— Bagian 2 · تفسير الاستعاذة —
Bagian 2
تفسير الاستعاذة
- ١ - قال الله تعالى: ﴿وَإِماَّ يَنَزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عليم﴾
- ٢ - وقال تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ. وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أن يَحضرون﴾.
- ٣ - وقال تعالى: ﴿وَمَا يُلَقَّاهَآ إِلَاّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ. وَإِماَّ يَنَزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السميع العليم﴾. فَهَذِهِ ثَلَاثُ آيَاتٍ لَيْسَ لهنَّ رَابِعَةٌ فِي معناها. فالله تعالى يَأْمُرُ بِمُصَانَعَةِ (الْعَدُوِّ الْإِنْسِيِّ) وَالْإِحْسَانِ إِلَيْهِ، لِيَرُدَّهُ عنه طبعه إلى الموالاة والمصافاة. ويأمر بالاستعاذة مِنَ (الْعَدُوِّ الشَّيْطَانِيِّ) لَا مَحَالَةَ، إِذْ لَا يَقْبَلُ مُصَانَعَةً وَلَا إِحْسَانًا، وَلَا يَبْتَغِي غَيْرَ هَلَاكِ ابْنِ آدَمَ، لِشِدَّةِ الْعَدَاوَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أبيه آدم كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فاتخذوه عَدُوّاً﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ﴾؟ وقد أقسم لآدم وكذب عليه، فَكَيْفَ مُعَامَلَتُهُ لَنَا وَقَدْ قَالَ: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾؟ وَقَالَتْ طَّآئِفَةٌ
ُمْ عَدُوٌّ﴾؟ وقد أقسم لآدم وكذب عليه، فَكَيْفَ مُعَامَلَتُهُ لَنَا وَقَدْ قَالَ: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾؟ وَقَالَتْ طَّآئِفَةٌ
- ١٦ - أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِّجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ قال السدي عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَعَنْ نَاسٍ مِنَ الصَّحَابَةِ ﴿أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى﴾ أخذوا الضلالة وتركوا الهدى، وعن ابْنِ عَبَّاسٍ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى﴾ أَيِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: آمَنُواّ ثُمَّ كَفَرُوا، وَقَالَ قَتَادَةُ: اسْتَحَبُّوا الضَّلَالَةَ عَلَى الْهُدَى. وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ قَتَادَةُ يُشْبِهُهُ فِي الْمَعْنَى قوله تعالى فِي ثمود: ﴿فأما ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فاستحبوا العمى عَلَى الهدى﴾. وَحَاصِلُ قَوْلِ الْمُفَسِّرِينَ فِيمَا تَقَدَّمَ: أَنَّ الْمُنَافِقِينَ عَدَلُوا عَنِ الْهُدَى إِلَى الضَّلَالِ، وَاعْتَاضُوا عَنِ الْهُدَى بِالضَّلَالَةِ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى﴾ أَيْ بَذَلُوا الْهُدَى ثمناً للضلالة وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِّجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ﴾ أَيْ مَا رَبِحَتْ صَفْقَتُهُمْ فِي هَذِهِ الْبَيْعَةِ، وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ أَيْ رَاشِدِينَ في صنيعهم ذلك وقال ابن جرير عَنْ قَتَادَةَ: ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِّجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ﴾ قَدْ وَاللَّهِ رَأَيْتُمُوهُمْ خَرَجُوا مِنَ الْهُدَى إِلَى الضَّلَالَةِ، وَمِنَ الْجَمَاعَةِ إِلَى الْفُرْقَةِ، وَمِنَ الْأَمْنِ إِلَى الْخَوْفِ، وَمِنَ السُّنَّةِ إِلَى الْبِدْعَةِ.
جُوا مِنَ الْهُدَى إِلَى الضَّلَالَةِ، وَمِنَ الْجَمَاعَةِ إِلَى الْفُرْقَةِ، وَمِنَ الْأَمْنِ إِلَى الْخَوْفِ، وَمِنَ السُّنَّةِ إِلَى الْبِدْعَةِ.
مِّنْ القراء: يتعوذ بَعْدَ الْقِرَاءَةِ، وَاعْتَمَدُوا عَلَى ظَاهِرِ سِيَاقِ الْآيَةِ. والمشهور الذي عليه الجمهور: أن الاستعاذة إنما تكون قبل التلاوة لدفع الموسوس عنها، ومعنى الآية ﴿فإذا قرأت القرآن﴾ أي إذا أردت القراءة، كقوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إلى الصلاة فاغسلوا﴾ أي إذا أردتم القيام، ويدل عليه ما روي أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إذا قام من الليل استفتح صلاته بالتكبير والثناء ثُمَّ يَقُولُ: «أَعُوذُ بِاللَّهِ السَّمِيعِ الْعَلِيمِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، من همزة ونفخة ونفثه» (رواه أحمد عن أبي سعيد الخدري وأخرجه أصحاب السنن الأربعة) وَمَعْنَى: «أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ» أَيْ أَسْتَجِيرُ بِجَنَابِ اللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ أَنْ يَضُرَّنِي فِي دِينِي أَوْ دُنْيَايَ، أَوْ يَصُدَّنِي عن فعل ما أُمرت به، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَكُفُّهُ عَنِ الْإِنْسَانِ إِلَّا الله، والاستعاذة: هي الإلتجاء إلى الله تعالى مِنْ شَرِّ كُلِّ ذِي شَرٍّ، وَالْعِيَاذَةُ تَكُونُ لدفع الشر، واللياذُ يكون لطلب الْخَيْرِ كَمَا قَالَ الْمُتَنَبِّي: يَا مَنْ ألوذُ بِهِ فِيمَا أُؤَمِّلُهُ * وَمَنْ أَعُوذُ بِهِ مِمَّا أُحَاذِرُهُ لَا يجبرُ الناسُ عَظْمًا أَنْتَ كَاسِرُهُ * وَلَا يَهِيضُونَ عَظْمًا أنت جابره
ألوذُ بِهِ فِيمَا أُؤَمِّلُهُ * وَمَنْ أَعُوذُ بِهِ مِمَّا أُحَاذِرُهُ لَا يجبرُ الناسُ عَظْمًا أَنْتَ كَاسِرُهُ * وَلَا يَهِيضُونَ عَظْمًا أنت جابره و (الشيطان) فِي لُغَةِ الْعَرَبِ مُشْتَقٌّ مِنْ شَطَنَ إِذَا بعد، فهو بعيد بفسقه عن كل خير، وقيل: من شاط لأنه مخلوق من نار والأول أصح، قال سِيبَوَيْهِ: الْعَرَبُ تَقُولُ: تَشَيْطَنَ فلانُ إِذَا فعلَ فعل الشياطين، ولو كان من شاط لقالوا: تشيط، فالشيطان مُشْتَقٌّ مِنَ الْبُعْدِ عَلَى الصَّحِيحِ وَلِهَذَا يُسَمُّونَ كل متمرد من جني وإنسي وحيوانٍ «شيطانا» قال تعالى ﴿شَيَاطِينَ الإنس والجن﴾ وركب عمر برذوناً فجعل يتبختر به، فضربه فلم يزدد إِلَّا تَبَخْتُرًا، فَنَزَلَ عَنْهُ وَقَالَ: مَا حَمَلْتُمُونِي إلا على شيطان لقد أنكرت نفسي (رواه ابن وهب عن زيد بن أسلم عن أبيه وإسناده صحيح) و (الرجيم) فَعِيلٌ. بِمَعْنَى مَفْعُولٍ، أَيْ أَنَّهُ مرجومٌ مطرودٌ عن الخير كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاهَا رُجُوماً للشياطين﴾ وقال تعالى: ﴿وَحَفِظْنَاهَا مِن كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ. إِلَّا مَنِ استرق السمع فأتبعه شهاب مبين﴾.
- ١٧ - مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَاّ يُبْصِرُونَ
- ١٨ - صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يرجعون
يقال: مَثَل، وَالْجَمْعُ أَمْثَالٌ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يعقِلها إِلَاّ العالمون﴾، وَتَقْدِيرُ هَذَا الْمَثَلِ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ شَبَّهَهُمْ في اشترائهم الضلالة بالهدى، وصيرورتهم بعد البصيرة إِلَى الْعَمَى، بِمَنِ اسْتَوْقَدَ نَارًا، فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ، وَانْتَفَعَ بِهَا وَأَبْصَرَ بِهَا مَا عن يمينه وشماله، وتأنس بها ... فبينما هو كذلك إذا طُفِئَتْ نَارُهُ وَصَارَ فِي ظَلَامٍ شَدِيدٍ، لَا يبصر ولا يهتدي وهو مع هذا (أَصَمُّ) لَا يَسْمَعُ، (أَبْكَمُ) لَا يَنْطِقُ، (أَعْمَى) لو كان ضياء لما أبصر، فهذا لَا يَرْجِعُ إِلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ قَبْلَ ذَلِكَ، فَكَذَلِكَ هَؤُلَاءِ الْمُنَافِقُونَ فِي اسْتِبْدَالِهِمُ الضَّلَالَةَ عِوَضًا عَنِ الْهُدَى، وَاسْتِحْبَابِهِمُ الْغَيَّ عَلَى الرُّشْدِ، وَفِي هَذَا الْمَثَلِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُمْ آمَنُواّ ثُمَّ كَفَرُوا، كما أخبر تعالى عنهم في غير هذا الموضع والله أعلم. وقال الرازي: والتشبيه ههنا فِي غَايَةِ الصِّحَّةِ لِأَنَّهُمْ بِإِيمَانِهِمُ اكْتَسَبُوا أَوَّلًا نوراً، ثم بنفاقهم ثانياً أبطلوا ذلك فَوَقَعُوا فِي حَيْرَةٍ عَظِيمَةٍ، فَإِنَّهُ لَا حَيْرَةَ أعظم من حيرة الدين.
بِإِيمَانِهِمُ اكْتَسَبُوا أَوَّلًا نوراً، ثم بنفاقهم ثانياً أبطلوا ذلك فَوَقَعُوا فِي حَيْرَةٍ عَظِيمَةٍ، فَإِنَّهُ لَا حَيْرَةَ أعظم من حيرة الدين. وَصَحَّ ضَرْبُ مَثَلِ الْجَمَاعَةِ بِالْوَاحِدِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الحمار ⦗٣٧⦘ يَحْمِلُ أسفارا﴾ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: تَقْدِيرُ الْكَلَامِ مَثَلُ قِصَّتِهِمْ كَقِصَّةِ الذين استوقدوا ناراً، وَقَدِ الْتَفَتَ فِي أَثْنَاءِ الْمَثَلِ مِنَ الْوَاحِدِ إِلَى الْجَمْعِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّآ أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ. صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾، وَهَذَا أَفْصَحُ فِي الْكَلَامِ وَأَبْلَغُ فِي النِّظَامِ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ أي ذهب عنهم بما يَنْفَعُهُمْ وَهُوَ النُّورُ وَأَبْقَى لَهُمْ مَا يَضُرُّهُمْ وَهُوَ الْإِحْرَاقُ وَالدُّخَانُ، ﴿وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ﴾ وَهُوَ مَا هُمْ فِيهِ مِنَ الشَّكِّ وَالْكُفْرِ وَالنِّفَاقِ. ﴿لَاّ يُبْصِرُونَ﴾ لا يهتدون إلى سبيل خَيْرٍ وَلَا يَعْرِفُونَهَا، وَهُمْ مَعَ ذَلِكَ ﴿صُمٌّ﴾ لَا يَسْمَعُونَ خَيْرًا، ﴿بُكْمٌ﴾ لَا يَتَكَلَّمُونَ بِمَا يَنْفَعُهُمْ، ﴿عُمْيٌ﴾ فِي ضَلَالَةِ وَعَمَايَةِ الْبَصِيرَةِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ التي فِي الصدور﴾ فَلِهَذَا لَا يَرْجِعُونَ إِلَى مَا كَانُوا عَلَيْهِ من الهداية التي باعوها بالضلالة.
عْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ التي فِي الصدور﴾ فَلِهَذَا لَا يَرْجِعُونَ إِلَى مَا كَانُوا عَلَيْهِ من الهداية التي باعوها بالضلالة. وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً﴾ إِلَى آخِرِ الْآيَةِ ... قَالَ: هَذِهِ صِفَةُ الْمُنَافِقِينَ، كَانُوا قَدْ آمَنُوا حَتَّى أَضَاءَ الإِيمان فِي قُلُوبِهِمْ كَمَا أَضَاءَتِ النَّارُ لِهَؤُلَاءِ الَّذِينَ استوقدوا ناراً، ثُمَّ كَفَرُوا فَذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ فَانْتَزَعَهُ كَمَا ذَهَبَ بِضَوْءِ هَذِهِ النَّارِ فَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لا يبصرون.
- ١ - بسم الله الرحمن الرحيم
تفسير البسملة رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ لَا يَعْرِفُ فَصْلَ السُّورَةِ حَتَّى يَنْزِلَ عليه ﴿بِسمِ الله الرحمن الرحيم﴾ (رواه أبو داود بإسناد صحيح وأخرجه الحاكم في مستدركه) وقد افتتح بها الصحابة كتاب الله، ولهذا تُستحب في أول كل قولٍ وعمل لقوله ﵇: «كُلُّ أَمْرٍ لَا يُبْدَأُ فِيهِ بِبِسْمِ اللَّهِ الرحمن الرحيم فهو أجذم» فتستحب في أول الوضوء لقوله ﵇: «لَا وُضُوءَ لِمَنْ لَمْ يَذْكُرِ
ل لقوله ﵇: «كُلُّ أَمْرٍ لَا يُبْدَأُ فِيهِ بِبِسْمِ اللَّهِ الرحمن الرحيم فهو أجذم» فتستحب في أول الوضوء لقوله ﵇: «لَا وُضُوءَ لِمَنْ لَمْ يَذْكُرِ
اسم الله عليه» (رواه أحمد وأصحاب السنن من رواية أبي هريرة مرفوعاً) وتستحب عند الذبيحة في مذهب الشافعي وأوجبها آخرون، وتستحب عن الأكل لقوله ﵇: " قل: بسم الله، وكلْ بيمينك، وكلْ مما يليك" (رواه مسلم في قصة عمر بن أبي سلمة ربيب النبي ﷺ وتستحب عند الجماع لقوله ﵇: "لو أنَّ أحدكم إِذَا أَرَادَ أَنْ يَأْتِيَ أَهْلَهُ قَالَ: بِسْمِ اللَّهِ، اللَّهُمَّ جَنِّبْنَا الشَّيْطَانَ وَجَنِّبِ الشَّيْطَانَ مَا رَزَقَتْنَا، فَإِنَّهُ إِنْ يُقدَّر بَيْنَهُمَا ولدٌ لَمْ يضره الشيطان أبداً" (رواه الشيخان عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ والمتعلق بالباء في قوله (بِسمِ الله) منهم مَنْ قَدَّرَهُ بِاسْمٍ تَقْدِيرُهُ: بِاسْمِ اللَّهِ ابْتِدَائِي، ومنهم من قدّره بفعل تقديره: أبدأ باسم الله، أو ابتدأت باسم الله، وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ فَإِنَّ الْفِعْلَ لَا بدَّ لَهُ مِنْ مَصْدَرٍ، فَلَكَ أَنْ تُقَدِّرَ الْفِعْلَ وَمَصْدَرَهُ، فالمشروعُ ذِكْرُ اسْمِ اللَّهِ فِي الشُّرُوعِ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ تَبَرُّكًا وَتَيَمُّنًا وَاسْتِعَانَةً عَلَى الْإِتْمَامِ والتقبل، ويدل للأول قوله تعالى: ﴿بِسْمِ الله مجريها ومرساها﴾ ويدل للثاني في قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾.
الْإِتْمَامِ والتقبل، ويدل للأول قوله تعالى: ﴿بِسْمِ الله مجريها ومرساها﴾ ويدل للثاني في قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾. و (اللَّهِ) علمٌ عَلَى الرَّبِّ ﵎ يُقَالُ إِنَّهُ (الِاسْمُ الْأَعْظَمُ) لِأَنَّهُ يُوصَفُ بِجَمِيعِ الصِّفَاتِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إلى هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ الآيات، فأجرى الأسماء الباقية كلها صفات كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَللَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيّاً مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الحسنى﴾ وفي الصحيحين: «إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا، مِائَةٌ إِلَّا وَاحِدًا، مَنْ أَحْصَاهَا دخل الجنة» (رواه الشيخان عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ اسْمٌ لَمْ يُسَمَّ بِهِ غَيْرُهُ ﵎ ولهذا لا يعرف له - في كلام العرب - اشتقاقٌ، فهو اسم جامد وقد نقله الْقُرْطُبِيُّ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ مِنْهُمُ (الشَّافِعِيُّ) و (الغزالي) و (إمام الحرمين) وقيل: إنه مشتقُّ من أله يأله إلاهةً، وقد قرأ ابن عباس ﴿ويذرك وإلاهتك﴾ أي عبادتك، وقيل: مشتقُّ من وله إذا تحيّر، لأنه تعالى يحير في الفكر في حقائق صفاته، وقيل: مشتقُّ مِنْ ألهتُ إِلَى فُلَانٍ: أَيْ سَكَنْتُ إِلَيْهِ، فَالْعُقُولُ لَا تَسْكُنُ إِلَّا إِلَى ذِكْرِهِ، وَالْأَرْوَاحُ لَا تَفْرَحُ إِلَّا بِمَعْرِفَتِهِ، لِأَنَّهُ الْكَامِلُ على الإطلاق دون غيره، قال تعالى: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللهِ تطمئنُ القلوب﴾، وقد اختار الرازي أنه اسم غير مشتق البتة، وَهُوَ قَوْلُ الْخَلِيلِ وَسِيبَوَيْهِ وَأَكْثَرُ الْأُصُولِيِّينَ وَالْفُقَهَاءِ.
ْرِ اللهِ تطمئنُ القلوب﴾، وقد اختار الرازي أنه اسم غير مشتق البتة، وَهُوَ قَوْلُ الْخَلِيلِ وَسِيبَوَيْهِ وَأَكْثَرُ الْأُصُولِيِّينَ وَالْفُقَهَاءِ. ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ اسْمَانِ مُشْتَقَّانِ مِنَ الرَّحْمَةِ عَلَى وجه المبالغة، و ﴿رحمن﴾ أشد مبالغة من ﴿رحيم﴾ وزعم بعضهم أنه غير مشتق، قال القرطبي: والدليل على أنه مشتق ما روي في الحديث القدسي: «أَنَا الرَّحْمَنُ خلقتُ الرَّحِمَ وَشَقَقْتُ لَهَا اسْمًا مِنَ اسْمِي، فَمَنْ وَصَلَهَا وَصَلْتُهُ، وَمَنْ قَطَعَهَا قطعته» (أخرجه التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ القرطبي: وَهَذَا نصٌ فِي الِاشْتِقَاقِ فَلَا مَعْنَى لِلْمُخَالَفَةِ والشقاق، وَإِنْكَارُ الْعَرَبِ لِاسْمِ ﴿الرَّحْمَنِ﴾ لِجَهْلِهِمْ بِاللَّهِ وَبِمَا وجب له، وبناء فعلان ليس كَفَعِيلٍ، فَإِنَّ (فَعْلَانَ) لَا يَقَعُ إِلَّا عَلَى مبالغة الفعل نحو قولك (رجلٌ غضبان) للممتلىْ غضباً، و (فعيل) قد يكون بمعنى الفاعل والمفعول. قال ابن جرير: ﴿الرحمن﴾ لجميع الخلق، ﴿الرَّحِيمِ﴾ بالمؤمنين، ولهذا قال
- ١٩ - أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِم مِّنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ
- ٢٠ - يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَآءَ لَهُمْ مَّشَوْاْ فِيهِ وَإِذَآ أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُواْ وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شيء قدير
هذا مَثَلٌ آخَرُ ضَرَبَهُ اللَّهُ تَعَالَى لِضَرْبٍ آخَرَ مِنَ الْمُنَافِقِينَ، وَهُمْ قَوْمٌ يَظْهَرُ لَهُمُ الْحَقُّ تَارَةً وَيَشُكُّونَ تَارَةً أُخرى، فَقُلُوبُهُمْ فِي حَالِ شكهم وكفرهم وترددهم (كصيِّب) والصيب: الْمَطَرُ نَّزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ فِي حَالِ ظُلُمَاتٍ وهي الشكوك والكفر والنفاق، و (رعد): وَهُوَ مَا يُزْعِجُ الْقُلُوبَ مِنَ الْخَوْفِ، فَإِنَّ مِنْ شَأْنِ الْمُنَافِقِينَ الْخَوْفَ الشَّدِيدَ وَالْفَزَعَ كَمَا قال تعالى: ﴿يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ﴾، وَقَالَ: ﴿وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنكُمْ وَمَا هُم مِّنكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ، لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مغاراتٍ أَوْ مُدَّخَلاً لَّوَلَّوْاْ إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ﴾ و (البرق): هُوَ مَا يَلْمَعُ فِي قُلُوبِ هَؤُلَاءِ الضَّرْبِ مِنَ الْمُنَافِقِينَ فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ مِنْ نُورِ الْإِيمَانِ، وَلِهَذَا قَالَ: ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِم مِّنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ أَيْ وَلَا يُجْدِي عَنْهُمْ حَذَرُهُمْ شَيْئًا لِأَنَّ اللَّهَ مُحِيطٌ بِهِمْ بِقُدْرَتِهِ، وَهُمْ تَحْتَ مَشِيئَتِهِ وَإِرَادَتِهِ، كَمَا قَالَ: ﴿هَلُ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ، بَلِ الَّذِينَ كَفَرُواْ فِي تَكْذِيبٍ. وَاللَّهُ مِن وَرَآئِهِمْ محيط﴾ أي بهم، ثُمَّ قَالَ: ﴿يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ﴾ أَيْ لِشِدَّتِهِ وَقُوَّتِهِ فِي نَفْسِهِ وَضَعْفِ بَصَائِرِهِمْ وَعَدَمِ ثباتها للإيمان.
هم، ثُمَّ قَالَ: ﴿يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ﴾ أَيْ لِشِدَّتِهِ وَقُوَّتِهِ فِي نَفْسِهِ وَضَعْفِ بَصَائِرِهِمْ وَعَدَمِ ثباتها للإيمان. قال ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ﴾ أَيْ لِشِدَّةِ ضَوْءِ الْحَقِّ ﴿كُلَّمَا أَضَآءَ لَهُمْ مَّشَوْاْ فِيهِ وَإِذَآ أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُواْ﴾ أَيْ كُلَّمَا ظَهَرَ لَهُمْ مِنَ الْإِيمَانِ شَيْءٌ اسْتَأْنَسُوا بِهِ وَاتَّبَعُوهُ، وَتَارَةً تَعْرِضُ لَهُمُ الشُّكُوكُ أَظْلَمَتْ قُلُوبَهُمْ فوقفوا حائرين. وعن ابن عباس: يَعْرِفُونَ الْحَقَّ وَيَتَكَلَّمُونَ بِهِ، فَهُمْ مِنْ قَوْلِهِمْ بِهِ عَلَى اسْتِقَامَةٍ فَإِذَا ارْتَكَسُوا مِنْهُ إِلَى الكفر قاموا: أي متحيرين. وَهَكَذَا يَكُونُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَمَا يُعْطَى النَّاسُ النُّورَ بِحَسَبِ إِيمَانِهِمْ، فَمِنْهُمْ مَنْ يُعْطَى مِنَ النُّورِ ⦗٣٨⦘ مَا يُضِيءُ لَهُ مَسِيرَةَ فَرَاسِخَ وَأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ وَأَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ، وَمِنْهُمْ مَنْ يطفأ نوره تارة ويضيء أخرى، ومنهم من يمشي عَلَى الصِّرَاطِ تَارَةً وَيَقِفُ أُخْرَى، وَمِنْهُمْ مَنْ يُطْفَأُ نُورُهُ بِالْكُلِّيَّةِ وَهُمُ الخُلَّص مِنَ الْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ قَالَ تَعَالَى فِيهِمْ: ﴿يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُواْ انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَآءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً﴾ وَقَالَ فِي حَقِّ الْمُؤْمِنِينَ: ﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نورُهم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِم بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تحتها الأنهار﴾ الآية. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ لَا يُخْزِى اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ. نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَآ أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا. وَاغْفِرْ لَنَآ إِنَّكَ على كل شيء قدير﴾.
مَعَهُ. نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَآ أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا. وَاغْفِرْ لَنَآ إِنَّكَ على كل شيء قدير﴾. وقوله تَعَالَى: ﴿وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ الله على كل شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ﴾، قَالَ: لِمَا تَرَكُوا مِنَ الْحَقِّ بَعْدَ مَعْرِفَتِهِ، ﴿إِنَّ اللَّهَ على كل شيءقدير﴾: أَيْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ مَا أَرَادَ بِعِبَادِهِ مِنْ نِقْمَةٍ أَوْ عَفْوٍ قَدِيرٌ. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: إِنَّمَا وَصَفَ اللَّهُ تَعَالَى نَفْسَهُ بِالْقُدْرَةِ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ لِأَنَّهُ حَذَّرَ الْمُنَافِقِينَ بَأْسَهُ وَسَطْوَتَهُ وَأَخْبَرَهُمْ أَنَّهُ بهم محيط، وعلى إِذْهَابِ أَسْمَاعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ قَدِيرٌ، وَمَعْنَى (قَدِيرٍ) قَادِرٌ كما معنى (عليم) عالم. وذهب ابن جرير ومن تبعه من كثير من المفسرين إلى أَنَّ هَذَيْنِ المَثَلين مَضْرُوبَانِ لِصِنْفٍ وَاحِدٍ مِنَ الْمُنَافِقِينَ. وَتَكُونُ (أَوْ) فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ السَّمَاءِ﴾ بِمَعْنَى الْوَاوِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أو كفوراً﴾ أَوْ تَكُونُ لِلتَّخْيِيرِ. أَيْ اضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا بهذا وإن شئت بهذا. قال الْقُرْطُبِيُّ: أَوْ لِلتَّسَاوِي مِثْلَ جَالِسِ الْحَسَنَ أَوِ ابن سيرين، ووجَّهه الزمخشري بأن كُلًّا مِنْهُمَا مُسَاوٍ لِلْآخَرِ فِي إِبَاحَةِ الْجُلُوسِ إِلَيْهِ وَيَكُونُ مَعْنَاهُ عَلَى قَوْلِهِ: سَوَاءٌ ضَرَبْتُ لَهُمْ مَثَلًا بِهَذَا أَوْ بِهَذَا فَهُوَ مُطَابِقٌ لِحَالِهِمْ.
إِبَاحَةِ الْجُلُوسِ إِلَيْهِ وَيَكُونُ مَعْنَاهُ عَلَى قَوْلِهِ: سَوَاءٌ ضَرَبْتُ لَهُمْ مَثَلًا بِهَذَا أَوْ بِهَذَا فَهُوَ مُطَابِقٌ لِحَالِهِمْ. (قُلْتُ): وَهَذَا يَكُونُ بِاعْتِبَارِ جِنْسِ الْمُنَافِقِينَ فَإِنَّهُمْ أَصْنَافٌ وَلَهُمْ أَحْوَالٌ وَصِفَاتٌ، كَمَا ذَكَرَهَا اللَّهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ (بَرَاءَةٌ) - وَمِنْهُمْ - وَمِنْهُمْ - وَمِنْهُمْ - يَذْكُرُ أَحْوَالَهُمْ وَصِفَاتِهِمْ وَمَا يَعْتَمِدُونَهُ مِنَ الأفعال والأقوال، فجعلُ هذن الْمَثَلَيْنِ لِصِنْفَيْنِ مِنْهُمْ أشدُّ مُطَابَقَةً لِأَحْوَالِهِمْ وَصِفَاتِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ، كَمَا ضَرَبَ الْمَثَلَيْنِ فِي سُورَةِ (النور) لصنفي الكفّار الدعاة والمقلدين، وفي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ﴾، إِلَى أَنْ قَالَ: ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجّي﴾ الآية. فَالْأَوَّلُ لِلدُّعَاةِ الَّذِينَ هُمْ فِي جَهْلٍ مُرَكَّبٍ، وَالثَّانِي لِذَوِي الْجَهْلِ الْبَسِيطِ مِنَ الْأَتْبَاعِ الْمُقَلِّدِينَ، والله أعلم بالصواب.
تعالى ﴿الرحمن عَلَى العرش استوى﴾ فَذَكَرَ الِاسْتِوَاءَ بِاسْمِهِ الرَّحْمَنِ لِيَعُمَّ جَمِيعَ خَلْقِهِ برحمته، وقال: ﴿وَكَانَ بالمؤمنين رَحِيماً﴾ فخصهم باسمه الرحيم. فَدَلَّ عَلَى أَنَّ ﴿الرَّحْمَنَ﴾ أَشَدُّ مُبَالَغَةً فِي الرحمة لعمومها في الدارين لجميع خلقه، و ﴿الرَّحِيمِ﴾ خاصة بالمؤمنين، واسمه تعالى ﴿الرحمن﴾ خاص لم يسم به غيره، قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ﴾ وقال تعالى: ﴿أَجَعَلْنَا مِن دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعبدون﴾؟ وَلَمَّا تجرأ مُسَيْلِمَةُ الْكَذَّابِ وَتَسَمَّى بِرَحْمَنِ الْيَمَامَةِ كَسَاهُ اللَّهُ جِلْبَابَ الْكَذِبِ وَشُهِرَ بِهِ، فَلَا يُقَالُ إِلَّا (مُسَيْلِمَةُ الْكَذَّابُ) فَصَارَ يُضْرَبُ بِهِ الْمَثَلُ فِي الكذب بين أهل الحضر والمدر. وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ الرَّحِيمَ أَشَدُّ مُبَالَغَةً من الرحمن لأنه أكّد به، والمؤكِّدُ لَا يَكُونُ إِلَّا أَقْوَى مِنَ المؤَكَّد، وَالْجَوَابُ أن هذا ليس من باب التأكيد وإنما هو من باب النعت ولا يلزم ما ذكروه، فَإِنْ قِيلَ: فَإِذَا كَانَ الرَّحْمَنُ أَشَدُّ مُبَالَغَةً فهلا اكتفى به عن الرحيم؟ فقد قيل: إنه لمّا تسمّى غيره بالرحمن جيء بلفظ الرحيم ليقطع الوهم بذلك، فإنه لا يوصف ب ﴿الرحمن الرَّحِيمِ﴾ إِلَّا اللَّهُ تَعَالَى، كَذَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عَطَاءٍ وَوَجَّهَهُ بِذَلِكَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ مِنْ أَسْمَائِهِ تَعَالَى مَا يُسَمَّى بِهِ غَيْرُهُ، وَمِنْهَا مَا لَا يُسَمَّى بِهِ غيره كاسم (الله) و (الرحمن) و (الخالق) و (الرازق) ونحو ذلك، وأما (الرحيم) فإن الله وصف به غيره حيث قال في حقّ النبي: ﴿بالمؤمنين رءوفٌ رَّحِيمٌ﴾، كما وصف غيره ببعض أسمائه فقال في حق الإنسان: ﴿فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً﴾.
ن الله وصف به غيره حيث قال في حقّ النبي: ﴿بالمؤمنين رءوفٌ رَّحِيمٌ﴾، كما وصف غيره ببعض أسمائه فقال في حق الإنسان: ﴿فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً﴾.
- ٢١ - يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ
- ٢٢ - الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاءَ بِنَآءً وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَآءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَّكُمْ فَلَا تَجْعَلُواْ للَّهِ أَندَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ
شرع تعالى في بيان وحدانية ألوهيته بأنه هُوَ الْمُنْعِمُ عَلَى عَبِيدِهِ بِإِخْرَاجِهِمْ مِنَ الْعَدَمِ إِلَى الْوُجُودِ، وَإِسْبَاغِهِ عَلَيْهِمُ النِّعَمَ الظَّاهِرَةَ وَالْبَاطِنَةَ، بِأَنْ جَعَلَ لَهُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا: أَيْ مَهْدًا كالفراش، مقررة موطأة مثبتة كالرواسي الشَّامِخَاتِ. ﴿وَالسَّمَاءَ بِنَآءً﴾ وَهُوَ السَّقْفُ، كَمَا قَالَ تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفاً مَّحْفُوظاً وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا معرضون﴾، ﴿وَأَنزَلَ ⦗٣٩⦘ مِنَ السمآء مَآءً﴾ والمرادُ به السحاب ههنا فِي وَقْتِهِ عِنْدَ احْتِيَاجِهِمْ إِلَيْهِ، فَأَخْرَجَ لَهُمْ بِهِ مِنْ أنواع الزروع والثمار رزقاً لهم ولأنعامهم. ومضمونه: أنه الخالق الرازق مالك الدار ساكنيها وَرَازِقُهُمْ، فَبِهَذَا يَسْتَحِقُّ أَنْ يُعْبَدَ وَحْدَهُ وَلَا يُشْرَكَ بِهِ غَيْرُهُ، وَلِهَذَا قَالَ: ﴿فَلَا تَجْعَلُواْ للَّهِ أَندَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أيِّ الذنب أعظم عند الله؟ قَالَ: «أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ» الْحَدِيثَ. وَكَذَا حَدِيثُ مُعَاذٍ: أَتَدْرِي مَا حَقُّ الله على عباده؟ «أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً» (هو جزء من حديث أخرجه الشيخان) الْحَدِيثَ، وَفِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ: «لَا يقولنَّ أَحَدُكُمْ مَا شَاءَ اللَّهُ وَشَاءَ فُلَانٌ وَلَكِنْ لِيَقُلْ ما شاء الله ثم شاء فلان».
الشيخان) الْحَدِيثَ، وَفِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ: «لَا يقولنَّ أَحَدُكُمْ مَا شَاءَ اللَّهُ وَشَاءَ فُلَانٌ وَلَكِنْ لِيَقُلْ ما شاء الله ثم شاء فلان». وعن ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ: مَا شَاءَ اللَّهُ وَشِئْتَ، فَقَالَ: «أَجَعَلْتَنِي لِلَّهِ نِدّاً؟ قُلْ مَا شَاءَ الله وحده» (أخرجه النَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ عِيسَى بْنِ يونس) وَهَذَا كُلُّهُ صِيَانَةٌ وَحِمَايَةٌ لِجَنَابِ التَّوْحِيدِ وَاللَّهُ أعلم. قال ابن عباس، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ لِلْفَرِيقَيْنِ جَمِيعًا مِنَ الْكُفَّارِ وَالْمُنَافِقِينَ، أَيْ وَحِّدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وعنه أيضاً ﴿فَلَا تَجْعَلُواْ للَّهِ أَندَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾: أَيْ لَا تُشْرِكُوا بِاللَّهِ غَيْرَهُ مِنَ الْأَنْدَادِ الَّتِي لَا تَنْفَعُ وَلَا تَضُرُّ ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أَنَّهُ لَا رَبَّ لَكُمْ يَرْزَقُكُمْ غَيْرُهُ. وَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّ الَّذِي يَدْعُوكُمْ إِلَيْهِ الرَّسُولُ ﷺ من التوحيد هو الحق الذي لا شك فيه. قَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: ﴿فَلَا تَجْعَلُواْ للَّهِ أَندَاداً﴾ أي عدلاء شركاء، وَقَالَ مُجَاهِدٌ ﴿فَلَا تَجْعَلُواْ للَّهِ أَندَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ قَالَ: تَعْلَمُونَ أَنَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ فِي التَّوْرَاةِ والإِنجيل. (ذِكْرُ حَدِيثٍ فِي مَعْنَى هَذِهِ الآية الكريمة)
َاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ قَالَ: تَعْلَمُونَ أَنَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ فِي التَّوْرَاةِ والإِنجيل. (ذِكْرُ حَدِيثٍ فِي مَعْنَى هَذِهِ الآية الكريمة) روى الإمام أحمد بسنده عَنِ الْحَارِثِ الْأَشْعَرِيِّ أَنَّ نبيَّ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ اللَّهَ ﷿ أَمَرَ يَحْيَى بْنَ زَكَرِيَّا ﵇ بِخَمْسِ كَلِمَاتٍ أَنْ يَعْمَلَ بِهِنَّ وَأَنْ يَأْمُرَ بني إسرائيل أن يعملوا بهن، وأنه كاد أن يبطىْ بِهَا فَقَالَ لَهُ عِيسَى ﵇ إِنَّكَ قَدْ أُمِرْتَ بِخَمْسِ كَلِمَاتٍ أَنْ تَعْمَلَ بِهِنَّ وَتَأْمُرَ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنْ يَعْمَلُوا بِهِنَّ، فَإِمَّا أَنْ تُبْلِغَهُنَّ وَإِمَّا أَنْ أُبْلِغَهُنَّ؟ فَقَالَ: يَا أخي أَخْشَى إِنْ سَبَقْتَنِي أَنْ أعذَّب أَوْ يُخْسف بِي. قَالَ: فَجَمَعَ يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّا بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ حَتَّى امْتَلَأَ الْمَسْجِدُ، فَقَعَدَ عَلَى الشَّرف فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي بِخَمْسِ كَلِمَاتٍ أَنْ أَعْمَلَ بِهِنَّ وَآمُرَكُمْ أَنْ تَعْمَلُوا بِهِنَّ. أولهن أَنْ تَعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا فإن مَثَل ذلك كمثل رَجُلٍ اشْتَرَى عَبْدًا مِنْ خَالِصِ مَالِهِ بَوَرِق أَوْ ذَهَبٍ فَجَعَلَ يَعْمَلُ وَيُؤَدِّي غَلَّتَهُ إِلَى غَيْرِ سَيِّدِهِ،، فَأَيُّكُمْ يَسُرُّهُ أَنْ يَكُونَ عَبْدُهُ كَذَلِكَ؟ وَإِنَّ اللَّهَ خَلَقَكُمْ وَرَزَقَكُمْ فَاعْبُدُوهُ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَأَمَرَكُمْ بِالصَّلَاةِ فَإِنَّ اللَّهَ يَنْصِبُ وَجْهَهُ لِوَجْهِ عَبْدِهِ مَا لَمْ يَلْتَفِتْ فَإِذَا صَلَّيْتُمْ فَلَا تَلْتَفِتُوا وَأَمَرَكُمْ بِالصِّيَامِ فَإِنَّ مَثَل ذَلِكَ كَمَثَلِ رَجُلٍ مَعَهُ صُرَّةً مِنْ مِسْكٍ فِي عِصَابَةٍ كُلُّهُمْ يَجِدُ رِيحَ الْمِسْكِ وإن خلوف فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ.
جُلٍ مَعَهُ صُرَّةً مِنْ مِسْكٍ فِي عِصَابَةٍ كُلُّهُمْ يَجِدُ رِيحَ الْمِسْكِ وإن خلوف فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ. وَأَمَرَكُمْ بِالصَّدَقَةِ فَإِنَّ مَثَل ذَلِكَ كَمَثَلِ رَجُلٍ أَسَرَهُ الْعَدُوُّ فشدُّوا يَدَيْهِ إِلَى عُنُقِهِ وقدَّموه لِيَضْرِبُوا عُنُقَهُ فَقَالَ لَهُمْ هَلْ لَكَمَ أن أفتدي نفسي منكم؟ فَجَعَلَ يَفْتَدِي نَفْسَهُ مِنْهُمْ بِالْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ حَتَّى فكَّ نَفْسَهُ. وَأَمَرَكُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ كَثِيرًا وَإِنَّ مَثَل ذَلِكَ كَمَثَلِ رجلٍ طَلَبَهُ الْعَدُوُّ سراعاُ فِي أَثَرِهِ فَأَتَى حِصْنًا حَصِينًا فتحصَّن فِيهِ، وَإِنَّ الْعَبْدَ أَحْصَنُ مَا يَكُونُ مِنَ الشَّيْطَانِ إِذَا كَانَ فِي ذِكْرِ اللَّهِ". ⦗٤٠⦘ قَالَ، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "وَأَنَا آمُرُكُمْ بِخَمْسٍ، اللَّهُ أَمَرَنِي بِهِنَّ: الْجَمَاعَةُ وَالسَّمْعُ، وَالطَّاعَةُ، وَالْهِجْرَةُ، وَالْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. فَإِنَّهُ مَنْ خَرَجَ مِنَ الْجَمَاعَةِ قَيْدَ شِبْرٍ فَقَدْ خَلَعَ رِبْقَةَ الْإِسْلَامِ مِنْ عُنُقِهِ إِلَّا أَنْ يراجع، ومن دعا بدعوى الجاهلية فَهُوَ مِنْ جِثِيِّ جَهَنَّمَ"، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَإِنْ صَامَ وَصَلَّى، فَقَالَ: «وَإِنْ صَلَّى وَصَامَ وَزَعَمَ أَنَّهُ مُسْلِمٌ فَادْعُوا الْمُسْلِمِينَ بِأَسْمَائِهِمْ عَلَى مَا سَمَّاهُمُ اللَّهُ ﷿ الْمُسْلِمِينَ المؤمنين عباد الله» هذا حديث حسن. وَهَذِهِ الْآيَةُ دَالَّةٌ عَلَى تَوْحِيدِهِ تَعَالَى بِالْعِبَادَةِ وحده، فإنَّ من تأمل هذه الموجودات عَلِم قدرةَ خَالِقِهَا وَحِكْمَتَهُ، وَعِلْمَهُ وَإِتْقَانَهُ، وَعَظِيمَ سُلْطَانِهِ، كَمَا قَالَ بَعْضُ الْأَعْرَابِ وَقَدْ سُئِلَ: مَا الدَّلِيلُ عَلَى وُجُودِ الرَّبِّ تَعَالَى؟ فَقَالَ: يا سبحان الله أن البعر ليدل عَلَى الْبَعِيرِ، وَإِنَّ أَثَرَ الْأَقْدَامِ لَتَدُلُّ عَلَى الْمَسِيرِ فسماءٌ ذَاتُ أَبْرَاجٍ، وأرضٌ ذَاتُ فِجَاجٍ، وبحارٌ ذَاتُ أَمْوَاجٍ! أَلَا يَدُلُّ ذَلِكَ عَلَى وجود اللطيف الخبير؟.
دَامِ لَتَدُلُّ عَلَى الْمَسِيرِ فسماءٌ ذَاتُ أَبْرَاجٍ، وأرضٌ ذَاتُ فِجَاجٍ، وبحارٌ ذَاتُ أَمْوَاجٍ! أَلَا يَدُلُّ ذَلِكَ عَلَى وجود اللطيف الخبير؟. وحكى الرازي عَنِ الْإِمَامِ مَالِكٍ أَنَّ الرَّشِيدَ سَأَلَهُ عَنْ ذلك فاستدل له بِاخْتِلَافِ اللُّغَاتِ، وَالْأَصْوَاتِ، وَالنَّغَمَاتِ. وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ (بَعْضَ الزَّنَادِقَةِ) سَأَلُوهُ عَنْ وُجُودِ الْبَارِي تَعَالَى فَقَالَ لَهُمْ: دَعُونِي فَإِنِّي مُفَكِّرٌ فِي أَمْرٍ قَدْ أُخْبِرْتُ عَنْهُ، ذَكَرُوا لِي أَنَّ سَفِينَةً فِي الْبَحْرِ مُوقَرَةٌ فِيهَا أَنْوَاعٌ مِنَ الْمَتَاجِرِ وَلَيْسَ بِهَا أَحَدٌ يَحْرُسُهَا وَلَا يَسُوقُهَا - وَهِيَ مَعَ ذَلِكَ تَذْهَبُ وَتَجِيءُ وَتَسِيرُ بِنَفْسِهَا وَتَخْتَرِقُ الْأَمْوَاجَ الْعِظَامَ حَتَّى تَتَخَلَّصَ مِنْهَا وَتَسِيرَ حَيْثُ شَاءَتْ بِنَفْسِهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَسُوقَهَا أَحَدٌ. فَقَالُوا: هَذَا شَيْءٌ لَا يَقُولُهُ عَاقِلٌ! فَقَالَ: وَيْحَكُمْ هَذِهِ الْمَوْجُودَاتُ بِمَا فِيهَا مِنَ الْعَالَمِ الْعُلْوِيِّ وَالسُّفْلِيِّ وَمَا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِنَ الْأَشْيَاءِ الْمُحْكَمَةِ لَيْسَ لَهَا صَانِعٌ؟! فَبُهِتَ الْقَوْمُ وَرَجَعُوا إِلَى الْحَقِّ وَأَسْلَمُوا عَلَى يَدَيْهِ.
اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِنَ الْأَشْيَاءِ الْمُحْكَمَةِ لَيْسَ لَهَا صَانِعٌ؟! فَبُهِتَ الْقَوْمُ وَرَجَعُوا إِلَى الْحَقِّ وَأَسْلَمُوا عَلَى يَدَيْهِ. وَعَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ وُجُودِ الصَّانِعِ فَقَالَ: هَذَا وَرَقُ التُّوتِ طعمُه واحدٌ تَأْكُلُهُ الدُّودُ فيخرج منه الإبريسم (الإبريسم: الحرير.) وَتَأْكُلُهُ النَّحْلُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْعَسَلُ، وَتَأْكُلُهُ الشَّاةُ والبقر وَالْأَنْعَامُ فَتُلْقِيهِ بَعْرًا وَرَوَثًا، وَتَأْكُلْهُ الظِّبَاءُ فَيَخْرُجُ مِنْهَا الْمِسْكُ وَهُوَ شَيْءٌ وَاحِدٌ، وَعَنِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ فقال: ههنا حصنٌ حَصِينٌ أَمْلَسُ لَيْسَ لَهُ بَابٌ وَلَا منفذ، ظاهره كالفضة البيضاء وباطنه كالذهب والإبريز، فَبَيْنَا هُوَ كَذَلِكَ إِذِ انْصَدَعَ جِدَارُهُ فَخَرَجَ مِنْهُ حَيَوَانٌ سَمِيعٌ بَصِيرٌ ذُو شكلٍ حَسَنٍ وَصَوْتٍ مَلِيحٍ يَعْنِي بِذَلِكَ الْبَيْضَةَ إِذَا خَرَجَ مِنْهَا الدَّجَاجَةُ وَسُئِلَ أَبُو نُوَاسٍ عَنْ ذَلِكَ فَأَنْشَدَ: تأملْ فِي نَبَاتِ الْأَرْضِ وَانْظُرْ * إِلَى آثَارِ مَا صَنَعَ الْمَلِيكُ عيونٌ مِنْ لُجَيْنٍ شاخصاتُ * بِأَحْدَاقٍ هِيَ الذَّهَبُ السَّبِيكُ عَلَى قُضُبِ الزَّبَرْجَدِ شَاهِدَاتٌ * بأنَّ اللَّهَ لَيْسَ لَهُ شَرِيكُ وَقَالَ ابْنُ الْمُعْتَزِّ: فَيَا عَجَبًا كَيْفَ يُعْصَى الإل * هـ (الْإِلَهُ) أَمْ كَيْفَ يَجْحَدُهُ الْجَاحِدُ وَفِي كُلِّ شَيْءٍ لَهُ آيَةً * تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ وَاحِدُ
ّ: فَيَا عَجَبًا كَيْفَ يُعْصَى الإل * هـ (الْإِلَهُ) أَمْ كَيْفَ يَجْحَدُهُ الْجَاحِدُ وَفِي كُلِّ شَيْءٍ لَهُ آيَةً * تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ وَاحِدُ وَقَالَ آخَرُونَ: مَنْ تَأَمَّلَ هَذِهِ السَّمَاوَاتِ فِي ارْتِفَاعِهَا وَاتِّسَاعِهَا وَمَا فِيهَا مِنَ الْكَوَاكِبِ الْكِبَارِ والصغار النيرة من السيارات وَمِنَ الثَّوَابِتِ، وَشَاهَدَهَا كَيْفَ تَدُورُ مَعَ الْفَلَكِ الْعَظِيمِ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ دُوَيْرَةٌ وَلَهَا في أنفسها سير يخصها، وانظَر إلى البحار المكتنفة لِلْأَرْضِ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، وَالْجِبَالِ الْمَوْضُوعَةِ فِي الْأَرْضِ لِتَقَرَّ وَيَسْكُنَ سَاكِنُوهَا مَعَ اخْتِلَافِ أَشْكَالِهَا وألوانها، كما قال تعالى: ﴿وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بيضٌ وَحُمْرٌ مختلفٌ أَلْوَانُهَا وغرابيبُ سُودٌ﴾ وَكَذَلِكَ هَذِهِ ⦗٤١⦘ الْأَنْهَارُ السَّارِحَةُ مِنْ قُطْرٍ إِلَى قطر للمنافع، وَمَا ذَرَأَ فِي الْأَرْضِ مِنَ الْحَيَوَانَاتِ الْمُتَنَوِّعَةِ والنبات المختلف الطعوم وَالْأَشْكَالِ وَالْأَلْوَانِ مَعَ اتِّحَادِ طَبِيعَةِ التُّرْبَةِ وَالْمَاءِ، استدل على وُجُودَ الصَّانِعِ وَقُدْرَتَهُ الْعَظِيمَةَ، وَحِكْمَتَهُ وَرَحْمَتَهُ بِخَلْقِهِ، ولطفه بهم وإحسانه إليهم، لَا إِلَهَ غَيْرُهُ وَلَا ربَّ سِوَاهُ، عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ، وَالْآيَاتُ فِي الْقُرْآنِ الدَّالَّةُ على هذا المقام كثيرة جداً.
- ٢٣ - وَإِن كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ
- ٢٤ - فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ
ثُمَّ شَرَعَ تَعَالَى فِي تَقْرِيرِ النُّبُوَّةِ بَعْدَ أَنْ قَرَّرَ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَقَالَ مُخَاطِبًا لِلْكَافِرِينَ: ﴿وَإِن كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾ يَعْنِي مُحَمَّدًا ﷺ، فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْل مَا جَاءَ بِهِ؛ إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّهُ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ، فَعَارِضُوهُ بمثْل مَا جَاءَ بِهِ، وَاسْتَعِينُوا عَلَى ذَلِكَ بِمَنْ شِئْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنَّكُمْ لَا تَسْتَطِيعُونَ ذَلِكَ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﴿شُهَدَآءَكُم﴾: أعوانكم، أَيِ اسْتَعِينُوا بِآلِهَتِكُمْ فِي ذَلِكَ يَمُدُّونَكُمْ وَيَنْصُرُونَكُمْ، وَقَدْ تَحَدَّاهُمُ اللَّهُ تَعَالَى بِهَذَا فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنَ الْقُرْآنِ فَقَالَ فِي سُورَةِ القَصَص: ﴿قُلْ فَأْتُواْ بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أهدى مِنْهُمَآ أَتَّبِعْهُ إِن كُنتُمْ صادقين﴾ وَقَالَ فِي سُورَةِ سُبْحَانَ: ﴿قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظهيراً﴾ وَقَالَ فِي سُورَةِ هُودٍ: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بعشر سورة مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِّن دُونِ الله إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ وقال في سورة يونس: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افتراه قُلْ فَأْتُواْ بِسُورَةٍ من مِّثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صادقين﴾، وكل هذه الآيات مكية.
َمْ يَقُولُونَ افتراه قُلْ فَأْتُواْ بِسُورَةٍ من مِّثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صادقين﴾، وكل هذه الآيات مكية. ثم تحداهم بِذَلِكَ أَيْضًا فِي الْمَدِينَةِ فَقَالَ فِي هَذِهِ الآية: ﴿وإن كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ﴾ أي شَكٍّ ﴿مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾ يَعْنِي مُحَمَّدًا ﷺ ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِّثْلِهِ﴾ يعني من مثل الْقُرْآنِ قَالَهُ مُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ (وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ الطبري والزمخشري والرازي وأكثر المحققين) ورجح ذلك بوجوه من أحسنها: أنه تحداهم كلهم متفرقين ومجتمعين سواء في ذلك أميُّهم وكتابيُّهم، وذلك أكمل في التحدي وأشمل من أن يتحدى آحادهم الأميين ممن لا يكتب ولا يعاني شيئاً من العلوم وبدليل قوله تعالى: ﴿فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مثل﴾ وقوله: ﴿لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ﴾ وقال بعضهم: من مثل محمد يَعْنِي مِنْ رَجُلٍ أُمّيّ مِثْلِهِ، والصحيحُ الْأَوَّلُ لِأَنَّ التَّحَدِّيَ عَامٌّ لَهُمْ كُلُّهُمْ مَعَ أَنَّهُمْ أَفْصَحُ الْأُمَمِ، وَقَدْ تَحَدَّاهُمْ بِهَذَا فِي مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ مَرَّاتٍ عَدِيدَةٍ مَعَ شِدَّةِ عَدَاوَتِهِمْ لَهُ وَبُغْضِهِمْ لِدِينِهِ، وَمَعَ هَذَا عَجَزُوا عَنْ ذَلِكَ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ﴾ و (لن) لنفي التأبيد في المستقبل، أَيْ وَلَنْ تَفْعَلُوا ذَلِكَ أَبَدًا وَهَذِهِ أَيْضًا معجزة أُخرى، وهو أنه أخبر خبراً جازماً قاطعاً غير خائف ولا مشفق أنَّ هذا القرآن لا يعارض بمثل أبد الآبدين ودهر الداهرين، وَكَذَلِكَ وَقَعَ الْأَمْرُ لَمْ يُعَارَضْ مِنْ لَدُنْهُ إِلَى زَمَانِنَا هَذَا، وَلَا يُمْكِنُ، وأنَّى يَتَأَتَّى ذَلِكَ لِأَحَدٍ وَالْقُرْآنُ كَلَامُ اللَّهِ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ؟ وَكَيْفَ يُشْبِهُ كَلَامُ الْخَالِقِ كَلَامَ الْمَخْلُوقِينَ؟
ُ، وأنَّى يَتَأَتَّى ذَلِكَ لِأَحَدٍ وَالْقُرْآنُ كَلَامُ اللَّهِ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ؟ وَكَيْفَ يُشْبِهُ كَلَامُ الْخَالِقِ كَلَامَ الْمَخْلُوقِينَ؟ ⦗٤٢⦘ وَمَنْ تَدَبَّرَ الْقُرْآنَ وَجَدَ فِيهِ مِنْ وُجُوهِ الْإِعْجَازِ فُنُونًا ظَاهِرَةً وَخَفِيَّةً، مِنْ حَيْثُ اللَّفْظِ ومن جهة المعنى قال تعالى: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خبير﴾ فَأُحْكِمَتْ أَلْفَاظُهُ، وَفُصِّلَتْ مَعَانِيهِ، أَوْ بِالْعَكْسِ عَلَى الْخِلَافِ، فكلَّ مِنْ لَفْظِهِ وَمَعْنَاهُ فَصِيحٌ لَا يُحاذي وَلَا يُداني. فَقَدْ أَخْبَرَ عَنْ مَغِيبَاتٍ مَاضِيَةٍ كَانَتْ وَوَقَعَتْ طِبْقَ مَا أَخْبَرَ سَوَاءً بِسَوَاءٍ، وَأَمَرَ بِكُلِّ خَيْرٍ وَنَهَى عَنْ كُلِّ شَرٍّ كما قال تعالى: ﴿وتمت كلمو رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً﴾ أَيْ صِدْقًا فِي الْأَخْبَارِ، وَعَدْلًا فِي الْأَحْكَامِ، فكلُّه حَقٌّ وَصِدْقٌ، وَعَدْلٌ وَهُدًى، لَيْسَ فِيهِ مُجَازَفَةٌ وَلَا كَذِبٌ وَلَا افْتِرَاءٌ، كَمَا يُوجَدُ فِي أَشْعَارِ الْعَرَبِ وَغَيْرِهِمْ مِنَ الْأَكَاذِيبِ وَالْمُجَازَفَاتِ الَّتِي لَا يَحْسُنُ شِعْرُهُمْ إِلَّا بِهَا، كَمَا قِيلَ فِي الشِّعْرِ (إِنَّ أَعْذَبَهُ أَكْذَبُهُ) وَتَجِدُ في الْقَصِيدَةَ الطَّوِيلَةَ الْمَدِيدَةَ قَدِ اسْتُعْمِلَ غَالِبُهَا فِي وَصْفِ النِّسَاءِ أَوِ الْخَيْلِ أَوِ الْخَمْرِ، أَوْ فِي مَدْحِ شَخْصٍ مُعَيَّنٍ أَوْ فَرَسٍ أَوْ ناقة أو حرب، أَوْ شَيْءٍ مِنَ الْمُشَاهَدَاتِ الْمُتَعَيِّنَةِ الَّتِي لَا تفيد شيئاَ، إلا قدرة المتكلم المعين عَلَى الشَّيْءِ الْخَفِيِّ أَوِ الدَّقِيقِ أَوْ إِبْرَازُهُ إلى الشيء الواضح، ثم تجد له فيه بَيْتًا أَوْ بَيْتَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ هِيَ بُيُوتُ الْقَصِيدِ، وَسَائِرُهَا هَذَرٌ لَا طَائِلَ تَحْتَهُ.
إِبْرَازُهُ إلى الشيء الواضح، ثم تجد له فيه بَيْتًا أَوْ بَيْتَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ هِيَ بُيُوتُ الْقَصِيدِ، وَسَائِرُهَا هَذَرٌ لَا طَائِلَ تَحْتَهُ. وَأَمَّا الْقُرْآنُ فَجَمِيعُهُ فَصِيحٌ فِي غَايَةِ نِهَايَاتِ الْبَلَاغَةِ عِنْدَ مَنْ يَعْرِفُ ذَلِكَ تَفْصِيلًا وَإِجْمَالًا، مِمَّنْ فَهِمَ كَلَامَ الْعَرَبِ وَتَصَارِيفَ التَّعْبِيرِ، فَإِنَّهُ إِنْ تَأَمَّلْتَ أَخْبَارَهُ وَجَدْتَهَا فِي غَايَةِ الْحَلَاوَةِ سَوَاءٌ كَانَتْ مَبْسُوطَةً أَوْ وَجِيزَةً، وَسَوَاءٌ تَكَرَّرَتْ أَمْ لَا، وَكُلَّمَا تكرَّر حَلَا وَعَلَا، لَا يخلُق عَنْ كَثْرَةِ الرَّدِّ، وَلَا يملُّ مِنْهُ الْعُلَمَاءُ وَإِنْ أَخَذَ فِي الْوَعِيدِ وَالتَّهْدِيدِ جَاءَ مِنْهُ مَا تَقْشَعِرُّ مِنْهُ الْجِبَالُ الصُّمُّ الرَّاسِيَاتُ، فَمَا ظَنُّكَ بِالْقُلُوبِ الْفَاهِمَاتِ؟ وَإِنْ وَعَدَ أَتَى بِمَا يفتح القلوب والآذان، وشوّق إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَمُجَاوَرَةِ عَرْشِ الرَّحْمَنِ كَمَا قَالَ فِي التَّرْغِيبِ: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّآ أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾، وَقَالَ: ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾، وَقَالَ فِي التَّرْهِيبِ: ﴿أَفَأَمِنْتُمْ أَن يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ البر﴾، ﴿أَأَمِنتُمْ مَّن فِي السَّمَاءِ أَن يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ أَمْ أَمِنتُمْ مِّن فِي السَّمَاءِ أَن يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِباً فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾، وقال في الزجر: ﴿فلا أخذنا بذنبه﴾، وَقَالَ فِي الْوَعْظِ: ﴿أَفَرَأَيْتَ إِن مَّتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ ثُمَّ جَآءَهُم مَّا كَانُواْ يُوعَدُونَ مَآ أَغْنَى عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يُمتَّعون﴾ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَنْوَاعِ الْفَصَاحَةِ وَالْبَلَاغَةِ وَالْحَلَاوَةِ.
مَّا كَانُواْ يُوعَدُونَ مَآ أَغْنَى عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يُمتَّعون﴾ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَنْوَاعِ الْفَصَاحَةِ وَالْبَلَاغَةِ وَالْحَلَاوَةِ. وَإِنْ جَاءَتِ الْآيَاتُ فِي الْأَحْكَامِ وَالْأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي اشْتَمَلَتْ عَلَى الْأَمْرِ بِكُلِّ مَعْرُوفٍ حَسَنٍ نَافِعٍ طَيِّبٍ مَحْبُوبٍ، وَالنَّهْيِ عَنْ كُلِّ قَبِيحٍ رَذِيلٍ دَنِيءٍ؛ كَمَا قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وَغَيْرُهُ مِنَ السَّلَفِ: إِذَا سَمِعْتَ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ في القرآن: يَا أَيُّهَا الذين آمنوا فأرْعها سمعك فإنها خيرٌ يَأْمُرُ بِهِ أَوْ شَرٌّ يَنْهَى عَنْهُ، وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ الآية، وَإِنْ جَاءَتِ الْآيَاتُ فِي وَصْفِ الْمَعَادِ وَمَا فِيهِ مِنَ الْأَهْوَالِ وَفِي وَصْفِ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ وَمَا أَعَدَّ اللَّهُ فِيهِمَا لِأَوْلِيَائِهِ وَأَعْدَائِهِ مِنَ النَّعِيمِ وَالْجَحِيمِ، وَالْمَلَاذِ وَالْعَذَابِ الْأَلِيمِ، بَشَّرَتْ بِهِ وَحَذَّرَتْ وَأَنْذَرَتْ؛ وَدَعَتْ إِلَى فِعْلِ الْخَيْرَاتِ وَاجْتِنَابِ الْمُنْكَرَاتِ، وزهَّدت فِي الدُّنْيَا ورغَّبت فِي الأُخرى، وَثَبَّتَتْ عَلَى الطَّرِيقَةِ الْمُثْلَى، وَهَدَتْ إِلَى صِرَاطِ اللَّهِ الْمُسْتَقِيمِ، وَشَرْعِهِ الْقَوِيمِ، وَنَفَتْ عَنِ الْقُلُوبِ رجس الشيطان الرجيم.
َتْ عَلَى الطَّرِيقَةِ الْمُثْلَى، وَهَدَتْ إِلَى صِرَاطِ اللَّهِ الْمُسْتَقِيمِ، وَشَرْعِهِ الْقَوِيمِ، وَنَفَتْ عَنِ الْقُلُوبِ رجس الشيطان الرجيم. وَلِهَذَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَا مِنْ نَبِيٍّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ إِلَّا وَقَدْ أُعطي مِنَ الْآيَاتِ مَا آمَنَ عَلَى مِثْلِهِ الْبَشَرُ، وَإِنَّمَا كَانَ الَّذِي أُوتِيتُهُ وَحْيًا أَوْحَاهُ الله إليّ فأرجوا أن أكون أكثرهم ⦗٤٣⦘ تابعاً يوم القيامة (رواه الشيخان عن أبي هريرة واللفظ لمسلم)»، وقوله ﷺ: «وَإِنَّمَا كَانَ الَّذِي أوتيتُه وَحْيًا» أَيِ الَّذِي اخْتَصَصْتُ بِهِ مِنْ بَيْنِهِمْ هَذَا الْقُرْآنُ الْمُعْجِزُ لِلْبَشَرِ أَنْ يُعَارِضُوهُ، بِخِلَافِ غَيْرِهِ مِنَ الْكُتُبِ الْإِلَهِيَّةِ فَإِنَّهَا لَيْسَتْ مُعْجِزَةً عِنْدَ كَثِيرٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَلَهُ ﵊ مِنَ الْآيَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى نُبُوَّتِهِ وَصِدْقِهِ فِيمَا جَاءَ بِهِ مَا لَا يَدْخُلُ تَحْتَ حَصْرٍ، ولله الحمد والمنة. وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ والحجارة أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ أمَّا الوَقود فَهُوَ مَا يُلْقَى فِي النَّارِ لِإِضْرَامِهَا كَالْحَطَبِ ونحوه كما قال تعالى: ﴿وَأَمَّا القاسطون فَكَانُواْ لِجَهَنَّمَ حَطَباً﴾، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أنت لها واردون﴾ والمراد بالحجارة ههنا هي حجارة الكبريت، العظيمة السوداء الصلبة النتنة، وَهِيَ أَشَدُّ الْأَحْجَارِ حَرًّا إِذَا حَمِيَتْ أَجَارَنَا الله منها، وقال السُّدي في تفسيره عن ابن مسعود ﴿اتقوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾: أَمَّا الْحِجَارَةُ فيه حِجَارَةٌ فِي النَّارِ مِنْ كِبْرِيتٍ أَسْوَدَ يُعَذَّبُونَ بِهِ مَعَ النَّارِ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: حِجَارَةٌ مِنْ كبريت أنتن من الجيفة.
حِجَارَةُ فيه حِجَارَةٌ فِي النَّارِ مِنْ كِبْرِيتٍ أَسْوَدَ يُعَذَّبُونَ بِهِ مَعَ النَّارِ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: حِجَارَةٌ مِنْ كبريت أنتن من الجيفة. وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِهَا حِجَارَةُ الْأَصْنَامِ وَالْأَنْدَادِ الَّتِي كَانَت تَّعْبُدُ مِن دون الله كما قالت تَعَالَى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ (حكاه القرطبي والرازي ورجحه على الأول وقال ابن كثير: وهذا الذي قاله ليس بقوي) الآية. وَإِنَّمَا سِيقَ هَذَا فِي حَرِّ هَذِهِ النَّارِ الَّتِي وُعِدُوا بِهَا وَشِدَّةِ ضِرَامِهَا وَقُوَّةِ لَهَبِهَا كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا﴾ وَهَكَذَا رَجَّحَ الْقُرْطُبِيُّ أَنَّ الْمُرَادَ بِهَا الْحِجَارَةَ التي تسعر بها النار لتحمر وَيَشْتَدَّ لَهَبُهَا، قَالَ: لِيَكُونَ ذَلِكَ أَشَدَّ عَذَابًا لأهلها. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ الْأَظْهَرُ أَنَّ الضَّمِيرَ عائد إلى النار ويحتمل عوده إلى الْحِجَارَةِ كَمَا قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وَلَا مُنَافَاةَ بين القولين في المعنى لأنهما متلازمان.
َرُ أَنَّ الضَّمِيرَ عائد إلى النار ويحتمل عوده إلى الْحِجَارَةِ كَمَا قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وَلَا مُنَافَاةَ بين القولين في المعنى لأنهما متلازمان. ﴿أُعِدَّتْ﴾ أَيْ أَرُصِدَتْ وَحَصَلَتْ لِلْكَافِرِينَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَقَدِ اسْتَدَلَّ كَثِيرٌ مِنْ أَئِمَّةِ السُّنَّةِ بِهَذِهِ الْآيَةِ عَلَى أَنَّ النَّارَ مَوْجُودَةٌ الْآنَ لِقَوْلِهِ تعالى ﴿أُعِدَّتْ﴾ أَيْ أَرُصِدَتْ وَهُيِّئَتْ، وَقَدْ وَرَدَتْ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ فِي ذَلِكَ مِنْهَا: «تَحَاجَّتِ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ» وَمِنْهَا: "اسْتَأْذَنَتِ النَّارُ ربَّها فَقَالَتْ ربِّ أكلَ بَعْضِي بَعْضًا فَأَذِنَ لَهَا بنفَسَين: نفسٍ فِي الشِّتَاءِ، ونَفَسٍ فِي الصَّيْفِ"، وَحَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ: سَمِعْنَا وَجْبَة فَقُلْنَا مَا هَذِهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «هَذَا حَجَرٌ أُلْقِيَ بِهِ مِنْ شَفِيرِ جَهَنَّمَ مُنْذُ سَبْعِينَ سنة الآن وصل إلى قعرها» وهو مسند عِنْدَ مُسْلِمٍ، وَحَدِيثُ صَلَاةِ الْكُسُوفِ وَلَيْلَةِ الْإِسْرَاءِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْمُتَوَاتِرَةِ فِي هَذَا الْمَعْنَى وَقَدْ خَالَفَتِ الْمُعْتَزِلَةُ بِجَهْلِهِمْ فِي هَذَا، وَوَافَقَهُمُ الْقَاضِي مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ الْبَلُّوطِيُّ قَاضِي الأندلس. (تنبيه ينبغي الوقوف عليه)
لَفَتِ الْمُعْتَزِلَةُ بِجَهْلِهِمْ فِي هَذَا، وَوَافَقَهُمُ الْقَاضِي مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ الْبَلُّوطِيُّ قَاضِي الأندلس. (تنبيه ينبغي الوقوف عليه) قوله تعالى: ﴿فأتو بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ وَقَوْلُهُ فِي سُورَةِ يُونُسَ: ﴿بسورةٍ مثل﴾ يَعُمُّ كُلَّ سُورَةٍ فِي الْقُرْآنِ، طَوِيلَةً كَانَتْ أَوْ قَصِيرَةً، لِأَنَّهَا نَكِرَةٌ فِي سِيَاقِ الشَّرْطِ فَتَعُمُّ كَمَا هِيَ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ مِنَ الْأُصُولِيِّينَ كَمَا هُوَ مُقَرَّرٌ فِي مَوْضِعِهِ، فَالْإِعْجَازُ حَاصِلٌ فِي طِوَالِ السُّوَرِ وَقِصَارِهَا، وَهَذَا مَا لَا أَعْلَمُ فِيهِ نِزَاعًا بَيْنَ الناس سلفاً وخلفاً. وقد قال الرازي في تفسيره: فإن قيل قوله تعالى: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِّثْلِهِ﴾ يَتَنَاوَلُ سُورَةَ الْكَوْثَرِ، وسورة العصر، وقل ⦗٤٤⦘ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ، وَنَحْنُ نَعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ أَنَّ الْإِتْيَانَ بِمِثْلِهِ أَوْ بِمَا يَقْرُبُ مِنْهُ مُمْكِنٌ، فَإِنْ قُلْتُمْ إِنَّ الْإِتْيَانَ بِمِثْلِ هَذِهِ السُّوَرِ خَارِجٌ عَنْ مَقْدُورِ الْبَشَرِ كَانَ مُكَابَرَةً، وَالْإِقْدَامُ عَلَى هَذِهِ الْمُكَابَرَاتِ مِمَّا يَطْرُقُ بِالتُّهْمَةِ إِلَى الدِّينِ (قُلْنَا): فَلِهَذَا السَّبَبِ اخْتَرْنَا الطَّرِيقَ الثَّانِيَ، وَقُلْنَا: إِنْ بَلَغَتْ هَذِهِ السُّورَةُ فِي الْفَصَاحَةِ حَدَّ الْإِعْجَازِ فَقَدْ حَصَلَ الْمَقْصُودُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ كَانَ امْتِنَاعُهُمْ مِنَ الْمُعَارَضَةِ مَعَ شِدَّةِ دَوَاعِيهِمْ إِلَى تَهْوِينِ أَمْرِهِ مُعْجِزًا، فَعَلَى التَّقْدِيرَيْنِ يَحْصُلُ الْمُعْجِزُ هَذَا لَفْظُهُ بِحُرُوفِهِ، وَالصَّوَابُ أَنَّ كُلَّ سُورَةٍ مِنَ الْقُرْآنِ مُعْجِزَةٌ لَا يَسْتَطِيعُ الْبَشَرُ مُعَارَضَتَهَا طَوِيلَةً كَانَتْ أَوْ قَصِيرَةً، قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: لَوْ تَدَبَّرَ النَّاسُ هَذِهِ السُّورَةَ لَكَفَتْهُمْ: ﴿وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِى خُسْرٍ.
كَانَتْ أَوْ قَصِيرَةً، قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: لَوْ تَدَبَّرَ النَّاسُ هَذِهِ السُّورَةَ لَكَفَتْهُمْ: ﴿وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِى خُسْرٍ. إِلَاّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْاْ بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾.
- ٢٥ - وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقاً قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَابِهاً وَلَهُمْ فِيهَآ أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ
لَمَّا ذَكَرَ تَعَالَى مَا أَعَدَّهُ لِأَعْدَائِهِ مِنَ الْأَشْقِيَاءِ الْكَافِرِينَ بِهِ وَبِرُسُلِهِ مِنَ الْعَذَابِ وَالنَّكَالِ، عَطَفَ بِذِكْرِ حَالِ أَوْلِيَائِهِ مِنَ السُّعَدَاءِ الْمُؤْمِنِينَ بِهِ وبرسله الذي صدقوا إمانهم بِأَعْمَالِهِمُ الصَّالِحَةِ، وَهَذَا مَعْنَى تَسْمِيَةِ الْقُرْآنِ مَثَانِيَ عَلَى أَصَحِّ أَقْوَالِ الْعُلَمَاءِ كَمَا سَنَبْسُطُهُ فِي موضعه، وهو أن يذكر الإيمان ويتبع بِذِكْرِ الْكُفْرِ أَوْ عَكْسِهِ، أَوْ حَالَ السُّعَدَاءِ ثُمَّ الْأَشْقِيَاءِ أَوْ عَكْسِهِ، وَحَاصِلُهُ ذِكْرُ الشَّيْءِ ومقابله. وأما ذكر الشيْ وَنَظِيرُهُ فَذَاكَ التَّشَابُهُ كَمَا سَنُوَضِّحُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ. فَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾، فَوَصَفَهَا بِأَنَّهَا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ أَيْ مِنْ تَحْتِ أَشْجَارِهَا وَغُرَفِهَا وَقَدْ جاء في الحديث أن أنهارها تجري في غير أخدود. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقاً قَالُواْ هَذَا الَّذِي رُزِقنا مِن قَبْلُ﴾.
حديث أن أنهارها تجري في غير أخدود. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقاً قَالُواْ هَذَا الَّذِي رُزِقنا مِن قَبْلُ﴾. قال السدي في تفسيره: إِنَّهُمْ أَتَوْا بِالثَّمَرَةِ فِي الْجَنَّةِ فَلَمَّا نَظَرُوا إِلَيْهَا قَالُوا: هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ في الدنيا. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: ﴿قَالُواْ هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ﴾ معناه مثل الذي كان بالأمس، وقال آخرون: ﴿هذا الذي رُزِقْنَا من قَبْلُ﴾ من ثمار الجنة لِشَدَّةٍ مُشَابَهَةِ بَعْضِهِ بَعْضًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَابِهاً﴾ وعن يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ قَالَ: يُؤْتَى أَحَدُهُمْ بِالصَّحْفَةِ مِنَ الشَّيْءِ فَيَأْكُلُ مِنْهَا، ثُمَّ يُؤْتَى بأخرى فيقول هذا الذي أتينا بِهِ مِن قَبْلُ، فَتَقُولُ الْمَلَائِكَةُ: كُلْ فَاللَّوْنُ واحد، والطعم مختلف. وقال ابن جرير بإسناده فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَابِهاً﴾ يَعْنِي في اللون والمرأى وليس يشبه فِي الطَّعْمِ. وَهَذَا اخْتِيَارُ ابْنِ جَرِيرٍ، وَقَالَ عِكْرِمَةُ ﴿وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَابِهاً﴾ قَالَ: يُشْبِهُ ثَمَرَ الدنيا غير أن ثمر الجنة أطيب، وعن ابْنِ عَبَّاسٍ «لَا يُشْبِهُ شَيْءٌ مِمَّا فِي الْجَنَّةِ مَا فِي الدُّنْيَا إِلَّا فِي الْأَسْمَاءِ»، وفِي رِوَايَةٍ «لَيْسَ فِي الدُّنْيَا مِمَّا فِي الجنة إلاّ الأسماء». وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَهُمْ فِيهَآ أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ﴾ قَالَ ابْنِ عَبَّاسٍ: مُطَهَّرَةٌ مِنَ الْقَذَرِ وَالْأَذَى. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: مِنَ الْحَيْضِ وَالْغَائِطِ وَالْبَوْلِ وَالنُّخَامِ وَالْبُزَاقِ وَالْمَنِيِّ وَالْوَلَدِ. وَقَالَ قَتَادَةُ: مُطَهَّرَةٌ مِنَ الْأَذَى والمأثم، وعن أَبِي سَعِيدٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلَهُمْ فِيهَآ أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ﴾ قَالَ: مِنَ الْحَيْضِ وَالْغَائِطِ وَالنُّخَاعَةِ وَالْبُزَاقِ (رواه ابن مردويه والحاكم في المستدرك قال ابن كثير: وَالْأَظْهَرُ أَنَّ هَذَا مِنْ كَلَامِ قَتَادَةَ كَمَا تقدم) ⦗٤٥⦘
ئِطِ وَالنُّخَاعَةِ وَالْبُزَاقِ (رواه ابن مردويه والحاكم في المستدرك قال ابن كثير: وَالْأَظْهَرُ أَنَّ هَذَا مِنْ كَلَامِ قَتَادَةَ كَمَا تقدم) ⦗٤٥⦘ وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ هَذَا هُوَ تَمَامُ السَّعَادَةِ، فَإِنَّهُمْ مَعَ هَذَا النَّعِيمِ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ، مِنَ الْمَوْتِ وَالِانْقِطَاعِ فَلَا آخِرَ لَهُ، وَلَا انْقِضَاءَ بَلْ فِي نَعِيمٍ سَرْمَدِيٍّ أبدي على الدوام ... والله المسؤول أَنْ يَحْشُرَنَا فِي زُمْرَتِهِمْ إِنَّهُ جَوَادٌ كَرِيمٌ، برٌّ رحيم.
- ٢٦ - إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُواْ فَيَقُولُونَ مَاذَآ أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلاً يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ
- ٢٧ - الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أولئك هُمُ الخاسرون
نَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أولئك هُمُ الخاسرون
قال السدي: لَمَّا ضَرَبَ اللَّهُ هَذَيْنِ الْمَثَلَيْنِ لِلْمُنَافِقِينَ يَعْنِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً﴾، وقوله: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ من السماء﴾ الْآيَاتِ الثَّلَاثِ قَالَ الْمُنَافِقُونَ: اللَّهُ أَعْلَى وَأَجَلُّ مِنْ أَنْ يَضْرِبَ هَذِهِ الْأَمْثَالَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ هذه الآية إلى قوله تعالى: ﴿هُمُ الخاسرون﴾ (ذكره السدي في تفسيره عن ابن عبا وابن مسعود) وقال قتادة: لما ذكر الله تعالى الْعَنْكَبُوتَ وَالذُّبَابَ قَالَ الْمُشْرِكُونَ: مَا بَالُ الْعَنْكَبُوتِ والذباب يذكران؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يضرب مثلا مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ أي أن الله لايستحي من الحق إن يذكر شيئا مما قلَّ أَوْ كَثُر، وَإِنَّ اللَّهَ حِينَ ذَكَرَ في كتابه الذباب العنكبوت قَالَ أَهْلُ الضَّلَالَةِ: مَا أَرَادَ اللَّهُ مِنْ ذِكْرِ هَذَا؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾. وَمَعْنَى الْآيَةِ أَنَّهُ تَعَالَى أَخْبَرَ أَنَّهُ لَا يَسْتَحْيِي أَيْ لَا يَسْتَنْكِفُ، وَقِيلَ: لَا يَخْشَى أن يضرب مثلا ما، أيَ مثلٍ كَانَ بِأَيِّ شَيْءٍ كَانَ صَغِيرًا كان أو كبيراً و (ما) ههنا لِلتَّقْلِيلِ، وَتَكُونُ بَعُوضَةً مَنْصُوبَةً عَلَى الْبَدَلِ، كَمَا تَقُولُ: لأضربنَّ ضَرْبًا مَا، فَيَصْدُقُ بِأَدْنَى شَيْءٍ أو تكون (ما) نكرة موصوفة ببعوضة، وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ بَعُوضَةً مَنْصُوبَةً بِحَذْفِ الْجَارِّ، وَتَقْدِيرُ الْكَلَامِ: «إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَيْنَ بَعُوضَةٍ إِلَى مَا فوقها» وهذا الذي اختاره الكسائي والفراء.
وَتَقْدِيرُ الْكَلَامِ: «إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَيْنَ بَعُوضَةٍ إِلَى مَا فوقها» وهذا الذي اختاره الكسائي والفراء. وقوله تعالى: ﴿فَمَا فَوْقَهَا﴾ فِيهِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: فَمَا دُونَهَا فِي الصِّغَرِ وَالْحَقَارَةِ، كَمَا إِذَا وُصِفَ رَجُلٌ بِاللُّؤْمِ وَالشُّحِّ فَيَقُولُ السَّامِعُ نَعَمْ وَهُوَ فَوْقَ ذلك - يعني فيما وصفت - وهذا قول أكثر الْمُحَقِّقِينَ، وَفِي الْحَدِيثِ:: «لَوْ أَنَّ الدُّنْيَا تَزِنُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بعوضة لما سَقَى كَافِرًا مِنْهَا شَرْبَةَ مَاءٍ» وَالثَّانِي فَمَا فوقها لما هُوَ أَكْبَرُ مِنْهَا لِأَنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ أَحْقَرُ وَلَا أَصْغَرَ مِن الْبَعُوضَةِ وَهَذَا قَوْلُ قَتَادَةَ بن دعامة واختيار بن جرير فإنه يؤيده مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُشَاكُ شَوْكَةً فما فوقها إلا كتب لَهُ بِهَا دَرَجَةٌ وَمُحِيَتْ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةٌ» فَأَخْبَرَ أَنَّهُ لَا يَسْتَصْغِرُ شَيْئًا يَضْرِبُ بِهِ مَثَلًا وَلَوْ كَانَ فِي الْحَقَارَةِ وَالصِّغَرِ كَالْبَعُوضَةِ، فكما لا يَسْتَنْكِفْ عَنْ خَلْقِهَا كَذَلِكَ لَا يَسْتَنْكِفُ مِنْ ضرب المثل بها، كما ضرب المثل بالذباب والعنكبوت في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُواْ ذُبَاباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئاً لَاّ يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ والمطلوب﴾
اللَّهِ لَن يَخْلُقُواْ ذُبَاباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئاً لَاّ يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ والمطلوب﴾ ⦗٤٦⦘ وَقَالَ: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَآءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً، وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ العنكبوت لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً عَبْداً مَّمْلُوكاً لَاّ يَقْدِرُ على شَيْءٌ﴾ الآية، ثم قال: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً رَّجُلَيْنِ أَحَدُهُمَآ أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلاهُ، أَيْنَمَا يُوَجِّههُّ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ من يأمر بالعدل﴾؟ الآية. وَقَالَ: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَآ إِلَاّ العالمون﴾ وَفِي الْقُرْآنِ أَمْثَالٌ كَثِيرَةٌ. قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: إِذَا سَمِعْتُ الْمَثَلَ فِي الْقُرْآنِ فَلَمْ أَفْهَمْهُ بَكَيْتُ عَلَى نَفْسِي لِأَنَّ الله قال: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَآ إِلَاّ العالمون﴾، قال قتادة: ﴿أَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ فَيَعْلَمُونَ إِنَّهُ الْحَقُّ مِن رَبِّهِمْ﴾ أَيْ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ كَلَامُ الرَّحْمَنِ وَأَنَّهُ مِنْ عند الله. وقال أبو العالية: ﴿فأما لذين آمَنُواْ فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ﴾ يَعْنِي هَذَا الْمَثَلُ، ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُواْ فَيَقُولُونَ مَاذَآ أَرَادَ الله بهذا مَثَلاً﴾ كما قال تعالى: ﴿وَلَا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَآ أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلاً كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ ربك إلى هو﴾، وكذلك قال ههنا: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَاّ الفاسقين﴾.
ي مَن يَشَآءُ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ ربك إلى هو﴾، وكذلك قال ههنا: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَاّ الفاسقين﴾. قال ابن عباس: يضل به كثيرا يعني به (المنافقين) ويهدي به كثيرا يعني به (المؤمنين) فيزيد هؤلاء ضلالة إلى ضلالتهم، لِتَكْذِيبِهِمْ بِمَا قَدْ عَلِمُوهُ حَقًّا يَقِينًا مِنَ المثل الذي ضربه الله، ويهدي به يعني المثل كَثِيرًا مِنْ أَهْلِ الْإِيمَانِ وَالتَّصْدِيقِ فَيَزِيدُهُمْ هُدًى إلى هداهم وإيماناً إلى إيمانهم، ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَاّ الفاسقين﴾، قال أبو العالية: هم أهل النفاق، وقال مُجَاهِدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَاّ الفاسقين﴾ قال: يَعْرِفُهُ الْكَافِرُونَ فَيَكْفُرُونَ بِهِ. وَقَالَ قَتَادَةُ ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَاّ الْفَاسِقِينَ﴾ فَسَقُوا فَأَضَلَّهُمُ اللَّهُ على فسقهم. والفاسقُ فِي اللُّغَةِ: هُوَ الْخَارِجُ عَنِ الطَّاعَةِ. تقول الْعَرَبُ: فَسَقَتِ الرَّطْبَةُ إِذَا خَرَجَتْ مِنْ قِشْرَتِهَا، وَلِهَذَا يُقَالُ لِلْفَأْرَةِ (فُوَيْسِقَةٌ) لِخُرُوجِهَا عَنْ جُحْرِهَا لِلْفَسَادِ.
ْعَرَبُ: فَسَقَتِ الرَّطْبَةُ إِذَا خَرَجَتْ مِنْ قِشْرَتِهَا، وَلِهَذَا يُقَالُ لِلْفَأْرَةِ (فُوَيْسِقَةٌ) لِخُرُوجِهَا عَنْ جُحْرِهَا لِلْفَسَادِ. وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "خَمْسُ فَوَاسَقَ يُقْتَلْنَ فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ: الغرابُ والحدأةُ وَالْعَقْرَبُ وَالْفَأْرَةُ وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ" فَالْفَاسِقُ يَشْمَلُ الْكَافِرَ وَالْعَاصِيَ، وَلَكِنَّ فِسْقَ الْكَافِرِ أَشَدُّ وَأَفْحَشُ، والمراد به مِنَ الْآيَةِ الفاسقُ الْكَافِرُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ، بِدَلِيلِ أنه وصفهم بقوله تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾، وَهَذِهِ الصِّفَاتُ صِفَاتُ الْكُفَّارِ الْمُبَايِنَةُ لِصِفَاتِ الْمُؤْمِنِينَ، كما قال تَعَالَى: ﴿أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى؟ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنقُضُونَ الْمِيثَاقَ﴾ الْآيَاتِ، إِلَى أَنْ قَالَ: ﴿وَالَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سوء الدار﴾ وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّفْسِيرِ فِي مَعْنَى الْعَهْدِ الَّذِي وُصِفَ هَؤُلَاءِ الْفَاسِقِينَ بِنَقْضِهِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ هُوَ وَصِيَّةُ اللَّهِ إِلَى خَلْقِهِ وَأَمْرِهِ إِيَّاهُمْ بِمَا أَمَرَهُمْ بِهِ مِنْ طَاعَتِهِ، وَنَهْيِهِ إِيَّاهُمْ عَمَّا نَهَاهُمْ عَنْهُ مِنْ مَعْصِيَتِهِ فِي كُتُبِهِ وَعَلَى لِسَانِ رُسُلِهِ، ونقضُهم ذَلِكَ هُوَ تَرْكُهُمُ الْعَمَلَ بِهِ.



