Mukhtashar Tafsir Ibnu Katsir

Ringkasan tafsir Ibnu Katsir, riwayat dan tafsir bil-ma’tsur.

Bagian 136 dari 141

— Bagian 136 · ْكُفَّارِ تُنْزَعُ ثُمَّ تُنْشَطُ ثُمَّ تَغْرَقُ… —

Bagian 136

ْكُفَّارِ تُنْزَعُ ثُمَّ تُنْشَطُ ثُمَّ تَغْرَقُ فِي النَّارِ (رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ)، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿وَالنَّازِعَاتِ غَرْقاً﴾: الْمَوْتُ. وَقَالَ الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ ﴿وَالنَّازِعَاتِ غَرْقاً * وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطاً﴾: هِيَ النجوم، والصحيح الأوّل وعليه الأكثرون، أما قوله تعالى: ﴿وَالسَّابِحَاتِ سَبْحاً﴾ فَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: هِيَ الْمَلَائِكَةُ، وَقَالَ قَتَادَةُ: هِيَ النُّجُومُ، وَقَالَ عَطَاءٌ: هِيَ السفن، وقوله تعالى ﴿فالسابقات سَبْقاً﴾: يَعْنِي الْمَلَائِكَةَ، قَالَ الْحَسَنُ: سَبَقَتْ إِلَى الْإِيمَانِ والتصديق، وَقَالَ قَتَادَةُ: هِيَ النُّجُومُ، وَقَالَ عَطَاءٌ: هِيَ الخيل في سبيل الله، وقوله تعالى: ﴿فالمدبرات أَمْراً﴾ قال علي ومجاهد: هي الملائكة تُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، يَعْنِي بأمر ربها ﷿، وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ * تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ﴾ قَالَ ابْنُ عباس: هما النفختان الأولى والثانية (وهو قول مجاهد والحسن وقتادة والضحّاك وغيرهم)، قال مجاهد: أما الأولى ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ﴾ فَكَقَوْلِهِ جلَّت عَظَمَتُهُ: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الأرض والجبال﴾، وأما الثانية وهي الرادفة، كَقَوْلِهِ: ﴿وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً﴾، وفي الحديث قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «جَاءَتِ الرَّاجِفَةُ تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ، جَاءَ الْمَوْتُ بِمَا فِيهِ» فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ إِنْ جَعَلْتُ صَلَاتَيْ كُلَّهَا عَلَيْكَ؟ قَالَ: «إِذًا يكفيك

ّادِفَةُ، جَاءَ الْمَوْتُ بِمَا فِيهِ» فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ إِنْ جَعَلْتُ صَلَاتَيْ كُلَّهَا عَلَيْكَ؟ قَالَ: «إِذًا يكفيك

الله ما أهمك من ديناك وآخرتك» (أخرجه أحمد) رواه أحمد والترمذي، ولفظ الترمذي: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا ذَهَبَ ثُلُثَا اللَّيْلِ قَامَ فَقَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا اللَّهَ جَاءَتِ الرَّاجِفَةُ تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ جَاءَ الْمَوْتُ بما فيه». وقوله تعالى: ﴿قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ﴾ فقال ابن عباس: يعني خائفة ﴿أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ﴾ أي أبصار أصحابها وإنما أضيفت إليها للملابسة، أي ذليلة حقيرة مما عانت من الأهوال. وقوله تعالى: ﴿يَقُولُونَ أَئِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ﴾ يَعْنِي مُشْرِكِي قريش، يَسْتَبْعِدُونَ وُقُوعَ الْبَعْثِ بَعْدَ الْمَصِيرِ إِلَى ﴿الْحَافِرَةِ﴾ وَهِيَ الْقُبُورُ (قَالَهُ مُجَاهِدٌ) وَبَعْدَ تَمَزُّقِ أَجْسَادِهِمْ وَتَفَتُّتِ عِظَامِهِمْ وَنَخُورِهَا، وَلِهَذَا قَالُوا: ﴿أَئِذَا كُنَّا عِظَاماً نَّخِرَةً﴾ وقرئ: ناخرة أَيُّ بَالِيَةً، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَهُوَ الْعَظَمُ إِذَا بَلِيَ وَدَخَلَتْ الرِّيحُ فِيهِ، ﴿قَالُواْ تِلْكَ إِذاً كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ﴾.

قرئ: ناخرة أَيُّ بَالِيَةً، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَهُوَ الْعَظَمُ إِذَا بَلِيَ وَدَخَلَتْ الرِّيحُ فِيهِ، ﴿قَالُواْ تِلْكَ إِذاً كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ﴾. وعن ابن عباس وَقَتَادَةَ: الْحَافِرَةُ الْحَيَاةُ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَقَالَ ابْنُ زيد: الحافرة النار، وما أكثر أسماءها! هِيَ النَّارُ وَالْجَحِيمُ وَسَقَرُ وَجَهَنَّمُ وَالْهَاوِيَةُ وَالْحَافِرَةُ وَلَظَى وَالْحُطَمَةُ، وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: ﴿تِلْكَ إِذاً كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ﴾ فَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ، قَالَتْ قُرَيْشٌ: لَئِنْ أَحْيَانَا اللَّهُ بَعْدَ أَنْ نَمُوتَ لَنَخْسَرَنَّ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ﴾ أي فإنما هو من أمر اللَّهِ لَا مَثْنَوِيَّةَ فِيهِ وَلَا تَأْكِيدَ فَإِذَا النَّاسُ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ، وَهُوَ أَنْ يَأْمُرَ تَعَالَى إِسْرَافِيلَ فَيُنْفَخُ فِي الصُّورِ نَفْخَةُ الْبَعْثِ، فَإِذَا الْأَوَّلُونَ وَالْآخَرُونَ قِيَامٌ بَيْنَ يَدَيِ الرَّبِّ ﷿ ينظرون، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِن لَّبِثْتُمْ إِلَاّ قَلِيلاً﴾، وقال تعالى: ﴿وَمَآ أَمْرُنَآ إِلَاّ كلمح بالبصر﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَاّ كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هو أقرب﴾ قال مجاهد: ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ صحية واحدة، وأشد ما يكون الرب ﷿ غضباً على خلقه يوم يبعثهم، قال الحسن البصري: زجرة من الغضب، وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا هُم بالساهرة﴾ قال ابن عباس: الساهرة الأرض كلها، وقال عكرمة والحسن: الساهرة وجه الأرض، قال مجاهد: كانوا بأسفلها فأخرجوا إلى أعلاها، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ ﴿فَإِذَا هُم بِالسَّاهِرَةِ﴾ قَالَ: أَرْضٌ بَيْضَاءُ عَفْرَاءُ خَالِيَةٌ كَالْخُبْزَةِ النّقي (رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ)، وَقَالَ الرَّبِيعُ بْنُ أنَس: ﴿فَإِذَا هُم بِالسَّاهِرَةِ﴾ يقول اللَّهِ ﷿: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الأرض والسماوات وبرزوا لله الواحد القهار﴾،

َالَ الرَّبِيعُ بْنُ أنَس: ﴿فَإِذَا هُم بِالسَّاهِرَةِ﴾ يقول اللَّهِ ﷿: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الأرض والسماوات وبرزوا لله الواحد القهار﴾، ويقول تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفاً * فَيَذَرُهَا قَاعاً صَفْصَفاً لَاّ تَرَى فِيهَا عِوَجاً ولا أَمْتاً﴾، ويقول تَعَالَى: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً﴾، وَهِيَ أَرْضٌ لَمْ يَعْمَلْ عَلَيْهَا خَطِيئَةٌ وَلِمَ يهرق عليها دم.

  • ١٥ - هَلُ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى
  • ١٦ - إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بالواد الْمُقَدَّسِ طُوًى
  • ١٧ - اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى
  • ١٨ - فَقُلْ هَل لَّكَ إِلَى أَن تَزَكَّى
  • ١٩ - وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى
  • ٢٠ - فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَى
  • ٢١ - فَكَذَّبَ وَعَصَى
  • ٢٢ - ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى
  • ٢٣ - فَحَشَرَ فَنَادَى
  • ٢٤ - فَقَالَ أَنَاْ رَبُّكُمُ الْأَعْلَى
  • ٢٥ - فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى
  • ٢٦ - إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِّمَن يَخْشَى

يُخْبِرُ تَعَالَى رَسُولَهُ مُحَمَّدًا ﷺ عَنْ عَبْدِهِ وَرَسُولِهِ مُوسَى ﵇، أَنَّهُ ابتعثه إلى فرعون وأيده الله بِالْمُعْجِزَاتِ، وَمَعَ هَذَا اسْتَمَرَّ عَلَى كُفْرِهِ وَطُغْيَانِهِ حَتَّى أَخَذَهُ اللَّهُ أَخَذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ، وَكَذَلِكَ عاقبة من خالفك يا محمد وَكَذَّبَ بِمَا جِئْتَ بِهِ، وَلِهَذَا قَالَ فِي آخِرِ الْقِصَّةِ: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِّمَن يخشى﴾، فقوله تعالى: ﴿هَلُ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى﴾ أَيْ هَلْ سَمِعْتَ بِخَبَرِهِ ﴿إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ﴾ أَيْ كَلَّمَهُ نِدَاءٍ ﴿بالواد الْمُقَدَّسِ﴾ أَيِ الْمُطَهَّرِ، ﴿طُوًى﴾ وَهُوَ اسْمُ الْوَادِي على الصحيح، فَقَالَ لَهُ: ﴿اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى﴾ أَيْ تَجَبَّرَ وَتَمَرَّدَ وَعَتَا، ﴿فَقُلْ هَل لَّكَ إِلَى أَن تَزَكَّى﴾ أَيْ قُلْ لَهُ هَلْ لَكَ أَنْ تُجِيبَ إِلَى طَرِيقَةٍ وَمَسْلَكٍ تَزَّكَّى بِهِ أَيْ تُسَلِّمُ وَتُطِيعُ، ﴿وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ﴾ أَيْ أَدُلُّكَ إِلَى عِبَادَةِ رَبِّكَ ﴿فَتَخْشَى﴾ أَيْ فيصير قلبك خاضعاً له مطيعاً خاشعاً، بعد ما كَانَ قَاسِيًا خَبِيثًا بَعِيدًا مِنَ الْخَيْرِ، ﴿فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَى﴾ يَعْنِي فَأَظْهَرَ لَهُ مُوسَى مَعَ هَذِهِ الدَّعْوَةِ الْحَقِّ حُجَّةً قَوِيَّةً، وَدَلِيلًا وَاضِحًا على صدق ما جاءه مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، ﴿فَكَذَّبَ وَعَصَى﴾ أَيْ فَكَذَّبَ بِالْحَقِّ، وَخَالَفَ مَا أَمَرَهُ بِهِ مِنَ الطَّاعَةِ،

وَدَلِيلًا وَاضِحًا على صدق ما جاءه مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، ﴿فَكَذَّبَ وَعَصَى﴾ أَيْ فَكَذَّبَ بِالْحَقِّ، وَخَالَفَ مَا أَمَرَهُ بِهِ مِنَ الطَّاعَةِ، ﴿ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى﴾ أَيْ فِي مُقَابَلَةِ الْحَقِّ بِالْبَاطِلِ وَهُوَ جَمْعُهُ السَّحَرَةَ، لِيُقَابِلُوا مَا جَاءَ بِهِ مُوسَى ﵇ مِنَ المعجزات الباهرات ﴿فَحَشَرَ فَنَادَى﴾ أَيْ فِي قَوْمِهِ، ﴿فَقَالَ أَنَاْ رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ: وَهَذِهِ الْكَلِمَةُ قَالَهَا فِرْعَوْنٌ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ بِأَرْبَعِينَ سَنَةً، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى﴾ أَيْ انْتَقَمَ اللَّهُ مِنْهُ انْتِقَامًا جَعَلَهُ بِهِ عِبْرَةً وَنَكَالًا لِأَمْثَالِهِ مِنَ الْمُتَمَرِّدِينَ فِي الدُّنْيَا، ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ المرفود﴾، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنصَرُونَ﴾، وهذا هُوَ الصَّحِيحُ فِي مَعْنَى الْآيَةِ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ: ﴿نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى﴾ أَيْ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِذَلِكَ كَلِمَتَاهُ الْأُولَى وَالثَّانِيَةُ، وَقِيلَ: كفره وعصيانه، والصحيح الْأَوَّلُ، وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِّمَن يَخْشَى﴾ أَيْ لِمَنْ يَتَّعِظُ وَيَنْزَجِرُ.

  • ٢٧ - أَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا
  • ٢٨ - رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا
  • ٢٩ - وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا
  • ٣٠ - وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا
  • ٣١ - أَخْرَجَ مِنْهَا مَآءَهَا وَمَرْعَاهَا
  • ٣٢ - وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا
  • ٣٣ - مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ

ْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا

  • ٣١ - أَخْرَجَ مِنْهَا مَآءَهَا وَمَرْعَاهَا
  • ٣٢ - وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا
  • ٣٣ - مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ

يَقُولُ تَعَالَى مُحْتَجًّا عَلَى مُنْكِرِي الْبَعْثِ فِي إِعَادَةِ الْخَلْقِ بَعْدَ بَدْئِهِ ﴿أَأَنتُمْ﴾ أَيُّهَا النَّاسُ ﴿أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّمَاءُ﴾ يَعْنِي بَلِ السَّمَاءُ أَشَدُّ خَلْقًا مِنْكُمْ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ من خلق الناس﴾، وقوله تعالى: ﴿بَنَاهَا﴾ فَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا﴾ أَيْ جَعَلَهَا عَالِيَةَ الْبِنَاءِ، بَعِيدَةَ الْفَنَاءِ، مُسْتَوِيَةَ الْأَرْجَاءِ، مكللة بالكواكب في الليلة الظلماء، وقوله تعالى: ﴿وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا﴾ أَيْ جَعَلَ لَيْلَهَا مظلماً أسود حالكاً، ونهارها مضيئاً مشرقاً وَاضِحًا، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَغْطَشَ لَيْلَهَا أَظْلَمَهُ، ﴿وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا﴾ أي أنار نهارها، وقوله تعالى: ﴿والأرض بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾ فسره بقوله تعالى: ﴿أَخْرَجَ مِنْهَا مَآءَهَا وَمَرْعَاهَا﴾ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي سُورَةِ «حم السَّجْدَةِ» أَنَّ الْأَرْضَ خُلِقَتْ قَبْلَ خلق السَّمَاءِ، وَلَكِنْ إِنَّمَا دُحِيَتْ بَعْدَ خَلْقِ السَّمَاءِ بِمَعْنَى أَنَّهُ أَخْرَجَ مَا كَانَ فِيهَا بِالْقُوَّةِ إلى الفعل، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﴿دَحَاهَا﴾ وَدَحْيُهَا أَنْ أَخْرَجَ مِنْهَا الْمَاءَ وَالْمَرْعَى وَشَقَّقَ فِيهَا الْأَنْهَارَ، وَجَعَلَ فِيهَا الْجِبَالَ وَالرِّمَالَ وَالسُّبُلَ وَالْآكَامَ فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾. وَقَدْ تَقَدَّمَ تَقْرِيرَ ذلك هنالك، وقوله تعالى: ﴿والجبال أَرْسَاهَا﴾ أي قررها وأثبتها في أماكنها، وهو الحكيم العليم، الرؤوف بخلقه الرحيم. وقوله تعالى: ﴿متاعا لَّكُمْ وَلأَنْعَامِكُمْ﴾ أي دحا الأرض فأتبع عُيُونَهَا، وَأَظْهَرَ مَكْنُونَهَا، وَأَجْرَى أَنْهَارَهَا، وَأَنْبَتَ زُرُوعَهَا وأشجارها

وَثَبَّتَ جِبَالَهَا لِتَسْتَقِرَّ بِأَهْلِهَا وَيَقَرُّ قَرَارُهَا، كُلُّ ذلك متعاً لِخَلْقِهِ وَلِمَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ مِنَ الْأَنْعَامِ، الَّتِي يَأْكُلُونَهَا وَيَرْكَبُونَهَا مُدَّةَ احْتِيَاجِهِمْ إِلَيْهَا فِي هَذِهِ الدَّارِ، إِلَى أَنْ يَنْتَهِيَ الْأَمَدُ وَيَنْقَضِيَ الْأَجَلُ.

  • ٣٤ - فَإِذَا جَآءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى
  • ٣٥ - يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ مَا سَعَى
  • ٣٦ - وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَن يَرَى
  • ٣٧ - فَأَمَّا مَن طَغَى
  • ٣٨ - وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا
  • ٣٩ - فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى
  • ٤٠ - وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى
  • ٤١ - فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى
  • ٤٢ - يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا
  • ٤٣ - فِيمَ أَنتَ مِن ذِكْرَاهَا
  • ٤٤ - إِلَى رَبِّكَ مُنتَهَاهَآ
  • ٤٥ - إِنَّمَآ أَنتَ مُنذِرٌ مَنْ يَخْشَاهَا
  • ٤٦ - كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَاّ عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا

بِّكَ مُنتَهَاهَآ

  • ٤٥ - إِنَّمَآ أَنتَ مُنذِرٌ مَنْ يَخْشَاهَا
  • ٤٦ - كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَاّ عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا

يَقُولُ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا جَآءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى﴾ وَهُوَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ، لِأَنَّهَا تطم على كل أمر هائك مُفْظِعٍ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ﴾، ﴿يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ مَا سَعَى﴾ أَيْ حِينَئِذٍ يَتَذَكَّرُ ابْنُ آدَمَ جَمِيعَ عَمَلِهِ، خَيْرِهِ وَشَرِّهِ كما قال تَعَالَى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى﴾، ﴿وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَن يَرَى﴾ أَيْ أَظْهَرَتْ لِلنَّاظِرِينَ فَرَآهَا النَّاسُ عِيَانًا، ﴿فَأَمَّا مَن طَغَى﴾ أَيْ تَمَرَّدَ وَعَتَا، ﴿وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ أَيْ قَدَّمَهَا عَلَى أَمْرِ دِينِهِ وأُخراه، ﴿فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى﴾، أَيْ فَإِنَّ مَصِيرَهُ إِلَى الْجَحِيمِ وَإِنَّ مطْعمه مِنَ الزَّقُّومِ وَمَشْرَبَهُ مِنَ الْحَمِيمِ، ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى﴾ أَيْ خَافَ الْقِيَامَ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ ﷿، وَخَافَ حُكْمَ اللَّهِ فِيهِ، وَنَهَى نَفْسَهُ عَنْ هَوَاهَا، وَرَدَّهَا إِلَى طَاعَةِ مَوْلَاهَا، ﴿فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ أَيْ مُنْقَلَبُهُ وَمَصِيرُهُ إِلَى الْجَنَّةِ الْفَيْحَاءِ، ثُمَّ قَالَ تَعَالَى ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا * فِيمَ أَنتَ مِن ذِكْرَاهَا إِلَى رَبِّكَ مُنتَهَاهَآ﴾ أَيْ لَيْسَ عِلْمُهَا إِلَيْكَ وَلَا إِلَى أَحَدٍ مِنَ الْخَلْقِ، بَلْ مَرَدُّهَا وَمَرْجِعُهَا إِلَى اللَّهِ ﷿، فَهُوَ الذي يعلم وقتها على التعيين ﴿قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ الله﴾، وقال ههنا: ﴿إِلَى رَبِّكَ مُنتَهَاهَآ﴾، وَلِهَذَا لَمَّا سَأَلَ جِبْرِيلُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عن وقت السَّاعَةُ؟ قَالَ: «مَا الْمَسْؤُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السائل»،

َبِّكَ مُنتَهَاهَآ﴾، وَلِهَذَا لَمَّا سَأَلَ جِبْرِيلُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عن وقت السَّاعَةُ؟ قَالَ: «مَا الْمَسْؤُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السائل»، وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَآ أَنْتَ مُنْذِرُ مَن يَخْشَاهَا﴾ أَيْ إِنَّمَا بَعَثْتُكَ لِتُنْذِرَ النَّاسَ، وَتُحَذِّرَهُمْ مِنْ بَأْسِ اللَّهِ وعذابه، فمن خشي الله وخاف مقام ربه وَوَعِيدَهُ اتَّبَعَكَ فَأَفْلَحَ وَأَنْجَحَ، وَالْخَيْبَةُ وَالْخَسَارُ عَلَى من كَذَّبك وخالفك، وقوله تَعَالَى: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَاّ عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا﴾ أَيْ إِذَا قَامُوا مِنْ قُبُورِهِمْ إِلَى الْمَحْشَرِ يَسْتَقْصِرُونَ مُدَّةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، حَتَّى كَأَنَّهَا عِنْدَهُمْ كَانَتْ عَشِيَّةً مِنْ يَوْمٍ أَوْ ضحى من يوم، قال ابن عباس: أَمَّا عَشِيَّةً فَمَا بَيْنَ الظَّهْرِ إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ، ﴿أَوْ ضُحَاهَا﴾ مَا بَيْنَ طُلُوعِ الشَّمْسِ إِلَى نِصْفِ النَّهَارِ، وَقَالَ قَتَادَةُ: وَقْتُ الدُّنْيَا في أعين القوم حين عاينوا الآخرة.

  • ٨٠ - سورة عبس .

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.

  • ١ - عَبَسَ وَتَوَلَّى
  • ٢ - أَن جَآءَهُ الْأَعْمَى
  • ٣ - وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى
  • ٤ - أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ الذِّكْرَى
  • ٥ - أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى
  • ٦ - فَأَنتَ لَهُ تَصَدَّى
  • ٧ - وَمَا عَلَيْكَ أَلَاّ يَزَّكَّى
  • ٨ - وَأَمَّا مَن جَآءَكَ يَسْعَى
  • ٩ - وَهُوَ يَخْشَى
  • ١٠ - فَأَنتَ عَنْهُ تَلَهَّى
  • ١١ - كَلَاّ إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ
  • ١٢ - فَمَن شَآءَ ذَكَرَهُ
  • ١٣ - فَي صُحُفٍ مُّكَرَّمَةٍ
  • ١٤ - مَّرْفُوعَةٍ مُّطَهَّرَةٍ
  • ١٥ - بِأَيْدِي سَفَرَةٍ
  • ١٦ - كِرَامٍ بَرَرَةٍ

كِرَةٌ

  • ١٢ - فَمَن شَآءَ ذَكَرَهُ
  • ١٣ - فَي صُحُفٍ مُّكَرَّمَةٍ
  • ١٤ - مَّرْفُوعَةٍ مُّطَهَّرَةٍ
  • ١٥ - بِأَيْدِي سَفَرَةٍ
  • ١٦ - كِرَامٍ بَرَرَةٍ

ذَكَرَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ أن رسول الله ﷺ كَانَ يَوْمًا يُخَاطِبُ بَعْضَ عُظَمَاءِ قُرَيْشٍ، وَقَدْ طَمَعَ فِي إِسْلَامِهِ، فَبَيْنَمَا هُوَ يُخَاطِبُهُ وَيُنَاجِيهُ إِذْ أَقْبَلَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ، وَكَانَ مِمَّنْ أَسْلَمَ قَدِيمًا، فَجَعَلَ يَسْأَلُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ شَيْءٍ وَيُلِحُّ عَلَيْهِ، وَوَدَّ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ لو كف ساعته تلك، ليتمكن من ذَلِكَ الرَّجُلِ طَمَعًا وَرَغْبَةً فِي هِدَايَتِهِ وَعَبَسَ فِي وَجْهِ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ وَأَعْرَضَ عَنْهُ، وأقبل على الآخر، فأنزل الله تعالى، ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى أَن جَآءَهُ الْأَعْمَى * وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى﴾ أَيْ يَحْصُلُ لَهُ زَكَاةٌ وَطَهَارَةٌ فِي نَفْسِهِ، ﴿أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ الذِّكْرَى﴾ أَيْ يحصل له اتعاظ وازدجار عَنِ الْمَحَارِمِ. ﴿أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى فَأَنتَ لَهُ تصدى﴾ أي أما الغني فأنت تَعَّرض لَهُ لَعَلَّهُ يَهْتَدِي ﴿وَمَا عَلَيْكَ أَلَاّ يَزَّكَّى﴾ أَيْ مَا أَنْتَ بِمُطَالَبٍ بِهِ إِذَا لَمْ يزك نفسه. ﴿وَأَمَّا مَن جَآءَكَ يَسْعَى * وَهُوَ يَخْشَى﴾ أَيْ يَقْصِدُكَ وَيَؤُمُّكَ لِيَهْتَدِيَ بِمَا تَقُولُ لَهُ، ﴿فَأَنتَ عَنْهُ تلهَّى﴾ أي تتشاغل.

نفسه. ﴿وَأَمَّا مَن جَآءَكَ يَسْعَى * وَهُوَ يَخْشَى﴾ أَيْ يَقْصِدُكَ وَيَؤُمُّكَ لِيَهْتَدِيَ بِمَا تَقُولُ لَهُ، ﴿فَأَنتَ عَنْهُ تلهَّى﴾ أي تتشاغل. ومن ههنا أمر الله تعالى رسول الله ﷺ إن لا يَخُصَّ بِالْإِنْذَارِ أَحَدًا، بَلْ يُسَاوِي فِيهِ بَيْنَ الشَّرِيفِ وَالضَّعِيفِ، وَالْفَقِيرِ وَالْغَنِيِّ، وَالسَّادَةِ وَالْعَبِيدِ، وَالرِّجَالِ والنساء، والصغار والكبار، ثم الله تعالى يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ، وَلَهُ الحكمة البالغة والحجة الدامغة، روى الحافظ أبو يعلى عن أنَس ﵁ في قوله: ﴿عَبَسَ وتولى﴾ قال: جَاءَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، وَهُوَ يُكَلِّمُ (أُبَيَّ بْنَ خلف) فأعرض عنه، فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﷿: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَن جَآءَهُ الْأَعْمَى﴾ فَكَانَ النَّبِيَّ ﷺ بَعْدَ ذَلِكَ يكرمه (أخرجه الحافظ أبو يعلى)،

وعن عَائِشَةَ قَالَتْ: أُنْزِلَتْ ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى﴾ فِي ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ الْأَعْمَى، أَتَى إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَجَعَلَ يَقُولُ أَرْشِدْنِي. قَالَتْ: وَعِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ رَجُلٌ مِنْ عُظَمَاءِ الْمُشْرِكِينَ قَالَتْ: فَجَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ يُعْرِضُ عَنْهُ، وَيُقْبِلُ عَلَى الْآخَرِ، وَيَقُولُ: «أَتَرَى بِمَا أَقُولُ بَأْسًا»؟ فَيَقُولُ: لا، ففي هذا أنزلت: ﴿عبس وتولى﴾ (أخرجه ابن جرير وأبو يعلى)، وهكذا ذكر غير وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ: أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ، وَالْمَشْهُورُ أَنَّ اسْمَهُ عَبْدُ الله، وقوله تعالى: ﴿كَلَاّ إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ﴾ أي هذه الْوَصِيَّةُ بِالْمُسَاوَاةِ بَيْنَ النَّاسِ، فِي إِبْلَاغِ الْعِلْمِ بين شريفهم ووضيعهم، وقال قتادة ﴿كَلَاّ إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ﴾ يَعْنِي الْقُرْآنَ ﴿فَمَن شَآءَ ذَكَرَهُ﴾ أي فمن شاء ذكر الله تعالى في جميع أموره، ويحتمل عود الضمير إلى الوحي لدلالة الكلام عليه، وقوله تعالى: ﴿فَي صُحُفٍ مُّكَرَّمَةٍ * مَّرْفُوعَةٍ مُّطَهَّرَةٍ﴾ أَيْ هَذِهِ السورة أو العظة ﴿فَي صُحُفٍ مُّكَرَّمَةٍ﴾ أَيْ مُعَظَّمَةٍ مُوَقَّرَةٍ، ﴿مَّرْفُوعَةٍ﴾ أي عالية القدرة، ﴿مُّطَهَّرَةٌ﴾ أي من الدنس والزيادة والنقصان، وقوله تعالى: ﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍ﴾ قال ابن عباس ومجاهد: هِيَ الْمَلَائِكَةُ، وَقَالَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: هُمْ أَصْحَابُ مُحَمَّدٌ ﷺ، وَقَالَ قَتَادَةُ: هم القراء، وقال ابن جرير: والصحيح أَنَّ السَّفَرَةَ الْمَلَائِكَةُ، وَالسَّفَرَةُ يَعْنِي بَيْنَ اللَّهِ تعالى وبين خلقه، ومنه السَّفِيرُ الَّذِي يَسْعَى بَيْنَ النَّاسِ فِي الصُّلْحِ وَالْخَيْرِ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:

لسَّفَرَةُ يَعْنِي بَيْنَ اللَّهِ تعالى وبين خلقه، ومنه السَّفِيرُ الَّذِي يَسْعَى بَيْنَ النَّاسِ فِي الصُّلْحِ وَالْخَيْرِ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ: وَمَا أَدَعُ السِّفَارَةَ بَيْنَ قَوْمِي * وَمَا أَمْشِي بِغِشٍّ إِنْ مَشَيْتُ. وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: سَفَرَةٌ: الْمَلَائِكَةُ: سفرتُ أَصْلَحَتْ بَيْنَهُمْ، وجُعلت الملائكة إذا نزلت بوحي الله تعالى وَتَأْدِيَتِهِ كَالسَّفِيرِ الَّذِي يُصْلِحُ بَيْنَ الْقَوْمِ، وَقَوْلُهُ تعالى: ﴿كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ أي خَلْقهم كريم، وأخلاقهم بارة طاهرة، وفي الصحيح: «الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَهُوَ مَاهِرٌ بِهِ مَعَ السَّفَرَةِ الْكِرَامِ الْبَرَرَةِ، وَالَّذِي يَقْرَؤُهُ وَهُوَ عَلَيْهِ شاق له أجران» (أخرجه الجماعة عن عائشة ﵂ مرفوعاً).

  • ١٧ - قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَآ أَكْفَرَهُ

  • ١٨ - مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ

  • ١٩ - مِن نُّطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ

  • ٢٠ - ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ

  • ٢١ - ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ

  • ٢٢ - ثُمَّ إِذَا شَآءَ أَنْشَرَهُ

  • ٢٣ - كَلَاّ لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ

  • ٢٤ - فَلْيَنظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ

  • ٢٥ - أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا

  • ٢٦ - ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا

  • ٢٧ - فَأَنبَتْنَا فِيهَا حَبّاً

  • ٢٨ - وَعِنَباً وَقَضْباً

  • ٢٩ - وَزَيْتُوناً وَنَخْلاً

  • ٣٠ - وَحَدَآئِقَ غُلْباً

  • ٣١ - وَفَاكِهَةً وَأَبًّا

  • ٣٢ - مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ

  • وَعِنَباً وَقَضْباً

  • ٢٩ - وَزَيْتُوناً وَنَخْلاً

  • ٣٠ - وَحَدَآئِقَ غُلْباً

  • ٣١ - وَفَاكِهَةً وَأَبًّا

  • ٣٢ - مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ

يَقُولُ تَعَالَى ذَامًّا لِمَنْ أَنْكَرَ الْبَعْثَ وَالنُّشُورَ مِنْ بَنِي آدَمَ: ﴿قُتِلَ الإنسان مَآ أَكْفَرَهُ﴾، قال ابن عباس: لعن الإنسان، وهذا الجنس الإنسان المكذب لكثرة تكذيبه ﴿مَآ أَكْفَرَهُ﴾ أي مَا أَشَدَّ كُفْرَهُ، وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ أَيُّ شَيْءٍ جَعَلَهُ كَافِرًا أَيْ مَا حَمَلَهُ عَلَى التَّكْذِيبِ بِالْمَعَادِ؟ وَقَالَ قتادة: ﴿مَا أَكْفَرَهُ﴾ مَا أَلْعَنَهُ، ثُمَّ بَيَّنَ تَعَالَى لَهُ كَيْفَ خَلَقَهُ مِنَ الشَّيْءِ الْحَقِيرِ، وَأَنَّهُ قادر على إعادته كما بدأه فقال تعالى: ﴿مَن أَيِّ شَيءٍ خَلَقَهُ؟ مِن نُّطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ﴾ أَيْ قَدَّرَ أَجَلَهُ وَرِزْقَهُ وَعَمَلَهُ وَشَقِيٌّ أو سعيد ﴿ثُمَّ السبيل يَسَّرَهُ﴾ قال ابْنِ عَبَّاسٍ: ثُمَّ يَسَّرَ

عليه خروجه من بطن أمه (وهو قول عكرمة والضحاك وَقَتَادَةُ وَالسُّدِّيُّ وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ)، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: هذه كقوله تعالى: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُورًا﴾ أي بيناه له وأوضحناه وسهلنا عليه علمه، وهذا هو الأرجح والله أعلم، وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ﴾ أَيْ إِنَّهُ بَعْدَ خَلْقِهِ لَهُ ﴿أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ﴾ أَيْ جَعَلَهُ ذَا قَبْرٍ، وَالْعَرَبُ تَقُولُ قَبَرْتُ الرَّجُلَ إِذَا وَلِيَ ذَلِكَ منه.

أَيْ إِنَّهُ بَعْدَ خَلْقِهِ لَهُ ﴿أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ﴾ أَيْ جَعَلَهُ ذَا قَبْرٍ، وَالْعَرَبُ تَقُولُ قَبَرْتُ الرَّجُلَ إِذَا وَلِيَ ذَلِكَ منه. وأقبره اللَّهُ، وَطَرَدْتُ عَنِّي فُلَانًا وَأَطْرَدَهُ اللَّهُ، أَيْ جعله طريداً، وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِذَا شَآءَ أَنشَرَهُ﴾ أَيْ بَعَثَهُ بَعْدَ موته، ومنه يقال البعث والنشور، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «يَأْكُلُ التُّرَابُ كُلُّ شَيْءٍ مِنَ الْإِنْسَانِ إِلَّا عَجْبَ ذَنَبِهِ»، قِيلَ: وَمَا هُوَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «مِثْلُ حَبَّةِ خردل منه تنشأون» (أخرجه ابن أبي حاتم) وهذا الحديث ثابت في الصحيحين بِدُونِ هَذِهِ الزِّيَادَةِ، وَلَفْظُهُ: «كُلُّ ابْنِ آدَمَ يَبْلَى إِلَّا عَجْب الذَّنَب مِنْهُ خُلِقَ وَفِيهِ يركب» (أخرجاه في الصحيحين عن أبي هريرة)، وقوله تعالى: ﴿كَلَاّ لَمَّا يَقْضِ مَآ أَمَرَهُ﴾ قَالَ ابْنُ جرير: يقول جل ثناؤه كَلَّا لَيْسَ الْأَمْرُ كَمَا يَقُولُ هَذَا الْإِنْسَانُ الْكَافِرُ مِنْ أَنَّهُ قَدْ أَدَّى حقَّ اللَّهِ عَلَيْهِ فِي نَفْسِهِ وَمَالِهِ، ﴿لَمَّا يَقْضِ مَآ أَمَرَهُ﴾ يَقُولُ: لَمْ يُؤَدِّ مَا فُرِضَ عَلَيْهِ من الفرائض لربه ﷿، عن مجاهد قَالَ: لَا يَقْضِي أَحَدٌ أَبَدًا كُلَّ مَا افترض عليه.

ّا يَقْضِ مَآ أَمَرَهُ﴾ يَقُولُ: لَمْ يُؤَدِّ مَا فُرِضَ عَلَيْهِ من الفرائض لربه ﷿، عن مجاهد قَالَ: لَا يَقْضِي أَحَدٌ أَبَدًا كُلَّ مَا افترض عليه. وقوله تعالى: ﴿فَلْيَنظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ﴾ فِيهِ امْتِنَانٌ، وَفِيهِ اسْتِدْلَالٌ بِإِحْيَاءِ النَّبَاتِ مِنَ الْأَرْضِ الْهَامِدَةِ، عَلَى إِحْيَاءِ الْأَجْسَامِ بَعْدَمَا كَانَتْ عَظَامًا بَالِيَةً وَتُرَابًا مُتَمَزِّقًا، ﴿أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبّاً﴾ أَيْ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ عَلَى الْأَرْضِ، ﴿ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقّاً﴾ أي أسكناه فيها فيدخل في تخومها، فَنَبَتَ وَارْتَفَعَ وَظَهَرَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ، ﴿فَأَنبَتْنَا فِيهَا حَبّاً وَعِنَباً وَقَضْباً﴾، فَالْحَبُّ كُلُّ مَا يُذْكَرُ مِنَ الْحُبُوبِ، وَالْعِنَبُ مَعْرُوفٌ، وَالْقَضْبُ هُوَ الْفَصْفَصَةُ الَّتِي تَأْكُلُهَا الدَّوَابُّ رَطْبَةٌ، وَيُقَالُ لَهَا الْقَتُّ أَيْضًا. قَالَ ذَلِكَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةُ، وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: الْقَضْبُ الْعَلَفُ، ﴿وَزَيْتُوناً﴾ وَهُوَ مَعْرُوفٌ، وَهُوَ أُدْمٌ وَعَصِيرُهُ أُدْمٌ، وَيُسْتَصْبَحُ بِهِ ويدهن به، ﴿وَنَخْلاً﴾ يؤكل بلحاً وبسراً، وَرُطَبًا وَتَمْرًا، وَنِيئًا وَمَطْبُوخًا، وَيُعْتَصَرُ مِنْهُ رُبٌّ وَخَلٌّ.

ُ أُدْمٌ، وَيُسْتَصْبَحُ بِهِ ويدهن به، ﴿وَنَخْلاً﴾ يؤكل بلحاً وبسراً، وَرُطَبًا وَتَمْرًا، وَنِيئًا وَمَطْبُوخًا، وَيُعْتَصَرُ مِنْهُ رُبٌّ وَخَلٌّ. ﴿وَحَدَآئِقَ غُلْباً﴾ أَيْ بَسَاتِينُ، قَالَ الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ: غُلْبًا نَخْلٌ غِلَاظٌ كِرَامٌ، وَقَالَ ابْنُ عباس ومجاهد: كُلُّ مَا الْتَفَّ وَاجْتَمَعَ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ أَيْضًا ﴿غُلْباً﴾ الشَّجَرُ الَّذِي يُسْتَظَلُّ بِهِ، وَقَالَ عكرمة: ﴿غُلْباً﴾ أي غلاظ الأوساط، وقوله تعالى: ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبّاً﴾ أما الفاكهة فكل مَا يَتَفَكَّهُ بِهِ مِنَ الثِّمَارِ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الْفَاكِهَةُ كُلُّ مَا أُكِلَ رَطْبًا، وَالْأَبُّ ما أنبت الأرض مما تأكله الدواب ولا يأكله الناس، وَفِي رِوَايَةِ عَنْهُ: هُوَ الْحَشِيشُ لِلْبَهَائِمِ، وَقَالَ مجاهد: الأب الكلأ، وعن مجاهد والحسن: الْأَبُّ لِلْبَهَائِمِ كَالْفَاكِهَةِ لِبَنِي آدَمَ، وَعَنْ عَطَاءٍ كُلُّ شَيْءٍ نَبَتَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ فَهُوَ أَبٌّ، وَقَالَ الضَّحَّاكُ: كُلُّ شَيْءٍ أَنْبَتَتْهُ الْأَرْضُ سوى الفاكهة فهو الأب. وَقَالَ الْعَوْفِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: الْأَبُّ: الْكَلَأُ والمرعى. روي أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ قرأ ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى﴾ فَلَمَّا أَتَيَ عَلَى هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبّاً﴾ قال: قد عرفنا الْفَاكِهَةُ فَمَا الْأَبُّ؟ فَقَالَ لَعَمْرُكَ يَا ابْنَ الخطاب إِنَّ هذا لَهُوَ التكلف (رواه ابن جرير، وإسناده صحيح كما قال ابن كثير)، وَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يَعْرِفَ شكله وجنسه وعينه،

وإلاّ فهو يَعْلَمُ أَنَّهُ مِنْ نَبَاتِ الْأَرْضِ لِقَوْلِهِ: ﴿فَأَنبَتْنَا فِيهَا حَبّاً وَعِنَباً وَقَضْباً وَزَيْتُوناً وَنَخْلاً وَحَدَآئِقَ غُلْباً وَفَاكِهَةً وَأَبّاً﴾. وقوله تعالى: ﴿مَتَاعًا لَكُمْ وَلأَنْعَامِكُمْ﴾ أَيْ عِيشَةً لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ فِي هَذِهِ الدَّارِ، إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.

  • ٣٣ - فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ
  • ٣٤ - يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ
  • ٣٥ - وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ
  • ٣٦ - وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ
  • ٣٧ - لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ
  • ٣٨ - وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّسْفِرَةٌ
  • ٣٩ - ضَاحِكَةٌ مُّسْتَبْشِرَةٌ
  • ٤٠ - وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ
  • ٤١ - تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ
  • ٤٢ - أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ

قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿الصّاخَّةُ﴾ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، عظَّمه اللَّهُ وَحَذَّرَهُ عباده، وقال البغوي: ﴿الصآخة﴾ يعني يوم الْقِيَامَةِ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّهَا تَصُخُّ الْأَسْمَاعَ، أَيْ تُبَالِغُ فِي إِسْمَاعِهَا حَتَّى تَكَادَ تُصِمُّهَا، ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وأُمّه وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ﴾ أي يراهم ويفر منهم؛ لِأَنَّ الْهَوْلَ عَظِيمٌ، وَالْخَطْبَ جَلِيلٌ، قَالَ عِكْرِمَةُ: يَلْقَى الرَّجُلُ زَوْجَتَهُ فَيَقُولُ لَهَا: يَا هَذِهِ أَيُّ بَعْلٍ كُنْتُ لكِ؟ فَتَقُولُ: نِعْمَ الْبَعْلُ كُنْتَ، وَتُثْنِي بِخَيْرٍ مَا اسْتَطَاعَتْ، فَيَقُولُ لَهَا: فإني أطلب إليك اليوم حسنة واحدة تهبيها لِي لَعَلِّي أَنْجُو مِمَّا تَرَيْنَ، فَتَقُولُ لَهُ: ما أيسر ما طلبت، ولكن لَا أُطِيقُ أَنْ أُعْطِيَكَ شَيْئًا أَتَخَوَّفُ مِثْلَ الذي تخاف، قال: وإن الرجل ليقى ابنه فيعلق بِهِ فَيَقُولُ: يَا بُنَيَّ أَيُّ وَالِدٍ كُنْتُ لَكَ؟ فَيُثْنِي بِخَيْرٍ، فَيَقُولُ لَهُ: يَا بُنَيَّ إِنِّي احْتَجْتُ إِلَى مِثْقَالِ ذَرَّةٍ مِنْ حَسَنَاتِكَ لَعَلِّي أَنْجُو بِهَا مِمَّا تَرَى فَيَقُولُ وَلَدُهُ: يَا أبتِ مَا أَيْسَرَ مَا طَلَبْتَ،

إِنِّي احْتَجْتُ إِلَى مِثْقَالِ ذَرَّةٍ مِنْ حَسَنَاتِكَ لَعَلِّي أَنْجُو بِهَا مِمَّا تَرَى فَيَقُولُ وَلَدُهُ: يَا أبتِ مَا أَيْسَرَ مَا طَلَبْتَ، وَلَكِنِّي أَتَخَوَّفُ مِثْلَ الَّذِي تَتَخَوَّفُ، فَلَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أُعطيك شَيْئًا، يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وأُمّه وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ﴾ وفي الحديث الصحيح في أمر الشفاعة: حتى عيسى بن مَرْيَمَ يَقُولُ: لَا أَسْأَلُهُ الْيَوْمَ إِلَّا نَفْسِي، لا أسأله مريم التي ولدتني، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «تُحْشَرُونَ حُفَاةً عُرَاةً مُشَاةً غُرْلًا» قَالَ، فَقَالَتْ زَوْجَتُهُ: يَا رَسُولَ الله ننظر أو يرى بعضنا عورة بعض قال: «لكل امرئ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ» أَوْ قَالَ: «مَا أَشْغَلَهُ عن النظر» (أخرجه ابن أبي حاتم). وروى النسائي عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «يُبْعَثُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا» فَقَالَتْ عَائِشَةُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَكَيْفَ بِالْعَوْرَاتِ؟ فَقَالَ: «لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ» (انْفَرَدَ بِهِ النسائي من هذه الوجه).

يَا رَسُولَ اللَّهِ فَكَيْفَ بِالْعَوْرَاتِ؟ فَقَالَ: «لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ» (انْفَرَدَ بِهِ النسائي من هذه الوجه). وعن أنَس بن مالك قال: سألت عَائِشَةُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ بِأَبِي أَنْتَ وأُمّي، إِنِّي سألتك عن حديث فتخبرني أنت به، قال: «إِنْ كَانَ عِنْدِي مِنْهُ عِلْمٌ» قَالَتْ يَا نَبِيَّ اللَّهِ كَيْفَ يُحْشَرُ الرِّجَالُ؟ قَالَ: «حُفَاةً عراة» ثم انتظرت ساعة، فقالت: يا رسول اللَّهِ كَيْفَ يُحْشَرُ النِّسَاءُ؟ قَالَ: «كَذَلِكَ حُفَاةً عُرَاةً»، قَالَتْ: وَاسَوْأَتَاهُ مِنْ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، قَالَ: «وَعَنْ أَيِّ ذَلِكَ تَسْأَلِينَ إِنَّهُ قَدْ نَزَلَ عَلَيَّ آيَةٌ لَا يَضُرُّكِ كَانَ عَلَيْكِ ثِيَابٌ أَوْ لَا يَكُونُ»، قَالَتْ: أَيَّةُ آيَةٍ هِيَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ؟ قَالَ: «لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يغنيه» (أخرجه ابن أبي حاتم)، وقال البغوي في تفسيره، عَنْ سَوْدَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يُبْعَثُ النَّاسُ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا قَدْ أَلْجَمَهُمُ الْعَرَقُ وَبَلَغَ شُحُومَ الْآذَانِ»، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَاسَوْأَتَاهُ يَنْظُرُ بَعْضُنَا إِلَى بَعْضٍ؟ فَقَالَ: قَدْ شُغِلَ

النَّاسُ ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ (حديث غريب من هذا الوجه). وقوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّسْفِرَةٌ ضَاحِكَةٌ مُّسْتَبْشِرَةٌ﴾ أَيْ يَكُونُ الناس هنالك فريقين، وجوه مُسْفِرَةٌ أَيْ مُسْتَنِيرَةٌ ﴿ضَاحِكَةٌ مُّسْتَبْشِرَةٌ﴾ أَيْ مَسْرُورَةٌ فرحة، قد ظهر البشر على وجوههم، وهؤلاء هم أَهْلُ الْجَنَّةِ، ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ * تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ﴾ أي يعلوها وتغشاها ﴿قَتَرَةٌ﴾ أي سواد، وفي الحديث: «يُلْجِمُ الْكَافِرَ الْعَرَقُ ثُمَّ تَقَعُ الْغَبَرَةُ عَلَى وجوههم»، فهو قوله تعالى: ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غبرة﴾ (أخرجه ابن أبي حاتم)، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﴿تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ﴾ أَيْ يَغْشَاهَا سواد الوجوه، وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ﴾ أَيِ الْكَفَرَةُ قُلُوبُهُمْ، الْفَجَرَةُ فِي أَعْمَالِهِمْ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَا يلدوا إِلَاّ فاجراً كفاراً﴾

  • ٨١ - سورة التكوير .

[مقدمة] قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كَأَنَّهُ رَأْيُ عَيْنٍ فَلْيَقْرَأْ: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ وَ ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ﴾ وَ ﴿إِذَا السَّمَاءُ انشقت﴾ " أخرجه أحمد.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.

  • ١ - إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ
  • ٢ - وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ
  • ٣ - وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ
  • ٤ - وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ
  • ٥ - وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ
  • ٦ - وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ
  • ٧ - وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ
  • ٨ - وإذا الموؤودة سُئِلَتْ
  • ٩ - بِأَىِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ
  • ١٠ - وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ
  • ١١ - وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ
  • ١٢ - وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ
  • ١٣ - وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ
  • ١٤ - عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ

تْ

  • ١١ - وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ
  • ١٢ - وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ
  • ١٣ - وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ
  • ١٤ - عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ

قَالَ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ يَعْنِي أَظْلَمَتْ، وَقَالَ الْعَوْفِيُّ عَنْهُ: ذَهَبَتْ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: اضْمَحَلَّتْ وذهبت، وَقَالَ قَتَادَةُ: ذَهَبَ ضَوْءُهَا، وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جبير: ﴿كُوِّرَتْ﴾ غورت، وَقَالَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ: تَقَعُ فِي الْأَرْضِ، قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ عِنْدَنَا في أن التكوير جمع الشيء بعضه على بعض، ومنه تكوير العمامة وجمع الثياب بعضها إلى بعض، فمعنى قوله تعالى: ﴿كُوِّرَتْ﴾ جَمْعُ بَعْضِهَا إِلَى بَعْضٍ، ثُمَّ لُفَّتْ فَرَمَى بِهَا، وَإِذَا فُعِلَ بِهَا ذَلِكَ ذَهَبَ ضوءها، روي عن ابن عباس أنه قَالَ: يُكَوِّرُ اللَّهُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي الْبَحْرِ وَيَبْعَثُ اللَّهُ رِيحًا دَبُّورًا فتضرمها ناراً (أخرجه ابن أبي حاتم)، وروى البخاري، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ يُكَوَّرَانِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (رواه البخاري في كتاب بدء الخلق). وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ﴾ أَيِ انْتَثَرَتْ كَمَا قَالَ تعالى: ﴿وَإِذَا الكواكب انتثرت﴾. وأصل الانكدار الانصباب، قال أبي بن كعب: ست آيات قبل يوم القيامة،

نُّجُومُ انْكَدَرَتْ﴾ أَيِ انْتَثَرَتْ كَمَا قَالَ تعالى: ﴿وَإِذَا الكواكب انتثرت﴾. وأصل الانكدار الانصباب، قال أبي بن كعب: ست آيات قبل يوم القيامة،

بينما النَّاسُ فِي أَسْوَاقِهِمْ إِذْ ذَهَبَ ضَوْءُ الشَّمْسِ، فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ تَنَاثَرَتِ النُّجُومُ، فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ وَقَعَتِ الْجِبَالُ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ، فَتَحَرَّكَتْ وَاضْطَرَبَتْ وَاخْتَلَطَتْ، فَفَزِعَتِ الْجِنُّ إِلَى الْإِنْسِ وَالْإِنْسُ إِلَى الْجِنِّ، وَاخْتَلَطَتِ الدَّوَابُّ وَالطَّيْرُ وَالْوُحُوشُ، فَمَاجُوا بَعْضُهُمْ فِي بَعْضٍ، ﴿وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ﴾ قَالَ اخْتَلَطَتْ، ﴿وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ﴾ قَالَ: أهملها أهلها، ﴿وإذ الْبِحَارُ سُجِّرَتْ﴾ قَالَ، قَالَتِ الْجِنُّ: نَحْنُ نَأْتِيكُمْ بِالْخَبَرِ، قَالَ: فَانْطَلَقُوا إِلَى الْبَحْرِ، فَإِذَا هُوَ نار تتأجج، قَالَ: فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ تَصَدَّعَتِ الْأَرْضُ صَدْعَةً وَاحِدَةً إِلَى الْأَرْضِ السَّابِعَةِ السُّفْلَى، وَإِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ الْعُلْيَا، قَالَ: فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إذ جاءتهم الريح فأماتتهم (أخرجه ابن جرير)، وقال ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ﴾ أَيْ تَغَيَّرَتْ، وعن يزيد بن أبي مريم مرفوعاً: «انْكَدَرَتْ فِي جَهَنَّمَ، وَكُلُّ مَنْ عَبَدَ مَنْ دُونِ اللَّهِ فَهُوَ فِي جَهَنَّمَ، إِلَّا مَا كَانَ مِنْ عِيسَى وَأُمِّهِ، وَلَوْ رَضِيَا أَنْ يعبدا لدخلاها» (رواه ابن أبي حاتم).

مَنْ عَبَدَ مَنْ دُونِ اللَّهِ فَهُوَ فِي جَهَنَّمَ، إِلَّا مَا كَانَ مِنْ عِيسَى وَأُمِّهِ، وَلَوْ رَضِيَا أَنْ يعبدا لدخلاها» (رواه ابن أبي حاتم). وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ﴾ أَيْ زَالَتْ عَنْ أَمَاكِنِهَا وَنُسِفَتْ فَتَرَكَتِ الْأَرْضَ قَاعًا صَفْصَفًا، وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِذَا العشار عُطِّلَتْ﴾ عِشَارُ الْإِبِلِ، قَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿عُطِّلَتْ﴾ تُرِكَتْ وَسُيِّبَتْ، وقال أُبيّ بن كعب: أهملها أهلها، وقال الربيع بن خيثم: لم تحلب وتخلى عنها أربابها، وَالْمَعْنَى فِي هَذَا كُلِّهِ مُتَقَارِبٌ، وَالْمَقْصُودُ أَنَّ الْعِشَارَ مِنَ الْإِبِلِ وَهِيَ خِيَارُهَا وَالْحَوَامِلُ مِنْهَا، واحدتها عشراء قَدِ اشْتَغَلَ النَّاسُ عَنْهَا وَعَنْ كَفَالَتِهَا وَالِانْتِفَاعِ بها، بما دهمهم من الأمر العظيم الهائل، وهو أمر يوم القيامة وَوُقُوعِ مُقَدِّمَاتِهَا، وَقِيلَ: بَلْ يَكُونُ ذَلِكَ يَوْمَ القيامة يراها أصحابها، كذلك لا سَبِيلَ لَهُمْ إِلَيْهَا، وَقَدْ قِيلَ فِي الْعِشَارِ: إنها السحاب تعطل عَنِ الْمَسِيرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لِخَرَابِ الدُّنْيَا، والراجح إنها الإبل، والله أعلم. وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ﴾ أَيْ جُمِعَتْ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَاّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يحشرون﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يُحْشَرُ كُلُّ شَيْءٍ حَتَّى الذباب، وقال عكرمة: حشرها موتها، وعن ابن عباس قَالَ: حَشْرُ الْبَهَائِمِ مَوْتُهَا وَحَشْرُ كُلِّ شَيْءٍ الموت غير الجن والإنس (أخرجه ابن جرير).

تَّى الذباب، وقال عكرمة: حشرها موتها، وعن ابن عباس قَالَ: حَشْرُ الْبَهَائِمِ مَوْتُهَا وَحَشْرُ كُلِّ شَيْءٍ الموت غير الجن والإنس (أخرجه ابن جرير). وعن الربيع بن خيثم ﴿وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ﴾ قَالَ: أَتَى عَلَيْهَا أَمْرُ الله، وعن أُبيّ بْنِ كَعْبٍ أَنَّهُ قَالَ: ﴿وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ﴾ اخْتَلَطَتْ، قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَالْأُولَى قَوْلُ مَنْ قَالَ حُشِرَتْ جُمِعَتْ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿والطير مَحْشُورَةً﴾ أي مجموعة، وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا البحار سُجِّرَتْ﴾ قال ابن عباس: يرسل الله عليها الرياح الدبور فتسعرها وتصير ناراً تأجج، وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ: «لَا يَرْكَبُ الْبَحْرَ إِلَّا حَاجٌّ أَوْ مُعْتَمِرٌ أَوْ غَازٍ، فَإِنَّ تَحْتَ الْبَحْرِ نَارًا وَتَحْتَ النَّارِ بَحْرًا» الْحَدِيثَ، وقال مجاهد ﴿سُجِّرَتْ﴾: أُوقِدَتْ، وَقَالَ الْحَسَنُ: يَبِسَتْ، وَقَالَ الضَّحَّاكُ وقتادة: غاض ماؤها فذهب فلم يُبْقِ فِيهَا قَطْرَةً، وَقَالَ الضَّحَّاكُ أَيْضًا: ﴿سُجِّرَتْ﴾ فجّرت، وقال السدي: فتحت وصيرت، وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾ أَيْ جُمِعَ كُلُّ شَكْلٍ إلى نظيره كقوله تعالى: ﴿احشروا الذين ظَلَمُواْ وَأَزْوَاجَهُمْ﴾ أي الضُّرَبَاءُ كُلُّ رَجُلٍ مَعَ كُلِّ قَوْمٍ كَانُوا يعملون عمله، روى النعمان بن بشير أن عمر بن الخطاب خَطَبَ النَّاسَ فَقَرَأَ: ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾ فَقَالَ: تزوجها

أن تؤلف كل شيعة إلى شيعتهم، يُقْرَنُ بَيْنَ الرَّجُلِ الصَّالِحِ مَعَ الرَّجُلِ الصَّالِحِ، وَيُقْرَنُ بَيْنَ الرَّجُلِ السُّوءِ مَعَ الرَّجُلِ السُّوءِ في النار، فذلك تزويج الأنفس (أخرجه ابن أبي حاتم)، وعن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾ قَالَ: ذَلِكَ حِينَ يَكُونُ الناس أزواجاً ثلاثة، وقال مُجَاهِدٍ: ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾ قَالَ: الْأَمْثَالُ مِنَ الناس جمع بينهم، واختاره ابن جرير، وقال الحسن البصري وعكرمة: زوجت الأرواح بِالْأَبْدَانِ، وَقِيلَ: زُوِّجَ الْمُؤْمِنُونَ بِالْحُورِ الْعِينِ، وَزُوِّجَ الْكَافِرُونَ بِالشَّيَاطِينِ (حَكَاهُ الْقُرْطُبِيُّ فِي التَّذْكِرَةِ). وَقَوْلُهُ تعالى: ﴿وَإِذَا الموءُدة سُئِلَتْ * بِأَىِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ﴾ الموءُدة هي التي كانت أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَدُسُّونَهَا فِي التُّرَابِ كَرَاهِيَةَ الْبَنَاتِ، فيوم القيامة تسأل الموءُدة عَلَى أَيِّ ذَنْبٍ قُتلت لِيَكُونَ ذَلِكَ تَهْدِيدًا لقاتلها، فإنه إذا سُئِلَ الْمَظْلُومُ فَمَا ظَنُّ الظَّالِمِ إِذًا؟ وَقَالَ ابن عباس: ﴿وإذا الموءُدة سُئِلَتْ﴾ أي سألت أي طالبت بدمها. وقد وردت أحاديث تتعلق بالموءُدة فقال الإمام أحمد عن جذامة بَنْتِ وَهْبٍ أُخْتِ عُكَّاشَةَ قَالَتْ: حَضَرْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي نَاسٍ وَهُوَ يَقُولُ: «لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَنْهَى عَنِ الْغِيلَةِ فَنَظَرْتُ فِي الرُّومِ وَفَارِسَ، فَإِذَا هُمْ يُغِيلُونَ أَوْلَادَهُمْ، وَلَا يَضُرُّ أَوْلَادَهُمْ ذَلِكَ شَيْئًا»، ثُمَّ سَأَلُوهُ عَنِ الْعَزْلِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «ذَلِكَ الْوَأْدُ الْخَفِيُّ وهو الموءُدة سئلت» (أخرجه أحمد ورواه مسلم وأبو داود والترمذي بنحوه).

َأَلُوهُ عَنِ الْعَزْلِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «ذَلِكَ الْوَأْدُ الْخَفِيُّ وهو الموءُدة سئلت» (أخرجه أحمد ورواه مسلم وأبو داود والترمذي بنحوه). وروى الإمام أحمد عَنْ سَلَمَةَ بْنِ يَزِيدَ الْجُعْفِيِّ قَالَ: انْطَلَقْتُ أَنَا وَأَخِي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أُمَّنَا مُلَيْكَةَ كَانَتْ تَصِلُ الرَّحِمَ، وَتُقِرِّي الضَّيْفَ، وَتَفْعَلُ، هَلَكَتْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَهَلْ ذَلِكَ نَافِعُهَا شَيْئًا؟ قَالَ: «لَا»، قُلْنَا: فَإِنَّهَا كَانَتْ وَأَدَتْ أُختاً لَنَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَهَلْ ذَلِكَ نَافِعُهَا شيئاً؟ قال: «الوائدة والموءُدة فِي النَّارِ، إِلَّا أَنْ يُدْرِكَ الْوَائِدَةَ الْإِسْلَامُ فيعفو الله عنها» (أخرجه أحمد والنسائي). وفي الحديث: «النَّبِيُّ فِي الْجَنَّةِ، وَالشَّهِيدُ فِي الْجَنَّةِ، وَالْمَوْلُودُ في الجنة، والموءُدة في الجنة» (أخرجه أحمد من حديث خنساء بنت مُعَاوِيَةَ الصَّرِيمِيَّةُ عَنْ عَمِّهَا قَالَ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ فِي الجنة؟ فقال الحديث). وعن قُرَّةُ قَالَ: سَمِعْتُ الْحَسَنَ يَقُولُ: قِيلَ، يَا رَسُولَ اللَّهِ مَن فِي الْجَنَّةِ؟ قَالَ: «الموءُدة في الجنة» (هذا مِنْ مَرَاسِيلِ الْحَسَنِ وَمِنْهُمْ مَنْ قَبِلَهُ). وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَطْفَالُ الْمُشْرِكِينَ فِي الْجَنَّةِ، فَمَنْ زَعَمَ أَنَّهُمْ فِي النَّارِ فَقَدْ كَذَبَ، يَقُولُ الله تعالى: ﴿وَإِذَا الموءُدة سُئِلَتْ *

بَّاسٍ: أَطْفَالُ الْمُشْرِكِينَ فِي الْجَنَّةِ، فَمَنْ زَعَمَ أَنَّهُمْ فِي النَّارِ فَقَدْ كَذَبَ، يَقُولُ الله تعالى: ﴿وَإِذَا الموءُدة سُئِلَتْ * بِأَىِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ﴾، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هي المدفونة، وقال عبد الرزاق: جَاءَ قَيْسُ بْنُ عَاصِمٍ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي وَأَدْتُ بَنَاتٍ لِي فِي الْجَاهِلِيَّةِ، قال: «أَعْتِقْ عَنْ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ رَقَبَةً» قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي صَاحِبُ إِبِلٍ، قَالَ: «فانحر عن كل واحدة منهن بدنة» (أخرجه عبد الرزاق والحافظ البزار بنحوه عن عمر بن الخطاب). وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ﴾ قَالَ الضَّحَّاكُ: أُعْطِيَ كُلُّ إِنْسَانٍ صَحِيفَتَهُ بِيَمِينِهِ أَوْ بِشِمَالِهِ، وَقَالَ قَتَادَةُ: يَا ابْنَ آدَمَ تُمْلَى فِيهَا ثُمَّ تُطْوَى، ثُمَّ تُنْشَرُ عَلَيْكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَلْيَنْظُرْ رَجُلٌ ماذا يملي في صحيفته، قوله تعالى: ﴿وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: اجْتُذِبَتْ؛ وَقَالَ السُّدِّيُّ: كُشِفَتْ؛ وَقَالَ الضَّحَّاكُ: تَنْكَشِطُ فَتَذْهَبُ، وَقَوْلُهُ تعالى: ﴿وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ﴾ قَالَ

هِدٌ: اجْتُذِبَتْ؛ وَقَالَ السُّدِّيُّ: كُشِفَتْ؛ وَقَالَ الضَّحَّاكُ: تَنْكَشِطُ فَتَذْهَبُ، وَقَوْلُهُ تعالى: ﴿وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ﴾ قَالَ

السُّدِّيُّ: أُحْمِيَتْ، وَقَالَ قَتَادَةُ: أُوقَدَتْ، قَالَ: وَإِنَّمَا يُسَعِّرُهَا غَضَبُ اللَّهِ وَخَطَايَا بَنِي آدَمَ، وَقَوْلُهُ تعالى: ﴿وَإِذَا الجنة أُزْلِفَتْ﴾ قال الضحّاك: أي قربت من أهلها، وقوله تعالى: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ﴾ هَذَا هُوَ الْجَوَابُ أَيْ إِذَا وَقَعَتْ هَذِهِ الْأُمُورُ حينئذٍ تَعْلَمُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ، وَأُحْضِرَ ذَلِكَ لَهَا كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَراً وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدَاً بعيداً﴾، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ﴾. عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ قَالَ عُمَرُ: لَمَّا بَلَغَ ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّآ أَحْضَرَتْ﴾ قَالَ: لهذا أجري الحديث.

  • ١٥ - فَلَا أُقْسِمُ بالخنس
  • ١٦ - الجوار الْكُنَّسِ
  • ١٧ - وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ
  • ١٨ - وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ
  • ١٩ - إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ
  • ٢٠ - ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ
  • ٢١ - مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ
  • ٢٢ - وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ
  • ٢٣ - وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ
  • ٢٤ - وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ
  • ٢٥ - وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ
  • ٢٦ - فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ
  • ٢٧ - إِنْ هُوَ إِلَاّ ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ
  • ٢٨ - لِمَن شَآءَ مِنكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ
  • ٢٩ - وما تشاؤون إِلَاّ أَن يَشَآءَ الله رب العالمين

﴿فَلَا أُقْسِمُ بالخنَّس * الجوار الكُنَّس﴾ قال علي: هي النجوم تخنس بالنهار وتظهر بالليل. وروى ابن جرير عن خَالِدَ بْنَ عَرْعَرَةَ سَمِعْتُ عَلِيًّا، وَسُئِلَ عَنْ ﴿لَا أُقسم بالخنس * الجوار الكنس﴾ فقال: هي النجوم تخنس بالنهار وتظهر بالليل (أخرجه ابن جرير)، وَكَذَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٍ وَالْحَسَنِ: أنها النجوم، وَقَالَ بَعْضُ الْأَئِمَّةِ: إِنَّمَا قِيلَ لِلنُّجُومِ الْخُنَّسُ، أَيْ فِي حَالِ طُلُوعِهَا، ثُمَّ هِيَ جِوَارٌ فِي فَلَكِهَا، وَفِي حَالِ غَيْبُوبَتِهَا يُقَالُ لَهَا كُنَّسٌ، مِنْ قَوْلِ الْعَرَبِ: أَوَى الظَّبْيُ إِلَى كناسه، إذا تغيب فيه، وروى الأعمش عن عَبْدُ اللَّهِ ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ﴾ قَالَ: بَقَرُ الوحش، وقال ابن عباس ﴿الجوار الكنس﴾ البقر تكنس إلى الظل، وَقَالَ الْعَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: هِيَ الظِّبَاءُ (وكذا قال سعيد بن جبير ومجاهد والضحّاك)، وقال أبو الشعثاء: هي الظباء والبقر، وتوقف ابن جرير في المراد بقوله: ﴿الخنس الجوار الكنس﴾ هل هو النجوم أو الظباء أو بقر الْوَحْشِ؟ قَالَ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْجَمِيعُ مُرَادًا، وقوله تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ﴾ فِيهِ قَوْلَانِ (أَحَدُهُمَا): إِقْبَالُهُ بِظَلَامِهِ، قَالَ مُجَاهِدٌ: أَظْلَمَ: وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: إِذَا نَشَأَ، وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: إِذَا غشي الناس،

ا): إِقْبَالُهُ بِظَلَامِهِ، قَالَ مُجَاهِدٌ: أَظْلَمَ: وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: إِذَا نَشَأَ، وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: إِذَا غشي الناس، (والثاني): إدباره، قال ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿إِذَا عَسْعَسَ﴾ إِذَا أَدْبَرَ، وَكَذَا قال مجاهد وقتادة والضحّاك ﴿إذا عسعس﴾ أي إذا ذهب فتولى، وَقَدِ اخْتَارَ ابْنُ جَرِيرٍ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ: ﴿إِذَا عَسْعَسَ﴾ إذا أدبر، قال لقوله تعالى: ﴿وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ﴾ أَيْ أَضَاءَ، وَاسْتَشْهَدَ بِقَوْلِ الشَّاعِرِ أَيْضًا: حَتَّى إِذَا الصُّبْحُ لَهُ تَنَفَّسَا * وَانَجَابَ عَنْهَا لَيْلُهَا وَعَسْعَسَا

أي أدبر، وعندي أن المراد بقوله: ﴿إِذَا عَسْعَسَ﴾ إِذَا أَقْبَلَ، وَإِنْ كَانَ يَصِحُّ اسْتِعْمَالُهُ في الإدبار أيضاً، لكن الإقبال ههنا أنسب، كأنه أقسم بِاللَّيْلِ وَظَلَامِهِ إِذَا أَقْبَلَ، وَبِالْفَجْرِ وَضِيَائِهِ إِذَا أشرق، كما قال تعالى: ﴿والليل إِذَا يغشى * والنهار إِذَا تجلى﴾، وقال تعالى: ﴿والضحى * والليل إِذَا سجى﴾، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا﴾ وغير ذلك من الآيات، وقوله تعالى: ﴿وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ﴾ قَالَ الضَّحَّاكُ: إِذَا طَلَعَ، وَقَالَ قَتَادَةُ: إِذَا أَضَاءَ وَأَقْبَلَ، وَقَالَ سَعِيدُ بن جبير: إذا نشأ، وقال ابن جرير: يعني ضوء النهار إذا أقبل وتبيّن.

ّحَّاكُ: إِذَا طَلَعَ، وَقَالَ قَتَادَةُ: إِذَا أَضَاءَ وَأَقْبَلَ، وَقَالَ سَعِيدُ بن جبير: إذا نشأ، وقال ابن جرير: يعني ضوء النهار إذا أقبل وتبيّن. وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ يَعْنِي أَنَّ هَذَا الْقُرْآنَ لَتَبْلِيغُ رَسُولٍ كَرِيمٍ، أَيْ مَلَكٌ شَرِيفٌ حَسَنُ الْخَلْقِ بَهِيُّ الْمَنْظَرِ، وَهُوَ (جِبْرِيلُ) ﵊، ﴿ذِي قُوَّةٍ﴾ كقوله تعالى: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ القوى * ذُو مِرَّةٍ﴾ أَيْ شَدِيدُ الْخَلْقِ شَدِيدُ الْبَطْشِ وَالْفِعْلِ، ﴿عِندَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ﴾ أَيْ لَهُ مَكَانَةٌ عِنْدَ الله ﷿ ومنزلة رفيعة، ﴿مُّطَاعٍ ثَمّ﴾ أَيْ لَهُ وَجَاهَةٌ وَهُوَ مَسْمُوعُ الْقَوْلِ مُطَاعٌ فِي الْمَلَأِ الْأَعْلَى، قَالَ قَتَادَةُ: ﴿مُّطَاعٍ ثَمَّ﴾ أَيْ فِي السَّمَوَاتِ، يَعْنِي لَيْسَ هو من أفناد (أفناد: جماعات) الْمَلَائِكَةِ، بَلْ هُوَ مِنَ السَّادَةِ وَالْأَشْرَافِ، مُعْتَنَى به انتخب لهذه الرسالة العظيمة، وقوله تعالى: ﴿أَمِينٍ﴾ صِفَةٌ لِجِبْرِيلَ بِالْأَمَانَةِ، وَهَذَا عَظِيمٌ جِدًّا، أَنَّ الرَّبَّ ﷿ يُزَكِّي عَبْدَهُ وَرَسُولَهُ الْمَلَكِيَّ جِبْرِيلَ كَمَا زَكَّى عَبْدَهُ وَرَسُولَهُ الْبَشَرِيَّ محمداً ﷺ بقوله تعالى: ﴿وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ﴾ قال الشعبي وميمون: الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ ﴿وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ﴾ يَعْنِي مُحَمَّدًا ﷺ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ﴾ يَعْنِي وَلَقَدْ رَأَى مُحَمَّدُ (جِبْرِيلَ)، الَّذِي يَأْتِيهِ بِالرِّسَالَةِ عَنِ اللَّهِ ﷿، عَلَى الصُّورَةِ الَّتِي خَلَقَهُ اللَّهُ عَلَيْهَا لَهُ سِتُّمِائَةُ جَنَاحٍ، ﴿بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ﴾ أَيِ البيِّن، وهي الرؤية الأولى كَانَتْ بِالْبَطْحَاءِ، وَهِيَ الْمَذْكُورَةُ فِي قَوْلِهِ: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى * ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى * وَهُوَ بِالْأُفُقِ الأعلى﴾، والظاهر أَنَّ هَذِهِ السُّورَةَ نَزَلَتْ قَبْلَ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ فِيهَا إِلَّا هَذِهِ الرُّؤْيَةَ وَهِيَ الْأُولَى،

ى﴾، والظاهر أَنَّ هَذِهِ السُّورَةَ نَزَلَتْ قَبْلَ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ فِيهَا إِلَّا هَذِهِ الرُّؤْيَةَ وَهِيَ الْأُولَى، وَأَمَّا الثَّانِيَةُ وَهِيَ الْمَذْكُورَةُ فِي قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى * عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى * عِندَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى * إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يغشى﴾ فَتِلْكَ إِنَّمَا ذُكِرَتْ فِي سُورَةِ النَّجْمِ، وَقَدْ نزلت بعد سورة الإسراء، وقوله تعالى: ﴿وَمَا هُوَ على الغيب بِظَنِينٍ﴾ أَيْ بِمُتَّهَمٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَرَأَ ذَلِكَ بِالضَّادِ، أَيْ بِبَخِيلٍ بَلْ يَبْذُلُهُ لِكُلِّ أَحَدٍ. قال سفيان بن عيينه: (ظنين) و (ضنين) سواء، أي ما هو بفاجر، و (الظنين) المتهم، و (الضنين) الْبَخِيلُ، وَقَالَ قَتَادَةُ: كَانَ الْقُرْآنُ غَيْبًا فَأَنْزَلَهُ اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ، فَمَا ضَنَّ بِهِ عَلَى الناس بل نشره وبلغه وبذله لكل من أراده، وَاخْتَارَ ابْنُ جَرِيرٍ قِرَاءَةَ الضَّادِ. (قُلْتُ): وَكِلَاهُمَا متواتر ومعناه صحيح كما تقدَّم، وقوله تعالى: ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ﴾ أَيْ وَمَا هَذَا الْقُرْآنُ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ، أَيْ لَا يَقْدِرُ عَلَى حَمْلِهِ وَلَا يُرِيدُهُ وَلَا يَنْبَغِي له، كما قال تعالى: ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ * وَمَا يَنبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ * إِنَّهُمْ عَنِ السمع لمعزولون﴾. وقوله تعالى: ﴿فَأيْنَ تَذْهَبُونَ﴾؟ فَأَيْنَ تَذْهَبُ عُقُولُكُمْ فِي تَكْذِيبِكُمْ بِهَذَا الْقُرْآنِ، مع ظهوره ووضوحه وبيان كونه حقاً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ﷿! كَمَا قَالَ الصِّدِّيقُ ﵁ لِوَفْدِ بَنِي حَنِيفَةَ حِينَ قَدِمُوا مُسْلِمِينَ، وَأَمَرَهُمْ فَتَلَوْا عَلَيْهِ شَيْئًا من قرآن مسيلمة الكذّاب الَّذِي هُوَ فِي غَايَةِ الْهَذَيَانِ وَالرَّكَاكَةِ فَقَالَ: «ويحكم أين تذهب عقولكم؟ وَاللَّهِ إِنَّ هَذَا الْكَلَامَ لَمْ يَخْرُجْ مِنْ إِلٍّ» أَيْ مِنْ إِلَهٍ، وَقَالَ قَتَادَةُ: ﴿فَأيْنَ تَذْهَبُونَ﴾ أَيْ عَنْ كِتَابِ اللَّهِ

وعن طاعته، وقوله تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَاّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ﴾ أَيْ هَذَا الْقُرْآنُ ذِكْرٌ لِجَمِيعِ النَّاسِ يَتَذَكَّرُونَ بِهِ وَيَتَّعِظُونَ ﴿لِمَن شَآءَ مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ﴾ أي لمن أراد الهداية فعليه بهذا القرآن فإنه مناجاة لَهُ وَهِدَايَةٌ، وَلَا هِدَايَةَ فِيمَا سِوَاهُ، ﴿وَمَا تَشَآءُونَ إِلَاّ أَن يَشَآءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ أي ليست المشيئة موكولة إليكم، بل ذلك كله تابع لمشيئة الله تعالى رَبُّ العالمين، قَالَ سفيان الثوري: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿لِمَن شَآءَ مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ﴾ قَالَ أَبُو جَهْلٍ: الْأَمْرُ إِلَيْنَا إِنْ شِئْنَا اسْتَقَمْنَا، وَإِنْ شِئْنَا لَمْ نَسْتَقِمْ، فأنزل الله تعالى: ﴿وَمَا تَشَآءُونَ إِلَاّ أَن يَشَآءَ اللَّهُ رَبُّ العالمين﴾.

  • ٨٢ - سورة الانفطار .

[مقدمة] قد تقدم مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قال: "من سَرَّهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى الْقِيَامَةِ رَأْيَ عَيْنٍ فَلْيَقْرَأْ: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ وَ ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ﴾ وَ ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ ".

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.

  • ١ - إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ
  • ٢ - وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ
  • ٣ - وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ
  • ٤ - وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ
  • ٥ - عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ
  • ٦ - يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ
  • ٧ - الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ
  • ٨ - فِي أَىِّ صُورَةٍ مَّا شَآءَ رَكَّبَكَ
  • ٩ - كَلَاّ بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ
  • ١٠ - وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ
  • ١١ - كِرَاماً كَاتِبِينَ
  • ١٢ - يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ

ّبَكَ

  • ٩ - كَلَاّ بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ
  • ١٠ - وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ
  • ١١ - كِرَاماً كَاتِبِينَ
  • ١٢ - يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ

يَقُولُ تَعَالَى: ﴿إِذَا السمآء انفطرت﴾ أي انشقت، كما قال تعالى: ﴿السَّمَآءُ مُنفَطِرٌ به﴾، ﴿وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ﴾ أَيْ تَسَاقَطَتْ، ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ﴾ قال ابْنِ عَبَّاسٍ: فَجَّرَ اللَّهُ بَعْضَهَا فِي بَعْضٍ، وَقَالَ الْحَسَنُ: فَجَّرَ اللَّهُ بَعْضَهَا فِي بَعْضٍ فذهب ماؤها، وقال قتادة: اختلط عذبها بمالحها، وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: مُلِئَتْ. ﴿وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: بُحِثَتْ. وَقَالَ السُّدِّيُّ: تُبَعْثَرُ - تُحَرَّكُ فَيَخْرُجُ مَنْ فِيهَا، ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ﴾ أَيْ إِذَا كَانَ هَذَا حَصَلَ هَذَا، وقوله تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الكريم﴾؟ هذا تهديد من الله للإنسان (الكلام تهديد كما قال ابن كثير، وليس كما زعم بعضهم أنه إرشاد إلى الجواب حتى قالوا:) والمعنى: مَا غَرَّكَ يَا ابْنَ آدَمَ ﴿بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ أَيِ الْعَظِيمِ، حَتَّى أَقْدَمْتَ عَلَى مَعْصِيَتِهِ، وَقَابَلْتَهُ بِمَا لَا يَلِيقُ؟ كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: "يقول الله تعالى يوم القيامة: يا ابن آدم ما غرك بي؟ يا ابن آدم ماذا أجبت المرسلين"؟ وعن يحيى البكاء قال: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ وَقَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ قال ابن عمر: غره والله جهله، وقال قتادة: ما غرّ ابن آدم غيرهذا العدو الشيطان، وقال الفضل

يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ قال ابن عمر: غره والله جهله، وقال قتادة: ما غرّ ابن آدم غيرهذا العدو الشيطان، وقال الفضل

ابن عِيَاضٍ: لَوْ قَالَ لِي: مَا غَرَّكَ بِي؟ لَقُلْتُ: سُتُورُكَ الْمُرْخَاةُ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الْوَرَّاقُ: لَوْ قَالَ لِي: مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ؟ لقلت: غرني كرم الكريم، وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْإِشَارَةِ: إِنَّمَا قَالَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ دُونَ سَائِرِ أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ، كَأَنَّهُ لَقَّنَهُ الْإِجَابَةَ، وَهَذَا الَّذِي تَخَيَّلَهُ هَذَا الْقَائِلُ لَيْسَ بِطَائِلٍ، لِأَنَّهُ إِنَّمَا أَتَى بِاسْمِهِ الْكَرِيمِ، لِيُنَبِّهَ عَلَى أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُقَابَلَ الْكَرِيمُ بالأفعال القبيحة وأعمال الفجور، وقوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ﴾ أَيْ جَعَلَكَ سَوِيًّا مستقيماً معتدل القامة، منتصباً في أحسن الهيئات والأشكال، روى الإمام أحمد عن بشر بْنِ جَحَّاشٍ الْقُرَشِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَصَقَ يَوْمًا فِي كَفِّهِ، فَوَضَعَ عَلَيْهَا أُصْبُعَهُ ثُمَّ قَالَ: "قَالَ اللَّهُ ﷿: يَا ابْنَ آدَمَ أنَّى تُعْجِزُنِي وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ مثل هذا؟ حَتَّى إِذَا سَوَّيْتُكَ وَعَدَلْتُكَ مَشَيْتَ بَيْنَ بُرْدَيْنِ وَلِلْأَرْضِ مِنْكَ وَئِيدٌ، فَجَمَعْتَ وَمَنَعْتَ، حَتَّى إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِي: قُلْتَ: أَتَصَدَّقُ وأنَّى أَوَانُ الصَّدَقَةِ؟ " (أخرجه أحمد وابن ماجه).

ِ مِنْكَ وَئِيدٌ، فَجَمَعْتَ وَمَنَعْتَ، حَتَّى إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِي: قُلْتَ: أَتَصَدَّقُ وأنَّى أَوَانُ الصَّدَقَةِ؟ " (أخرجه أحمد وابن ماجه). وقوله تعالى: ﴿فِي أَىِّ صُورَةٍ مَّا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: فِي أَيِّ شَبَهِ أَبٍ أَوْ أُمٍّ، أو خال أوعم، وقال عكرمة في قوله تعالى: ﴿فِي أَىِّ صُورَةٍ مَّا شَآءَ رَكَّبَكَ﴾ إِنْ شَاءَ فِي صُورَةِ قِرْدٍ، وَإِنْ شَاءَ فِي صُورَةٍ خِنْزِيرٍ، وَكَذَا قَالَ أَبُو صَالِحٍ: إِنْ شَاءَ فِي صُورَةِ كَلْبٍ، وَإِنْ شَاءَ فِي صُورَةِ حِمَارٍ، وَإِنْ شَاءَ فِي صُورَةِ خِنْزِيرٍ، وقال قتادة: قَادِرٌ وَاللَّهِ رَبُّنَا عَلَى ذَلِكَ، وَمَعْنَى هَذَا القول عندهم أَنَّ اللَّهَ ﷿ قَادِرٌ عَلَى خَلْقِ النُّطْفَةِ عَلَى شَكْلٍ قَبِيحٍ، مِنَ الْحَيَوَانَاتِ الْمُنْكَرَةِ الْخَلْقِ، وَلَكِنْ بِقُدْرَتِهِ وَلُطْفِهِ وَحِلْمِهِ، يَخْلُقُهُ عَلَى شَكْلٍ حَسَنٍ مُسْتَقِيمٍ، مُعْتَدِلٍ تَامٍّ حَسَنِ الْمَنْظَرِ والهيئة، وقوله تعالى: ﴿كَلَاّ بَلْ تُكَذِّبُونَ بالدين﴾ أي إِنَّمَا يَحْمِلُكُمْ عَلَى مُوَاجَهَةِ الْكَرِيمِ وَمُقَابَلَتِهِ بِالْمَعَاصِي، تكذيب قُلُوبِكُمْ بِالْمَعَادِ وَالْجَزَاءِ وَالْحِسَابِ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِن عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَاماً كَاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ يَعْنِي وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَمَلَائِكَةً حَفَظَةً كِرَامًا، فَلَا تُقَابِلُوهُمْ بِالْقَبَائِحِ، فَإِنَّهُمْ يَكْتُبُونَ عَلَيْكُمْ جَمِيعَ أَعْمَالِكُمْ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ اللَّهَ يَنْهَاكُمْ عَنِ التَّعَرِّي، فَاسْتَحْيُوا مِنْ مَلَائِكَةِ اللَّهِ الَّذِينَ معكم الْكَاتِبِينَ الَّذِينَ لَا يُفَارِقُونَكُمْ إِلَّا عِنْدَ إِحْدَى ثَلَاثِ حَالَاتٍ: الْغَائِطِ وَالْجَنَابَةِ وَالْغُسْلِ، فَإِذَا اغْتَسَلَ أحدكم بالعراء فليستتر بثوبه أو بجرم حائط أو ببعيره".

إِلَّا عِنْدَ إِحْدَى ثَلَاثِ حَالَاتٍ: الْغَائِطِ وَالْجَنَابَةِ وَالْغُسْلِ، فَإِذَا اغْتَسَلَ أحدكم بالعراء فليستتر بثوبه أو بجرم حائط أو ببعيره". وفي الحديث: "مَا مِنْ حَافِظَيْنِ يَرْفَعَانِ إِلَى اللَّهِ ﷿ مَا حَفِظَا فِي يَوْمٍ فَيَرَى فِي أول الصحيفة، وفي آخرها استغفاراً إِلَّا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: قَدْ غَفَرْتُ لِعَبْدِي ما بين طرفي الصحيفة" (أخرجه الحافظ البزار عن أنَس بن مالك مرفوعاً)، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ لِلَّهِ مَلَائِكَةً يَعْرِفُونَ بَنِي آدَمَ - وَأَحْسَبُهُ قَالَ: وَيَعْرِفُونَ أَعْمَالَهُمْ - فَإِذَا نَظَرُوا إِلَى عَبْدٍ يَعْمَلُ بِطَاعَةِ اللَّهِ ذَكَرُوهُ بَيْنَهُمْ وَسَمَّوْهُ، وَقَالُوا: أَفْلَحَ اللَّيْلَةَ فُلَانٌ، نَجَا اللَّيْلَةَ فُلَانٌ، وَإِذَا نَظَرُوا إِلَى عَبْدٍ يعمل بمعصية الله ذكروه بينهم وسموه وقالوا: هلك الليلة فلان" (أخرجه البزار أيضاً وفي سنده سلام المدائني ليّن الحديث).

  • ١٣ - إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ
  • ١٤ - وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ
  • ١٥ - يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ
  • ١٦ - وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ
  • ١٧ - وَمَآ أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ
  • ١٨ - ثُمَّ مَآ أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ
  • ١٩ - يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ

يُخْبِرُ تَعَالَى عَمَّا يَصِيرُ الْأَبْرَارُ إِلَيْهِ مِنَ النَّعِيمِ، وَهُمُ الَّذِينَ أَطَاعُوا اللَّهَ ﷿ ولم يقابلوه بالمعاصي، ثُمَّ ذَكَرَ مَا يَصِيرُ إِلَيْهِ الْفُجَّارُ مِنَ الْجَحِيمِ وَالْعَذَابِ الْمُقِيمِ، وَلِهَذَا قَالَ: ﴿يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ﴾ أَيْ يَوْمَ الْحِسَابِ وَالْجَزَاءِ وَالْقِيَامَةِ، ﴿وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَآئِبِينَ﴾ أَيْ لَا يَغِيبُونَ عَنِ الْعَذَابِ سَاعَةً وَاحِدَةً، وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِّنْ عَذَابِهَا، وَلَا يُجَابُونَ إِلَى مَا يَسْأَلُونَ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الرَّاحَةِ وَلَوْ يَوْمًا وَاحِدًا، وَقَوْلُهُ تعالى: ﴿وَمَآ أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ﴾ تَعْظِيمٌ لشِأن يوم القيامة، ثم أكده بقوله تعالى: ﴿ثُمَّ مَآ أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ﴾، ثُمَّ فَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً﴾ أي لا يقدر أحد عَلَى نَفْعِ أَحَدٍ وَلَا خَلَاصِهِ مِمَّا هُوَ فِيهِ، إِلَّا أَن يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَن يَشَآءُ ويرضى، وفي الحديث قال ﵇: «يَا بَنِي هَاشِمٍ أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ لا أملك لكم من الله شيئاً»، ولهذا قال: ﴿والأمر يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ كقوله تَعَالَى: ﴿لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ * لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ قَالَ قَتَادَةُ: ﴿يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لنفسٍ شَيْئاً وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ وَالْأَمْرُ وَاللَّهِ الْيَوْمَ لله، لكنه لا ينازعه فيه يومئذٍ أحد.

  • ٨٣ - سورة المطففين .

Bagian 136 dari 141