Mukhtashar Tafsir Ibnu Katsir

Ringkasan tafsir Ibnu Katsir, riwayat dan tafsir bil-ma’tsur.

Bagian 3 dari 141

— Bagian 3 · وَنَهْيِهِ إِيَّاهُمْ عَمَّا نَهَاهُمْ عَنْهُ مِ… —

Bagian 3

وَنَهْيِهِ إِيَّاهُمْ عَمَّا نَهَاهُمْ عَنْهُ مِنْ مَعْصِيَتِهِ فِي كُتُبِهِ وَعَلَى لِسَانِ رُسُلِهِ، ونقضُهم ذَلِكَ هُوَ تَرْكُهُمُ الْعَمَلَ بِهِ. وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ هِيَ فِي كُفَّارِ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُنَافِقِينَ مِنْهُمْ، وَعَهْدُ اللَّهِ الَّذِي نَقَضُوهُ هُوَ مَا أَخَذَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ فِي التَّوْرَاةِ مِنَ الْعَمَلِ بِمَا فِيهَا وَاتِّبَاعِ مُحَمَّدٍ ﷺ إِذَا بُعِثَ، وَالتَّصْدِيقِ بِهِ وَبِمَا جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْدِ رَبِّهِمْ، وَنَقْضُهُمْ ذَلِكَ هُوَ جُحُودُهُمْ بِهِ بَعْدَ مَعْرِفَتِهِمْ بِحَقِيقَتِهِ وَإِنْكَارِهِمْ ذَلِكَ، وَكِتْمَانِهِمْ عِلْمَ ذَلِكَ عن الناس، وهذا اختيار ابن جرير ﵀ وهو قول مُقَاتِلِ بْنِ حَيَّانَ. ⦗٤٧⦘ وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ عَنَى بِهَذِهِ الْآيَةِ جَمِيعَ أَهْلِ الْكُفْرِ وَالشِّرْكِ وَالنِّفَاقِ، وعهدُه جَمِيعِهِمْ فِي تَوْحِيدِهِ مَا وَضَعَ لَهُمْ مِنَ الأدلة عَلَى رُبُوبِيَّتِهِ، وَعَهْدُهُ إِلَيْهِمْ فِي أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ مَا احْتَجَّ بِهِ لِرُسُلِهِ مِنَ الْمُعْجِزَاتِ الَّتِي لَا يَقْدِرُ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ غَيْرُهُمْ أَنْ يأتي بمثله، الشاهد لَهُمْ عَلَى صِدْقِهِمْ. قَالُوا: وَنَقْضُهُمْ ذَلِكَ تَرْكُهُمُ الإقرار بما قد تبينت لَهُمْ صِحَّتُهُ بِالْأَدِلَّةِ وَتَكْذِيبُهُمُ الرُّسُلَ وَالْكُتُبَ مَعَ عِلْمِهِمْ أَنَّ مَا أَتَوْا بِهِ حَقٌّ. وَرُوِيَ عن مقاتل بن حيان أيضا نَحْوَ هَذَا وَهُوَ حَسَنٌ وَإِلَيْهِ مَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ.

َالْكُتُبَ مَعَ عِلْمِهِمْ أَنَّ مَا أَتَوْا بِهِ حَقٌّ. وَرُوِيَ عن مقاتل بن حيان أيضا نَحْوَ هَذَا وَهُوَ حَسَنٌ وَإِلَيْهِ مَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ. فَإِنَّهُ قَالَ: (فَإِنْ قُلْتَ) فَمَا الْمُرَادُ بِعَهْدِ اللَّهِ؟ قُلْتُ مَا رَكَّزَ فِي عُقُولِهِمْ مِنَ الحجة على التوحد كَأَنَّهُ أَمْرٌ وَصَّاهُمْ بِهِ ووثَّقه عَلَيْهِمْ، وَهُوَ معنى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾، إذ أخذ الميثاق عليهم من الكتب المنزلة عليهم كقوله: ﴿أوفوا بعهدي أوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ وقال آخرون: العهد الذي ذكر تَعَالَى هُوَ الْعَهْدُ الَّذِي أَخَذَهُ عَلَيْهِمْ حِينَ أَخْرَجَهُمْ مِنْ صُلْبِ آدَمَ الَّذِي وَصَفَ فِي قوله: ﴿وإذا أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ ألستُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شهدنا﴾ الآيتين. وَنَقْضُهُمْ ذَلِكَ تَرْكُهُمُ الْوَفَاءَ بِهِ وَهَكَذَا رُوِيَ عَنْ مُقَاتِلِ بْنِ حَيَّانَ أَيْضًا. حَكَى هَذِهِ الأقوال ابن جرير في تفسيره وَقَالَ السُّدِّيُّ فِي تَفْسِيرِهِ بِإِسْنَادِهِ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ﴾ قال: ما عهد إليهم من الْقُرْآنِ فَأَقَرُّوا بِهِ ثُمَّ كَفَرُوا فَنَقَضُوهُ.

هُ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ﴾ قال: ما عهد إليهم من الْقُرْآنِ فَأَقَرُّوا بِهِ ثُمَّ كَفَرُوا فَنَقَضُوهُ. وَقَوْلُهُ: ﴿وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ﴾ قِيلَ: الْمُرَادُ بِهِ صِلَةُ الْأَرْحَامِ وَالْقَرَابَاتُ كَمَا فسهر قَتَادَةُ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُواْ فِي الأرض وتقطعوا أرحامكم﴾ وَرَجَّحَهُ ابْنُ جَرِيرٍ. وَقِيلَ: الْمُرَادُ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ، فَكُلُّ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِوَصْلِهِ وَفِعْلِهِ فقطعوه وتركوه. وقال مقاتل: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ قَالَ فِي الْآخِرَةِ، وَهَذَا كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سوء الدار﴾ وقال ابْنِ عَبَّاسٍ: كُلُّ شَيْءٍ نَسَبَهُ اللَّهُ إِلَى غَيْرِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ مِنَ اسْمٍ، مِثْلِ خَاسِرٍ، فَإِنَّمَا يَعْنِي بِهِ الْكُفْرَ. وَمَا نَسَبَهُ إِلَى أَهْلِ الْإِسْلَامِ فَإِنَّمَا يَعْنِي بِهِ الذَّنْبَ. وَقَالَ ابن جرير في قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾: الْخَاسِرُونَ جَمْعُ خَاسِرٍ وَهُمُ الناقصون أنفسهم حُظُوظَهُمْ بِمَعْصِيَتِهِمُ اللَّهَ مِنْ رَحْمَتِهِ كَمَا يَخْسَرُ الرَّجُلُ فِي تِجَارَتِهِ، بِأَنْ يُوضَعَ مِنْ رَأْسِ ماله في بيعه، وكذلك المنافق والكافر خَسِرَ بِحِرْمَانِ اللَّهِ إِيَّاهُ رَحْمَتَهُ الَّتِي خَلَقَهَا لِعِبَادِهِ فِي الْقِيَامَةِ أَحْوَجَ مَا كَانُوا إِلَى رحمته.

  • ٢ - سورة البقرة

[مقدمة] جميعها مدنية بلا خلاف، وهي من أوائل ما نزل، وآياتها مائتان وثمانون وسبع آيات.

  • ٢٨ - كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ

يَقُولُ تَعَالَى مُحْتَجًّا عَلَى وُجُودِهِ وَقُدْرَتِهِ وَأَنَّهُ الْخَالِقُ الْمُتَصَرِّفُ فِي عِبَادِهِ: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ﴾ أَيْ كَيْفَ تَجْحَدُونَ وُجُودَهُ أَوْ تَعْبُدُونَ مَعَهُ غَيْرَهُ، ﴿وَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ﴾ أي وقد كُنْتُمْ عَدَمًا فَأَخْرَجَكُمْ إِلَى الْوُجُودِ. كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿أَمْ خُلِقُواْ مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ أَمْ خَلَقُواْ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ بَل لَاّ يوقنون﴾، وقال ابْنِ عَبَّاسٍ ﴿كُنْتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ﴾: أَمْوَاتًا فِي أَصْلَابِ آبَائِكُمْ لَمْ تَكُونُوا شَيْئًا حَتَّى خَلَقَكُمْ، ثُمَّ يُمِيتُكُمْ مَوْتَةَ الْحَقِّ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ حِينَ يبعثكم (هذه رواية ابن جريج عن ابن عباس، والرواية الثانية رواية الضحّاك عنه) قال: وهي مثل قوله تعالى: ﴿أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ وَقَالَ الضَّحَّاكُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تعالى ﴿رَبَّنَآ أمتنا اثنتي وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ قَالَ: كُنْتُمْ تُرَابًا قَبْلَ أَنْ يخلقكم فهذه ميتة، ثم أحياكم فخلقكم هذه حَيَاةٌ، ثُمَّ يُمِيتُكُمْ فَتَرْجِعُونَ إِلَى الْقُبُورِ فَهَذِهِ مَيْتَةٌ أُخرى، ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَهَذِهِ حَيَاةٌ أُخرى: فَهَذِهِ مَيْتَتَانِ وَحَيَاتَانِ، فَهُوَ كَقَوْلِهِ: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يحييكم﴾.

ذِهِ مَيْتَتَانِ وَحَيَاتَانِ، فَهُوَ كَقَوْلِهِ: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يحييكم﴾.

ذكر ما ورد في فضلها أولاً: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قُبُورًا فَإِنَّ الْبَيْتَ الَّذِي تقرأ فيه سورة البقرة لا يدخله الشيطان» (رواه مسلم وأحمد والترمذي والنسائي وقال الترمذي: حسن صحيح.) ثانياً: وعن سهل بن سعد ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قال: «إنَّ لِكُلِّ شيءٍ سَنَامًا، وإنَّ سَنَامَ الْقُرْآنِ البقرة، وإن مَنْ قَرَأَهَا فِي بَيْتِهِ لَيْلَةً لَمْ يَدْخُلْهُ الشيطان ثلاث ليال» (رواه الطبراني وابن حبان وابن مردويه عن سهل بن سعد) ثالثاً: وعن أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعْثًا - وَهُمْ ذَوُو عَدَدٍ - فَاسْتَقْرَأَهُمْ فَاسْتَقْرَأَ كل واحد منهم مَا مَعَهُ مِنَ الْقُرْآنِ، فَأَتَى عَلَى رجلٍ مِنْ أَحْدَثِهِمْ سِنًّا فَقَالَ: مَا مَعَكَ يَا فلان؟ فقال: مَعِي كَذَا وَكَذَا وَسُورَةُ الْبَقَرَةِ، فَقَالَ: أَمَعَكَ سُورَةُ الْبَقَرَةِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: اذْهَبْ فَأَنْتَ أميرهم (رواه التِّرْمِذِيِّ وَالنَّسَائِيِّ وَابْنِ مَاجَهْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁. رابعا: وعن أبي أمامة ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يقول: "اقرأوا القرآن فإنه شافعٌ لأهل يوم القيامة، اقرأوا الزَّهْرَاوَيْنِ (الْبَقَرَةَ وَآلَ عِمْرَانَ) فَإِنَّهُمَا يَأْتِيَانِ يَوْمَ القيامة كأنهما عمامتان أو غَيَايَتَانِ، أَوْ كَأَنَّهُمَا فَرَقان مِنْ طَيْرٍ صَوَافَّ يحاجان عن أهلهما يوم القيامة، ثم قال: اقرأوا البقرة، فإن أخذها بركة، وتركها حسرة، ولا تستطيعها البطلة" (رواه أحمد ومسلم عن أبي أمامة الباهلي) الزهروانا: المنيرتان، وَالْغَيَايَةُ: مَا أَظَلَّكَ مِنْ فَوْقِكَ، والفَرَق: الْقِطْعَةُ من الشيء، والبطلة: السحرة.

أحمد ومسلم عن أبي أمامة الباهلي) الزهروانا: المنيرتان، وَالْغَيَايَةُ: مَا أَظَلَّكَ مِنْ فَوْقِكَ، والفَرَق: الْقِطْعَةُ من الشيء، والبطلة: السحرة. خامسا: وعن النواس بن سمعان ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «يُؤْتَى بِالْقُرْآنِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَهْلُهُ الَّذِينَ كَانُوا يَعْمَلُونَ بِهِ، تَقْدُمهم سُورَةُ الْبَقَرَةِ وَآلُ عمران».

  • ٢٩ - هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ

لَمَّا ذَكَرَ تَعَالَى دلالةَ مِنْ خَلْقِهِمْ وَمَا يُشَاهِدُونَهُ مِنْ أَنْفُسِهِمْ، ذَكَرَ دَلِيلًا آخَرَ مِمَّا يُشَاهِدُونَهُ مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، فَقَالَ: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سماوات﴾ أي قصد إلى السماء. والاستواء ههنا متضمن مَعْنَى الْقَصْدِ وَالْإِقْبَالِ لِأَنَّهُ عُدِّيَ بِإِلَى (فَسَوَّاهُنَّ) أي فخلق السماء سبعاً. والسماء ههنا اسم جنس، فلهذا قال: ﴿فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سموات وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ أَيْ وَعِلْمُهُ مُحِيطٌ بِجَمِيعِ مَا خَلَقَ، كَمَا قَالَ: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خلق﴾ وَتَفْصِيلُ هَذِهِ الْآيَةِ فِي سُورَةِ حم السَّجْدَةِ وهو قوله تعالى: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَاداً ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ الآيات.

وله تعالى: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَاداً ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ الآيات. فَفِي هَذَا دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ تَعَالَى ابْتَدَأَ بِخَلْقِ الْأَرْضِ أولَا ثُمَّ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ سَبْعًا، وَهَذَا شَأْنُ الْبِنَاءِ أَنْ يَبْدَأَ بِعِمَارَةِ أَسَافِلِهِ ثُمَّ أَعَالِيهِ بَعْدَ ذَلِكَ وَقَدْ صَرَّحَ الْمُفَسِّرُونَ بذلك كما سنذكره فَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دحاها﴾ فقد قيل: إن (ثمَّ) ههنا إِنَّمَا هِيَ لِعَطْفِ الْخَبَرِ عَلَى الْخَبَرِ لَا لِعَطْفِ الْفِعْلِ عَلَى الْفِعْلِ كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ: قُلْ لِمَنْ سَادَ ثُمَّ سَادَ أَبُوهُ * ثُمَّ قَدْ سَادَ قَبْلَ ذَلِكَ جَدُّهُ وَقِيلَ: إِنَّ الدحي كان بعد خلق السماوات والأرض رَوَاهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.

هُ * ثُمَّ قَدْ سَادَ قَبْلَ ذَلِكَ جَدُّهُ وَقِيلَ: إِنَّ الدحي كان بعد خلق السماوات والأرض رَوَاهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وقال مجاهد في قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً﴾ قَالَ: خَلَقَ اللَّهُ الْأَرْضَ قَبْلَ السَّمَاءِ، فلماخلق الْأَرْضَ ثَارَ مِنْهَا دُخَانٌ، فَذَلِكَ حِينَ يَقُولُ: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَسَوَّاهُنَّ سبع سموات﴾ قَالَ: بعضُهن فَوْقَ بَعْضٍ وَسَبْعُ أَرَضِينَ يَعْنِي بعضها تَحْتَ بَعْضٍ. وَهَذِهِ الْآيَةُ دَالَّةٌ عَلَى أَنَّ الْأَرْضَ خُلِقَتْ قَبْلَ السَّمَاءِ، كَمَا قَالَ فِي آيَةِ السَّجْدَةِ: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يومين﴾ فَهَذِهِ وَهَذِهِ دَالَّتَانِ عَلَى أَنَّ الْأَرْضَ خُلِقَتْ قَبْلَ السَّمَاءِ، وَهَذَا مَا لَا أَعْلَمُ فِيهِ نِزَاعًا بَيْنَ الْعُلَمَاءِ إِلَّا مَا نَقَلَهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتَادَةَ أَنَّهُ زَعَمَ أَنَّ السَّمَاءَ خُلِقَتْ قَبْلَ الْأَرْضِ، وَقَدْ تَوَقَّفَ فِي ذَلِكَ القرطبي في تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا أَخْرَجَ مِنْهَا مَآءَهَا وَمَرْعَاهَا والجبال أرساها﴾ قَالُوا فَذَكَرَ خَلْقَ السَّمَاءِ قَبْلَ الْأَرْضِ.

عالى: ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا أَخْرَجَ مِنْهَا مَآءَهَا وَمَرْعَاهَا والجبال أرساها﴾ قَالُوا فَذَكَرَ خَلْقَ السَّمَاءِ قَبْلَ الْأَرْضِ. وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ سُئِلَ عَنْ هَذَا بِعَيْنِهِ فَأَجَابَ بِأَنَّ الْأَرْضَ خُلِقَتْ قَبْلَ السَّمَاءِ، وَأَنَّ الْأَرْضَ إِنَّمَا دُحِيَتْ بَعْدَ خَلْقِ السَّمَاءِ، وَكَذَلِكَ أَجَابَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ عُلَمَاءِ التفسير قديماً وحديثاً وقد حررنا ذلك في سُورَةِ النَّازِعَاتِ، وَحَاصِلُ ذَلِكَ أَنَّ الدَّحْيَ مُفَسَّرٌ بقوله تعالى: ﴿أَخْرَجَ مِنْهَا مَآءَهَا وَمَرْعَاهَا والجبال أَرْسَاهَا﴾ ففسر الدحي بإخراج ما كان مودعاً فيه بالقوة إلى الفعل لما أكملت صُورَةُ الْمَخْلُوقَاتِ الْأَرْضِيَّةِ ثُمَّ السَّمَاوِيَّةِ، دَحَى بَعْدَ ذَلِكَ الْأَرْضَ فَأَخْرَجَتْ مَا كَانَ مُودَعًا فِيهَا مِنَ الْمِيَاهِ، فَنَبَتَتِ النَّبَاتَاتُ عَلَى اخْتِلَافِ أَصْنَافِهَا وَصِفَاتِهَا وَأَلْوَانِهَا وَأَشْكَالِهَا، وَكَذَلِكَ جَرَتْ هَذِهِ الْأَفْلَاكُ فَدَارَتْ بِمَا فِيهَا مِنَ الْكَوَاكِبِ الثَّوَابِتِ وَالسَّيَّارَةِ والله ﷾ أعلم.

  • ٣٠ - وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ ⦗٤٩⦘ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ

يُخْبِرُ تَعَالَى بِامْتِنَانِهِ عَلَى بَنِي آدَمَ بِتَنْوِيهِهِ بذكرهم في الملأ الأعلى قبل إيجادهم بقوله: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ﴾ أَيْ وَاذْكُرْ يَا محمد إذا قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلآئِكَةِ وَاقْصُصْ عَلَى قَوْمِكَ ذَلِكَ، ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ أَيْ قَوْمًا يَخْلُفُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا قَرْنًا بَعْدَ قَرْنٍ، وَجِيلًا بعد جيل، كما قال تعالى: ﴿هُوَ الذي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الأرض﴾، وقال: ﴿وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَآءَ الأرض﴾، وَقَالَ: ﴿وَلَوْ نَشَآءُ لَجَعَلْنَا مِنكُمْ مَّلَائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ﴾ وليس المراد ههنا بِالْخَلِيفَةِ آدَمَ ﵇ فَقَطْ كَمَا يَقُولُهُ طائفة من المفسرين، إذ لو كان ذلك لَمَا حَسُنَ قَوْلُ الْمَلَائِكَةِ: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدمآء﴾، فإنهم أَرَادُوا أَنَّ مِنْ هَذَا الْجِنْسِ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ، وَكَأَنَّهُمْ عَلِمُوا ذَلِكَ بِعِلْمٍ خَاصٍّ، أَوْ بِمَا فَهِمُوهُ مِنَ الطَّبِيعَةِ الْبَشَرِيَّةِ، فَإِنَّهُ أَخْبَرَهُمْ أَنَّهُ يَخْلُقُ هَذَا الصِّنْفَ مِنْ ﴿صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ أَوْ فَهِمُوا مِنَ الْخَلِيفَةِ أَنَّهُ الذي يفصل بين الناس ما يقع بينهم من المظالم ويردعهم عن الْمَحَارِمَ وَالْمَآثِمَ (قَالَهُ الْقُرْطُبِيُّ). أَوْ أَنَّهُمْ قَاسُوهُمْ عَلَى مَنْ سَبَقَ كَمَا سَنَذْكُرُ أَقْوَالَ الْمُفَسِّرِينَ فِي ذَلِكَ.

لْمَحَارِمَ وَالْمَآثِمَ (قَالَهُ الْقُرْطُبِيُّ). أَوْ أَنَّهُمْ قَاسُوهُمْ عَلَى مَنْ سَبَقَ كَمَا سَنَذْكُرُ أَقْوَالَ الْمُفَسِّرِينَ فِي ذَلِكَ. وَقَوْلُ الْمَلَائِكَةِ هَذَا لَيْسَ عَلَى وَجْهِ الِاعْتِرَاضِ عَلَى اللَّهِ، وَلَا عَلَى وَجْهِ الْحَسَدِ لِبَنِي آدَمَ كَمَا قَدْ يَتَوَهَّمُهُ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ، وَقَدْ وَصَفَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى بِأَنَّهُمْ لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ أَيْ لَا يَسْأَلُونَهُ شَيْئًا لَمْ يأذن لهم فيه، وههنا لَمَّا أَعْلَمَهُمْ بِأَنَّهُ سَيَخْلُقُ فِي الْأَرْضِ خَلْقًا وَقَدْ تَقَدَّمَ إِلَيْهِمْ أَنَّهُمْ يُفْسِدُونَ فِيهَا فَقَالُوا: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾؟ الْآيَةَ. وَإِنَّمَا هُوَ سُؤَالُ اسْتِعْلَامٍ وَاسْتِكْشَافٍ عَنِ الْحِكْمَةِ فِي ذَلِكَ، يَقُولُونَ: يَا رَبَّنَا مَا الْحِكْمَةُ فِي خَلْقِ هَؤُلَاءِ، مَعَ أَنَّ مِنْهُمْ مَن يُفْسِدُ فِي الْأَرْضِ وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ؟ فَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ عِبَادَتُكَ فَنَحْنُ نسبِّح بِحَمْدِكَ ونقدِّس لك أي نصلّي لك ولا يصدر منا شيء من ذلك، وهل وَقَعَ الِاقْتِصَارُ عَلَيْنَا؟ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى مُجِيبًا لَهُمْ عَنْ هَذَا السُّؤَالِ: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾، أَيْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ الْمَصْلَحَةِ الرَّاجِحَةِ فِي خَلْقِ هَذَا الصِّنْفِ عَلَى الْمَفَاسِدِ الَّتِي ذَكَّرْتُمُوهَا مَا لَا تَعْلَمُونَ أَنْتُمْ، فَإِنِّي سَأَجْعَلُ فِيهِمُ الْأَنْبِيَاءَ، وَأُرْسِلُ فِيهِمُ الرُّسُلَ، وَيُوجَدُ منهم الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ وَالصَّالِحُونَ، والعُبَّاد وَالزُّهَّادُ، وَالْأَوْلِيَاءُ وَالْأَبْرَارُ، وَالْمُقَرَّبُونَ، وَالْعُلَمَاءُ الْعَامِلُونَ، وَالْخَاشِعُونَ وَالْمُحِبُّونَ لَهُ تَبَارَكَ وتتعالى، المتبعون رسُلِهِ صلوات الله وسلامه عليهم.

ُ، وَالْمُقَرَّبُونَ، وَالْعُلَمَاءُ الْعَامِلُونَ، وَالْخَاشِعُونَ وَالْمُحِبُّونَ لَهُ تَبَارَكَ وتتعالى، المتبعون رسُلِهِ صلوات الله وسلامه عليهم. وقيل: معنى قوله تعالى: ﴿إني أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ إني لِي حِكْمَةً مُفَصَّلَةً فِي خَلْقِ هَؤُلَاءِ وَالْحَالَةُ مَا ذَكَرْتُمْ لَا تَعْلَمُونَهَا، وَقِيلَ: إِنَّهُ جَوَابٌ ﴿وَنَحْنُ نسبِح بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾، فَقَالَ: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ أَيْ مِنْ وُجُودِ إِبْلِيسَ بَيْنَكُمْ وَلَيْسَ هُوَ كَمَا وَصَفْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِهِ. وَقِيلَ: بَلْ تَضَمَّنَ قَوْلُهُمْ: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نسبِّح بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ طَلَبًا مِنْهُمْ أَنْ يَسْكُنُوا الْأَرْضَ بَدَلَ بَنِي آدم، فقال الله تعالى ذلك: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ مِنْ أَنَّ بَقَاءَكُمْ فِي السَّمَاءِ أَصْلَحُ لَكُمْ وَأَلْيَقُ بِكُمْ. ذكرها الرازي مَعَ غَيْرِهَا مِنَ الْأَجْوِبَةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (ذِكْرُ أقوال المفسرين) قال السدي في تفسيره: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً، قَالُوا: رَبَّنَا وَمَا يَكُونُ ذاك ⦗٥٠⦘ الْخَلِيفَةُ؟ قَالَ: يَكُونُ لَهُ ذُرِّيَّةٌ يُفْسِدُونَ فِي الأرض، ويقتل بعضهم بعضاً: قال ابن جرير: وإنما مَعْنَى الْخِلَافَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا اللَّهُ إِنَّمَا هِيَ خلافة قرن منهم قرناً قال: والخليفة الفعلية من قوله: خَلَفَ فُلَانٌ فُلَانًا فِي هَذَا الْأَمْرِ، إِذَا قَامَ مَقَامَهُ فِيهِ بَعْدَهُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾. ومن ذلك قبل لِلسُّلْطَانِ الْأَعْظَمِ خَلِيفَةٌ، لِأَنَّهُ خَلَفَ الَّذِي كَانَ قبله فقام بالأمر فكان منه خلفاً.

ِهِمْ لِنَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾. ومن ذلك قبل لِلسُّلْطَانِ الْأَعْظَمِ خَلِيفَةٌ، لِأَنَّهُ خَلَفَ الَّذِي كَانَ قبله فقام بالأمر فكان منه خلفاً. قال ابن جرير عن ابن عباس: إن أَوَّلُ مَنْ سَكَنَ الْأَرْضَ الْجِنُّ، فَأَفْسَدُوا فِيهَا، وَسَفَكُوا فِيهَا الدِّمَاءَ، وَقَتَلَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا قَالَ: فَبَعَثَ اللَّهُ إِلَيْهِمْ إِبْلِيسَ، فَقَتَلَهُمْ إِبْلِيسُ وَمَنْ مَعَهُ حَتَّى أَلْحَقَهُمْ بِجَزَائِرِ الْبُحُورِ وَأَطْرَافِ الْجِبَالِ ثم خلق آدم فأسكنه إِيَّاهَا، فَلِذَلِكَ قَالَ: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خليفة﴾. وقال الْحَسَنُ: إِنَّ الْجِنَّ كَانُوا فِي الْأَرْضِ يُفْسِدُونَ وَيَسْفِكُونَ الدِّمَاءَ، وَلَكِنْ جَعَلَ اللَّهُ فِي قُلُوبِهِمْ (الضمير في (قلوبهم) يعود على الملائكة لا على الجن فتنبه) أَنَّ ذَلِكَ سَيَكُونُ، فَقَالُوا بِالْقَوْلِ الَّذِي عَلَّمَهُمْ. وقال قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا﴾: كَانَ اللَّهُ أَعْلَمَهُمْ أَنَّهُ إِذَا كَانَ فِي الْأَرْضِ خَلْقٌ أَفْسَدُوا فِيهَا وَسَفَكُوا الدِّمَاءَ، فَذَلِكَ حِينَ قَالُوا: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدمآء﴾؟.

نَ فِي الْأَرْضِ خَلْقٌ أَفْسَدُوا فِيهَا وَسَفَكُوا الدِّمَاءَ، فَذَلِكَ حِينَ قَالُوا: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدمآء﴾؟. قال ابْنُ جَرِيرٍ: وَقَالَ بَعْضُهُمْ إِنَّمَا قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ مَا قَالَتْ ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ لِأَنَّ اللَّهَ أَذِنَ لَهُمْ فِي السُّؤَالِ عَنْ ذَلِكَ بَعْدَ مَا أَخْبَرَهُمْ أَنَّ ذَلِكَ كَائِنٌ مِنْ بَنِي آدَمَ، فَسَأَلَتْهُ الْمَلَائِكَةُ فَقَالَتْ عَلَى التَّعَجُّبِ مِنْهَا: وَكَيْفَ يَعْصُونَكَ يَا رَبِّ وَأَنْتَ خَالِقُهُمْ؟ فَأَجَابَهُمْ رَبُّهُمْ ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾، يَعْنِي أَنَّ ذَلِكَ كَائِنٌ مِنْهُمْ، وَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوهُ أَنْتُمْ وَمَنْ بَعْضُ ما تَرَوْنَهُ لِي طَائِعًا، قَالَ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ ذَلِكَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ عَلَى وَجْهِ الِاسْتِرْشَادِ عَمَّا لَمْ يَعْلَمُوا مِنْ ذَلِكَ، فَكَأَنَّهُمْ قَالُوا: يَا رَبِّ خبرنا - مسألة اسْتِخْبَارٌ مِنْهُمْ لَا عَلَى وَجْهِ الْإِنْكَارِ - وَاخْتَارَهُ ابن جرير. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾، قال قتادة: التسبيح والتقديس الصلاة، وقال السدي عن ابن عباس ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾: نُصَلِّي لَكَ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾، قال نعظمك ونكبرك. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: التَّقْدِيسُ هُوَ التَّعْظِيمُ وَالتَّطْهِيرُ. وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ: سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ، يَعْنِي بِقَوْلِهِمْ سُبُّوحٌ تَنْزِيهٌ لَهُ، وَبِقَوْلِهِمْ قُدُّوسٌ طَهَارَةٌ وَتَعْظِيمٌ لَهُ، وكذلك قِيلَ لِلْأَرْضِ: أَرْضٌ مُقَدَّسَةٌ، يَعْنِي بِذَلِكَ الْمُطَهَّرَةَ فمعنى قوله الْمَلَائِكَةِ إِذًا ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ﴾: نُنَزِّهُكَ وَنُبَرِّئُكَ مِمَّا يُضِيفُهُ إِلَيْكَ أَهْلُ الشِّرْكِ بِكَ، ﴿وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ نَنْسِبُكَ إِلَى مَا هُوَ مِنْ صِفَاتِكَ مِنَ الطَّهَارَةِ مِنَ الْأَدْنَاسِ وَمَا أَضَافَ إِلَيْكَ أهل الكفر بك.

الشِّرْكِ بِكَ، ﴿وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ نَنْسِبُكَ إِلَى مَا هُوَ مِنْ صِفَاتِكَ مِنَ الطَّهَارَةِ مِنَ الْأَدْنَاسِ وَمَا أَضَافَ إِلَيْكَ أهل الكفر بك. عن أبي ذر ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سُئِلَ أَيُّ الْكَلَامِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: "مَا اصْطَفَى اللَّهُ لِمَلَائِكَتِهِ: سُبْحَانَ اللَّهِ وبحمده «(رواه مسلم عن أبي ذر الغفاري) وروي أن رسول الله ﷺ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ سَمِعَ تَسْبِيحًا فِي السَّمَاوَاتِ العلا» سبحان العلي الأعلى ﷾" (رواه البهيقي عن عبد الرحمن بن قرط) ﴿قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ قَالَ قَتَادَةُ: فَكَانَ فِي عِلْمِ اللَّهِ أَنَّهُ سَيَكُونُ فِي تِلْكَ الْخَلِيقَةِ أَنْبِيَاءُ وَرُسُلٌ وَقَوْمٌ صَالِحُونَ وساكنوا الجنة. ⦗٥١⦘ وَقَدِ اسْتَدَلَّ الْقُرْطُبِيُّ وَغَيْرُهُ بِهَذِهِ الْآيَةِ عَلَى وجوب نصب الخليقة، ليفصل بين الناس فيما اختلفوا فِيهِ، وَيَقْطَعَ تَنَازُعَهُمْ وَيَنْتَصِرَ لِمَظْلُومِهِمْ مِنْ ظَالِمِهِمْ، وَيُقِيمَ الْحُدُودَ، وَيَزْجُرَ عَنْ تَعَاطِي الْفَوَاحِشِ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأُمُورِ الْمُهِمَّةِ الَّتِي لَا تمكن إِقَامَتُهَا إِلَّا بِالْإِمَامِ، وَمَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إِلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ. وَالْإِمَامَةُ تُنَالُ بِالنَّصِّ كَمَا يَقُولُهُ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ فِي أَبِي بَكْرٍ. أَوْ بِالْإِيمَاءِ إِلَيْهِ كَمَا يَقُولُ آخَرُونَ مِنْهُمْ، أَوْ بِاسْتِخْلَافِ الْخَلِيفَةِ آخَرَ بَعْدَهُ كَمَا فَعَلَ الصِّدِّيقُ بِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، أَوْ بتركه مشورة فِي جَمَاعَةٍ صَالِحِينَ كَذَلِكَ كَمَا فَعَلَهُ عُمَرُ، أَوْ بِاجْتِمَاعِ أَهْلِ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ عَلَى مُبَايَعَتِهِ أَوْ بِمُبَايَعَةِ وَاحِدٍ مِنْهُمْ لَهُ، فَيَجِبُ الْتِزَامُهَا عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَحَكَى عَلَى ذَلِكَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ الإجماع، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

ُبَايَعَةِ وَاحِدٍ مِنْهُمْ لَهُ، فَيَجِبُ الْتِزَامُهَا عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَحَكَى عَلَى ذَلِكَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ الإجماع، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ ذَكَرًا، حُرًّا، بَالِغًا، عَاقِلًا، مُسْلِمًا، عَدْلًا، مُجْتَهِدًا، بَصِيرًا، سَلِيمَ الْأَعْضَاءِ، خَبِيرًا بِالْحُرُوبِ وَالْآرَاءِ، قُرَشِيًّا عَلَى الصَّحِيحِ؛ وَلَا يُشْتَرَطُ الْهَاشِمِيُّ وَلَا الْمَعْصُومُ مِنَ الْخَطَأِ خلافاً للغلاة والروافض. وَلَوْ فَسَقَ الْإِمَامُ هَلْ يَنْعَزِلُ أَمْ لَا؟ فِيهِ خِلَافٌ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَنْعَزِلُ لِقَوْلِهِ ﵊: "إِلَّا أَنْ تَرَوْا كُفْرًا بواحاً (كفراً بواحاً: قال ابن الأثير: أي جهارً من باح بالشيء يبوح به إذا أعلنه. النهاية في غريب الحديث) عندكم من الله فيه برهان"، فَأَمَّا نَصْبُ إِمَامَيْنِ فِي الْأَرْضِ أَوْ أَكْثَرَ فَلَا يَجُوزُ لِقَوْلِهِ ﵊: «مَنْ جَاءَكُمْ وأمْرُكم جَميعٌ يُرِيدُ أَنْ يفرِّق بَيْنَكُمْ فَاقْتُلُوهُ كَائِنًا مَنْ كَانَ» وَهَذَا قَوْلُ الْجُمْهُورِ.

  • ١ - الم
  • ٢ - ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى للمتقين

﴿الم﴾ اخْتَلَفَ المفسِّرون فِي الْحُرُوفِ الْمُقَطَّعَةِ الَّتِي فِي أَوَائِلِ السُّوَرِ، فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: هِيَ مِمَّا اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِعِلْمِهِ فَرَدُّوا عِلْمَهَا إِلَى اللَّهِ ولم يفسروها حكاه القرطبي في تفسيره، وَمِنْهُمْ مَنْ فَسَّرَهَا وَاخْتَلَفَ هَؤُلَاءِ فِي مَعْنَاهَا فقال بعضهم: هي أسماء السور، قال الزمخشري: وعليه إطباق الأكثر، وَقِيلَ: هِيَ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى يُفْتَتَحُ بِهَا السُّوَرُ، فَكُلُّ حَرْفٍ مِنْهَا دَلَّ عَلَى اسْمٍ مِنْ أَسْمَائِهِ وصفةٍ مِنْ صِفَاتِهِ، فَالْأَلِفُ مِفْتَاحُ اسْمِ (اللَّهِ) وَاللَّامُ مِفْتَاحُ اسْمِهِ (لطيف) والميم مفتاح اسمه (مجيد) وقال آخرون: إِنَّمَا ذُكِرَتْ هَذِهِ الْحُرُوفُ فِي أَوَائِلِ السُّوَرِ التي ذكرت فيها بياناً ل (إعجاز الْقُرْآنِ) وَأَنَّ الْخَلْقَ عَاجِزُونَ عَنْ مُعَارَضَتِهِ بِمِثْلِهِ، مع أنه مركب مِنْ هَذِهِ الْحُرُوفِ الْمُقَطَّعَةِ الَّتِي يَتَخَاطَبُونَ بِهَا، حكاه الرازي عن المبرد وجمع من المحققين، وحكاه القرطبي عن الفراء، وقرره الزمخشري ونصره أتم نصر، وإليه ذهب الإمام (ابن تيمية) وشيخنا الحافظ (أبو الحجاج المزي). قال الزمخشري: ولم ترد كلها مجموعة في أول القرآن، وإنما كررت ليكون أبلغ في التحدي والتبكيت، كما كررت قصص كثيرة، وكرر التحدي الصريح في أماكن، وجاء منها على حرف واحد مثل ﴿ص﴾ وحرفين مثل ﴿حم﴾ وثلاثة مثل ﴿الم﴾ وأربعة مثل ﴿المص﴾ وخمسة مثل ﴿كهيعص﴾ لأن أساليب كلامهم منها ما هو على حرف وعلى حرفين وعلى ثلاثة وعلى أربعة وعلى خمسة لا أكثر من ذلك.

وثلاثة مثل ﴿الم﴾ وأربعة مثل ﴿المص﴾ وخمسة مثل ﴿كهيعص﴾ لأن أساليب كلامهم منها ما هو على حرف وعلى حرفين وعلى ثلاثة وعلى أربعة وعلى خمسة لا أكثر من ذلك. قال ابن كثير: وَلِهَذَا كُلُّ سُورَةٍ افْتُتِحَتْ بِالْحُرُوفِ فَلَا بُدَّ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا الِانْتِصَارُ لِلْقُرْآنِ، وَبَيَانُ إِعْجَازِهِ وعظمته، وهذا معلوم بالاستقراء في تسع وعشرين سورة مثل: ﴿الم ذَلِكَ الكتاب لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ ﴿الم اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَاّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ نَزَّلَ عَلَيْكَ الكتاب بالحق﴾ ﴿المص كِتَابٌ أُنزِلَ إليك﴾ ﴿الم كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ﴾ ﴿الم تَنزِيلُ الكتاب لَا ريب فيه﴾ ﴿حم تَنزِيلٌ مِّنَ الرحمن الرحيم﴾ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ هَؤُلَاءِ لِمَنْ أَمعن النَّظَرَ. ﴿ذَلِكَ الكتاب﴾ قال ابن عباس: أي هذا الكتاب. والعربُ تعارض بين أسمي الْإِشَارَةِ فَيَسْتَعْمِلُونَ كُلًّا مِنْهُمَا مَكَانَ الْآخَرِ وَهَذَا معروفٌ في كلامهم. والكتابُ: القرآنُ، ومن قال: إن المراد بذلك الإشارة إلى التوراة والإنجيل فَقَدْ أبعدَ النُجعة، وَأَغْرَقَ فِي النَّزْعِ، وَتَكَلَّفَ مَا لَا عِلْمَ لَهُ بِهِ. والريبُ: الشَّكُّ، أي لا شك فيه، روي ذلك عن أُناسٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: لَا أَعْلَمُ فِي هذا خلافاً.

  • ٣١ - وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَآءِ هَؤُلَاءِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ
  • ٣٢ - قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَآ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ
  • ٣٣ - قَالَ يَا آدَمُ أَنبِئْهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ فَلَمَّآ أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ

ُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ

هَذَا مقامٌ ذَكَر اللَّهُ تَعَالَى فِيهِ شرفُ آدم على الملائكة، بما اختصه مِنْ عِلْمِ أَسْمَاءِ كُلِّ شَيْءٍ دُونَهُمْ، وَهَذَا كَانَ بَعْدَ سُجُودِهِمْ لَهُ، وَإِنَّمَا قَدَّمَ هَذَا الْفَصْلَ عَلَى ذَاكَ لِمُنَاسَبَةِ مَا بَيْنَ هَذَا المقام وعدم علمهم بحكمة خلق الخليقة، حين سألوا عن ذلك فأخبرهم تَعَالَى بِأَنَّهُ يَعْلَمُ مَا لَا يَعْلَمُونَ، وَلِهَذَا ذكر الله هَذَا الْمَقَامَ عَقِيبَ هَذَا لِيُبَيِّنَ لَهُمْ شَرَفَ آدَمَ بِمَا فُضِّلَ بِهِ عَلَيْهِمْ فِي الْعِلْمِ، فقال تعالى: ﴿وعلم آدم الأسمآء كُلَّهَا﴾ قال السدي عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ علمه أَسْمَاءَ وَلَدِهِ إِنْسَانًا إِنْسَانًا، وَالدَّوَابِّ فَقِيلَ هَذَا الحمار، هذا الجمل، هذا الفرس (هذه رواية السدي عن بن عباس، والثانية رواية الضحاك عنه) وَقَالَ الضَّحَّاكُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ قَالَ: هِيَ هَذِهِ الْأَسْمَاءُ الَّتِي يتعارف بها الناس: إنسان، ودواب، وسماء، وأرض وسهل، وبحر، وخيل، وحمار، وأشباه ذلك من الأمم وغيرها.

ءَ كُلَّهَا﴾ قَالَ: هِيَ هَذِهِ الْأَسْمَاءُ الَّتِي يتعارف بها الناس: إنسان، ودواب، وسماء، وأرض وسهل، وبحر، وخيل، وحمار، وأشباه ذلك من الأمم وغيرها. وقال مجاهد ﴿وعلم آدم الأسمآء كُلَّهَا﴾: عَلَّمَهُ اسْمَ كُلِّ دَابَّةٍ، وَكُلِّ طَيْرٍ، وَكُلِّ شَيْءٍ، وَكَذَلِكَ رُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَقَتَادَةَ وَغَيْرِهِمْ مِنَ السَّلَفِ أَنَّهُ عَلَّمَهُ أَسْمَاءَ كل شيء وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ عَلَّمَهُ أَسْمَاءَ الْأَشْيَاءِ كُلِّهَا ذَوَاتَهَا وصفاتها وأفعالها، وَلِهَذَا قَالَ الْبُخَارِيُّ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ عَنْ أنَس عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «يَجْتَمِعُ الْمُؤْمِنُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَقُولُونَ لَوِ اسْتَشْفَعْنَا إِلَى رَبِّنَا فَيَأْتُونَ آدَمَ فَيَقُولُونَ أَنْتَ أَبُو النَّاسِ خَلَقَكَ اللَّهُ بِيَدِهِ، وَأَسْجَدَ لَكَ مَلَائِكَتَهُ، وعلَّمك أَسْمَاءَ كُلِّ شَيْءٍ، فَاشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ حتى يريحنا ⦗٥٢⦘ من مكاننا هذا (أخرجه البخاري عن أنَس بن مالك ورواه مسلم والنسائي وابن ماجة)» الحديث. فَدَلَّ هَذَا عَلَى أَنَّهُ عَلَّمَهُ أَسْمَاءَ جَمِيعِ الْمَخْلُوقَاتِ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ﴾ يعني المسميات ﴿فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَآءِ هَؤُلَاءِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾، قال مجاهد: ثم عَرَضَ أَصْحَابَ الْأَسْمَاءِ عَلَى الْمَلَائِكَةِ.

يعني المسميات ﴿فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَآءِ هَؤُلَاءِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾، قال مجاهد: ثم عَرَضَ أَصْحَابَ الْأَسْمَاءِ عَلَى الْمَلَائِكَةِ. وَقَالَ ابْنُ جرير عن الحسن وقتادة قال: علَّمه اسْمَ كُلِّ شَيْءٍ، وَجَعَلَ يُسَمِّي كُلَّ شَيْءٍ بِاسْمِهِ وَعُرِضَتْ عَلَيْهِ أُمَّةً أُمَّةً، وَبِهَذَا الإسناد عن الحسن وقتادة في قوله تعالى ﴿إِنَّ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ إِنِّي لَمْ أَخْلُقْ خَلْقًا إلى كُنْتُمْ أَعْلَمَ مِنْهُ فَأَخْبِرُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ، وقال السدي ﴿إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ أَنَّ بَنِي آدَمَ يُفْسِدُونَ فِي الأرض ويسفكون الدماء، ﴿قَالُواْ سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَاّ مَا عَلَّمْتَنَآ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ هَذَا تَقْدِيسٌ وَتَنْزِيهٌ مِنَ الْمَلَائِكَةِ لِلَّهِ تَعَالَى أَنْ يُحِيطَ أَحَدٌ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلَاّ بِمَا شَآءَ، وَأَنْ يَعْلَمُوا شَيْئًا إِلَّا مَا عَلَّمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى وَلِهَذَا قَالُوا: ﴿سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إلى مَا عَلَّمْتَنَآ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ أَيِ العليمُ بِكُلِّ شَيْءٍ الحكيمُ فِي خَلْقِكَ وَأَمْرِكَ، وفي تعليمك ما تشاء ومنعك ما تَشَاءُ، لَكَ الْحِكْمَةُ فِي ذَلِكَ وَالْعَدْلُ التَّامُّ. عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ﴾ قَالَ: تَنْزِيهُ الله نفسه عن السوء.

شاء ومنعك ما تَشَاءُ، لَكَ الْحِكْمَةُ فِي ذَلِكَ وَالْعَدْلُ التَّامُّ. عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ﴾ قَالَ: تَنْزِيهُ الله نفسه عن السوء. قوله تَعَالَى ﴿قَالَ يَا آدَمُ أَنبِئْهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ فَلَمَّآ أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السموات وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾: لما ظَهَرَ فَضْلُ آدَمَ ﵇ عَلَى الْمَلَائِكَةِ ﵈ فِي سَرْدِهِ مَا عَلَّمَهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ أَسْمَاءِ الْأَشْيَاءِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِلْمَلَائِكَةِ: ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السموات وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ أَيْ أَلَمْ أَتَقَدَّمْ إِلَيْكُمْ أَنِّي أَعْلَمُ الْغَيْبَ الظاهر والخفي، كما قال تَعَالَى: ﴿وَإِن تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ وكما قال إِخْبَارًا عَنِ الْهُدْهُدِ أَنَّهُ قَالَ لِسُلَيْمَانَ: ﴿أَلَاّ يَسْجُدُواْ للَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ﴾، وعن ابْنِ عَبَّاسٍ ﴿وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾: أَعْلَمُ السِّرَّ كَمَا أَعْلَمُ الْعَلَانِيَةَ، يَعْنِي مَا كَتَمَ إِبْلِيسُ فِي نَفْسِهِ مِنَ الْكِبْرِ وَالِاغْتِرَارِ. وَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ الرَّازِيُّ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ ﴿وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ فكان الذي أبدوا هو قَوْلُهُمْ: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدماء﴾ وكان الذي كتموا بينهم هو قَوْلَهُمْ: لَنْ يَخْلُقَ رَبُّنَا خَلْقًا إِلَّا كُنَّا أَعْلَمَ مِنْهُ وَأَكْرَمَ.

مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدماء﴾ وكان الذي كتموا بينهم هو قَوْلَهُمْ: لَنْ يَخْلُقَ رَبُّنَا خَلْقًا إِلَّا كُنَّا أَعْلَمَ مِنْهُ وَأَكْرَمَ. فَعَرَفُوا أَنَّ اللَّهَ فَضَّلَ عَلَيْهِمْ آدَمَ فِي الْعِلْمِ وَالْكَرَمِ وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَهُوَ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ﴾: وَأَعْلَمُ مَعَ عِلْمِي غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَا تُظْهِرُونَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تُخْفُونَ فِي أَنْفُسِكُمْ فَلَا يَخْفَى عَلَيَّ شَيْءٌ سَوَاءٌ عِنْدِي سَرَائِرُكُمْ وَعَلَانِيَتُكُمْ. وَالَّذِي أَظْهَرُوهُ بِأَلْسِنَتِهِمْ قَوْلُهُمْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا، وَالَّذِي كَانُوا يكتمونه مَا كَانَ عَلَيْهِ مُنْطَوِيًا إِبْلِيسُ مِنَ الْخِلَافِ عَلَى اللَّهِ فِي أَوَامِرِهِ وَالتَّكَبُّرِ عَنْ طَاعَتِهِ، قَالَ: وَصَحَّ ذَلِكَ كَمَا تَقُولُ الْعَرَبُ: قُتِلَ الْجَيْشُ وَهُزِمُوا، وَإِنَّمَا قُتِلَ الْوَاحِدُ أَوِ الْبَعْضُ وَهُزِمَ الْوَاحِدُ أَوِ الْبَعْضُ، فَيَخْرُجُ الْخَبَرُ عَنِ الْمَهْزُومِ مِنْهُ وَالْمَقْتُولِ مَخْرَجَ الْخَبَرِ عَنْ جَمِيعِهِمْ، كما قال تعالى: ﴿إن الذي يُنَادُونَكَ مِن وَرَآءِ الْحُجُرَاتِ﴾ ذُكِر أَنَّ الَّذِي نَادَى إِنَّمَا كَانَ وَاحِدًا مِنْ بَنِي تَمِيمٍ، قَالَ وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾.

وَقَدْ يُسْتَعْمَلُ الرَّيْبُ فِي التُّهْمَةِ، قَالَ جَمِيلٌ: بثينةُ قَالَتْ: يَا جميلُ أَرَبْتَنِي * فقلتُ: كِلَانَا يَا بثينُ مُرِيبُ وَاسْتُعْمِلَ أَيْضًا فِي الْحَاجَةِ كَمَا قَالَ بَعْضُهُمْ: قَضَيْنَا مِنْ تِهَامَةَ كُلَّ ريبٍ * وخيبر ثم أجممنا السيوفا والمعنى: إن هذا الكتاب (الْقُرْآنُ) لَا شَكَّ فِيهِ أَنَّهُ نَزَلَ مِنْ عند الله كما قال تعالى: ﴿تَنزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِن رَبِّ العالمين﴾ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هَذَا خبرٌ وَمَعْنَاهُ النَّهْيُ، أَيْ لا ترتابوا فيه. وخصت الهداية لِّلْمُتَّقِينَ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُواْ هُدًى وَشِفَآءٌ﴾ وقال: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَآءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى اخْتِصَاصِ الْمُؤْمِنِينَ بِالنَّفْعِ بِالْقُرْآنِ، لِأَنَّهُ هُوَ فِي نفسه هدى، ولكن لا يناله إلا الأرباب كما قال تعالى ﴿وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾ قال السَّدي: ﴿هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾ يعني نوراً للمتقين، وعن ابن عباس: المتقون هم المؤمنون الذين يتقون الشرك ويعملون بطاعة الله، وقال الحسن البصري: اتقوا ما حرم عليهم، وأدوا ما افترض عليهم. وقال قتادة: هُمُ الَّذِينَ نَعَتَهُمُ اللَّهُ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بالغيب ويقيمون الصلاة﴾، واختيار ابْنُ جَرِيرٍ أنَّ الْآيَةَ تعمُّ ذَلِكَ كُلَّهُ، وهو كما قال. وفي الحديث الشريف: «لَا يَبْلُغُ الْعَبْدُ أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُتَّقِينَ حتى يدع ما بأس به حذراً مما به بأس» (رواه الترمذي وابن ماجة وقال الترمذي: حسن غريب).

الشريف: «لَا يَبْلُغُ الْعَبْدُ أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُتَّقِينَ حتى يدع ما بأس به حذراً مما به بأس» (رواه الترمذي وابن ماجة وقال الترمذي: حسن غريب). ويطلق الهدى ويراد به ما يقر في القلب من الإيمان، وهذا لا يقد على خلقه في قلوب العباد إلا الله ﷿ قال تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أحببت﴾ وقال: ﴿لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ﴾ وَقَالَ: ﴿مَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ﴾ ويطلق ويراد به بيان الحق والدلالة عليه، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ وقال: ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ وقال: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾. وَأَصْلُ التَّقْوَى التَّوَقِّي مِمَّا يَكْرَهُ لِأَنَّ أَصْلَهَا (وَقَوى) من الوقاية، قال الشاعر: فألقتْ قِناعاً دُونَهُ الشمسُ واتَّقَت * بأحسنِ موصولينِ كفٍ معْصَم وسأل عمرُ (أُبيَّ بْنَ كَعْبٍ) عَنِ التَّقْوَى فَقَالَ لَهُ: أَمَا سلكتَ طَرِيقًا ذَا شَوْكٍ؟ قَالَ: بَلَى، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ؟ قَالَ: شمَّرتُ واجتهدتُ، قَالَ: فذلك التقوى، وأخذ هَذَا الْمَعْنَى ابْنُ الْمُعْتَزِّ فَقَالَ: خَلِّ الذنوبَ صغيرَها * وكبيرَها ذاكَ التُّقَى واصْنَع كماشٍ فوقَ أرْ *ضِ (أرض) الشَّوْكِ يحذَرُ مَا يَرَى لَا تحقرنَّ صَغِيرَةً * إنَّ الجبال من الحصى وفي سنن ابن ماجه عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنه قال: «مَا اسْتَفَادَ الْمَرْءُ بَعْدَ تَقْوَى اللَّهِ خَيْرًا مِنْ زَوْجَةٍ صَالِحَةٍ، إِنْ نَظَرَ إِلَيْهَا سَرَّتْهُ، وَإِنْ أَمَرَهَا أَطَاعَتْهُ، وَإِنْ أَقْسَمَ عَلَيْهَا أَبَرَّتْهُ، وإن غاب عنها نصحته في نفسها وماله» (رواه ابن ماجه عن أبي أمامة ﵁.

  • ٣ - الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ

ته في نفسها وماله» (رواه ابن ماجه عن أبي أمامة ﵁.

  • ٣ - الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ

الإيمان في اللغة يُطلق على التصديق المحض كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾، وَكَمَا قَالَ إِخْوَةُ يُوسُفَ لِأَبِيهِمْ: ﴿وَمَآ أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾ وكذلك إذا استعمل مقروناً مع الأعمال: ﴿إِلَاّ الذين آمَنُواْ وعملوا الصالحات﴾ فأما إذا استعمل مطلقاً فالإيمان المطلوب لا يكون إلا اعتقاداً وقولاً عملاً، هكذا ذهب أكثر الأئمة وحكاه الشافعي وأحمد إِجْمَاعًا: أَنَّ الْإِيمَانَ قَوْلٌ وَعَمَلٌ، يَزِيدُ وَيَنْقُصُ وقد ورد فيه آثار كثيرة أفردنا الْكَلَامَ فِيهَا فِي أَوَّلِ شَرْحِ الْبُخَارِيِّ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ، ومنهم من فسره بالخشية: ﴿إِنَّ الذين يَخْشَوْنَ ربهم بالغيب﴾ والخشيةُ خلاصة الإيمان العلم: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ العلماء﴾. وأما الغيب المراد ههنا فقد اختلفت عبارات السلف فيه، فقال أبو العالية: يؤمنون بالله وملائكته وكتبه ورسله، وجنته ولقائه، وبالحياة بعد الموت فهذا غيبٌ كله. وقال السُّدي عن ابن عباس وابن مسعود: الغيبُ ما غَابَ عَنِ الْعِبَادِ مِنْ أَمْرِ الْجَنَّةِ وَأَمْرِ النار وما ذكر في القرآن. وقال عطاء: من آمن بالله فقد آمن بالغيب. فكل هذه متقاربة في معنى واحد والجميع مراد.

لْعِبَادِ مِنْ أَمْرِ الْجَنَّةِ وَأَمْرِ النار وما ذكر في القرآن. وقال عطاء: من آمن بالله فقد آمن بالغيب. فكل هذه متقاربة في معنى واحد والجميع مراد. روى ابن كثير بسنده عن عبد الرحمن بن يزيد أنه قَالَ: "كُنَّا عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ جُلُوسًا فَذَكَرْنَا أَصْحَابَ النَّبِيِّ ﷺ وما سبقونا به، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: إِنَّ أَمْرَ مُحَمَّدٍ ﷺ كَانَ بَيِّناً لِمَنْ رَآهُ، وَالَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ مَا آمَنَ أحدٌ قَطُّ إِيمَانًا أفضلَ مِنْ إيمانٍ بِغَيْبٍ، ثُمَّ قرأ: ﴿الذين يُؤْمِنُونَ بالغيب - إلى قوله - المفلحون (رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ وَالْحَاكِمُ: وَقَالَ الْحَاكِمُ: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ وَلَمْ يخرجاه)﴾ وفي معنى هذا الحديث ما رواه أحمد عَنِ (ابْنِ محيريزٍ) قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي جُمُعَةَ حدثْنا حَدِيثًا سَمعته مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ نَعَمْ أُحَدِّثُكَ حَدِيثًا جَيِّدًا: "تَغَدَّيْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَمَعَنَا أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ: هَلْ أَحَدٌ خَيْرٌ مِنَّا؟ أَسْلَمْنَا مَعَكَ، وَجَاهَدْنَا مَعَكَ، قَالَ: نَعَمْ قومٌ مِنْ بَعْدِكُمْ يُؤْمِنُونَ بِي وَلَمْ يَرَوْنِي" (رواه أحمد عن أبي جمعة الأنصاري وله طرق أخرى) وفي رواية أُخرى عَنْ صَالِحِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: قَدِمَ عَلَيْنَا أَبُو جُمُعَةَ الْأَنْصَارِيُّ صَاحِبُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ببيت المقدس يصلي فيه ومعنا يومئذٍ (رجاء بن حيوة) ﵁، فَلَمَّا انْصَرَفَ خَرَجْنَا نشيِّعه فَلَمَّا أَرَادَ الِانْصِرَافَ قَالَ: إنَّ لَكُمْ جَائِزَةً وَحَقًّا، أُحَدِّثُكُمْ بِحَدِيثٍ سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قُلْنَا: هَاتِ رَحِمَكَ اللَّهُ، قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ومعنا معاذ ابن جَبَلٍ عَاشِرُ عَشَرَةٍ - فَقُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ: هل من قومٍ أعظم منا أجراً؟ آمَنَّا بِكَ وَاتَّبَعْنَاكَ،

عَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ومعنا معاذ ابن جَبَلٍ عَاشِرُ عَشَرَةٍ - فَقُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ: هل من قومٍ أعظم منا أجراً؟ آمَنَّا بِكَ وَاتَّبَعْنَاكَ، قَالَ: «مَا يَمْنَعُكُمْ مِنْ ذَلِكَ وَرَسُولُ اللَّهِ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ يَأْتِيكُمْ بِالْوَحْيِ من السماء؟ بل قوم بعدكم يأتيهم كتاب من بَيْنَ لَوْحَيْنِ، يُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَعْمَلُونَ بِمَا فِيهِ، أولئك أعظم منكم أجراً، أولئك أعظم منكم أجراً» (رَوَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ مَرْدَوَيْهِ فِي تَفْسِيرِهِ عن صالح بن جبير عن بي جمعة). وقوله تعالى: ﴿وَيُقِيمُونَ الصلاة﴾ قال ابْنِ عَبَّاسٍ إِقَامَةُ الصَّلَاةِ: إتمامُ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، والتلاوة والخشوع، والإقبال عليها فيها. وَقَالَ قَتَادَةُ: إِقَامَةُ الصَّلَاةِ: الْمُحَافَظَةُ عَلَى مَوَاقِيتِهَا ووضوئها، وركوعها وسجودها.

وَأَصْلُ الصَّلَاةِ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ الدُّعَاءُ، قَالَ الْأَعْشَى: لَهَا حارسٌ لَا يَبْرَحُ الدهرَ بيتَها * وإن ذبحت صلَّى عليها وزمزما وقال الأعشى أيضاً: عَلَيْكِ مِثْلُ الَّذِي صليتِ فَاغْتَمِضِي * نَوْمًا فَإِنَّ لِجَنْبِ الْمَرْءِ مُضْطَجَعًا يَقُولُ: عَلَيْكِ مِنَ الدُّعَاءِ مِثْلَ الَّذِي دَعَيْتِهِ لِي. وَهَذَا ظَاهِرٌ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَتِ الصَّلَاةُ فِي الشَّرْعِ فِي ذَاتِ الرُّكُوعِ والسجود بشروطها المعروفة وصفاتها المشهورة. ﴿وَممَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ قال ابن عباس: زكاة أموالهم. وقال نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: نفقةُ الرَّجُلِ عَلَى أَهْلِهِ، وَهَذَا قَبْلَ أَنْ تنزل الزكاة. وقال قتادة: فأنفقوا مما أعطاكم الله، هذه الأموال عوارٍ وَوَدَائِعُ عِنْدَكَ يَا ابْنَ آدَمَ يُوشِكُ أَنْ تُفَارِقَهَا وَاخْتَارَ ابْنُ جَرِيرٍ أَنَّ الْآيَةَ عَامَّةٌ في الزكاة والنفقات. قال ابن كثير: كَثِيرًا مَا يَقْرِنُ اللَّهُ تَعَالَى بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالْإِنْفَاقِ مِنَ الْأَمْوَالِ، فَإِنَّ الصَّلَاةَ حَقُّ اللَّهِ وَعِبَادَتُهُ وَهِيَ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى تَوْحِيدِهِ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ، وَتَمْجِيدِهِ وَالِابْتِهَالِ إِلَيْهِ، وَدُعَائِهِ وَالتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ، وَالْإِنْفَاقُ هُوَ الْإِحْسَانُ إِلَى الْمَخْلُوقِينَ بِالنَّفْعِ الْمُتَعَدِّي إِلَيْهِمْ، وَأَوْلَى النَّاسِ بِذَلِكَ الْقَرَابَاتُ وَالْأَهْلُونَ وَالْمُمَالِيكُ ثُمَّ الْأَجَانِبُ، فكلٌ مِنَ النَّفَقَاتِ الْوَاجِبَةِ وَالزَّكَاةِ الْمَفْرُوضَةِ داخلٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾.

  • ٣٤ - وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لأَدَمَ فَسَجَدُوا إِلَاّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ ⦗٥٣⦘

ُنفِقُونَ﴾.

  • ٣٤ - وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لأَدَمَ فَسَجَدُوا إِلَاّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ ⦗٥٣⦘

وَهَذِهِ كَرَامَةٌ عَظِيمَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى لِآدَمَ امتَنَّ بِهَا عَلَى ذُرِّيَّتِهِ، حَيْثُ أَخْبَرَ أَنَّهُ تَعَالَى أَمَرَ الْمَلَائِكَةَ بِالسُّجُودِ لِآدَمَ وَقَدْ دَلَّ عَلَى ذَلِكَ أَحَادِيثُ أَيْضًا كَثِيرَةٌ مِنْهَا حَدِيثُ الشَّفَاعَةِ الْمُتَقَدِّمِ، وَحَدِيثُ مُوسَى ﵇: "رَبِّ أَرِنِي آدَمَ الَّذِي أَخْرَجَنَا وَنَفْسَهُ مِنَ الْجَنَّةِ، فَلَمَّا اجْتَمَعَ بِهِ قَالَ: أَنْتَ آدَمُ الَّذِي خَلَقَهُ اللَّهُ بِيَدِهِ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ وَأَسْجَدَ لَهُ مَلَائِكَتَهُ؟ " قَالَ وَذَكَرَ الْحَدِيثَ كَمَا سَيَأْتِي إن شاء الله. وَالْغَرَضُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا أَمَرَ الْمَلَائِكَةَ بِالسُّجُودِ لِآدَمَ دَخَلَ إِبْلِيسُ فِي خِطَابِهِمْ، لِأَنَّهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ عُنْصُرِهِمْ إِلَّا أَنَّهُ كَانَ قَدْ تَشَبَّهَ بِهِمْ وَتَوَسَّمَ بِأَفْعَالِهِمْ، فَلِهَذَا دَخَلَ فِي الْخِطَابِ لَهُمْ وَذُمَّ فِي مُخَالَفَةِ الأمر.

ُرِهِمْ إِلَّا أَنَّهُ كَانَ قَدْ تَشَبَّهَ بِهِمْ وَتَوَسَّمَ بِأَفْعَالِهِمْ، فَلِهَذَا دَخَلَ فِي الْخِطَابِ لَهُمْ وَذُمَّ فِي مُخَالَفَةِ الأمر. قال طاووس عن ابن عباس: كَانَ إِبْلِيسُ قَبْلَ أَنْ يَرْكَبَ الْمَعْصِيَةَ مِنَ الملائكة اسمه (عزرايل) وَكَانَ مِنْ سُكَّانِ الْأَرْضِ، وَكَانَ مِنْ أَشَدِّ الْمَلَائِكَةِ اجْتِهَادًا، وَأَكْثَرِهِمْ عِلْمًا، فَذَلِكَ دَعَاهُ إِلَى الْكِبْرِ، وَكَانَ مِنْ حيٍّ يُسَمَّوْنَ جِنًّا وَقَالَ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ: كَانَ إِبْلِيسُ رَئِيسَ مَلَائِكَةِ سماء الدنيا. وقال ابن جرير عن الحسن: مَا كَانَ إِبْلِيسُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ طَرْفَةَ عَيْنٍ قَطُّ وَإِنَّهُ لَأَصْلُ الْجِنِّ، كَمَا أَنَّ آدَمَ أَصْلُ الْإِنْسِ، وَهَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ عَنِ الْحَسَنِ. وقال شهر ابن حَوْشَبٍ: كَانَ إِبْلِيسُ مِنَ الْجِنِّ الَّذِينَ طَرَدَتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ فَأَسَرَهُ بَعْضُ الْمَلَائِكَةِ فَذَهَبَ بِهِ إِلَى السماء، رواه ابن جرير، وعن سَعْدِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: كَانَتِ الْمَلَائِكَةُ تُقَاتِلُ الْجِنَّ فَسُبِيَ إِبْلِيسُ وَكَانَ صَغِيرًا فَكَانَ مَعَ الملائكة يتعبد مَعَهَا فَلَمَّا أُمروا بِالسُّجُودِ لِآدَمَ سَجَدُوا فَأَبَى إِبْلِيسُ فَلِذَلِكَ قَالَ تَعَالَى: ﴿إِلَاّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الجن﴾ وقال أبو جعفر: ﴿وَكَانَ مِنَ الكافرين﴾ يعني من العاصين. قال قتادة في قوله تعالى ﴿وَإِذَا قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لأَدَمَ﴾: فَكَانَتِ الطَّاعَةُ لِلَّهِ والسجدة لآدم، أكرم الله آدم أن أسجد له ملائكته، وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: كَانَ هَذَا سُجُودُ تَحِيَّةٍ وَسَلَامٍ وَإِكْرَامٍ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّدَاً﴾ وَقَدْ كَانَ هَذَا مَشْرُوعًا فِي الْأُمَمِ الْمَاضِيَةِ وَلَكِنَّهُ نُسِخَ فِي مِلَّتِنَا.

َعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّدَاً﴾ وَقَدْ كَانَ هَذَا مَشْرُوعًا فِي الْأُمَمِ الْمَاضِيَةِ وَلَكِنَّهُ نُسِخَ فِي مِلَّتِنَا. قَالَ مُعَاذٌ: "قَدِمْتُ الشَّامَ فَرَأَيْتُهُمْ يَسْجُدُونَ لِأَسَاقِفَتِهِمْ وَعُلَمَائِهِمْ فَأَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَحَقُّ أَنْ يُسْجَدَ لَكَ، فَقَالَ: «لَا، لَوْ كُنْتُ آمِرًا بَشَرًا أَنْ يَسْجُدَ لِبَشَرٍ لَأَمَرْتُ الْمَرْأَةَ أَنْ تَسْجُدَ لِزَوْجِهَا مِنْ عِظَمِ حَقِّهِ عَلَيْهَا» وَرَجَّحَهُ الرَّازِيُّ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ كَانَتِ السَّجْدَةُ لِلَّهِ وَآدَمُ قِبْلَةٌ فِيهَا، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الْقَوْلَ الْأَوَّلَ أَوْلَى وَالسَّجْدَةَ لِآدَمَ كانت إِكْرَامًا وَإِعْظَامًا وَاحْتِرَامًا وَسَلَامًا، وَهِيَ طَاعَةٌ لِلَّهِ ﷿ لِأَنَّهَا امْتِثَالٌ لِأَمْرِهِ تَعَالَى، وَقَدْ قَوَّاهُ الرَّازِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ وضعَّف مَا عَدَاهُ مِنَ الْقَوْلَيْنِ الْآخَرَيْنِ، وَهُمَا: كَوْنُهُ جُعِلَ قِبْلَةً إِذْ لَا يَظْهَرُ فِيهِ شَرَفٌ، وَالْآخَرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالسُّجُودِ الْخُضُوعُ لَا الِانْحِنَاءُ وَوَضْعُ الْجَبْهَةِ على الأرض، وهو ضعيف كما قال.

ذْ لَا يَظْهَرُ فِيهِ شَرَفٌ، وَالْآخَرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالسُّجُودِ الْخُضُوعُ لَا الِانْحِنَاءُ وَوَضْعُ الْجَبْهَةِ على الأرض، وهو ضعيف كما قال. وقال قتادة فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَسَجَدُوا إِلَاّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾: حَسَدَ عَدُوُّ اللَّهِ إِبْلِيسُ آدَمَ ﵇ عَلَى مَا أَعْطَاهُ اللَّهُ مِنَ الْكَرَامَةِ وَقَالَ: أَنَا نَارِيٌّ وَهَذَا طِينِيٌّ، وَكَانَ بَدْءُ الذُّنُوبِ الْكِبْرَ، اسْتَكْبَرَ عَدُوُّ الله أن يسجد لآدم ﵇. قُلْتُ: وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ: «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ مِنْ كِبْرٍ» وَقَدْ كَانَ فِي قَلْبِ إِبْلِيسَ مِنَ الْكِبْرِ، وَالْكُفْرِ وَالْعِنَادِ مَا اقْتَضَى طَرْدَهُ وَإِبْعَادَهُ عَنْ جَنَابِ الرَّحْمَةِ وَحَضْرَةِ الْقُدْسِ، قَالَ بَعْضُ الْمُعْرِبِينَ ﴿وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾: أَيْ وَصَارَ مِنَ الْكَافِرِينَ بِسَبَبِ امْتِنَاعِهِ، كَمَا قَالَ: ﴿فَكَانَ مِنَ المغرقين﴾، وقال: ﴿فَتَكُونَا من الظالمين﴾، وَقَالَ الشَّاعِرُ: بِتَيْهَاءَ قَفْرٌ وَالْمَطِيُّ كَأَنَّهَا * قَطَا الْحُزْنِ قَدْ كَانَتْ فِرَاخًا بُيُوضُهَا ⦗٥٤⦘ أَيْ قَدْ صَارَتْ، وَقَالَ ابْنُ فَوْرَكٍ تَقْدِيرُهُ: وَقَدْ كَانَ فِي عِلْمِ اللَّهِ مِنَ الْكَافِرِينَ، ورجَّحه الْقُرْطُبِيُّ، وذكر ههنا مَسْأَلَةً فَقَالَ، قَالَ عُلَمَاؤُنَا: مَنْ أَظْهَرَ اللَّهُ عَلَى يَدَيْهِ مِمَّنْ لَيْسَ بِنَبِيٍّ كَرَامَاتٍ وَخَوَارِقَ لِلْعَادَاتِ فَلَيْسَ ذَلِكَ دَالًّا عَلَى وِلَايَتِهِ خِلَافًا لبعض الصوفية والرافضة.

عَلَى يَدَيْهِ مِمَّنْ لَيْسَ بِنَبِيٍّ كَرَامَاتٍ وَخَوَارِقَ لِلْعَادَاتِ فَلَيْسَ ذَلِكَ دَالًّا عَلَى وِلَايَتِهِ خِلَافًا لبعض الصوفية والرافضة. قُلْتُ: وَقَدِ اسْتَدَلَّ بَعْضُهُمْ عَلَى أَنَّ الْخَارِقَ قَدْ يَكُونُ عَلَى يَدَيْ غَيْرِ الْوَلِيِّ، بَلْ قَدْ يَكُونُ عَلَى يَدِ الْفَاجِرِ وَالْكَافِرِ أَيْضًا بِمَا ثَبَتَ عَنِ ابْنِ صَيَّادٍ أَنَّهُ قَالَ: هُوَ الدُّخُّ، حِينَ خَبَّأَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ﴿فارتقب يوم تأت السمآء بِدُخَانٍ مُّبِينٍ﴾، وَبِمَا كَانَ يَصْدُرُ عَنْهُ، أَنَّهُ كَانَ يَمْلَأُ الطَّرِيقَ إِذَا غَضِبَ حَتَّى ضَرَبَهُ عَبْدُ اللَّهِ بن عمر، وبما تثبتت به الأحاديث الدَّجَّالِ بِمَا يَكُونُ عَلَى يَدَيْهِ مِنَ الْخَوَارِقِ الْكَثِيرَةِ، مِنْ أَنَّهُ يَأْمُرُ السَّمَاءَ أَنْ تُمْطِرَ فَتُمْطِرُ وَالْأَرْضَ أَنْ تُنْبِتَ فَتُنْبِتُ، وَتَتْبَعُهُ كُنُوزُ الْأَرْضِ مِثْلَ الْيَعَاسِيبِ وَأَنَّهُ يَقْتُلُ ذَلِكَ الشَّابَّ ثُمَّ يُحْيِيهِ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأُمُورِ المهولة. وكان اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ يَقُولُ: إِذَا رَأَيْتُمُ الرَّجُلَ يَمْشِي عَلَى الْمَاءِ وَيَطِيرُ فِي الْهَوَاءِ فَلَا تَغْتَرُّوا بِهِ حَتَّى تَعْرِضُوا أَمْرَهُ عَلَى الْكِتَابِ والسنّة.

  • ٤ - وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَآ أَنزَلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ

قَالَ ابْنُ عباس: يُصَدِّقُونَ بِمَا جِئْتَ بِهِ مِنَ اللَّهِ وَمَا جَاءَ بِهِ مَنْ قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ، لَا يُفَرِّقُونَ بَيْنَهُمْ وَلَا يَجْحَدُونَ مَا جَاءُوهُمْ بِهِ مِنْ رَبِّهِمْ ﴿وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ أَيْ بِالْبَعْثِ وَالْقِيَامَةِ، وَالْجَنَّةِ وَالنَّارِ، وَالْحِسَابِ وَالْمِيزَانِ، وَإِنَّمَا سُمِّيَتِ (الْآخِرَةُ) لِأَنَّهَا بَعْدَ الدُّنْيَا. وَقَدِ اخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ في الموصوفين هنا على ثلاثة أقوال حكاها ابن جرير: أحدها: أَنَّ الْمَوْصُوفِينَ أَوَّلًا هُمُ الْمَوْصُوفُونَ ثَانِيًا، وَهُمْ كُلُّ مؤمنٍ، مُؤْمِنُو الْعَرَبِ وَمُؤْمِنُو أَهْلِ الْكِتَابِ. والثاني: هم مُؤْمِنُو أَهْلِ الْكِتَابِ، وَعَلَى هَذَيْنِ تَكُونُ الْوَاوُ عَاطِفَةُ صفاتٍ عَلَى صِفَاتٍ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى. الَّذِي خَلَقَ فسوَّى والذي قدَّر فهدى﴾ فعطف الصفات بَعْضَهَا على بَعْضٍ. وَالثَّالِثُ: أَنَّ الْمَوْصُوفِينَ أَوَّلًا مُؤْمِنُو الْعَرَبِ، وَالْمَوْصُوفُونَ ثانياً بقوله: ﴿يُؤْمِنُونَ بِمَآ أَنزَلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ هم مؤمنو أهل الكتاب، واختاره ابن جرير ويستشهد بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْهِمْ﴾ وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِن قَبْلِهِ هُم بِهِ يُؤْمِنُونَ. وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّنَآ إنَّا كُنَّا مِن قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ﴾ وبما روي عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنه قَالَ: "ثَلَاثَةٌ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ: رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمَنَ بِنَبِيِّهِ وَآمَنَ بِي، وَرَجُلٌ مَمْلُوكٌ أَدَّى حقَّ اللَّهِ وحقَّ مَوَالِيهِ، وَرَجُلٌ أدّب جاريته

َّتَيْنِ: رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمَنَ بِنَبِيِّهِ وَآمَنَ بِي، وَرَجُلٌ مَمْلُوكٌ أَدَّى حقَّ اللَّهِ وحقَّ مَوَالِيهِ، وَرَجُلٌ أدّب جاريته

  • ٣٥ - وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظالمين
  • ٣٦ - فأزلهما الشيطان عنها فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إلى حِينٍ

يبين اللَّهُ تَعَالَى إِخْبَارًا عَمَّا أَكْرَمَ بِهِ آدَمَ، بَعْدَ أَنْ أَمَرَ الْمَلَائِكَةَ بِالسُّجُودِ لَهُ فَسَجَدُوا إِلَاّ إِبْلِيسَ إِنَّهُ أَبَاحَهُ الْجَنَّةَ يَسْكُنُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَآءُ وَيَأْكُلُ مِنْهَا مَا شَاءَ (رَغَداً) أي هنيئاً واسعاً، طيباً. وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي الْجَنَّةِ الَّتِي أُسْكِنَهَا آدَمُ هي في السماء أم في الأرض؟ فالأكثرون عَلَى الْأَوَّلِ، وَحَكَى الْقُرْطُبِيُّ عَنِ الْمُعْتَزِلَةِ وَالْقَدَرِيَّةِ الْقَوْلَ بِأَنَّهَا فِي الْأَرْضِ، وَسَيَأْتِي تَقْرِيرُ ذَلِكَ فِي سُورَةِ الْأَعْرَافِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، ويساق الْآيَةِ يَقْتَضِي أَنَّ حَوَّاءَ خُلِقَتْ قَبْلَ دُخُولِ آدم الجنة، ويقال: إن خلق حواء كان بعد دخول الجنة كما قال السدي في خبر ذكره عن ابن عباس وَعَنْ نَاسٍ مِنَ الصَّحَابَةِ "أُخْرِجُ إِبْلِيسُ مِنَ الْجَنَّةِ وَأُسْكِنَ آدَمُ الْجَنَّةَ، فَكَانَ يَمْشِي فِيهَا وحيداً لَيْسَ لَهُ زَوْجٌ يَسْكُنُ إِلَيْهِ، فَنَامَ نَوْمَةً فَاسْتَيْقَظَ وَعِنْدَ رَأْسِهِ امْرَأَةٌ قَاعِدَةٌ خَلَقَهَا اللَّهُ من ضلعه، فسألها: من أَنْتِ؟ قَالَتِ: امْرَأَةٌ، قَالَ: وَلِمَ خُلِقْتِ؟ قَالَتْ: لِتَسْكُنَ إِلَيَّ، قَالَتْ لَهُ الْمَلَائِكَةُ يَنْظُرُونَ مَا بَلَغَ مِنْ عِلْمِهِ: مَا اسْمُهَا يَا آدَمُ؟ قال: حواء، قالوا: ولمَ حَوَّاءَ؟ قَالَ: إِنَّهَا خُلِقَتْ مِنْ شَيْءٍ حَيٍّ".

لَائِكَةُ يَنْظُرُونَ مَا بَلَغَ مِنْ عِلْمِهِ: مَا اسْمُهَا يَا آدَمُ؟ قال: حواء، قالوا: ولمَ حَوَّاءَ؟ قَالَ: إِنَّهَا خُلِقَتْ مِنْ شَيْءٍ حَيٍّ". وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ فَهُوَ اخْتِبَارٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى وَامْتِحَانٌ لِآدَمَ. وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي هَذِهِ الشَّجَرَةِ مَا هِيَ؟ فَقَالَ السدي عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: الشَّجَرَةُ الَّتِي نُهِيَ عَنْهَا آدم ﵇ هِيَ الْكَرْمُ، وَتَزْعُمُ يَهُودُ أَنَّهَا الْحِنْطَةُ. وَقَالَ ابن جرير عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: الشَّجَرَةُ الَّتِي نُهِيَ عَنْهَا آدم ﵇ هي السنبلة، وقال ابن جرير بسنده: حَدَّثَنِي رَجُلٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ كَتَبَ إِلَى أَبِي الْجَلْدِ يَسْأَلُهُ عَنِ الشَّجَرَةِ الَّتِي أَكَلَ مِنْهَا آدَمُ، وَالشَّجَرَةِ الَّتِي تَابَ عِنْدَهَا آدَمُ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ أَبُو الْجَلْدِ: سَأَلْتَنِي عَنِ الشَّجَرَةِ الَّتِي نُهِيَ عَنْهَا آدَمُ وَهِيَ السُّنْبُلَةُ، وَسَأَلْتَنِي عَنِ الشَّجَرَةِ الَّتِي تَابَ ⦗٥٥⦘ عندها آدم وهي الزيتونة. وقال سفيان الثوري عَنْ أَبِي مَالِكٍ ﴿وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾: النَّخْلَةُ، وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجَاهِدٍ ﴿وَلَا تَقْرَبَا هذه الشجرة﴾: التينة.

ثوري عَنْ أَبِي مَالِكٍ ﴿وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾: النَّخْلَةُ، وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجَاهِدٍ ﴿وَلَا تَقْرَبَا هذه الشجرة﴾: التينة. قَالَ الْإِمَامُ الْعَلَّامَةُ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ ﵀: وَالصَّوَابُ فِي ذَلِكَ أَنْ يُقَالَ: أن الله ﷿ ثَنَاؤُهُ نَهَى آدَمَ وَزَوْجَتَهُ عَنْ أَكْلِ شَجَرَةٍ بِعَيْنِهَا مِنْ أَشْجَارِ الْجَنَّةِ دُونَ سَائِرِ أَشْجَارِهَا فَأَكَلًا مِنْهَا، وَلَا عِلْمَ عِنْدِنَا بِأَيِّ شَجَرَةٍ كَانَتْ عَلَى التَّعْيِينِ، لِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَضَعْ لِعِبَادِهِ دَلِيلًا عَلَى ذَلِكَ فِي الْقُرْآنِ وَلَا مِنَ السُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ وَقَدْ قِيلَ: كَانَتْ شَجَرَةَ الْبُرِّ، وَقِيلَ: كَانَتْ شَجَرَةَ الْعِنَبِ، وَقِيلَ: كَانَتْ شَجَرَةَ التِّينِ. وَجَائِزٌ أَنْ تَكُونَ وَاحِدَةً مِنْهَا وذلك عِلْمٌ إذا عُلِم لم يَنْفَعُ الْعَالِمَ بِهِ عِلْمُهُ، وَإِنْ جَهِلَه جَاهِلٌ لم يضره جهله به والله أعلم. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا﴾ يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ (عَنْهَا) عَائِدًا إِلَى الجنة، فيكون معنى الكلام فأزلهما أي فنحاهما، ويصح أين يَكُونَ عَائِدًا عَلَى أَقْرَبِ الْمَذْكُورِينَ وَهُوَ الشَّجَرَةُ فيكون معنى الكلام فأزلهما أي من قبل الزَّلَلِ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ تَقْدِيرُ الْكَلَامِ ﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا﴾ أَيْ بِسَبَبِهَا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أفك﴾ أَيْ يُصْرَفُ بِسَبَبِهِ مَنْ هُوَ مَأْفُوكٌ، وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ﴾ أَيْ مِنَ اللِّبَاسِ وَالْمَنْزِلِ الرَّحْبِ وَالرِّزْقِ الْهَنِيءِ وَالرَّاحَةِ ﴿وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾ أَيْ قَرَارٌ وَأَرْزَاقٌ وَآجَالٌ (إِلَى حِينٍ) أَيْ إِلَى وَقْتٍ مُؤَقَّتٍ وَمِقْدَارٍ مُعَيَّنٍ ثُمَّ تَقُومُ الْقِيَامَةُ، وَقَدْ ذَكَرَ الْمُفَسِّرُونَ مِنَ السَّلَفِ كَالسُّدِّيِّ بِأَسَانِيدِهِ،

ْ إِلَى وَقْتٍ مُؤَقَّتٍ وَمِقْدَارٍ مُعَيَّنٍ ثُمَّ تَقُومُ الْقِيَامَةُ، وَقَدْ ذَكَرَ الْمُفَسِّرُونَ مِنَ السَّلَفِ كَالسُّدِّيِّ بِأَسَانِيدِهِ، وَأَبِي العالية، ووهب بن منبه وغيرهم، ههنا أَخْبَارًا إِسْرَائِيلِيَّةً عَنْ قِصَّةِ الْحَيَّةِ وَإِبْلِيسَ، وَكَيْفَ جَرَى مِنْ دُخُولِ إِبْلِيسَ إِلَى الْجَنَّةِ وَوَسْوَسَتِهِ، وَسَنَبْسُطُ ذَلِكَ إِن شَآءَ اللَّهُ فِي سُورَةِ الأعراف فهناك القصة أبسط منها ههنا والله الموفق. فَإِنْ قِيلَ: فَإِذَا كَانَتْ جَنَّةُ آدَمَ الَّتِي أخرج منها فِي السَّمَاءِ كَمَا يَقُولُهُ الْجُمْهُورُ مِنَ الْعُلَمَاءِ فكيف تمكن إِبْلِيسُ مِنْ دُخُولِ الْجَنَّةِ وَقَدْ طُرِدَ مِنْ هنالك؟ وأجاب الجمهور بأجوبة، وأحدها أَنَّهُ مُنِعَ مِنْ دُخُولِ الْجَنَّةِ مُكَرَّمًا، فَأَمَّا على وجه السرقة وَالْإِهَانَةِ فَلَا يَمْتَنِعُ وَلِهَذَا قَالَ بَعْضُهُمْ - كَمَا فِي التَّوْرَاةِ - أَنَّهُ دَخَلَ فِي فَمِ الْحَيَّةِ إِلَى الْجَنَّةِ. وَقَدْ قَالَ بَعْضُهُمْ: يَحْتَمِلُ أَنَّهُ وَسْوَسَ لَهُمَا وَهُوَ خَارِجُ بَابِ الْجَنَّةِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَحْتَمِلُ أَنَّهُ وَسْوَسَ لَهُمَا وَهُوَ فِي الْأَرْضِ وَهُمَا فِي السَّمَاءِ. ذَكَرَهَا الزَّمَخْشَرِيُّ وَغَيْرُهُ. وقد أورد القرطبي ههنا أَحَادِيثَ فِي الْحَيَّاتِ وَقَتْلِهِنَّ، وَبَيَانِ حُكْمِ ذَلِكَ فأجاد وأفاد.

فأحسن تأديبها ثم أعتقها وتزوجها" (رواه الشيخان عن أبي موسى الأشعري). قلت: والظاهر قول مجاهد: أربع آيات من سورة البقرة في نعت المؤمنين، وآياتان فِي نَعْتِ الْكَافِرِينَ، وَثَلَاثَ عَشْرَةَ فِي الْمُنَافِقِينَ، فَهَذِهِ الْآيَاتُ الْأَرْبَعُ عَامَّةٌ فِي كُلِّ مُؤْمِنٍ اتَّصَفَ بِهَا مِنْ عَرَبِيٍّ وَعَجَمِيٍّ وَكِتَابِيٍّ، مِنْ إِنْسِيٍّ وَجِنِّيٍّ، وَلَيْسَ تَصِحُّ وَاحِدَةٌ مِنْ هَذِهِ الصِّفَاتِ بِدُونِ الأُخرى، بَلْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مُسْتَلْزِمَةٌ للأُخرى، وَشَرْطٌ مَعَهَا، فَلَا يَصِحُّ الْإِيمَانُ بِالْغَيْبِ إِلَّا مَعَ الْإِيمَانِ بِمَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ، وَمَا جَاءَ بِهِ مَنْ قَبْلَهُ مِنَ الرُّسُلِ، وَالْإِيقَانِ بِالْآخِرَةِ، كَمَا أَنَّ هَذَا لَا يَصِحُّ إلا بذاك، وقد أمر الله المؤمنين بذلك كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ آمِنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنزَلَ من قبل﴾ وقال تعالى: ﴿وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْنَا وأُنزل إِلَيْكُمْ وإلهنا وإلهكم وَاحِدٌ﴾ وَأَخْبَرَ تَعَالَى عَنِ الْمُؤْمِنِينَ كُلِّهِمْ بِذَلِكَ فَقَالَ: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ، كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ، لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ﴾ الْآيَةَ.

  • ٥ - أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ المفلحون

Bagian 3 dari 141