Mukhtashar Tafsir Ibnu Katsir

Ringkasan tafsir Ibnu Katsir, riwayat dan tafsir bil-ma’tsur.

Bagian 109 dari 141

— Bagian 109 · يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ عَبْدِهِ وَرَسُولِهِ (لُو… —

Bagian 109

  • ١٣٣ - وَإِنَّ لُوطًا لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ
  • ١٣٤ - إِذْ نَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ
  • ١٣٥ - إِلَاّ عَجُوزاً فِي الْغَابِرِينَ
  • ١٣٦ - ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ
  • ١٣٧ - وَإِنَّكُمْ لَّتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ
  • ١٣٨ - وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ

يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ عَبْدِهِ وَرَسُولِهِ (لُوطٍ) ﵇ أَنَّهُ بَعَثَهُ إِلَى قَوْمِهِ فَكَذَّبُوهُ، فنجاه الله تعالى مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِهِمْ هُوَ وَأَهْلَهُ إِلَاّ امْرَأَتَهُ، فَإِنَّهَا هَلَكَتْ مَعَ مَنْ هَلَكَ مِنْ قَوْمِهَا، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَهْلَكَهُمْ بِأَنْوَاعٍ مِنَ الْعُقُوبَاتِ وَجَعَلَ مَحِلَّتَهُمْ مِنَ الْأَرْضِ بُحَيْرَةً مُنْتِنَةً قَبِيحَةَ المنظر والطعم والريح (اشتهرت بتسميتها (بحيرة لوط) وهي قريبة من شرقِ الأردن)، وَجَعَلَهَا بِسَبِيلٍ مُقِيمٍ يَمُرُّ بِهَا الْمُسَافِرُونَ لَيْلًا ونهاراً، ولهذا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّكُمْ لَّتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُّصْبِحِينَ * وَبِالَّليْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾؟ أَيْ أَفَلَا تَعْتَبِرُونَ بِهِمْ كَيْفَ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَتَعْلَمُونَ أَنَّ لِلْكَافِرِينَ أَمْثَالَهَا .. ؟

  • ١٣٩ - وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ
  • ١٤٠ - إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ
  • ١٤١ - فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ
  • ١٤٢ - فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ
  • ١٤٣ - فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ
  • ١٤٤ - لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ
  • ١٤٥ - فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ
  • ١٤٦ - وَأَنبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ
  • ١٤٧ - وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ
  • ١٤٨ - فَآمَنُواْ فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ

َتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ

  • ١٤٧ - وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ
  • ١٤٨ - فَآمَنُواْ فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ

قَدْ تَقَدَّمَتْ قصة يونس ﵊ فِي سُورَةِ الْأَنْبِيَاءِ، وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «مَا يَنْبَغِي لِعَبْدٍ أَنْ يَقُولَ أَنَا خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى» وَنَسَبَهُ إِلَى أُمِّهِ، وفي رواية إلى أبيه، وقوله تعالى: ﴿إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُوَ الْمُوَقَّرُ أَيِ الْمَمْلُوءُ بِالْأَمْتِعَةِ، ﴿فَسَاهَمَ﴾ أَيْ قَارَعَ ﴿فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ﴾ أَيِ الْمَغْلُوبِينَ، وَذَلِكَ أَنَّ السَّفِينَةَ تَلَعَّبَتْ بِهَا الْأَمْوَاجُ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، وَأَشْرَفُوا عَلَى الْغَرَقِ، فَسَاهَمُوا

على أن مَنْ تَقَعُ عَلَيْهِ الْقُرْعَةُ يُلْقَى فِي الْبَحْرِ، لِتَخِفَّ بِهِمُ السَّفِينَةُ، فَوَقَعَتِ الْقُرْعَةُ عَلَى نَبِيِّ اللَّهِ (يُونُسَ) ﵊ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَهُمْ يَضِنُّونَ بِهِ أَنْ يُلْقَى مِنْ بَيْنِهِمْ، فَتَجَرَّدَ مِنْ ثِيَابِهِ لِيُلْقِيَ نَفْسَهُ، وَهُمْ يَأْبَوْنَ عليه ذلك، وأمر الله تعالى حوتاً أن يَلْتَقِمَ يُونُسَ ﵇، فَلَا يُهَشِّمَ لَهُ لَحْمًا، وَلَا يَكْسِرَ لَهُ عَظْمًا، فَجَاءَ ذَلِكَ الحوت وألقي يونس ﵇، فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَذَهَبَ بِهِ فَطَافَ بِهِ الْبِحَارَ كلها، ولما استقر فِي بَطْنِ الْحُوتِ حَسَبَ أَنَّهُ قَدْ مَاتَ، ثُمَّ حَرَّكَ رَأْسَهُ وَرَجْلَيْهِ وَأَطْرَافَهُ، فَإِذَا هُوَ حي، فقام فصلى فِي بَطْنِ الْحُوتِ، وَكَانَ مِنْ جُمْلَةِ دُعَائِهِ: «يَا رَبِّ اتَّخَذْتُ لَكَ مَسْجِدًا فِي مَوْضِعٍ لَمْ يَبْلُغْهُ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ»، وَاخْتَلَفُوا فِي مِقْدَارِ مَا لَبِثَ فِي بَطْنِ الْحُوتِ، فَقِيلَ ثلاثة أيام، وقيل: سبعة، وقيل: أربعين يوماً، وقال مجاهد: التقمه ضحى ولفظه عشية، والله تعالى أعلم بمقدار ذلك.

ِ مَا لَبِثَ فِي بَطْنِ الْحُوتِ، فَقِيلَ ثلاثة أيام، وقيل: سبعة، وقيل: أربعين يوماً، وقال مجاهد: التقمه ضحى ولفظه عشية، والله تعالى أعلم بمقدار ذلك. وقوله تَعَالَى: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ قِيلَ: لَوْلَا مَا تَقَدَّمَ لَهُ مِنَ الْعَمَلِ فِي الرَّخَاءِ، قَالَهُ الضحّاك واختاره ابن جرير. وفي الحديث: «تَعَرَّفْ إِلَى اللَّهِ فِي الرَّخَاءِ يَعْرِفْكَ فِي الشدة» (أخرجه الترمذي في سننه.). وقال ابن عباس وَالْحَسَنُ وَقَتَادَةُ: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ﴾ يعني المصلين، وَقَالَ بَعْضُهُمْ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ فِي جَوْفِ أَبَوَيْهِ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ المسبحين﴾ هو قوله ﷿: ﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظالمين﴾. روى ابن أبي حاتم عَنْ أنَس بْنِ مَالِكٍ ﵁ يرفعه -: "إن يونس النبي ﵊ حِينَ بَدَا لَهُ أَنْ يَدْعُوَ بِهَذِهِ الْكَلَمَّاتِ وَهُوَ فِي بَطْنِ الْحُوتِ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظالمين، فأقبلت الدعوة تحن بِالْعَرْشِ، قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ: يَا رَبِّ هَذَا صَوْتٌ ضَعِيفٌ مَعْرُوفٌ مِنْ بِلَادٍ بَعِيدَةٍ غَرِيبَةٍ، فَقَالَ الله تعالى: أَمَا تَعْرِفُونَ ذَلِكَ؟ قَالُوا: يَا رَبِّ وَمَنْ هو؟ قال ﷿: عَبْدِي يُونُسُ، قَالُوا: عَبْدُكَ يُونُسُ الَّذِي لَمْ يَزَلْ يُرْفَعُ لَهُ عَمَلٌ مُتَقَبَّلٌ وَدَعْوَةٌ مُسْتَجَابَةٌ، قالوا: يا رب أو لا تَرْحَمُ مَا كَانَ يَصْنَعُ فِي الرَّخَاءِ فَتُنَجِّيَهُ فِي الْبَلَاءِ؟ قَالَ: بَلَى، فَأَمَرَ الْحُوتَ فَطَرَحَهُ بالعراء" (أخرجه ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ ابن وهب.).

فَتُنَجِّيَهُ فِي الْبَلَاءِ؟ قَالَ: بَلَى، فَأَمَرَ الْحُوتَ فَطَرَحَهُ بالعراء" (أخرجه ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ ابن وهب.). وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَنَبَذْنَاهُ﴾ أَيْ أَلْقَيْنَاهُ ﴿بِالْعَرَاءِ﴾، قال ابن عباس: وَهِيَ الْأَرْضُ الَّتِي لَيْسَ بِهَا نَبْتٌ وَلَا بِنَاءٌ، قِيلَ: عَلَى جَانِبِ دِجْلَةَ، وَقِيلَ: بِأَرْضِ الْيَمَنِ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ، ﴿وَهُوَ سَقِيمٌ﴾ أَيْ ضَعِيفُ الْبَدَنِ، قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ ﵁: كَهَيْئَةِ الْفَرْخِ لَيْسَ عَلَيْهِ رِيشٌ، وَقَالَ السُّدِّيُّ: كهيئة الصبي حين يولد، وهو المنفوس، ﴿وَأَنبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِّن يَقْطِينٍ﴾ قَالَ ابْنُ مسعود وابن عباس: (اليقطين) هو القرع (وهو قول جمهور السلف.)، وقال سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: كُلُّ شَجَرَةٍ لَا سَاقَ لَهَا فَهِيَ مِنَ الْيَقْطِينِ، وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ: كُلُّ شَجَرَةٍ تَهْلِكُ مِنْ عَامِهَا فَهِيَ مِنَ الْيَقْطِينِ، وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ فِي الْقَرْعِ فَوَائِدَ: مِنْهَا سُرْعَةُ نَبَاتِهِ، وَتَظْلِيلُ وَرَقِهِ لِكِبَرِهِ وَنُعُومَتِهِ، وَأَنَّهُ لا يقربها الذباب، وجودة تغذية ثَمَرِهِ، وَأَنَّهُ يُؤْكَلُ نَيِّئًّا وَمَطْبُوخًا بِلُبِّهِ وَقِشْرِهِ أَيْضًا، وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كان يحب الدباء، ويتبعه مِنْ حَوَاشِي الصَّحْفَةِ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾، روي عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّمَا كَانَتْ رسالة يونس ﵊ بَعْدَ مَا نَبَذَهُ الْحُوتُ (رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ عن ابن عباس.)، وقال مُجَاهِدٍ: أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ قَبْلَ أَنْ يَلْتَقِمَهُ الْحُوتُ. قُلْتُ: وَلَا مَانِعَ أَنْ يَكُونَ الَّذِينَ أُرْسِلَ إليهم أولاً أمر بالعودة إِلَيْهِمْ بَعْدَ خُرُوجِهِ مِنَ الْحُوتِ، فَصَدَّقُوهُ كُلُّهُمْ وَآمَنُوا بِهِ، وَحَكَى الْبَغَوِيُّ:

أَنَّهُ أُرْسِلَ إِلَى أُمَّةٍ أُخْرَى بَعْدَ خُرُوجِهِ مِنَ الْحُوتِ كَانُوا مِائَةَ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ، وقوله تعالى: ﴿أَوْ يَزِيدُونَ﴾ قال ابن عباس: بل يزيدون، وكانوا مائة وثلاثين أَلْفًا، وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: يَزِيدُونَ سَبْعِينَ أَلْفًا؛ وَقَالَ مَكْحُولٌ: كَانُوا مِائَةَ أَلْفٍ وَعَشَرَةَ آلاف، وقال ابن جرير، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ﵁ أَنَّهُ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عن قوله تَعَالَى: ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ قال: يزيدون عشرين ألفاً (الحديث رواه ابن جرير وأخرجه الترمذي وقال: غريب.). وقد سلك ابن جرير ههنا مَا سَلَكَهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِّن بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كالجحارة أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾، الْمُرَادَ لَيْسَ أَنْقَصُ مِنْ ذَلِكَ بَلْ أَزْيَدُ، وقوله تعالى: ﴿فَآمِنُواْ﴾ أَيْ فَآمَنَ هَؤُلَاءِ الْقَوْمُ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ يُونُسُ ﵇ جَمِيعُهُمْ، ﴿فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾ أي إلى وقت آجالهم، كقوله جلت عظمته ﴿فلولا قرية كانت آمَنَتْ فَنَفَعَهَآ إِيمَانُهَا إِلَاّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّآ آمَنُواْ كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدنيا وَمَتَّعْنَاهُمْ إلى حِينٍ﴾.

  • ١٤٩ - فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ
  • ١٥٠ - أَمْ خَلَقْنَا الْمَلَائِكَةَ إِنَاثاً وَهُمْ شَاهِدُونَ
  • ١٥١ - أَلَا إِنَّهُم مِّنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ
  • ١٥٢ - وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ
  • ١٥٣ - أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ
  • ١٥٤ - مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ
  • ١٥٥ - أَفَلَا تَذَكَّرُونَ
  • ١٥٦ - أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُّبِينٌ
  • ١٥٧ - فَأْتُواْ بِكِتَابِكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ
  • ١٥٨ - وَجَعَلُواْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ
  • ١٥٩ - سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ
  • ١٦٠ - إِلَاّ عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ

َسَبًا وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ

  • ١٥٩ - سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ
  • ١٦٠ - إِلَاّ عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ

يَقُولُ تَعَالَى مُنْكِرًا عَلَى هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ في جعلهم لله تعالى الْبَنَاتِ ﴿سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَّا يَشْتَهُونَ﴾ أَيْ مِنَ الذُّكُورِ، أَيْ يَوَدُّونَ لِأَنْفُسِهِمُ الْجَيِّدَ، ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ أي يسوؤه ذَلِكَ وَلَا يَخْتَارُ لِنَفْسِهِ إِلَّا الْبَنِينَ. يَقُولُ ﷿ فكيف إذا نَسَبُوا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى الْقِسْمَ الَّذِي لَا يختارونه لأنفسهم، ولهذا قال تعالى: ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ﴾ أَيْ سَلْهُمْ عَلَى سَبِيلِ الْإِنْكَارِ عَلَيْهِمْ ﴿أَلِرَبِّكَ البنات وَلَهُمُ البنون﴾؟ كقوله ﷿: ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى * تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضيزى﴾، وقوله ﵎: ﴿أَمْ خَلَقْنَا الْمَلَائِكَةَ إِنَاثاً وَهُمْ شَاهِدُونَ﴾ أَيْ كَيْفَ حَكَمُوا عَلَى الْمَلَائِكَةِ أَنَّهُمْ إِنَاثٌ وَمَا شاهدوا خلقهم كقوله جلَّ وعلا ﴿وَجَعَلُواْ الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثاً أَشَهِدُواْ خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ ويسألون﴾ أَيْ يُسْأَلُونَ عَنْ ذَلِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَقَوْلُهُ جلت عظمته ﴿أَلَا إِنَّهُم مِّنْ إِفْكِهِمْ﴾ أَيْ مِنْ كَذِبِهِمْ ﴿لَيَقُولُونَ وَلَدَ اللَّهُ﴾ أَيْ صَدَرَ مِنْهُ الْوَلَدُ ﴿وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾، فذكر الله تعالى عَنْهُمْ فِي الْمَلَائِكَةِ ثَلَاثَةَ أَقْوَالٍ فِي غَايَةِ الْكُفْرِ وَالْكَذِبِ: فَأَوَّلًا جَعَلُوهُمْ (بَنَاتِ اللَّهِ) فَجَعَلُوا لله ولداً تعالى وتقدس، ثُمّ جعلوا ذَلِكَ الْوَلَدَ (أُنْثَى) ثُمَّ عَبَدُوهُمْ مِنْ دُونِ الله تعالى وتقدس وَكُلٌّ مِنْهَا كَافٍ فِي التَّخْلِيدِ فِي نَارِ جهنم،

الى وتقدس، ثُمّ جعلوا ذَلِكَ الْوَلَدَ (أُنْثَى) ثُمَّ عَبَدُوهُمْ مِنْ دُونِ الله تعالى وتقدس وَكُلٌّ مِنْهَا كَافٍ فِي التَّخْلِيدِ فِي نَارِ جهنم، ثم قال تعالى مُنْكِرًا عَلَيْهِمْ: ﴿أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ﴾ أَيْ: أيُّ شيء يحمله على أن يختار البنات دون البنين؟ كقوله ﷿: ﴿أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُم بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِنَاثًا؟ إنكم لقولون قولاً عظيماً﴾، ولهذا قال ﵎: ﴿مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾؟ أَيْ مَا لَكُمْ عُقُولٌ تَتَدَبَّرُونَ بِهَا مَا تَقُولُونَ ﴿أَفَلَا تَذَكَّرُونَ * أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُّبِينٌ﴾ أَيْ حُجَّةٌ عَلَى مَا تَقُولُونَهُ، ﴿فَأْتُواْ بِكِتَابِكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ أَيْ هَاتُوا بُرْهَانًا عَلَى ذَلِكَ يَكُونُ مُسْتَنِدًا إِلَى كِتَابٍ مُنَزَّلٍ مِنَ

السماء، عن الله تعالى أنه اتخذ مَا تَقُولُونَهُ، لَا يُمْكِنُ اسْتِنَادُهُ إِلَى عَقْلٍ، بل لا يجوزه العقل بالكلية. وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلُواْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: قال المشركون: الملائكة بنات الله تعالى، فقال أَبُو بَكْرٍ ﵁: فَمَنْ أُمَّهَاتُهُنَّ؟ قالوا: بنات سروات الجن، وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ﴾ أَيِ الَّذِينَ نَسَبُوا إِلَيْهِمْ ذَلِكَ ﴿إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾ أَيْ إِنَّ الَّذِينَ قَالُواْ ذَلِكَ ﴿لَمُحْضَرُونَ﴾ فِي الْعَذَابِ يَوْمَ الْحِسَابِ، لِكَذِبِهِمْ فِي ذَلِكَ وَافْتِرَائِهِمْ وَقَوْلِهِمُ الباطل بلا علم، وقال ابن عباس: زَعَمَ أَعْدَاءُ اللَّهِ أَنَّهُ ﵎ هُوَ وإبليس أخوان، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً، وقوله جلت عظمته: ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ أَيْ تَعَالَى وَتَقَدَّسَ وَتَنَزَّهَ عَنْ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ، وَعَمَّا يَصِفُهُ بِهِ الظَّالِمُونَ الْمُلْحِدُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا، وَقَوْلُهُ تعالى: ﴿إلا عِبَادَ الله المخلصين﴾ اسْتَثْنَى مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ وَهُمُ الْمُتَّبِعُونَ لِلْحَقِّ الْمُنَزَّلِ على كل نبي مرسل، وَجَعَلَ ابْنُ جَرِيرٍ هَذَا الِاسْتِثْنَاءَ مِنْ قَوْلِهِ تعالى: ﴿إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ إِلَاّ عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ وَفِي هذا الذي قاله نظر، والله ﷾ أعلم.

  • ١٦١ - فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ
  • ١٦٢ - مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ
  • ١٦٣ - إِلَاّ مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ
  • ١٦٤ - وَمَا مِنَّآ إِلَاّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ
  • ١٦٥ - وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ
  • ١٦٦ - وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ
  • ١٦٧ - وَإِن كَانُواْ لَيَقُولُونَ
  • ١٦٨ - لَوْ أَنَّ عِندَنَا ذِكْراً مِّنَ الْأَوَّلِينَ
  • ١٦٩ - لَكُنَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ
  • ١٧٠ - فَكَفَرُواْ بِهِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ

١٦٨ - لَوْ أَنَّ عِندَنَا ذِكْراً مِّنَ الْأَوَّلِينَ

  • ١٦٩ - لَكُنَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ
  • ١٧٠ - فَكَفَرُواْ بِهِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ

يقول تعالى مخاطباً المشركين: ﴿فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ * مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ * إِلَاّ مَنْ هُوَ صَالِ الجحيم﴾ أي إنما ينقاد لمقالتكم وَمَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الضَّلَالَةِ وَالْعِبَادَةِ الْبَاطِلَةِ، من هو أضل منكم ممن ذرئ لِلنَّارِ، ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لَاّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَاّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَاّ يَسْمَعُونَ بِهَآ، أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الغافلون﴾ فَهَذَا الضَّرْبُ مِنَ النَّاسِ هُوَ الَّذِي يَنْقَادُ لدين الشرك والكفر والضلالة، كما قال ﵎ ﴿إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُّخْتَلِفٍ * يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ﴾ أَيْ إِنَّمَا يَضِلُّ بِهِ مَنْ هُوَ مَأْفُوكٌ ومبطل، ثم قال ﵎ مُنَزِّهًا لِلْمَلَائِكَةِ مِمَّا نَسَبُوا إِلَيْهِمْ مِنَ الْكُفْرِ بِهِمْ وَالْكَذِبِ عَلَيْهِمْ أَنَّهُمْ بَنَاتُ اللَّهِ: ﴿وَمَا مِنَّآ إِلَاّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ﴾ أَيْ لَهُ موضع مخصوص في السماوات ومقام العبادات لا يتجاوزه ولا يتعداه، قال الضحّاك: كَانَ مَسْرُوقٌ يَرْوِي عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «ما من السماء الدينا مَوْضِعٌ إِلَّا عَلَيْهِ مَلَكٌ سَاجِدٌ أَوْ قَائِمٌ» فذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا مِنَّآ إِلَاّ لَهُ مَقَامٌ معلوم﴾ (أخرجه الضحّاك في تفسيره ورواه ابن عساكر بنحوه وأصله في الصحاح.).

َكٌ سَاجِدٌ أَوْ قَائِمٌ» فذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا مِنَّآ إِلَاّ لَهُ مَقَامٌ معلوم﴾ (أخرجه الضحّاك في تفسيره ورواه ابن عساكر بنحوه وأصله في الصحاح.). وقال الاعمش، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ قَالَ: إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ لَسَمَاءٍ مَا فِيهَا مَوْضِعُ شِبْرٍ إِلَّا عَلَيْهِ جَبْهَةُ مَلَكٍ أَوْ قَدَمَاهُ، ثُمَّ قَرَأَ عَبْدُ الله ﵁: ﴿وَمَا مِنَّآ إِلَاّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ﴾، قَالَ ابن جريج: كَانُوا لَا يُصَفُّونَ فِي الصَّلَاةِ حَتَّى نَزَلَتْ: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ﴾ فَصُفُّوا، وَقَالَ أَبُو نَضْرَةَ: كان عمر ﵁ إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ اسْتَقْبَلَ النَّاسَ بِوَجْهِهِ، ثُمَّ قَالَ: أَقِيمُوا صُفُوفَكُمْ، اسْتَوُوا قِيَامًا، يُرِيدُ اللَّهُ تعالى بِكُمْ هَدْيَ الْمَلَائِكَةِ، ثُمَّ يَقُولُ: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ﴾، تَأَخَّرْ يَا فُلَانُ، تَقَدَّمْ يَا فُلَانُ، ثم يتقدم فيكبر" (رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَابْنُ جَرِيرٍ.).

وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ حُذَيْفَةَ ﵁ قَالَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "فُضِّلْنَا عَلَى النَّاسِ بِثَلَاثٍ: جُعِلَتْ صُفُوفُنَا كَصُفُوفِ الْمَلَائِكَةِ، وَجُعِلَتْ لَنَا الْأَرْضُ مَسْجِدًا، وَتُرْبَتُهَا طَهُورًا" الْحَدِيثَ، ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ﴾ أَيْ نَصْطَفُّ فَنُسَبِّحُ الرَّبَّ وَنُمَجِّدُهُ وَنُقَدِّسُهُ وَنُنَزِّهُهُ عَنِ النقائض، فَنَحْنُ عَبِيدٌ لَهُ فُقَرَاءُ إِلَيْهِ خَاضِعُونَ لَدَيْهِ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ: ﴿وَمَا مِنَّآ إِلَاّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ﴾ الْمَلَائِكَةُ، ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ﴾ الملائكة، ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ المسبحون﴾ الملائكة تسبح اللَّهَ ﷿، وَقَالَ قَتَادَةُ: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ﴾ يَعْنِي الْمُصَلُّونَ يَثْبُتُونَ بِمَكَانِهِمْ مِنَ الْعِبَادَةِ (الصحيح أن المراد به الملائكة وهو قول ابن عباس ومجاهد.).

لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ﴾ يَعْنِي الْمُصَلُّونَ يَثْبُتُونَ بِمَكَانِهِمْ مِنَ الْعِبَادَةِ (الصحيح أن المراد به الملائكة وهو قول ابن عباس ومجاهد.). وقوله جلَّ وعلا: ﴿وَإِن كَانُواْ لَيَقُولُونَ لَوْ أَنَّ عِندَنَا ذِكْراً مِّنَ الْأَوَّلِينَ لَكُنَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾، أَيْ قَدْ كَانُوا يَتَمَنَّوْنَ قَبْلَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ يَا مُحَمَّدُ لَوْ كَانَ عِنْدَهُمْ مَنْ يُذَكِّرُهُمْ بِأَمْرِ الله، وَمَا كَانَ من القرون الأولى ويأيتهم بكتاب الله كما قال ﷻ: ﴿وَأَقْسَمُواْ بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِن جَآءَهُمْ نَذِيرٌ لَّيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ فَلَمَّا جَآءَهُمْ نَذِيرٌ مَّا زَادَهُمْ إِلَاّ نفوراً﴾، وقال تَعَالَى: ﴿إِنَّ تَقُولُوا إِنَّمَآ أُنزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَآئِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنَا وَإِن كُنَّا عَن دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ﴾ ولهذا قال تعالى ههنا: ﴿فَكَفَرُواْ بِهِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ وَعِيدٌ أَكِيدٌ وَتَهْدِيدٌ شديد، على كفرهم بربهم ﷿ وتكذبيهم لرسوله ﷺ.

  • ١٧١ - وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ
  • ١٧٢ - إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ
  • ١٧٣ - وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ
  • ١٧٤ - فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ
  • ١٧٥ - وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ
  • ١٧٦ - أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ
  • ١٧٧ - فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ
  • ١٧٨ - وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ
  • ١٧٩ - وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ

يَقُولُ ﵎: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ﴾ أَيْ تَقَدَّمَ فِي الْكِتَابِ الْأَوَّلِ أَنَّ الْعَاقِبَةَ لِلرُّسُلِ وَأَتْبَاعِهِمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَاْ وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾، وقال ﷿ ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُواْ فِي الْحَيَاةِ الدنيا وَيَوْمَ يقوم الأشهاد﴾، ولهذا قال ﷻ: ﴿إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ﴾ أَيْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ كما تقدم بيان نصرتهم على قومهم، ممن كذبهم وخالفهم، كيف أَهْلَكَ اللَّهُ الْكَافِرِينَ وَنَجَّى عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ، ﴿وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ أَيْ تَكُونُ لَهُمُ الْعَاقِبَةُ، وَقَوْلُهُ جلَّ وَعَلَا: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ﴾ أَيِ اصْبِرْ عَلَى أَذَاهُمْ لَكَ وَانْتَظِرْ إِلَى وَقْتٍ مُؤَجَّلٍ، فَإِنَّا سَنَجْعَلُ لَكَ الْعَاقِبَةَ وَالنُّصْرَةَ والظفر، وقوله جلت عظمته: ﴿وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ أَيْ أَنْظِرْهُمْ وَارْتَقِبْ مَاذَا يحل بهم من العذاب والنكال بمخالفتك وتكذيبك، ولهذا قال تعالى عَلَى وَجْهِ التَّهْدِيدِ وَالْوَعِيدِ: ﴿فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾، ثُمَّ قَالَ ﷿: ﴿أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ أَيْ هُمْ هم إنما يستعجلون العذاب لتكذيبهم وكفرهم بك، ومع هذا يَسْتَعْجِلُونَ الْعَذَابَ وَالْعُقُوبَةَ،

قَالَ ﷿: ﴿أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ أَيْ هُمْ هم إنما يستعجلون العذاب لتكذيبهم وكفرهم بك، ومع هذا يَسْتَعْجِلُونَ الْعَذَابَ وَالْعُقُوبَةَ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ﴾ أَيْ فَإِذَا نَزَلَ الْعَذَابُ بِمَحِلَّتِهِمْ فَبِئْسَ ذَلِكَ الْيَوْمُ يَوْمُهُمْ، بإهلاكهم ودمارهم، وقال السُّدِّيُّ: ﴿فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ﴾ يَعْنِي بِدَارِهِمْ ﴿فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ﴾ أَيْ فَبِئْسَ مَا يُصْبِحُونَ أَيْ بِئْسَ الصَّبَاحُ صَبَاحُهُمْ، وَلِهَذَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أنَس ﵁ قَالَ: صَبَّحَ رسول الله ﷺ خبير، فَلَمَّا خَرَجُوا بِفُؤُوسِهِمْ وَمَسَاحِيهِمْ وَرَأَوُا الْجَيْشَ رَجَعُوا، وَهُمْ يَقُولُونَ: مُحَمَّدٌ وَاللَّهِ، مُحَمَّدٌ وَالْخَمِيسُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «اللَّهُ

أَكْبَرُ خَرِبَتْ خَيْبَرُ، إِنَّا إِذَا نَزَلْنَا بِسَاحَةِ قوم فسآء صباح المنذرين» (أخرجه البخاري ومسلم عن أنس، ومعنى قولهم (محمد والخميس) أي محمد والجيش.)، وقوله تعالى: ﴿وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ تأكيد لما تقدم من الأمر بذلك والله ﷾ أعلم.

  • ١٨٠ - سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ
  • ١٨١ - وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ
  • ١٨٢ - وَالْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ

.

  • ١٨٠ - سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ
  • ١٨١ - وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ
  • ١٨٢ - وَالْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ

يُنَزِّهُ ﵎ نفسه الكريمة ويقدسها، ويبرئها عما يقول الظالمون المكذبون المعتدون، تعالى وتنزه وَتَقَدَّسَ عَنْ قَوْلِهِمْ عُلُوًّا كَبِيرًا، وَلِهَذَا قَالَ ﵎: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ﴾ أَيْ ذِي الْعِزَّةِ الَّتِي لَا تُرَامُ ﴿عَمَّا يَصِفُونَ﴾ أَيْ عَنْ قَوْلِ هَؤُلَاءِ الْمُعْتَدِينَ الْمُفْتَرِينَ، ﴿وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ﴾ أَيْ سَلَامُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، ﴿وَالْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ أَيْ لَهُ الْحَمْدُ في الأولى والآخرة في كل حال، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إذا سلمتم عليَّ فسلموا عَلَى الْمُرْسَلِينَ، فَإِنَّمَا أَنَا رَسُولٌ مِنَ الْمُرْسَلِينَ» (أخرجه ابن جرير وابن أبي حاتم مرسلاً ورواه ابن أبي حاتم مسنداً عن أبي طلحة ﵁.). وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁، عَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: أنه كان إذا أراد أن يسلم قَالَ: «سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ» ثم يسلم (أخرجه الحافظ أبو يعلى، قال ابن كثير: إسناده ضعيف، أقول: وله ما يؤيده من الشواهد الصحيحة.)، وروى ابن أبي حاتم عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مِنْ سَرَّهُ أَنْ يَكْتَالَ بالميال الْأَوْفَى مِنَ الْأَجْرِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَلْيَقُلْ آخِرَ مَجْلِسِهِ حِينَ يُرِيدُ أَنْ يَقُومَ: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * والحمد للَّهِ رَبِّ العالمين﴾ " (أخرجه ابن أبي حاتم مرسلاً، وروي موقوفاً عن علي ﵁.). وَقَدْ وَرَدَتْ أَحَادِيثُ فِي كَفَّارَةِ الْمَجْلِسِ: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وأتوب إليك، قال ابن كثير: وقد أفردت لها جزءاً على حدة، ولله الحمد والمنة.

  • ٣٨ - سورة ص

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.

  • ١ - ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ
  • ٢ - بَلِ الَّذِينَ كَفَرُواْ فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ
  • ٣ - كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ فَنَادَواْ وَّلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ

أَمَّا الْكَلَامُ عَلَى الْحُرُوفِ الْمُقَطَّعَةِ فَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ بِمَا أَغْنَى عَنْ إعادته ههنا، وقوله تعالى ﴿وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ أَيْ وَالْقُرْآنِ الْمُشْتَمِلِ عَلَى مَا فِيهِ ذِكْرٌ لِلْعِبَادِ، وَنَفْعٌ لَهُمْ فِي المعاش والمعاد، قال الضحّاك ﴿ذِي الذكر﴾ كقوله تعالى: ﴿لَقَدْ أَنزَلْنَآ إِلَيْكُمْ كِتَاباً فِيهِ ذكركم﴾ أي تذكيركم (وبه قال قتادة واختاره ابن جرير رحمة الله). وقال ابن عباس ﴿ذِي الذِّكْرِ﴾ ذِي الشَّرَفِ أَيْ ذِي الشَّأْنِ وَالْمَكَانَةِ، وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ فَإِنَّهُ كِتَابٌ شَرِيفٌ، مُشْتَمِلٌ عَلَى التَّذْكِيرِ وَالْإِعْذَارِ وَالْإِنْذَارِ، وَاخْتَلَفُوا في جواب هذا القسم: فقال قَتَادَةُ: جَوَابُهُ ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُواْ فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ﴾ وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وَقِيلَ: جَوَابُهُ مَا تضمنه سياق السورة بكمالها، والله أعلم، وقوله تعالى: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُواْ فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ﴾ أَيْ إن هذا القرآن لذكرى لِمَنْ يَتَذَكَّرُ وَعِبْرَةً لِمَنْ يَعْتَبِرُ، وَإِنَّمَا لَمْ يَنْتَفِعْ بِهِ الْكَافِرُونَ لِأَنَّهُمْ ﴿فِي عِزَّةٍ﴾ أَيِ استكباراً عنه وحمية، ﴿وَشِقَاقٍ﴾ أي ومخالفة لَهُ وَمُعَانَدَةٍ وَمُفَارَقَةٍ، ثُمَّ خَوَّفَهُمْ مَا أَهْلَكَ به الأمم المكذبة قبلهم فقال تَعَالَى: ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ﴾ أَيْ مِنْ أُمَّةٍ مُكَذِّبَةٍ، ﴿فَنَادَواْ﴾ أَيْ حِينَ جَاءَهُمُ العذاب استغاثوا وجأروا إلى الله تعالى، وَلَيْسَ ذَلِكَ بمُجْدٍ عَنْهُمْ شَيْئًا، كَمَا قَالَ ﷿: ﴿فَلَمَّآ أَحَسُّواْ بَأْسَنَآ إِذَا هُمْ مِّنْهَا يَرْكُضُونَ﴾ أي يهربون،

ا إلى الله تعالى، وَلَيْسَ ذَلِكَ بمُجْدٍ عَنْهُمْ شَيْئًا، كَمَا قَالَ ﷿: ﴿فَلَمَّآ أَحَسُّواْ بَأْسَنَآ إِذَا هُمْ مِّنْهَا يَرْكُضُونَ﴾ أي يهربون، قال التميمي: سألت ابن عباس ﵄ عن قول الله ﵎: ﴿فَنَادَواْ وَّلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾! قَالَ: لَيْسَ بِحِينِ نداء ولا نزعٍ ولا فرار، وعن ابن عباس: ليس بحين مغاث، نادوا بالنداء حِينَ لَا يَنْفَعُهُمْ، وَأَنْشَدَ: تذكَّرَ لَيْلَى لَاتَ حين تذكر وقال محمد بن كعب: نَادَوْا بِالتَّوْحِيدِ حِينَ تَوَلَّتِ الدُّنْيَا عَنْهُمْ، وَاسْتَنَاصُوا لِلتَّوْبَةِ حِينَ تَوَلَّتِ الدُّنْيَا عَنْهُمْ، وَقَالَ قَتَادَةُ: لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ أَرَادُوا التَّوْبَةَ فِي غَيْرِ حِينِ النِّدَاءِ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿فَنَادَواْ وَّلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ ليس بحين فرار ولا إجابة، وعن زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ: ﴿وَّلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ وَلَا نِدَاءَ فِي غَيْرِ حِينِ النِّدَاءِ، وَهَذِهِ الْكَلِمَةُ، وَهِيَ (لَاتَ) هِيَ (لَا) الَّتِي لِلنَّفْيِ زِيدَتْ مَعَهَا التَّاءُ، كَمَا تُزَادُ فِي ثُمَّ، فَيَقُولُونَ: ثمت، ورب، فيقولون: ربت.

وَأَهْلُ اللُّغَةِ يَقُولُونَ: النَّوْصُ: التَّأَخُّرُ، وَالْبَوْصُ: التَّقَدُّمُ، ولهذا قال ﵎: ﴿وَّلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ أَيْ لَيْسَ الْحِينُ حِينَ فرار ولا ذهاب، والله ﷾ الموفق للصواب.

ْصُ: التَّأَخُّرُ، وَالْبَوْصُ: التَّقَدُّمُ، ولهذا قال ﵎: ﴿وَّلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ أَيْ لَيْسَ الْحِينُ حِينَ فرار ولا ذهاب، والله ﷾ الموفق للصواب.

  • ٤ - وَعَجِبُوا أَن جَآءَهُم مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ
  • ٥ - أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ
  • ٦ - وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاْصْبِرُواْ عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ
  • ٧ - مَّا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الآخرة إِنْ هذا إِلَاّ اختلاق
  • ٨ - أَأُنزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِن بَيْنِنَا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي بَل لَّمَّا يَذُوقُواْ عَذَابِ
  • ٩ - أَمْ عِندَهُمْ خَزَآئِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ
  • ١٠ - أَمْ لَهُم مُّلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَلْيَرْتَقُواْ فِى الْأَسْبَابِ
  • ١١ - جُندٌ مَّا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِّن الْأَحْزَابِ

يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنِ الْمُشْرِكِينَ في تعجبهم من بَعَثَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بشيراً ونذيراً، كما قال ﷿: ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنَآ إِلَى رَجُلٍ مِّنْهُمْ أَنْ أنذر الناس﴾؟ الآية، وقال جلَّ وعلا ههنا: ﴿وَعَجِبُوا أَن جَآءَهُم مٌّنذِرٌ مِّنْهُمْ﴾ أَيْ بَشَرٌ مِثْلُهُمْ، وَقَالَ الْكَافِرُونَ ﴿هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ * أَجَعَلَ الآلهة إلها وَاحِداً﴾ أي أزعم أم الْمَعْبُودَ وَاحِدٌ لَاّ إِلَهَ إِلَّا هُوَ؟ أَنْكَرَ الْمُشْرِكُونَ ذَلِكَ قَبَّحَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى وَتَعَجَّبُوا مِنْ تَرْكِ الشِّرْكِ بِاللَّهِ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا قَدْ تَلَقَّوْا عن آبائهم عبادة الأوثان وأشربته قلووبهم، فلما دَعَاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى خلع ذلك من قلوبهم وإفراد الآله بِالْوَحْدَانِيَّةِ، أَعَظَمُوا ذَلِكَ وَتَعَجَّبُوا،

دة الأوثان وأشربته قلووبهم، فلما دَعَاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى خلع ذلك من قلوبهم وإفراد الآله بِالْوَحْدَانِيَّةِ، أَعَظَمُوا ذَلِكَ وَتَعَجَّبُوا، وَقَالُوا: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ * وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ﴾ وَهُمْ سَادَتُهُمْ وَقَادَتُهُمْ وَرُؤَسَاؤُهُمْ وَكُبَرَاؤُهُمْ قائلين ﴿امْشُوا﴾ أَيِ اسْتَمِرُّوا عَلَى دِينِكُمْ، ﴿وَاْصْبِرُواْ عَلَى آلِهَتِكُمْ﴾، وَلَا تَسْتَجِيبُوا لِمَا يَدْعُوكُمْ إِلَيْهِ مُحَمَّدٌ من التوحيد، وقوله تعالى ﴿إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ﴾ قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: إِنَّ هَذَا الَّذِي يَدْعُونَا إِلَيْهِ مُحَمَّدٌ ﷺ مِنَ التَّوْحِيدِ لَشَيْءٌ يُرِيدُ بِهِ الشَّرَفَ عَلَيْكُمْ وَالِاسْتِعْلَاءَ، وَأَنْ يَكُونَ لَهُ منكم أتباع ولسنا نجيبه إليه. (ذكر سبب نزول هذه الآيات الكريمات). روى ابن جرير، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: لَمَّا مَرِضَ أَبُو طَالِبٍ دَخَلَ عَلَيْهِ رَهْطٌ مِنْ قُرَيْشٍ فِيهِمْ (أَبُو جَهْلٍ) فَقَالُوا: إِنَّ ابْنَ أَخِيكَ يَشْتُمُ آلِهَتَنَا، وَيَفْعَلُ وَيَفْعَلُ وَيَقُولُ وَيَقُولُ، فَلَوْ بَعَثْتَ إِلَيْهِ فَنَهَيْتَهُ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ، فَجَاءَ النَّبِيُّ ﷺ، فَدَخَلَ الْبَيْتَ، وَبَيْنَهُمْ وَبَيْنَ أَبِي طَالِبٍ قَدْرُ مَجْلِسِ رجُل، قال: فخشي أبو جهل، لعنه الله، إِنْ جَلَسَ إِلَى جَنْبِ أَبِي طَالِبٍ أَنْ يَكُونَ أَرَقَّ لَهُ عَلَيْهِ، فَوَثَبَ فَجَلَسَ فِي ذَلِكَ الْمَجْلِسِ، وَلَمْ يَجِدْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَجْلِسًا قُرْبَ عَمِّهِ، فَجَلَسَ عِنْدَ الْبَابِ، فَقَالَ لَهُ أَبُو طَالِبٍ: أَيِ ابن أخي، ما بال قومك يشكونك ويزعمون أَنَّكَ تَشْتُمُ آلِهَتَهُمْ وَتَقُولُ وَتَقُولُ؟ قَالَ: وَأَكْثَرُوا عَلَيْهِ مِنَ الْقَوْلِ، وَتَكَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: «يَا عَمِّ، إِنِّي أُرِيدُهُمْ عَلَى كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ يَقُولُونَهَا تَدِينُ لَهُمْ بِهَا الْعَرَبُ، وَتُؤَدِّي إِلَيْهِمْ بِهَا الْعَجَمُ الْجِزْيَةَ»، ففزعوا لكلمته ولقوله،

هُمْ عَلَى كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ يَقُولُونَهَا تَدِينُ لَهُمْ بِهَا الْعَرَبُ، وَتُؤَدِّي إِلَيْهِمْ بِهَا الْعَجَمُ الْجِزْيَةَ»، ففزعوا لكلمته ولقوله، فقال القوم: كلمة واحدة نعم وأبيك عشراً (أي نعطيك بدل الكلمة الواحدة عشر كلمات)، فَقَالُوا: وَمَا هِيَ؟ وَقَالَ أَبُو طَالِبٍ: وَأَيُّ كلمة هي يا ابن أخي؟ قال

صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ»، فَقَامُوا فَزِعِينَ يَنْفُضُونَ ثِيَابَهُمْ، وَهُمْ يَقُولُونَ: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِداً! إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ ونزلت من هذا الموضع إلى قوله: ﴿بَلْ لَّمَّا يَذُوقُواْ عذاب﴾ (أخرجه ابن جرير ورواه أحمد والنسائي والترمذي عن ابن عباس ﵄. وَقَوْلُهُمْ: ﴿مَّا سَمِعْنَا بِهَذَا فِى الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ﴾ أَيْ مَا سَمِعْنَا بِهَذَا الَّذِي يَدْعُونَا إِلَيْهِ مُحَمَّدٌ مِنَ التَّوْحِيدِ فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ، قَالَ مجاهد وقتادة: يعنون دين قريش، وقال السدي: يعنون النصرانية، وقال ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿مَّا سَمِعْنَا بِهَذَا فِى الْمِلَّةِ الآخرة﴾ يعني دين النَّصْرَانِيَّةَ، قَالُوا: لَوْ كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ حَقًّا لأخبرتنا بِهِ النَّصَارَى ﴿إِنْ هَذَا إِلَاّ اخْتِلَاقٌ﴾ قَالَ مجاهد: كذب، وقال ابن عباس: تخرص، وقولهم: ﴿أَأُنزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِن بَيْنِنَا﴾ يَعْنِي أَنَّهُمْ يَسْتَبْعِدُونَ تخصيصه بإنزال القرآن عليه من بينهم كما قال فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: ﴿لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ القريتين عَظِيمٍ﴾، وَلِهَذَا لَمَّا قَالُوا هَذَا الَّذِي دَلَّ عَلَى جَهْلِهِمْ وَقِلَّةِ عَقْلِهِمْ، فِي اسْتِبْعَادِهِمْ إِنْزَالَ الْقُرْآنِ عَلَى الرَّسُولِ مِنْ بَيْنِهِمْ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿بَل لَّما يَذُوقُواْ عَذَابِ﴾ أَيْ إِنَّمَا يَقُولُونَ هذا، لأنهم ما ذاقوا عذاب الله تعالى ونقمته، وسيعلمون غِبَّ ما قالوا وما كذبوا به. ثم قال تعالى مُبَيِّنًا أَنَّهُ الْمُتَصَرِّفُ فِي مُلْكِهِ، الْفَعَّالُ لِمَا يشاء، الَّذِي يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ، وَيُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ، وَيُنَزِّلُ الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عباده، وأنَّ الْعِبَادَ لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا مِنَ الْأَمْرِ وَلَيْسَ إِلَيْهِمْ مِنَ التَّصَرُّفِ فِي الْمُلْكِ وَلَا مثقال ذرة، وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى مُنْكِرًا عَلَيْهِمْ: ﴿أَمْ عِنْدَهُمْ

ا مِنَ الْأَمْرِ وَلَيْسَ إِلَيْهِمْ مِنَ التَّصَرُّفِ فِي الْمُلْكِ وَلَا مثقال ذرة، وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى مُنْكِرًا عَلَيْهِمْ: ﴿أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَآئِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ﴾ أَيِ الْعَزِيزِ الَّذِي لَا يُرَامُ جَنَابُهُ، الْوَهَّابِ الَّذِي يُعْطِي ما يريد لمن يريد، وهذه الآية الكريمة شبيهة بقوله تَعَالَى: ﴿أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّنَ الْمُلْكِ فَإِذاً لَاّ يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيراً * أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَآ آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ الْآيَةَ، كما أخبر ﷿ عَنْ قَوْمِ صَالِحٍ ﵇ حِينَ قَالُوا: ﴿أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِن بَيْنِنَا، بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ * سَيَعْلَمُونَ غَداً مَّنِ الكذاب الأشر﴾ وقوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُم مُّلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَلْيَرْتَقُواْ فِى الْأَسْبَابِ﴾ أَيْ إِنْ كَانَ لَهُمْ ذَلِكَ فَلْيَصْعَدُوا فِي الْأَسْبَابِ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَعْنِي طُرُقَ السَّمَاءِ، وَقَالَ الضَّحَّاكُ: فَلْيَصْعَدُوا إِلَى السماء السابعة، ثم قال ﷿: ﴿جُندٌ مَّا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِّن الْأَحْزَابِ﴾ أَيْ هؤلاء الجند المكذبون سَيُهْزَمُونَ وَيُغْلَبُونَ، وَيُكْبَتُونَ كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قبلهم من الأحزاب المكذبين، وهذه الآية كقوله جلَّت عظمته: ﴿أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُّنتَصِرٌ * سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ ويولون الدبر﴾ كان ذَلِكَ يَوْمَ بَدْرٍ ﴿بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أدهى وأمر﴾.

  • ١٢ - كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتَادِ
  • ١٣ - وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ أُولَئِكَ الْأَحْزَابُ
  • ١٤ - إِن كُلٌّ إِلَاّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ
  • ١٥ - وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلَاءِ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً مَّا لَهَا مِن فَوَاقٍ
  • ١٦ - وَقَالُواْ رَبَّنَا عَجِّل لَّنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الحساب

٥ - وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلَاءِ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً مَّا لَهَا مِن فَوَاقٍ

  • ١٦ - وَقَالُواْ رَبَّنَا عَجِّل لَّنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الحساب

يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ هَؤُلَاءِ الْقُرُونِ الْمَاضِيَةِ وَمَا حَلَّ بِهِمْ مِنَ الْعَذَابِ وَالنَّكَالِ وَالنَّقَمَاتِ في مخالفة الرسل وتكذيب الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ قِصَصُهُمْ مَبْسُوطَةً فِي أَمَاكِنَ مُتَعَدِّدَةٍ، وقوله تعالى: ﴿أولئك

الْأَحْزَابُ﴾ أَيْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْكُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وأكثر أموالاً وأولاداً، فما دَفَعَ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ، ولهذا قال ﷿: ﴿إِن كُلٌّ إِلَاّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ﴾ فجعل علة إهلاكهم هُوَ تَكْذِيبُهُمْ بِالرُّسُلِ، فَلْيَحْذَرِ الْمُخَاطَبُونَ مِنْ ذَلِكَ أشد الحذر، وقوله تَعَالَى: ﴿وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلَاءِ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً مَّا لَهَا مِن فَوَاقٍ﴾ قال زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ: أَيْ لَيْسَ لَهَا مَثْنَوِيَّةٌ، أَيْ مَا يَنظُرُونَ ﴿إِلَاّ السَّاعَةَ أَن تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَآءَ أَشْرَاطُهَا﴾ أَيْ فَقَدِ اقْتَرَبَتْ وَدَنَتْ وَأَزِفَتْ، وَهَذِهِ الصَّيْحَةُ هِيَ نَفْخَةُ الْفَزَعِ التي يأمر الله تعالى إِسْرَافِيلَ أَنْ يُطَوِّلَهَا، فَلَا يَبْقَى أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فَزِعَ إِلَّا مَنِ استثنى الله ﷿، وقوله ﷻ: ﴿وَقَالُواْ رَبَّنَا عَجِّل لَّنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الحساب﴾ هذا إنكار من الله تعالى عَلَى الْمُشْرِكِينَ فِي دُعَائِهِمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِتَعْجِيلِ الْعَذَابِ، فَإِنَّ القِط هُوَ الْكِتَابُ، وَقِيلَ: هُوَ الْحَظُّ وَالنَّصِيبُ،

ى عَلَى الْمُشْرِكِينَ فِي دُعَائِهِمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِتَعْجِيلِ الْعَذَابِ، فَإِنَّ القِط هُوَ الْكِتَابُ، وَقِيلَ: هُوَ الْحَظُّ وَالنَّصِيبُ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ وَالضَّحَّاكُ: سألوا تعجيل العذاب كَمَا قَالُواْ: ﴿اللَّهُمَّ إِن كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السَّمَاءِ أَوِ ائتنا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ وَقِيلَ: سَأَلُوا تَعْجِيلَ نَصِيبِهِمْ مِنَ الْجَنَّةِ إِنْ كانت موجودة ليلقوا ذَاكَ فِي الدُّنْيَا، وَإِنَّمَا خَرَجَ هَذَا مِنْهُمْ مَخْرَجَ الِاسْتِبْعَادِ وَالتَّكْذِيبِ، وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: سَأَلُوا تَعْجِيلَ مَا يَسْتَحِقُّونَهُ مِنَ الْخَيْرِ أَوِ الشَّرِّ في الدنيا، وهذا الذي قاله جيد، وَلَمَّا كَانَ هَذَا الْكَلَامُ مِنْهُمْ عَلَى وَجْهِ الِاسْتِهْزَاءِ وَالِاسْتِبْعَادِ قَالَ اللَّهِ تَعَالَى لِرَسُولِهِ ﷺ آمِرًا لَهُ بِالصَّبْرِ عَلَى أَذَاهُمْ، وَمُبَشِّرًا لَهُ عَلَى صَبْرِهِ بِالْعَاقِبَةِ وَالنَّصْرِ والظفر.

  • ١٧ - اصبر على مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُدَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ
  • ١٨ - إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ
  • ١٩ - وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَّهُ أَوَّابٌ
  • ٢٠ - وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ

يَذْكُرُ تَعَالَى عَنْ عبده ورسوله (داود) ﵊ إِنَّهُ كان ذا أيد، و (الأيد) الْقُوَّةُ فِي الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الْأَيْدُ الْقُوَّةُ، وَقَرَأَ ابْنُ زَيْدٍ: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بأيد وإنا لموسعون﴾ وَقَالَ مُجَاهِدٌ: الْأَيْدُ، الْقُوَّةُ فِي الطَّاعَةِ. وَقَالَ قتادة: أعطي داود ﵊ قُوَّةً فِي الْعِبَادَةِ وَفِقْهًا فِي الْإِسْلَامِ، وَقَدْ ذكر لنا أنه ﵊ كَانَ يَقُومُ ثُلُثَ اللَّيْلِ، وَيَصُومُ نِصْفَ الدَّهْرِ، وَهَذَا ثَابِتٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «أَحَبُّ الصلاة إلى الله تعالى صلاة داود، وأحب الصيام إلى الله ﷿ صِيَامُ دَاوُدَ، كَانَ يَنَامُ نِصْفَ اللَّيْلِ وَيَقُومُ ثُلُثَهُ وَيَنَامُ سُدُسَهُ، وَكَانَ يَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا ولا يفر إذا لاقى» (أخرجه الشيخان من حديث أبي هريرة) وَإِنَّهُ كَانَ (أوَّاباً) وَهُوَ الرَّجاع إِلَى اللَّهِ ﷿ في جميع أموره وشؤونه، وقوله تعالى: ﴿إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يسبَّحن بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ﴾ أَيْ إِنَّهُ تَعَالَى سَخَّرَ الْجِبَالَ تُسَبِّحُ مَعَهُ عِنْدَ إِشْرَاقِ الشَّمْسِ وَآخِرِ النَّهَارِ، كَمَا قَالَ ﷿: ﴿يا جبال أَوِّبِي مَعَهُ والطير) وَكَذَلِكَ كَانَتِ الطَّيْرُ تُسَبِّحُ بِتَسْبِيحِهِ وَتُرَجِّعُ بِتَرْجِيعِهِ، إِذَا مَرَّ بِهِ الطَّيْرُ وَهُوَ سَابِحٌ فِي الْهَوَاءِ، فَسَمِعَهُ وَهُوَ يَتَرَنَّمُ بِقِرَاءَةِ الزَّبُورِ لَا يستطيع الذهاب بل يقف في الهواء، ويسبح مَعَهُ وَتُجِيبُهُ الْجِبَالُ الشَّامِخَاتُ تُرَجِّعُ مَعَهُ وَتُسَبِّحُ تبعاً له.

ُ بِقِرَاءَةِ الزَّبُورِ لَا يستطيع الذهاب بل يقف في الهواء، ويسبح مَعَهُ وَتُجِيبُهُ الْجِبَالُ الشَّامِخَاتُ تُرَجِّعُ مَعَهُ وَتُسَبِّحُ تبعاً له. ولهذا قال ﷿: ﴿وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً﴾ أَيْ مَحْبُوسَةً فِي الْهَوَاءِ، ﴿كُلٌّ لَّهُ أَوَّابٌ﴾ أَيْ مُطِيعٌ يُسَبِّحُ تَبَعًا لَهُ، قال سعيد بن جبير وقتادة ﴿كُلٌّ لَّهُ أَوَّابٌ﴾ أي مطيع، وقوله تعالى: ﴿وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ﴾ أَيْ جَعَلْنَا لَهُ مُلْكًا كَامِلًا مِنْ جَمِيعِ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ الْمُلُوكُ، قَالَ مُجَاهِدٍ: كَانَ أَشَدَّ أَهْلِ الدُّنْيَا سُلْطَانًا، وَقَالَ السدي: كان يحرسه كل يوم أربعة آلاف، وقوله جلَّ وعلا: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: يَعْنِي الْفَهْمَ وَالْعَقْلَ والفطنة، وعنه: ﴿الحكمة﴾

العدل، وَقَالَ قَتَادَةُ: كِتَابَ اللَّهِ وَاتِّبَاعَ مَا فِيهِ، وقال السُّدي: ﴿الحكمة﴾ النبوة، وقوله ﷻ: ﴿وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾. قَالَ شُرَيْحٌ الْقَاضِي وَالشَّعْبِيُّ: فَصْلُ الْخِطَابِ: الشُّهُودُ وَالْأَيْمَانُ، وَقَالَ قَتَادَةُ: شَاهِدَانِ عَلَى المدعي أو يمين المدعي عليه، وقال مجاهد والسدي: هو إصابة القضاء وفهم ذلك، وَقَالَ مُجَاهِدٌ أَيْضًا: هُوَ الْفَصْلُ فِي الْكَلَامِ وفي الحكم، وهذا يشمل كل ذلك، وهو المراد واختاره ابن جرير، وعن أبي موسى ﵁، أَوَّلُ مَنْ قَالَ: (أَمَّا بَعْدُ) دَاوُدُ ﵇، وَهُوَ فَصْلُ الْخِطَابِ، وَكَذَا قَالَ الشَّعْبِيُّ: فَصْلُ الْخِطَابِ: أَمَّا بَعْدُ.

ن أبي موسى ﵁، أَوَّلُ مَنْ قَالَ: (أَمَّا بَعْدُ) دَاوُدُ ﵇، وَهُوَ فَصْلُ الْخِطَابِ، وَكَذَا قَالَ الشَّعْبِيُّ: فَصْلُ الْخِطَابِ: أَمَّا بَعْدُ.

  • ٢١ - وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ
  • ٢٢ - إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُدَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُواْ لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ
  • ٢٣ - إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ
  • ٢٤ - قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَاّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ وَظَنَّ دَاوُدُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ
  • ٢٥ - فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ

ُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ

  • ٢٥ - فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ

قد ذكر المفسرون ها هنا قِصَّةً أَكْثَرُهَا مَأْخُوذٌ مِنَ الْإِسْرَائِيلِيَّاتِ، وَلَمْ يَثْبُتْ فِيهَا عَنِ الْمَعْصُومِ حَدِيثٌ يَجِبُ اتِّبَاعُهُ، وَلَكِنْ رَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ هُنَا حَدِيثًا، لَا يَصِحُّ سَنَدُهُ، لِأَنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ عن أنَس ﵁، وَيَزِيدُ وَإِنْ كَانَ مِنَ الصَّالِحِينَ، لَكِنَّهُ ضَعِيفُ الْحَدِيثِ عِنْدَ الْأَئِمَّةِ؛ فَالْأُولَى أَنْ يُقْتَصَرَ عَلَى مُجَرَّدِ تِلَاوَةِ هَذِهِ الْقِصَّةِ، وَأَنْ يُرَدَّ عِلْمُهَا إِلَى اللَّهِ ﷿، فَإِنَّ الْقُرْآنَ حَقٌّ، وما تضمن فهو حق أيضاً (زعموا أن المراد بالخصم جبريل وميكائيل، وضمير الجمع في: تسوروا، يرجع إليهما، حملاً على لفظ الخصم. والنعجة: كناية عن المرأة، والمراد: أم سليمان، وكانت أمرأة أوريا قبل داود، إلى آخر ما هنالك من أقوال غير صحيحة)، وقوله تعالى: ﴿فَفَزِعَ مِنْهُمْ﴾ إِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ كَانَ فِي مِحْرَابِهِ، وَهُوَ أَشْرَفُ مَكَانٍ فِي دَارِهِ، وكان قد أمر أن لا يَدْخُلَ عَلَيْهِ أَحَدٌ ذَلِكَ الْيَوْمَ، فَلَمْ يَشْعُرْ إِلَّا بِشَخْصَيْنِ قَدْ تَسَوَّرَا عَلَيْهِ الْمِحْرَابَ، أَيِ احتاطا به، يسألانه عن شأنهما، وقوله ﷿: ﴿وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ﴾ أَيْ غَلَبَنِي، يُقَالُ: عَزَّ يعز إذا قهر وغلب، وقوله تعالى: ﴿وَظَنَّ داود أَنَّمَا فَتَنَّاهُ﴾ قال ابن عباس: أي اختبرناه، وقوله تعالى ﴿وَخَرَّ رَاكِعاً﴾ أي ساجداً، ﴿وَأَنَابَ﴾ أي رجع وتاب وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ رَكَعَ أَوَّلًا ثُمَّ سَجَدَ بَعْدَ ذلك، ﴿فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ﴾ أَيْ مَا كَانَ مِنْهُ مما يقال فيه «حَسَنَاتِ الْأَبْرَارِ سَيِّئَاتُ الْمُقَرَّبِينَ».

َ أَوَّلًا ثُمَّ سَجَدَ بَعْدَ ذلك، ﴿فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ﴾ أَيْ مَا كَانَ مِنْهُ مما يقال فيه «حَسَنَاتِ الْأَبْرَارِ سَيِّئَاتُ الْمُقَرَّبِينَ». وَقَدِ اخْتَلَفَ الْأَئِمَّةُ فِي سَجْدَةِ (ص) هَلْ هِيَ مِنْ عَزَائِمِ السُّجُودِ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ: الْجَدِيدُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ ﵁ أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ عَزَائِمِ السُّجُودِ، بَلْ هِيَ سجدة شكر؛ والدليل على ذلك ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّهُ قال: السجدة فِي (ص) لَيْسَتْ مِنْ عَزَائِمِ السُّجُودِ، وَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يسجد فيها (أخرجه البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي والإمام أحمد، وقال الترمذي: حسن صحيح)،

وروى البخاري عند تفسيرها عَنِ الْعَوَامِّ قَالَ: سَأَلْتُ مُجَاهِدًا عَنْ سَجْدَةِ (ص) فقال: سألت ابن عباس ﵄ مِنْ أَيْنُ سَجَدْتَ؟ فَقَالَ: أَوَمَا تَقْرَأُ ﴿وَمِن ذُرِّيَّتِهِ داود وسليمان﴾، ﴿أولئك الذين هَدَى الله فَبِهُدَاهُمُ اقتده﴾؟ فكان داود ﵊ مِمَّنْ أُمِرَ نَبِيُّكُمْ ﷺ أن يقتدي به، فسجدها داود ﵊، فَسَجَدَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ. وقوله تعالى: ﴿وَإِن لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنُ مَآبٍ﴾ أَيْ وإن يوم لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَقُرْبَةً يُقَرِّبُهُ اللَّهُ ﷿ بها، وحسن مرجع، وهو الدرجات العالية فِي الْجَنَّةِ لِتَوْبَتِهِ وَعَدْلِهِ التَّامِّ فِي مُلْكِهِ، كَمَا جَاءَ فِي الصَّحِيحِ: «الْمُقْسِطُونَ عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ، عَنْ يَمِينِ الرَّحْمَنِ وَكِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ، الَّذِينَ يُقْسِطُونَ فِي أَهْلِيهِمْ وَمَا وُلُّوا». وعن أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنْ أَحَبَّ النَّاسِ إِلَى اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَأَقْرَبَهُمْ مِنْهُ مَجْلِسًا إِمَامٌ عَادِلٌ، وَإِنَّ أَبْغَضَ النَّاسِ إِلَى اللَّهِ يوم القيامة وأشدهم عذاباً إمام جائر» (أخرجه الإمام أحمد والترمذي).

  • ٢٦ - يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُواْ يَوْمَ الْحِسَابِ

ّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُواْ يَوْمَ الْحِسَابِ

هَذِهِ وَصِيَّةً مِّنَ اللَّهِ ﷿ لِوُلَاةِ الْأُمُورِ، أَنْ يَحْكُمُوا بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ الْمُنَزَّلِ مِنْ عِنْدِهِ ﵎، وَلَا يعدلوا عنه فيضلوا عن سبيل الله، وقد توعد ﵎ مَنْ ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَتَنَاسَى يَوْمَ الْحِسَابِ، بالوعيد الأكيد والعذاب الشديد، روى ابن أبي حاتم بسنده عن أبي زُرْعَةَ - وَكَانَ قَدْ قَرَأَ الْكِتَابَ - أَنَّ الْوَلِيدَ بْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ قَالَ لَهُ: أَيُحَاسَبُ الْخَلِيفَةُ فَإِنَّكَ قَدْ قَرَأْتَ الْكِتَابَ الْأَوَّلَ وَقَرَأْتَ الْقُرْآنَ وَفَقِهْتَ؟ فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَقُولُ؟ قَالَ: قل في أمان الله، قَلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْتَ أَكْرَمُ عَلَى الله أو داود ﵊؟ إن الله تعالى جَمَعَ لَهُ النُّبُوَّةَ وَالْخِلَافَةَ ثُمَّ تَوَعَّدَهُ فِي كتابه فقال تعالى: ﴿يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ الله﴾ الآية (أخرجه ابن أبي حاتم عن أبي زرعة)، وَقَالَ عِكْرِمَةُ: ﴿لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُواْ يَوْمَ الْحِسَابِ﴾ هَذَا مِنَ الْمُقَدَّمِ وَالْمُؤَخَّرِ: لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ يَوْمَ الْحِسَابِ بِمَا نَسُوا، وَقَالَ السُّدِّيُّ: لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا تَرَكُوا أَنْ يعملوا ليوم الحساب، وهذا القول أظهر، والله ﷾ الموفق للصواب.

  • ٢٧ - وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ
  • ٢٨ - أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ
  • ٢٩ - كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُواْ الْأَلْبَابِ

ْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ

  • ٢٩ - كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُواْ الْأَلْبَابِ

يُخْبِرُ تَعَالَى أَنَّهُ مَا خَلَقَ الْخَلْقَ عبثاً، وإنما خلقهم ليعبدوه ويوحّده، ثم يجمعهم يوم الْجَمْعِ فَيُثِيبُ الْمُطِيعَ وَيُعَذِّبُ الْكَافِرَ، وَلِهَذَا قَالَ ﵎: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾، أَيِ الَّذِينَ لَا يَرَوْنَ بَعْثًا وَلَا مَعَادًا، وَإِنَّمَا يَعْتَقِدُونَ هَذِهِ الدَّارَ فَقَطْ، ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ﴾ أَيْ وَيْلٌ لَهُمْ

يَوْمَ مَعَادِهِمْ وَنَشُورِهِمْ مِنَ النَّارِ الْمُعَدَّةِ لَهُمْ، ثم بيَّن تعالى أنه ﷿ من عدله وحكمته لا يساوي بين المؤمنين والكافرين، فقال تَعَالَى: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ * أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ أَيْ لَا نَفْعَلُ ذَلِكَ، وَلَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ، وَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ، فَلَا بُدَّ مِنْ دَارٍ أُخْرَى يُثَابُ فِيهَا هَذَا الْمُطِيعُ، ويعاقب فيها هذا الفاجر، وتدل الْعُقُولَ السَّلِيمَةَ وَالْفِطَرَ الْمُسْتَقِيمَةَ عَلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ مَعَادٍ وَجَزَاءٍ، فَإِنَّا نَرَى الظَّالِمَ الْبَاغِيَ يَزْدَادُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ وَنَعِيمُهُ وَيَمُوتُ كَذَلِكَ، وَنَرَى الْمُطِيعَ الْمَظْلُومَ يَمُوتُ بِكَمَدِهِ، فَلَا بُدَّ فِي حِكْمَةِ الْحَكِيمِ الْعَلِيمِ الْعَادِلِ، الَّذِي لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ مِنْ إِنْصَافِ هَذَا مِنْ هَذَا، وَإِذَا لَمْ يَقَعْ هَذَا فِي هَذِهِ الدَّارِ فَتَعَيَّنَ أَنَّ هُنَاكَ دَارًا أُخْرَى، لِهَذَا الْجَزَاءِ وَالْمُوَاسَاةِ، وَلَمَّا كَانَ الْقُرْآنُ يُرْشِدُ إِلَى المقاصد الصحيحة والمآخذ العقلية الصريحة قال تَعَالَى: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُواْ الْأَلْبَابِ﴾ أَيْ ذَوُو الْعُقُولِ،

الصريحة قال تَعَالَى: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُواْ الْأَلْبَابِ﴾ أَيْ ذَوُو الْعُقُولِ، وَهِيَ (الْأَلْبَابُ) جَمْعُ لُبٍّ وَهُوَ الْعَقْلُ، قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: وَاللَّهِ مَا تَدَبَّرَهُ بِحِفْظِ حُرُوفِهِ، وَإِضَاعَةِ حُدُودِهِ، حَتَّى إِنَّ أَحَدَهُمْ لَيَقُولُ: قَرَأْتُ الْقُرْآنَ كُلَّهُ مَا يُرَى لَهُ الْقُرْآنُ فِي خُلُقٍ وَلَا عَمَلٍ (رواه ابن أبي حاتم عن الحسن البصري).

  • ٣٠ - وَوَهَبْنَا لِدَاوُدَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ
  • ٣١ - إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ
  • ٣٢ - فَقَالَ إني أحببت حُبَّ الخير عَن ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ
  • ٣٣ - رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحاً بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ

يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا أَنَّهُ وَهَبَ لداود (سليمان) أي نبياً، كما قال ﷿: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ﴾ أَيْ فِي النُّبُوَّةِ، وَإِلَّا فَقَدَ كَانَ لَهُ بَنُونَ غَيْرُهُ، فَإِنَّهُ قَدْ كان عنده مائة امرأة حرائر، وقوله تعالى: ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ ثَنَاءٌ عَلَى سُلَيْمَانَ بِأَنَّهُ كَثِيرُ الطَّاعَةِ وَالْعِبَادَةِ وَالْإِنَابَةِ إِلَى اللَّهِ ﷿، وقوله تعالى: ﴿إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ﴾ أَيْ إذ عرض على سليمان ﵊ فِي حَالِ مَمْلَكَتِهِ وَسُلْطَانِهِ الْخَيْلُ الصَّافِنَاتُ، قَالَ مُجَاهِدٌ: وَهِيَ الَّتِي تَقِفُ عَلَى ثَلَاثٍ وَطَرَفِ حافر الرابعة، والجياد السراع (وكذلك قال غير واحد من السلف)، وعن إبراهيم التيمي قال: كانت النخيل الَّتِي شَغَلَتْ سُلَيْمَانَ ﵊ عِشْرِينَ ألف فرس فعقرها، وعن عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ غَزْوَةِ تبوك أو خبير وَفِي سَهْوَتِهَا سَتْرٌ، فَهَبَّتِ الرِّيحُ، فَكَشَفَتْ نَاحِيَةَ الستر عن بنات لعائشة ﵂ لعب، فقال ﷺ: «مَا هَذَا يَا عائشة؟» قالت ﵂: بَنَاتِي، وَرَأَى بَيْنَهُنَّ فَرَسًا لَهُ جَنَاحَانِ مِنْ رقاع، فقال ﷺ: «ما هذا الذي أرى أوسطهن؟» قال ﵂: فرس، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «فرس له جناحان» قالت ﵂:! أما سمعت أن سليمان ﵊ كانت له خيل لها أجنحة؟ قالت ﵂: فضحك ﷺ حتى رِأيت نواجذه (أخرجه أبو داود في السنن من حديث عائشة ﵂.

ّهِ ﷺ: «فرس له جناحان» قالت ﵂:! أما سمعت أن سليمان ﵊ كانت له خيل لها أجنحة؟ قالت ﵂: فضحك ﷺ حتى رِأيت نواجذه (أخرجه أبو داود في السنن من حديث عائشة ﵂. وقوله ﵎: ﴿فقال إني أحببت حُبَّ الخير عَن ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ ذَكَرَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ وَالْمُفَسِّرِينَ: أَنَّهُ اشْتَغَلَ بِعَرْضِهَا حَتَّى فَاتَ وَقْتُ صَلَاةِ الْعَصْرِ، وَالَّذِي يُقْطَعُ بِهِ أَنَّهُ لَمْ يَتْرُكْهَا عَمْدًا، بَلْ نِسْيَانًا، كَمَا شُغِلَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ الْخَنْدَقِ عَنْ صَلَاةِ الْعَصْرِ، حَتَّى صَلَّاهَا بَعْدَ الغروب؛ وذلك ثابت

في الصحيحين عن جابر ﵁ قَالَ: جَاءَ عُمَرُ ﵁ يَوْمَ الْخَنْدَقِ بَعْدَ مَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ، فَجَعَلَ يَسُبُّ كُفَّارَ قُرَيْشٍ، وَيَقُولُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَاللَّهِ مَا كِدْتُ أُصَلِّي الْعَصْرَ حَتَّى كَادَتِ الشَّمْسُ تَغْرُبُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «وَاللَّهِ مَا صَلَّيْتُهَا»، فَقَالَ: فَقُمْنَا إِلَى بطحان فتوضأ نبي الله ﷺ لِلصَّلَاةِ وَتَوَضَّأْنَا لَهَا، فَصَلَّى الْعَصْرَ بَعْدَ مَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ، ثُمَّ صَلَّى بَعْدَهَا الْمَغْرِبَ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ كَانَ سَائِغًا فِي مِلَّتِهِمْ تَأْخِيرُ الصَّلَاةِ لعذر الغزو والقتال، والأول أقرب، لأنه قال بعده: ﴿رُدُّوهَا عليَّ فَطَفِقَ مَسْحاً بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ﴾ قَالَ الحسن البصري: لَا وَاللَّهِ لَا تَشْغَلِينِي عَنْ عِبَادَةِ رَبِّي آخِرَ مَا عَلَيْكِ، ثُمَّ أَمَرَ بِهَا فَعُقِرَتْ، وقال السدي: ضرب أعناقها وعراقيبها بالسيوف (وروي عن ابن عباس أنه قال: جعل يمسح أعراف الخيل وعراقيبها بيده حباً لها، والأظهر قول الحسن والسدي)، ولهذا عوضه الله ﷿ ما هو خير منها، وهو الرِّيحُ الَّتِي تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَآءً حَيْثُ أَصَابَ، غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ، فَهَذَا أَسْرَعُ وَخَيْرٌ من الخيل.

خير منها، وهو الرِّيحُ الَّتِي تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَآءً حَيْثُ أَصَابَ، غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ، فَهَذَا أَسْرَعُ وَخَيْرٌ من الخيل.

  • ٣٤ - وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ
  • ٣٥ - قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لَاّ يَنبَغِي لأَحَدٍ مِّن بَعْدِي إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ
  • ٣٦ - فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَآءً حَيْثُ أَصَابَ
  • ٣٧ - وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّآءٍ وَغَوَّاصٍ
  • ٣٨ - وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ
  • ٣٩ - هَذَا عَطَآؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ
  • ٤٠ - وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ

يَقُولُ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ﴾ أَيِ اخْتَبَرْنَاهُ بِأَنْ سَلَبْنَاهُ الْمُلْكَ، ﴿وَأَلْقَيْنَا على كرسيه جسداً﴾ (رويت عدة روايات مطولة عن موضوع (فتنة سليمان) وكلها إسرائيليات، ومن أغربها وأنكرها ما رواه ابن أبي حاتم إن سليمان ﵇ أراد أَنْ يَدْخُلَ الْخَلَاءَ فَأَعْطَى الْجَرَادَةَ خَاتَمَهُ وَكَانَتِ أحب نسائه إليه، فجاءها الشيطان بصورة سليمان فقال لها: هاتي خاتمي، فظنته سليمان فَأَعْطَتْهُ إِيَّاهُ، فَلَمَّا لَبِسَهُ دَانَتْ لَهُ الْإِنْسُ والجن والشياطين .. وكل هذه القصص لا تصح لأنها من الإسرائيليات وقد ذكرها ابن كثير وبيّن غرابتها ونكارتها، ولذلك ضربنا صفحاً عنها).

نَتْ لَهُ الْإِنْسُ والجن والشياطين .. وكل هذه القصص لا تصح لأنها من الإسرائيليات وقد ذكرها ابن كثير وبيّن غرابتها ونكارتها، ولذلك ضربنا صفحاً عنها). وقال ابن عباس والحسن وقتادة: يَعْنِي شَيْطَانًا، ﴿ثُمَّ أَنَابَ﴾ أَيْ رَجَعَ إِلَى مُلْكِهِ وَسُلْطَانِهِ وَأُبَّهَتِهِ، قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَكَانَ اسم ذلك الشيطان صخراً، وقيل: آصف، ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لَاّ يَنبَغِي لأَحَدٍ مِّن بَعْدِي إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ﴾ قَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَاهُ لَا يَنْبَغِي لأَحَدٍ مِّن بَعْدِي أَيْ لَا يَصْلُحُ لِأَحَدٍ أَنْ يسلبنيه بعدي، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ سَأَلَ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى مُلْكًا لَا يَكُونُ لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ مِنَ الْبَشَرِ مِثْلُهُ، وَهَذَا هُوَ ظَاهِرُ السِّيَاقِ مِنَ الْآيَةِ، وبذلك وَرَدَتِ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ مِنْ طُرُقٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قَالَ الْبُخَارِيُّ عند تفسير هذه الآية، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النبي ﷺ قال: "إن عِفْرِيتًا مِنَ الْجِنِّ تَفَلَّتَ عليَّ الْبَارِحَةَ - أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا - لِيَقْطَعَ عَلَيَّ الصَّلَاةَ فَأَمْكَنَنِي اللَّهُ ﵎ مِنْهُ، وَأَرَدْتُ أَنْ أَرْبِطَهُ إِلَى سَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي الْمَسْجِدِ حَتَّى تُصْبِحُوا وَتَنْظُرُوا إِلَيْهِ كُلُّكُمْ، فذكرت قول أخي سليمان ﵊: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِّن بَعْدِي﴾ " قَالَ رَوْحٌ: فَرَدَّهُ خاسئاً. وروى مسلم في صحيحه عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ﵁ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَسَمِعْنَاهُ يَقُولُ: «أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْكَ، ثُمَّ قَالَ، أَلْعَنُكَ بِلَعْنَةِ اللَّهِ» ثَلَاثًا، وَبَسَطَ يَدَهُ كَأَنَّهُ يَتَنَاوَلُ شَيْئًا، فَلَمَّا فَرَغَ مِنَ الصَّلَاةِ قُلْنَا: يا رسول الله

سَمِعْنَاكَ تَقُولُ فِي الصَّلَاةِ شَيْئًا لَمْ نَسْمَعْكَ تَقُولُهُ قَبْلَ ذَلِكَ، وَرَأَيْنَاكَ بَسَطَتْ يَدَكَ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "إِنَّ عَدُوَّ اللَّهِ إِبْلِيسَ جَاءَ بِشِهَابٍ مِنْ نَارٍ لِيَجْعَلَهُ فِي وَجْهِي، فَقُلْتُ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ قُلْتُ: أَلْعَنُكَ بِلَعْنَةِ اللَّهِ التَّامَّةِ، فَلَمْ يَسْتَأْخِرْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ أردت أن أَخْذَهُ، وَاللَّهِ لَوْلَا دَعْوَةُ أَخِينَا سُلَيْمَانَ لَأَصْبَحَ موثقاً يلعب به صبيان أهل المدينة" (أخرجه مسلم في صحيحه عن أبي الدرداء مرفوعاً). وعن أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَامَ يصلي الصبح، وأنا خَلْفُهُ فَقَرَأَ، فَالْتَبَسَتْ عَلَيْهِ الْقِرَاءَةُ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ صِلَاتِهِ قَالَ: «لَوْ رَأَيْتُمُونِي وَإِبْلِيسَ فَأَهْوَيْتُ بِيَدِي، فَمَا زِلْتُ أَخْنُقُهُ حَتَّى وَجَدْتُ بَرْدَ لُعَابِهِ بَيْنَ أُصْبُعَيَّ هَاتَيْنِ - الْإِبْهَامِ وَالَّتِي تَلِيهَا - ولولاد دَعْوَةُ أَخِي سُلَيْمَانَ لَأَصْبَحَ مَرْبُوطًا بِسَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي الْمَسْجِدِ يَتَلَاعَبُ بِهِ صِبْيَانُ الْمَدِينَةِ، فَمَنِ استطاع منكم أن لا يحول بينه وبين القبلة أحد فليفعل» (أخرجه الإمام أحمد وروى بعضه أبو داود في سننه).

ِ يَتَلَاعَبُ بِهِ صِبْيَانُ الْمَدِينَةِ، فَمَنِ استطاع منكم أن لا يحول بينه وبين القبلة أحد فليفعل» (أخرجه الإمام أحمد وروى بعضه أبو داود في سننه). وقوله ﵎: ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَآءً حَيْثُ أَصَابَ﴾ قال الحسن البصري: لما عقر سليمان ﵊ الْخَيْلَ غَضَبًا لِلَّهِ ﷿، عَوَّضَهُ اللَّهُ تعالى مَا هُوَ خَيْرٌ مِنْهَا وَأَسْرَعُ الرِّيحُ الَّتِي غدوها شهر ورواحها شهر، وقوله جلَّ وعلا: ﴿حَيْثُ أَصَابَ﴾ أَيْ حَيْثُ أَرَادَ مِنَ الْبِلَادِ، وقوله ﷻ: ﴿والشياطين كُلَّ بَنَّآءٍ وَغَوَّاصٍ﴾ أي منهم ما هُوَ مُسْتَعْمَلٌ فِي الْأَبْنِيَةِ الْهَائِلَةِ مِنْ مَحَارِيبَ وتماثيل إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَعْمَالِ الشَّاقَّةِ الَّتِي لَا يَقْدِرُ عَلَيْهَا الْبَشَرُ، وَطَائِفَةٌ غَوَّاصُونَ فِي البحار يستخرجون ما بها من الآلئ والجواهر والأشياء النفسية الَّتِي لَا تُوجَدُ إِلَّا فِيهَا، ﴿وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الأصفاد﴾ أي موثوقون في الأغلال والأكبال ممن تَمَرَّدَ وَعَصَى، وَامْتَنَعَ مِنَ الْعَمَلِ وَأَبَى، أَوْ قد أساء في صنيعه واعتدى، وقوله ﷿: ﴿هَذَا عَطَآؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ أَيْ هَذَا الَّذِي أَعْطَيْنَاكَ مِنَ الْمُلْكِ التَّامِّ وَالسُّلْطَانِ الْكَامِلِ كَمَا سَأَلْتَنَا، فَأَعْطِ مَنْ شِئْتَ، وَاحْرِمْ مَنْ شِئْتَ، لَا حِسَابَ عَلَيْكَ، أَيْ مهما فعلت فهو جائز لك، وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا خيَّر بَيْنَ أن يكون (عبداً رسولاً)، وَبَيْنَ أَنْ يَكُونَ (مَلِكًا نَبِيًّا) يُعْطِي مَنْ يَشَاءُ وَيَمْنَعُ مَنْ يَشَاءُ، بِلَا حِسَابٍ وَلَا جُنَاحٍ، اخْتَارَ الْمَنْزِلَةَ الْأُولَى بَعْدَ مَا اسْتَشَارَ جبريل ﵇، فَقَالَ لَهُ: تَوَاضَعْ فَاخْتَارَ الْمَنْزِلَةَ الْأُولَى، لِأَنَّهَا أرفع قدراً عند الله ﷿ وَأَعْلَى مَنْزِلَةً فِي الْمَعَادِ، وَإِنْ كَانَتِ الْمَنْزِلَةُ الثَّانِيَةُ وَهِيَ النُّبُوَّةُ مَعَ الْمُلْكِ عَظِيمَةً أَيْضًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ،

َنْزِلَةً فِي الْمَعَادِ، وَإِنْ كَانَتِ الْمَنْزِلَةُ الثَّانِيَةُ وَهِيَ النُّبُوَّةُ مَعَ الْمُلْكِ عَظِيمَةً أَيْضًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَلِهَذَا لَمَّا ذَكَرَ ﵎ ما أعطى سليمان ﵊ في الدنيا نبه تعالى أَنَّهُ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ القيامة أيضا، فقال تعالى: ﴿وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنُ مَآبٍ﴾ أَيْ فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ.

  • ٤١ - وَاذْكُرْ عَبْدَنَآ أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ
  • ٤٢ - ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ
  • ٤٣ - وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنَّا وَذِكْرَى لأُوْلِي الْأَلْبَابِ
  • ٤٤ - وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فَاضْرِبْ بِّهِ وَلَا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِراً نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ

يَذْكُرُ ﵎ عبده ورسوله (أيوب) ﵊، وَمَا كَانَ ابْتَلَاهُ تَعَالَى بِهِ مِنَ الضُّرِّ في

جَسَدِهِ وَمَالِهِ وَوَلَدِهِ، حَتَّى لَمْ يَبْقَ مَنْ جشده مَغْرَزُ إِبْرَةٍ سَلِيمًا سِوَى قَلْبِهِ، وَلَمْ يَبْقَ له من الدُّنْيَا شَيْءٌ يَسْتَعِينُ بِهِ عَلَى مَرَضِهِ وَمَا هُوَ فِيهِ، غَيْرَ أَنَّ زَوْجَتَهُ حَفِظَتْ وِدَّهُ لإيمانها بالله تعالى وَرَسُولِهِ، فَكَانَتْ تَخْدُمُ النَّاسَ بِالْأُجْرَةِ وَتُطْعِمُهُ وَتَخْدُمُهُ، نَحْوًا مِنْ ثَمَانِي عَشْرَةَ سَنَةٍ، وَقَدْ كَانَ قَبْلَ ذَلِكَ فِي مَالٍ جَزِيلٍ وَأَوْلَادٍ وَسَعَةٍ طَائِلَةٍ مِنَ الدُّنْيَا، فَسُلِبَ جَمِيعَ ذَلِكَ حَتَّى رفضه الْقَرِيبُ وَالْبَعِيدُ

َدْ كَانَ قَبْلَ ذَلِكَ فِي مَالٍ جَزِيلٍ وَأَوْلَادٍ وَسَعَةٍ طَائِلَةٍ مِنَ الدُّنْيَا، فَسُلِبَ جَمِيعَ ذَلِكَ حَتَّى رفضه الْقَرِيبُ وَالْبَعِيدُ سِوَى زَوْجَتِهِ ﵂ فإنها كانت لا تفارقه صباحاً ومساء إِلَّا بِسَبَبِ خِدْمَةِ النَّاسِ ثُمَّ تَعُودُ إِلَيْهِ قَرِيبًا، فَلَمَّا طَالَ الْمَطَالُ، وَاشْتَدَّ الْحَالُ، وَانْتَهَى القدر، وَتَمَّ الْأَجَلُ الْمُقَدَّرُ تَضَرَّعَ إِلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ وَإِلَهِ الْمُرْسَلِينَ فَقَالَ: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الراحمين﴾، وفي هذه الآية الكريمة قال: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَآ أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ﴾ قِيلَ ﴿بنُصْب﴾ فِي بدين ﴿وَعَذَابٍ﴾ فِي مَالِي وَوَلَدِي، فَعِنْدَ ذَلِكَ اسْتَجَابَ لَهُ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَقُومَ مِنْ مَقَامِهِ، وَأَنْ يَرْكُضَ الْأَرْضَ بِرِجْلِهِ، فَفَعَلَ، فَأَنْبَعَ الله تعالى عيناً وأمره أن يغتسل منها، فأذهبت جَمِيعَ مَا كَانَ فِي بَدَنِهِ مِنَ الْأَذَى؛ ثُمَّ أَمَرَهُ فَضَرَبَ الْأَرْضَ فِي مَكَانٍ آخَرَ، فَأَنْبَعَ لَهُ عَيْنًا أُخْرَى، وَأَمَرَهُ أَنْ يَشْرَبَ منها، فأذهبت جميع مَا كَانَ فِي بَاطِنِهِ مِنَ السُّوءِ، وَتَكَامَلَتِ العافية ظاهراً وباطناً، ولهذا قال ﵎: ﴿اركض بِرِجْلِكَ هذا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ﴾.

Bagian 109 dari 141