Mukhtashar Tafsir Ibnu Katsir

Ringkasan tafsir Ibnu Katsir, riwayat dan tafsir bil-ma’tsur.

Bagian 67 dari 141

— Bagian 67 · يَقُولُ تَعَالَى مَادِحًا لِلْقُرْآنِ الَّذِي أَ… —

Bagian 67

  • ٣١ - وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَل للَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا إِن لَّوْ يَشَآءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُواْ تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُواْ قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيباً مِّن دَارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ

يَقُولُ تَعَالَى مَادِحًا لِلْقُرْآنِ الَّذِي أَنْزَلَهُ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ وَمُفَضِّلًا لَهُ عَلَى سَائِرِ الْكُتُبِ الْمُنَزَّلَةِ قَبْلَهُ: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ﴾ أَيْ لَوْ كَانَ فِي الْكُتُبِ الْمَاضِيَةِ كِتَابٌ تَسِيرُ بِهِ الْجِبَالُ عَنْ أَمَاكِنِهَا، أَوْ تُقَطَّعُ بِهِ الْأَرْضُ وَتَنْشَقُّ أَوْ تُكَلَّمُ بِهِ الْمَوْتَى فِي قُبُورِهَا، لَكَانَ هَذَا الْقُرْآنُ هُوَ الْمُتَّصِفُ بِذَلِكَ دُونَ غَيْرِهِ، أَوْ بِطْرِيقِ الْأَوْلَى أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ، لِمَا فِيهِ مِنَ الْإِعْجَازِ الَّذِي لَا يسطتيع الإنسان وَالْجِنُّ عَنْ آخِرِهِمْ إِذَا اجْتَمَعُوا أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِهِ وَلَا بِسُورَةٍ مِنْ مَثَلِهِ، وَمَعَ هَذَا فَهَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ كَافِرُونَ بِهِ جَاحِدُونَ لَهُ، ﴿بَل للَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعاً﴾ أَيْ مَرْجِعُ الْأُمُورِ كُلِّهَا إلى الله ﷿ مَا شَاءَ كَانَ، وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يكن، وَقَدْ يُطْلَقُ اسْمُ الْقُرْآنِ عَلَى كُلٍّ مِنَ الكتب المتقدمة لأنه مشتق من الجمع، وفي الحديث الصحيح، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «خُفِّفَ عَلَى دَاوُدَ الْقُرْآنَ، فَكَانَ يَأْمُرُ بِدَابَّتِهِ أَنْ تُسْرَجَ، فَكَانَ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُسْرَجَ دَابَّتُهُ، وَكَانَ لَا يَأْكُلُ إِلَّا من عمل يديه» (أخرجه البخاري وأحمد عن أبي هريرة)، والمراد بالقرآن هو الزَّبُورُ، وَقَوْلُهُ:

ْلِ أَنْ تُسْرَجَ دَابَّتُهُ، وَكَانَ لَا يَأْكُلُ إِلَّا من عمل يديه» (أخرجه البخاري وأحمد عن أبي هريرة)، والمراد بالقرآن هو الزَّبُورُ، وَقَوْلُهُ: ﴿أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُواْ﴾ أَيْ مِنْ إِيمَانِ جَمِيعِ الْخَلْقِ وَيَعْلَمُوا أَوْ يَتَبَيَّنُوا ﴿أَن لَّوْ يَشَآءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعاً﴾ فَإِنَّهُ لَيْسَ ثَمَّ حُجَّةٌ وَلَا مُعْجِزَةٌ، أَبْلَغَ ولا أنجع في العقول والنفوس، مِنْ هَذَا الْقُرْآنِ الَّذِي لَوْ أَنْزَلَهُ اللَّهُ ﷿ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُّتَصَدِّعاً مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ، وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَا مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا وَقَدْ أُوتِيَ مَا آمَنَ عَلَى مَثَلِهِ الْبَشَرُ، وَإِنَّمَا كَانَ الَّذِي أُوتِيتُهُ وَحْيًا أَوْحَاهُ اللَّهُ إليَّ، فَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَكْثَرَهُمْ تَابِعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ» مَعْنَاهُ أَنَّ مُعْجِزَةَ كُلِّ نَبِيٍّ انْقَرَضَتْ بِمَوْتِهِ وَهَذَا الْقُرْآنُ حُجَّةٌ بَاقِيَةٌ عَلَى الْآبَادِ لَا تَنْقَضِي عَجَائِبُهُ، وَلَا يخلُق عَنْ كَثْرَةِ الرَّدِّ، وَلَا يَشْبَعُ مِنْهُ الْعُلَمَاءُ.

هَذَا الْقُرْآنُ حُجَّةٌ بَاقِيَةٌ عَلَى الْآبَادِ لَا تَنْقَضِي عَجَائِبُهُ، وَلَا يخلُق عَنْ كَثْرَةِ الرَّدِّ، وَلَا يَشْبَعُ مِنْهُ الْعُلَمَاءُ. وروي أن المشركين قَالُوا لِمُحَمَّدٍ ﷺ: لَوْ سَيَّرَتْ لَنَا جِبَالَ مَكَّةَ حَتَّى تَتَّسِعَ فَنَحْرُثَ فِيهَا، أَوْ قَطَعْتَ لَنَا الْأَرْضَ كَمَا كَانَ سُلَيْمَانُ يَقْطَعُ لِقَوْمِهِ بِالرِّيحِ، أَوْ أَحْيَيْتَ لَنَا الْمَوْتَى كَمَا كَانَ عِيسَى يُحْيِي الْمَوْتَى لِقَوْمِهِ، فأنزل الله هذه الآية: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الجبال﴾ (رواه ابن أبي حاتم، وبه قال ابن عباس والشعبي وقتادة وَغَيْرِ وَاحِدٍ فِي سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ). وَقَالَ قَتَادَةُ: لَوْ فُعِلَ هَذَا بِقُرْآنٍ غَيْرِ قرآنكم لفعل بِقُرْآنِكُمْ، وَقَوْلُهُ: ﴿بَل للَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعاً﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَيْ لَا يَصْنَعُ مِنْ ذَلِكَ إلا ما شاء ولم يكن ليفعل. وَقَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ فِي قَوْلِهِ: ﴿أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أَفَلَمْ يَعْلَمِ الَّذِينَ آمنوا، وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُواْ تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُواْ قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيباً مِّن دَارِهِمْ﴾ أَيْ بِسَبَبِ تَكْذِيبِهِمْ لَا تَزَالُ الْقَوَارِعُ تُصِيبُهُمْ فِي الدُّنْيَا أَوْ تُصِيبُ مَنْ حَوْلَهُمْ لِيَتَّعِظُوا ويعتبروا، كما قال تعالى: ﴿أَفَلَا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَآ أَفَهُمُ الغالبون﴾، قال الْحَسَنِ: ﴿أَوْ تَحُلُّ قَرِيباً مِّن دَارِهِمْ﴾: أَيْ القارعة، وهذا هو الظاهر من السياق، وَقَالَ الْعَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﴿تُصِيبُهُم بِمَا

صَنَعُواْ قَارِعَةٌ﴾ قَالَ: عَذَابٌ مِنَ السَّمَاءِ يَنْزِلُ عَلَيْهِمْ، ﴿أَوْ تَحُلُّ قَرِيباً مِّن دَارِهِمْ﴾ يَعْنِي نُزُولَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِهِمْ وقتاله إياهم؛ وقال عكرمة في رواية عنه ﴿قَارِعَةٌ﴾: أي نكبة، ﴿حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ﴾ يَعْنِي فَتْحَ مَكَّةَ، وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ أَيْ لَا يَنْقُضُ وَعْدَهُ لِرُسُلِهِ بِالنُّصْرَةِ لَهُمْ وَلِأَتْبَاعِهِمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ: ﴿فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ الله عَزِيزٌ ذُو انتقام﴾.

  • ٣٢ - وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ

يَقُولُ تعالى مسليا لرسوله ﷺ فِي تَكْذِيبِ مَنْ كَذَّبَهُ مَنْ قَوْمِهُ: ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ﴾ أَيْ فَلَكَ فِيهِمْ أُسْوَةٌ، ﴿فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ أَيْ أَنْظَرْتُهُمْ وَأَجَّلْتُهُمْ، ﴿ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ﴾ أَخْذَةً رَابِيَةً فَكَيْفَ بَلَغَكَ مَا صنعت بهم وكيف كان عقابي لهم؟ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾. وفي الصحيحين: «إِنَّ اللَّهَ لَيُمْلِي لِلظَّالِمِ حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ»، ثُمَّ قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾.

  • ٣٣ - أَفَمَنْ هُوَ قَآئِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَجَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَآءَ قُلْ سَمُّوهُمْ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ أَم بِظَاهِرٍ مِّنَ الْقَوْلِ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ

ضِ أَم بِظَاهِرٍ مِّنَ الْقَوْلِ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ

يَقُولُ تَعَالَى: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَآئِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ أَيْ حَفِيظٌ عَلِيمٌ رَقِيبٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ مَنْفُوسَةٍ يَعْلَمُ مَا يَعْمَلُ الْعَامِلُونَ مِنْ خَيْرٍ وشر ولا يخفى عليه خافية ﴿وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَاّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً إِذْ تُفِيضُونَ فيه﴾، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَاّ يَعْلَمُهَا﴾، وَقَالَ: ﴿سَوَآءٌ مِّنْكُمْ مَّنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ﴾، وقال: ﴿يَعْلَمُ السر وأخفى﴾، وَقَالَ: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تعلمون بصير﴾، أفمن هو كذلك كَالْأَصْنَامِ الَّتِي يَعْبُدُونَهَا لَا تَسْمَعُ وَلَا تُبْصِرُ ولا تعقل ولا تكشف ضراً عَنْهَا وَلَا عَنْ عَابِدِيهَا؟ وَحَذَفَ هَذَا الْجَوَابَ اكْتِفَاءً بِدَلَالَةِ السِّيَاقِ عَلَيْهِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿وَجَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَآءَ﴾ أَيْ عَبَدُوهَا مَعَهُ مِنْ أَصْنَامٍ وَأَنْدَادٍ وَأَوْثَانٍ، ﴿قُلْ سَمُّوهُمْ﴾ أَيْ أَعْلِمُونَا بِهِمْ وَاكْشِفُوا عَنْهُمْ حَتَّى يُعْرَفُوا فَإِنَّهُمْ لَا حَقِيقَةَ لَهُمْ، وَلِهَذَا قَالَ: ﴿أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ﴾ أَيْ لَا وُجُودَ لَهُ، لأنه لو كان لها وُجُودٌ فِي الْأَرْضِ لَعَلِمَهَا، لِأَنَّهُ لَا تَخْفَى عَلَيْهِ خَافِيَةٌ ﴿أَم بِظَاهِرٍ مِّنَ الْقَوْلِ﴾، قَالَ مُجَاهِدٌ: بظنٍّ مِنَ الْقَوْلِ، وَقَالَ الضَّحَّاكُ وَقَتَادَةُ: بِبَاطِلٍ مِنَ الْقَوْلِ، أَيْ إِنَّمَا عَبَدْتُمْ هَذِهِ الْأَصْنَامَ بِظَنٍّ مِنْكُمْ أَنَّهَا تَنْفَعُ وَتَضُرُّ وَسَمَّيْتُمُوهَا آلِهَةً، ﴿إِنْ هِيَ إِلَاّ أَسْمَآءٌ سَمَّيْتُمُوهَآ أَنتُمْ وَآبَآؤُكُم مَّآ أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ﴾،

ْفَعُ وَتَضُرُّ وَسَمَّيْتُمُوهَا آلِهَةً، ﴿إِنْ هِيَ إِلَاّ أَسْمَآءٌ سَمَّيْتُمُوهَآ أَنتُمْ وَآبَآؤُكُم مَّآ أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ﴾، ﴿بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ مَكْرُهُمْ﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: قَوْلُهُمْ أَيْ مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنَ الضَّلَالِ والدعوة إليه آناء الليل وأطراف النهار، كقوله تعالى: ﴿وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَآءَ فزينوا لهم﴾ الآية، ﴿وصدوا عَنِ السبيل﴾ أَيْ بِمَا زُيِّنَ لَهُمْ مِنْ صِحَّةِ مَا هُمْ عَلَيْهِ صُدُّوا بِهِ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَمَنِ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾، كَمَا قَالَ: ﴿وَمَن يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾، وَقَالَ: ﴿إِن تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَن يُضِلُّ وَمَا لَهُمْ مِّن نَّاصِرِينَ﴾.

  • ٣٤ - لَّهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَقُّ وَمَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِن وَاقٍ
  • ٣٥ - مَّثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ أُكُلُهَا دَآئِمٌ وِظِلُّهَا تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا وَّعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ

ذَكَرَ تَعَالَى عِقَابَ الْكُفَّارِ وَثَوَابَ الْأَبْرَارِ، فَقَالَ بَعْدَ إِخْبَارِهِ عَنْ حَالِ الْمُشْرِكِينَ وَمَا هُمْ عَلَيْهِ مِنَ الْكُفْرِ وَالشِّرْكِ: ﴿لَّهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ أَيْ بِأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ قَتْلًا وَأَسْرًا، ﴿وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ﴾ أي المدخر مَعَ هَذَا الْخِزْيِ فِي الدُّنْيَا ﴿أَشَقُّ﴾ أَيْ مِنْ هَذَا بِكَثِيرٍ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْمُتَلَاعِنِينَ: «إِنَّ عَذَابَ الدُّنْيَا أَهْوَنُ مِنْ عَذَابِ الْآخِرَةِ»، وَهُوَ كَمَا قَالَ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ: فَإِنَّ عَذَابَ الدُّنْيَا لَهُ انْقِضَاءٌ، وَذَاكَ دَائِمٌ أَبَدًا فِي نَارٍ هِيَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى هَذِهِ سَبْعُونَ ضِعْفًا، وَوِثَاقٌ لَا يُتَصَوَّرُ كَثَافَتُهُ وَشِدَّتُهُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَاّ يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ﴾، وقال تعالى: ﴿وَأَعْتَدْنَا لِمَن كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيراً * إِذَا رَأَتْهُمْ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُواْ لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا﴾ ولهذا قرن هذا بقوله: ﴿مَّثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ﴾ أَيْ صِفَتُهَا وَنَعْتُهَا ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ أَيْ سَارِحَةٌ فِي أَرْجَائِهَا وَجَوَانِبِهَا، وَحَيْثُ شَاءَ أَهْلُهَا يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيراً، أَيْ يَصْرِفُونَهَا كَيْفَ شَاءُوا وَأَيْنَ شَاءُوا، كقوله: ﴿مَّثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَآ أَنْهَارٌ مِّن مَّآءٍ غير آسن﴾ الآية، وقوله: ﴿أُكُلُهَا دَآئِمٌ وِظِلُّهَا﴾ أي فيها الفواكه والمطاعم والمشارب لا انقطاع وَلَا فَنَاءَ.

َّقُونَ فِيهَآ أَنْهَارٌ مِّن مَّآءٍ غير آسن﴾ الآية، وقوله: ﴿أُكُلُهَا دَآئِمٌ وِظِلُّهَا﴾ أي فيها الفواكه والمطاعم والمشارب لا انقطاع وَلَا فَنَاءَ. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي صَلَاةِ الْكُسُوفِ، وَفِيهِ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ رَأَيْنَاكَ تَنَاوَلْتَ شَيْئًا فِي مَقَامِكَ هَذَا ثُمَّ رَأَيْنَاكَ تَكَعْكَعْتَ، فَقَالَ: «إِنِّي رَأَيْتُ الْجَنَّةَ - أَوْ أُرِيتُ الْجَنَّةَ - فَتَنَاوَلْتُ مِنْهَا عُنْقُودًا، وَلَوْ أَخَذْتُهُ لَأَكَلْتُمْ مِنْهُ مَا بَقِيَتِ الدُّنْيَا». وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو يعلى، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ فِي صَلَاةِ الظُّهْرِ، إِذْ تَقَدَّمُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَتَقَدَّمْنَا، ثُمَّ تَنَاوَلَ شَيْئًا لِيَأْخُذَهُ ثُمَّ تَأَخَّرَ، فَلَمَّا قَضَى الصَّلَاةَ قَالَ لَهُ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ صَنَعْتَ الْيَوْمَ فِي الصَّلَاةِ شَيْئًا مَا رَأَيْنَاكَ كُنْتَ تَصْنَعُهُ، فَقَالَ: «إِنِّي عُرِضَتْ عليَّ الْجَنَّةُ وَمَا فيها من زهرة وَالنَّضْرَةِ، فَتَنَاوَلْتُ مِنْهَا قِطْفًا مِنْ عِنَبٍ لِآتِيَكُمْ بِهِ فَحِيلَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ، وَلَوْ أَتَيْتُكُمْ بِهِ لَأَكَلَ مِنْهُ مِنْ بَيْنِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا ينقصونه». وروى الإمام أحمد والنسائي عن زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ فَقَالَ: يَا أَبَا الْقَاسِمِ، تَزْعُمُ أَنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ يَأْكُلُونَ وَيَشْرَبُونَ؟ قَالَ: «نَعَمْ، والذي نفس محمد بيده إن الرجل منهم لَيُعْطَى قُوَّةَ مِائَةِ رَجُلٍ فِي الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ والجماع والشهوة»، قال: إن الَّذِي يَأْكُلُ وَيَشْرَبُ تَكُونُ لَهُ الْحَاجَةُ وَلَيْسَ في الجنة الأذى، قال: «تكون حاجة أحدهم رشحاً يَفِيضُ مِنْ جُلُودِهِمْ كَرِيحِ الْمِسْكِ فَيَضْمُرُ بَطْنُهُ»، وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ، قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ

فِيضُ مِنْ جُلُودِهِمْ كَرِيحِ الْمِسْكِ فَيَضْمُرُ بَطْنُهُ»، وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ، قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّكَ لَتَنْظُرُ إِلَى الطَّيْرِ فِي الْجَنَّةِ فَيَخِرُّ بَيْنَ يَدَيْكَ مَشْوِيًّا»، وَجَاءَ فِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ أَنَّهُ إِذَا فَرَغَ مِنْهُ عَادَ طَائِرًا كَمَا كَانَ بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى، وَقَدْ قال الله تَعَالَى: ﴿وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ لَاّ مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ﴾، وَقَالَ: ﴿وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلَالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا﴾، وَكَذَلِكَ ظِلُّهَا لَا يَزُولُ وَلَا يَقْلِصُ كَمَا قال الله تعالى: ﴿لَّهُمْ فِيهَآ أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلاًّ ظَلِيلاً﴾. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّ فِي الْجَنَّةِ شَجَرَةً يَسِيرُ الرَّاكِبُ الْمُجِدُّ الْجَوَادَ الْمُضَمَّرَ السَّرِيعَ فِي ظِلِّهَا مِائَةَ عَامٍ لَا يَقْطَعُهَا» ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ﴾ وَكَثِيرًا مَا يُقْرِنُ اللَّهُ تَعَالَى بَيْنَ صِفَةِ الْجَنَّةِ وَصِفَةِ النَّارِ لِيُرَغِّبَ فِي الْجَنَّةِ وَيُحَذِّرَ مِنَ النَّارِ؛ وَلِهَذَا لَمَّا ذَكَرَ صِفَةَ الْجَنَّةِ

بِمَا ذَكَرَ قَالَ بَعْدَهُ: ﴿تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا وَّعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ﴾، كما قال الله تَعَالَى: ﴿لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ، أَصْحَابُ الجنة هُمْ الفائزون﴾.

  • ٣٦ - وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمِنَ الْأَحْزَابِ مَن يُنْكِرُ بَعْضَهُ قُلْ إِنَّمَآ أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلَا أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُو وَإِلَيْهِ مَآبِ
  • ٣٧ - وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَاهُ حُكْماً عربيا وَلَئِنِ اتبعت أَهْوَاءَهُم بَعْدِ مَا جَآءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا وَاقٍ

يَقُولُ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ﴾ وَهُمْ قَائِمُونَ بِمُقْتَضَاهُ ﴿يَفْرَحُونَ بِمَآ أَنزَلَ إِلَيْكَ﴾ أَيْ مِنَ الْقُرْآنِ لِمَا فِي كتبهم من الشواهد على صدقه والبشارة، كما قال تَعَالَى: ﴿قُلْ آمِنُواْ بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا - إلى قوله - إِن كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لمفعولا﴾ أَيْ إِنْ كَانَ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ بِهِ فِي كُتُبِنَا مِنْ إِرْسَالِ مُحَمَّدٍ ﷺ لَحَقًّا وَصِدْقًا مَفْعُولًا لَا مَحَالَةَ وكائناً وَقَوْلُهُ: ﴿وَمِنَ الْأَحْزَابِ مَن يُنكِرُ بَعْضَهُ﴾ أَيْ ومن الطوائف من يكذب بَعْضِ مَآ أَنزَلَ إِلَيْكَ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ ﴿وَمِنَ الْأَحْزَابِ﴾: أي اليهود والنصارى ﴿مَن يُنكِرُ بَعْضَهُ﴾ أي بعض مَا جَآءَكَ مِنَ الحق، وَهَذَا كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِن مِّن أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾ الآية، ﴿قُلْ إِنَّمَآ أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلَا أُشْرِكَ بِهِ﴾، أَيْ إِنَّمَا بُعِثْتُ بِعِبَادَةِ اللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، كَمَا أُرْسِلَ الْأَنْبِيَاءُ مِنْ قَبْلِي، ﴿إِلَيْهِ أَدْعُو﴾ أَيْ إِلَى سَبِيلِهِ أَدْعُو النَّاسَ، ﴿وَإِلَيْهِ مَآبِ﴾ أَيْ مَرْجِعِي وَمَصِيرِي، وَقَوْلُهُ: ﴿وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَاهُ حُكْماً عَرَبِيّاً﴾ أَيْ وَكَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ الْمُرْسَلِينَ وأَنْزَلْنَا عَلَيْهِمُ الْكُتُبَ مِنَ السَّمَاءِ،

ُهُ: ﴿وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَاهُ حُكْماً عَرَبِيّاً﴾ أَيْ وَكَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ الْمُرْسَلِينَ وأَنْزَلْنَا عَلَيْهِمُ الْكُتُبَ مِنَ السَّمَاءِ، كَذَلِكَ أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ مُحْكَمًا مُعْرَبًا شَرَّفْنَاكَ بِهِ وَفَضَّلْنَاكَ عَلَى مَنْ سِوَاكَ بِهَذَا الْكِتَابِ الْمُبِينِ الْوَاضِحِ الْجَلِيِّ، الَّذِي ﴿لَاّ يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾. وقوله: ﴿وَلَئِنِ اتبعت أَهْوَاءَهُم﴾ أي آراءهم ﴿بَعْدِ مَا جَآءَكَ مِنَ العلم﴾ أي من الله سبحانه، ﴿مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا وَاقٍ﴾، وَهَذَا وَعِيدٌ لِأَهْلِ الْعِلْمِ أَنْ يَتَّبِعُوا سُبُلَ أهل الضلالة بعد ما صَارُوا إِلَيْهِ مَنْ سُلُوكِ السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ، وَالْمَحَجَّةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ عَلَى مَنْ جَاءَ بِهَا أَفْضَلُ الصَّلَاةِ والسلام.

  • ٣٨ - وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَاّ بِإِذْنِ اللَّهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ
  • ٣٩ - يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَآءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ

رَسُولٍ أَن يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَاّ بِإِذْنِ اللَّهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ

  • ٣٩ - يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَآءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ

يَقُولُ تَعَالَى: وَكَمَا أَرْسَلْنَاكَ يَا مُحَمَّدُ رسولاً بشرياً، كذلك قد بعثنا المرسلين من قَبْلَكَ بَشَرًا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ، وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ، وَيَأْتُونَ الزَّوْجَاتِ، وَيُولَدُ لَهُمْ، وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وذرية، وقد قال تَعَالَى لِأَشْرَفِ الرُّسُلِ وَخَاتَمِهِمْ: ﴿قُلْ إِنَّمَآ أَنَاْ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ﴾، وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «أَمَّا أَنَا فَأَصُومُ وَأُفْطِرُ وأقوم وأنام، وَآكُلُ اللَّحْمَ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مني». وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَاّ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ أَيْ لَمْ يَكُنْ يَأْتِي قَوْمَهُ بِخَارِقٍ، إِلَّا إِذَا أُذِنَ لَهُ فِيهِ، لَيْسَ ذَلِكَ إِلَيْهِ بَلْ إِلَى اللَّهِ ﷿، يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ وَيَحْكُمُ مَا يُرِيدُ، ﴿لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ﴾ أَيْ لِكُلِّ مُدَّةٍ مَضْرُوبَةٍ كِتَابٌ مَكْتُوبٌ بِهَا وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ

َفْعَلُ مَا يَشَاءُ وَيَحْكُمُ مَا يُرِيدُ، ﴿لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ﴾ أَيْ لِكُلِّ مُدَّةٍ مَضْرُوبَةٍ كِتَابٌ مَكْتُوبٌ بِهَا وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ

بِمِقْدَارٍ، ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السموات وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى الله يسير﴾. وكان الضحاك يقول: ﴿لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ﴾: أَيْ لِكُلِّ كِتَابٍ أَجَلٌ، يعني لكل كتاب أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مُدَّةٌ مَضْرُوبَةٌ عِنْدَ اللَّهِ وَمِقْدَارٌ معين، فلهذا ﴿يمحو الله مَا يَشَآءُ﴾ مِنْهَا ﴿وَيُثْبِتُ﴾ يَعْنِي حَتَّى نُسِخَتْ كُلُّهَا بِالْقُرْآنِ الَّذِي أَنْزَلَهُ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ، وَقَوْلُهُ: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَآءُ وَيُثْبِتُ﴾ اخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ فِي ذَلِكَ: فقال الثوري، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: يُدَبِّرُ أَمْرَ السَّنَةِ، فَيَمْحُو الله مَا يَشَآءُ، إِلَّا الشَّقَاءَ وَالسَّعَادَةَ وَالْحَيَاةَ وَالْمَوْتَ. وفي رواية ﴿يمحو الله وَيُثْبِتُ﴾ قال: كل شيء إلا الموت والحياة، والشقاء والسعادة، فإنه قد فرغ منهما (وهذا قول مجاهد أيضاً حيث قال: إلا الحياة والموت والشقاوة وَالسَّعَادَةَ فَإِنَّهُمَا لَا يَتَغَيَّرَانِ﴾، وَقَالَ مَنْصُورٌ: سَأَلْتُ مُجَاهِدًا فَقُلْتُ: أَرَأَيْتَ دُعَاءَ أَحَدِنَا، يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِن كَانَ اسْمِي فِي السُّعَدَاءِ فَأَثْبِتْهُ فِيهِمْ، وَإِنْ كَانَ فِي الْأَشْقِيَاءِ فَامْحُهُ عَنْهُمْ، وَاجْعَلْهُ فِي السُّعَدَاءِ، فَقَالَ: حَسَنٌ؛ ثُمَّ لَقِيتُهُ بَعْدَ ذَلِكَ بِحَوْلٍ أَوْ أَكْثَرَ فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ، فقال: ﴿إِنَّآ أَنزَلْنَاهُ فِي ليلة مباركة﴾ الآيتين، قَالَ: يَقْضِي فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ مَا يَكُونُ في السنة من رزق أو معصية، ثُمَّ يُقَدِّمُ مَا يَشَاءُ وَيُؤَخِّرُ مَا يَشَاءُ، فأما كتاب السعادة والشقاء فَهُوَ ثَابِتٌ لَا يُغَيَّرُ، وَقَالَ الْأَعْمَشُ عَنْ أبي وائل: إنه كان كثيراً يَدْعُوَ بِهَذَا الدُّعَاءِ: اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ كَتَبْتَنَا أَشْقِيَاءَ

ثَابِتٌ لَا يُغَيَّرُ، وَقَالَ الْأَعْمَشُ عَنْ أبي وائل: إنه كان كثيراً يَدْعُوَ بِهَذَا الدُّعَاءِ: اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ كَتَبْتَنَا أَشْقِيَاءَ فَامْحُهُ، وَاكْتُبْنَا سُعَدَاءَ، وَإِنْ كُنْتَ كَتَبْتَنَا سُعَدَاءَ فَأَثْبِتْنَا، فَإِنَّكَ تَمْحُو مَا تَشَاءُ وَتُثْبِتُ وعندك أم الكتاب (أخرجه ابن جرير)، وقال ابن جرير، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ قَالَ وَهُوَ يَطُوفُ بالبيت ويبكي: اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ كَتَبْتَ عليَّ شِقْوَةً أَوْ ذَنْبًا فَامْحُهُ، فَإِنَّكَ تَمْحُو مَا تَشَاءُ وَتُثْبِتُ وعندك أم الكتاب، فاجعله سعادة ومغفرة. وَمَعْنَى هَذِهِ الْأَقْوَالِ أَنَّ الْأَقْدَارَ يَنْسَخُ اللَّهُ مَا يَشَآءُ مِنْهَا وَيُثْبِتُ مِنْهَا مَا يَشَاءُ، وَقَدْ يُسْتَأْنَسُ لِهَذَا الْقَوْلِ بِمَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أحمد، عَنْ ثَوْبَانَ قَالَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ الرَّجُلَ لَيُحْرَمُ الرِّزْقَ بِالذَّنْبِ يُصِيبُهُ، وَلَا يَرُدُّ الْقَدَرَ إِلَّا الدُّعَاءُ، وَلَا يَزِيدُ فِي الْعُمْرِ إِلَّا البر» (رواه أحمد والنسائي وابن ماجه) وثبت في الصحيح أن صلة الرحم يزيد في العمر، وفي حديث آخر: «إِنَّ الدُّعَاءَ وَالْقَضَاءَ لَيَعْتَلِجَانِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ». وقال الكلبي: يمحو الرِّزْقِ وَيَزِيدُ فِيهِ، وَيَمْحُو مِنَ الْأَجَلِ وَيَزِيدُ فيه، وَقَالَ الْعَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: هُوَ الرَّجُلُ يعمل بِطَاعَةِ اللَّهِ، ثُمَّ يَعُودُ لِمَعْصِيَةِ اللَّهِ فَيَمُوتُ عَلَى ضَلَالَةٍ، فَهُوَ الَّذِي يَمْحُو؛ وَالَّذِي يُثْبِتُ الرجل يعمل بمعصية وَقَدْ كَانَ سَبَقَ لَهُ خَيْرٌ حَتَّى يَمُوتَ وَهُوَ فِي طَاعَةِ اللَّهِ وَهُوَ الَّذِي يُثْبِتُ.

ّذِي يَمْحُو؛ وَالَّذِي يُثْبِتُ الرجل يعمل بمعصية وَقَدْ كَانَ سَبَقَ لَهُ خَيْرٌ حَتَّى يَمُوتَ وَهُوَ فِي طَاعَةِ اللَّهِ وَهُوَ الَّذِي يُثْبِتُ. وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَآءُ وَيُثْبِتُ﴾ يَقُولُ: يُبَدِّلُ مَا يَشَاءُ فَيَنْسَخُهُ، وَيُثْبِتُ مَا يَشَاءُ فلا يبدله ﴿وَعِندَهُ أُمُّ الكتاب﴾، وَجُمْلَةُ ذَلِكَ عِنْدَهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ النَّاسِخُ وَمَا يُبَدِّلُ وَمَا يُثْبِتُ كُلُّ ذَلِكَ فِي كتاب، وقال مجاهد: قالت كفار قريش لما نزلت ﴿وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَاّ بِإِذْنِ الله﴾: ما نرى محمداً يملك شيئاً وقد فُرِغَ مِنَ الْأَمْرِ، فَأُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ تَخْوِيفًا وَوَعِيدًا لَهُمْ: إِنَّا إِنْ شِئْنَا أَحْدَثْنَا لَهُ مِّنْ أَمْرِنَا مَا شِئْنَا، وَنُحْدِثُ فِي كُلِّ رمضان، فيمحو مَا يَشَآءُ وَيُثْبِتُ ما يشاء من أرزاق الناس ومصائبهم وما يعطيهم وما يقسم لَهُمْ. وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَآءُ وَيُثْبِتُ﴾ قال: مَن جَآءَ أجله يذهب وَيُثْبِتُ الَّذِي هُوَ حَيٌّ يَجْرِي إِلَى

أَجْلِهِ، وَقَدِ اخْتَارَ هَذَا الْقَوْلَ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ ﵀، وَقَوْلُهُ: ﴿وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ قَالَ: الْحَلَالُ وَالْحَرَامُ، وَقَالَ قَتَادَةُ: أَيْ جملة الكتاب وأصله، وقال ابن جريج عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ قَالَ: الذكر.

  • ٤٠ - وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ
  • ٤١ - أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ

يقول تعالى لرسوله: ﴿وإما نُرِيَنَّكَ﴾ يا محمد بعض الذي نَعِدُ أَعْدَاءَكَ مِنَ الْخِزْيِ وَالنَّكَالِ فِي الدُّنْيَا، ﴿أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ﴾ أَيْ قَبْلَ ذَلِكَ ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ﴾ أَيْ إِنَّمَا أَرْسَلْنَاكَ لِتُبَلِّغَهُمْ رِسَالَةَ اللَّهِ وقد فعلت مَا أُمِرْتَ بِهِ ﴿وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ﴾ أَيْ حِسَابُهُمْ وجزاؤهم كقوله تعالى: ﴿إِنَّ إِلَيْنَآ إِيَابَهُمْ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾. وَقَوْلُهُ: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَآ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَوْ لَمْ يروا أنا نفتح لمحمد ﷺ الأرض بعد الأرض، وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَعِكْرِمَةُ: نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَآ﴾ قَالَ: خَرَابُهَا، وَقَالَ الْحُسْنُ وَالضَّحَّاكُ: هُوَ ظُهُورُ الْمُسْلِمِينَ على المشركين، وقال نُقْصَانُ الْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَخَرَابُ الْأَرْضِ، وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: لو كانت الأرض تنتقص لضاق عليك حشك (الحُشّ والحِش: البستان، قال في القاموس: الحُشُّ مثلثة: المخرج لأنهم كانوا يقضون حوائجهم في البساتين)، ولكن تنقص الأنفس والثمرات، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي رِوَايَةٍ: خَرَابُهَا بِمَوْتِ علمائها وفقهائها وَأَهْلِ الْخَيْرِ مِنْهَا. وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ أَيْضًا: هو موت العلماء، وأنشد أحمد بن نمزال: الْأَرْضُ تَحْيَا إِذَا مَا عَاشَ عَالِمُهَا * مَتَى يَمُتْ عَالِمٌ مِنْهَا يَمُتْ طَرَفُ

الَ مُجَاهِدٌ أَيْضًا: هو موت العلماء، وأنشد أحمد بن نمزال: الْأَرْضُ تَحْيَا إِذَا مَا عَاشَ عَالِمُهَا * مَتَى يَمُتْ عَالِمٌ مِنْهَا يَمُتْ طَرَفُ كَالْأَرْضِ تَحْيَا إِذَا مَا الْغَيْثُ حلَّ بِهَا * وَإِنْ أَبَى عَادَ فِي أَكْنَافِهَا التَّلَفُ وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَوْلَى، وَهُوَ ظُهُورُ الْإِسْلَامِ عَلَى الشِّرْكِ قَرْيَةً بَعْدَ قرية، كقوله: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِّنَ القرى﴾ الآية، وهذا اختيار ابن جرير.

  • ٤٢ - وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعًا يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ وَسَيَعْلَمُ الكفار لِمَنْ عقبى الدار

يقول تعالى: ﴿وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ بِرُسُلِهِمْ وَأَرَادُوا إخراجهم من بلادهم فمكر الله بهم جعل العاقبة للمتقين كقوله: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الذين كفروا﴾ الآية، وقوله تَعَالَى: ﴿وَمَكَرُواْ مَكْراً وَمَكَرْنَا مَكْراً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ وَقَوْلُهُ: ﴿يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ﴾ أَيْ إِنَّهُ تَعَالَى عَالِمٌ بِجَمِيعِ السَّرَائِرِ وَالضَّمَائِرِ وَسَيَجْزِي كل عامل بعمله، ﴿وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ﴾ أَيْ لِمَنْ تَكُونُ الدَّائِرَةُ وَالْعَاقِبَةُ لَهُمْ أَوْ لِأَتْبَاعِ الرُّسُلِ، كَلَّا، بَلْ هِيَ لِأَتْبَاعِ الرُّسُلِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ.

  • ٤٣ - وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الكتاب

وَالْمِنَّةُ.

  • ٤٣ - وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الكتاب

يقول تعالى: يكذبك هَؤُلَاءِ الْكُفَّارُ وَيَقُولُونَ: ﴿لَسْتَ مُرْسَلاً﴾ أَيْ مَا أَرْسَلَكَ اللَّهُ، ﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً ⦗٢٨٨⦘ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ أي حسبي الله هو الشَّاهِدُ عَلَيَّ وَعَلَيْكُمْ، شَاهِدٌ عَلَيَّ فِيمَا بَلَّغْتُ عَنْهُ مِنَ الرِّسَالَةِ، وَشَاهِدٌ عَلَيْكُمْ أَيُّهَا الْمُكَذِّبُونَ فِيمَا تَفْتَرُونَهُ مِنَ الْبُهْتَانِ، وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾ قِيلَ نَزَلَتْ فِي عَبْدِ اللَّهِ بن سلام، وهذ الْقَوْلُ غَرِيبٌ، لِأَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ مَكِّيَّةٌ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلَامٍ إِنَّمَا أَسْلَمُ فِي أَوَّلَ مَقْدَمِ النَّبِيِّ ﷺ الْمَدِينَةَ، وَالْأَظْهَرُ فِي هذا ما قاله ابن عباس: هم من اليهود والنصارى، وهو يَشْمَلُ عُلَمَاءَ أَهْلِ الْكِتَابِ الَّذِينَ يَجِدُونَ صِفَةَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَعْتَهُ فِي كُتُبِهِمُ الْمُتَقَدِّمَةِ مِنْ بِشَارَاتِ الْأَنْبِيَاءِ بِهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الذين يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ﴾ الْآيَةَ، وقال تعالى: ﴿أَوَ لَمْ يَكُن لَّهُمْ آيَةً أَن يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إسرائيل﴾، وَأَمْثَالَ ذَلِكَ مِمَّا فِيهِ الْإِخْبَارِ عَنْ عُلَمَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُمْ يَعْلَمُونَ ذَلِكَ مِنْ كُتُبِهِمُ المنزلة.

  • ١٤ - سورة إبراهيم

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.

  • ١ - الر كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ
  • ٢ - اللَّهِ الَّذِي لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَوَيْلٌ لِّلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ
  • ٣ - الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجاً أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ

قَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى الْحُرُوفِ الْمُقَطَّعَةِ فِي أَوَائِلِ السُّورِ. ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ﴾ أَيْ هَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ يَا مُحَمَّدُ، وَهُوَ (الْقُرْآنُ الْعَظِيمُ) الَّذِي هُوَ أَشْرَفُ كِتَابٍ أَنْزَلَهُ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ، عَلَى أَشْرَفِ رَسُولٍ بَعَثَهُ اللَّهُ فِي الْأَرْضِ، إِلَى جَمِيعِ أَهْلِهَا عَرِبِهِمْ وَعَجَمِهِمْ، ﴿لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ أَيْ إِنَّمَا بَعَثْنَاكَ يَا مُحَمَّدُ بِهَذَا الْكِتَابِ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِمَّا هُمْ فِيهِ مِنَ الضَّلَالِ والغي، إلى الهدى والرشد، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿هُوَ الذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِّيُخْرِجَكُمْ مِّنَ الظُّلَمَاتِ إِلَى النور﴾ الآية، وقال تعالى: ﴿بِإِذْنِ رَبِّهِمْ﴾ أَيْ هُوَ الْهَادِي لِمَنْ قَدَّرَ لَهُ الْهِدَايَةَ عَلَى يَدَيْ رَسُولِهِ الْمَبْعُوثِ عَنْ أَمْرِهِ، يُهْدِيهِمْ ﴿إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ﴾ أَيِ الْعَزِيزِ الَّذِي لَا يُمَانَعُ وَلَا يُغَالَبُ بَلْ هُوَ الْقَاهِرُ لِكُلِّ مَا سِوَاهُ، ﴿الْحَمِيدُ﴾ أَيِ الْمَحْمُودُ فِي جَمِيعِ أَفْعَالِهِ وَأَقْوَالِهِ وشرعته وأمره ونهيه، الصادق في خبره، ﴿اللَّهِ الَّذِي لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرض﴾ بالجر على الاتباع صفة للجلالة، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً الَّذِي لَهُ مُلْكُ السموات والأرض﴾ الآية.

ع صفة للجلالة، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً الَّذِي لَهُ مُلْكُ السموات والأرض﴾ الآية. وَقَوْلُهُ: ﴿وَوَيْلٌ لِّلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ أَيْ وَيْلٌ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِذْ خَالَفُوكَ يَا مُحَمَّدُ وَكَذَّبُوكَ، ثُمَّ وَصَفَهُمْ بِأَنَّهُمْ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ، أَيْ يُقَدِّمُونَهَا وَيُؤْثِرُونَهَا عَلَيْهَا وَيَعْمَلُونَ لِلدُّنْيَا، وَنَسُوا الْآخِرَةَ وَتَرَكُوهَا وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ. ﴿وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ وَهِيَ اتِّبَاعُ الرُّسُلِ، ﴿وَيَبْغُونَهَا عِوَجاً﴾ أَيْ وَيُحِبُّونَ أَنْ تَكُونَ سَبِيلُ اللَّهِ عِوَجًا مَائِلَةً عَائِلَةً، وَهِيَ مُسْتَقِيمَةٌ فِي نَفْسِهَا، لَا يَضُرُّهَا مَنْ خَالَفَهَا وَلَا مَنْ خَذَلَهَا، فَهُمْ فِي ابْتِغَائِهِمْ ذَلِكَ فِي جَهْلٍ وَضَلَالٍ بَعِيدٍ مِنَ الْحَقِّ لَا يُرْجَى لَهُمْ وَالْحَالَةُ هَذِهِ صَلَاحٌ.

  • ٤ - وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَاّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ⦗٢٩٠⦘ هَذَا مِنْ لُطْفِهِ تَعَالَى بِخَلْقِهِ أَنَّهُ يُرْسِلُ إِلَيْهِمْ رُسُلًا مِنْهُمْ بِلُغَاتِهِمْ لِيَفْهَمُوا عَنْهُمْ مَا يُرِيدُونَ وَمَا أرسولا به إليهم، كما روى الإمام أحمد عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَمْ يَبْعَثِ اللَّهُ ﷿ نَبِيًّا إِلَّا بِلُغَةِ قَوْمِهِ». وَقَوْلُهُ: ﴿فَيُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ﴾ أَيْ بَعْدَ الْبَيَانِ وَإِقَامَةِ الْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ، يُضِلُّ الله مَن يَشَاءُ عَنْ وَجْهِ الْهُدَى، وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ إِلَى الْحَقِّ ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ الَّذِي مَا شَاءَ كَانَ وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ، ﴿الْحَكِيمُ﴾ فِي أَفْعَالِهِ فَيُضِلُّ مَنْ يَسْتَحِقُّ الْإِضْلَالَ، ويهدي من هو أهل لذلك.

﴾ الَّذِي مَا شَاءَ كَانَ وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ، ﴿الْحَكِيمُ﴾ فِي أَفْعَالِهِ فَيُضِلُّ مَنْ يَسْتَحِقُّ الْإِضْلَالَ، ويهدي من هو أهل لذلك.

  • ٥ - وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ

يَقُولُ تَعَالَى: وَكَمَا أَرْسَلْنَاكَ يَا مُحَمَّدُ وأَنْزَلْنَا عليك الكتاب، لِتُخْرِجَ الناس مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ، كَذَلِكَ أَرْسَلْنَا مُوسَى إلى بني إسرائيل بآياتنا. قال مجاهد: هي التسع الآيات، ﴿أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ﴾ أَيْ أَمَرْنَاهُ قَائِلِينَ لَهُ: ﴿أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ أَيِ ادْعُهُمْ إِلَى الْخَيْرِ لِيَخْرُجُوا مِنْ ظُلُمَاتِ مَا كَانُوا فِيهِ مِنَ الْجَهْلِ وَالضَّلَالِ، إِلَى نُورِ الْهُدَى وَبَصِيرَةِ الْإِيمَانِ، ﴿وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ﴾ أَيْ بِأَيَادِيهِ وَنِعَمِهِ عَلَيْهِمْ (ورد تفسير ﴿أيام الله﴾ بالنعم في حديث مرفوع عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي قوله تعالى: ﴿وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ الله﴾ قال: بنعم الله، قال ابن كثير: وورد موقوفاً وهو أشبه)، فِي إِخْرَاجِهِ إِيَّاهُمْ مِنْ أَسْرِ فِرْعَوْنَ وَقَهْرِهِ وَظُلْمِهِ وَغَشْمِهِ، وَإِنْجَائِهِ إِيَّاهُمْ مِنْ عَدْوِهِمْ، وَفَلْقِهِ

ً وهو أشبه)، فِي إِخْرَاجِهِ إِيَّاهُمْ مِنْ أَسْرِ فِرْعَوْنَ وَقَهْرِهِ وَظُلْمِهِ وَغَشْمِهِ، وَإِنْجَائِهِ إِيَّاهُمْ مِنْ عَدْوِهِمْ، وَفَلْقِهِ لَهُمُ الْبَحْرَ، وَتَظْلِيلِهِ إِيَّاهُمْ بِالْغَمَامِ، وَإِنْزَالِهِ عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ النِّعَمِ. قال ذلك مجاهد وقتادة ذلك وغير واحد. وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ أَيْ إِنَّ فِيمَا صَنَعْنَا بِأَوْلِيَائِنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ حِينَ أَنْقَذْنَاهُمْ مِنْ يَدِ فِرْعَوْنَ، وَأَنْجَيْنَاهُمْ مِمَّا كَانُوا فِيهِ مِنَ الْعَذَابِ الْمُهِينِ، لَعِبْرَةٌ لِّكُلِّ ﴿صَبَّارٍ﴾ أَيْ فِي الضَّرَّاءِ، ﴿شَكُورٍ﴾ أَيْ فِي السَّرَّاءِ، كَمَا قَالَ قَتَادَةُ: نِعْمَ الْعَبْدُ عَبْدٌ إِذَا ابْتُلِيَ صَبَرَ، وَإِذَا أُعْطِيَ شَكَرَ. وَكَذَا جَاءَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّ أَمْرَ الْمُؤْمِنِ كُلَّهُ عَجَبٌ، لَا يَقْضِي اللَّهُ لَهُ قَضَاءً إِلَّا كَانَ خَيْرًا لَهُ، إِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ».

  • ٦ - وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَآءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِّن رَّبَّكُمْ عَظِيمٌ
  • ٧ - وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ
  • ٨ - وَقَالَ مُوسَى إِن تَكْفُرُوا أَنتُمْ وَمَن فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ

يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ مُوسَى حِينَ ذَكَّرَ قَوْمَهُ بِأَيَّامِ اللَّهِ عِنْدَهُمْ وَنِعَمَهُ عَلَيْهِمْ، إذ أنجاكم مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ وَمَا كَانُوا

يسومونهم به من العذاب والإذلال، حيث كَانُوا يَذْبَحُونَ مَنْ وُجِدَ مِنْ أَبْنَائِهِمْ، وَيَتْرُكُونَ إناثهم فأنقذهم الله مِنْ ذَلِكَ، وَهَذِهِ نِعْمَةٌ عَظِيمَةٌ، وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِّن رَّبَّكُمْ عَظِيمٌ﴾ أَيْ نِعْمَةٌ عَظِيمَةٌ مِنْهُ عَلَيْكُمْ فِي ذَلِكَ أَنْتُمْ عاجزون عن القيام بشكرها. وقيل ﴿بَلَاءٌ﴾ أَيِ اخْتِبَارٌ عَظِيمٌ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ المراد هذا، وهذا - والله أعلم - كقوله تعالى: ﴿وَبَلَوْنَاهُمْ بالحسنات والسيئات لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾، وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ﴾ أَيْ آذَنَكُمْ وَأَعْلَمَكُمْ بِوَعْدِهِ لَكُمْ؛ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى: وَإِذْ أقسم ربكم وآلى بعزته وجلاله وكبريائه، كقوله تعالى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ القيامة﴾. وَقَوْلُهُ: ﴿لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ﴾ أَيْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ لِأَزِيدَنَّكُمْ مِنْهَا، ﴿وَلَئِن كَفَرْتُمْ﴾ أَيْ كَفَرْتُمُ النِّعَمَ وَسَتَرْتُمُوهَا وَجَحَدْتُمُوهَا، ﴿إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ وَذَلِكَ بِسَلْبِهَا عَنْهُمْ وَعِقَابِهِ إِيَّاهُمْ عَلَى كُفْرِهَا، وقد جاء الْحَدِيثِ: «إِنَّ الْعَبْدَ لَيُحْرَمُ الرِّزْقَ بِالذَّنْبِ يُصِيبُهُ».

ذَلِكَ بِسَلْبِهَا عَنْهُمْ وَعِقَابِهِ إِيَّاهُمْ عَلَى كُفْرِهَا، وقد جاء الْحَدِيثِ: «إِنَّ الْعَبْدَ لَيُحْرَمُ الرِّزْقَ بِالذَّنْبِ يُصِيبُهُ». وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَقَالَ مُوسَى إِن تَكْفُرُوا أَنتُمْ وَمَن فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ أَيْ هُوَ غَنِيٌّ عَنْ شُكْرِ عِبَادِهِ، وَهُوَ الْحَمِيدُ الْمَحْمُودُ وَإِنَّ كَفَرَهُ مَنْ كَفَرَهُ.

  • ٩ - أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ جَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَآ أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَنَآ إليه مريب

قص الله علينا خبر نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَغَيْرِهِمْ مِنَ الْأُمَمِ الْمُكَذِّبَةِ لِلرُّسُلِ مِمَّا لَا يُحْصِي عَدَدَهُمْ إِلَّا اللَّهُ ﷿، ﴿جَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ﴾ أَيْ بِالْحُجَجِ وَالدَّلَائِلِ الْوَاضِحَاتِ الْبَاهِرَاتِ القاطعات، وَقَوْلُهُ: ﴿فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ﴾ اخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ في معناه، قيل: مَعْنَاهُ أَنَّهُمْ أَشَارُوا إِلَى أَفْوَاهِ الرُّسُلِ يَأْمُرُونَهُمْ بِالسُّكُوتِ عَنْهُمْ لَمَّا دَعَوْهُمْ إِلَى اللَّهِ ﷿، وَقِيلَ بَلْ وَضَعُوا أَيْدِيَهُمْ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ تكذيباً لهم، وقال مجاهد وقتادة: معناه أنهم كذبواهم وردوا عليهم قولهم بأفواههم، وَيُؤَيِّدُ قَوْلَ مُجَاهِدٍ: تَفْسِيرُ ذَلِكَ بِتَمَامِ الْكَلَامِ ﴿وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَآ أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَنَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ فَكَأَنَّ هذا - والله أعلم - تفسير لمعنى: ﴿فردوا أَيْدِيَهُمْ في أَفْوَاهِهِمْ﴾، وَقَالَ الْعَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: لَمَّا سُمِعُوا كلام اللَّهِ عَجِبُوا وَرَجَعُوا بِأَيْدِيهِمْ إِلَى أَفْوَاهِهِمْ، وَقَالُوا إنا كفرنا بِمَآ أُرْسِلْتُمْ

فِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: لَمَّا سُمِعُوا كلام اللَّهِ عَجِبُوا وَرَجَعُوا بِأَيْدِيهِمْ إِلَى أَفْوَاهِهِمْ، وَقَالُوا إنا كفرنا بِمَآ أُرْسِلْتُمْ بِهِ الآية، يَقُولُونَ: لَا نُصَدِّقُكُمْ فِيمَا جِئْتُمْ بِهِ فَإِنَّ عِنْدَنَا فِيهِ شَكًّا قَوِيًّا.

  • ١٠ - قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى قَالُوا إِنْ أَنتُمْ إِلَاّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا تُرِيدُونَ أَن تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَآؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ
  • ١١ - قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِن نَّحْنُ إِلَاّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يمنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَمَا كَانَ لَنَآ أَن نَّأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلَاّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ
  • ١٢ - وَمَا لَنَآ أَلَاّ نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سبلنا وَلَنَصْبِرَنَّ

عَلَى مَآ آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ

يُخْبِرُ تَعَالَى عَمَّا دَارَ بَيْنَ الْكُفَّارِ وَبَيْنَ رُسُلِهِمْ مِنَ الْمُجَادَلَةِ، وَذَلِكَ أَنَّ أُمَمَهُمْ لَمَّا واجهوهم بالشك فيما جاؤوهم بِهِ مِنْ عِبَادَةِ اللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، قالت الرسل: ﴿أَفِي الله شَكٌّ﴾، أَفِي وُجُودِهِ شَكٌّ؟ فَإِنَّ الْفِطَرَ شَاهِدَةٌ بِوُجُودِهِ وَمَجْبُولَةٌ عَلَى الْإِقْرَارِ بِهِ، فَإِنَّ الِاعْتِرَافَ بِهِ ضَرُورِيٌّ فِي الْفِطَرِ السَّلِيمَةِ، وَلَكِنْ قَدْ يَعْرِضُ لبعضها شك واضطرار، فَتَحْتَاجُ إِلَى النَّظَرِ فِي الدَّلِيلِ الْمُوَصِّلِ إِلَى وجوده، ولهذا قالت الرُّسُلُ تُرْشِدُهُمْ إِلَى طَرِيقِ مَعْرِفَتِهِ بِأَنَّهُ: ﴿فَاطِرِ السماوات والأرض﴾ الذي خلقهما وابتدعهما عَلَى غَيْرِ مِثَالٍ سَبَقَ، فَإِنَّ شَوَاهِدَ الْحُدُوثِ والخلق والتسخير ظاهر عليهما فلا بد لهما مِنْ صَانِعٍ، وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وإلهه ومليكه، وقالت لهم رسلهم: ﴿يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِّن ذُنُوبِكُمْ﴾ أَيْ فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ، ﴿وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ أَيْ فِي الدنيا، فقالت لهم الأمم: ﴿إِنْ أَنتُمْ إِلَاّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا﴾ أَيْ كَيْفَ نَتَّبِعُكُمْ بِمُجَرَّدِ قَوْلِكُمْ وَلَمَّا نَرَ مِنْكُمْ مُعْجِزَةً، ﴿فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ﴾ أَيْ خَارِقٍ نَقْتَرِحُهُ عَلَيْكُمْ، ﴿قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِن نَّحْنُ إِلَاّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ﴾ أَيْ صَحِيحٌ أَنَاْ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ فِي الْبَشَرِيَّةِ، ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يمنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ أَيْ بِالرِّسَالَةِ وَالنُّبُوَّةِ، ﴿وَمَا كَانَ لَنَآ أَن نَّأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ﴾ عَلَى وَفْقِ مَا سَأَلْتُمْ ﴿إِلَاّ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾، أَيْ بَعْدَ سُؤَالِنَا إِيَّاهُ وَإِذْنِهِ لَنَا فِي ذَلِكَ، ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ أَيْ فِي جَمِيعِ أُمُورِهِمْ.

اللَّهِ﴾، أَيْ بَعْدَ سُؤَالِنَا إِيَّاهُ وَإِذْنِهِ لَنَا فِي ذَلِكَ، ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ أَيْ فِي جَمِيعِ أُمُورِهِمْ. ثُمَّ قَالَتِ الرُّسُلُ: ﴿وَمَا لَنَآ أَلَاّ نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ﴾ أَيْ وَمَا يَمْنَعُنَا مِنَ التَّوَكُّلِ عَلَيْهِ؟ وَقَدْ هَدَانَا لِأَقْوَمِ الطُّرُقِ وَأَوْضَحِهَا وَأَبْيَنِهَا، ﴿وَلَنَصْبِرَنَّ على مَآ آذَيْتُمُونَا﴾ أي من الكلام السيء وَالْأَفْعَالِ السَّخِيفَةِ، ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾.

  • ١٣ - وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ
  • ١٤ - وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ
  • ١٥ - وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ
  • ١٦ - مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِن مَّآءٍ صَدِيدٍ
  • ١٧ - يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرَآئِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ

ٍ صَدِيدٍ

  • ١٧ - يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرَآئِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ

يُخْبِرُ تَعَالَى عَمَّا تَوَعَّدَتْ بِهِ الْأُمَمُ الْكَافِرَةُ رُسُلَهُمْ مِنَ الْإِخْرَاجِ مَنْ أَرْضِهِمْ وَالنَّفْيِ مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِهِمْ، كَمَا قَالَ قَوْمُ شُعَيْبٍ لَهُ وَلِمَنْ آمَنَ به: ﴿لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَكَ مِنْ قريتنا﴾ الآية، وكما قال قَوْمُ لُوطٍ: ﴿أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ﴾ الآية، وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ. وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾، كَمَا قَالَ الله تعالى: ﴿وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الغالبون﴾، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَاْ وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قوي عزيز﴾، وقال تعالى: ﴿وَقَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ للَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ للمتقين﴾، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا التي بَارَكْنَا فِيهَا﴾، وَقَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ﴾ أَيْ وَعِيدِي، هَذَا لِمَنْ خَافَ مَقَامِي بَيْنَ يَدَيْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَخَشِيَ مِنْ وَعِيدِي وَهُوَ تَخْوِيفِي وَعَذَابِي، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَأَمَّا مَن طَغَى وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ المأوى﴾،

وقال: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ ربه جنتان﴾، وَقَوْلُهُ: ﴿وَاسْتَفْتَحُوا﴾ أَيِ اسْتَنْصَرَتِ الرُّسُلُ رَبَّهَا عَلَى قومهم (قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة)، وقال ابن أَسْلَمَ: اسْتَفْتَحَتِ الْأُمَمُ عَلَى أَنْفُسِهَا، كَمَا قَالُواْ: ﴿اللَّهُمَّ إِن كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السَّمَاءِ أَوِ ائتنا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾، ويحتمل أن يكون مُرَادًا، وَهَذَا مُرَادًا، كَمَا أَنَّهُمُ اسْتَفْتَحُوا عَلَى أنفسهم يوم بدر، واستفتح رسول الله ﷺ وَاسْتَنْصَرَ، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِلْمُشْرِكِينَ: ﴿إِن تَسْتَفْتِحُواْ فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ الآية، ﴿وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾ أَيْ مُتَجَبِّرٌ فِي نفسه عَنِيدٍ معاند للحق، كقوله تَعَالَى: ﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ، مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مريب﴾. وَفِي الْحَدِيثِ: "إِنَّهُ يُؤْتَى بِجَهَنَّمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَتُنَادِي الْخَلَائِقَ فَتَقُولُ: إِنِّي وُكِّلْتُ بِكُلِّ جَبَّارٍ عنيد" الحديث، وقوله: ﴿من ورائه جهنم﴾ وراء هنا بمعنى أمام، كقوله تَعَالَى: ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غصبا﴾، وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقْرَؤُهَا: وَكَانَ أَمَامَهُمْ مَلِكٌ، أَيْ مِنْ وَرَاءِ الْجَبَّارِ الْعَنِيدِ جَهَنَّمُ، أَيْ هِيَ لَهُ بِالْمِرْصَادِ يَسْكُنُهَا مُخَلَّدًا يَوْمَ الْمَعَادِ، وَيُعْرَضُ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً إِلَى يَوْمِ التَّنَادِ، ﴿وَيُسْقَى مِن مَّآءٍ صَدِيدٍ﴾ أَيْ فِي النَّارِ ليس له شراب إلا من حميم وغساق، كَمَا قَالَ: ﴿هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أزواج﴾، وقال مجاهد: الصَّدِيدُ مِنَ الْقَيْحِ وَالدَّمِ.

ا من حميم وغساق، كَمَا قَالَ: ﴿هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أزواج﴾، وقال مجاهد: الصَّدِيدُ مِنَ الْقَيْحِ وَالدَّمِ. وَقَالَ قَتَادَةُ: هُوَ مَا يُسِيلُ مِنْ لَحْمِهِ وَجِلْدِهِ، وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ: الصَّدِيدُ مَا يَخْرُجُ مِنْ جَوْفِ الْكَافِرِ فقد خالط القيح والدم، وفي حَدِيثِ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ بْنِ السَّكَنِ قَالَتْ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا طِينَةُ الْخَبَالِ؟ قَالَ: «صَدِيدُ أَهْلِ النَّارِ»، وَفِي رِوَايَةٍ: «عُصَارَةُ أَهْلِ النَّارِ»، وَقَالَ الإمام أحمد، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَيُسْقَى مِن مَّآءٍ صَدِيدٍ يَتَجَرَّعُهُ﴾ قَالَ: «يُقَرَّبُ إِلَيْهِ فَيَتَكَرَّهُهُ، فَإِذَا أُدْنِيَ مِنْهُ شَوَى وَجْهَهُ وَوَقَعَتْ فَرْوَةُ رَأْسِهِ، فَإِذَا شَرِبَهُ قَطَّعَ أَمْعَاءَهُ حتى يخرج من دبره»، يقول تعالى: ﴿وَسُقُواْ مَآءً حَمِيماً فقطع أمعاءهم﴾، وَيَقُولُ: ﴿وَإِن يَسْتَغِيثُواْ يُغَاثُواْ بِمَآءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الوجوه﴾ الآية (أخرجه الإمام أحمد وابن جرير).

اْ مَآءً حَمِيماً فقطع أمعاءهم﴾، وَيَقُولُ: ﴿وَإِن يَسْتَغِيثُواْ يُغَاثُواْ بِمَآءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الوجوه﴾ الآية (أخرجه الإمام أحمد وابن جرير). وقوله تعالى: ﴿يَتَجَرَّعُهُ﴾ أَيْ يَتَغَصَّصُهُ وَيَتَكَرَّهُهُ، أَيْ يَشْرَبُهُ قَهْرًا وقسراً لا يضعه في فمه حَتَّى يَضْرِبَهُ الْمَلَكُ بِمِطْرَاقٍ مِنْ حَدِيدٍ، كَمَا قال تعالى: ﴿وَلَهُمْ مَّقَامِعُ مِنْ حديد﴾، ﴿ولا يكاد يسيغه﴾ أي يزدرده لسوء طعمه ولونه وَرِيحِهِ وَحَرَارَتِهِ أَوْ بَرْدِهِ الَّذِي لَا يُسْتَطَاعُ، ﴿وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِن كُلِّ مَكَانٍ﴾ أَيْ يَأْلَمُ له جميع بدنه من كل عظم وعصب وعرق، وَقَالَ عِكْرِمَةُ: حَتَّى مِنْ أَطْرَافِ شَعْرِهِ، وَقَالَ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِن كُلِّ مَكَانٍ﴾ قَالَ: أَنْوَاعُ الْعَذَابِ الَّذِي يُعَذِّبُهُ اللَّهُ بِهَا يوم القيامة في نار جهنم ليس منها نوع إلا يأتيه الموت مِنْهُ، لَوْ كَانَ يَمُوتُ، وَلَكِنْ لَا يَمُوتُ لَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُواْ وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ من عذابها﴾، وَمَعْنَى كَلَامِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ أَنَّهُ مَا مِنْ نَوْعٍ مِنْ هَذِهِ الْأَنْوَاعِ من الْعَذَابِ إِلَّا إِذَا وَرَدَ عَلَيْهِ، اقْتَضَى أَنْ يَمُوتَ مِنْهُ لَوْ كَانَ يَمُوتُ، وَلَكِنَّهُ لَا يَمُوتُ لِيَخْلُدَ فِي دَوَامِ الْعَذَابِ وَالنَّكَالِ، وَلِهَذَا قال تعالى: ﴿وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ﴾، وَقَوْلُهُ: ﴿وَمِنْ وَرَآئِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ﴾ أَيْ وله من بعد هذه الْحَالِ عَذَابٌ آخَرُ غَلِيظٌ أَيْ مُؤْلِمٌ صَعْبٌ شَدِيدٌ أَغْلَظُ مِنَ الَّذِي قَبْلَهُ وَأَدْهَى وَأَمَرُّ، وَهَذَا كَمَا قَالَ تَعَالَى عَنْ شَجَرَةِ الزَّقُّومِ: ﴿فَإِنَّهُمْ لآكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ * ثُمَّ إن عَلَيْهَا لَشَوْباً مِنْ حَمِيمٍ * ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لإلى الجحيم﴾، فأخبر أنهم تارة يكونون في أكل الزقوم، وتارة في

شرب حميم، وتارة يردون إلى جحيم، عِيَاذًا بِاللَّهِ مِنْ ذَلِكَ، وَهَكَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إن شجرة الزقزم طَعَامُ الْأَثِيمِ، كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ كَغَلْيِ الحميم﴾، وقال تعالى: ﴿هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أزواج﴾ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى تَنَوُّعِ الْعَذَابِ عَلَيْهِمْ، وَتَكْرَارِهِ وَأَنْوَاعِهِ وَأَشْكَالِهِ، مِمَّا لَا يُحْصِيهِ إِلَّا اللَّهُ ﷿، جَزَاءً وفاقاً ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَاّمٍ لِّلْعَبِيدِ﴾.

  • ١٨ - مَّثَلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لَا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ

هَذَا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ تَعَالَى لِأَعْمَالِ الكفار، الذين عبدوا معه غَيْرَهُ، وَكَذَّبُوا رُسُلَهُ وَبَنَوْا أَعْمَالَهُمْ عَلَى غَيْرِ أساس صحيح، فانهارت فَقَالَ تَعَالَى: ﴿مَّثَلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ﴾ أي مثل أعمالهم يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِذَا طَلَبُوا ثَوَابَهَا مِنَ اللَّهِ تعالى، لأنهم كانوا يحسبون أنهم كانوا على شيء، فلم يجدوا شيئاً إِلَّا كَمَا يُتَحَصَّلُ مِنَ الرَّمَادِ إِذَا اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ الْعَاصِفَةُ ﴿فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ﴾ أَيْ ذي ريح شديدة عاصفة قوية، فلم يقدروا على شيء من أعمالهم التي كسبوا في الدنيا، كقوله تعالى: ﴿وَقَدِمْنَآ إلى ماعملوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هباء منثورا﴾، وقوله تَعَالَى: ﴿مَّثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظلموا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ﴾، وقوله تعالى: ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْداً لَاّ يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِّمَّا كَسَبُواْ﴾، ﴿ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ﴾ أَيْ سَعْيُهُمْ وَعَمَلُهُمْ عَلَى غَيْرِ أَسَاسٍ وَلَا اسْتِقَامَةٍ، حَتَّى فَقَدُوا ثوابهم أحوج ما كانوا إليه.

﴿ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ﴾ أَيْ سَعْيُهُمْ وَعَمَلُهُمْ عَلَى غَيْرِ أَسَاسٍ وَلَا اسْتِقَامَةٍ، حَتَّى فَقَدُوا ثوابهم أحوج ما كانوا إليه.

  • ١٩ - أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ
  • ٢٠ - وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ

يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ قُدْرَتِهِ عَلَى مَعَادِ الْأَبْدَانِ يَوْمَ القيامة، بأنه خلق السماوات وَالْأَرْضَ الَّتِي هِيَ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ، أفليس الذي قَدَرَ عَلَى خَلْقِ هَذِهِ السَّمَاوَاتِ فِي ارْتِفَاعِهَا وَاتِّسَاعِهَا وَعَظَمَتِهَا، وَمَا فِيهَا مِنَ الكواكب الثوابت والسيارات وَالْآيَاتِ الْبَاهِرَاتِ، وَهَذِهِ الْأَرْضُ بِمَا فِيهَا مِنْ مِهَادٍ وَوِهَادٍ، وَأَوْتَادٍ وَبَرَارِي وَصَحَارِي وَقِفَارٍ وَبِحَارٍ وأشجار، ونبات وحيوان ﴿أولم يرو أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَن يُحْيِيَ الْمَوْتَى، بلى إِنَّهُ على كُلِّ شيء قدير﴾، وَقَوْلُهُ: ﴿إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ * وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ أَيْ بِعَظِيمٍ وَلَا مُمْتَنِعٍ، بَلْ هُوَ سَهْلٌ عَلَيْهِ إِذَا خالفتم أمره أن يذهبكم ويأت بآخرين على غير صفتكم.

  • ٢١ - وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا فَقَالَ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً فَهَلْ أَنتُم مُّغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِن شَيْءٍ قَالُوا لَوْ هَدَانَا اللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ سَوَآءٌ عَلَيْنَآ أَجَزِعْنَآ أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ

يَقُولُ ﴿وَبَرَزُواْ﴾ أَيْ بَرَزَتِ الْخَلَائِقُ كُلُّهَا، بَرُّهَا وَفَاجِرُهَا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ، أَيِ اجْتَمَعُوا لَهُ فِي بِرَازٍ

يَقُولُ ﴿وَبَرَزُواْ﴾ أَيْ بَرَزَتِ الْخَلَائِقُ كُلُّهَا، بَرُّهَا وَفَاجِرُهَا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ، أَيِ اجْتَمَعُوا لَهُ فِي بِرَازٍ

مِنَ الْأَرْضِ، وَهُوَ الْمَكَانُ الَّذِي لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ يَسْتُرُ أَحَدًا، ﴿فَقَالَ الضُّعَفَاءُ﴾ وَهْمُ الْأَتْبَاعُ لقادتهم وسادتهم وكبرائهم ﴿لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا﴾ عَنْ عِبَادَةِ اللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ له، وعن موافقة الرسل، قالوا لَهُمْ: ﴿إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا﴾ أَيْ مَهْمَا أَمَرْتُمُونَا ائْتَمَرْنَا وَفَعَلْنَا، ﴿فَهَلْ أَنتُمْ مُّغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِن شَيْءٍ﴾ أَيْ فَهَلْ تَدْفَعُونَ عَنَّا شَيْئًا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ كَمَا كُنْتُمْ تَعِدُونَنَا وَتُمَنُّونَنَا، فَقَالَتِ الْقَادَةُ لَهُمْ: ﴿لَوْ هَدَانَا الله لَهَدَيْنَاكُمْ﴾ ولكن حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ، ﴿سَوَآءٌ عَلَيْنَآ أَجَزِعْنَآ أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ﴾ أَيْ لَيْسَ لَنَا خَلَاصٌ مِمَّا نَحْنُ فِيهِ إِنْ صَبْرَنَا عَلَيْهِ أَوْ جَزِعْنَا مِنْهُ. قَالَ عَبْدُ الرحمن بن أسلم: أن أهل النار قَالُواْ: تعالوا فإنما أدرك أهل الْجَنَّةَ بِبُكَائِهِمْ وَتَضَرُّعِهِمْ إِلَى اللَّهِ ﷿، تعالوا نبك وتنضرع إلى الله، فبكوا وتضرعوا، فلما رأوا أنه لا ينفعهم، قالوا: إنما أَدْرَكَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ بِالصَّبْرِ، تَعَالَوْا حَتَّى نَصْبِرَ فَصَبَرُوا صَبْرًا لَمْ يُرَ مِثْلُهُ، فَلَمْ يَنْفَعْهُمْ ذَلِكَ، فَعِنْدَ ذَلِكَ قَالُوا: ﴿سَوَآءٌ عَلَيْنَآ أَجَزِعْنَآ أَمْ صَبَرْنَا﴾ الآية.

ِرَ فَصَبَرُوا صَبْرًا لَمْ يُرَ مِثْلُهُ، فَلَمْ يَنْفَعْهُمْ ذَلِكَ، فَعِنْدَ ذَلِكَ قَالُوا: ﴿سَوَآءٌ عَلَيْنَآ أَجَزِعْنَآ أَمْ صَبَرْنَا﴾ الآية. قُلْتُ: وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذِهِ الْمُرَاجَعَةَ فِي النَّارِ بَعْدَ دُخُولِهِمْ إِلَيْهَا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ يَتَحَآجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً فَهَلْ أَنتُم مُّغْنُونَ عَنَّا نَصِيباً من النار﴾، وقال ﴿حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعاً قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لأُولَاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَاباً ضِعْفاً مِنَ النَّارِ، قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لَا تعلمون﴾، وقال تعالى: ﴿رَبَّنَآ إِنَّآ أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَآءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا﴾، وَأَمَّا تُخَاصِمُهُمْ فِي الْمَحْشَرِ فَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِندَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلِ، يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلَا أَنتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ، قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَآءَكُمْ، بَلْ كُنتُمْ مُّجْرِمِينَ﴾.

  • ٢٢ - وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ إِلَاّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَّآ أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَآ أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَآ أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ
  • ٢٣ - وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيَّتُهُمْ فيها سلام

يخبر تعالى عما خاطب به إبليس أتباعه بعد ما قَضَى اللَّهُ بَيْنَ عِبَادِهِ فَأَدْخَلَ الْمُؤْمِنِينَ الْجَنَّاتِ، وَأَسْكَنَ الْكَافِرِينَ الدَّرَكَاتِ، فَقَامَ فِيهِمْ إِبْلِيسُ لَعَنَهُ الله يومئذ خَطِيبًا لِيَزِيدَهُمْ حُزْنًا إِلَى حُزْنِهِمْ وَغَبْنًا إِلَى غَبْنِهِمْ وَحَسْرَةً إِلَى حَسْرَتِهِمْ فَقَالَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ﴾ أَيْ عَلَى أَلْسِنَةِ رُسُلِهِ وَوَعَدَكُمْ فِي اتِّبَاعِهِمُ النَّجَاةَ وَالسَّلَامَةَ، وَكَانَ وَعْدًا حقاً وخبراً صدقاً وأما أنا فوعدتكم فأخلفتكم، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَاّ غُرُورًا﴾ ثُمَّ قَالَ: ﴿وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ﴾ أَيْ مَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ فِيمَا دعوتكم إليه دليل ولا حجة فيما وَعَدْتُكُمْ بِهِ، ﴿إِلَاّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي﴾ بِمُجَرَّدِ ذَلِكَ، هَذَا وَقَدْ أَقَامَتْ عَلَيْكُمُ الرُّسُلُ الحجج والأدلة الصحيحة على صدق ما جاؤوكم بِهِ، فَخَالَفْتُمُوهُمْ فَصِرْتُمْ إِلَى مَا أَنْتُمْ فِيهِ ﴿فَلَا تَلُومُونِي﴾ الْيَوْمَ، ﴿وَلُومُوا أَنفُسَكُمْ﴾ فَإِنَّ الذَّنْبَ لَكُمْ لِكَوْنِكُمْ خَالَفْتُمُ الْحُجَجَ، وَاتَّبَعْتُمُونِي بِمُجَرَّدِ مَا دَعَوْتُكُمْ إِلَى الْبَاطِلِ، ﴿مَّآ أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ﴾ أَيْ بنافعكم ومنقذكم

َوْنِكُمْ خَالَفْتُمُ الْحُجَجَ، وَاتَّبَعْتُمُونِي بِمُجَرَّدِ مَا دَعَوْتُكُمْ إِلَى الْبَاطِلِ، ﴿مَّآ أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ﴾ أَيْ بنافعكم ومنقذكم

وَمُخَلِّصِكُمْ مِمَّا أَنْتُمْ فِيهِ، ﴿وَمَآ أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ﴾ أَيْ بِنَافِعِيَّ بِإِنْقَاذِي مِمَّا أَنَا فِيهِ مِنَ الْعَذَابِ وَالنَّكَالِ، ﴿إِنِّي كَفَرْتُ بِمَآ أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ﴾ قال قتادة: أي بسبب ما أشركتموني مِن قَبْلُ، قال ابْنُ جَرِيرٍ: يَقُولُ إِنِّي جَحَدْتُ أَنْ أَكُونَ شَرِيكًا لِلَّهِ ﷿، وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ هُوَ الرَّاجِحُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَن لَاّ يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَن دُعَآئِهِمْ غَافِلُونَ * وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أعداءاً وَكَانُواْ بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾، وَقَالَ: ﴿كَلَاّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدّاً﴾. وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّ الظَّالِمِينَ﴾ أَيْ فِي إِعْرَاضِهِمْ عَنِ الْحَقِّ وَاتِّبَاعِهِمُ الْبَاطِلَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ، وَالظَّاهِرُ مِنْ سِيَاقِ الْآيَةِ، أَنَّ هَذِهِ الْخُطْبَةَ تَكُونُ مِنْ إِبْلِيسَ بَعْدَ دُخُولِهِمُ النَّارَ كَمَا قَدَّمْنَا، قال الشعبي: يقوم خطيبان يوم القيامة على رؤوس الناس، يقول تعالى لعيسى بن مَرْيَمَ: ﴿أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دون الله﴾؟ قَالَ: وَيَقُومُ إِبْلِيسُ لَعَنَهُ اللَّهُ فَيَقُولُ: ﴿وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ إِلَاّ أَن دَعَوْتُكُمْ فاستجبتم لِي﴾ الآية، ثم ذَكَرَ تَعَالَى مَآلَ الْأَشْقِيَاءِ وَمَا صَارُوا إِلَيْهِ مِنَ الْخِزْيِ وَالنَّكَالِ، وَأَنَّ خَطِيبَهُمْ إِبْلِيسُ عَطَفَ بمآل السعداء، فقال: ﴿وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ سَارِحَةً فِيهَا حَيْثُ سَارُوا وَأَيْنَ سَارُوا،

أُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ سَارِحَةً فِيهَا حَيْثُ سَارُوا وَأَيْنَ سَارُوا، ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ مَاكِثِينَ أَبَدًا لَا يُحَوَّلُونَ وَلَا يَزُولُونَ ﴿بِإِذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ﴾، كما قال تعالى: ﴿حتى إذا جاؤوها وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ هم خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَالمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ سَلَامٌ عليكم﴾، وقال تعالى: ﴿وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَاماً﴾، وقال تَعَالَى: ﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.

  • ٢٤ - أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ
  • ٢٥ - تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ - ٢٦ - وَمَثلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الأرض مَّا لَهَا مِن قرار

قال ابن عباس: قَوْلِهِ ﴿مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً﴾: شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ﴿كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ﴾ وَهُوَ الْمُؤْمِنُ ﴿أَصْلُهَا ثَابِتٌ﴾ يَقُولُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فِي قَلْبِ الْمُؤْمِنِ، ﴿وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ﴾ يَقُولُ: يرفع بها عمل المؤمن إلى السماء: وقال البخاري عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: "أَخْبِرُونِي عَنْ شَجَرَةٍ تُشْبِهُ - أَوْ - كَالرَّجُلِ اَلْمُسْلِمِ، لَا يتحات ورقها صيفاً ولا شتاء، وتؤتي أكلها كل حين بإذن ربها، قَالَ ابْنُ عُمَرَ: فَوَقَعَ فِي نَفْسِي أَنَّهَا النَّخْلَةُ، وَرَأَيْتُ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ لَا يَتَكَلَّمَانِ، فَكَرِهْتُ أَنْ أَتَكَلَّمَ، فَلَمَّا لَمْ يَقُولُوا شَيْئًا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «هِيَ النَّخْلَةُ»، فَلَمَّا قُمْنَا قُلْتُ لِعُمَرَ: يَا أبتاه والله وَقَعَ فِي نَفْسِي أَنَّهَا النَّخْلَةُ، قَالَ: مَا مَنَعَكَ أن تتكلم؟ قلت: لَمْ أَرَكُمْ تَتَكَلَّمُونَ، فَكَرِهْتُ أَنْ أَتَكَلَّمَ أَوْ أَقُولَ شَيْئًا، قَالَ عُمَرُ: لَأَنْ تَكُونَ قُلْتَهَا أحب إليَّ من كذا وكذا. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ﴾ قَالَ: هِيَ شَجَرَةٌ فِي الْجَنَّةِ. وَقَوْلُهُ: ﴿تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ﴾ قِيلَ: غُدْوَةً وَعَشِيًّا، وَقِيلَ: كُلَّ شَهْرٍ، وقيل كل شهرين، وقيل غير ذلك.

شَجَرَةٌ فِي الْجَنَّةِ. وَقَوْلُهُ: ﴿تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ﴾ قِيلَ: غُدْوَةً وَعَشِيًّا، وَقِيلَ: كُلَّ شَهْرٍ، وقيل كل شهرين، وقيل غير ذلك. وَالظَّاهِرُ مِنَ السِّيَاقِ أَنَّ الْمُؤْمِنَ مَثَلُهُ كَمَثَلِ شجرة، لا يزال يوجد منها ثمرة فِي كُلِّ وَقْتٍ، مِنْ صَيْفٍ أَوْ شِتَاءٍ أَوْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ، كَذَلِكَ الْمُؤْمِنُ لَا يَزَالُ يُرْفَعُ لَهُ عَمَلٌ صَالِحٌ آنَاءَ اللَّيْلِ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ فِي كُلِّ وَقْتٍ وَحِينٍ ﴿بِإِذْنِ رَبِّهَا﴾ أي كاملاً حسناً كثيراً طيباً مباركاً ﴿وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ

يَتَذَكَّرُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَمَثلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ﴾ هَذَا مَثَلُ كُفْرِ الْكَافِرِ لَا أَصْلَ لَهُ وَلَا ثَبَاتَ، مشبه بشجرة الحنظل (روي هذا في حديث مرفوع أن الشجرة الخبيثة هي الحنظلة، رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَابْنُ جَرِيرٍ)، وَقَوْلُهُ: ﴿اجْتُثَّتْ﴾ أَيِ اسْتُؤْصِلَتْ ﴿مِن فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٍ﴾ أَيْ لَا أَصْلَ لَهَا وَلَا ثَبَاتَ، كَذَلِكَ الْكُفْرُ لَا أَصْلَ لَهُ وَلَا فَرْعَ، وَلَا يَصْعَدُ لِلْكَافِرِ عَمَلٌ وَلَا يُتَقَبَّلُ مِنْهُ شَيْءٌ.

  • ٢٧ - يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ ويفعل الله مَا يَشَآءُ

Bagian 67 dari 141