Mukhtashar Tafsir Ibnu Katsir

Ringkasan tafsir Ibnu Katsir, riwayat dan tafsir bil-ma’tsur.

Bagian 68 dari 141

— Bagian 68 · اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِت… —

Bagian 68

اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ ويفعل الله مَا يَشَآءُ

روى البخاري، عن براء بْنِ عَازِبٍ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "اَلْمُسْلِمُ إِذَا سُئِلَ فِي الْقَبْرِ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ " (وَرَوَاهُ مسلم أيضاً وبقية الجماعة). وقال الإمام أحمد، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في جنازة رجل من الأنصار، فانتهيا إِلَى الْقَبْرِ وَلَمَّا يُلَحَّدْ، فَجَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَجَلَسْنَا حَوْلَهُ كَأَنَّ على رؤوسنا الطير، وفي يده عود ينكت به الْأَرْضِ فَرَفَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ: «اسْتَعِيذُوا بِاللَّهِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ» مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، ثُمَّ قَالَ: "إِنَّ الْعَبْدَ الْمُؤْمِنَ إِذَا كَانَ فِي انْقِطَاعٍ مِنَ الدُّنْيَا وَإِقْبَالٍ مِنَ الْآخِرَةِ، نَزَلَ إِلَيْهِ مَلَائِكَةٌ مِنَ السَّمَاءِ بِيضُ الْوُجُوهِ، كَأَنَّ وُجُوهَهُمُ الشَّمْسُ، مَعَهُمْ كَفَنٌ مِنْ أَكْفَانِ الْجَنَّةِ وَحَنُوطٌ مِنْ حَنُوطِ الْجَنَّةِ حَتَّى يَجْلِسُوا مِنْهُ مَدَّ الْبَصَرِ، ثُمَّ يَجِيءُ مَلَكُ الْمَوْتِ حَتَّى يَجْلِسَ عِنْدَ رَأْسِهِ، فَيَقُولُ أَيَّتُهَا النَّفْسُ الطَّيِّبَةُ اخْرُجِي إِلَى مغفرةٍ مِّن اللَّهِ وَرِضْوَانٍ - قَالَ فَتَخْرُجُ تَسِيلُ كَمَا تَسِيلُ الْقَطْرَةُ مِنْ فِي السِّقَاءِ فَيَأْخُذُهَا، فَإِذَا أَخَذَهَا لَمْ يَدَعُوهَا فِي يَدِهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ، حَتَّى يَأْخُذُوهَا فَيَجْعَلُوهَا فِي ذَلِكَ الْكَفَنِ وَفِي ذَلِكَ الْحَنُوطِ، وَيَخْرُجَ مِنْهَا كَأَطْيَبِ نَفْحَةِ مِسْكٍ وُجِدَتْ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ، فَيَصْعَدُونَ بِهَا،

هَا فِي ذَلِكَ الْكَفَنِ وَفِي ذَلِكَ الْحَنُوطِ، وَيَخْرُجَ مِنْهَا كَأَطْيَبِ نَفْحَةِ مِسْكٍ وُجِدَتْ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ، فَيَصْعَدُونَ بِهَا، فَلَا يَمُرُّونَ بِهَا عَلَى مَلَأٍ مِنَ الملائكة إلا قالوا ما هذه الروح الطيبة؟ فيقولون: فلان بن فُلَانٍ بِأَحْسَنِ أَسْمَائِهِ الَّتِي كَانُوا يُسَمُّونَهُ بِهَا فِي الدُّنْيَا حَتَّى يَنْتَهُوا بِهِ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، فَيَسْتَفْتِحُونَ لَهُ فَيُفْتَحُ لَهُ، فَيُشَيِّعُهُ مِنْ كُلِّ سَمَاءٍ مُقَرَّبُوهَا إِلَى السَّمَاءِ الَّتِي تَلِيهَا، حَتَّى يَنْتَهِيَ بِهَا إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ، فَيَقُولُ اللَّهُ: اكْتُبُوا كِتَابَ عَبْدِي فِي عِلِّيِّينَ، وَأَعِيدُوهُ إِلَى الْأَرْضِ، فَإِنِّي مِنْهَا خَلَقْتُهُمْ وَفِيهَا أُعِيدُهُمْ وَمِنْهَا أُخْرِجُهُمْ تَارَةً أُخرى، قَالَ: فَتُعَادُ رُوحُهُ فِي جَسَدِهِ، فَيَأْتِيهِ مَلَكَانِ فَيُجْلِسَانِهِ فَيَقُولَانِ لَهُ: مَنْ رَبُّكَ؟ فَيَقُولُ: "رَبِّيَ اللَّهُ، فَيَقُولَانِ لَهُ: مَا دِينُكَ؟ فَيَقُولُ: دِينِي الْإِسْلَامُ، فَيَقُولَانِ لَهُ: مَا هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي بُعِثَ فِيكُمْ؟ فَيَقُولُ: هُوَ رَسُولُ اللَّهِ، فَيَقُولَانِ لَهُ: وَمَا عِلْمُكَ؟ فَيَقُولُ قَرَأْتُ كِتَابَ اللَّهِ فَآمَنْتُ بِهِ وَصَدَّقْتُ، فَيُنَادِي منادٍ مِنَ السَّمَاءِ أَنْ صَدَقَ عَبْدِي فَأَفْرِشُوهُ مِنَ الْجَنَّةِ وَأَلْبِسُوهُ مِنَ الْجَنَّةِ، وَافْتَحُوا لَهُ بَابًا إِلَى الْجَنَّةِ، قَالَ: فَيَأْتِيهِ مِنْ رَوْحِهَا وَطِيبِهَا، وَيُفْسَحُ لَهُ فِي قَبْرِهِ مَدَّ بَصَرِهِ، وَيَأْتِيهِ رَجُلٌ حَسَنُ الْوَجْهِ حَسَنُ الثِّيَابِ طَيِّبُ الريح فيقول: أبشر بالذي كنت يَسُرُّكَ، هَذَا يَوْمُكَ الَّذِي كُنْتَ تُوعَدُ، فَيَقُولُ له: من أنت فوجهك الوجه الذي يأتي بِالْخَيْرِ؟ فَيَقُولُ: أَنَا عَمَلُكَ الصَّالِحُ، فَيَقُولُ: رَبِّ أَقِمِ السَّاعَةَ، رَبِّ أَقِمِ السَّاعَةَ، حَتَّى أَرْجِعَ إِلَى أَهْلِي وَمَالِي.

الْخَيْرِ؟ فَيَقُولُ: أَنَا عَمَلُكَ الصَّالِحُ، فَيَقُولُ: رَبِّ أَقِمِ السَّاعَةَ، رَبِّ أَقِمِ السَّاعَةَ، حَتَّى أَرْجِعَ إِلَى أَهْلِي وَمَالِي. قَالَ: وَإِنَّ الْعَبْدَ الْكَافِرَ إِذَا كَانَ فِي انْقِطَاعٍ مِنَ الدُّنْيَا وَإِقْبَالٍ من الآخرة، نزل عليه ملائكة من السماء سود الوجه

مَعَهُمُ الْمُسُوحُ فَجَلَسُوا مِنْهُ مَدَّ الْبَصَرِ، ثُمَّ يَجِيءُ مَلَكُ الْمَوْتِ، فيجلس عِنْدَ رَأْسِهِ فَيَقُولُ: أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْخَبِيثَةُ، اخْرُجِي إِلَى سَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَغَضَبٍ - قَالَ - فَتُفَرَّقُ في جسده فينتزعه كَمَا يُنْتَزَعُ السَّفُّودُ مِنَ الصُّوفِ الْمَبْلُولِ، فَيَأْخُذُهَا، فَإِذَا أَخَذَهَا لَمْ يَدَعُوهَا فِي يَدِهِ طَرْفَةَ عين حتى يجعلوها في تلك المسوح، فيخرج مِنْهَا كَأَنْتَنِ رِيحِ جِيفَةٍ وُجِدَتْ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ، فَيَصْعَدُونَ بِهَا فَلَا يَمُرُّونَ بِهَا عَلَى مَلَأٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِلَّا قَالُوا: مَا هَذِهِ الروح الخبيثة؟ فيقولون: فلان بن فُلَانٍ بِأَقْبَحِ أَسْمَائِهِ الَّتِي كَانَ يُسَمَّى بِهَا في الدنيا، حتى ينتهي بها إلى السماء الدنيا فيستفتح فَلَا يُفْتَحُ لَهُ، ثُمَّ قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ﴿لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الجمل فِي سَمِّ الخياط﴾، فَيَقُولُ اللَّهُ: اكْتُبُوا كِتَابَهُ فِي سِجِّينٍ فِي الْأَرْضِ السُّفْلَى، فَتُطْرَحَ رُوحُهُ طَرْحًا - ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيق﴾، فَتُعَادُ رُوحُهُ فِي جَسَدِهِ، وَيَأْتِيهِ مَلَكَانِ فَيُجْلِسَانِهِ وَيَقُولَانِ لَهُ مَنْ رَبُّكَ؟ فَيَقُولُ: هَاهْ هَاهْ لَا أَدْرِي، فَيَقُولَانِ لَهُ مَا دِينُكَ؟ فَيَقُولُ: هَاهْ هَاهْ لَا أَدْرِي، فَيَقُولَانِ لَهُ: مَا

َانِ لَهُ مَنْ رَبُّكَ؟ فَيَقُولُ: هَاهْ هَاهْ لَا أَدْرِي، فَيَقُولَانِ لَهُ مَا دِينُكَ؟ فَيَقُولُ: هَاهْ هَاهْ لَا أَدْرِي، فَيَقُولَانِ لَهُ: مَا هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي بُعِثَ فِيكُمْ؟ فَيَقُولُ: هَاهْ هَاهْ لَا أَدْرِي، فَيُنَادِي منادٍ مِنَ السَّمَاءِ: أن كذب عبدي، فَأَفْرِشُوهُ مِنَ النَّارِ وَافْتَحُوا لَهُ بَابًا إِلَى النَّارِ، فَيَأْتِيهِ مِنْ حَرِّهَا وَسُمُومِهَا وَيُضَيَّقُ عَلَيْهِ قَبْرُهُ حَتَّى تَخْتَلِفَ فِيهِ أَضْلَاعُهُ، وَيَأْتِيهِ رَجُلٌ قَبِيحُ الْوَجْهِ قَبِيحُ الثِّيَابِ مُنْتِنُ الرِّيحِ فَيَقُولُ: أَبْشِرْ بِالَّذِي يَسُوؤُكَ، هَذَا يَوْمُكَ الَّذِي كُنْتَ تُوعَدُ، فَيَقُولُ: وَمَنْ أَنْتَ فَوَجْهُكَ الْوَجْهُ يَجِيءُ بِالشَّرِّ؟ فَيَقُولُ: أَنَا عَمَلُكَ الْخَبِيثُ، فَيَقُولُ: رَبِّ لَا تُقِمِ السَّاعَةَ. وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: إِذَا خَرَجَتْ رُوحُ الْعَبْدِ الْمُؤْمِنِ تَلَقَّاهَا مَلَكَانِ يَصْعَدَانِ بِهَا قَالَ حَمَّادٌ: فَذَكَرَ مَنْ طِيبِ رِيحِهَا وَذَكَرَ الْمِسْكَ - قَالَ - وَيَقُولُ أَهْلُ السَّمَاءِ: رُوحٌ طَيِّبَةٌ جَاءَتْ مِنْ قِبَلِ الْأَرْضِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْكِ وَعَلَى جَسَدٍ كُنْتِ تَعْمُرِينَهُ، فَيُنْطَلَقُ بِهِ إِلَى رَبِّهِ ﷿ فَيَقُولُ: انْطَلِقُوا بِهِ إِلَى آخِرِ الْأَجَلِ. وإن كان الْكَافِرَ إِذَا خَرَجَتْ رُوحُهُ - قَالَ حَمَّادٌ - وَذَكَرَ مِنْ نَتْنِهَا، وَذَكَرَ مَقْتًا وَيَقُولُ أَهْلُ السَّمَاءِ روح خبيثة جاءت من قبل الأرض، فَيُقَالُ: انْطَلِقُوا بِهِ إِلَى آخِرِ الْأَجَلِ. قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَرَدَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَيْطَةً كَانَتْ عَلَيْهِ عَلَى أَنْفِهِ هكذا.

، فَيُقَالُ: انْطَلِقُوا بِهِ إِلَى آخِرِ الْأَجَلِ. قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَرَدَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَيْطَةً كَانَتْ عَلَيْهِ عَلَى أَنْفِهِ هكذا. وقال ابن حبان في صحيحيه، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا قُبِضَ أَتَتْهُ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ بِحَرِيرَةٍ بَيْضَاءَ فَيَقُولُونَ: اخْرُجِي إِلَى رَوْحِ اللَّهِ، فَتَخْرُجُ كَأَطْيَبِ رِيحِ مسك، حتى أنه ليناوله بعضهم يَشُمُّونَهُ حَتَّى يَأْتُوا بِهِ بَابَ السَّمَاءِ، فَيَقُولُونَ: ما هذه الرِّيحُ الطَّيِّبَةُ الَّتِي جَاءَتْ مِنْ قِبَلِ الْأَرْضِ؟ وَلَا يَأْتُونَ سَمَاءً إِلَّا قَالُوا مِثْلَ ذَلِكَ حَتَّى يَأْتُوا بِهِ أَرْوَاحَ الْمُؤْمِنِينَ، فَلَهُمْ أَشُدُّ فَرَحًا بِهِ مِنْ أَهْلِ الْغَائِبِ بِغَائِبِهِمْ، فَيَقُولُونَ: مَا فَعَلَ فُلَانٌ، فَيَقُولُونَ: دَعُوهُ حَتَّى يَسْتَرِيحَ، فَإِنَّهُ كَانَ فِي غَمٍّ، فَيَقُولُ: قَدْ مَاتَ أما أتاكم، فيقولون: ذهب إِلَى أُمِّهِ الْهَاوِيَةِ، وَأَمَّا الْكَافِرُ فَيَأْتِيهِ مَلَائِكَةُ الْعَذَابِ بِمِسْحٍ فَيَقُولُونَ: اخْرُجِي إِلَى غَضَبِ اللَّهِ، فَتَخْرُجُ كَأَنْتَنِ رِيحِ جِيفَةٍ، فَيُذْهَبُ بِهِ إِلَى الأرض". وروى الْعَوْفِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ فِي هَذِهِ الْآيَةِ قَالَ: إِنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا حَضَرَهُ الْمَوْتُ شَهِدَتْهُ الْمَلَائِكَةُ فَسَلَّمُوا عَلَيْهِ وَبَشَّرُوهُ بِالْجَنَّةِ، فَإِذَا مَاتَ مَشَوْا مَعَ جِنَازَتِهِ، ثُمَّ صَلَّوْا عَلَيْهِ مَعَ النَّاسِ، فَإِذَا دُفِنَ أُجْلِسَ فِي قَبْرِهِ فَيُقَالُ لَهُ: مَنْ رَبُّكَ؟ فَيَقُولُ: رَبِّيَ اللَّهُ، فَيُقَالُ لَهُ: مَنْ رَسُولُكَ؟ فَيَقُولُ: مُحَمَّدٌ ﷺ، فَيُقَالُ لَهُ: مَا شَهَادَتُكَ؟ فَيَقُولُ:

أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، فَيُوَسَّعُ لَهُ فِي قَبْرِهِ مَدَّ بَصَرِهِ. وَأَمَّا الْكَافِرُ فَتَنْزِلُ عَلَيْهِ الْمَلَائِكَةُ فَيَبْسُطُونَ أَيْدِيَهُمْ، وَالْبَسْطُ هُوَ الضَّرْبُ ﴿يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ﴾ عِنْدَ الْمَوْتِ، فَإِذَا أُدْخِلَ قَبْرَهُ أُقْعِدُ، فَقِيلَ لَهُ: مَنْ رَبُّكُ؟ فَلَمْ يَرْجِعْ إِلَيْهِمْ شَيْئًا، وَأَنْسَاهُ اللَّهُ ذِكْرَ ذَلِكَ، وَإِذَا قِيلَ: مَنِ الرَّسُولُ الَّذِي بُعِثَ إِلَيْكَ؟ لَمْ يهتد له ولم يرجع إليهم شَيْئًا ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ﴾. وَقَالَ ابْنُ أبي حاتم، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ الْأَنْصَارِيِّ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ الْآيَةَ، قَالَ: إِنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا مَاتَ أُجْلِسَ فِي قَبْرِهِ، فَيُقَالُ لَهُ: مَنْ رَبُّكَ؟ فَيَقُولُ: اللَّهُ، فَيُقَالُ لَهُ: مَنْ نَبِيُّكَ؟ فَيَقُولُ: مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، فيقال له: ذَلِكَ مَرَّاتٍ ثُمَّ يُفْتَحُ لَهُ بَابٌ إِلَى النار، فيقال له: أنظر إلى منزلك من النَّارِ لَوْ زُغْتَ، ثُمَّ يُفْتَحُ لَهُ بَابٌ إِلَى الجنةَ فَيُقَالُ لَهُ: انْظُرْ إِلَى مَنْزِلِكَ من الجنة إذا ثَبَتَّ. وَإِذَا مَاتَ الْكَافِرُ أُجْلِسَ فِي قَبْرِهِ فَيُقَالُ لَهُ: مَنْ رَبُّكَ؟ مَنْ نَبِيُّكَ؟ فَيَقُولُ: لَا أَدْرِي، كُنْتُ أَسْمَعُ النَّاسَ يَقُولُونَ، فَيُقَالُ لَهُ: لَا دَرَيْتَ، ثُمَّ يُفْتَحُ لَهُ بَابٌ إِلَى الجنةَ، فَيُقَالُ لَهُ: انْظُرْ إِلَى مَنْزِلِكَ إذا ثَبَتَّ، ثُمَّ يُفْتَحُ لَهُ بَابٌ إِلَى النَّارِ، فيقال له: أنظر إلى منزلك إذا زُغْتَ، فَذَلِكَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾.

زلك إذا زُغْتَ، فَذَلِكَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾. وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: عَنْ مَعْمَرٍ عَنِ ابْنِ طاووس عَنْ أَبِيهِ: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الحياة الدنيا﴾ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ﴿وَفِي الْآخِرَةِ﴾ الْمَسْأَلَةُ فِي الْقَبْرِ، وَقَالَ قَتَادَةُ أَمَّا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَيُثَبِّتُهُمْ بِالْخَيْرِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ ﴿وَفِي الْآخِرَةِ﴾: فِي الْقَبْرِ. وَكَذَا رُوِيَ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ، وعن عُثْمَانَ ﵁ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا فَرَغَ مِنْ دَفْنِ الرَّجُلِ وَقَفَ عَلَيْهِ وَقَالَ: «اسْتَغْفِرُوا لِأَخِيكُمْ واسألوا له التثبيت، فإنه الآن يسأل» (أخرجه أبو داود في سننه).

  • ٢٨ - أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْراً وَأَحَلُّواْ قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ
  • ٢٩ - جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ
  • ٣٠ - وَجَعَلُواْ للَّهِ أَندَاداً لِّيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعُواْ فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ

صْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ

  • ٣٠ - وَجَعَلُواْ للَّهِ أَندَاداً لِّيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعُواْ فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ

قَالَ الْبُخَارِيُّ: قَوْلُهُ: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْراً﴾، أَلَمْ تَعْلَمْ، كَقَوْلِهِ: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ﴾، ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين خرجوا﴾. البوار: الهلاك، بار يبور بوراً، ﴿قَوْماً بورا﴾ هَالِكِينَ. حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرٍو عَنْ عَطَاءٍ سَمِعَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْراً﴾ قال: هو كفار أهل مكة. والمعنى جَمِيعَ الْكُفَّارِ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى بَعَثَ مُحَمَّدًا ﷺ رَحْمَةً لِلْعَالِمِينَ وَنِعْمَةً لِلنَّاسِ، فَمَنْ قَبِلَهَا وَقَامَ بِشُكْرِهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ، ومن ردها وكفرها دخل النار. وقال ابن أبي حاتم: قَامَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁ فَقَالَ: أَلَا أَحَدٌ يَسْأَلُنِي عَنِ الْقُرْآنِ؟ فوالله لو أعلم اليوم أحداً أعلم به مني وَإِنْ كَانَ مِنْ وَرَاءِ الْبِحَارِ لَأَتَيْتُهُ، فَقَامَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْكَوَّاءِ، فَقَالَ: مّنْ ﴿الَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْراً وَأَحَلُّواْ قَوْمَهُمْ دَارَ البوار﴾؟ قال: مُشْرِكُو قُرَيْشٍ أَتَتْهُمْ نِعْمَةُ اللَّهِ الْإِيمَانُ، فَبَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّواْ قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ. وقال سفيان الثوري، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فِي قَوْلِهِ: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْراً﴾ قَالَ: هُمُ الْأَفْجَرَانِ مِنْ قُرَيْشٍ: بَنُو الْمُغِيرَةِ وَبَنُو أُميَّة، فَأَمَّا بَنُو الْمُغِيرَةِ فكُفِيتُمُوهُمْ يَوْمَ بَدْرٍ، وَأَمَّا بَنُو أُمَيَّةَ فَمُتِّعُوا إِلَى حِينٍ. وَكَذَا رَوَاهُ حَمْزَةُ الزَّيَّاتُ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ قَالَ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ لِعُمَرَ

بْنِ الْخَطَّابِ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْراً وَأَحَلُّواْ قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ﴾ قَالَ: هُمُ الْأَفْجَرَانِ مِنْ قُرَيْشٍ أَخْوَالِي وَأَعْمَامُكَ، فَأَمَّا أَخْوَالِي فَاسْتَأْصَلَهُمُ اللَّهُ يَوْمَ بَدْرٍ، وَأَمَّا أَعْمَامُكُ فَأَمْلَى اللَّهُ لَهُمْ إِلَى حِينٍ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَسَعِيدُ بن جبير والضحاك وقتادة وابن زَيْدٍ: هُمْ كُفَّارُ قُرَيْشٍ الَّذِينَ قُتِلُوا يَوْمَ بدر؛ وكذا رواه مالك في تفسير عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ. وَقَوْلُهُ: ﴿وَجَعَلُواْ للَّهِ أَندَاداً لِّيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِهِ﴾، أَيْ جَعَلُوا لَهُ شُرَكَاءَ عَبَدُوهُمْ مَعَهُ وَدَعَوُا النَّاسَ إِلَى ذَلِكَ، ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: مُهَدِّدًا لَهُمْ وَمُتَوَعِّدًا لَهُمْ عَلَى لِسَانِ نَبِيهِ ﷺ ﴿قُلْ تَمَتَّعُواْ فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ﴾ أَيْ مَهْمَا قَدَرْتُمْ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا فَافْعَلُوا فهما يَكُنْ مِّن شَيْءٍ ﴿فَأَنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ﴾ أَيْ مَرْجِعَكُمْ وَمَوْئِلَكُمْ إِلَيْهَا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلاً ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ﴾.

  • ٣١ - قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَاّ بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خِلَالٌ

آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَاّ بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خِلَالٌ

يقول تعالى آمراً عباده بِطَاعَتِهِ، وَالْقِيَامِ بِحَقِّهِ وَالْإِحْسَانِ إِلَى خَلْقِهِ، بِأَنْ يقيموا الصلاة، وَأَنْ يُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ، بِأَدَاءِ الزَّكَوَاتِ وَالنَّفَقَةِ عَلَى الْقَرَابَاتِ وَالْإِحْسَانِ إِلَى الْأَجَانِبِ، وَالْمُرَادُ بِإِقَامَتِهَا هُوَ الْمُحَافَظَةُ عَلَى وَقْتِهَا وَحُدُودِهَا وَرُكُوعِهَا وَخُشُوعِهَا وَسُجُودِهَا، وَأَمَرَ تَعَالَى بِالْإِنْفَاقِ مِمَّا رَزَقَ فِي السِّرِّ، أَيْ فِي الْخُفْيَةِ وَالْعَلَانِيَةِ وَهِيَ الْجَهْرُ، وَلْيُبَادِرُوا إِلَى ذَلِكَ لِخَلَاصِ أَنْفُسِهِمْ ﴿مِنْ قِبَل أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ﴾ وَهُوَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ، ﴿لَاّ بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خِلَالٌ﴾ أي ولا يُقْبَلُ مِنْ أَحَدٍ فِدْيَةٌ بِأَنْ تُبَاعَ نَفْسُهُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنكُمْ فِدْيَةٌ وَلَا مِنَ الذين كفروا﴾. وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَا خِلَالٌ﴾ قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: يَقُولُ: ليس هناك مخالة خليل فيصبح عمن استوجب العقوبة عن العقاب لمخالفته، بل هناك العدل والقسط، يُخْبِرُ تَعَالَى أَنَّهُ لَا يَنْفَعُ أَحَدًا بَيْعٌ وَلَا فِدْيَةٌ، وَلَوِ افْتَدَى بِمِلْءِ الْأَرْضِ ذَهَبًا لو وجده، ولا تنفعه صَدَاقَةُ أَحَدٍ وَلَا شَفَاعَةُ أَحَدٍ، إِذَا لَقِيَ اللَّهَ كَافِرًا، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْماً لَاّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنفَعُهَا شفاعة وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ﴾، وقال تعالى: ﴿ياأيها الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لَاّ بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظالمون﴾.

نُوا أَنْفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لَاّ بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظالمون﴾.

  • ٣٢ - اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَآءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَّكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ
  • ٣٣ - وَسَخَّر لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ
  • ٣٤ - وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ

يُعَدِّدُ تَعَالَى نِعَمَهُ عَلَى خَلْقِهِ بِأَنْ خَلَقَ لهم السموات سَقْفًا مَحْفُوظًا وَالْأَرْضَ فِرَاشًا، ﴿وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَآءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَّكُمْ﴾ مَا بَيْنَ ثِمَارٍ وَزُرُوعٍ مُخْتَلِفَةِ الْأَلْوَانِ وَالْأَشْكَالِ وَالطُّعُومِ وَالرَّوَائِحِ وَالْمَنَافِعِ، وَسَخَّرَ الْفُلْكَ بِأَنْ جَعْلَهَا طَافِيَةً عَلَى تَيَّارِ مَاءِ الْبَحْرِ، تَجْرِي عَلَيْهِ بأمر الله تعالى، وسخر البحر لحملها لِيَقْطَعَ الْمُسَافِرُونَ بِهَا

مِنْ إِقْلِيمٍ إِلَى إِقْلِيمٍ آخَرَ لِجَلْبِ مَا هنا إلى هناك، وما هناك إلى هنا، وَسَخَّرَ الْأَنْهَارَ تَشُقُّ الْأَرْضَ مِنْ قُطْرٍ إِلَى قطر، رزقاً للعباد، ﴿وَسَخَّر لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَآئِبَينَ﴾ أَيْ يَسِيرَانِ لا يفتران لَيْلًا وَلَا نَهَارًا ﴿لَا الشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَآ أَن تدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾، ﴿يغشي الليل النهار يَطْلُبُهُ حَثِيثاً﴾ فالشمس والقمر يتعاقبان، والليل والنهار يتعارضان، فَتَارَةً يَأْخُذُ هَذَا مِنْ هَذَا فَيَطُولُ، ثُمَّ يَأْخُذُ الْآخَرُ مِنْ هَذَا فَيَقْصُرُ، ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ، وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُّسَمًّى إِلَاّ هُوَ العزيز الغفار﴾، وَقَوْلُهُ: ﴿وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ﴾ يَقُولُ: هَيَّأَ لَكُمْ كُلَّ مَا تَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ فِي جَمِيعِ أَحْوَالِكُمْ مِمَّا تَسْأَلُونَهُ بِحَالِكُمْ وَقَالِكُمْ. وَقَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَمَا لم تسألوه، وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾، يخبر تعالى عَنْ عَجْزِ الْعِبَادِ عَنْ تَعْدَادِ النِّعَمِ فَضْلًا عَنِ الْقِيَامِ بِشُكْرِهَا، كَمَا قَالَ طَلْقُ بْنُ حَبِيبٍ رَّحْمَةِ اللَّهُ: إِنَّ حَقَّ اللَّهِ أَثْقَلُ مِنْ أَنْ يَقُومَ بِهِ الْعِبَادُ، وَإِنَّ نِعَمَ اللَّهِ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ يُحْصِيَهَا الْعِبَادُ، وَلَكِنْ أصحبوا تائبين وأمسوا تائبين. وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ غَيْرَ مَكْفِيٍّ وَلَا مُودَّعٍ وَلَا مُسْتَغْنًى عنه ربنا». وَقَدْ رُوِيَ فِي الْأَثَرِ أَنَّ دَاوُدَ ﵇ قَالَ: يَا رَبِّ كَيْفَ أَشْكُرُكَ وَشُكْرِي لَكَ نِعْمَةٌ مِنْكَ عَلَيَّ؟ فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: الْآنَ شَكَرْتَنِي يَا دَاوُدُ، أَيْ حِينَ اعْتَرَفْتَ بالتقصير عن أداء شكر المنعم.

وَشُكْرِي لَكَ نِعْمَةٌ مِنْكَ عَلَيَّ؟ فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: الْآنَ شَكَرْتَنِي يَا دَاوُدُ، أَيْ حِينَ اعْتَرَفْتَ بالتقصير عن أداء شكر المنعم. وقال الإمام الشَّافِعِيُّ ﵀: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَا يُؤَدَّى شُكْرُ نِعْمَةٍ مِنْ نِعَمِهِ، إِلَّا بِنِعْمَةٍ حادثة توجب على مؤديها شُكْرَهُ بِهَا، وَقَالَ الْقَائِلُ فِي ذَلِكَ: لَوْ كان جَارِحَةٍ مِنِّي لَهَا لُغَةٌ * تُثْنِي عَلَيكَ بِمَا أوليتَ مِنْ حَسَنِ لَكَانَ مَا زَادَ شُكْرِي إِذْ شَكَرْتُ بِهِ * إِلَيْكَ أَبْلُغَ فِي الْإِحْسَانِ والمنن.

  • ٣٥ - وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ
  • ٣٦ - رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِّنَ النَّاسِ فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ

يَذْكُرُ تَعَالَى فِي هَذَا الْمَقَامِ مُحْتَجًّا عَلَى مُشْرِكِي الْعَرَبِ بِأَنَّ الْبَلَدَ الْحَرَامَ مَكَّةَ، إِنَّمَا وُضِعَتْ أَوَّلَ مَا وُضِعَتْ عَلَى عِبَادَةِ اللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ إِبْرَاهِيمَ الَّذِي كَانَتْ عَامِرَةً بِسَبَبِهِ آهِلَةً تَبَرَّأَ مِمَّنْ عَبَدَ غَيْرَ اللَّهِ، وَأَنَّهُ دَعَا لِمَكَّةَ بِالْأَمْنِ فَقَالَ: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً﴾، وَقَدِ اسْتَجَابَ الله له فقال تعالى: ﴿أَوَ لَمْ يَرَوْاْ أَنَّا جَعَلْنَا حرما آمِناً﴾ الآية.

َمْنِ فَقَالَ: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً﴾، وَقَدِ اسْتَجَابَ الله له فقال تعالى: ﴿أَوَ لَمْ يَرَوْاْ أَنَّا جَعَلْنَا حرما آمِناً﴾ الآية. وَقَالَ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا البلد آمنا﴾ فعرفه لأنه دَعَا بِهِ بَعْدَ بِنَائِهَا، وَلِهَذَا قَالَ: ﴿الْحَمْدُ للَّهِ الذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وإسحق﴾، وَمَعْلُومٌ أَنَّ إِسْمَاعِيلَ أَكْبَرُ مِنْ إِسْحَاقَ بِثَلَاثَ عشرة سنة، وقوله: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾ يَنْبَغِي لِكُلِّ دَاعٍ أَنْ يَدْعُوَ لِنَفْسِهِ وَلِوَالِدَيْهِ وَلِذُرِّيَّتِهِ، ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّهُ افْتَتَنَ بِالْأَصْنَامِ خَلَائِقُ مِنَ النَّاسِ، وأنه تبرأ مِمَّنْ عَبَدَهَا وَرَدَّ أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ إِنْ شاء عذبهم وإن شاء غفر لهم، كقول عِيسَى ﵇: ﴿إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ وليس فيه أَكْثَرُ مِنَ الرَّدِّ إِلَى مَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى لَا تَجْوِيزُ وُقُوعِ ذَلِكَ. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بن وهب، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَلَا قَوْلَ إبراهيم ﵇: ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِّنَ الناس﴾ الآية، وَقَوْلَ عِيسَى ﵇: ﴿إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عبادك﴾ الآية، ثم رفع يَدَيْهِ ثُمَّ قَالَ: «اللَّهُمَّ أُمَّتِي، اللَّهُمَّ أُمَّتِي، اللهم أمتي» وبكى، فقال الله: اذهب يا جبريل إِلَى مُحَمَّدٍ، وَرَبُّكَ

أَعْلَمُ؛ وَسَلْهُ مَا يُبْكِيكَ؟ فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ ﵇، فَسَأَلَهُ فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ما قَالَ، فَقَالَ اللَّهُ: اذْهَبْ إِلَى مُحَمَّدٍ فَقُلْ له: إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوؤك.

  • ٣٧ - رَّبَّنَآ إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ

وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَذَا دُعَاءٌ ثَانٍ بَعْدَ الدُّعَاءِ الْأَوَّلِ الَّذِي دَعَا بِهِ عِنْدَمَا وَلَّى عَنْ هَاجَرَ وَوَلَدِهَا، وَذَلِكَ قَبْلَ بِنَاءِ الْبَيْتِ، وَهَذَا كَانَ بَعْدَ بِنَائِهِ تَأْكِيدًا وَرَغْبَةً إِلَى اللَّهِ ﷿، وَلِهَذَا قَالَ: ﴿عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ﴾. وقوله: ﴿رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصلاة﴾ أَيْ إِنَّمَا جَعَلْتَهُ مُحَرَّمًا لِيَتَمَكَّنَ أَهْلُهُ مِنْ إِقَامَةِ الصَّلَاةِ عِنْدَهُ ﴿فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تهوي إِلَيْهِمْ﴾، قال ابن عباس (وهو قول مجاهد وسعيد بن جبير وغيرهما): لَوْ قَالَ أَفْئِدَةَ النَّاسِ لَازْدَحَمَ عَلَيْهِ فَارِسُ وَالرُّومُ وَالْيَهُودُ وَالنَّصَارَى وَالنَّاسُ كُلُّهُمْ، وَلَكِنْ قَالَ: ﴿مِّنَ النَّاسِ﴾ فاختُص بِهِ الْمُسْلِمُونَ. وَقَوْلُهُ: ﴿وَارْزُقْهُمْ مِّنَ الثَّمَرَاتِ﴾ أَيْ لِيَكُونَ ذَلِكَ عَوْنًا لَهُمْ عَلَى طَاعَتِكَ، وَكَمَا أَنَّهُ وادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ فَاجْعَلْ لَهُمْ ثِمَارًا يَأْكُلُونَهَا، وَقَدِ اسْتَجَابَ الله ذلك، كما قال: ﴿أو لم نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كل شيء رِّزْقاً مِّن لَّدُنَّا﴾ وَهَذَا مِنْ لُطْفِهِ تَعَالَى وَكَرَمِهِ وَرَحْمَتِهِ وَبَرَكَتِهِ أنه لس فِي الْبَلَدِ الْحَرَامِ (مَكَّةَ) شَجَرَةٌ مُثْمِرَةٌ، وَهِيَ تجبى إليها ثمرات ما حولها استجابة لدعاء الخليل ﵇.

هِ وَرَحْمَتِهِ وَبَرَكَتِهِ أنه لس فِي الْبَلَدِ الْحَرَامِ (مَكَّةَ) شَجَرَةٌ مُثْمِرَةٌ، وَهِيَ تجبى إليها ثمرات ما حولها استجابة لدعاء الخليل ﵇.

  • ٣٨ - رَبَّنَآ إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ
  • ٣٩ - الْحَمْدُ لِلَّهِ الذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ
  • ٤٠ - رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَآءِ
  • ٤١ - رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ

قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلِهِ أَنَّهُ قَالَ: ﴿رَبَّنَآ إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ﴾ أَيْ أَنْتَ تَعْلَمُ قَصْدِي فِي دُعَائِي وَمَا أَرَدْتُ بِدُعَائِي لِأَهْلِ هَذَا الْبَلَدِ، وَإِنَّمَا هُوَ الْقَصْدُ إِلَى رِضَاكَ وَالْإِخْلَاصِ لَكَ، فَإِنَّكَ تَعْلَمُ الْأَشْيَاءَ كُلَّهَا ظَاهِرَهَا وَبَاطِنَهَا لا يَخْفَى عَلَيْكَ مِنْهَا شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ، ثُمَّ حَمِدَ رَبَّهُ ﷿ عَلَى مَا رَزَقَهُ مِنَ الْوَلَدِ بَعْدَ الْكِبَرِ فَقَالَ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ أي أنه يستجيب لِمَنْ دَعَاهُ، وَقَدِ اسْتَجَابَ لِي فِيمَا سَأَلْتُهُ مِنَ الْوَلَدِ، ثُمَّ قَالَ: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ﴾ أَيْ مُحَافِظًا عَلَيْهَا مُقِيمًا لِحُدُودِهَا ﴿وَمِن ذُرِّيَتِي﴾ أي واجعلهم كذلك مقيمين لها (يعني بذريته: بني إسماعيل الذين

نِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ﴾ أَيْ مُحَافِظًا عَلَيْهَا مُقِيمًا لِحُدُودِهَا ﴿وَمِن ذُرِّيَتِي﴾ أي واجعلهم كذلك مقيمين لها (يعني بذريته: بني إسماعيل الذين تناسلت فيهم عرب الحجاز. وقيل أيضاً عرب اليمن، وذريته اثنا عشر رجلاً وامرأة)، ﴿رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَآءِ﴾ أَيْ فِيمَا سَأَلْتُكَ فِيهِ ﴿رَبَّنَا اغفر لِي وَلِوَالِدَيَّ﴾، وَكَانَ هَذَا قَبْلَ أَنْ يَتَبَرَّأَ مِنْ أَبِيهِ لما تبين عَدَاوَتُهُ لِلَّهِ ﷿ ﴿وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أَيْ كُلِّهِمْ ﴿يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ﴾ أَيْ يَوْمَ تُحَاسِبُ عِبَادَكَ فتجازيهم بِأَعْمَالِهِمْ إِنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ وَإِنَّ شَرًّا فَشَرٌّ.

  • ٤٢ - وَلَا تحسبنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ
  • ٤٣ - مُهْطِعِينَ مقنعي رؤوسهم لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طرفهم وأفئدتهم هواء

يقول تعالى: وَلَا تحسبنَّ اللَّهَ - يَا مُحَمَّدُ - غَافِلًا عَمَّا يعمل الظالمون، أي لا تحسبنه إذا أَنْظَرَهُمْ وَأَجَّلَهُمْ أَنَّهُ غَافِلٌ عَنْهُمْ، مُهْمِلٌ لَهُمْ لَا يُعَاقِبُهُمْ عَلَى صُنْعِهِمْ، بَلْ هُوَ يُحْصِي ذلك عليهم ويعده عليهم عداً، ﴿إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ﴾ أَيْ مِنْ شِدَّةِ الْأَهْوَالِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: ثُمَّ ذَكَرَ تعالى كيفية قيامهم من قبورهم وعجلتهم إِلَى قِيَامِ الْمَحْشَرِ، فَقَالَ: ﴿مُهْطِعِينَ﴾ أَيْ مُسْرِعِينَ،

ْأَهْوَالِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: ثُمَّ ذَكَرَ تعالى كيفية قيامهم من قبورهم وعجلتهم إِلَى قِيَامِ الْمَحْشَرِ، فَقَالَ: ﴿مُهْطِعِينَ﴾ أَيْ مُسْرِعِينَ، كما قال تعالى: ﴿مُّهْطِعِينَ إِلَى الداع﴾ الآية، وقال تعالى: ﴿يؤمئذ يَتَّبِعُونَ الداعي لَا عِوَجَ لَهُ﴾. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعاً﴾ الآية، وقوله: ﴿مُقْنِعِي رُؤُوسَهُمْ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ وَغَيْرُ وَاحِدٍ: رَافِعِي رؤوسهم، ﴿لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ﴾ أي أبصارهم ظاهرة شاخصة مديمون النَّظَرَ، لَا يَطْرِفُونَ لَحْظَةً لِكَثْرَةِ مَا هُمْ فيه من الهول وَالْمَخَافَةِ لِمَا يَحِلُّ بِهِمْ عِيَاذًا بِاللَّهِ الْعَظِيمِ مِنْ ذَلِكَ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَآءٌ﴾ أَيْ وَقُلُوبُهُمْ خَاوِيَةٌ خَالِيَةٌ لَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ لِكَثْرَةِ الْوَجِلِ وَالْخَوْفِ، وَلِهَذَا قَالَ قَتَادَةُ وَجَمَاعَةٌ: إِنَّ أَمْكِنَةَ أَفْئِدَتِهِمْ خَالِيَةٌ، لِأَنَّ الْقُلُوبَ لَدَى الْحَنَاجِرِ قَدْ خَرَجَتْ مِنْ أَمَاكِنِهَا مِنْ شِدَّةِ الْخَوْفِ. وقال بعضهم: هي خراب لا تعي شيئاً لشدة ما أخبر به تعالى عنهم، ثُمَّ قَالَ تَعَالَى لِرَسُولِهِ ﷺ:

  • ٤٤ - وَأَنذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَآ أَخِّرْنَآ إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُّجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِّن قَبْلُ مَا لَكُمْ مِّن زَوَالٍ
  • ٤٥ - وَسَكَنتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ
  • ٤٦ - وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لتزول منه الجبال

يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ قِيلِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنفسهم عند معانية الْعَذَابِ: ﴿رَبَّنَآ أَخِّرْنَآ إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُّجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرسل﴾، كقوله: ﴿حَتَّى إِذَا جَآءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارجعون﴾ الآية. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لَا تُلْهِكُمْ أموالكم﴾ الآيتين، وَقَالَ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْهُمْ فِي حَالِ مَحْشَرِهِمْ: ﴿وَلَوْ ترى إِذِ المجرمون ناكسوا رؤوسهم﴾ الآية، وَقَالَ: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُواْ عَلَى النَّارِ فَقَالُواْ يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا﴾ الآية، وقال تعالى: ﴿وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا﴾ الآية، قال تَعَالَى رَادًّا عَلَيْهِمْ فِي قَوْلِهِمْ هَذَا: ﴿أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِّن قَبْلُ مَا لَكُمْ مِّن زَوَالٍ﴾ أي أو لم تكونوا تحلفون في قبل هذه الحالة أَنَّهُ لَا زَوَالَ لَكُمْ عَمَّا أَنْتُمْ فِيهِ، وَأَنَّهُ لَا مَعَادَ وَلَا جَزَاءَ فَذُوقُوا هَذَا بذلك، قَالَ مُجَاهِدٌ وَغَيْرُهُ ﴿مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ﴾: أَيْ مَا لَكَمْ مِنِ انْتِقَالٍ مِنَ الدُّنْيَا إلى الآخرة، كقوله: ﴿وَأَقْسَمُواْ بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثَ اللَّهُ مِن يموت﴾ الآية،

َيْ مَا لَكَمْ مِنِ انْتِقَالٍ مِنَ الدُّنْيَا إلى الآخرة، كقوله: ﴿وَأَقْسَمُواْ بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثَ اللَّهُ مِن يموت﴾ الآية، ﴿وَسَكَنتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ﴾ أَيْ قَدْ رَأَيْتُمْ وَبَلَغَكُمْ مَا أَحْلَلْنَا بِالْأُمَمِ الْمُكَذِّبَةِ قَبْلَكُمْ وَمَعَ هَذَا لَّمْ يَكُنْ لَّكُمْ فِيهِمْ مُعْتَبَرٌ وَلَمْ يَكُنْ فِيمَا أَوْقَعْنَا بِهِمْ مزدجر ﴿حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فما تغني النذر﴾. وَرَوَى الْعَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾ يَقُولُ: مَا كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ، وَكَذَا قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ، وَوَجَّهَهُ ابْنُ جَرِيرٍ بِأَنَّ هذا الذي فعلوه بأنفسهم من شركهم بالله وكفرهم بِهِ مَا ضَرَّ ذَلِكَ شَيْئًا مِنَ الْجِبَالِ ولا غيرها، وإنما عاد وبال ذلك عليهم، ويشبه هذا قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَن تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا﴾، وَالْقَوْلُ الثَّانِي فِي تَفْسِيرِهَا مَا رَوَاهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﴿وَإِن كَانَ

مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾ يَقُولُ: شِرْكُهُمْ كَقَوْلِهِ: ﴿تكاد السموات والأرض يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ﴾ الآية، وَهَكَذَا قَالَ الضَّحَّاكُ وَقَتَادَةُ.

  • ٤٧ - فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ
  • ٤٨ - يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ

هُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ

  • ٤٨ - يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ

يَقُولُ تَعَالَى مُقَرِّرًا لِوَعْدِهِ وَمُؤَكِّدًا ﴿فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ﴾ أَيْ مِنْ نُصْرَتِهِمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ، ثُمَّ أخبر تعالى أنه ذو عزة لا يمنتع عَلَيْهِ شَيْءٌ أَرَادَهُ وَلَا يُغَالَبُ، وَذُو انْتِقَامٍ ممن كفر به وجحده، ﴿فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾، وَلِهَذَا قَالَ: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ﴾ أَيْ وَعْدُهُ هَذَا حَاصِلٌ يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرض غير الأرض، كما جاء في الصحيحين، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى أَرْضٍ بَيْضَاءَ عَفْرَاءَ كَقُرْصَةِ النَّقِيِّ لَيْسَ فِيهَا مَعْلَمٌ لِأَحَدٍ»، وَقَالَ الْإِمَامُ أحمد، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: أَنَا أَوَّلُ النَّاسِ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الأرض والسموات﴾ قَالَتْ، قُلْتُ: أَيْنَ النَّاسُ يومئذٍ يَا رَسُولَ الله؟ قال: «على الصراط» (رواه أحمد ومسلم والترمذي وابن ماجه، وقال الترمذي: حسن صحيح). وَقَالَ الْإِمَامُ مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ فِي صَحِيحِهِ عَنْ ثَوْبَانَ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: كُنْتُ قَائِمًا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَجَاءَهُ حَبْرٌ مِنْ أَحْبَارِ يهود فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا مُحَمَّدُ، فَدَفَعْتُهُ دَفْعَةً كَادَ يُصْرَعُ مِنْهَا، فَقَالَ: لِمَ تَدْفَعُنِي؟ فَقُلْتُ: أَلَا تَقُولُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ الْيَهُودِيُّ: إِنَّمَا نَدْعُوهُ بِاسْمِهِ الَّذِي سَمَّاهُ بِهِ أَهْلُهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ اسْمِي مُحَمَّدٌ الَّذِي سَمَّانِي بِهِ أَهْلِي»، فَقَالَ الْيَهُودِيُّ: جِئْتُ أَسْأَلُكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أينفعك

ُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ اسْمِي مُحَمَّدٌ الَّذِي سَمَّانِي بِهِ أَهْلِي»، فَقَالَ الْيَهُودِيُّ: جِئْتُ أَسْأَلُكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أينفعك شيئاً إِنْ حَدَّثْتُكَ»؟ فَقَالَ: أَسْمَعُ بِأُذُنَيَّ، فَنَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِعُودٍ مَعَهُ، فَقَالَ: «سَلْ»، فَقَالَ الْيَهُودِيُّ: أَيْنَ يَكُونُ النَّاسُ يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرض غير الأرض والسماوات؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «هُمْ فِي الظُّلْمَةِ دُونَ الْجِسْرِ»، قَالَ: فَمَنْ أول الناس إجازة؟ فقال: «فقراء المهاجرين»، فقال الْيَهُودِيُّ: فَمَا تُحْفَتُهُمْ حِينَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ؟ قَالَ: «زِيَادَةُ كَبِدِ النُّونِ»، قَالَ: فَمَا غِذَاؤُهُمْ فِي أَثَرِهَا؟ قَالَ: «يُنْحَرُ لَهُمْ ثَوْرُ الْجَنَّةِ الَّذِي كَانَ يَأْكُلُ مِنْ أَطْرَافِهَا»، قَالَ: فَمَا شَرَابُهُمْ عَلَيْهِ؟ قَالَ: «مِنْ عَيْنٍ فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلاً»، قَالَ: صَدَقْتَ. قَالَ: وَجِئْتُ أَسْأَلُكَ عَنْ شَيْءٍ لَا يَعْلَمُهُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ إِلَّا نَبِيٌّ أَوْ رَجُلٌ أَوْ رَجُلَانِ، قَالَ: «أَيَنْفَعُكَ إِنْ حَدَّثْتُكَ»؟ قَالَ: أَسْمَعُ بِأُذُنَيَّ، قَالَ جِئْتُ أَسْأَلُكَ عَنِ الْوَلَدِ، قَالَ: «مَاءُ الرَّجُلِ أَبْيَضُ وَمَاءُ الْمَرْأَةِ أَصْفَرُ، فَإِذَا اجْتَمَعَا فَعَلَا مَنِيُّ الرجل مني المرأة كان ذكراً بِإِذْنِ اللَّهِ، وَإِذَا عَلَا مَنِيُّ الْمَرْأَةِ مَنِيَّ الرجل كان أُنثى بِإِذْنِ اللَّهِ»، قَالَ الْيَهُودِيُّ: لَقَدْ صَدَقْتَ، وَإِنَّكَ لَنَبِيٌّ، ثُمَّ انْصَرَفَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَقَدْ سَأَلَنِي هَذَا عَنِ الَّذِي سَأَلَنِي عَنْهُ وَمَا لِي عِلْمٌ بِشَيْءٍ منه حتى أتاني الله به».

وروى أبو جعفر بن جرير الطبري، عن عَمْرَو بْنَ مَيْمُونٍ يَقُولُ: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غير الأرض﴾ قال: أرض كالفضة البيضاء النقية، لَمْ يُسْفَكْ فِيهَا دَمٌ، وَلَمْ يُعْمَلْ عَلَيْهَا خَطِيئَةٌ، يُنْفِذُهُمُ الْبَصَرُ، وَيُسْمِعُهُمُ الدَّاعِي حُفَاةً عُرَاةً كَمَا خُلِقُوا، قَالَ، أُرَاهُ قَالَ قِيَامًا حَتَّى يلجمهم العرق، وعن عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي قَوْلِ اللَّهِ ﷿ ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الأرض﴾ قال: «أرض بيضاء لم يسفك عليها دم، ولم يعمل عليها خطيئة» (رواه الحافظ أبو بكر البزار). وقال الربيع، عن أبي بن كعب قال: تصير السماوات جناناً. وقال الاعمش، عن عبد الله بن مسعود: الأرض كلها نار يوم القيامة، والجنة مِنْ وَرَائِهَا تَرَى أَكْوَابَهَا وَكَوَاعِبَهَا، وَالَّذِي نَفْسُ عَبْدِ اللَّهِ بِيَدِهِ إِنَّ الرَّجُلَ لَيَفِيضُ عَرَقًا حتى ترشح فِي الْأَرْضِ قَدَمُهُ، ثُمَّ يَرْتَفِعُ حَتَّى يَبْلُغَ أنفه، وما مسه الحساب، قالوا: ممَ ذلك يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ؟ قَالَ مِمَّا يَرَى الناس ويلقون. وَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ الرَّازِيُّ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أنَس عَنْ كَعْبٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرض غير الأرض والسموات﴾ قال: تصير السماوات جِنَانًا وَيَصِيرُ مَكَانُ الْبَحْرِ نَارًا وَتُبَدَّلُ الْأَرْضُ غيرها. وَقَوْلُهُ: ﴿وَبَرَزُواْ للَّهِ﴾ أَيْ خَرَجَتِ الْخَلَائِقُ جَمِيعُهَا مِنْ قُبُورِهِمْ لِلَّهِ ﴿الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ أَيِ الَّذِي قَهَرَ كُلَّ شَيْءٍ وَغَلَبَهُ، وَدَانَتْ لَهُ الرِّقَابُ وَخَضَعَتْ لَهُ الْأَلْبَابُ.

  • ٤٩ - وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ

  • ٥٠ - سَرَابِيلُهُم مِّن قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ

  • ٥١ - لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ

  • سَرَابِيلُهُم مِّن قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ

  • ٥١ - لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ

يَقُولُ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الأرض والسموات﴾ وَتَبْرُزُ الْخَلَائِقُ لديَّانها تَرَى يَا مُحَمَّدُ يومئذٍ الْمُجْرِمِينَ وَهُمُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا بِكُفْرِهِمْ وَفَسَادِهِمْ، ﴿مُّقَرَّنِينَ﴾ أَيْ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَدْ جُمِعَ بَيْنَ النُّظَرَاءِ أَوِ الْأَشْكَالِ مِنْهُمْ كُلِّ صِنْفٍ إِلَى صِنْفٍ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُواْ وَأَزْوَاجَهُمْ﴾، وقال: ﴿وَإِذَا النفوس زُوِّجَتْ﴾، وَقَالَ: ﴿وَإَذَآ أُلْقُواْ مِنْهَا مَكَاناً ضَيِّقاً مُّقَرَّنِينَ دَعَوْاْ هُنَالِكَ ثُبُوراً﴾، وَقَالَ: ﴿وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّآءٍ وَغَوَّاصٍ وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الأصفاد﴾ وَالْأَصْفَادُ هِيَ الْقُيُودُ (قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَالْأَعْمَشُ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ)، قَالَ عَمْرُو بْنُ كُلْثُومٍ: فَآبُوا، بِالثِّيَابِ وَبِالسَّبَايَا * وأبنا بالملوك مصفدينا

جُبَيْرٍ وَالْأَعْمَشُ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ)، قَالَ عَمْرُو بْنُ كُلْثُومٍ: فَآبُوا، بِالثِّيَابِ وَبِالسَّبَايَا * وأبنا بالملوك مصفدينا وقوله تعالى: ﴿سَرَابِيلُهُم مِّن قَطِرَانٍ﴾ أَيْ ثِيَابُهُمُ الَّتِي يَلْبَسُونَهَا مِنْ قَطِرَانٍ، وَهُوَ الَّذِي تُهَنَّأُ بِهِ الْإِبِلُ، أي تطلى، قال قتادة: وهو ألصق شيء بالنار، وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ: الْقَطِرَانُ هُوَ النُّحَاسُ المذاب (وهو مروي عن مجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير وقتادة)، أَيْ مِنْ نُحَاسٍ حَارٍّ قَدِ انْتَهَى حَرُّهُ، وَقَوْلُهُ: ﴿وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ﴾، كَقَوْلِهِ: ﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النار وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ﴾، وقال الإمام أحمد، عَنْ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْعَرِيِّ قَالَ، قَالَ رَسُولُ الله ﷺ: "أَرْبَعٌ فِي أُمَّتِي مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ لَا يتركونهن: الفخر بالأحساب، والطعن بالأنساب، والاستسقاء بالنجوم، والنياحة على الميت، وَالنَّائِحَةُ إِذَا لَمْ تَتُبْ قَبْلَ مَوْتِهَا؛ تُقَامُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَعَلَيْهَا سِرْبَالٌ مِنْ قَطِرَانٍ وَدِرْعٍ مِنْ جرب" (أخرجه مسلم والإمام أحمد في المسند)، وقوله: ﴿لِيَجْزِيَ الله كل نفس ما كَسَبَتْ﴾ أي يوم

القيامة ﴿لِيَجْزِيَ الذين أَسَاءُواْ بما عملوا﴾ الآية، ﴿إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾ ويحتمل أنه في حال محاسبة لِعَبْدِهِ سَرِيعُ النَّجَازِ، لِأَنَّهُ يَعْلَمُ كُلَّ شَيْءٍ وَلَا يَخْفَى عَلَيْهِ خَافِيَةٌ، وَإِنَّ جَمِيعَ الْخَلْقِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى قُدْرَتِهِ كَالْوَاحِدِ مِنْهُمْ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَّا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَاّ كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ مُجَاهِدٍ: ﴿سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ إِحْصَاءً، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَيَانِ مُرَادَيْنِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

  • ٥٢ - هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا إِنَّمَا هُوَ إله وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُوْلُواْ الْأَلْبَابِ

يَقُولُ تَعَالَى: هَذَا الْقُرْآنُ بَلَاغٌ لِلنَّاسِ، كقوله: ﴿لأُنذِرَكُمْ بِهِ وَمَن بلغ﴾ أي هو بلاغ لجميع الخلائق من إنس وجن كما قال في أول السورة: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إلى النور﴾ الآية، و ﴿لينذروا بِهِ﴾ أَيْ لِيَتَّعِظُوا بِهِ، ﴿وَلِيَعْلَمُوا إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ أَيْ يَسْتَدِلُّوا بِمَا فِيهِ مِنَ الْحُجَجِ وَالدَّلَالَاتِ عَلَى أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، ﴿وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ أَيْ ذَوُو الْعُقُولِ.

  • ١٥ - سورة الحجر

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.

  • ١ - الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُّبِينٍ
  • ٢ - رُّبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ كَانُواْ مُسْلِمِينَ
  • ٣ - ذَرْهُمْ يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ

قَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى الْحُرُوفِ الْمُقَطَّعَةِ فِي أوائل السور، وقوله تعالى: ﴿رُّبَمَا يَوَدُّ الذين كَفَرُواْ﴾ إِخْبَارٌ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ سَيَنْدَمُونَ عَلَى مَا كَانُوا فيه من الكفر، ويتمنون لو كانوا في الدنيا مسلمين، ونقل السدي عن ابن عباس، أن كفّار قريش لَمَّا عُرِضُوا عَلَى النَّارِ تَمَنَّوْا أَنْ لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ أَنَّ كُلَّ كَافِرٍ يَوَدُّ عِنْدَ احْتِضَارِهِ أَنْ لَوْ كَانَ مُؤْمِنًا، وقيل: هذا إخبار عن يوم القيامة، كقوله تَعَالَى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُواْ عَلَى النَّارِ فَقَالُواْ يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ من المؤمنين﴾، وقال بعضهم: يَحْبِسُ اللَّهُ أَهْلَ الْخَطَايَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ مَعَ الْمُشْرِكِينَ فِي النَّارِ، قَالَ: فَيَقُولُ لَهُمُ الْمُشْرِكُونَ: مَآ أَغْنَى عَنكُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ فِي الدُّنْيَا، قَالَ: فَيَغْضَبُ اللَّهُ لَهُمْ بِفَضْلِ رَحْمَتِهِ، فَيُخْرِجُهُمْ،

مُ الْمُشْرِكُونَ: مَآ أَغْنَى عَنكُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ فِي الدُّنْيَا، قَالَ: فَيَغْضَبُ اللَّهُ لَهُمْ بِفَضْلِ رَحْمَتِهِ، فَيُخْرِجُهُمْ، فَذَلِكَ حِينَ يَقُولُ: ﴿رُّبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ كَانُواْ مُسْلِمِينَ﴾ (روى هذا القول ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وأنَس بْنِ مالك وقال: كانا يتأولان الآية: ﴿رُّبَمَا يَوَدُّ الذين كَفَرُواْ﴾ بذلك التأويل). وقال مجاهد: يَقُولُ أَهْلُ النَّارِ لِلْمُوَحِّدِينَ: مَآ أَغْنَى عَنكُمْ إيمانكم؟ فإذا قالوا ذلك قال الله: أَخْرِجُوا مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ إيمان، فَعِنْدَ ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿رُّبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ كَانُواْ مُسْلِمِينَ﴾، وَقَدْ وَرَدَ فِي ذَلِكَ أَحَادِيثُ مَرْفُوعَةٌ، فَقَالَ الحافظ الطبراني، عَنْ أنَس بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ نَاسًا مِنْ أَهْلٍ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَدْخُلُونَ النَّارَ بِذُنُوبِهِمْ، فَيَقُولُ لَهُمْ أَهْلُ اللَّاتِ وَالْعُزَّى: مَآ أَغْنَى عَنكُمْ قَوْلُكُمْ: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ وَأَنْتُمْ مَعَنَا فِي النَّارِ؟ فَيَغْضَبُ اللَّهُ لَهُمْ، فَيُخْرِجُهُمْ فَيُلْقِيهِمْ فِي نهر الحياة، فيبرؤون مِنْ حَرْقِهِمْ، كَمَا يَبْرَأُ الْقَمَرُ مِنْ خُسُوفِهِ، ويدخلون الجنة ويسمون فيها الجهنميين". (الحديث الثاني): عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ ﵁ قَالَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم: "إذا اجتمع أهل

يسمون فيها الجهنميين". (الحديث الثاني): عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ ﵁ قَالَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم: "إذا اجتمع أهل

النَّارِ وَمَعَهُمْ مَنْ شَاءَ اللَّهُ مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ، قَالَ الْكُفَّارُ لِلْمُسْلِمِينَ: أَلَمْ تَكُونُوا مُسْلِمِينَ؟ قَالُواْ: بَلَى، قَالُواْ: فَمَا أَغْنَى عَنْكُمُ الْإِسْلَامُ وقد صِرْتُمْ مَعَنَا فِي النَّارِ؟ قَالُوا: كَانَتْ لَنَا ذنوباً فَأُخِذْنَا بِهَا، فَسَمِعَ اللَّهُ مَا قَالُوا، فَأَمَرَ بِمَنْ كَانَ فِي النَّارِ مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ فَأُخْرِجُوا، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ مَنْ بَقِيَ مِنَ الْكُفَّارِ قَالُوا: يَا لَيْتَنَا كُنَّا مُسْلِمِينَ فَنَخْرُجَ كَمَا خَرَجُوا - قَالَ: ثُمَّ قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ: ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُّبِينٍ * رُّبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ كَانُواْ مُسْلِمِينَ﴾ " (أخرجه الطبراني وابن أبي حاتم). وقوله: ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ﴾ تهديد شديد لهم وَوَعِيدٌ أَكِيدٌ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ تَمَتَّعُواْ فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إلى النار﴾، وقوله: ﴿كُلُواْ وَتَمَتَّعُواْ قَلِيلاً إنكم مجرمون﴾، وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ﴾ أَيْ عَنِ التَّوْبَةِ وَالْإِنَابَةِ ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ أَيْ عَاقِبَةَ أَمْرِهِمْ.

  • ٤ - وَمَآ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ
  • ٥ - مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يستأخرون

يخبر تَعَالَى إِنَّهُ مَا أَهْلَكَ قَرْيَةً إِلَّا بَعْدَ قِيَامِ الْحُجَّةِ عَلَيْهَا وَانْتِهَاءِ أَجَلِهَا، وَإِنَّهُ لَا يؤخر أمة حان هلاكهم عن ميقاتهم وَلَا يَتَقَدَّمُونَ عَنْ مُدَّتِهِمْ، وَهَذَا تَنْبِيهٌ لِأَهْلِ مَكَّةَ وَإِرْشَادٌ لَهُمْ، إِلَى الْإِقْلَاعِ عَمَّا هَمْ عليه مِنَ الشِّرْكِ وَالْعِنَادِ وَالْإِلْحَادِ الَّذِي يَسْتَحِقُّونَ بِهِ الهلاك.

  • ٦ - وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ
  • ٧ - لَوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلَائِكَةِ إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ
  • ٨ - مَا نُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ إِلَاّ بِالْحَقِّ وَمَا كَانُواْ إِذاً مُّنظَرِينَ
  • ٩ - إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ

يُخْبِرُ تَعَالَى عن كفرهم وَعِنَادِهِمْ فِي قَوْلِهِمْ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذكر﴾ أي الذي تدعي ذَلِكَ، ﴿إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ أَيْ فِي دُعَائِكَ إِيَّانَا إِلَى اتِّبَاعِكَ وَتَرْكِ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا، ﴿لَّوْ مَا﴾ أَيْ هَلَّا، ﴿تَأْتِينَا بِالْمَلَائِكَةِ﴾ أَيْ يشهدون لك بصحة ما جئت به كَمَا قَالَ فِرْعَوْنُ: ﴿فَلَوْلَا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِّن ذَهَبٍ أَوْ جَآءَ مَعَهُ الملائمة مقترنين﴾، ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَآءَنَا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا في أَنفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوّاً كبيرا﴾، وَكَذَا قَالَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ ﴿مَا نُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ إِلَاّ بِالْحَقِّ وَمَا كَانُواْ إِذاً مُّنظَرِينَ﴾. وَقَالَ مُجَاهِدٌ فِي قَوْلِهِ: ﴿مَا نُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ إِلَاّ بِالْحَقِّ﴾: بِالرِّسَالَةِ وَالْعَذَابِ، ثُمَّ قَرَّرَ تَعَالَى إِنَّهُ هُوَ الذي أنزل عليه الذِّكْرَ وَهُوَ الْقُرْآنُ وَهُوَ الْحَافِظُ لَهُ مِنَ التغيير والتبديل.

ِّسَالَةِ وَالْعَذَابِ، ثُمَّ قَرَّرَ تَعَالَى إِنَّهُ هُوَ الذي أنزل عليه الذِّكْرَ وَهُوَ الْقُرْآنُ وَهُوَ الْحَافِظُ لَهُ مِنَ التغيير والتبديل.

  • ١٠ - وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي شِيَع الْأَوَّلِينَ
  • ١١ - وَمَا يَأْتِيهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَاّ كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ
  • ١٢ - كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ
  • ١٣ - لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ

يَقُولُ تعالى مسليا لرسوله ﷺ فِي تَكْذِيبِ مَنْ كَذَّبَهُ مِنْ كُفَّارِ قُرَيْشٍ، إنه أرسل مِن قَبْلِهِ مِنَ الأمم الماضية، وإنه ما أتى أمة من رسول إلا كذبوه واستهزؤوا بِهِ، ثُمَّ أَخْبَرَ أَنَّهُ سَلَكَ التَّكْذِيبَ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ الَّذِينَ عَانَدُوا ⦗٣٠٩⦘ وَاسْتَكْبَرُوا عَنِ اتِّبَاعِ الْهُدَى، قَالَ أنَس وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: ﴿كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ المجرمين﴾: يعني الشرك، وقوله: ﴿قد خَلَتْ سُنَّةُ الأَوَّلِينَ﴾: أَيْ قَدْ عَلِمَ مَا فَعَلَ تَعَالَى بِمَنْ كَذَّبَ رُسُلَهُ مِنَ الْهَلَاكِ وَالدَّمَارِ، وَكَيْفَ أَنْجَى اللَّهُ الْأَنْبِيَاءَ وَأَتْبَاعَهُمْ فِي الدنيا والآخرة.

  • ١٤ - وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَاباً مِّنَ السَّمَاءِ فَظَلُّواْ فِيهِ يَعْرُجُونَ
  • ١٥ - لَقَالُواْ إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ

يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ قُوَّةِ كُفْرِهِمْ وَعِنَادِهِمْ وَمُكَابَرَتِهِمْ لِلْحَقِّ أَنَّهُ لَوْ فَتَحَ لَهُمْ بَاباً مِّنَ السَّمَاءِ فَجَعَلُوا يَصْعَدُونَ فِيهِ لما صدقوا بذلك بل قالوا: ﴿إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا﴾ قال مجاهد وَالضَّحَّاكُ: سُدَّتْ أَبْصَارُنَا، وَقَالَ قَتَادَةُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أُخِذَتْ أَبْصَارُنَا. وَقَالَ الْعَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: شُبِّهَ عَلَيْنَا وَإِنَّمَا سُحِرْنَا، وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: عميت أبصارنا.

َبَّاسٍ أُخِذَتْ أَبْصَارُنَا. وَقَالَ الْعَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: شُبِّهَ عَلَيْنَا وَإِنَّمَا سُحِرْنَا، وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: عميت أبصارنا.

  • ١٦ - وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجاً وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ
  • ١٧ - وَحَفِظْنَاهَا مِن كُلِّ شَيْطَانٍ رَّجِيمٍ
  • ١٨ - إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ
  • ١٩ - وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ
  • ٢٠ - وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَن لَّسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ

يَذْكُرُ تَعَالَى خَلْقَهُ السَّمَاءَ فِي ارْتِفَاعِهَا، وَمَا زَيَّنَهَا بِهِ مِنَ الْكَوَاكِبِ الثوابت والسيارات، لمن تأمل وكرر النظر فيما يرى مِنَ الْعَجَائِبِ وَالْآيَاتِ الْبَاهِرَاتِ، مَا يَحَارُ نَظَرُهُ فيه، ولهذا قال مجاهد وقتادة: البروج ههنا هي الكواكب وَهَذَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجاً﴾ الآية، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: الْبُرُوجُ هِيَ مَنَازِلُ الشَّمْسِ والقمر، ثُمَّ ذَكَرَ تَعَالَى خَلْقَهُ الْأَرْضَ وَمَدَّهُ إِيَّاهَا وَتَوْسِيعَهَا وَبَسْطَهَا، وَمَا جَعَلَ فِيهَا مِنَ الْجِبَالِ الرَّوَاسِي وَالْأَوْدِيَةِ وَالْأَرَاضِي وَالرِّمَالِ، وَمَا أَنْبَتَ فِيهَا مِنَ الزُّرُوعِ وَالثِّمَارِ الْمُتَنَاسِبَةِ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْزُونٍ﴾: أي معلوم (وكذلك قال عكرمة ومجاهد والحسن وَقَتَادَةُ)، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: مُقَدَّرٌ بِقَدَرٍ، وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: مِنْ

لِّ شَيْءٍ مَّوْزُونٍ﴾: أي معلوم (وكذلك قال عكرمة ومجاهد والحسن وَقَتَادَةُ)، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: مُقَدَّرٌ بِقَدَرٍ، وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: مِنْ كُلِّ شَيْءٍ يُوزَنُ وَيُقَدَّرُ بقدر، وقوله: ﴿وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ﴾ المعايش وَهِيَ جَمْعُ مَعِيشَةٍ، وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَن لَّسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ﴾، قال مجاهد: هي الدَّوَابُّ وَالْأَنْعَامُ. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: هُمُ الْعَبِيدُ وَالْإِمَاءُ وَالدَّوَابُّ وَالْأَنْعَامُ، وَالْقَصْدُ أَنَّهُ تَعَالَى يَمْتَنُّ عَلَيْهِمْ بِمَا يَسَّرَ لَهُمْ مِنْ أَسْبَابِ الْمَكَاسِبِ وَوُجُوهِ الْأَسْبَابِ وَصُنُوفِ الْمَعَايِشِ، وَبِمَا سَخَّرَ لَهُمْ مِنَ الدَّوَابِّ الَّتِي يَرْكَبُونَهَا، وَالْأَنْعَامِ الَّتِي يَأْكُلُونَهَا، وَالْعَبِيدِ وَالْإِمَاءِ الَّتِي يَسْتَخْدِمُونَهَا، وَرِزْقُهُمْ عَلَى خَالِقِهِمْ لَا عَلَيْهِمْ، فَلَهُمْ هُمُ الْمَنْفَعَةُ، وَالرِّزْقُ عَلَى الله تعالى.

  • ٢١ - وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَاّ بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ
  • ٢٢ - وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ
  • ٢٣ - وَإنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ
  • ٢٤ - وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ

مِنكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ

  • ٢٥ - وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ

يُخْبِرُ تَعَالَى أَنَّهُ مَالِكُ كُلِّ شَيْءٍ، وَأَنَّ كُلَّ شَيْءٍ سَهْلٌ عَلَيْهِ يَسِيرٌ لَدَيْهِ، وَأَنَّ عِنْدَهُ خَزَائِنَ الْأَشْيَاءِ مِنْ جَمِيعِ الصُّنُوفِ ﴿وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَاّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ﴾ كما يشاء وكما يريد، لِمَا لَهُ فِي ذَلِكَ مِنَ الْحِكْمَةِ الْبَالِغَةِ وَالرَّحْمَةِ بعباده، لا على جهة الْوُجُوبِ بَلْ هُوَ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ. قال ابن مسعود فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمَآ نُنَزِّلُهُ إِلَاّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ﴾ مَا عَامٌ بِأَكْثَرَ مَطَرًا مِنْ عَامٍ، وَلَا أقل، ولكنه يمطر قوم، ويحرم آخرون بما كَانَ فِي الْبَحْرِ، قَالَ: وَبَلَغَنَا أَنَّهُ يَنْزِلُ مَعَ الْمَطَرِ مِنَ الْمَلَائِكَةِ أَكْثَرُ مِنْ عَدَدِ وَلَدِ إِبْلِيسَ وَوُلِدِ آدَمَ، يُحْصُونَ كُلَّ قَطْرَةٍ حيث تقع وما تنبت (رواه ابن جرير عن عبد الله بن مسعود)، وقوله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ﴾ أَيْ تُلَقِّحُ السَّحَابَ فَتُدِرُّ ماء وتلقح الشجر، فتفتح عن أوراقها وأكمامها، وذكرها بِصِيغَةِ الْجَمْعِ لِيَكُونَ مِنْهَا الْإِنْتَاجُ بِخِلَافِ الرِّيحِ الْعَقِيمِ، فَإِنَّهُ أَفْرَدَهَا وَوَصَفَهَا بِالْعَقِيمِ، وَهُوَ عَدَمُ الإنتاج، وقال أعمش، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرياح لَوَاقِحَ﴾ قال: ترسل الريح فتحمل الماء من السماء، ثم تمر مر السَّحَابَ حَتَّى تُدِرَّ كَمَا تُدِرُّ اللَّقْحَةُ (وَكَذَا قال ابن عباس وإبراهيم النخعي والضحّاك)،

قال: ترسل الريح فتحمل الماء من السماء، ثم تمر مر السَّحَابَ حَتَّى تُدِرَّ كَمَا تُدِرُّ اللَّقْحَةُ (وَكَذَا قال ابن عباس وإبراهيم النخعي والضحّاك)، وَقَالَ الضَّحَّاكُ: يَبْعَثُهَا اللَّهُ عَلَى السَّحَابِ فَتُلَقِّحُهُ فَيَمْتَلِئُ مَاءً، وَقَالَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ اللَّيْثِيُّ: يَبْعَثُ اللَّهُ الْمُبَشِّرَةَ فَتَقُمُّ الْأَرْضَ قَمًّا، ثُمَّ يَبْعَثُ اللَّهُ الْمُؤَلِّفَةَ فَتُؤَلِّفُ السَّحَابَ، ثُمَّ يَبْعَثُ اللَّهُ اللَّوَاقِحَ فَتُلَقِّحُ الشَّجَرَ، ثُمَّ تَلَا: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرياح لَوَاقِحَ﴾. وقوله تعالى: ﴿فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ﴾ أَيْ أَنْزَلْنَاهُ لَكُمْ عَذْبًا يُمْكِنُكُمْ أَنْ تشربوا منه ﴿لَوْ نَشَآءُ جَعَلْنَاهُ أجاجا﴾ كما نبّه على ذلك في قوله تَعَالَى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ * أَأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ * لَوْ نَشَآءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجاً فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ﴾، وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَآ أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ﴾، قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ: بِمَانِعِينَ؛ وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْمُرَادَ: وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِحَافِظِينَ، بَلْ نَحْنُ نُنَزِّلُهُ وَنَحْفَظُهُ عَلَيْكُمْ وَنَجْعَلُهُ مَعِينًا وَيَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ، وَلَوْ شَاءَ تَعَالَى لَأَغَارَهُ وَذَهَبَ بِهِ، وَلَكِنْ مِنْ رَحْمَتِهِ أَنْزَلَهُ وَجَعْلِهِ عَذْبًا وَحَفِظَهُ فِي الْعُيُونِ وَالْآبَارِ والأنهار، لِيَبْقَى لَهُمْ فِي طُولِ السَّنَةِ يَشْرَبُونَ وَيَسْقُونَ أَنْعَامَهُمْ وَزُرُوعَهُمْ وَثِمَارَهُمْ. وَقَوْلُهُ: ﴿وَإنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ﴾ إِخْبَارٌ عَنْ قُدْرَتِهِ تَعَالَى عَلَى بَدْءِ الخلق وإعادته، وأنه هو الذي أحيى الْخَلْقَ مِنَ الْعَدَمِ، ثُمَّ يُمِيتُهُمْ، ثُمَّ يَبْعَثُهُمْ ليوم الجمع، وأخبر تعالى بأنه يَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْهِ يَرْجِعُونَ. ثُمَّ أخبر تعالى عن تمام علمه بهم أولهم وآخرهم

َّ يَبْعَثُهُمْ ليوم الجمع، وأخبر تعالى بأنه يَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْهِ يَرْجِعُونَ. ثُمَّ أخبر تعالى عن تمام علمه بهم أولهم وآخرهم فقال: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْنَا المستقدمين مِنكُمْ﴾ الآية. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: الْمُسْتَقْدِمُونَ كُلُّ مَنْ هَلَكَ مِنْ لَدُنْ آدَمَ ﵇، وَالْمُسْتَأْخِرُونَ مَنْ هُوَ حَيٌّ وَمَنْ سَيَأْتِي إلى يوم القيامة، وَهُوَ اخْتِيَارُ ابْنُ جَرِيرٍ ﵀. وَقَالَ ابن جرير، عَنْ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ أَنَّهُ قَالَ: كَانَ أُنَاسٌ يَسْتَأْخِرُونَ فِي الصُّفُوفِ مِنْ أَجْلِ النِّسَاءِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا المستأخرين﴾ (قال ابن كثير: ورد فيه حديث غريب جداً رواه أصحاب السنن وفيه نكارة شديدة وهو أنه كانت تصلي خلف النبي ﷺ امرأة حسناء، وكان بعض المسلمين إذا سجدوا نظروا إليها من تحت أيديهم فنزلت الآية. وقد نبه ﵀ إلى نكارة هذه الرواية وضعفها). وروى ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي مَعْشَرٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ سَمِعَ عَوْنَ بْنَ عَبْدِ الله يذكر مُحَمَّدَ بْنَ كَعْبٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ﴾ وَأَنَّهَا فِي صُفُوفِ الصَّلَاةِ، فَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ:

لَيْسَ هَكَذَا ﴿وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنكُمْ﴾: الْمَيِّتَ والمقتول، ﴿والمستأخرين﴾ مَنْ يُخْلَقُ بَعْدُ، ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾، فَقَالَ عَوْنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: وَفَّقَكَ اللَّهُ وَجَزَاكَ خَيْرًا.

  • ٢٦ - وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِن صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ
  • ٢٧ - وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ مِن نَّارِ السموم

قال ابن عباس: المراد بالصلصال التراب اليابس، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ﴾. وعن مجاهد: (الصلصال) المنتن، وتفسير الآية بِالْآيَةِ أَوْلَى، وَقَوْلُهُ: ﴿مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ﴾ أَيِ الصَّلْصَالُ مِنْ حَمَأٍ وَهُوَ الطِّينُ، وَالْمَسْنُونُ الْأَمْلَسُ، وروي عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: هُوَ التُّرَابُ الرطب، وعن ابن عباس ومجاهد أَنَّ الْحَمَأَ الْمَسْنُونَ هُوَ الْمُنْتِنُ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ بالمسنون ههنا الْمَصْبُوبُ. وَقَوْلُهُ: ﴿وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ﴾ أَيْ مِنْ قَبْلِ الْإِنْسَانِ، ﴿مِن نَّارِ السَّمُومِ﴾ قَالَ ابن عباس: هي السموم التي تقتل، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ الْجَانَّ خُلِقَ مِنْ لهب النار، وَقَدْ وَرَدَ فِي الصَّحِيحِ: «خُلِقت الملائكةُ مِنْ نُورٍ، وَخُلِقَتِ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ، وَخَلَقَ آدَمَ مما وصف لكم» (رواه مسلم وأحمد عن عائشة)، والمقصود من الْآيَةِ التَّنْبِيهُ عَلَى شَرَفِ آدَمَ ﵇، وَطِيبِ عُنْصُرِهِ وَطَهَارَةِ مَحْتِدِهِ.

  • ٢٨ - وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلآئِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ
  • ٢٩ - فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ
  • ٣٠ - فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ
  • ٣١ - إِلَاّ إِبْلِيسَ أَبَى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ
  • ٣٢ - قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ
  • ٣٣ - قَالَ لَمْ أَكُنْ لأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ

يَا إِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ

  • ٣٣ - قَالَ لَمْ أَكُنْ لأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ

يَذْكُرُ تَعَالَى تَنْوِيهَهُ بِذِكْرِ آدَمَ فِي مَلَائِكَتِهِ، قَبْلَ خَلْقِهِ لَهُ وَتَشْرِيفَهُ إياه بأمر الْمَلَائِكَةَ بِالسُّجُودِ لَهُ، وَيَذْكُرُ تَخَلُّفَ إِبْلِيسَ عَدُوِّهُ عن السجود له حَسَدًا وَكُفْرًا، وَعِنَادًا وَاسْتِكْبَارًا وَافْتِخَارًا بِالْبَاطِلِ، وَلِهَذَا قَالَ: ﴿لَّمْ أَكُنْ لأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صلصال من حَمَإٍ مَّسْنُونٍ﴾، كقوله: ﴿أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾.

  • ٣٤ - قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ
  • ٣٥ - وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ
  • ٣٦ - قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ
  • ٣٧ - قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ
  • ٣٨ - إِلَى يَوْمِ الوقت المعلوم

يذكر تعالى أنه أمر إبليس بِالْخُرُوجِ مِنَ الْمَنْزِلَةِ الَّتِي كَانَ فِيهَا مِنَ الْمَلَأِ الْأَعْلَى، وَإِنَّهُ رَجِيمٌ أَيْ مَرْجُومٌ، وَإِنَّهُ قَدْ أَتْبَعَهُ لَعْنَةً لَا تَزَالُ مُتَّصِلَةً بِهِ لَاحِقَةً لَهُ مُتَوَاتِرَةً عَلَيْهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أَنَّهُ قَالَ: لَمَّا لعن الله إبليس تغيرت صورته عن صور الْمَلَائِكَةِ، وَرَنَّ رَنَّةً، فَكُلُّ رَنَّةٍ فِي الدُّنْيَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مِنْهَا (رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حاتم عن سعيد بن جبير). وَإِنَّهُ لَمَّا تَحَقَّقَ الْغَضَبُ الَّذِي ⦗٣١٢⦘ لَاّ مَرَدَّ لَهُ سَأَلَ مِنْ تَمَامِ حَسَدِهِ لِآدَمَ وَذُرِّيَّتِهِ النَّظِرَةَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَهُوَ يَوْمُ الْبَعْثِ، وَأَنَّهُ أُجِيبَ إِلَى ذَلِكَ اسْتِدْرَاجًا لَهُ وَإِمْهَالًا، فلما تحقق النظرة قبحه الله قال ما قصّه الله تعالى:

يَامَةِ، وَهُوَ يَوْمُ الْبَعْثِ، وَأَنَّهُ أُجِيبَ إِلَى ذَلِكَ اسْتِدْرَاجًا لَهُ وَإِمْهَالًا، فلما تحقق النظرة قبحه الله قال ما قصّه الله تعالى:

  • ٣٩ - قَالَ رَبِّ بِمَآ أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ
  • ٤٠ - إِلَاّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ
  • ٤١ - قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ
  • ٤٢ - إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَاّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ
  • ٤٣ - وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ
  • ٤٤ - لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِّنْهُمْ جزء مقسوم

يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ إِبْلِيسَ وَتَمَرُّدِهِ وَعُتُوِّهِ إنه قال للرب: ﴿بِمَآ أَغْوَيْتَنِي﴾ أي بِسَبَبِ مَا أَغْوَيْتَنِي وَأَضْلَلْتَنِي ﴿لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ﴾ أَيْ لِذُرِّيَّةِ آدَمَ ﵇، ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ أَيْ أحبب إليهم المعاصي وأرغبهم فيها، ﴿وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ أي كما أغويتني وقدّرت على ذلك، ﴿إِلَاّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ المخلصين﴾، كقوله: ﴿لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَاّ قَلِيلاً﴾، ﴿قَالَ﴾ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ مُتَهَدِّدًا وَمُتَوَعِّدًا، ﴿هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ﴾ أي مرجعكم إليَّ فَأُجَازِيكُمْ بِأَعْمَالِكُمْ، إِنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ وَإِنَّ شرا فشر، وَقِيلَ: طَرِيقُ الْحَقِّ مَرْجِعُهَا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى وإليه تنتهي (قاله مجاهد والحسن وقتادة)، كقوله: ﴿وعلى الله قَصْدُ السبيل﴾، وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ أَيِ الَّذِينَ قَدَّرْتُ لَهُمُ الْهِدَايَةَ فَلَا سَبِيلَ لَكَ عَلَيْهِمْ، وَلَا وُصُولَ لَكَ إِلَيْهِمْ ﴿إِلَاّ مَنِ اتبعك مِنَ الغاوين﴾ استثناء منقطع، ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ أَيْ جَهَنَّمُ مَوْعِدُ جَمِيعِ مَنِ اتَّبَعَ إِبْلِيسَ كَمَا قَالَ عَنِ الْقُرْآنِ، ﴿وَمَن يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ﴾،

﴾ أَيْ جَهَنَّمُ مَوْعِدُ جَمِيعِ مَنِ اتَّبَعَ إِبْلِيسَ كَمَا قَالَ عَنِ الْقُرْآنِ، ﴿وَمَن يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ﴾، ثم أخبر أن لجهنم سبعة أبواب (في اللباب: أخرج الثعلبي: أن سلمان الفارسي لما سمع قوله تعالى: ﴿وَإِن جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ فرّ ثلاثة أيام هارباً من الخوف لا يعقل، فجيء به إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ: يا رسول الله، أنزلت هذه الآية؟ فوالذي بعثك بالحق لقد قطعت قلبي، فأنزل الله: ﴿إِنَّ المتقين فِي جَنَّاتٍ وعيون﴾) ﴿لِكُلِّ بَابٍ مِّنْهُمْ جُزْءٌ مَّقْسُومٌ﴾ أَيْ قَدْ كَتَبَ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهَا جُزْءٌ مِنْ أَتْبَاعِ إِبْلِيسَ يَدْخُلُونَهُ لَا مَحِيدَ لَهُمْ عَنْهُ أَجَارَنَا اللَّهُ مِنْهَا، وَكُلٌّ يَدْخُلُ مِنْ بَابٍ بِحَسَبِ عمله ويستقر في درك بقدر عمله، وعن علي بن أبي طالب أنه قال: إن أبواب جهنم هكذا أطباقٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ، وعن هبيرة بن أبي مريم عَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: أَبْوَابُ جَهَنَّمَ سَبْعَةٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ، فَيَمْتَلِئُ الْأَوَّلُ ثم الثاني ثم الثالث، حتى تمتلئ كُلُّهَا. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: سَبْعَةُ أَبْوَابٍ سَبْعَةُ أَطْبَاقٍ، وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: سَبْعَةُ أَبْوَابٍ أَوَّلُهَا جَهَنَّمُ، ثم لظى، ثم الحطمة، ثم السعير، ثم سقر، ثم الجحيم، ثم الهاوية (روى الضحاك عن ابن عباس نحوه، وكذلك روي عن الأعمش)، وَقَالَ قَتَادَةُ ﴿لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِّنْهُمْ جُزْءٌ مقسوم﴾: هي والله منازل بأعمالهم، وقال الترمذي، عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لِجَهَنَّمَ سَبْعَةُ أَبْوَابٍ بَابٌ مِنْهَا لِمَنْ سَلَّ السَّيْفَ عَلَى أُمَّتِي - أَوْ قال علي أمة محمد -» (رواه الترمذي وقال: لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ مَالِكِ بْنِ مغول).

Bagian 68 dari 141