Mukhtashar Tafsir Ibnu Katsir

Ringkasan tafsir Ibnu Katsir, riwayat dan tafsir bil-ma’tsur.

Bagian 137 dari 141

— Bagian 137 · ِكُ نَفْسٌ لنفسٍ شَيْئاً وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ … —

Bagian 137

ِكُ نَفْسٌ لنفسٍ شَيْئاً وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ وَالْأَمْرُ وَاللَّهِ الْيَوْمَ لله، لكنه لا ينازعه فيه يومئذٍ أحد.

  • ٨٣ - سورة المطففين .

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.

  • ١ - وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ
  • ٢ - الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ - ٣ - وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ
  • ٤ - أَلا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَّبْعُوثُونَ
  • ٥ - لِيَوْمٍ عَظِيمٍ
  • ٦ - يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ العالمين

عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: لَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ الْمَدِينَةَ كَانُوا مِنْ أخبث الناس كيلاً، فأنزل الله تعالى: ﴿وَيْلٌ للمطفِّفين﴾ فحسنوا الكيل بعد ذلك (أخرجه النسائي وابن ماجه)، وروى ابن جرير، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ، قَالَ لَهُ رَجُلٌ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ إِنَّ أَهْلَ الْمَدِينَةِ لَيُوَفُّونَ الْكَيْلَ، قَالَ: وَمَا يَمْنَعُهُمْ أَنْ يُوَفُّوا الكيل، وقد قال الله تعالى: ﴿وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ - حتى بلغ يقوم الناس لرب العالمين﴾ (رواه ابن جرير)، والمراد بالتطفيف ههنا الْبَخْسُ فِي الْمِكْيَالِ وَالْمِيزَانِ، إِمَّا بِالِازْدِيَادِ إِنِ اقتضى من الناس، وإما النقصان إِنْ قَضَاهُمُ، وَلِهَذَا فَسَّرَ تَعَالَى الْمُطَفِّفِينَ الَّذِينَ وعدهم بالخسار والهلاك بقوله تعالى: ﴿إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ﴾ أَيْ مِنَ النَّاسِ ﴿يَسْتَوْفُونَ﴾ أَيْ يَأْخُذُونَ حَقَّهُمْ بِالْوَافِي وَالزَّائِدِ، ﴿وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾ أَيْ يَنْقِصُونَ، وَالْأَحْسَنُ أن يجعل «كالوا ووزنوا» متعدياً ويكون (هم) في محل نصب، وَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِالْوَفَاءِ فِي الْكَيْلِ والميزان فقال تعالى: ﴿وَأَوْفُواْ الكيل إِذا كِلْتُمْ﴾، وقال تعالى: ﴿وَأَقِيمُواْ الوزن بالقسط وَلَا تخسروا الميزان﴾، وأهلك قَوْمَ شُعَيْبٍ وَدَمَّرَهُمْ عَلَى مَا كَانُوا يَبْخَسُونَ الناس في الميزان والمكيال،

تعالى: ﴿وَأَقِيمُواْ الوزن بالقسط وَلَا تخسروا الميزان﴾، وأهلك قَوْمَ شُعَيْبٍ وَدَمَّرَهُمْ عَلَى مَا كَانُوا يَبْخَسُونَ الناس في الميزان والمكيال، ثُمَّ قَالَ تَعَالَى مُتَوَعِّدًا لَهُمْ: ﴿أَلا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَّبْعُوثُونَ * لِيَوْمٍ عَظِيمٍ﴾؟ أي ما يَخَافُ أُولَئِكَ مِنَ الْبَعْثِ وَالْقِيَامِ بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ يَعْلَمُ السَّرَائِرَ وَالضَّمَائِرَ، فِي يَوْمٍ عَظِيمِ الْهَوْلِ، كَثِيرِ الْفَزَعِ جَلِيلِ الْخَطْبِ، مَنْ خَسِرَ فيه أدخل ناراً حامية؟ وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ أَيْ يَقُومُونَ حفاة عراة، في موقف صعب حرج، ضيق على المجرم، ويغشاهم مِنْ أَمْرِ الله تعالى ما تعجز القوى والحواس عنه، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ العالمين حتى يغيب أحدهم في شحه إلى أنصاف أذنيه» (أخرجه البخاري ومسلم والإمام مالك)، وفي رواية لأحمد عن النبي

صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ، لِعَظَمَةِ الرَّحْمَنِ ﷿ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، حَتَّى إِنَّ الْعَرَقَ لَيُلْجِمُ الرِّجَالَ إلى أنصاف آذانهم (أخرجه الإمام أحمد). حديث آخر: وروى الإمام أحمد عن المقداد بن الْأَسْوَدِ الكِنْدي قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ أُدْنِيَتِ الشَّمْسُ مِنَ الْعِبَادِ حَتَّى تَكُونَ قدر مِيلٍ أَوْ مِيلَيْنِ - قَالَ - فَتُصْهِرُهُمُ الشَّمْسُ فَيَكُونُونَ فِي الْعَرَقِ كَقَدْرِ أَعْمَالِهِمْ، مِنْهُمْ مَنْ يَأْخُذُهُ إِلَى عَقِبَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَأْخُذُهُ إِلَى رُكْبَتَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَأْخُذُهُ إِلَى حَقْوَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يأخذه إلجاماً» (رواه مسلم والترمذي وأحمد). حديث آخر: روى الإمام أحمد، عن عقبة بْنِ عَامِرٍ قَالَ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «تَدْنُو الشَّمْسُ مِنَ الْأَرْضِ فَيَعْرَقُ النَّاسُ، فَمِنَ النَّاسِ مَن يَبْلُغُ عَرَقُهُ عَقِبَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَبْلُغُ إِلَى نِصْفِ الساق، ومنهم من يبلغ رُكْبَتَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَبْلُغُ الْعَجُزَ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَبْلُغُ الْخَاصِرَةَ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَبْلُغُ مَنْكِبَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَبْلُغُ وَسَطَ فِيهِ - وَأَشَارَ بِيَدِهِ فَأَلْجَمَهَا فَاهُ - رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يشير بيده هَكَذَا - وَمِنْهُمْ مَنْ يُغَطِّيهِ عَرَقُهُ» وَضَرَبَ بِيَدِهِ، إشارة (أخرجه الإمام أحمد)، وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَتَعَوَّذُ بِاللَّهِ مِنْ ضِيقِ الْمَقَامِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَعَنِ ابْنِ مسعود: يقومون أربعين سنة رافعي رؤوسهم إِلَى السَّمَاءِ لَا يُكَلِّمُهُمْ أَحَدٌ قَدْ أَلْجَمَ العرق برهم وفاجرهم.

يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَعَنِ ابْنِ مسعود: يقومون أربعين سنة رافعي رؤوسهم إِلَى السَّمَاءِ لَا يُكَلِّمُهُمْ أَحَدٌ قَدْ أَلْجَمَ العرق برهم وفاجرهم.

  • ٧ - كَلَاّ إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ
  • ٨ - وَمَآ أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ
  • ٩ - كِتَابٌ مَرْقُومٌ
  • ١٠ - وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ
  • ١١ - الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ
  • ١٢ - وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلَاّ كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ
  • ١٣ - إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ
  • ١٤ - كَلَاّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ
  • ١٥ - كَلَاّ إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ
  • ١٦ - ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُواْ الْجَحِيمِ
  • ١٧ - ثُمَّ يُقَالُ هَذَا الَّذِي كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ

يقول تعالى حَقًّا: ﴿إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ﴾ أَيْ إِنَّ مَصِيرَهُمْ وَمَأْوَاهُمْ ﴿لَفِي سِجِّينٍ﴾ فِعِيلٍ مِنَ السجن، وهو الضيق كما يقال: فسّيق وَخِمِّيرٌ وَسِكِّيرٌ وَنَحْوُ ذَلِكَ، وَلِهَذَا عَظُمَ أَمْرُهُ فقال تعالى: ﴿مَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ﴾؟ أَيْ هُوَ أَمْرٌ عَظِيمٌ، وسجين مقيم، وعذاب أَلِيمٌ، ثم قَالَ قَائِلُونَ: هِيَ تَحْتَ الْأَرْضِ السَّابِعَةِ، وَقَدْ تقدم في حديث البراء بن عازب يَقُولُ اللَّهُ ﷿ فِي رُوحِ الْكَافِرِ «اكتبوا كتابه في سجين»، وقيل: بئر في جهنم، وَالصَّحِيحُ أَنْ سِجِّينًا مَأْخُوذٌ مِنَ السَّجْنِ وَهُوَ الضِّيقُ، فَإِنَّ الْمَخْلُوقَاتِ كُلُّ مَا تَسَافَلَ مِنْهَا ضاق وكل ما تعالى منها اتسع، وَلَمَّا كَانَ مَصِيرُ الْفُجَّارِ إِلَى جَهَنَّمَ وَهِيَ أَسْفَلُ السَّافِلِينَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أسفل السافلين * إِلَاّ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات﴾ وقال ههنا: ﴿كَلَاّ إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ وَمَآ أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ﴾ وَهُوَ يَجْمَعُ الضِّيقَ وَالسُّفُولَ كما قال تعالى: ﴿وَإَذَآ أُلْقُواْ مِنْهَا مَكَاناً ضَيِّقاً مُّقَرَّنِينَ دَعَوْاْ هُنَالِكَ ثُبُوراً﴾،

جِّينٌ﴾ وَهُوَ يَجْمَعُ الضِّيقَ وَالسُّفُولَ كما قال تعالى: ﴿وَإَذَآ أُلْقُواْ مِنْهَا مَكَاناً ضَيِّقاً مُّقَرَّنِينَ دَعَوْاْ هُنَالِكَ ثُبُوراً﴾، وقوله تعالى: ﴿كِتَابَ مَّرْقُومٌ﴾ لَيْسَ تَفْسِيرًا لِقَوْلِهِ: ﴿وَمَآ أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ﴾، وَإِنَّمَا هُوَ تَفْسِيرٌ لِمَا كُتِبَ لَهُمْ مِنَ الْمَصِيرِ إِلَى سِجِّينٍ، أَيْ مَرْقُومٌ مَكْتُوبٌ مَفْرُوغٌ مِنْهُ، لَا يُزَادُ فِيهِ أَحَدٌ ولا يتقص منه أحد، ثم قال تعالى: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾ أَيْ إِذَا صَارُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَى مَا أَوْعَدَهُمُ اللَّهُ مِنَ

السجن والعذاب المهين، ﴿وَيْلٌ﴾ لهم والمراد مِنْ ذَلِكَ الْهَلَاكُ وَالدَّمَارُ كَمَا يُقَالُ: وَيْلٌ لفلان، ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: مُفَسِّرًا لِلْمُكَذِّبِينَ الْفُجَّارِ الْكَفَرَةِ: ﴿الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ أَيْ لَا يُصَدِّقُونَ بِوُقُوعِهِ، وَلَا يَعْتَقِدُونَ كَوْنَهُ، وَيَسْتَبْعِدُونَ أَمْرَهُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلَاّ كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ﴾ أَيْ مُعْتَدٍ فِي أَفْعَالِهِ مِنْ تَعَاطِي الْحَرَامِ، وَالْمُجَاوَزَةِ فِي تَنَاوُلِ الْمُبَاحِ، وَالْأَثِيمِ فِي أَقْوَالِهِ إِنْ حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِنْ وَعَدَ أخلف، وإن خاصم فجر.

ْ تَعَاطِي الْحَرَامِ، وَالْمُجَاوَزَةِ فِي تَنَاوُلِ الْمُبَاحِ، وَالْأَثِيمِ فِي أَقْوَالِهِ إِنْ حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِنْ وَعَدَ أخلف، وإن خاصم فجر. وقوله تعالى: ﴿إِذاً تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ أي إذا سمع كلام الله تعالى مِنَ الرَّسُولِ يُكَذِّبُ بِهِ، وَيَظُنُّ بِهِ ظَنَّ السَّوْءِ، فَيَعْتَقِدُ أَنَّهُ مُفْتَعَلٌ مَجْمُوعٌ مِنْ كُتُبِ الْأَوَائِلِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ؟ قَالُواْ أَسَاطِيرُ الأولين﴾، وقال تَعَالَى: ﴿وَقَالُواْ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بكرة وأصيلاً﴾ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿كَلَاّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾ أَيْ لَيْسَ الْأَمْرُ كَمَا زَعَمُوا، وَلَا كَمَا قَالُوا: إنَّ هَذَا الْقُرْآنَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ، بَلْ هُوَ كَلَامُ اللَّهِ وَوَحْيُهُ وَتَنْزِيلُهُ عَلَى رَسُولِهِ ﷺ، وَإِنَّمَا حَجَبَ قُلُوبَهُمْ عَنِ الْإِيمَانِ بِهِ، مَا عَلَيْهَا مِنَ الرَّيْنِ الَّذِي قَدْ لَبِسَ قُلُوبَهُمْ، مِنْ كَثْرَةِ الذُّنُوبِ وَالْخَطَايَا، وَلِهَذَا قَالَ تعالى: ﴿مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾ وَالرَّيْنُ يَعْتَرِي قُلُوبَ الْكَافِرِينَ، والغَيْن للمقربين، وقد روى الترمذي والنسائي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنه قَالَ: "إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا أَذْنَبَ ذَنْبًا كَانَتْ نكتةٌ سَوْدَاءُ فِي قَلْبِهِ، فَإِنْ تَابَ مِنْهَا صُقِلَ قَلْبُهُ، وَإِنْ زَادَ زَادَتْ، فَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿كَلَاّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾ " (أخرجه الترمذي والنسائي، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ صَحِيحٌ) وَلَفْظُ النَّسَائِيِّ: "إِنَّ العبد إذا أخطأ نكت في قلبه نكتة سوداء، فَإِنْ هُوَ نَزَعَ وَاسْتَغْفَرَ وَتَابَ صُقِلَ قَلْبُهُ، فَإِنْ عَادَ زِيدَ فِيهَا حَتَّى تَعْلُوَ قَلْبَهُ،

العبد إذا أخطأ نكت في قلبه نكتة سوداء، فَإِنْ هُوَ نَزَعَ وَاسْتَغْفَرَ وَتَابَ صُقِلَ قَلْبُهُ، فَإِنْ عَادَ زِيدَ فِيهَا حَتَّى تَعْلُوَ قَلْبَهُ، فهو الرَّانُ الَّذِي قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿كَلَاّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾ " (هذا لفظ النسائي وقد رواه أحمد بنحوه). وقال الحسن البصري: هو الذَّنْبِ حَتَّى يَعْمَى الْقَلْبُ فَيَمُوتُ (وَكَذَا قَالَ مجاهد وقتادة وابن زيد)، وقوله تَعَالَى: ﴿كَلَاّ إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ﴾ أي ثم هم يوم القيامة مَحْجُوبُونَ عَنْ رُؤْيَةِ رَبِّهِمْ وَخَالِقِهِمْ، قَالَ الْإِمَامُ الشافعي: وفي هَذِهِ الْآيَةِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمُؤْمِنِينَ يَرَوْنَهُ ﷿ يومئذٍ، وهذا الذي قاله فِي غَايَةِ الْحُسْنِ، وَهُوَ اسْتِدْلَالٌ بِمَفْهُومِ هَذِهِ الآية، كما دل عليه منطوق قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا ناظرة﴾، وَكَمَا دَلَّتْ عَلَى ذَلِكَ الْأَحَادِيثُ الصِّحَاحُ الْمُتَوَاتِرَةُ، فِي رُؤْيَةِ الْمُؤْمِنِينَ رَبَّهُمْ ﷿ فِي الدار الآخرة، قال الحسن: يُكْشَفُ الْحِجَابُ فَيَنْظُرُ إِلَيْهِ الْمُؤْمِنُونَ وَالْكَافِرُونَ، ثُمَّ يُحْجَبُ عَنْهُ الْكَافِرُونَ، وَيَنْظُرُ إِلَيْهِ الْمُؤْمِنُونَ كُلَّ يوم غدوة وعشية، وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُواْ الْجَحِيمِ﴾ أَيْ ثُمَّ هُمْ مَعَ هَذَا الْحِرْمَانِ عَنْ رُؤْيَةِ الرَّحْمَنِ، مِنْ أَهْلِ النِّيرَانِ، ﴿ثُمَّ يُقَالُ هَذَا الَّذِي كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ أَيْ يُقَالُ لَهُمْ ذَلِكَ، عَلَى وَجْهِ التَّقْرِيعِ وَالتَّوْبِيخِ، والتصغير والتحقير.

  • ١٨ - كَلَاّ إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ
  • ١٩ - وَمَآ أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ
  • ٢٠ - كِتَابٌ مَّرْقُومٌ
  • ٢١ - يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ
  • ٢٢ - إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ
  • ٢٣ - عَلَى الْأَرَائِكِ يَنظُرُونَ
  • ٢٤ - تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ
  • ٢٥ - يُسْقَوْنَ مِن رَّحِيقٍ مَخْتُومٍ
  • ٢٦ - خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ
  • ٢٧ - وَمِزَاجُهُ مِن تَسْنِيمٍ
  • ٢٨ - عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا المقربون

يَقُولُ تَعَالَى: حَقًّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ - وَهُمْ بِخِلَافِ الْفُجَّارِ - ﴿لَفِي عِلِّيِّينَ﴾ أَيْ مَصِيرُهُمْ إِلَى عليين وهو بخلاف سجين، روى الأعمش عَنْ هِلَالِ بْنِ يَسَافٍ قَالَ: سَأَلَ ابْنُ عَبَّاسٍ كَعْبًا - وَأَنَا حَاضِرٌ - عَنْ سِجِّينٍ؟ قَالَ: هِيَ الْأَرْضُ السَّابِعَةُ وَفِيهَا أَرْوَاحُ الْكُفَّارِ، وَسَأَلَهُ عَنْ عِلِّيِّينَ؟ فَقَالَ: هِيَ السَّمَاءُ السَّابِعَةُ وَفِيهَا أرواح المؤمنين (وهكذا قال غير واحد من السلف أنها السماء السابعة)، وقال ابن عباس: ﴿لَفِي عِلِّيِّينَ﴾ يعني الجنة، وفي رواية عنه: أعمالهم في السماء عند الله، وَقَالَ قَتَادَةُ: عِلِّيُّونَ سَاقُ الْعَرْشِ الْيُمْنَى، وَقَالَ غَيْرُهُ: عِلِّيُّونَ عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى، وَالظَّاهِرُ أَنَّ عِلِّيِّينَ مَأْخُوذٌ مِنَ الْعُلُوِّ، وَكُلَّمَا عَلَا الشَّيْءُ وارتفع عظم واتسع، ولهذا قال تعالى مُعَظِّمًا أَمْرَهُ وَمُفَخِّمًا شَأْنَهُ: ﴿وَمَآ أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ﴾؟ ثم قال تعالى مُؤَكِّدًا لِمَا كَتَبَ لَهُمْ: ﴿كِتَابٌ مَّرْقُومٌ يَشْهَدُهُ المقربون﴾ وهم الملائكة قاله قتادة، وقال ابْنِ عَبَّاسٍ: يَشْهَدُهُ مِنْ كُلِّ سَمَاءٍ مُقَرَّبُوهَا، ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ﴾ أَيْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ فِي نَعِيمٍ مُقِيمٍ، وجنات فيها فضل عميم ﴿وعلى الْأَرَائِكِ﴾ وَهِيَ السُّرُرُ تَحْتَ الْحِجَالِ ﴿يَنظُرُونَ﴾ قِيلَ: مَعْنَاهُ يَنْظُرُونَ فِي مُلْكِهِمْ،

نَعِيمٍ مُقِيمٍ، وجنات فيها فضل عميم ﴿وعلى الْأَرَائِكِ﴾ وَهِيَ السُّرُرُ تَحْتَ الْحِجَالِ ﴿يَنظُرُونَ﴾ قِيلَ: مَعْنَاهُ يَنْظُرُونَ فِي مُلْكِهِمْ، وَمَا أَعْطَاهُمُ اللَّهُ مِنَ الْخَيْرِ، وَالْفَضْلِ الَّذِي لَا يَنْقَضِي وَلَا يَبِيدُ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ ﴿عَلَى الْأَرَائِكِ يَنظُرُونَ﴾ إِلَى الله ﷿، كَمَا تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: «إِنَّ أَدْنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزِلَةً لَمَنْ يَنْظُرُ فِي مُلْكِهِ مَسِيرَةَ أَلْفَيْ سَنَةٍ يَرَى أَقْصَاهُ كَمَا يرى أدناه وإن أعلاهم لَمَنْ يَنْظُرُ إِلَى اللَّهِ ﷿ فِي اليوم مرتين». وقوله تعالى: ﴿تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ﴾ أَيْ تَعْرِفُ إِذَا نَظَرْتَ إِلَيْهِمْ فِي وُجُوهِهِمْ ﴿نَضْرَةَ النَّعِيمِ﴾ أي صفة الترافة وَالسُّرُورِ، وَالدِّعَةِ وَالرِّيَاسَةِ، مِمَّا هُمْ فِيهِ مِنَ النعيم العظيم. وقوله تعالى: ﴿يُسْقَوْنَ مِن رَّحِيقٍ مَّخْتُومٍ﴾ أَيْ يُسْقَوْنَ مِنْ خَمْرٍ مِنَ الْجَنَّةِ، وَالرَّحِيقُ مِنْ أَسْمَاءِ الْخَمْرِ (وهو قول ابْنُ مَسْعُودٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ وَالْحَسَنُ وَقَتَادَةُ)، وفي الحديث: «أيما مؤمن سقى مؤمناً شربة ماء عَلَى ظمأٍ سَقَاهُ اللَّهُ تَعَالَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الرَّحِيقِ الْمَخْتُومِ، وَأَيُّمَا مُؤْمِنٍ أَطْعَمَ مُؤْمِنًا عَلَى جُوعٍ أَطْعَمَهُ اللَّهُ مِنْ ثِمَارِ الْجَنَّةِ، وَأَيُّمَا مُؤْمِنٍ كَسَا مُؤْمِنًا ثَوْبًا عَلَى عُرْيٍ كساه الله من خضر الجنة» (أخرجه أحمد عن أبي سعيد الخدري مرفوعاً)، وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿خِتَامُهُ مِسْكٌ﴾ أي خلطه مسك، وقال ابْنِ عَبَّاسٍ: طَيَّبَ اللَّهُ لَهُمُ الْخَمْرَ، فَكَانَ آخِرُ شَيْءٍ جُعِلَ فِيهَا مِسْكٌ خُتِمَ بِمِسْكٍ، وقال الحسن: عاقبته مسك، وقال ابن جرير، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ: ﴿خِتَامُهُ مِسْكٌ﴾ قَالَ: شَرَابٌ أَبْيَضُ مِثْلُ الْفِضَّةِ يَخْتِمُونَ بِهِ شَرَابَهُمْ، وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا أَدْخَلَ أُصْبُعَهُ فِيهِ ثُمَّ أَخْرَجَهَا،

ابٌ أَبْيَضُ مِثْلُ الْفِضَّةِ يَخْتِمُونَ بِهِ شَرَابَهُمْ، وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا أَدْخَلَ أُصْبُعَهُ فِيهِ ثُمَّ أَخْرَجَهَا، لَمْ يَبْقَ ذُو رُوحٍ إلاّ وجد طيبها (أخرجه ابن جرير)، وقال مجاهد: ﴿خِتَامُهُ مِسْكٌ﴾ طيبه مسك، وقوله تعالى: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ أَيْ وَفِي مِثْلِ هذا الحال فليتفاخر المتفاخرون، وليتباهى وليستبق إلى مثله المستبقون كقوله تعالى: ﴿لِمِثْلِ هذا فليعمل العاملون﴾، وقوله تعالى: ﴿وَمِزَاجُهُ مِن تَسْنِيمٍ﴾ أي مزاج هَذَا الرَّحِيقِ الْمَوْصُوفِ ﴿مِن تَسْنِيمٍ﴾ أَيْ مِنْ شَرَابٍ يُقَالُ لَهُ تَسْنِيمٌ، وَهُوَ أَشْرَفُ شَرَابِ أهل الجنة وأعلاه، وَلِهَذَا قَالَ: ﴿عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ﴾ أَيْ يَشْرَبُهَا الْمُقَرَّبُونَ صِرْفًا، وَتُمْزَجُ لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ مَزْجًا (قَالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَمَسْرُوقٌ وَقَتَادَةُ وغيرهم).

  • ٢٩ - إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُواْ كَانُواْ مِنَ الَّذِينَ آمَنُواْ يَضْحَكُونَ
  • ٣٠ - وَإِذَا مَرُّواْ بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ
  • ٣١ - وَإِذَا

انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ

  • ٣٢ - وَإِذَا رَأَوْهُمْ قالوا إِنَّ هؤلاء لَضَالُّونَ
  • ٣٣ - وما أرسولا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ
  • ٣٤ - فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُواْ مَن الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ
  • ٣٥ - عَلَى الْأَرَائِكِ يَنظُرُونَ
  • ٣٦ - هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ

يُخْبِرُ تَعَالَى عَنِ الْمُجْرِمِينَ، أَنَّهُمْ كَانُوا فِي الدَّارِ الدُّنْيَا يَضْحَكُونَ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ، أَيْ يَسْتَهْزِئُونَ بِهِمْ وَيَحْتَقِرُونَهُمْ، وَإِذَا مَرُّوا بِالْمُؤْمِنِينَ يَتَغَامَزُونَ عَلَيْهِمْ أَيْ مُحْتَقِرِينَ لَهُمْ ﴿وَإِذَا انقلبوا إلى أَهْلِهِمُ انقلبوا فَكِهِينَ﴾ أي وإذا انْقَلَبَ: أَيْ رَجَعَ هَؤُلَاءِ الْمُجْرِمُونَ إِلَى مَنَازِلِهِمُ انْقَلَبُوا إِلَيْهَا فَاكِهِينَ، أَيْ مَهْمَا طَلَبُوا وَجَدُوا، وَمَعَ هَذَا مَا شَكَرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، بل اشتغلوا بالقوم المؤمنين يحقرونهم وَيَحْسُدُونَهُمْ ﴿وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ﴾ أَيْ لِكَوْنِهِمْ عَلَى غَيْرِ دِينِهِمْ، قَالَ اللَّهُ تعالى: ﴿وما أرسولا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ﴾ أَيْ وَمَا بُعِثَ هَؤُلَاءِ الْمُجْرِمُونَ، حافظين على هؤلاء المؤمنين، ما يصدر عنهم مِنْ أَعْمَالِهِمْ وَأَقْوَالِهِمْ، وَلَا كُلِّفُوا بِهِمْ، فَلِمَ اشْتَغَلُوا بِهِمْ وَجَعَلُوهُمْ نُصْبَ أَعْيُنِهِمْ؟ كَمَا قَالَ تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَآ آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ.

هِمْ؟ كَمَا قَالَ تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَآ آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ. فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيّاً حَتَّى أَنسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِّنْهُمْ تَضْحَكُونَ﴾، ولهذا قال ههنا: ﴿فَالْيَوْمَ﴾ يَعْنِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴿الَّذِينَ آمَنُواْ مَن الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ﴾ أَيْ فِي مُقَابَلَةِ مَا ضَحِكَ بِهِمْ أُولَئِكَ ﴿عَلَى الْأَرَائِكِ يَنظُرُونَ﴾ أَيْ إِلَى الله ﷿، يَنْظُرُونَ إِلَى رَبِّهِمْ فِي دَارِ كَرَامَتِهِ، وَقَوْلُهُ تعالى: ﴿هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ﴾؟ أَيْ هَلْ جُوزِيَ الْكُفَّارُ عَلَى مَا كَانُوا يُقَابِلُونَ به المؤمنين، من الاستهزاء والسخرية أَمْ لَا، يَعْنِي قَدْ جُوزُوا أَوْفَرَ الْجَزَاءِ وأتمه وأكمله.

  • ٨٤ - سورة الانشقاق .

[مقدمة] روى البخاري، عَنْ أَبِي رَافِعٍ قَالَ: "صلَّيتُ مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ الْعَتَمَةَ فَقَرَأَ: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ فَسَجَدَ، فقلت له، فقال: سَجَدْتُ خَلْفَ أَبِي الْقَاسِمِ ﷺ فَلَا أَزَالُ أَسْجُدُ بِهَا حَتَّى أَلْقَاهُ" (أخرجه البخاري ومسلم والنسائي).

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.

  • ١ - إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ
  • ٢ - وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ
  • ٣ - وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ
  • ٤ - وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ
  • ٥ - وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ
  • ٦ - يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلَاقِيهِ
  • ٧ - فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ
  • ٨ - فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا
  • ٩ - وَيَنقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا
  • ١٠ - وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَآءَ ظَهْرِهِ
  • ١١ - فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا
  • ١٢ - وَيَصْلَى سَعِيراً
  • ١٣ - إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُوراً
  • ١٤ - إِنَّهُ ظَنَّ أَن لَّن يَحُورَ
  • ١٥ - بَلَى إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيراً

وَيَصْلَى سَعِيراً

  • ١٣ - إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُوراً
  • ١٤ - إِنَّهُ ظَنَّ أَن لَّن يَحُورَ
  • ١٥ - بَلَى إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيراً

يَقُولُ تَعَالَى: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ وَذَلِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، ﴿وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا﴾ أَيْ اسْتَمَعَتْ لِرَبِّهَا وَأَطَاعَتْ أَمْرَهُ فِيمَا أَمَرَهَا بِهِ مِنَ الانشقاق، وذلك يوم القيامة ﴿وحُقَّتْ﴾ أَيْ وَحُقَّ لَهَا أَنْ تُطِيعَ أَمْرَهُ، لِأَنَّهُ الْعَظِيمُ الَّذِي لَا يُمَانَعُ وَلَا يُغَالَبُ، بَلْ قَدْ قَهَرَ كُلَّ شَيْءٍ وَذَلَّ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ، ثُمَّ قَالَ: ﴿وَإِذَا الْأَرْضُ مدَّت﴾ أي بسطت وفرشت ووسعت، وفي الحديث «إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ مَدَّ اللَّهُ الْأَرْضَ مَدَّ الْأَدِيمِ، حَتَّى لَا يَكُونَ لِبَشَرٍ مِنَ الناس إلاّ موضع قدميه» (أخرجه ابن جرير عن علي بن الحسين مرفوعاً). وقوله تعالى: ﴿وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ﴾ أَيْ أَلْقَتْ مَا في بطنها من الأموات وتخلت عنهم، ﴿وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ﴾ كَمَا تَقَدَّمَ، وَقَوْلُهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً﴾ أي إنك سَاعٍ إِلَى رَبِّكَ سَعْيًا وَعَامَلٌ عَمَلًا ﴿فَمُلَاقِيهِ﴾ ثُمَّ إِنَّكَ سَتَلْقَى مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ أو شر، عَنْ جَابِرٍ قَالَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ

صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "قَالَ جِبْرِيلُ: يَا محمد عش ما شئت فإنك ميت، وأحب مَا شِئْتَ فَإِنَّكَ مُفَارِقُهُ، وَاعْمَلْ مَا شِئْتَ فإنك ملاقيه" (أخرجه أبو داود الطيالسي)، وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعِيدُ الضَّمِيرَ عَلَى قَوْلِهِ ﴿رَبِّكَ﴾ أَيْ فَمُلَاقٍ رَبَّكَ وَمَعْنَاهُ فَيُجَازِيكَ بِعَمَلِكَ ويكافئك على سعيك، قال ابن عباس: تَعْمَلُ عَمَلًا تَلْقَى اللَّهَ بِهِ خَيْرًا كَانَ أَوْ شَرًّا، وَقَالَ قَتَادَةُ: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً﴾ إِنَّ كَدْحَكَ يَا ابْنَ آدَمَ لَضَعِيفٌ، فَمَنِ اسْتَطَاعَ أَنْ يَكُونَ كَدْحُهُ فِي طَاعَةِ اللَّهِ فَلْيَفْعَلْ وَلَا قوة إلا بالله، ثم قَالَ تَعَالَى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً﴾ أَيْ سَهْلًا بِلَا تَعْسِيرٍ أَيْ لَا يُحَقِّقُ عَلَيْهِ جَمِيعَ دَقَائِقِ أَعْمَالِهِ، فَإِنَّ من حوسب كذلك هلك لا محالة، روى الْإِمَامِ أَحْمَدَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ نُوقِشَ الْحِسَابَ عُذِّبَ»، قَالَتْ، فَقُلْتُ: أفليس قال الله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً﴾، قَالَ: «لَيْسَ ذَاكَ بِالْحِسَابِ، وَلَكِنَّ ذَلِكَ الْعَرْضُ، مَنْ نُوقِشَ الْحِسَابَ يوم القيامة عذب» (أخرجه أحمد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي). وروى ابن جرير، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ؛ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ يُحَاسَبُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَّا مُعَذَّبًا»، فَقُلْتُ: أَلَيْسَ اللَّهُ يَقُولُ ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً﴾؟ قَالَ: «ذَاكَ الْعَرْضُ، إِنَّهُ مَنْ نُوقِشَ الْحِسَابَ عُذِّبَ»، وَقَالَ بِيَدِهِ عَلَى إصبعه كأنه ينكت (أخرجه الشيخان وابن جرير). وفي رواية عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: "مَنْ نُوقِشَ الْحِسَابَ - أَوْ من حوسب - عذب، ثُمَّ قَالَتْ: إِنَّمَا الْحِسَابُ الْيَسِيرُ عَرْضٌ عَلَى الله تعالى وهو يراهم" (رواه ابن جرير).

َتْ: "مَنْ نُوقِشَ الْحِسَابَ - أَوْ من حوسب - عذب، ثُمَّ قَالَتْ: إِنَّمَا الْحِسَابُ الْيَسِيرُ عَرْضٌ عَلَى الله تعالى وهو يراهم" (رواه ابن جرير). وقوله تَعَالَى: ﴿وَيَنقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُوراً﴾ أَيْ وَيَرْجِعُ إلى أهله في الجنة ﴿مَسْرُوراً﴾ أي فرحاً مُغْتَبِطًا بِمَا أَعْطَاهُ اللَّهُ ﷿، وَقَدْ رَوَى الطَّبَرَانِيُّ عَنْ ثَوْبَانَ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّكُمْ تعملون أعمالاً لا تعرف، ويوشك الغائب أن يثوب إلى أهله فمسرور أو مكظوم (أخرجه الطبراني). وقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَآءَ ظَهْرِهِ) أَيْ بِشِمَالِهِ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِهِ تُثْنَى يَدُهُ إِلَى وَرَائِهِ، وَيُعْطَى كِتَابَهُ بِهَا كَذَلِكَ ﴿فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُوراً﴾ أَيْ خَسَارًا وَهَلَاكًا ﴿وَيَصْلَى سَعِيراً * إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُوراً﴾ أَيْ فَرِحًا لَا يفكر بالعواقب، وَلَا يَخَافُ مِمَّا أَمَامَهُ فَأَعْقَبَهُ ذَلِكَ الْفَرَحُ الْيَسِيرُ الْحُزْنَ الطَّوِيلَ، ﴿إِنَّهُ ظَنَّ أَن لَّن يَحُورَ﴾ أَيْ كَانَ يَعْتَقِدُ أَنَّهُ لَا يَرْجِعُ إلى الله، ولا يعيده بعد موته، قال ابْنُ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةُ وَغَيْرُهُمَا، والحَوْر هُوَ الرُّجُوعُ، قَالَ اللَّهُ: ﴿بَلَى إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيراً﴾ يَعْنِي بَلَى سَيُعِيدُهُ اللَّهُ كَمَا بَدَأَهُ وَيُجَازِيهِ عَلَى أَعْمَالِهِ خَيْرِهَا وَشَرِّهَا فَإِنَّهُ ﴿كَانَ بِهِ بَصِيراً﴾ أَيْ عَلِيمًا خَبِيرًا.

  • ١٦ - فَلَا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ
  • ١٧ - وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ
  • ١٨ - وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ
  • ١٩ - لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَن طَبَقٍ
  • ٢٠ - فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ
  • ٢١ - وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ
  • ٢٢ - بَلِ الَّذِينَ كَفَرُواْ يُكَذِّبُونَ
  • ٢٣ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ
  • ٢٤ - فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ
  • ٢٥ - إِلَاّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ لَهُم أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ

عْلَمُ بِمَا يُوعُونَ

  • ٢٤ - فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ
  • ٢٥ - إِلَاّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ لَهُم أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ

قال علي وابن عباس: ﴿الشفق﴾ الحمرة، وقال عبد الرزاق، عن أبي هريرة: ﴿الشَّفَقُ﴾ الْبَيَاضُ، فَالشَّفَقُ هُوَ حُمْرَةُ الأُفق، إِمَّا قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، كَمَا قَالَهُ مُجَاهِدٌ، وَإِمَّا بَعْدَ غُرُوبِهَا كَمَا هُوَ مَعْرُوفٌ عِنْدَ أَهْلِ اللغة، قال الخليل: الشَّفَقُ: الْحُمْرَةُ مِنْ غُرُوبِ الشَّمْسِ إِلَى وَقْتِ الْعِشَاءِ الْآخِرَةِ، فَإِذَا ذَهَبَ قِيلَ: غَابَ الشَّفَقُ، وفي الحديث: «وقت المغرب ما لم يغب الشفق» (أخرجه مسلم من حديث عبد الله بن عمرو)، وَلَكِنْ صَحَّ عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّهُ قَالَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ﴾ هُوَ النَّهَارُ كله، وَإِنَّمَا حَمَلَهُ عَلَى هَذَا قَرْنُهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ﴾ أَيْ جَمَعَ، كَأَنَّهُ أَقْسَمَ بالضياء والظلام، قال ابْنُ جَرِيرٍ: أَقْسَمَ اللَّهُ بِالنَّهَارِ مُدْبِرًا وَبِاللَّيْلِ مقبلاً، وقال آخرون: الشفق اسم للحمرة والبياض، وهو من الأضداد. قال ابن عباس ومجاهد: ﴿وَمَا وَسَقَ﴾ وَمَا جَمَعَ، قَالَ قَتَادَةُ: وَمَا جمع من نجم ودابة، وقال عكرمة: مَا سَاقَ مِنْ ظُلْمَةٍ إِذَا كَانَ اللَّيْلُ ذهب كل شيء إلى مأواه، وقوله تعالى: ﴿وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِذَا اجتمع واستوى، وقال الحسن: إذا اجتمع وامتلأ، وَقَالَ قَتَادَةُ: إِذَا اسْتَدَارَ، وَمَعْنَى كَلَامِهِمْ أَنَّهُ إِذَا تَكَامَلَ نُورُهُ وَأَبْدَرَ جَعَلَهُ مُقَابِلًا لِلَّيْلِ وما وسق.

وامتلأ، وَقَالَ قَتَادَةُ: إِذَا اسْتَدَارَ، وَمَعْنَى كَلَامِهِمْ أَنَّهُ إِذَا تَكَامَلَ نُورُهُ وَأَبْدَرَ جَعَلَهُ مُقَابِلًا لِلَّيْلِ وما وسق. وقوله تعالى: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَن طَبقٍ﴾ قال البخاري، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَن طَبقٍ﴾ حَالًا بَعْدَ حَالٍ، قَالَ: هَذَا نَبِيِّكُمْ ﷺ (أخرجه البخاري)، وقال الشَّعْبِيِّ ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَن طَبقٍ﴾ قَالَ: لَتَرْكَبُنَّ يا محمد سماء بعد سماء، يعني ليلة الإسراء، وقيل: ﴿طَبَقاً عَن طَبقٍ﴾ منزلاً على منزل، وَيُقَالُ: أَمْرًا بَعْدَ أَمْرٍ، وَحَالًا بَعْدَ حَالٍ (هي رواية العوفي عن ابن عباس)، وقال السدي: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَن طَبقٍ﴾ أَعْمَالُ مَنْ قَبْلِكُمْ منزلاً بعد منزل، وكأنه أَرَادَ مَعْنَى الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «لَتَرْكَبُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ حَذْوَ الْقُذَّةِ بِالْقُذَّةِ، حَتَّى لَوْ دَخَلُوا جُحْرَ ضَبٍّ لَدَخَلْتُمُوهُ»، قَالُوا: يَا رَسُولَ الله: اليهود والنصارى؟ قال: «فمن؟». وقال ابن مسعود: ﴿طَبَقاً عَن طَبقٍ﴾ السماء مرة كالدهان، ومرة تنشق، وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَن طَبقٍ﴾ قَالَ: قَوَمٌ كَانُوا فِي الدُّنْيَا خسيسٌ أَمْرُهُمْ فَارْتَفَعُوا فِي الْآخِرَةِ، وَآخَرُونَ كَانُوا أَشْرَافًا فِي الدُّنْيَا فَاتَّضَعُوا فِي الْآخِرَةِ، وَقَالَ عِكْرِمَةُ: ﴿طَبَقاً عَن طَبقٍ﴾ حَالًا بَعْدَ حَالٍ فَطِيمًا بعد ما كان رضيعاً، وشيخاً بعد ما كَانَ شَابًّا، وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: ﴿طَبَقاً عَن طَبقٍ﴾ يَقُولُ: حَالًا بَعْدَ حَالٍ، رَخَاءً بَعْدَ شِدَّةٍ، وَشِدَّةً بَعْدَ رَخَاءٍ، وَغِنًى بَعْدَ فَقْرٍ، وَفَقْرًا بَعْدَ غِنًى، وَصِحَّةً بَعْدَ سَقَمٍ، وَسَقَمًا بعد صحة.

َ حَالٍ، رَخَاءً بَعْدَ شِدَّةٍ، وَشِدَّةً بَعْدَ رَخَاءٍ، وَغِنًى بَعْدَ فَقْرٍ، وَفَقْرًا بَعْدَ غِنًى، وَصِحَّةً بَعْدَ سَقَمٍ، وَسَقَمًا بعد صحة. ثم قال ابن جرير: وَالصَّوَابُ مِنَ التَّأْوِيلِ قَوْلُ مَنْ قَالَ: لَتَرْكَبُنَّ أَنْتَ يَا مُحَمَّدُ حَالًا بَعْدَ حَالٍ، وَأَمْرًا بَعْدَ أَمْرٍ مِنَ الشَّدَائِدِ، وَالْمُرَادُ بِذَلِكَ - وَإِنْ كان الخطاب موجهاً إلى رسول الله ﷺ جميع الناس، وأنهم يلقون من الشدائد يوم القيامة وأحواله أهوالاً، وقوله تعالى: ﴿فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ﴾ أَيْ فَمَاذَا يَمْنَعُهُمْ مِنَ الْإِيمَانِ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَمَا لَهُمْ إذا قرئت عليهم آيات الله وَهُوَ هَذَا الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ إِعْظَامًا وَإِكْرَامًا واحتراماً؟ وقوله تعالى: ﴿بل الذين كفرا يُكَذِّبُونَ﴾ أَيْ مِنْ سَجِيَّتِهِمُ التَّكْذِيبُ وَالْعِنَادُ وَالْمُخَالَفَةُ لِلْحَقِّ، ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ: يَكْتُمُونَ فِي صُدُورِهِمْ، ﴿فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ أَيْ فَأَخْبِرْهُمْ يَا مُحَمَّدُ بِأَنَّ اللَّهَ عزَّ وجلَّ

قد أعد لهم عذابا إليماً، وقوله تعالى: ﴿إِلَاّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ هَذَا اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ يَعْنِي لَكِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ أَيْ بِقُلُوبِهِمْ ﴿وَعَمِلُواْ الصالحات﴾ أي بِجَوَارِحِهِمْ ﴿لَهُمْ أَجْرٌ﴾ أَيْ فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ ﴿غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: غَيْرُ مَنْقُوصٍ، وقال مجاهد: غَيْرُ مَحْسُوبٍ، وَحَاصِلُ قَوْلِهِمَا: أَنَّهُ غَيْرُ مَقْطُوعٍ، كما قال تعالى: ﴿عَطَآءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾، وَقَالَ السُّدِّيُّ: قَالَ بَعْضُهُمْ: غَيْرُ مَمْنُونٍ: غَيْرُ مَنْقُوصٍ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: غَيْرُ مَمْنُونٍ عَلَيْهِمْ، وَهَذَا القول قَدْ أَنْكَرَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ، فَإِنَّ اللَّهَ ﷿ لَهُ الْمِنَّةُ عَلَى أَهْلِ الْجَنَّةِ، فِي كُلِّ حَالٍ وَآنٍ وَلَحْظَةٍ، وَإِنَّمَا دَخَلُوهَا بِفَضْلِهِ وَرَحْمَتِهِ لَا بِأَعْمَالِهِمْ، فَلَهُ عَلَيْهِمُ الْمِنَّةُ دَائِمًا سرمداً، والحمد لله وحده أبداً.

  • ٨٥ - سورة البروج .

[مقدمة] روى الإمام أحمد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَقْرَأُ فِي الْعِشَاءِ الآخرة بالسماء ذات البروج، والسماء والطارق.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.

  • ١ - وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ
  • ٢ - وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ
  • ٣ - وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ
  • ٤ - قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ
  • ٥ - النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ
  • ٦ - إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ
  • ٧ - وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ
  • ٨ - وَمَا نَقَمُواْ مِنْهُمْ إِلَاّ أَن يُؤْمِنُواْ بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ
  • ٩ - الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شهيد
  • ١٠ - إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُواْ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُواْ فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ

ٍ شهيد

  • ١٠ - إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُواْ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُواْ فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ

يقسم تعالى بالسماء وبروجها وهي النجوم العظام، قال ابن عباس: البروج النجوم، وَقَالَ يَحْيَى بْنُ رَافِعٍ: الْبُرُوجُ قُصُورٌ فِي السَّمَاءِ، وَقَالَ الْمِنْهَالُ بْنُ عَمْرٍو: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ﴾ الْخَلْقُ الْحَسَنُ، وَاخْتَارَ ابْنُ جَرِيرٍ أَنَّهَا مَنَازِلُ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ، وَهِيَ اثْنَا عَشَرَ بُرْجًا تَسِيرُ الشَّمْسُ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا شَهْرًا، ويسير القمر في كل واحد منها يَوْمَيْنِ وَثُلْثًا، فَذَلِكَ ثَمَانِيَةٌ وَعِشْرُونَ مَنْزِلَةً وَيَسْتَسِرُّ ليلتين، وقوله تعالى: ﴿وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ﴾ اخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ فِي ذلك فروي عن أبي هريرة مرفوعاً ﴿واليوم الموعود﴾ يوم القيامة، ﴿شاهد﴾ يوم الجمعة، ﴿مشهود﴾ يوم عرفة (أخرجه ابن أبي حاتم، والأشبه أنه موقوف على أبي هريرة). روى الإمام أحمد، عن أبي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ ﴿وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ﴾ قَالَ: الشَّاهِدُ يَوْمُ الْجُمُعَةِ، وَالْمَشْهُودُ يَوْمُ عرفة، والموعود يوم القيامة (أخرجه أحمد). وعن سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّهُ قَالَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ سَيِّدَ الْأَيَّامِ يَوْمُ الْجُمُعَةِ، وَهُوَ الشَّاهِدُ، وَالْمَشْهُودُ يَوْمُ عرفة» (هذا من مراسيل سعيد بن المسيب). ورى ابن جرير عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ:

ْأَيَّامِ يَوْمُ الْجُمُعَةِ، وَهُوَ الشَّاهِدُ، وَالْمَشْهُودُ يَوْمُ عرفة» (هذا من مراسيل سعيد بن المسيب). ورى ابن جرير عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ:

الشَّاهِدُ هُوَ مُحَمَّدٌ ﷺ، وَالْمَشْهُودُ يَوْمُ الْقِيَامَةِ. ثُمَّ قَرَأَ: ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَّجْمُوعٌ لَّهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مشهود﴾ (أخرجه ابن جرير). وسأل رَجُلٌ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ عَنْ ﴿وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ﴾ فقال: سَأَلْتَ أَحَدًا قَبْلِي؟ قَالَ: نَعَمْ، سَأَلْتُ ابْنَ عمرو وَابْنَ الزُّبَيْرِ فَقَالَا: يَوْمَ الذَّبْحِ وَيَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَقَالَ: لَا، وَلَكِنَّ الشَّاهِدَ مُحَمَّدٌ ﷺ، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كل أمة شهيد وَجِئْنَا بِكَ على هؤلاء شهيداً﴾ وَالْمَشْهُودُ يَوْمُ الْقِيَامَةِ، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَّجْمُوعٌ لَّهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مشهود﴾ (أخرجه ابن جرير أيضاً) وهكذا قال الحسن البصري، وقال مجاهد وَالضَّحَّاكُ: الشَّاهِدُ ابْنُ آدَمَ، وَالْمَشْهُودُ يَوْمُ الْقِيَامَةِ؛ وعن عكرمة: الشَّاهِدُ مُحَمَّدٌ ﷺ، وَالْمَشْهُودُ يوم الجمعة، وقال ابْنِ عَبَّاسٍ: الشَّاهِدُ اللَّهُ، وَالْمَشْهُودُ يَوْمُ الْقِيَامَةِ، وقال ابن أبي حاتم عَنْ مُجَاهِدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﴿وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ﴾ قال: الشاهد الإنسان، والمشهود يوم الجمعة (أخرجه ابن أبي حاتم)، وقال ابن جرير، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ﴾ الشَّاهِدُ يَوْمُ عرفة، والمشهود يوم القيامة، قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَقَالَ آخَرُونَ: ﴿الْمَشْهُودُ﴾ يَوْمُ الجمعة، لحديث أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أكثروا مِنَ الصَّلَاةِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَإِنَّهُ يَوْمٌ مَشْهُودٌ تشهده الملائكة» (أخرجه ابن جرير)، وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: الشَّاهِدُ اللَّهُ، وَتَلَا: ﴿وكفى بالله شَهِيداً﴾ وَالْمَشْهُودُ نَحْنُ (حَكَاهُ الْبَغَوِيُّ)، وَقَالَ الْأَكْثَرُونَ عَلَى أَنَّ الشَّاهِدَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ وَالْمَشْهُودُ يَوْمُ عَرَفَةَ.

ِيداً﴾ وَالْمَشْهُودُ نَحْنُ (حَكَاهُ الْبَغَوِيُّ)، وَقَالَ الْأَكْثَرُونَ عَلَى أَنَّ الشَّاهِدَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ وَالْمَشْهُودُ يَوْمُ عَرَفَةَ. وقوله تعالى: ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الأُخْدُود﴾ أَيْ لُعِنُ أَصْحَابُ الأُخدود، وجمعه أخاديد وهي الحفر فِي الْأَرْضِ، وَهَذَا خَبَرٌ عَنْ قَوْمٍ مِنَ الْكُفَّارِ عَمَدُوا إِلَى مَنْ عِنْدَهُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ بِاللَّهِ ﷿ فَقَهَرُوهُمْ، وَأَرَادُوهُمْ أَنْ يَرْجِعُوا عَنْ دِينِهِمْ فَأَبَوْا عَلَيْهِمْ، فَحَفَرُوا لَهُمْ فِي الْأَرْضِ أُخدوداً، وَأَجَّجُوا فِيهِ نَارًا، وَأَعَدُّوا لَهَا وَقُودًا يُسَعِّرُونَهَا بِهِ، ثُمَّ أَرَادُوهُمْ فَلَمْ يَقْبَلُوا منهم، فقذفوهم فيها، ولهذا قال الله تَعَالَى: ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ * إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ * وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ﴾ أَيْ مُشَاهِدُونَ لِمَا يُفْعَلُ بِأُولَئِكَ الْمُؤْمِنِينَ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا نَقَمُواْ مِنْهُمْ إِلَاّ أَن يُؤْمِنُواْ بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ أي وما كان لهم ذَنْبٌ إِلَّا إِيمَانُهُمْ بِاللَّهِ ﴿الْعَزِيزِ﴾ الَّذِي لَا يضام من لاذ بجنابه، ﴿الْحَمِيدُ﴾ فِي جَمِيعِ أَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ وَشَرْعِهِ وَقَدَرِهِ، ثم قال تعالى: ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ مِنْ تَمَامِ الصِّفَةِ أَنَّهُ الْمَالِكُ لِجَمِيعِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِمَا وَمَا بَيْنَهُمَا، ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ أَيْ لَا يَغِيبُ عَنْهُ شَيْءٌ فِي جَمِيعِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَلَا تَخْفَى عَلَيْهِ خَافِيَةٌ، وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّفْسِيرِ فِي أَهْلِ هَذِهِ القصة من هم؟ فعن علي أَنَّهُمْ أَهْلُ فَارِسٍ، حِينَ أَرَادَ مَلِكُهُمْ تَحْلِيلَ تَزْوِيجِ الْمَحَارِمِ فَامْتَنَعَ عَلَيْهِ عُلَمَاؤُهُمْ، فَعَمَدَ إِلَى حَفْرِ أُخدود فَقَذَفَ فِيهِ مَنْ أَنْكَرَ عَلَيْهِ مِنْهُمْ، وَاسْتَمَرَّ فِيهِمْ تَحْلِيلُ الْمَحَارِمِ إِلَى الْيَوْمِ.

َمَاؤُهُمْ، فَعَمَدَ إِلَى حَفْرِ أُخدود فَقَذَفَ فِيهِ مَنْ أَنْكَرَ عَلَيْهِ مِنْهُمْ، وَاسْتَمَرَّ فِيهِمْ تَحْلِيلُ الْمَحَارِمِ إِلَى الْيَوْمِ. وعن ابن عباس قَالَ: نَاسٌ مَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ خَدُّوا أُخدوداً فِي الْأَرْضِ، ثُمَّ أَوْقَدُوا فِيهِ نَارًا، ثُمَّ أَقَامُوا عَلَى ذَلِكَ الْأُخْدُودِ رِجَالًا وَنِسَاءً، فَعُرِضُوا عليها، وزعموا أنه دانيال وأصحابه، وقيل غير ذلك. وقد روى الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حدَّثنا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْ صهيب الرومي أن رسول الله ﷺ قال: "كان فيمن كان قبلكم ملك، وَكَانَ لَهُ سَاحِرٌ، فَلَمَّا كَبُرَ السَّاحِرُ قَالَ

للملك: إني قد كبر سِنِّي وَحَضَرَ أَجَلِي، فَادْفَعْ إِلَيَّ غُلَامًا لِأُعْلِّمُهُ السحر، فدفع إليه غلاماً كان يُعَلِّمُهُ السِّحْرَ، وَكَانَ بَيْنَ السَّاحِرِ وَبَيْنَ الْمَلِكِ رَاهِبٌ، فَأَتَى الْغُلَامُ عَلَى الرَّاهِبِ، فَسَمِعَ مِنْ كَلَامِهِ فَأَعْجَبَهُ نَحْوُهُ وَكَلَامُهُ، وَكَانَ إِذَا أَتَى السَّاحِرَ ضَرَبَهُ، وَقَالَ: مَا حَبَسَكَ؟ وَإِذَا أَتَى أَهْلَهُ ضَرَبُوهُ، وَقَالُوا مَا حَبَسَكَ؟ فَشَكَا ذَلِكَ إِلَى الرَّاهِبِ، فَقَالَ: إِذَا أَرَادَ السَّاحِرُ أَنْ يَضْرِبَكَ فَقُلْ: حَبَسَنِي أَهْلِي، وَإِذَا أَرَادَ أَهْلُكَ أَنْ يَضْرِبُوكَ فَقُلْ: حَبَسَنِي السَّاحِرُ، قَالَ: فَبَيْنَمَا ذَاتَ يَوْمٍ إِذْ أَتَى عَلَى دَابَّةٍ فَظِيعَةٍ عَظِيمَةٍ قَدْ حَبَسَتِ النَّاسَ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يَجُوزُوا، فَقَالَ: الْيَوْمَ أَعْلَمُ: أَمْرُ الرَّاهِبِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ أَمْ أَمْرُ السَّاحِرِ؟ قَالَ، فَأَخَذَ حَجَرًا، فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِن كَانَ أَمْرُ الرَّاهِبِ أَحَبَّ إِلَيْكَ وَأَرْضَى مِنْ أَمْرِ السَّاحِرِ فَاقْتُلْ هَذِهِ الدَّابَّةَ حَتَّى يَجُوزَ النَّاسُ، وَرَمَاهَا فَقَتَلَهَا، وَمَضَى النَّاسُ، فَأُخْبِرَ الرَّاهِبُ بِذَلِكَ، فَقَالَ: أَيْ بُنَيَّ أَنْتَ أَفْضَلُ مِنِّي، وَإِنَّكَ سَتُبْتَلَى، فَإِنِ ابْتُلِيتَ فَلَا تَدُلَّ عَلَيَّ، فَكَانَ الْغُلَامُ يُبْرِئُ الأكمه والأبرص وسائر الأدواء ويشفيهم، وكان للملك جليس، فَعَمِيَ، فَسَمِعَ بِهِ، فَأَتَاهُ بِهَدَايَا كَثِيرَةٍ فَقَالَ: اشفني ولك ما ههنا أَجْمَعُ، فَقَالَ: مَا أَنَا أَشْفِي أَحَدًا، إِنَّمَا يَشْفِي اللَّهُ ﷿، فَإِنْ آمَنْتَ بِهِ دَعَوْتُ اللَّهَ فَشَفَاكَ، فَآمَنَ فَدَعَا اللَّهَ فَشَفَاهُ، ثُمَّ أَتَى الْمَلِكَ فَجَلَسَ مِنْهُ نَحْوَ مَا كان يجلس، فقال الْمَلِكُ: يَا فُلَانُ مَنْ رَدَّ عَلَيْكَ بَصَرَكَ؟ فَقَالَ: رَبِّي؟ فَقَالَ: أَنَا! قَالَ: لَا، رَبِّي وَرَبُّكَ اللَّهُ، قَالَ: وَلَكَ رَبٌّ غَيْرِي؟ قَالَ: نَعَمْ، رَبِّي وَرَبُّكَ اللَّهُ،

َصَرَكَ؟ فَقَالَ: رَبِّي؟ فَقَالَ: أَنَا! قَالَ: لَا، رَبِّي وَرَبُّكَ اللَّهُ، قَالَ: وَلَكَ رَبٌّ غَيْرِي؟ قَالَ: نَعَمْ، رَبِّي وَرَبُّكَ اللَّهُ، فَلَمْ يَزَلْ يُعَذِّبُهُ حَتَّى دَلَّ عَلَى الْغُلَامِ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ فَقَالَ: أَيْ بُنَيَّ بَلَغَ مِنْ سِحْرِكَ أَنْ تُبْرِئَ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَهَذِهِ الْأَدْوَاءَ؟ قَالَ: مَا أَشْفِي أَحَدًا إِنَّمَا يَشْفِي اللَّهُ ﷿. قَالَ: أَنَا؟ قَالَ: لَا، قَالَ: أَوَلَكَ رَبٌّ غَيْرِي؟ قَالَ: رَبِّي وَرَبُّكَ اللَّهُ، فَأَخَذَهُ أَيْضًا بِالْعَذَابِ، فَلَمْ يَزَلْ بِهِ حَتَّى دَلَّ عَلَى الرَّاهِبِ، فَأَتَى بِالرَّاهِبِ، فَقَالَ: ارْجِعْ عَنْ دِينِكَ، فَأَبَى فَوَضَعَ الْمِنْشَارَ فِي مَفْرِقِ رَأْسِهِ حَتَّى وَقَعَ شِقَّاهُ، وَقَالَ لِلْأَعْمَى: ارْجِعْ عَنْ دِينِكَ فَأَبَى، فَوَضَعَ الْمِنْشَارَ فِي مَفْرِقِ رَأْسِهِ، حَتَّى وَقَعَ شِقَّاهُ إِلَى الْأَرْضِ، وَقَالَ لِلْغُلَامِ: ارْجِعْ عَنْ دِينِكَ فَأَبَى، فَبَعَثَ بِهِ مَعَ نَفَرٍ إِلَى جَبَلِ كَذَا وَكَذَا، وَقَالَ: إِذَا بَلَغْتُمْ ذُرْوَتَهُ فإن رجع عن دينه وإلاّ فدهدهوه، فَذَهَبُوا بِهِ فَلَمَّا عَلَوْا بِهِ الْجَبَلَ قَالَ: اللَّهُمَّ اكْفِنِيهِمْ بِمَا شِئْتَ، فَرَجَفَ بِهِمُ الْجَبَلُ، فَدُهْدِهُوا أَجْمَعُونَ، وَجَاءَ الْغُلَامُ يَتَلَمَّسُ حَتَّى دَخَلَ عَلَى الْمَلِكِ، فَقَالَ: مَا فَعَلَ أَصْحَابُكَ؟ فَقَالَ: كفانيهم الله تعالى، فَبَعَثَ بِهِ مَعَ نَفَرٍ فِي قُرْقُورٍ، فَقَالَ: إِذَا لَجَجْتُمْ بِهِ الْبَحْرَ، فَإِنْ رَجَعَ عَنْ دِينِهِ وَإِلَّا فَغَرِّقُوهُ فِي الْبَحْرِ، فَلَجَّجُوا بِهِ الْبَحْرَ، فَقَالَ الْغُلَامُ: اللَّهُمَّ اكْفِنِيهِمْ بِمَا شِئْتَ فَغَرِقُوا أَجْمَعُونَ، وَجَاءَ الْغُلَامُ حَتَّى دَخَلَ عَلَى الْمَلِكِ، فَقَالَ: مَا فَعَلَ أَصْحَابُكَ؟ فَقَالَ: كَفَانِيهِمُ الله تعالى، ثُمَّ قَالَ لِلْمَلِكِ: إِنَّكَ لَسْتَ بِقَاتِلِي حَتَّى تَفْعَلَ مَا آمُرُكَ بِهِ، فَإِنْ أَنْتَ فَعَلْتَ مَا آمُرُكَ بِهِ قَتَلْتَنِي،

الله تعالى، ثُمَّ قَالَ لِلْمَلِكِ: إِنَّكَ لَسْتَ بِقَاتِلِي حَتَّى تَفْعَلَ مَا آمُرُكَ بِهِ، فَإِنْ أَنْتَ فَعَلْتَ مَا آمُرُكَ بِهِ قَتَلْتَنِي، وَإِلَّا فَإِنَّكَ لَا تَسْتَطِيعُ قَتْلِي، قَالَ: وَمَا هُوَ، قَالَ: تَجْمَعُ النَّاسَ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ، ثُمَّ تَصْلُبُنِي عَلَى جِذْعٍ، وَتَأْخُذُ سَهْمًا مِنْ كِنَانَتِي، ثُمَّ قُلْ: بِاسْمِ اللَّهِ رَبِّ الْغُلَامِ، فَإِنَّكَ إِذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ قَتَلْتَنِي، فَفَعَلَ وَوَضْعَ السَّهْمَ فِي كَبِدِ قَوْسِهِ، ثُمَّ رَمَاهُ وَقَالَ: بِاسْمِ اللَّهِ رَبِّ الْغُلَامِ، فَوَقَعَ السَّهْمُ فِي صُدْغِهِ فَوَضَعَ الْغُلَامُ يَدَهُ عَلَى مَوْضِعِ السَّهْمِ، وَمَاتَ، فَقَالَ النَّاسُ: آمَنَّا بِرَبِّ الْغُلَامِ. فَقِيلَ لِلْمَلِكِ: أَرَأَيْتَ مَا كُنْتَ تَحْذَرُ؟ فَقَدَ وَاللَّهِ نَزَلَ بِكَ؛ قَدْ آمَنَ النَّاسُ كُلُّهُمْ، فَأَمَرَ بِأَفْوَاهِ السِّكَكِ فَخُدَّتْ فِيهَا الْأَخَادِيدُ، وَأُضْرِمَتْ فِيهَا النِّيرَانُ، وَقَالَ: مَنْ رَجَعَ عَنْ دِينِهِ فَدَعَوْهُ وَإِلَّا فَأَقْحِمُوهُ فِيهَا، قَالَ: فَكَانُوا يَتَعَادَوْنَ فِيهَا وَيَتَدَافَعُونَ، فَجَاءَتِ امْرَأَةٌ بِابْنٍ لَهَا تُرْضِعُهُ، فَكَأَنَّهَا تَقَاعَسَتْ أَنْ تَقَعَ فِي النَّارِ، فَقَالَ الصَّبِيُّ: اصْبِرِي يَا أُماه فإنك على الحق (أخرجه أحمد ورواه مسلم والنسائي بنحوه).

وروى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أنَس فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ﴾ قَالَ: سَمِعْنَا إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْماً فِي زَمَانِ الْفَتْرَةِ، فَلَمَّا رَأَوْا مَا وَقَعَ فِي النَّاسِ مِنَ الْفِتْنَةِ وَالشَّرِّ، وَصَارُوا أحزاباً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لديهم فرحون، اعْتَزَلُوا إِلَى قَرْيَةٍ سَكَنُوهَا وَأَقَامُوا عَلَى عِبَادَةِ الله مُخْلِصِينَ لَهُ الدين، فكان هَذَا أَمْرُهُمْ حَتَّى سَمِعَ بِهِمْ جَبَّارٌ مِنَ الْجَبَّارِينَ وَحُدِّثَ حَدِيثَهُمْ فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ، فَأَمَرَهُمْ أَنْ يعبدوا الأوثان التي اتخذوا وأنهم أبو عَلَيْهِ كُلُّهُمْ، وَقَالُوا: لَا نَعْبُدُ إِلَّا اللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، فَقَالَ لَهُمْ: إِنْ لَمْ تَعْبُدُوا هَذِهِ الْآلِهَةَ الَّتِي عَبَدْتُ فَإِنِّي قَاتِلُكُمْ، فَأَبَوْا عَلَيْهِ، فَخَدَّ أُخْدُودًا مِنْ نَارٍ، وقال لهم الجبار بعد أن وقفهم عَلَيْهَا، اخْتَارُوا هَذِهِ أَوِ الَّذِي نَحْنُ فِيهِ، فَقَالُوا: هَذِهِ أَحَبُّ إِلَيْنَا وَفِيهِمْ نِسَاءٌ وَذُرِّيَّةٌ، ففزعت الذرية، فقالوا لهم - أي آباؤهم: لَا نَارَ مِنْ بَعْدِ الْيَوْمِ، فَوَقَعُوا فِيهَا، فَقُبِضَتْ أَرْوَاحُهُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَمَسَّهُمْ حَرُّهَا، وَخَرَجَتِ النَّارُ مِنْ مَكَانِهَا فَأَحَاطَتْ بِالْجَبَّارِينَ، فَأَحْرَقَهُمُ اللَّهُ بِهَا، فَفِي ذَلِكَ أَنْزَلَ اللَّهُ ﷿: ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ * النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ * إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ * وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ * وَمَا نَقَمُواْ مِنْهُمْ إِلَاّ أَن يُؤْمِنُواْ بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ * الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شهيد﴾ (أخرجه ابن أبي حاتم، وروى محمد بن إسحاق قصة أصحاب الأخدود بسياق آخر وأنها كانت مع عبد الله بن التامر وأصحابه المؤمنين في نجران، والله أعلم)، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُواْ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ أَيْ حَرَقُوا،

مع عبد الله بن التامر وأصحابه المؤمنين في نجران، والله أعلم)، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُواْ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ أَيْ حَرَقُوا، قاله ابن عباس ومجاهد ﴿ثُمَّ لَمْ يَتُوبُواْ﴾ أَيْ لَمْ يُقْلِعُوا عَمَّا فَعَلُوا وَيَنْدَمُوا عَلَى مَا أَسْلَفُوا ﴿فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ﴾ وَذَلِكَ أَنَّ الْجَزَاءَ مِنْ جِنْسِ الْعَمَلِ، قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: انْظُرُوا إِلَى هَذَا الْكَرَمِ وَالْجُودِ قَتَلُوا أَوْلِيَاءَهُ وَهُوَ يَدْعُوهُمْ إِلَى التَّوْبَةِ وَالْمَغْفِرَةِ.

  • ١١ - إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ لَهُم جَنَّاتُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ

  • ١٢ - إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ

  • ١٣ - إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ

  • ١٤ - وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ

  • ١٥ - ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ

  • ١٦ - فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ

  • ١٧ - هَلُ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ

  • ١٨ - فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ

  • ١٩ - بَلِ الَّذِينَ كَفَرُواْ فِي تَكْذِيبٍ

  • ٢٠ - وَاللَّهُ مِن وَرَآئِهِمْ مُّحِيطٌ

  • ٢١ - بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ - ٢٢ - فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ

  • ١٩ - بَلِ الَّذِينَ كَفَرُواْ فِي تَكْذِيبٍ

  • ٢٠ - وَاللَّهُ مِن وَرَآئِهِمْ مُّحِيطٌ

  • ٢١ - بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ - ٢٢ - فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ

يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّ ﴿لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ بِخِلَافِ مَا أُعِدَّ لِأَعْدَائِهِ مِنَ الْحَرِيقِ وَالْجَحِيمِ، وَلِهَذَا قَالَ: ﴿ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ﴾، ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ أَيْ إِنَّ بَطْشَهُ وَانْتِقَامَهُ مِنْ أَعْدَائِهِ، الَّذِينَ كَذَّبُوا رُسُلَهُ وَخَالَفُوا أَمْرَهُ، لَشَدِيدٌ عَظِيمٌ قَوِيٌّ، فَإِنَّهُ تَعَالَى ذُو القوة المتين، ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ﴾ أَيْ مِنْ قُوَّتِهِ وقدرته التامة، يبديء ويعيده، كَمَا بَدَأَهُ بِلَا مُمَانِعٍ وَلَا مُدَافِعٍ ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ﴾ أَيْ يَغْفِرُ ذَنْبَ مَنْ تَابَ إليه وخضع لديه، و ﴿الودود﴾ قال ابن عباس: هُوَ الْحَبِيبُ ﴿ذُو الْعَرْشِ﴾ أَيْ صَاحِبُ الْعَرْشِ العظيم الْعَالِي عَلَى جَمِيعِ الْخَلَائِقِ. وَ ﴿الْمَجِيدُ﴾ فِيهِ قِرَاءَتَانِ: الرَّفْعُ عَلَى أَنَّهُ صِفَةٌ لِلرَّبِّ ﷿، وَالْجَرُّ عَلَى أَنَّهُ صِفَةٌ لِلْعَرْشِ، وَكِلَاهُمَا مَعْنًى صَحِيحٌ، ﴿فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ﴾ أَيْ مَهْمَا أَرَادَ فِعْلَهُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ، وَلَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ لعظمته وقهره وَعَدْلِهِ، كَمَا رَوَيْنَا عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ أَنَّهُ قِيلَ لَهُ وَهُوَ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ: هَلْ نَظَرَ إِلَيْكَ الطَّبِيبُ،

قَالَ: نَعَمْ، قَالُوا: فَمَا قَالُ لَكَ؟ قَالَ لي: إني فعال لما أريد، وقوله تعالى: ﴿هَلُ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ * فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ﴾ أَيْ هَلْ بَلَغَكَ مَا أَحَلَّ اللَّهُ بِهِمْ مِنَ الْبَأْسِ، وَأَنْزَلَ عَلَيْهِمْ مِنَ النِّقْمَةِ الَّتِي لَمْ يردها عنهم أحد؟ وهذا تقرير لقوله تعالى: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ أَيْ إِذَا أَخَذَ الظَّالِمَ أَخَذَهُ أَخْذًا أَلِيمًا شَدِيدًا أَخْذَ عَزِيزٍ مقتدر، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ قَالَ: مرَّ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى امْرَأَةٍ تَقْرَأُ: ﴿هَلُ أَتَاكَ حَدِيثُ الجنود﴾ فقام يستمع فقال: «نعم قد جاءني» (أخرجه ابن أبي حاتم). وقوله تعالى: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُواْ فِي تَكْذِيبٍ﴾ أَيْ هُمْ فِي شَكٍّ وَرَيْبٍ وَكُفْرٍ وَعِنَادٍ، ﴿وَاللَّهُ مِن وَرَآئِهِمْ مُحِيطٌ﴾ أَيْ هُوَ قَادِرٌ عَلَيْهِمْ قَاهِرٌ لَا يَفُوتُونَهُ وَلَا يُعْجِزُونَهُ، ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ﴾ أَيْ عَظِيمٌ كَرِيمٌ، ﴿فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ أَيْ هُوَ فِي الْمَلَأِ الْأَعْلَى، مَحْفُوظٌ مِنَ الزيادة والنقص، والتحريف والتبديل، روى ابن أبي حاتم عن عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَلْمَانَ قَالَ: «مَا مِنْ شَيْءٍ قَضَى اللَّهُ، الْقُرْآنُ فَمَا قَبْلَهُ وَمَا بَعْدَهُ، إِلَّا وَهُوَ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ، وَاللَّوْحُ الْمَحْفُوظُ بَيْنَ عَيْنَيْ إِسْرَافِيلَ لَا يُؤْذَنُ لَهُ بالنظر فيه» (أخرجه ابن أبي حاتم). وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ الْمَجِيدَ عِنْدَ اللَّهِ فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ، يُنَزِّلُ مِنْهُ مَا يَشَاءُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ خَلْقِهِ، وقد روى البغوي عن ابن عباس قال: "إن فِي صَدْرِ اللَّوْحِ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ، دِينُهُ الْإِسْلَامُ، وَمُحَمَّدٌ عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، فَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَصَدَّقَ بِوَعْدِهِ وَاتَّبَعَ رُسُلَهُ أَدْخَلَهُ الجنة" (أخرجه البغوي).

ُهُ الْإِسْلَامُ، وَمُحَمَّدٌ عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، فَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَصَدَّقَ بِوَعْدِهِ وَاتَّبَعَ رُسُلَهُ أَدْخَلَهُ الجنة" (أخرجه البغوي). وعن ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ لَوْحًا مَحْفُوظًا مِنْ دُرَّةٍ بَيْضَاءَ صَفَحَاتُهَا مِنْ يَاقُوتَةٍ حَمْرَاءَ، قَلَمُهُ نُورٌ، وَكِتَابُهُ نُورٌ، لله فيه في كُلَّ يَوْمٍ سِتُّونَ وَثَلَاثُمِائَةُ لَحْظَةٍ، يَخْلُقُ وَيَرْزُقُ وَيُمِيتُ وَيُحْيِي وَيُعِزُّ وَيُذِلُّ وَيَفْعَلُ مَا يَشَاءُ» (أخرجه الطبراني).

  • ٨٦ - سورة الطارق .

[مقدمة] روى النسائي عن جابر بن عبد الله قَالَ: صَلَّى مُعَاذٌ الْمَغْرِبَ فَقَرَأَ الْبَقَرَةَ وَالنِّسَاءَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «أَفَتَّانٌ أنت يَا مُعَاذُ؟ مَا كَانَ يَكْفِيكَ أَنْ تَقْرَأَ بالسماء والطارق، والشمس وضحاها ونحوها؟» (أخرجه النسائي).

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.

  • ١ - وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ
  • ٢ - وَمَآ أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ
  • ٣ - النَّجْمُ الثَّاقِبُ
  • ٤ - إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَّمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ
  • ٥ - فَلْيَنظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ
  • ٦ - خُلِقَ مِن مَّآءٍ دَافِقٍ
  • ٧ - يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ
  • ٨ - إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ
  • ٩ - يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ
  • ١٠ - فَمَا له من قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ

ِن بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ

  • ٨ - إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ
  • ٩ - يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ
  • ١٠ - فَمَا له من قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ

يقسم ﵎ بِالسَّمَاءِ، وَمَا جَعَلَ فِيهَا مِنَ الْكَوَاكِبِ النَّيِّرَةِ، ولهذا قال تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ﴾، ثُمَّ قَالَ: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ﴾، ثُمَّ فسَّره بِقَوْلِهِ: ﴿النَّجْمُ الثَّاقِبُ﴾. قَالَ قَتَادَةُ وَغَيْرُهُ: إِنَّمَا سُمِّيَ النَّجْمُ طَارِقًا لِأَنَّهُ يُرَى بِاللَّيْلِ وَيَخْتَفِي بِالنَّهَارِ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا جَاءَ في الحديث: «إِلَّا طَارِقًا يَطْرُقُ بِخَيْرٍ يَا رَحْمَنُ». وَقَوْلُهُ تعالى: ﴿الثَّاقِبُ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الْمُضِيءُ، وَقَالَ السُّدِّيُّ: يَثْقُبُ الشَّيَاطِينَ إِذَا أُرْسِلَ عَلَيْهَا، وَقَالَ عِكْرِمَةُ: هو مضيء ومحرق للشيطان، وقوله تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَّمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾ أَيْ كُلُّ نَفْسٍ عَلَيْهَا مِنَ اللَّهِ حَافِظٌ يَحْرُسُهَا مِنَ الْآفَاتِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾، وقوله تعالى: ﴿فَلْيَنظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ﴾ تَنْبِيهٌ لِلْإِنْسَانِ عَلَى ضَعْفِ أَصْلِهِ الَّذِي خُلِقَ مِنْهُ، وَإِرْشَادٌ لَهُ إِلَى الِاعْتِرَافِ بِالْمَعَادِ، لِأَنَّ مَنْ قَدَرَ عَلَى الْبَدَاءَةِ، فَهُوَ قَادِرٌ عَلَى الْإِعَادَةِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عليه﴾، وقوله تعالى: ﴿خُلِقَ مِن مَّآءٍ دَافِقٍ﴾ يَعْنِي الْمَنِيُّ يَخْرُجُ دَفْقًا مِنَ الرَّجُلِ وَمِنَ الْمَرْأَةِ، فَيَتَوَلَّدُ مِنْهُمَا الْوَلَدُ بِإِذْنِ اللَّهِ ﷿، وَلِهَذَا قَالَ: ﴿يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ﴾ يَعْنِي صُلْبَ الرجل وترائب المرأة وهو (صدرها)، وقال ابن عباس: صُلْبِ الرَّجُلِ وَتَرَائِبِ الْمَرْأَةِ أَصْفَرَ رَقِيقٍ لَا يكون الولد إلاّ منهما، وعنه قال: هذه

الترائب ووضع يده على صدره، وَعَنْ مُجَاهِدٍ: التَّرَائِبُ مَا بَيْنَ الْمَنْكِبَيْنِ إِلَى الصَّدْرِ، وَعَنْهُ أَيْضًا: التَّرَائِبُ أَسْفَلُ مِنَ التَّرَاقِي، وقال الثوري: فوق الثديين، وقال قَتَادَةَ: ﴿يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ﴾ مِنْ بين صلبه ونحره، وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ﴾ فِيهِ قَوْلَانِ: (أَحَدُهُمَا): عَلَى رَجْعِ هَذَا الْمَاءِ الدَّافِقِ إِلَى مَقَرِّهِ الَّذِي خَرَجَ مِنْهُ لَقَادِرٌ عَلَى ذَلِكَ، قَالَهُ مجاهد وعكرمة وغيرهما. (الثَّانِي): إِنَّهُ عَلَى رَجْعِ هَذَا الْإِنْسَانِ الْمَخْلُوقِ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ، أَيْ إِعَادَتُهُ وَبَعْثُهُ إِلَى الدار الآخرة لقادر، قال الضحّاك واختاره ابن جرير، ولهذا قال تعالى: ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ﴾ أَيْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تَبْلَى فِيهِ السَّرَائِرُ أَيْ تَظْهَرُ وَتَبْدُو، وَيَبْقَى السِّرُّ علانية والمكنون مشهوراً، وقوله تعالى: ﴿فماله﴾ أَيِ الْإِنْسَانُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴿مِن قُوَّةٍ﴾ أَيْ فِي نَفْسِهِ، ﴿وَلَا نَاصِرٍ﴾ أَيْ مِنْ خَارِجٍ مِنْهُ، أَيْ لَا يَقْدِرُ عَلَى أَنْ يُنْقِذَ نَفْسَهُ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ، وَلَا يَسْتَطِيعُ لَهُ أحد ذلك.

  • ١١ - وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ
  • ١٢ - وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ
  • ١٣ - إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ
  • ١٤ - وَمَا هوَ بِالْهَزْلِ
  • ١٥ - إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً
  • ١٦ - وَأَكِيدُ كَيْدًا
  • ١٧ - فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا.

ْلٌ

  • ١٤ - وَمَا هوَ بِالْهَزْلِ
  • ١٥ - إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً
  • ١٦ - وَأَكِيدُ كَيْدًا
  • ١٧ - فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا.

قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الرَّجْعُ الْمَطَرُ، وَعَنْهُ: هُوَ السحاب فيه المطر، وَقَالَ قَتَادَةُ: تُرْجِعُ رِزْقَ الْعِبَادِ كُلَّ عَامٍ، ولولا ذلك لهلكوا وهلكت مواشيهم، ﴿وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُوَ انصداعها عن النبات (وهو قول ابن جرير وعكرمة والضحاك والحسن وقتادة والسدي وغيرهم)، وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: حَقٌّ، وقال غيره: حُكْمٌ عَدْلٌ، ﴿وَمَا هوَ بِالْهَزْلِ﴾ أَيْ بَلْ هو جد حق، ثم أخبر الْكَافِرِينَ بِأَنَّهُمْ يُكَذِّبُونَ بِهِ، وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِهِ فَقَالَ: ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً﴾ أَيْ يَمْكُرُونَ بِالنَّاسِ، فِي دَعْوَتِهِمْ إِلَى خِلَافِ الْقُرْآنِ، ثُمَّ قَالَ تعالى: ﴿فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ﴾ أَيْ أَنْظِرْهُمْ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ، ﴿أمهلهم رويداً﴾ أي قليلاً وسترى مَاذَا أُحِلَّ بِهِمْ، مِنَ الْعَذَابِ وَالنَّكَالِ، وَالْعُقُوبَةِ والهلاك كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلاً ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾.

  • ٨٧ - سورة الأعلى .

وَالنَّكَالِ، وَالْعُقُوبَةِ والهلاك كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلاً ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾.

  • ٨٧ - سورة الأعلى .

[مقدمة] روى البخاري، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: "أَوَّلُ مَنْ قَدِمَ عَلَيْنَا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ وَابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ، فَجَعَلَا يُقْرِئَانِنَا الْقُرْآنَ، ثُمَّ جَاءَ عَمَّارٌ وَبِلَالٌ وَسَعْدٌ، ثُمَّ جَاءَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فِي عِشْرِينَ، ثُمَّ جَاءَ النَّبِيُّ ﷺ فَمَا رَأَيْتُ أَهْلَ الْمَدِينَةِ فَرِحُوا بِشَيْءٍ فَرَحَهُمْ بِهِ، حَتَّى رَأَيْتُ الْوَلَائِدَ وَالصِّبْيَانَ يقولون: هَذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قد جَاءَ حَتَّى قَرَأْتُ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ في سور مثلها (أخرجه البخاري في صحيحه). وروى مسلم وأهل السنن عن النعمان بن بشير أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يقرأ في العيدين ويوم الجمعة بسبح اسم رَبِّكَ الأعلى وهل أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ، وَرُبَّمَا اجْتَمَعَا فِي يَوْمٍ واحد فقرأهما (أخرجه مسلم وأهل السنن)، وقد روى الإمام أحمد عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَقْرَأُ فِي الوتر بسبح اسم رَبِّكَ الأعلى، وقل يا أيها الكافرون، وقل هُوَ الله أَحَدٌ، زادت عائشة: والمعوذتين (أخرجه الإمام أحمد).

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.

  • ١ - سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى

  • ٢ - الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى

  • ٣ - وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى

  • ٤ - وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى

  • ٥ - فَجَعَلَهُ غُثَآءً أَحْوَى

  • ٦ - سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى

  • ٧ - إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى

  • ٨ - وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى

  • ٩ - فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَى

  • ١٠ - سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشَى

  • ١١ - وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى

  • ١٢ - الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى

  • ١٣ - ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يحيى

  • سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشَى

  • ١١ - وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى

  • ١٢ - الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى

  • ١٣ - ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يحيى

عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا قَرَأَ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ قَالَ: «سُبْحَانَ رَبِّي الْأَعْلَى» (أخرجه أحمد وأبو داود). وقوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى﴾ أَيْ خَلَقَ الْخَلِيقَةَ وَسَوَّى كل مخلوق في أحسن الهيئات، وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِي قدَّر فَهَدَى﴾، قَالَ مُجَاهِدٌ: هَدَى الْإِنْسَانَ لِلشَّقَاوَةِ وَالسَّعَادَةِ، وَهَدَى الْأَنْعَامَ لِمَرَاتِعِهَا، وَهَذِهِ

الآية كقوله تعالى: ﴿وقال رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ أَيْ قَدَّرَ قَدْرًا وَهَدَى الْخَلَائِقَ إِلَيْهِ، كَمَا ثبت في صحيح مسلم: «إِنَّ اللَّهَ قدَّر مَقَادِيرَ الْخَلَائِقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الماء» (أخرجه مسلم عن عبد الله بن عمرو مرفوعاً). وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى﴾ أَيْ مِنْ جَمِيعِ صُنُوفِ النَّبَاتَاتِ وَالزُّرُوعِ، ﴿فَجَعَلَهُ غُثَآءً أَحْوَى﴾ قَالَ ابْنُ عباس: هشيماً متغيراً، وقوله تعالى: ﴿سَنُقْرِئُكَ﴾ أَيْ يَا مُحَمَّدُ ﴿فَلَا تَنْسَى﴾ وَهَذَا إخبار من الله تعالى وَوَعْدٌ مِنْهُ لَهُ، بِأَنَّهُ سَيُقْرِئُهُ قِرَاءَةً لَا يَنْسَاهَا ﴿إِلَاّ مَا شَآءَ اللَّهُ﴾ وَهَذَا اخْتِيَارُ ابن جرير، وقال ابن قَتَادَةُ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لا ينسى إلا ما شآء الله، وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى﴾ أَيْ يَعْلَمُ مَا يَجْهَرُ بِهِ الْعِبَادُ، وَمَا يُخْفُونَهُ مِنْ أَقْوَالِهِمْ وَأَفْعَالِهِمْ، لَا يَخْفَى عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى﴾ أَيْ نُسَهِّلُ عليك أفعال الخير، ونشرع لك شرعاً سهلاً سمحاً، لَا اعْوِجَاجَ فِيهِ وَلَا حَرَجَ وَلَا عُسْرَ، وقوله تعالى: ﴿فذكِّر إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَى﴾ أَيْ ذَكِّرْ حَيْثُ تنفع التذكرة، ومن ههنا يُؤْخَذُ الْأَدَبُ فِي نَشْرِ الْعِلْمِ فَلَا يَضَعُهُ عند غير أهله، كما قال عَلِيٌّ ﵁: مَا أَنْتَ بِمُحَدِّثٍ قَوْمًا حَدِيثًا لَا تَبْلُغُهُ عُقُولُهُمْ إِلَّا كَانَ فتنة لبعضهم.

لْعِلْمِ فَلَا يَضَعُهُ عند غير أهله، كما قال عَلِيٌّ ﵁: مَا أَنْتَ بِمُحَدِّثٍ قَوْمًا حَدِيثًا لَا تَبْلُغُهُ عُقُولُهُمْ إِلَّا كَانَ فتنة لبعضهم. وقال: حدثوا النَّاسَ بِمَا يَعْرِفُونَ، أَتُحِبُّونَ أَنْ يُكَذَّبَ اللَّهُ ورسوله؟ وقوله تعالى: ﴿سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشَى﴾ أَيْ سَيَتَّعِظُ بِمَا تُبَلِّغُهُ يَا مُحَمَّدُ مَنْ قَلْبُهُ يَخْشَى اللَّهَ وَيَعْلَمُ أَنَّهُ مُلَاقِيهِ، ﴿وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى * الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى * ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا ولا يحيى﴾ أي لا يموت فيستريح، ولا يحيى حَيَاةً تَنْفَعُهُ بَلْ هِيَ مُضِرَّةٌ عَلَيْهِ، لِأَنَّ بِسَبَبِهَا يَشْعُرُ مَا يُعَاقَبُ بِهِ مِنْ أَلِيمِ العذاب وأنواع النكال، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَمَّا أَهْلُ النَّارِ الَّذِينَ هُمْ أَهْلُهَا فَإِنَّهُمْ لَا يَمُوتُونَ فيها ولا يحيون ولكن أناس تُصِيبُهُمُ النَّارُ بِذُنُوبِهِمْ - أَوْ قَالَ بِخَطَايَاهُمْ - فَيُمِيتُهُمْ إماتة حتى إذا ما صَارُوا فَحْمًا أَذِنَ فِي الشَّفَاعَةِ فَجِيءَ بِهِمْ ضَبَائِرَ ضَبَائِرَ، فَبُثُّوا عَلَى أَنْهَارِ الْجَنَّةِ فَيُقَالُ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ أَفِيضُوا عَلَيْهِمْ، فَيَنْبُتُونَ نبات الحبة في حميل السيل" (أخرجه أحمد ومسلم)، ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إنكم ماكثون﴾، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُواْ وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ من عذابها﴾ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ فِي هَذَا المعنى.

  • ١٤ - قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى
  • ١٥ - وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى
  • ١٦ - بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا
  • ١٧ - وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى
  • ١٨ - إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى
  • ١٩ - صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى

ْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا

  • ١٧ - وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى
  • ١٨ - إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى
  • ١٩ - صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى

يَقُولُ تَعَالَى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى﴾ أَيْ طَهَّرَ نَفْسَهُ مِنَ الْأَخْلَاقِ الرَّذِيلَةِ، واتبع ما أنزل الله على الرسول صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ، ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ أَيْ أَقَامَ الصَّلَاةَ فِي أَوْقَاتِهَا ابْتِغَاءَ رضوان الله وامتثالاً لشرع الله، روي عن جابر بن عبد الله يرفعه ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾ قَالَ: مَنْ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَخَلَعَ الْأَنْدَادَ، وَشَهِدَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ قَالَ: «هِيَ الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ وَالْمُحَافَظَةُ عَلَيْهَا والاهتمام بها» (أخرجه الحافظ البزار). وَكَذَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ إِنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ الصلوات الخمس، واختاره ابن جرير، وعن عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَنَّهُ

كَانَ يَأْمُرُ النَّاسَ بِإِخْرَاجِ صَدَقَةِ الْفِطْرِ، وَيَتْلُو هذه الآية: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾، وَقَالَ قَتَادَةُ فِي هَذِهِ الآية: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ زَكَّى مَالَهُ وَأَرْضَى خَالِقَهُ، ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ أَيْ تُقَدِّمُونَهَا عَلَى أَمْرِ الْآخِرَةِ، وَتُبْدُونَهَا عَلَى مَا فيه نفعكم وصلاحكم في معاشكم ومعادكم، ﴿وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ أَيْ ثَوَابُ اللَّهِ فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ، خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَأَبْقَى، فَإِنَّ الدنيا دانية فَانِيَةٌ، وَالْآخِرَةَ شَرِيفَةٌ بَاقِيَةٌ، فَكَيْفَ يُؤْثِرُ عَاقِلٌ مَا يَفْنَى عَلَى مَا يَبْقَى، وَيَهْتَمُّ بِمَا يَزُولُ عَنْهُ قَرِيبًا وَيَتْرُكُ الِاهْتِمَامَ بِدَارِ الْبَقَاءِ والخلد؟ وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «الدُّنْيَا دَارُ مَنْ لَا دَارَ لَهُ، وَمَالُ مَنْ لَا مَالَ لَهُ،

يَتْرُكُ الِاهْتِمَامَ بِدَارِ الْبَقَاءِ والخلد؟ وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «الدُّنْيَا دَارُ مَنْ لَا دَارَ لَهُ، وَمَالُ مَنْ لَا مَالَ لَهُ، وَلَهَا يَجْمَعُ مَنْ لا عقل له» (أخرجه أحمد عن عائشة مرفوعاً) عن عجرفة الثَّقَفِيِّ قَالَ: اسْتَقْرَأْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ فَلَمَّا بَلَغَ ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ تَرَكَ الْقِرَاءَةِ وَأَقْبَلَ عَلَى أَصْحَابِهِ وَقَالَ: آثَرْنَا الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ، فَسَكَتَ الْقَوْمُ، فَقَالَ: آثَرْنَا الدُّنْيَا لِأَنَّا رَأَيْنَا زِينَتَهَا وَنِسَاءَهَا وَطَعَامَهَا وَشَرَابَهَا، وَزُوِيَتْ عَنَّا الْآخِرَةُ، فَاخْتَرْنَا هَذَا الْعَاجِلَ وَتَرَكْنَا الْآجِلَ، وَهَذَا مِنْهُ عَلَى وَجْهِ التَّوَاضُعِ والهضم، وفي الحديث: «مَنْ أَحَبَّ دُنْيَاهُ أَضَرَّ بِآخِرَتِهِ، وَمَنْ أَحَبَّ آخِرَتَهُ أَضَرَّ بِدُنْيَاهُ فَآثِرُوا مَا يَبْقَى عَلَى ما يفنى» (أخرجه أحمد عن أبي موسى الأشعري مرفوعاً)، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى * صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وموسى﴾ كَقَوْلِهِ فِي سُورَةِ النَّجْمِ: ﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى * أَلَاّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى * وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلَاّ مَا سَعَى * وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى * ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى * وَأَنَّ إِلَى ربك المنتهى﴾ الآيات إلى آخرهن؛ وهكذا قال عكرمة في قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى * صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى﴾ يَقُولُ: الْآيَاتُ الَّتِي فِي ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: قِصَّةُ هَذِهِ السُّورَةِ فِي الصُّحُفِ الْأُولَى، وَاخْتَارَ ابْنُ جَرِيرٍ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ: ﴿إِنَّ هَذَا﴾ إِشَارَةٌ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى * بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾،

Bagian 137 dari 141