذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا قَدْ وَضَعُوا بَيْنَ أَيْدِيهَا طَعَامًا قُرْبَانًا لِتُبَرِّكَ لَهُمْ فِيهِ، قَالَ السُّدِّيُّ: دَخَلَ إِبْرَاهِيمُ ﵇ إِلَى بَيْتِ الْآلِهَةِ، فإذا هم في بهو عظيم، وإذا مسقبل باب البهو صنم عظيم، إلى جنبه أصغر منه، بعضها إلى جنب بعضن كُلُّ صَنَمٍ يَلِيهِ أَصْغَرُ مِنْهُ حَتَّى بَلَغُوا بَابَ الْبَهْوِ، وَإِذَا هُمْ قَدْ جَعَلُوا طَعَامًا ووضعوه بَيْنَ أَيْدِي الْآلِهَةِ، وَقَالُوا: إِذَا كَانَ حِينَ نَرْجِعُ وَقَدْ بَرَّكَتِ الْآلِهَةُ

بَ الْبَهْوِ، وَإِذَا هُمْ قَدْ جَعَلُوا طَعَامًا ووضعوه بَيْنَ أَيْدِي الْآلِهَةِ، وَقَالُوا: إِذَا كَانَ حِينَ نَرْجِعُ وَقَدْ بَرَّكَتِ الْآلِهَةُ فِي طَعَامِنَا أَكَلْنَاهُ، فلما نظر إبراهيم ﵊ إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ مِنَ الطَّعَامِ قَالَ: ﴿أَلَا تَأْكُلُونَ * مَا لَكُمْ لَا تَنطِقُونَ﴾، وَقَوْلُهُ تعالى: ﴿فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً بِالْيَمِينِ﴾ قَالَ الْفَرَّاءُ: مَعْنَاهُ مَالَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً بِالْيَمِينِ، وَقَالَ قَتَادَةُ وَالْجَوْهَرِيُّ: فَأَقْبَلَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً بِالْيَمِينِ؛ وَإِنَّمَا ضَرَبَهُمْ بِالْيَمِينِ لِأَنَّهَا أَشَدُّ وَأَنْكَى، وَلِهَذَا تَرَكَهُمْ جُذَاذاً إِلَاّ كَبِيراً لَّهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ، كَمَا تَقَدَّمَ في سورة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام تفسير ذلك. وقوله تعالى ههنا: ﴿فأقبلوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ﴾ قال مجاهد: أي يسرعون، فَلَمَّا جَاءُوا لِيُعَاتِبُوهُ أَخْذَ فِي تَأْنِيبِهِمْ وَعَيْبِهِمْ فَقَالَ: ﴿أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ﴾؟ أَيْ أَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله من الأصنام ما أنتم تنحونها وَتَجْعَلُونَهَا بِأَيْدِيكُمْ؟ ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ يُحْتَمَلُ أن تكون (ما) مصدرية، فيكون الكلام: خَلَقَكُمْ وَعَمَلَكُمْ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ بِمَعْنَى (الَّذِي) تَقْدِيرُهُ وَاللَّهُ خَلْقَكُمْ وَالَّذِي تَعْمَلُونَهُ، وَكِلَا الْقَوْلَيْنِ متلازم، والأول أظهر، لما رواه البخاري عن حذيفة رضي الله عنه مرفوعاً قال: «إن الله تعالى يصنع كل صانع وصنعته» فَعِنْدَ ذَلِكَ لَمَّا قَامَتْ عَلَيْهِمُ الْحُجَّةُ عَدَلُوا إِلَى أَخْذِهِ بِالْيَدِ وَالْقَهْرِ فَقَالُوا: ﴿ابْنُوا لَهُ بُنْيَاناً فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ﴾، وَكَانَ مِنْ أَمْرِهِمْ مَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ

فِي سُورَةِ الْأَنْبِيَاءِ، وَنَجَّاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ، وَأَظْهَرَهُ عَلَيْهِمْ، وَأَعْلَى حَجَّتَهُ وَنَصَرَهَا، وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَأَرَادُواْ بِهِ كَيْداً فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ﴾.

  • ٩٩ - وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ
  • ١٠٠ - رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ
  • ١٠١ - فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ
  • ١٠٢ - فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَآءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ
  • ١٠٣ - فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ
  • ١٠٤ - وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ
  • ١٠٥ - قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ
  • ١٠٦ - إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ
  • ١٠٧ - وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ
  • ١٠٨ - وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ
  • ١٠٩ - سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ
  • ١١٠ - كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ
  • ١١١ - إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ
  • ١١٢ - وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيّاً مِنَ الصَّالِحِينَ
  • ١١٣ - وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِن ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ مُّبِينٌ

ِإِسْحَاقَ نَبِيّاً مِنَ الصَّالِحِينَ

  • ١١٣ - وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِن ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ مُّبِينٌ

يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ خليله إبراهيم ﵊، إِنَّهُ بعدما نصره الله تعالى على قومه، وأيس من إيمانهم بعد ما شَاهَدُوا مِنَ الْآيَاتِ الْعَظِيمَةِ، هَاجَرَ مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِهِمْ وَقَالَ: ﴿إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ * رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ يَعْنِي أَوْلَادًا مطيعين يكونون عِوَضًا مِنْ قَوْمِهِ وَعَشِيرَتِهِ الَّذِينَ فَارَقَهُمْ، قَالَ الله تعالى: ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ﴾ هذا الْغُلَامُ هُوَ (إِسْمَاعِيلُ) ﵇، فَإِنَّهُ أَوَّلُ وَلَدٍ بُشِّرَ بِهِ إِبْرَاهِيمُ ﵇، وَهُوَ أَكْبَرُ مِنْ إِسْحَاقَ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ وَأَهْلِ الْكِتَابِ، بَلْ فِي نَصِّ كِتَابِهِمْ أَنَّ إِسْمَاعِيلَ وُلِدَ وَلِإِبْرَاهِيمَ ﵇ سِتٌّ وَثَمَانُونَ سَنَةً، وَوُلِدَ إسحاق وفي عمر إبراهيم ﵊ تسع وتسعون سنة، وعندهم أن الله ﵎ أَمَرَ إِبْرَاهِيمَ أَنْ يَذْبَحَ ابْنَهُ وَحِيدَهُ، وَفِي نسخة أخرى: بكره، فأقحموا ههنا كَذِبًا وَبُهْتَانًا (إِسْحَاقَ) وَلَا يَجُوزُ هَذَا لِأَنَّهُ مُخَالِفٌ لِنَصِّ كِتَابِهِمْ، وَإِنَّمَا أَقْحَمُوا إِسْحَاقَ لِأَنَّهُ أبوهم، وإسماعيل أبو العرب، فحسدوهم، وَقَدْ ذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ إِلَى أَنَّ الذَّبِيحَ هُوَ (إِسْحَاقُ) وَحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ طَائِفَةٍ مِنَ السَّلَفِ، حَتَّى نُقِلَ عَنْ بَعْضِ الصحابة ﵃ أَيْضًا، وَلَيْسَ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ وَلَا سُنَّةٍ، وَمَا أَظُنُّ ذَلِكَ تُلُقِّيَ إِلَّا عَنْ أَحْبَارِ أَهْلِ الْكِتَابِ وَأُخِذَ ذَلِكَ مُسَلَّماً مِنْ غَيْرِ حُجَّةٍ، وَهَذَا كِتَابُ اللَّهِ شَاهِدٌ وَمُرْشِدٌ إِلَى أنه إسماعيل، فإنه ذكر البشارة بغلام حليم، وَذَكَرَ أَنَّهُ الذَّبِيحُ، ثُمَّ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيّاً مِّنَ الصَّالِحِينَ﴾،

اعيل، فإنه ذكر البشارة بغلام حليم، وَذَكَرَ أَنَّهُ الذَّبِيحُ، ثُمَّ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيّاً مِّنَ الصَّالِحِينَ﴾، وَلَمَّا بَشَّرَتِ الْمَلَائِكَةُ إِبْرَاهِيمَ بِإِسْحَاقَ قَالُوا ﴿إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ﴾، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِن وَرَآءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ أَيْ يولد فِي حَيَاتِهِمَا وَلَدٌ يُسَمَّى يَعْقُوبُ فَيَكُونُ مِنْ ذريته عقب ونسل، فَكَيْفَ يُمْكِنُ بُعْدَ هَذَا أَنْ يُؤْمَرَ بِذَبْحِهِ صغيراً؟ وإسماعيل وصف ههنا بالحليم لأنه مناسب لهذا المقام، وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ﴾ أَيْ كَبِرَ وَتَرَعْرَعَ وصار يذهب مع أبيه ويمشي معه، قال ابن عباس ومجاهد: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السعي﴾ بمعنى شَبَّ وَارْتَحَلَ، وَأَطَاقَ مَا يَفْعَلُهُ أَبُوهُ مِنَ السعي والعمل ﴿قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى﴾ قَالَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ: رُؤْيَا الْأَنْبِيَاءِ وَحْيٌ، ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى﴾؟، وَإِنَّمَا أَعْلَمُ ابْنَهُ بِذَلِكَ لِيَكُونَ أَهْوَنَ عَلَيْهِ، وليختبر صبره وجلده وعزمه في صِغَرِهِ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَطَاعَةِ أَبِيهِ ﴿قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤمَرُ﴾ أَيِ امض

لِمَا أَمَرَكَ اللَّهُ مِنْ ذَبْحِي، ﴿سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ أَيْ سَأَصْبِرُ وَأَحْتَسِبُ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ ﷿، وَصَدَقَ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ فِيمَا وَعَدَ، وَلِهَذَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الوعد وَكَانَ رَسُولاً نَّبِيّاً﴾، قال تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ أَيْ فَلَمَّا تَشَهَّدَا وَذَكَرَا اللَّهَ تَعَالَى (إِبْرَاهِيمُ) عَلَى الذَّبْحِ و (الولد) شَهَادَةِ الْمَوْتِ، وَقِيلَ: ﴿أَسْلَمَا﴾ يَعْنِي اسْتَسْلَمَا وَانْقَادَا، إبراهيم امتثل أمر الله تعالى وإسماعيل طاعة لله ولأبيه (قاله مجاهد وعكرمة وقتادة والسدي وهو الأظهر)، ومعنى ﴿تلّه لِلْجَبِينِ﴾: أَيْ صَرَعَهُ عَلَى وَجْهِهِ لِيَذْبَحَهُ مِنْ قَفَاهُ، وَلَا يُشَاهِدَ وَجْهَهُ عِنْدَ ذَبْحِهِ لِيَكُونَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ، قال ابن عباس: ﴿وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ أكبه على وجهه (وهو قول مجاهد وسعيد بن جبير والضحاك وقتادة). عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّهُ قال: لما أمر إبراهيم ﵇ بِالْمَنَاسِكِ عَرَضَ لَهُ الشَّيْطَانُ عِنْدَ السَّعْيِ فَسَابَقَهُ، فسبقه إبراهيم ﵊، ثم ذهب به جبريل ﵇ إِلَى جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ، فَعَرَضَ لَهُ الشَّيْطَانُ، فَرَمَاهُ بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، حَتَّى ذَهَبَ، ثُمَّ عَرَضَ لَهُ عِنْدَ الْجَمْرَةِ الْوُسْطَى، فَرَمَاهُ بِسَبْعِ حَصَيَاتِ، وَثَمَّ تلَّه للجبين، وعلى إسماعيل ﵊ قَمِيصٌ أَبْيَضُ: فَقَالَ لَهُ يَا أَبَتِ إِنَّهُ ليس لي ثوب تكفني فيه غيره، فاخلعه حتى تكفني فِيهِ، فَعَالَجَهُ لِيَخْلَعَهُ، فَنُودِيَ مِنْ خَلْفِهِ: ﴿أَن يَا إِبْرَاهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾ فَالْتَفَتَ إِبْرَاهِيمُ، فإذا بكبش أبيض أقرن أعين (هذا جزء من حديث رواه الإمام أحمد عن ابن عباس موقوفاً).

َا إِبْرَاهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾ فَالْتَفَتَ إِبْرَاهِيمُ، فإذا بكبش أبيض أقرن أعين (هذا جزء من حديث رواه الإمام أحمد عن ابن عباس موقوفاً). وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾ أَيْ قَدْ حَصَلَ الْمَقْصُودُ مِنْ رُؤْيَاكَ بِإِضْجَاعِكَ وَلَدَكَ لِلذَّبْحِ، وَذَكَرَ السُّدِّيُّ وَغَيْرُهُ أَنَّهُ أمرَّ السِّكِّينَ عَلَى رَقَبَتِهِ فَلَمْ تَقْطَعْ شيئاً، بل حال بينها وبينه صفحة من نحاس، ونودي إبراهيم ﵊ عند ذلك ﴿قد صَدَّقْتَ الرؤيآ﴾، وقوله تعالى: ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ أَيْ هَكَذَا نَصْرِفُ عَمَّنْ أَطَاعَنَا الْمَكَارِهَ وَالشَّدَائِدَ، وَنَجْعَلُ لَهُمْ مِنْ أَمْرِهِمْ فَرَجًا وَمَخْرَجًا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يحتسب﴾، قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ﴾ أَيِ الِاخْتِبَارُ الْوَاضِحُ الْجَلِيُّ حَيْثُ أُمِرَ بِذَبْحِ وَلَدِهِ فَسَارَعَ إِلَى ذَلِكَ، مُسْتَسْلِمًا لِأَمْرِ اللَّهِ تعالى مُنْقَادًا لِطَاعَتِهِ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وفى﴾، وقوله تعالى: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ عن علي ﵁ قال: بكبش أبيض أقرن قد ربط بسمرة، وقال ابن عباس ﵄: كَبْشٌ قَدْ رَعَى فِي الْجَنَّةِ أَرْبَعِينَ خَرِيفًا، وَرُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أَنَّهُ قَالَ: كَانَ الكبش يرتع في الجنة، حتى شقق عنه ثبير، وكان عليه عهن أحمر (ذكر أن الكبش هو الذي قر به ابن آدم وكان في الجنة حتى فدي به إسماعيل وهو منقول عن بعض السلف)، قال مجاهد: ذبحه بمنى عند النحر، وقال الثوري، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ قال: وعل، وقال الحسن: ما فدي إسماعيل ﵇ إِلَّا بِتَيْسٍ مِنَ الْأَرْوَى، أُهْبِطَ عَلَيْهِ مِنْ ثبير. (ذكر الآثار الواردة بأنه إسماعيل ﵊ وهو الصحيح المقطوع به). تقدمت الرواية عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّهُ إسحاق ﵊، وروى مجاهد وعطاء وغير

ْهِ مِنْ ثبير. (ذكر الآثار الواردة بأنه إسماعيل ﵊ وهو الصحيح المقطوع به). تقدمت الرواية عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّهُ إسحاق ﵊، وروى مجاهد وعطاء وغير

واحد عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّهُ (إسماعيل) ﵊، وروى ابن جرير عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: الْمُفْدَى إِسْمَاعِيلُ ﵇، وزعمت اليهود أنه إسحاق وكذبت اليهود، وروى مجاهد، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: الذبيح إسماعيل، وقال مجاهد: هو إسماعيل ﵊، وَقَدْ رَأَيْتُ قَرْنَيِ الْكَبْشِ فِي الْكَعْبَةِ، وَقَالَ محمد بن إسحاق، عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ: أَنَّهُ كَانَ لَا يَشُكُّ فِي ذَلِكَ أَنَّ الَّذِي أُمِرَ بِذَبْحِهِ مِنِ ابني إبراهيم (إسماعيل) ﵇، قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَسَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ كَعْبٍ الْقُرَظِيَّ وَهُوَ يَقُولُ: إِنَّ الَّذِي أَمَرَ اللَّهُ تعالى إِبْرَاهِيمَ بِذَبْحِهِ مِنِ ابْنَيْهِ (إِسْمَاعِيلُ) وَإِنَّا لَنَجِدُ ذلك في كتاب الله تعالى، وذلك أن الله تعالى حِينَ فَرَغَ مِنْ قِصَّةِ الْمَذْبُوحِ مِنِ ابنَيْ إبراهيم قال تعالى: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيّاً مِّنَ الصالحين﴾، ويقول اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِن وَرَآءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ يَقُولُ: بِابْنٍ، وَابْنِ ابْنٍ، فَلَمْ يَكُنْ ليأمره بذبح إسحاق وله فيه من الْمَوْعِدُ بِمَا وَعَدَهُ، وَمَا الَّذِي أَمَرَ بِذَبْحِهِ إلا إسماعيل، قال ابن إسحاق: سمعته يقول ذلك كثيراً.

مْ يَكُنْ ليأمره بذبح إسحاق وله فيه من الْمَوْعِدُ بِمَا وَعَدَهُ، وَمَا الَّذِي أَمَرَ بِذَبْحِهِ إلا إسماعيل، قال ابن إسحاق: سمعته يقول ذلك كثيراً. وقال ابن إسحاق، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ: أَنَّهُ حَدَّثَهُمْ أَنَّهُ ذَكَرَ ذَلِكَ لِعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ﵁ وَهُوَ خَلِيفَةٌ إِذْ كَانَ مَعَهُ بِالشَّامِ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ مَا كُنْتُ أَنْظُرُ فِيهِ، وَإِنِّي لَأَرَاهُ كَمَا قُلْتَ، ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَى رَجُلٍ كَانَ عِنْدَهُ بِالشَّامِ كَانَ يَهُودِيًّا، فَأَسْلَمَ وَحَسُنَ إِسْلَامُهُ، وَكَانَ يَرَى أَنَّهُ من علمائهم، فسأله عمر ابن عبد العزيز ﵁ عَنْ ذَلِكَ، قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: وَأَنَا عِنْدَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ فَقَالَ لَهُ عمر: أيُّ ابن إِبْرَاهِيمَ أُمِرَ بِذَبْحِهِ؟ فَقَالَ: إِسْمَاعِيلُ وَاللَّهِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، وَإِنَّ يَهُودَ لَتَعْلَمُ بِذَلِكَ، وَلَكِنَّهُمْ يَحْسُدُونَكُمْ مَعْشَرَ الْعَرَبِ عَلَى أَنْ يَكُونَ أَبَاكُمُ الَّذِي كَانَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ فِيهِ، وَالْفَضْلُ الذي ذكر الله تعالى مِنْهُ لِصَبْرِهِ لِمَا أُمِرَ بِهِ فَهُمْ يَجْحَدُونَ ذلك، ويزعمون أنه إسحاق، لأن إِسْحَاقَ أَبُوهُمْ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَيُّهُمَا كَانَ، وَكُلٌّ قَدْ كَانَ طَاهِرًا طَيِّبًا مُطِيعًا لِلَّهِ ﷿ (ذهب ابن جرير الطبري إلى أن الذبيح هو (إسحاق) وهو قول لبعض علماء السلف وإحدى الروايات عن ابن عباس ﵄ ورواية عن كعب الأحبار، والصحيح كما قال ابن كثير أن الذبيح هو (إسماعيل) للآثار الكثيرة الواردة وظاهر القرآن الكريم كما في رواية ابن إسحاق، والله أعلم.)، وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ ﵀: سَأَلْتُ أَبِي عَنِ الذَّبِيحِ، هل هُوَ إِسْمَاعِيلُ أَوْ إِسْحَاقُ؟ فَقَالَ: إِسْمَاعِيلُ (ذَكَرَهُ ابن حنبل فِي كِتَابِ الزُّهْدِ.).

نِ حَنْبَلٍ ﵀: سَأَلْتُ أَبِي عَنِ الذَّبِيحِ، هل هُوَ إِسْمَاعِيلُ أَوْ إِسْحَاقُ؟ فَقَالَ: إِسْمَاعِيلُ (ذَكَرَهُ ابن حنبل فِي كِتَابِ الزُّهْدِ.). وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَسَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: الصَّحِيحُ أَنَّ الذَّبِيحَ إِسْمَاعِيلُ ﵊، قَالَ: وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ، وَابْنِ عُمَرَ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَبِي الطُّفَيْلِ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَالْحَسَنِ، وَمُجَاهِدٍ، وَالشَّعْبِيِّ، وَمُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ، وَأَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، وأبي صالح ﵃ أنهم قالوا: الذبيح إسماعيل، وَإِنَّمَا عَوَّلَ ابْنُ جَرِيرٍ فِي اخْتِيَارِهِ أَنَّ الذَّبِيحَ إِسْحَاقُ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ﴾ فَجَعَلَ هَذِهِ الْبِشَارَةَ هِيَ الْبِشَارَةُ بِإِسْحَاقَ في قوله تعالى: ﴿وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عليم﴾، وَلَيْسَ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ بِمَذْهَبٍ وَلَا لَازِمٍ، بَلْ هُوَ بَعِيدٌ جِدًّا، وَالَّذِي اسْتَدَلَّ بِهِ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ الْقُرَظِيُّ عَلَى أَنَّهُ (إِسْمَاعِيلُ) أثبت وأصح وأقوى، والله أعلم. وقوله تعالى: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيّاً مِّنَ الصَّالِحِينَ﴾ لَمَّا تَقَدَّمَتِ الْبِشَارَةُ بِالذَّبِيحِ وَهُوَ إِسْمَاعِيلُ عَطَفَ بِذِكْرِ الْبِشَارَةِ بِأَخِيهِ إِسْحَاقَ وَقَدْ ذَكَرْتُ فِي سُورَتَيْ هُودٍ والحجر، وقوله تعالى: ﴿نَبِيّاً﴾ أي سيصير منه نبي صالح، قال

ابن عباس: بشر بنبوته، حين ولد، وحين نبئ، وقال قتادة في قوله تعالى: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيّاً مِّنَ الصَّالِحِينَ﴾ قَالَ: بَعْدَ مَا كَانَ مِنْ أَمْرِهِ لَمَّا جَادَ لِلَّهِ تعالى بنفسه، وقوله تعالى: ﴿وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِن ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ مُبِينٌ﴾ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِّنَّا وَبَركَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِّمَّن مَّعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.

  • ١١٤ - وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ
  • ١١٥ - وَنَجَّيْنَاهُمَا وَقَوْمَهُمَا مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ - ١١٦ - وَنَصَرْنَاهُمْ فَكَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ
  • ١١٧ - وَآتَيْنَاهُمَا الْكِتَابَ الْمُسْتَبِينَ
  • ١١٨ - وَهَدَيْنَاهُمَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ
  • ١١٩ - وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِي الْآخِرِينَ
  • ١٢٠ - سَلَامٌ عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ
  • ١٢١ - إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ
  • ١٢٢ - إِنَّهُمَا مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ

الْآخِرِينَ

  • ١٢٠ - سَلَامٌ عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ
  • ١٢١ - إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ
  • ١٢٢ - إِنَّهُمَا مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ

يَذْكُرُ تَعَالَى مَا أَنْعَمَ بِهِ عَلَى (موسى) و (هارون) مِنَ النُّبُوَّةِ، وَالنَّجَاةِ بِمَنْ آمَنَ مَعَهُمَا مِنْ قهر فرعون وقومه، وما كان يعتمد فِي حَقِّهِمْ مِنَ الْإِسَاءَةِ الْعَظِيمَةِ، مِنْ قَتْلِ الأنبياء وَاسْتِحْيَاءِ النِّسَاءِ، وَاسْتِعْمَالِهِمْ فِي أَخَسِّ الْأَشْيَاءِ، ثُمَّ بَعْدَ هَذَا كُلِّهِ نَصَرَهُمْ عَلَيْهِمْ وَأَقَرَّ أَعْيُنَهُمْ مِنْهُمْ، فَغَلَبُوهُمْ وَأَخَذُوا أَرْضَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ، وَمَا كَانُوا جمعوه طوال حياتهم، ثم أنزل الله ﷿ عَلَى مُوسَى الْكِتَابَ الْعَظِيمَ، الْوَاضِحَ الْجَلِيَّ الْمُسْتَبِينَ وَهُوَ (التَّوْرَاةُ) كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا موسى وهارون الفرقان ضياء﴾. وقال ﷿ ههنا: ﴿وَآتَيْنَاهُمَا الْكِتَابَ الْمُسْتَبِينَ وَهَدَيْنَاهُمَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ أَيْ فِي الْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ، ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِي الْآخِرِينَ﴾ أَيْ أَبْقَيْنَا لَهُمَا مِنْ بَعْدِهِمَا ذِكْرًا جَمِيلًا، وثناء حسناً، ثم فسره بقوله تعالى: ﴿سَلَامٌ عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ * إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّهُمَا مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ﴾.

  • ١٢٣ - وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ
  • ١٢٤ - إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَلَا تَتَّقُونَ
  • ١٢٥ - أَتَدْعُونَ بَعْلاً وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ
  • ١٢٦ - اللَّهَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَآئِكُمُ الْأَوَّلِينَ
  • ١٢٧ - فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ
  • ١٢٨ - إِلَاّ عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ
  • ١٢٩ - وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ
  • ١٣٠ - سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ
  • ١٣١ - إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ
  • ١٣٢ - إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ

هِ فِي الْآخِرِينَ

  • ١٣٠ - سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ
  • ١٣١ - إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ
  • ١٣٢ - إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ

قال قتادة: يقال إلياس هو إدريس، وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: إِلْيَاسُ هُوَ إِدْرِيسُ، وَكَذَا قَالَ الضَّحَّاكُ، وَقَالَ وَهْبُ بْنُ منبه: هو إلياس بن نسي بن فنحاص، بعثه الله تعالى فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ بَعْدَ (حِزْقِيلَ) ﵉، وَكَانُوا قَدْ عَبَدُوا صَنَمًا يُقَالُ لَهُ بَعْلٌ، فدعاهم إلى الله تعالى، وَنَهَاهُمْ عَنْ عِبَادَةِ مَا سِوَاهُ، وَكَانَ قَدْ آمَنَ بِهِ مَلِكُهُمْ، ثُمَّ ارْتَدَّ، وَاسْتَمَرُّوا عَلَى ضَلَالَتِهِمْ، وَلَمْ يُؤْمِنْ بِهِ مِنْهُمْ أَحَدٌ، فَدَعَا اللَّهَ عَلَيْهِمْ فَحَبَسَ عَنْهُمُ الْقَطْرَ ثَلَاثَ سِنِينَ، ثم سألوه أن يكشف ذلك عنهم ووعده بالإيمان بِهِ إِنْ هُمْ أَصَابَهُمُ الْمَطَرُ، فَدَعَا اللَّهَ تعالى لَهُمْ، فَجَاءَهُمُ الْغَيْثُ، فَاسْتَمَرُّوا عَلَى أَخْبَثِ مَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنَ الْكُفْرِ، فَسَأَلَ اللَّهَ أَنْ يَقْبِضَهُ إِلَيْهِ، وَكَانَ قَدْ نَشَأَ عَلَى يَدَيْهِ (اليسع بن أخطوب) ﵉.

َلَى أَخْبَثِ مَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنَ الْكُفْرِ، فَسَأَلَ اللَّهَ أَنْ يَقْبِضَهُ إِلَيْهِ، وَكَانَ قَدْ نَشَأَ عَلَى يَدَيْهِ (اليسع بن أخطوب) ﵉.

﴿إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَلَا تَتَّقُونَ﴾ أي ألا تخافون الله ﷿ فِي عِبَادَتِكُمْ غَيْرَهُ، ﴿أَتَدْعُونَ بَعْلاً وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الخالقين﴾؟ قال ابن عباس ومجاهد: ﴿بَعْلاً﴾ يعني رباً، قال عكرمة وقتادة: وهي لغة أهل اليمن، وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: أَخْبَرَنِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّهُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ امْرَأَةً اسْمُهَا بَعْلٌ، وَقَالَ عبد الرحمن بن زيد: هُوَ اسْمُ صَنَمٍ كَانَ يَعْبُدُهُ أَهْلُ مَدِينَةٍ يُقَالُ لَهَا بَعْلَبَكُّ غَرْبِيَّ دِمَشْقَ، وَقَالَ الضَّحَّاكُ: هو صنم كانوا يعبدونه، وقوله تعالى: ﴿أَتَدْعُونَ بَعْلاً﴾؟ أَيْ أَتَعْبُدُونَ صَنَمًا، ﴿وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ * اللَّهَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَآئِكُمُ الْأَوَّلِينَ﴾ أَيْ هُوَ الْمُسْتَحِقُّ لِلْعِبَادَةِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾ أَيْ لِلْعَذَابِ يَوْمَ الْحِسَابِ ﴿إِلَاّ عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ أي الموحدين منهم، وهذا استثناء منقطع، وقوله تعالى: ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ﴾ أَيْ ثَنَاءً جَمِيلًا ﴿سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ﴾، كَمَا يُقَالُ فِي إسماعيل إسماعين، وهي لغة بني أسد، وقوله تعالى: ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا المؤمنين﴾ قد تقدم تفسيره والله أعلم.

Bagian 108 dari 141