— Bagian 2 · يه أمر اللغة منذ —
Bagian 2
يه أمر اللغة منذ دارسَهُ فيها طلبة يسمونهم معلمين فلم يفيدوه من المعرفة حتى ولا معرفة كيف يعلم نفسه. . . رمى هذه اللغةَ بالنقص وجعل الكمال لله ثم له. فأراد أن يحيلها عن وضع رآها منحرفة فيه، وما انحرف بها إلا حولُ عينه، فذهب في طنطنته الضئيلة كل مذهب. وافترش لسانهْ البكيء فيما يسميه جديداً وفلسفة جديدة وهل اللغة إلا علم بعد أن انقضت فينا الفطرة واختبلت الألسنة؛ وهل يناظر في كل علم إلا أهله؟ ولم لا ينصب هذا وأمثاله لمن يقوم على أداة من الآلات البخارية فيقول له لو كانت هذه القطعة مكان تلك، ولو كان هذا التركب القبيح أجمل - مما هو، ولو أخرتَ أو قدمت، ولو زدت أو أقللت، ولو نقضت أو أقمت، فعلت وفعلت. . .؟ وليت شعري ما يكون أمره وأمر صاحبه ذاك وكيف يراه ويرى فيه من قول كله في وحصر وعلم كله جهل وفضول. ألم يَأنِ أن يعلم هؤلاء أن من الرأي غرَراً، وأن راكب الخطر من ذلك إنما يركب رأسه، وأن الأمة لم توقَف شرعاً على فرد ولا أفراد، وأن في
الصمت زاوية باردة مظلمة ثواري المخزيات لو عرف الجاهل معنى المخزية. . .! إن العجز مِطواع؛ وإن كل ما يعني أهلَ الحزم يهم به العاجز ويراه سهلاً. لأن ذلك يحقق معنى عجزه؛ وما زال من يعجز عن الكتابة هو الذي يريد أن يصلح لغتها وأساليبها، ومن يعجز عن الشعر هو الذي يقول في إصلاحه أوسع القول، وهلُمَّ إلى أن تستوعب الباب كله فقد قالوا إننا نخاطب الدهماء والأجلاف ومن يسفُّ إلى منازلهم بكلام أهل نجد وألفاظ أهل السَّراة ونتوهم من سبل الحضارة بَوادي قيس وتميم وأسد، وبالجملة فنحن نضرب في حدود الفوضى التي لا وجه فيها ولا مخرج منها، وفي ذلك مَزأرَة بالأدب ومضرَّة على الأمة وفساد كبير. قالوا هذا وما يجري مجراه ويذهب في نزعته ولم يستحوا أن يصدعوا به وهم يرون إلى جانبهم من المستشرقين أعاجم قد فصُحوا وأقبلوا على آدابنا وتاريخنا فوسعوها بما اتسع لهم من العلم، وأحاطوا بها ما أطاقوا، بل كادوا يكونون أحق بها وأهلها: وقد كانوا في غنى عن كل ذلك بلغاتهم وآدابهم وما أفاء الله عليهم ومكن لهم فيه، ثم لم يشفق أصحابنا أن يبتلوا تاريخهم بالعقوق وهو الثْكل الذي لا عزاء معه، فأرادونا على أن نخلع بأنفسنا هذا التاريخ لا نعطيه طاعة، ولا نبايع له منا عن جماعة ثم نكون كزنوج أفريقيا إذا غابت عنهم الشمس غاب عنهم التاريخ وإذا طلعت عليهم استأنفوا تاريخاً جديداً. . .! أليسوا ينقمون منا أننا نشد أيدينا على لغة لسيت لنا، فلِم لا ينقمون أننا نصرف وجوهنا إلى قبلة ليست في أرضنا؟ ثم يقولون إنهم يهجنون التصرف في اللغة وإرسال الألفاظ والأساليب على وجوهها العربية، ويريدون أن يزيلوا التدبير في هذه الصناعة عن هذا الوجه، لأنهم لا يحسنونه ولا ينفذون فيه إذا تعاطوه، ويريدون فوق ذلك أن يطرحوا عنا كذ الصناعة لتكون خاتمة عجائبنا في هذا الجيل صناعة بلا كد. ولعمري كيف يؤاتيهم هذا الأمر أو يستوسق لهم إذا قلبوا أوضاع الكلام وزايلوا بين أوصاله وذهبوا فيه مذهب الترقيع في الخلق بالجديد وفي الجديد بالخلق.
كد. ولعمري كيف يؤاتيهم هذا الأمر أو يستوسق لهم إذا قلبوا أوضاع الكلام وزايلوا بين أوصاله وذهبوا فيه مذهب الترقيع في الخلق بالجديد وفي الجديد بالخلق.
لقد أهملنا اللغة ثم أهملناها حتى صارت معنا إلى حال من الجفوة جعلتها كالواعلة علينا والغريبة عنا، وجعلتنا من نقص فهمنا فيها بحيث نضطر إلى التماس شيء غيرها نفهمه، فصار إصلاح اللغة كأنه دُربة لإفسادنا وإفسادها فيما نتوهمُ دُربة لإصلاحنا، إنما هما خطتان لا تفضي كلتاهما إلى شر من أختها مبداً أو مُنقلبا" وإن أقبح ما ترى من شيئين أن يكون أحسن الرأي تركهما جميعاً. زعموا أنهم يريدون أن تسهل الألفاظ وتنكشف المعاني وتكون الكتابة في استوائها وجمالها كصفحة السماء، فهل البلاغة العربية إلا تلك وهل هذا أمر عربي؛ بلى وهل يعرفون - أصلحهم الله - أن الطفل يرى كل ما يدور في مسمعه من ألفاظ والديه كأنه إنما يتفق لهما اغتصاباً واعتسافاً واستكراهاً، إذ لا يفهم من كل ذلك شيئاً إلا بمقدار ما يعتاد وعلى حسب ما تبلغ حاجته وإذ هي لغة أوسع من لغته مادة وصناعة، فلم لا يكون الرأي أن ينزل الآباء إلى لغات أطفالهم ويقتصر هذا المنطق الإنساني على المترادف المتوارد من أسماء الألعاب الصبيانية وما يلتحق بها..؟ ثم ما هو حكم العامي - وهو في كل أمة الطفل العلمي - بجانب أهل العلوم: أتراه يَلقف عنهم إلا بميزان تلك الغريزة الفطرية في الصغير مع أبويه؛ فلم تمحى العلوم وألفاظها ومصطلحاتها وأساليب التعبير عنها ونحو ذلك مما تتراخى به شُقهُ الفهم إذا تعاطاه ذلك العامي أو خاوله، ويكون جهد العلماء فيما تطيقه العامة وسداد العامة فيما يطيقه الأطفال. . .؟ وأنت إذا تخطيت أمر الطفل اللغوي والطفل العلمي وأسندت في الحد الأعلى لهذه الطفولة لم تر إلا طراز أصحابنا وهم أطفال الأدب، فهل يكبر عليهم أن يكبروا ويشتدوا أن يساوقوا الفطرة في مجراها، فيأخذوا الشيء بأسبابه، ويأتوا الأمر من بابه، ويدعوا الرأي إلى يوم يكونون من أربابه؟.. يصدرون رأيهم على جهل، فإذا كشفت لهم معناه وبصرتهم بمصايره ووقفت بهم على حدوده وأريتهم وجوههم في مرآة النصيحة، أنكروا ما جئت به
وم يكونون من أربابه؟.. يصدرون رأيهم على جهل، فإذا كشفت لهم معناه وبصرتهم بمصايره ووقفت بهم على حدوده وأريتهم وجوههم في مرآة النصيحة، أنكروا ما جئت به وحسبوك تفتري الكذب وأصروا واستكبروا استكباراً لأن رأس علمهم أن يظنوا لا أن يحققوا ما يظنون، فالرأي عندهم هو الرأي في ذاته لا ما يتعلق به ولا ما يتأدَّى إليه. إنما اللغة مظهر من مظاهر التاريخ، والتاريخ صفة الأمة، والأمة تكاد تكون صمْة لغتها لأنها حاجتها الطبيعية التي لا تنفك عنها ولا قوام لها بغيرها.
فكيفما قلبت أمر اللغة من حيث اتصالها بتاريخ الأمة واتصال الأمة بها وجدتها الصفة الثابتة التي لا تزول إلا بزوال الجنسية وانسلاخ الأمة من تاريخها واشتمالها جلدة أمة أخرى، فلو بقي للمصريين شيء متميز من نسب الفراعنة لبقيت لهم جملة مستعملة من اللغة الهيروغليفية، ولو انتزَت بهم أمة أخرى غير الأمة العربية لهجروا العربية لا محالة؛ وكذلك يتوجه هذا القياس طرداً وعكساً كما ترى؛ وإن في العربية سراً خالداً هو هذا الكتاب المبين (القرآن) الذي يجب أن يؤدى على وجهه العربي الصريح ويُحكم منطقاً وإعراباً بحيث يكون الإخلال بمخرج الحرف الواحد منه كالزيغ بالكلمة عن وجهها وبالجملة عن مؤداها، وبحيث يستوي فيه اللحن الخفي واللحن الظاهر، ثم هذا المعنى الإسلامي (الدين) المبني على الغلبة والمعقود على أنقاض الأمم والقيِّم على الفطرة الإنسانية حيث توزعت وأين استقرت فالأمر أكثر من أن تؤثر فيه سورة حمق أو تأخذ منه كلمة جهل، وأعضل من أن يزيله قلم كاتب ولو تناهت به سن الدهر حتى يلقى من الأمة أربعة عشر جيلاً كالتي مرت منذ التاريخ الإسلامي إلى اليوم!. والقرآن الكريم ليس كتاباً يجمع بين دفتيه ما يجمعه كتاب أو كتب فحسبُ، إذ لو كان هذا أكبر أمره لتحللت عُقده وإن كانت وثيقة، ولأتى عليه الزمان، أو بالحريّ لنُفس من أمره شيء كثير من الأمم، ولاستبان فيه مساغ للتحريف والتبديل من غالٍ أو مُبطِلٍ، ولكانت عربيته الصريحة الخالصة عذراً للعوام والمستعجمين في إحالته إلى أوضاعهم إذا ثابت لهم قدرة على ذلك.
فيه مساغ للتحريف والتبديل من غالٍ أو مُبطِلٍ، ولكانت عربيته الصريحة الخالصة عذراً للعوام والمستعجمين في إحالته إلى أوضاعهم إذا ثابت لهم قدرة على ذلك. ولو فعلوه لما كان بدعاً من الرأي ولا مستنكراً في قياس أصحابنا. . . لأنهم لم يَعدُوا منفعة طلبوها من سبيلها وخطةً انتهجوها بدليلها. وليس يقول هذا إلا ظنين قد انطوى صدره على غل واجتمع قلبه على دِخلة مكروهة وإلا جاهل من طراز أولئك لا يستطيل نظره بتجربة ولا ينفذ بعلم وإنما هو آخذ بذنب الرأي لا يُوَجهه ولكن يتوجه معه، ولا يُقبل به ولكن يدبر به الرأي. إنما القرآن جنسية لغوية تجمع أطراف النسبة إلى العربية، فلا يزال أهله مستعربين به متميزين بهذه الجنسية حقيقة أو حكماً حتى يتأذن الله بانقراض الخلق وطيِّ هذا البسيط، ولولا هذه العربية التي حفظها القرآن على الناس وردهم إليها وأوجبها عليهم لما اطرد التاريخ الإسلامي ولا تراخت به الأيام إلى ما شاء الله، ولما تماسكت أِجزاء هذه الأمة ولا استقلتِ بها الوحدِة الإسلامية،
ثم لتلاحمت أسباب كثيرة بالمسلمين ونضب ما بينهم فلم يبق إلا أن تستلحقهم الشعوب وتستلحمهم الأمم على وجه من الجنسية الطبيعية - لا السياسية - فلا تتبين من آثارهم في أنفسهم بعد ذلك إلا كما يثبت منْ طرائق الماء إذا انساب الجدول في المحيط. إنما يصب الله علينا بلاء فتياننا لأنهم ينشأون في أرضنا نشأة المستعبَد الرقيق، وإن غُنماً لهم أن نحرص على ما بقي من جنسيتنا العربية، وأن نشعَب لحفظ هذه الصلة وتوثيق تلك العقدة بيننا وبين أسلافنا ونمد من ذلك سبباً إلى حاضرنا ثم إلى مستقبلنا فلا يكون في تاريخنا اقتضاب ولا بتر، ثم - لكيلا نكون على ديننا ولغتنا ما كان أولئك الأوشاب والزعانف من الترك والديلم إلى غيرهما من أصناف تلك الحمراء التي اجتاحت العرب منذ الدولة العباسية ورتعت في أمور الناس وجعلت بأسهم بينهم لعلة المباينة في الجنسية اللغوية، حتى لم يكن في ثمانمائة سنة من استبدادهم ما يعدل ثمانين سنة كانت منذ أول العهد بالإسلام، ولكن أنى لفتياننا ذلك وهم لا يأخذون من لغتهم ولا يصيبون من آدابها إلا كما يأخذ الإسفنج من الماء: ينتفخ بقليل منه ثم لا يلبث أن يمجه أو يتطاير منه ولا يثبت فيه شيء. على أنك لو اعترضت كل من يهجن العربية ويُزري على سبكها لرأيته أجهل الناس بتركيبها وحكمة اشتقاقها ووجوه تصريفها، ثم لرأيت له غِرّة في تاريخ قومه، فهو إن عرف منه شيئاً فقد تجرد من ثمرة المعرفة كأنه يحفظ طلاسم لا يتخبط فيها حتى يتخبطه الشيطان من المس، ثم ترى الآفة الكبرى أنه مُستدرَج من حيث لا يعلم، فهو يكافئ محبة لغة أجنبية أحكمها بعداوة لغته التي جهلها ويَجزي منفعة تاريخ عَلِمه بمضرة التاريخ الذي لم يعلمه، والناس أعداء ما يجهلون!. نعم بقي لأصحابنا مذهب آخر ينتحلونه ويستدفعون به الظنة، وهو من أحسن رأيهم الذي يعانون عليه، لو فهموه على الوجه الذي يفهم منه، ولو أبدوا لنا صفحته دون قفائه. . . وذلك أنهم يقولون إننا أن نلائم بين حاجة الأمة من الكلام وبين الكلام الذي تبلغ به هذه الحاجة، ونريد الإصلاح ما استطعنا، فنلبس تاريخنا وعاداتنا ديباجاً من الكلام بطراز وغير طراز ولا نترك أمتنا على سَوْم بين
وبين الكلام الذي تبلغ به هذه الحاجة، ونريد الإصلاح ما استطعنا، فنلبس تاريخنا وعاداتنا ديباجاً من الكلام بطراز وغير طراز ولا نترك أمتنا على سَوْم بين
العربية واللغات الأجنبية ونحن نقول إن هذا أمر ليس له مَترك ولا عنه مَحيص، ولكن أين ما ينزعون إليه مما ينزعون به، وهم إنما خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً. وإنما يُؤتؤن من حساب العربية الفصحى لغة أثرية لا تماد الزمن ولا تشايع روح التاريخ، فيرون أنها لا بد أن تكون قد انقرضت مع أهلها فلا تبقى إلا لقوم في حكم أولئك المنقرضين، ثم يُفضون من هذا الوهم إلى تلك المحرقة التي أشرنا إليها في صدر الكلام، لأنهم لم يمارسوا هذه اللغة إنما علموها عن عُرُض، وهذا ولا جرم ضرب منْ الجهل العلمي؛ ولو هم فقهوا سر العربية ووقفوا على طرق تركيبها وجاذبوا من أزمتها وصرفوا من أعنتها واكتنهوا محاسنها الفطرية التي خرجت بها من ثلاثمائة تركيب إلى ثمانين ألف مادة كما فصلنا القول فيه لعرفوا كيف يتسببون للإصلاح اللغوي الذي ينشدونه، وكيف يكشفون لفظ الإصلاح عن معنى غير فاسد كما ذهبوا إليه، ولتقلدوا البلية من حيث يدفعونها لا من حيث تدفعهم ولكنهم كما ترى يصفون لنا الفوضى وهم صفاتها، وَيطِبون للأمة وهم آفاتها، ويبادرون حسمَ الأمور بما يتفاقم به صَدعُها، ويضعون أوزار النوائب بما يثور به نَقعها، وما عليهم إذا تبينوا أن يصيبوا قوماً بجهالة أو يردوهم عن الهدى إلى ضلالة، فاللهم بصِّرنا بأقدارنا، ولا تُذلنا بصغارنا، ولا تخذلنا في الأمل وأنت الرحيم، دون غاية أتحت لنا وقتها، ولا تجعلنا في العمل كأهل الجحيم، (كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا) . . .
رنا، ولا تخذلنا في الأمل وأنت الرحيم، دون غاية أتحت لنا وقتها، ولا تجعلنا في العمل كأهل الجحيم، (كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا) . . .
تمصير اللغة نريد بهذا التمصير ما ذهبت إليه أوهام قوم فضلاء يرون أن تكون هذه اللغة التي استخفِظوا عليها مصرية بعد أن كانت مُضرية، وأن تطرد لهم مع النيل بعدد الترع وعداد القرى حتى ترسل الكلمة من الكلام فلا يجهلها في مصر جاهل، ويصدر الكتاب من الكتب فيجري في أفهام القوم على طريقة واحدة ويأخذ منهم مأخذاً معروفاً غير متباين بعضه من بعضه. ولا ملتو على فئة دون فئة، ومن ثم يزين لهم الرأي أنه لا يبقى في هذا الجم الغفير. . . من علمائنا وكتابنا وأدبائنا من لا يعرف أين يضع يده من ألفاظ اللغة ومستحدثاتها إذا هو كتب أو مصّر عن لغة أجنبية - ولا نقول عرْب، فإن هذا بالطبع غير ما نحن فيه
- بل يأخذ من تحت كل لسان، ويلقف عن كل شفة، ولا يُبعِد في التناول إلى مضطرب واسع، ولا يمضي حيث يمضي إلا مُخِفًّا من هذه القواعد وتلك الضوابط العربية، إذ تتهادن يومئذ العدوتان: هذه العامية وهذه الفصحى. وتصلحان بينهما أن لا ترفع إحداهما في وجه الأخرى قلماً ولا لساناً، وعلى أن تبيح كلتاهما للثانية حرية الانتفاع بما يشبه حرية التجارة إلا في "المواد" السامة التي يعبر عنها دهاة السياسة اللغوية بالألفاظ العلمية المبتذَلة والألفاظ العربية الغريبة، ثم على أن لا تحفل إحداهما ما تركت الأخرى مما سوى ذلك، فتستمر العامية على ما هي وتذهب الفصحى على وجهها. يقولون إن هذه هي شروط الصلح بين اللغتين، أو هي المعاني التي ترجع إليها وتترادف بها متى أرادوا أن يبسطوا من هذه الشروط ويخرجوا بها إلى التعدد والكثرة، وإنما تلك آراء كان يتعلق عليها بعض فتياننا إفراطاً في الحمية ومبالغة في الحفيظة لمصر وأملاً مما يكبر في صدورهم على ما ترى من تهافتها وضعف تصريفها واضطراب أولها وآخرها لأنهم لا يُثبتون النظر فيها ولا يحققون خطوةً ما بين الإرادة والقدرة، وفَوْتَ ما بين الأمل والعمل، ثم لا يعرفونها إلا أحلاماً قريبة الأناة ساكنة الطائر فكان ذلك عذر العقلاء إذا مروا بها
لِماماً، وتروحوا بالإعراض عنها سلاماً، حتى تناولها الأستاذ مدير "الجريدة" فحذفها وسواها وأخرج منها طائفة من الرأي تصلح أن تسمى عند المعارضة رأيآ! فقال بالإصلاح بين العامية والفصحى على طريقة تجعل هذه تغتمر تلك وتحيلها إليها فعسى أن يأتي يوم لا تكون العامية فيه شيئاً مذكوراً. بَيدَ أنه أخرج هذا الرأي البليغ من غير بابه، وتسبب إليه في النظر بما ليس من أسبابه، وجاء به قولاً إن يكن فيه صواب فهو ما آثره من تقريب ما بين العامة والخاصة، وإزالة الجفوة بين هؤلاء وهؤلاء، وتوثيق العقدة المنحلة بين الألسنة والأقلام، أو بين لغة الكتاب ولغة الكلام، ثم ما رآه من التخطي بالعربية إلى الأمام، وإن يكن فيه خطأ فهو ما وراء ذلك مما أرسله في أقواله البليغة سِناداً لرأيه وتثبيتاً لحجته. وإن مَجمَّ هذا الرأي ومسْتَجمَعَه أن الأستاذ يرى أخذ أسماء المستحدثات من اللغة "اليومية" وإمرارها على الأوزان العربية بقدر الإمكان، فإن لم يكن لها ثمة أسماء فمن معاجم اللغة وكتب العلم - لأن هذه عنده دون اللغة اليومية - فإن لم يصب في هذه أيضاً وضع لها الواضع ما شاء، وأن في استعمال مفردات العامة وتركيبها إحياءَ للغة الكلام وإلباسها لباس الفصاحة، إذ يكون من ذلك رفع هذه اللغة إلى الاستعمال الكتابي والنزول بالضروري من اللغة المكتوبة إلى ميدان التخاطب والتعامل، ذلك وإن ما استعملته العامة إنما هو "قرارات " الأمة في هذه الكلمات التي لا تريد النزول عنها، وأن الطريقة الوحيدة لإحياء اللغة هي إحياء لغة الرأي العام من ناحية وإرضاء لغة القرآن من ناحية أخرى، وإننا إذا أردنا الصلح بين اللغتين فأقرب الطرق لهذا الصلح أن نتذرع إلى إحياء العربية باستعمال العامية، ومتى استعملناها في الكتابة.. اضطررنا إلى تخليصها من الضعف وجعلنا العامة يتابعون الكتاب في كتاباتهم.. الخ الخ. هذا هو تحصيل رأي الأستاذ، وأكثر ما أوردناه إنما هو من ألفاظه بحروفها، فإن طال عليك ذلك السرد وبَرِمتَ به جملة فإن لك أن تدمجه في كلمتين. ثم لا تكون قد أخللت من جميعه بشيء، وذلك أن الأستاذ يرى
إنما هو من ألفاظه بحروفها، فإن طال عليك ذلك السرد وبَرِمتَ به جملة فإن لك أن تدمجه في كلمتين. ثم لا تكون قد أخللت من جميعه بشيء، وذلك أن الأستاذ يرى "تمصير اللغة" لأننا إذا تابعناه فإننا نلتمس كل ما أشار إليه من العامية المصرية
وحدها ونعطي هذه العامية سَعَة أنفسنا وبذلَ أقلامنا، فنلبسها بالفصيح ونخلط منها عملاً صالحاً وآخر سيئاً، ولعل هذا الرأي أن يشيع من ناحيتنا نحن المصريين ويطمئن في كل أمة لها عربية فتأخذ مأخذنا في عاميتها وتنزع إلى نزعنا إليه، فإذا أمكن أن يتفق ذلك وأن تتوافى عليه الأمم، كان لعمري أسرع في فناء العربية ومحوها وجَدَا عليها شؤمُ هذا الرأي ما لا يجدو تألب الأعداء ولو استأصلوا أهلها، وبلغ منها ما لا يبلغه الفاتحون ولو ملكوا تلك الأرض كلها، ثم نتسامح في استعمال المفردات والتراكيب العامية، وسينقاد لذلك من بعدنا ثم من بعدهم إلى أجيال كثيرة يتراخى بعضها عن بعض، فيوشك أن يأتي يوم تكون نجيه تلك اللغة الفصحى في كتابها الكريم ضرباً من اللغات الأثرية، لأننا لا ننظر فيما يترخص فيه الآن من كلمات معدودة صدرت بها " قراراتالأمة" أن لا تزال على وجه الدهر عامية، ولكنا ننظر إلى الأصل في قاعدة التسامح والترخيص، فإذا أثبتناه وأخذ به غيرنا ولم يكن عندنا لذلك نكير فما أشبهها أن تكون كالقاعدة الاستعمارية التي تبتدئ بالتسامح للمستعمرة والغزاة في أخذ الشيء القليل، ثم تنتهي بالتسامح في كل شيء قلَّ أو كثر! ونحن فإن كنا نفهم رأياً من هذه الآراء الحاضرة فإننا لا نفهم كيف يكون إحياء العربية باستعمال العامية، وكيف يُرضي لغة القرآن التي تأبى إلا أن تتقيد بها اللهجات الأخرى كما محت من قبلُ لغات العرب جميعها على فصاحتها وقوة الفطرة في أهلها وردتها إلى لغة واحدة هي القرشية، ثم نرضى من جهة أخرى هذه اللهجات العامية التي تأبى أن تتقيد بشيء وهي أبداً دائمة التغير بالأسباب المختلفة التي تؤثر فيها وتديرها في الألسنة حتى صارت في بعض قرى مصر كأنها مالطية "متمصرة" وصار بعض هذه القرى لا يفهم عن بعض كما ترى بين أقصى الدلتا وأقصى الصعيد.
تي تؤثر فيها وتديرها في الألسنة حتى صارت في بعض قرى مصر كأنها مالطية "متمصرة" وصار بعض هذه القرى لا يفهم عن بعض كما ترى بين أقصى الدلتا وأقصى الصعيد. وإذا حاولنا مذهب الإصلاح العامي فليت شعري من أي لهجة نأخذ، وأي لهجة في مصر هي غير مصرية فننبذها؛ وإذا ابتغينا بهذا الإصلاح استدراج العامة ليتابعوا الكتاب والخطباء فيما يكتبون ويخطبون فهل يتابعونهم على العامي وحده حتى يُنزل في الفصيح إذ يستمرئونه ويسيغونه حتى إذا عرض لهم الفصيح خالصاً أنكروه وغضوا به، أم تكون المتابعة على العامي والفصيح جميعاً؛ وإذا جاز على القوم أن يتابعوا الكتاب والخطباء على الفصيح الممزوج بالعامي، فلمَ لا يكون ذلك
إذا كان الفصيح خالصاً مأنوساً وكانت القرائن قائمة على ما فيه من جديد أو غريب وكانت ألفاظه لا تبراً من معانيه ولا هذه تشق على تلك؟. نحن لا نماري في وجوب الإصلاح اللغوي ووجوب أن يكون للغة في هذه النهضة مجمع يحوطها ويصنع لها ولو على الأقل " كمصلحة الكنس والرش". ولا نقول إن هذه العربية كاملة في مفرداتها، ولا إنه ليس لنا أن نتصرف فيها تصرف أهلها، فإن من يذهب إلى ذلك لا يعدو باللغة وسيلة من وسائل العيش وأداة من أدوات الاجتماع الفطري، وليت شعري ما يصنع أولئك إذا صارت العربية لغة العلوم والفنون الحديثة وجاؤوا إلى طائفة واحدة من الحشرات يقسمها العلماء إلى عشرين ألف ضرب اعتبروا في وضع أسمائها تباين ما بينها في طبقات التشريح؛ ثم ماذا يصنعون بضروب سائر الحيوان والنبات وغير النبات مما لا يأتي عليه الإحصاء من متعلقات العلوم وفروعها، وهل تجزئُ في ذلك كله ألفاظ لسان العرب وكتب الحيوان والنبات العربية وما إليها مما أطلقت ألفاظه واضطربت أوضاعه واختلفت معانيه واستفاضت حدوده حتى ليصح أن تعم اللفظة الواحدة بكثرة ما تطلق عليه في هذه اللغة شطراً من معاني العلم التي هي فيه؟ ألا وإن أعجب ما في أمرنا في المعروف والمنكر أن تختلف الأمم في معاني الألفاظ واختراعها وتحديدها ووجوه الانتفاع بها ولا نختلف نحن إلا على ألفاظ هذه المعاني، وأنها عربية أو معربة، وهل نتقبلها أو نردها، ونثبتها أم ننفيها، ونننسخها أو نمسخها. . . وقد فاتنا أن العرب أنفسهم لم يكونوا يعرفون شيئاً يسمى لغة إنما كان همهم استيعاب أجزاء البيان في كل ما ينطقون به على أصول الفطرة اللغوية التي ينشأون عليها، وقد ضُبطت هذه الأصول فيما انتهى إلينا من قواعد اللغة وما نقل من ألفاظها، فصار لنا حكمهم إذا نحن تدبرناها ونفذنا في أسرارها وأحستا القيام عليها. وليس عندنا في وجوه الخطأ اللغوي أكبر ولا أعظم من أن يظن امرؤ أن اللغة بالمفردات لا بالأوضاع والتراكيب، فإن اللغات المرتقية هي تلك التي تمتاز بوجوه تركيبها ونسق هذه الوجوه فيها، ولا يمكن ألبتَّة أن تكون لغة من اللغات ذات وَفْر وثروة من الألفاظ إلا أن تدعو إلى ذلك وجوهُ أوضاعها
لك التي تمتاز بوجوه تركيبها ونسق هذه الوجوه فيها، ولا يمكن ألبتَّة أن تكون لغة من اللغات ذات وَفْر وثروة من الألفاظ إلا أن تدعو إلى ذلك وجوهُ أوضاعها وتراكيبها، ولا تجد عندنا من الإنكار على من يقول بإباحة التصرف في تراكيب العربية ثم التكذيب له والاستعظام لما جاء به إلا كما عندنا من الرد لقول من يمنع التصرف في مفرداتها - بالتعريب وغير التعريب - ما دامت الحاجة إلى ذلك ماسة، وما دام ذلك لا يخرج اللفظ الموضوع عن الشبه العربي الذي يجريه في
اللغة ويجعله إليها ويلحقه بمادتها ثم ما دمنا نعمل هذا العمل فنقضيه صريحاً محكماً ونستن فيه سنة العرب في طريقة الوضع اللغوي وحكمة هذه الطريقة ووجه هذه الحكمة. فأنت ترى أنه لا ينقصنا من اللغة شيء وهي على ما هي من إحكام الأوضاع والتراكيب والاتساع للمفردات ولو أقبلت كأعناق السيل، ولكن ينقص هذه اللغة رجال يعملون ويحسنون إذا عملوا، ويعرفون كيف يتأتى عملهم إلى الإحسان، وكيف يكون عملهم عملاً. ولقد كان من سوء الصنع لهذه العربية أن قامت لإحيائها "مجتمعات" كلها كان يكدح في هذا العمل الجديد على قاعدة قديمة، فلا يعدُون في طريقة العمل وجهة القصد منه أن يبدلوا لفظاً بلفظ وحرفاً بحرف وينبهوا إلى خطأ في بعض الاستعمال وصواب في بعض الإهمال مما يستخرجونه أو يقفون عليه أو يتفق لهم اتفاقاً؛ وهذا عمل تكون الجماعة فيه مهما اعتزمت واشتدت كأنها فرد واحد، ويقوم الفرد المضطلع بالجماعة، بل قد يفي بها ويمسح وجهها ويكون منها مكان الإمام ممن خلفه. وإن كانوا صفوفاً متراصة متقابلة، وهو أمر كان قديماً، فإن العلماء والكتاب كانوا يتلقون الرواة والحفاظ بالمسألة عن
هها ويكون منها مكان الإمام ممن خلفه. وإن كانوا صفوفاً متراصة متقابلة، وهو أمر كان قديماً، فإن العلماء والكتاب كانوا يتلقون الرواة والحفاظ بالمسألة عن صواب الكلمة وعن وجه استعمال الحرف من اللغة، وكان المأمون العباسي قد أرصد من هؤلاء طائفة في "دار الحكمة" ليرجع إليها المترجمون، ثم ليتصفحوا عليهم فيصلحوا خطأ أو يقيموا وزناً أو يغيروا كلمة، وكذلك فعل بعض الأمراء المتأخرين في دواوين الإنشاء حين ضعف الأدباء عن اللغة والتوت الألسنة وغلبت العامية، وقد تولى ذلك للفاطميين طاهر بن بابشاذ في القرن الخامس، وابن بري في القرن السادس وتولاه كبرهما من بعدُ إلى هذه الغاية في عصور ودول مختلفة. على أن كل ذلك قد مضى مع أهله وبقيت اللغة تضرب في حدودها مقبلة مدبرة لم يزد فيها ما زادوا ولم ينقص منها ما نقصوا. ولسنا نرتاب على حال أنه لو قام في صباح كل يوم مجمع لغوي على هذه الطريقة لانتقض في مساء كل يوم مجمع منها، لأن القوم يَدعُون الجهات الملتبسة إلى الصريحة ويتخطون الأصول إلى الفروع، ويعملون في سد خلة محتملة ويتكلفون لضرورة في الوسع والطاقة، واللغة وافية بكل ما يأتون به، لا يصد عنها إلا الجهل والإهمال، وإلا سوء طلب الطالب وتحصيل المحصل، وهذا - أصلحك الله -
أهون الخطب وأخف الضرر وأيسر ما التاث علينا من أمر هذه العربية فإن المحنة فيها باقية أبداً ما بقي في الأرض معنى ليس له فيها لفظ، وما دمنا لا نطرق فيها لهذه الألفاظ المحدَثة بقواعد ثابتة وعلى طرق نهجته، وما دامت في أيدينا جامدة لا نغمزْ منها ولا نعيدها سيرتها الأولى في الوضع والاشتقاق بما لا يفسدها ولا يضار أصولها ولا يأتي بنيانها من " القواعد،. وإن ذلك لأمر أولُ التبعة فيه على متقدمي العلماء ممن دونوا الأمهات في اللغة وممن كتبوا في العلوم أو ترجموا من كتبها، لأنهم - عفا الله عنهم - لم ينظروا لمن بعدهم، فلم يضعوا في ذلك ديواناً جامعاً، ولا أمضوا فيه بإجماع معروف ينتهي إليه علم أو يقف عليه طريق من طرق الرواية، إنما كان لكل واحد منهم رأيه ونظره ومبلغ علمه وإحاطة روايته؛ فإن اضطر أحدكم إلى ما يُعجله عن الأناة وإحالة الرأي في اختيار اللفظ وتعريبه ودفع إلى الكتابة والتأليف من هذه المضايق، لم يبال أن يتناول اللفظ كما هو في لسان أهله ولغة واضعه ما دام لا يرسله إلا في أسلوب محكم من اللغة ولا يحيطه إلا بالتركيب العربي المبين، وهم كانوا أبصر بما قررناه من أن اللغة بالأوضاع والتراكيب لا بالمفردات بالغة ما بلغت، وأن الشأن فيما ينتظم الكلمة الأعجمية انتظاماً عربياً لا في الكلمة نفسها. وهذا الجاحظ عالم كتاب هذه الأمة وفردُ بلغائها المتسعين في الكتابة تتصفح كتبه فتعثر بالشيء من أسماء الأدوات ومصطلحات الفنون، وبعض ذلك لا سبيل إلى فهمه ومعرفة مدلوله إلا بالرجوع إليه في الفارسية والهندية والرومية ونحوها، وإلا أن اتفق للباحث أن يعثر على بيانه وتفسيره في بعض المعجمات العربية أو كتب الفنون، وقد كان دأب هذا البليغ أن لا يتوقف عند اللفظة المحدثة يقليها ويشققها، ولا يتردد عند الكلمة الدخيلة ينظر فيها ويحققها، وهو قد نص على ذلك في موضع من كتابه "الحيوان" فقال بعد أن ساق ألفاظاً من مصطلحات الزنادقة، كالساتر والغامر والبطلان وغيرها، وأنكر غرابة الدلالة فيها وأنها مهجورة عند أهل دعوته وملته وعند العوام والجمهور:
أن ساق ألفاظاً من مصطلحات الزنادقة، كالساتر والغامر والبطلان وغيرها، وأنكر غرابة الدلالة فيها وأنها مهجورة عند أهل دعوته وملته وعند العوام والجمهور: "إن رأيي في هذا الضرب من هذا اللفظ أن أكون ما دمت في المعاني التي هي عبارتها والمادة فيها، على أن ألفظ بالشيء العتيد الموجود الهتكليف لما عسى أن لا يسلس ولا يسهل إلا بعد الرياضة الطويلة، وأرى أن ألفظ بالفاظ المتكلمين ما دمت خائضاً في صناعة الكلام مع خاص أهل الكلام، فإن ذلك أفهم عندي وأخف لمؤنتهم علي. ولكل صناعة ألفاظ قد جُعلت لأهلها بعد امتحان سواها فلم تلزق
بصناعتهم إلا بعد أن كانت بينها وين معاني تلك الصناعة مشاكلات، وقبيح بالمتكلم أن يفتقر إلى ألفاظ المتكلمين في خطبة أو رسالة، أو في مخاطبة العوام والجار، أو في مخاطبة أهله وعبده وأمته، أو في حديثه إذا حدث أو خبره إذا أخبر، وكذلك من الخطأ أن يجلب ألفاظ الأعراب وألفاظ العوام وهو في صناعة الكلام داخل، ولكل مقام مقال ولكل صناعة شكل" اهـ. على أننا لا نستقصي القول في هذه الجهة، فإن موقع النية أن نتكلم في "تمصير اللغة" وإنما أفضينا إلى الكلام من هذه الناحية إذ كانت هي سبيلنا إليه، فإن القائلين بهذا الرأي والغالين فيه والمكابرين عليه إنما يدعون به الإصلاح ويذهبون إلى أنه خير ما ينتهي إليه الصواب من رأي وخير ما يمكن لهم في
إليه، فإن القائلين بهذا الرأي والغالين فيه والمكابرين عليه إنما يدعون به الإصلاح ويذهبون إلى أنه خير ما ينتهي إليه الصواب من رأي وخير ما يمكن لهم في جانب تلك الغاية، فإنهم زعموا يريدون الإصلاح من أقرب السبيل، ويطلبون الحاجة الراهنة والمنفعة الدانية؛ وقد رأوا سواد الأمة عاميًّا فلا بأس أن يكون من هذا السواد ظل في اللغة أو على اللغة أو قريباً من اللغة، وفاتهم أن من دون هذا السبيل سبلاً أخرى هي أقرب في منحاهم وأدنى إلى غايتهم لو كانوا يرمون إلى تعليم الأمة وإلى الغاية من هذا التعليم، فإن الزمن الذي تعرب فيه الكتب أو تمصر ثم تطبع وتنشر ثم تقرأ وتدرس لا يذهب باطلاً إذا هو ذهب في تعليم لغة أجنبية من لغات العلوم ثم إلقاء هذه العلوم بها، ويكون في ذلك أن الأمة تستفيد العلوم والفنون محققة وتربح معها فضلاً كبيراً، وأن تربح إلى لغتها لغة أخرى برمتها وتجمع إليها آدابها وفوائدها، وهذا ما لا يتيسر بعضه إذا مصرنا العربية لتلك الغاية التي زعموا وما يطلبون بها من الكفاية والإصلاح. وقد أخذت بهذا الرأي جمهورية الصين الحديثة، فإنها فرضت اللغة الإنجليزية على كل من يطلب علماً أو صناعة، حرصاً على الوقت أن تضيع به الترجمة والطبع والدرس، وتفادياً مما تدخله الترجمة على مصطلحات العلوم والفنون من الضيم في الشرح والتعيين وتحديد الدلالة ونحوها مما ليس منه بد في النقل بين اللغات المتباينة لغة إلى لغة. على أنه إن يكن في رأي التمصير خير فليس يقوم خيره بشؤمه، وهب أن أمراً من ذلك كائن، وأننا أجرينا التراكيب العامية في الفصيح، وأقحمنها مفردات القوم في اللغة، ومكنا للعامة على ما يتوهمون من مقاليد الكلام وأتبعناه مَقادتهم، فما جداء ذلك عنهم وماذا يرد على الأمة، ونحن نعلم أن جمهورها إذا احتاجوا إلى كتب في العلم فإنما هي كتب ألف باء تاء. . . قبل كتب المصطلحات العلمية والفنية! وإنه لعجيب أن نبداً بالتربية من آخرها، وإن نجيء إلى حال من الضعف
فنتوهم فيها القوة، ثم فمضي على ما نخيل نعتده حقًّا فنقرر الأحكام ونؤصل الأصول ونقابل شيئاً بشيء ونستخرج حالاً من حال، وليس لنا مما قِبلَ ذلك جميعه إلا أنه ظن توهمناه يقيناً، وفرض حسبناه قياساً، وإلا أنها العامية جعلنا لسومها ما ليس في طبيعتها وحسبناها أصلاً بائناً بنفسه متميزاً من سواه بالصفات التي تجعل الأصل أصلاً وتنفيه من صفات فروعه، مع أن أصل هذه العامية لا يزال في ألسنتنا وأقلامنا، ولا نبرح نردها إليه ونحكمها به ونقيمها على طريقه، ومع أن هذه العامية لا تصلح في تراكيمها وصِيغها للكتابة ما لم تفضح على وجه من الوجوه، وهي بعد لا وزن لها في كل ما ابتعدت به عن الفصيح إلا في عبارات قليلة مما يكون أكبرُ حُسنه أنه أخرج على نسق معروف في البلاغة العربية: كضرب المجاز والكناية وما إلى ذلك، فإذا نافرت الفصيح لفظاً أو نسقاً فلستَ واجداً فيها إلا أطلالاً من كلمات عربية يأباها من يعرفها صحيحة ماثلة، ويَعُدها من النقص يقيمها سوية كاملة، وكيفما أدرتها لا تعرف لها إلا رقة الشأن - وسقوط المنزلة بإزاء أصلها الفصيح الذي خرجت منه ولا تزال فيها مادته. فما اختلافنا في لغة هي في طبيعتها اللغوية تأبى أن تكون أصلاً وأن تعد لغة ومهما جهدتَ بها لا تتحول الا إلى أصلها المعروف المتميز، فإذا أريدت على غير ذلك التاثت واضطربت وفرت إلى الأسواق والسُّبل! فإن عارضنا القوم بأنهم يريدون تقريب الفصيح من العامة، لا من العامية ليسهل عليهم أن يتأدبوا أو أن يتعلموا، قلنا: ذلك وجه وسبيله غير ما يقولون به من تمصير هذا الفصيح العربي، فإن لهم مندوحة في طرق مختلفة يفصحون بها العامية نفسها بردها إلى أصولها القريبة على نحو ما كانت عليه أيام الأمويين والعباسيين، فإني لأحسب أن العامي من أهل ذلك الزمن لو بُعث اليوم لرأى أكثر أساليبنا الفصيحة دون عاميته. وقد كنا بسطنا جانباً من القول في مقالتَينا اللتين نشرتا في "البيان" عن الرأي العامي في العربية الفصحى والجنسية العربية في القرآن وأبَنَّا ثمة فساد الرأي في
ا بسطنا جانباً من القول في مقالتَينا اللتين نشرتا في "البيان" عن الرأي العامي في العربية الفصحى والجنسية العربية في القرآن وأبَنَّا ثمة فساد الرأي في إحالة الفصحى عن وجهها، فلا نعيد شيئاً مما بسطناه وانما نرسل كلمة في تحقيق استحالة هذا الرأي، وأن القائلين به مهما عملوا فإنهم لا يعدون أن يجتذبوا إليهم طائفة من ضعاف شبابنا المتفرنجين يناصرونهم بما تعده الأمة خذلانا، ويزيدون فيهم بما لا تشعر به الأمة زيادة أو نقصاناً، وذلك أنهم يغفلون عن الروح الدينية
التي ينشأ عليها المسلمون - أهل هذه العربية - في جهات الأرض، وأن هذه الروح قائمة على نفي العصبية والوطنية كالمصرية وغيرها، فقد كانت هذه العصبية عامة في قبائل العرب حتى محاها الإسلام، فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وألزمهم كلمة التقوى وجعلهم إخوة، ثم نفاها النبي ﷺ ونفى المؤمنين منها بقوله: "ليس منا من دعا إلى عصبية. . . الحديث. وما عصبية قبيلة وقبيلة في المعنى إلا كعصبية بلد وبلد ومصرِ ومصر، وما يقولون به من تمصير اللغة لا يعدو أن يكون وجهاً من وجوه هذه العصبية الممقوتة، فإنك لتجد المسلمين يختلفون في كل شيء حتى في الدين نفسه ولا تجدهم إلا شعوراً واحداً بالروح الدينية العربية التي مِساكها الكتاب والسنة في عربيتهما الفصيحة، وهي لا سبيل إلى التغيير أو التبديل فيها، لا على وجه التمصير ولا على وجه آخر، وسواء أكان في ذلك إصلاح بين العامية والفصحى أو لم يكن. فإن شذ عن الجماعة فئة من شبابنا قد أخذوا بغير أخلاق هذا الدين ونشأوا في غير قومه وعلى غير مبادئه فرأوا فيه بظنونهم وقالوا برأيهم ورضوا له ما لا يرضاه لأهله، فهؤلاء مهما كثروا لا يستطيعون أن يحدثوا حدثاً، بل يفنون والجماعة باقية، وينقصون والأمة نامية، ويذهبون إلى رحمة الله، ومن رحمة الله أنهم لا يعودون ثانية. ولن تجد ذا دِخلة خبيثة لهذا الدين إلا وجدت له مثلها في اللغة، وإن كنا لا نقول بالعكس، فإن فينا من الفضلاء من يخطئ في الرأي يراه أو يعجَل به
ون ثانية. ولن تجد ذا دِخلة خبيثة لهذا الدين إلا وجدت له مثلها في اللغة، وإن كنا لا نقول بالعكس، فإن فينا من الفضلاء من يخطئ في الرأي يراه أو يعجَل به دون أن يُطيل ترديده وتقليبه، فإذا بصرته بما فيه أعانك على نفسه وأحكم ناحية الصواب منها وأعطاك عن رضا وكان في عمله خليقاً أن تعرفه بالحكمة وأن ترى تحوله عن الخطأ صواباً إن لم يكن أحسن من صوابك فليس بدونه. هذا وإن أصحابنا لا يجهلون أن الأصل في التربية العامة بالحمل على الأخلاق لا على العقول، وعلى روح الأمة التي تتميز بها وتتفق فيها لا على صفاتها الأخرى، ونحن لا نجد في ذلك شيئاً في المسلمين كافة من المصريين وغيرهم إلا ما أومأنا إليه من الروح الدينية التي تشملهم جميعاً والتي هي أساس هذا الدين فلا سبيل لتمصير العربية واعتبار هذه المصرية أصلاً لغوياً مجمعاً عليه إلا بتمصير الدين الإسلامي الذي تقوم عليه هذه العربية، فإن بعض ذلك سبب طبيعي إلى بعضه؛ فمن كشف لنا عن الوجه الذي يكون به الدين مصرياً وطنياً. . . وبصرنا باسباب ذلك ونتائجه قلنا له: أخطانا وأصبت (وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ) .
جلدة هرَّة ْكان الأستاذ الكاتب البليغ الذي يكتب (ليالي رمضان) في جريدة السياسة قد سئل: ما الجديد وما القديم وما مثَل كل منهما وماذا يُبين أحدهما من الآخر؟ فأحال في الجواب على قوم سماهم ممن يتسِمون بهذا وذلك وعدنا فيهم، فكتبنا إليه هذه الكلمة الموجزة: إلى كوكب الليالي المباركة: كنت قررت أن أمسك عن الجواب حتى أرى ما عسى أن يكتب الذين سميتهم فأتعقب أقوالهم، فإن آرائي معروفة منشورة، ولكن حجة أهل الجديد لا تزال هي كلمة الجديد. أحسبك لا تظفر بشيء منهم بعد كلمة "الدكتور صبري " وهو يبين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، وإن ظفرت بعد أيام بكلمة وكلمات فمن لك بليلة أو ليال تزيدها يا شوال على رمضان. . . أم تريد أن تتخذ لك في التاريخ الإسلامي مذهباً جديداً كمذهبهم في الأدب العربي فتدعي لشيء ما ليس له وتنحل شهر رمضان من شهر يوليو. . . لم أقرأ إلى يوم الناس هذا في معنى هذا (الجديد) كلاماً يبلغ أن يصور منه برهان أو تؤلَف منه قضية صحيحة، وكل أقاويلهم ترجع إلى ثلاثة أبواب جديدة، ومجدد، ولنجدد، فأما الأول فهو عندهم تقبيح القديم والزراية عليه والنفير منه. وأما الثاني فهو العائب والشاتم والمهزئ، وأما باب قولهم (ولنجدد) فهو لا يزال إلى الآن مقصوراً على قول كل واحد منهم للآخر (ولنجدِّد) . . . على أن القديم هو الواقع الثابت الذي يقوم به الماضي والحاضر معاً وقد رأيتَ أن الجديد لا يعدو أمراً يتوهمونه أمراً وهو بعدُ لم يقع، فليس الممكن أولى به من المستحيل ولا المستحيل أحق به من الممكن، وإنما أضيعُ الناس في الناس رجلان: واحد يأتي قبل زمنه، والآخر لا يكون إلا وقد مضى زمنه، أفلا ترى والحالة هذه أن كل السائغ الممكن لأهل الجديد هو أن يجادلوا أهل المستقبل؟
ي الناس رجلان: واحد يأتي قبل زمنه، والآخر لا يكون إلا وقد مضى زمنه، أفلا ترى والحالة هذه أن كل السائغ الممكن لأهل الجديد هو أن يجادلوا أهل المستقبل؟
وأنا والله لا أعرف أهؤلاء القوم يجدون أم يسخرون؟ ولكن الذي لا أجهله أن في بعض الناس أرواحاً وأمزجة انطبعت فيها صور الاجتماع الأوروبي بما يحوي من فضائله ورذائله - لأن هذه نتائج تلك، ما منها لهم بد - فتريد هذه النفوس الرقيقة الجميلة أن تنسخ الرسم الإسلامي الشرقي وتقر كل ذلك الأوروبي في مكأنه، وتلك هي نزعة الجديد. وأنت فإذا كنت محامياً أفلا يكون من واجبك أن تلبس اللص إذا دافعت يوماً عن لص، فتقف الوقفة الشريفة وإن فكرك وذكاءك ومنطقك كل ذلك يحتال احتيال اللصوص ويتصل بمعانيهم ويستنبط من الوسائل ما لعل اللص نفسه يعجز عن بعضه. هذا هو المثل لا غيره، ولأقل لك فى صراحة إن مساجد القاهرة ترى ألف سائح كل سنة ولا ترى في السنة كلها واحداً من أهل الجديد، فهذا هو مَرد تلك النزعة، ثم إن هناك فئة قليلة من الصَّحفيين ترى في كلمة الجديد معنى بديعاً من معاني "لغة الإعلانات" وهذه اللغة لا تبالي ما ينفع مما يضر. ولا ما يصدق مما يكذب، ولكن ما يروج وما يكسد، وما يربح وما يخسر. فالجديد العربي عند هؤلاء إنما هو كذلك في تسميته، أما في معناه فهو جديد أمريكاني. إن كان الخلط أيها الناس يسمى جديداً فقد كان في القوم من يخلط وإن كانت الركاكة ففي القديم ما شئتم منها حتى ومن أساليب "جراميق الشام وأمريكا" وإن كان التحامل والطعن والعيب فذلك كله قديم، وإن كانت الإنسانية فهي قديمة، وإن كان العقل فإن أعظم العقول البشرية من القديم وحده، فماذا إذاً؟ لعلكم تريدون الذوق، فكيف تصنعون وأنتم ترون لكل امرئ ذوقه وتبصرون الأحوال تجري في ذلك بأشياء غريبة حتى في أجمل ما في الجمال. فلقد يكون أثقل ما في الثقل على بعض الطباع كثقل الفصاحة على طباعكم، وثقلكم أنتم على طباعنا فليس لكم في الذوق شيء لا يكون لنا مثله. أم تريدون من الجديد تصوير الحياة العصرية بمذاهبها في الشعر والنثر؛
لفصاحة على طباعكم، وثقلكم أنتم على طباعنا فليس لكم في الذوق شيء لا يكون لنا مثله. أم تريدون من الجديد تصوير الحياة العصرية بمذاهبها في الشعر والنثر؛
فمن الذي يدفعكم عن هذا ومن الذي يقول بغيره منا أو منكم؟ فنحن في ذلك سواء لا نختلف. أم تريدون الأسلوب واللغة والسهولة في السبك والضعف في التأليف والتسمح في القواعد وأخذَ اللفظ من حيث يتفق وكيف قدر عليه كاتبه؛ فهذا لا يسمى جديداً وإنما هو في الجملة ضرب من العجز واحتيال فقهي.. على جعل ما ليس بقاعدة قاعدة. لقد سئمت نفوسنا هذه الدعاوى الفارغة فاعملوا ثم سموا عملكم. وصيدوا الدب ثم بيعوا للناس جلده، فلعلكم وأنتم تبيعون فروة دب لا تحصلون إلا على جلدة هرة.
مقالات الأدب العربي في الجامعة المصرية
للتاريخ ظهرت الجامعة المصرية في سنة ١٩٠٨ للميلاد، وكانت يومئذ فكرة وطنية سياسية انشق لها مكأنها في الحوادث فجاءت كما تجيء الحادثة الوطنية قائمة - على ما قبلها ليقوم عليها ما بعدها، وبذلت فيها الأمة وشمَّرت لها وجدَّ بها الجِد فإذا هي ما هي. ولم يكن في ذلك العهد ما يعرف "بتاريخ آداب اللغة العربية" إلا كراسة صغيرة الحجم لفقها بعض الأساتذة على طريقة المستشرقين، وكانت تدرس في مدرسة دار العلوم، وإلا بعض فصول كان كتبها على هذه الطريقة صديقنا العلامة جرجي زيدان صاحب "الهلال" ونشرها في مجلته، ثم كتابان في علوم اللغة العربية الاثني عشر، أحدهما كتاب الوسيلة الأدبية للأستاذ الشهير الشيخ حسين المرصفي، وهو كتاب قديم، إلى كتب أخرى مما يجمع من مختارات النظم والتثر، أو مما يجمع من كل شيء كالمواهب الفتحية للأستاذ الحجة الكبير الشيخ حمزة فتح الله، فكتبنا يومئذ في (الجريدة) مقالاً تراه بعدُ، ولنسمه "مقال الجريدة الأول" وكان مدير الجريدة هو الأستاذ النابغة مدير الجامعة اليوم فكان من أثر ذلك المقال أن نشرت اللجنة الفنية للجامعة دعوة على الأدباء إلى تأليف كتاب في "أدبيات اللغة العربية" جعلت جائزة الفائز فيه مائة جنيه، وضربت أجلاً لتقديمه إليها سبعة أشهر، فكتبنا المقال الثاني في الجريدة، فعادوا ونشروا المسابقة لتأليف كتاب في "أدبيات اللغة العربية"
ائز فيه مائة جنيه، وضربت أجلاً لتقديمه إليها سبعة أشهر، فكتبنا المقال الثاني في الجريدة، فعادوا ونشروا المسابقة لتأليف كتاب في "أدبيات اللغة العربية" وجعلوا المدة سنتين والجائزة مائتي جنيه، وقالوا: (ولأجل مساعدة المؤلف على نشر الكتاب تتعهد الجامعة بالطبعة الأولى على نفقتها. . . فإن لم يستحق الجائزة أحد تتجدد الدعوة لهذه المسابقة مرة ثانية لميعاد آخر مدته سنتان بهذه الشروط بعينها". وكان ذلك من عملنا ولله الحمد والمنة - هو السبب في تدريس الآداب العربية وتاريخها في الجامعة المصرية، وهو السبب كذلك في وضع ما وُضع
من الكتب في هذا العلم، ولكن أحداً لم يعرض كتابه على الجامعة إلى اليوم. ثم كان أسبق تلك المؤلفات ظهوراً الجزء الأول من كتاب العلامة جرجي زيدان، ثم الجزء الأول من كتابنا "تاريخ آداب العرب " سبقه ذاك بشهر أو شهرين سبقاً مطبعياً. ثم ألحقت الجامعة بوزارة المعارف وفُتحت سنة ١٩٢٥ فاختاروا لتدريس الأدب العربي فيها الأستاذ الدكتور طه حسين، وكنا نعلم أنه يُلقي دروسه "في الشعر الجاهلي ". غير أنا لم نقف على شيء منها ولا أردنا ذلك ولا فكرنا فيه. إذ لم يخطر لنا أن كائناً من كان يزين له الغرور أن يحمل كرة الأرض فيُلقي بها في غير مدارها كما فعل طه شبيهاً من ذلك في الأدب، حتى نبهنا مقال الأستاذ عباس فضلي الذي نشرته له "السياسة" ثم كتب بعده صديقنا الجليل كاتب الشرق الأكبر الأمير شكيب أرسلان مقاله "التاريخ لا يكون بالافتراض" في جريدة "كوكب الشرق"، فكتبنا نحن بعد ذلك هذه المقالات في "الكوكب ". وقد تركناها كما هي لم نمسسها إلا في الفرط والندرة والحمد لله على ما وَفق من قبل ومن بعد.
مقال الجريدة الأول الأدب العربي في الجامعة المصرية قالوا إن فئة القائمين بامر هذه الجامعة قد تعجلوا لنا العمل في هذه السنة فلم يُطَيبوا ولم يُتضجوا لمكان العجلة من تلك الحال، وعُقم الأمة بالنابغين من الرجال. ولذلك جعلوا الدروس فيها محاضرات من مستطرف الأحاديث ومستظرف النوادر والأمالي في تاريخ الحضارة والبلدان والآداب الأجنبية وطرف مما تعتبر به اللغة، ثم هم في الغابر يستحدثون الجديد ويطرحون أيديهم في العمل المفيد متى تمت لهم الأداة واجتمعت القوة ولفَّ شملهم بأولئك الفضلاء الذين أنفذوهم إلى أوروبا، وكذلك قالوا إنهم بادروا العمل وما تلبثوا إلا يسيراً، تنزيهاً لعهدهم، وتفادياً من سوء المؤاخذة على الرَّسْلة ووناء الهمم، ولأن الفائدة لا ينفيها أن تكون من القليل إذا لم يتهيأ أكثر منه، فإن لجلجة المضغة عند الجوع خير من جمود الفكين!. ونحن نؤمن بكل ذلك ولا نحاول أن ندلس على عيب أمتنا ونكتم
فيها أن تكون من القليل إذا لم يتهيأ أكثر منه، فإن لجلجة المضغة عند الجوع خير من جمود الفكين!. ونحن نؤمن بكل ذلك ولا نحاول أن ندلس على عيب أمتنا ونكتم نقائصها، فقد لا يستقيم هذا الأمر عندنا إذا ابتدأ كاملاً، وإن من يركم أحجار البناء كلها في فضاء الأرض لا يبلغ أن يكون بذلك قد رفع بناء، بل لا بد من إمساك الحجر بالحجر على نسبة معينة في التنسيق والاطراد، وما قط ابتُغِيت حاجة من غير مَبغاتها. ونزيدهم على هذا أيضاً أننا أمة ترك بها الزمانُ ما ترك من عادة وخُلق بين سيئ وحسن، فلا تجتمع على بغض ولا رضا، ولا يزال بعضها حرباً لبعض في العادات والأخلاق، كما تكون الأمم في أول جهادها للتقدم، وتلك هي المزلَّة التي يهوي فيها الأساة، والمنزلة التي يحارُ بها الهداة؛ فلو قذفتنا المقابر بمن فيها من الفلاسفة وحكماء المجتمع ما زادوا على أن يبتدئوا تعليمنا بالقليل، ولكن ليس كل قليل لازماً، بل أخرِ في ذلك أن يكون شيء ألزم من شيء. فلا سبيل إلى عذر القوم في إغفال الأدب العربي وهم قد نصُّوا في دستور
الجامعة على نوعين من الآداب الأجنبية. فإما أن تكون هذه أحق من ذلك بالتقديم وأقرب إلى فائدة الأمة منه، أو هم يمتهدون اليوم لحاجتهم فينشئون لنا في أوروبا أديْباً ويخرجون بعلوم الأعاجم عربياً صليباً، أو لا هذا ولا ذاك ولكنهم يمضون على غير هدى كما تخيل النفس ما دامت هذه الأمة قد بذلت وتابعت على ما يريدون. فإن كان الأول فهو الرأي الفائل والسوءة التي لا يسترها إحسانهم بأجمعه إذ لا يكون ذلك في أمة لا يزال يغلط كبار كتابها غلطاً قبيحاً فيما يستعملون من لغتهم، لا يرون ذلك هُجنة ولا نقصاً؛ حتى أصبحت اللغة في الأيدي كالثياب المتداعية: كلما حِيصت من جانب تهتكت من آخر. وانظر كيف يتسمى الكتاب المسترسلون في الجرائد "بالمحررين"، وأنت إذا سألت عن سواد الكتاب في الأمة قيل هم أولئك ولكنهم مع ذلك لا يعلمون أنها مذمَّة لهم، فإن المحرر فيما سبق به الاصطلاح هو كاتب الخط لا غير "الخطاط" لأنه يحرر الأصول ويضبط الأحرف ويراعي اعتدال النسب بين ما يعزله من البياض في القرطاس أو الكاغَد عن يمين الكتاب وشماله، وأعلاه
اتب الخط لا غير "الخطاط" لأنه يحرر الأصول ويضبط الأحرف ويراعي اعتدال النسب بين ما يعزله من البياض في القرطاس أو الكاغَد عن يمين الكتاب وشماله، وأعلاه وأسفله، وتباعُدِ ما بين السطور، وسعة الفصول وضيقها ومرجع ذلك جميعه إلى مُفاد لفظة "التحرير". ولا أخوض في تفصيل الرأي الثالث وبسطه فإني أنزه رجال الجامعة عن هذه الشبهات، إما أن يكونوا منتظرين أن يُنشئوا في أوروبا من يدرس الأدب العربي أو يستعين بما يدرسه عليه، فذلك ما نرمي إليه بهذه الكلمات وإن علينا بيانه: لا أعلم ماذا يراد بقولهم: "آداب اللغة العربية" إلا أن يكون ذلك إحاطةَ الأديب بفُصَح اللغة وتمكنه من استعمالها في تنزيل الكلام، ومعرفة الإعراب والأبنية والتصاريف، وبُعد النظر في معاني البلاغة وأساليب الفصاحة والاقتدارَ عليهما نظماً ونثراً، ثم معرفة الرجال ومراتبهم وطبقات كلامهم وآثارهم واختلافِ العصور بهم، مع البصر بالنقد ومواضع المؤأخذة إلى الطبع السمح
والفطنة المؤاتية، حتى لا يكون برماً بالحجة إذا نزع بها، ولا ضعيف الدليل إذا حاول الاستخراجَ والتعليل، ثم الإحاطة بذلك كله إحاطة تاريخية فلسفية وتدبره على اختلاف وجوهه وأسبابه، وهو كله جملة واحدة لا يغني فيه بعضه عن بعض، وعلى مقدار ما يبلغ منه الأديب يكون أدبه، فقد يقال للعالم باللغة لغوي، ولصاحب النحو نحوي، ولمن يقرض الشعر شاعر، وبالجملة ينسب كل ذي علم إلى علمه إلا الأديب، فلا علم له إلا مجموع تلك العلوم وإحسان المشاركة فيها جميعاً. ولا أذهب بك بعيداً في انتزاع المثال، أو أحيلك على أن تتبع ذلك في أوصاف الرجال، ولكي أسوق لك هذا الخبر عن ابن عبدون الأديب الشاعر الأندلسي، لتستبين منه أصل الأدب فيمن كانوا يسمونه أديباً: ذكروا أن أبا بكر بن زهر الوزير الأندلسي حضر إليه في داره - وهو فتى - شيخ كان ينسخ له كتاب الأغاني، ومعه كراريس مما كتب ولكنه نسي أن يحضر أصولها من الكتاب، فبينما هو يكلم شيخه إذ دخل عليه رجل بَذ الهيئة، غليظ الثياب، على رأسه عمامة قد لاثها من غير إتقان، فتقدم إليه أن يستأذن له على أبيه الوزير أبي مروان، فحملته نزوة الصبي وما رأى من خشونة هيئته على أن تكلَّف جوابه وكَرَّهَ له من وجهه، فسكت عنه الرجل ساعة ثم سأله عن الكتاب الذي في يده وإلى أين بلغ الكاتب منه وما له لا يكتب، فعبث به أبو بكر وجعل يسخر منه ويضحك على قالبه وشكله، ومع ذلك لا يتكلف له إلا النبذ من خبر ما يسأل، فلما علم الرجل أن أصل الكتاب غيرُ موجود لدى الناسخ ليعارض به، قال له: يا بني، خذ كراريسك وعارض فإني كنت أحفظ الكتاب في صباي، فتبسم الفتى ضاحكاً من قوله، فقال الرجل بعد أن تراءى ذلك منه: يا بني أمسك على وجعل يقرأ. قال ابن زهر فوالله إن أخطأ واواً ولا فاء حتى قرأ نحواً من كراستين. ثم أخذ له في وسط السفر وآخره، فإذا حِفظه في ذلك كله سواء، فقام مسرعاً حتى دخل على أبيه وذكر له الخبر وصاحبه؛ فخف
اً ولا فاء حتى قرأ نحواً من كراستين. ثم أخذ له في وسط السفر وآخره، فإذا حِفظه في ذلك كله سواء، فقام مسرعاً حتى دخل على أبيه وذكر له الخبر وصاحبه؛ فخف الوزير أبو مروان من فوره، وكان ملتفا برداء ليس عليه قميص، وخرج حاسر الرأس، حافي القدمين لا يرفه على نفسه، وابنه بين يديه وهو يقول: يا مولاي اعذرني! فوالله ما أعلمنا هذا الجلفُ إلا الساعة! وجعل يسب ابنه والرجل
يخفض عليه ويقول: ما عرفني، فيقول الوزير: هبهُ ما عرفك. فما عذره في حسن الأدب؟ ثم أدخله الدار وأكرم مجلسه وخلا به فتحدثا طويلاً حتى خرج "الوزير" بين يديه على هيئته تلك، فلما أن ركب وانفصل قال الفتى لأبيه: من هذا الذي عظمته هذا التعظيم؟ . . . قال: اسكت ويحك! هذا أديب الأندلس وإمامها وسيدها في "علم الآداب" هذا أبو محمد عبد المجيد بن عبدون أيسر محفوظاته كتاب الأغاني - انتهى. ومن ذلك نعرف كيف ابتذل هذا اللقب العظيم - لقب الأديب - في زمننا حتى لم يُحرم منه إلا العامة من الجهلاء، وإلا نفر ممن لا يدفعون ثمنه للجرائد في أخبار الهناء والعزاء. وقد نظرت في كتب يقول أصحابها إنهم صنفوها في "آداب اللغة العربية" وما أظن كتاباً طبع في ذلك للمحدثين ولم أقف عليه، ولا أظن كأني وقفت من ذلك على كتاب. . . فهم يثبتون في كتبهم بعض فصول في تاريخ اللغة ونظمها ونثرها، ويومئون إلى طائفة من الكتاب والشعراء غير منتقدين ولا مميزين، ويأتون بشيء من كلامهم يصيبونه - كما يقول النحاة - حيثما اتفق، وقد يتكلمون في العلوم الاثني عشر ويسردون لك أسماء من الكتب المؤلفة فيها، وإنك ما أصبت من فائدة في بعض كتبهم فذلك حكم الجمع ومما يطرده لك التأليف، ولا أقبح من كتاب
ي العلوم الاثني عشر ويسردون لك أسماء من الكتب المؤلفة فيها، وإنك ما أصبت من فائدة في بعض كتبهم فذلك حكم الجمع ومما يطرده لك التأليف، ولا أقبح من كتاب تستعرض فيه العقول وتتصفح الآراء إلا عقل صاحبه ورأيه وهم وإن ذكروا أن اختيار المرء قطعة من عقله إلا أن ذلك على جهة نوع المختار ومنزلتيه من الأشباه والنظائر، لا على جهة أن للعقل في ذلك عملاً يُلزمه التبعة ويأخذه بالعهد، إذا كان الاختيار على حسب ما تنبعث له الرغبة، وكانت الرغبة على مقدار ما يهيئه الطبع وتعطيه القوة، فلا يحسن عند الفقيه مثلاً اختيار الطبيب من أهل الفقه، ولا عند اختيار صاحبه مما هو بسبيله، وهكذا. وليت شعري أين من عهدنا طبقات الرواة والحفاظ وأهل النقد والجرح والتعديل، فإنهم منا كطِباق السماء مع الأرض، وما ذلك لانقطاع الرواية وذهاب أثرها، فإن في دراسة الكتب وتصفح الأسفار بعض الغناء، ولكنه من فساد التلقين وسوء التلقي بما نشأت عن موت الذين يصلحون للإفادة، ولقد كانت الرواية في ذلك الصدر درساً من أحسن الدروس الجامعة، إذ يتناول مجلس الرواية الأدبيات بأنواعها بحثاً وشرحاً وإيراداً وتمحيصاً، فيعي الطالب من ذلك في الساعة الواحدة ما لو تُرك فيه لنفسه ومبلغ همته لدأب في تحصيله بضع سنين
وما أدري الجامعة مفلحةَ في الأدب إذ هي لم تحيِ ذلك العهد ولم تَطو الأيام إليه، فإن الأمة لا تحيا إذا ماتت لغتها، ولن تموت لغة أمة حية، وما دامت العربية على أصلها فأدبها ما أخرجه لنا السلف، لا ينقص منه ولكن يزاد عليه بما تمثله الأيام وتبتدعه الأفهام وتستانفه القرائح وتتدبره العقول ويمحصه التحقيق وتُبدعه مذاهب النقدِ، وذلك منشأ الحاجة في الأدب العربي إلى الآداب الأجنبية، وهي حاجة إذا مس إليها فضل الإتقان وزيادة الإحسان فإنه! لا تبلغ أن تجعل أدبنا حَميلة على غيره، لا يقوم إلا به ولا يتعلق إلا عليه، وإنما شأننا في ذلك شأن أدباء الغربيين فيما أخذوه عن اليونان والعرب وغيرهم إلى أن اتجهت لهم هذه الطريقة التي هم عليها اليوم. فإن كان رجال الجامعة يتوخون تلك الطريقة التي أشرنا إليها فلا عذر لهم فيما أهملوه، وإلا فهم قد أعذروا من أنفسهم، وهيهات يفيد من لا يعرفون آداب لغتهم أن تلقى إليهم "المحاضرات عليها باعتبار علاقتها بأهل أوروبا وخصوصاً بإيطاليا". فهذا رأينا قذمناه لرجالنا الفضلاء "وإن تعتِب الأيام فيهم فربما.. ".
هم أن تلقى إليهم "المحاضرات عليها باعتبار علاقتها بأهل أوروبا وخصوصاً بإيطاليا". فهذا رأينا قذمناه لرجالنا الفضلاء "وإن تعتِب الأيام فيهم فربما.. ".
مقال الجريدة الثاني الأدب العربي في الجامعة عزيزي. . . الرافعي: لم تزل مقالتك "عن الأدب العربي والجامعة " - التي نشرتها الجريدة - في مستقرها من الأذهان. ولن تذهب هذه الفترة بين تنبيهك القائمين على ذلك الأمر وإجابتهم مقترحَك في هذه الأيام، بما لك من حسن الأثر وفضل السابقة. قلت إنهم تعجلوا العمل فلم يطيبوا ولم يُنضِجوا لمكان العجلة من تلك الحال، وعقم الأمة بالنابغين من الرجال. فهم اليوم قد طيبوا وأنضجوا وفرضوا جائزتهم لمن يضع الكتاب الوافي في أدبيات اللغة العربية وتاريخها. ولا أخالك إلا قد هيأت مادة هذا الكتاب وأخذت في إبرازه متثبتاً في اعتزامك، وإني لأعلم أن الزمن إلى موعدهم قصير، وأن العمل في اقتراحهم كثير، وأن القلم لن يصبح من أجلهم طائراً يطير، ولكنها أيضاً عجلة الفوز في الزحام، ومثار الهمة من الهمام، وموضع الفصل بين التأخر والإقدام، فلعلك محقق أملي في أدبك والسلام؟ . . . إبراهيم سيدي الفاضل: أنت أعزك الله قسِيم في المعرفة بأني لا أتكلف ما لا أحسن، ولا أحسن ما لا أتقن عملاً يضيق به وقته ولا تبلغ فيه وسائله، وإن استفرغتُ له الجهد وأقمت فيه الوهجَ المتعب وجعلت الليل والنهار عليه أنفساً حِراراً. وهؤلاء الذين قرروا تعميم الدعوة على الأدباء لوضع كتاب واف في أدبيات اللغة العربية وتاريخها، وجعلوا لذلك العمل إلى فصاله سبعة أشهر إنما مست بهم الحاجة إلى كتاب وأعوزهم مؤلفه فالتمسوه بتلك الدعوة يفتشون عنه في ضوء الجائزة. . . ولو كان هذا الأمر على حكمهم لجاز أن يمضي على إرادتهم، ولكنه على الخلاف، إلا أن يكون فى الأدب ما لا نظنه ولا نعلمه،
وة يفتشون عنه في ضوء الجائزة. . . ولو كان هذا الأمر على حكمهم لجاز أن يمضي على إرادتهم، ولكنه على الخلاف، إلا أن يكون فى الأدب ما لا نظنه ولا نعلمه،
وفي الأدباء من لا نعرفه ولا نتوهمه، وفي ذلك الأمر ما أحكموه وليس في الناس من يُحكمه! إني إذا أغمضت عيني فتمثلت لي الكتب هيأت لي منها خواطري كتابا ممتعاً في الآداب العربية يوفي على الغاية وأشف من الغاية، ولكني التمست ذات مرة طرفاً من أخبار الرواية والرواة عند العرب في فصل من هذا الباب فجعلت أستقصي وأتصفح وأتقصص حتى نفضت على القلم سواد خمس عشرة ليلة، ولم يكن هذا البحث مما جردت فيه رسالة أو أفردت له مقالة، فما بالك بكتاب يكون هذا بعضَ فصوله وفرعاً من أصوله؟ وعندنا مباحث أخرى كمبحث التنظير والموازنة، ومبحث الصناعات اللفظية وتحقيقها وتاريخها، وهي المادة الخبيثة التي لم يقم لها الأدب بعد أن فشت فيه وكانت مسقط البلاء عليه، وناهيك من مبحث لم يضبط منه كتاب في الأدبيات إلا كما يحفظ الماء من أثر السابح وإن هو ضرب فيه بيديه ورجليه! هذا إلى ما يعترض من أبواب كثيرة لا بد من كتابتها بما يستوفي حق التاريخ وحق النقد وحق الأدب، وذلك مَقذف الحصا والجمار والنصَب الذي لا يستخف به إلا من يقتحم على الرجال والأقدار، والرمض الذي لا يُسار فيه إلا على مثل حر النار، التراجم على طريقة النقد والتمحيص. وأنت خبير بأن تاريخ العظماء إذا لم يكن في كتابته ابتسام العظمة وبشاشة الحياة وأثر الأخلاق فإنما هو صور ميتة منهم، وإنك إذا كتبت أن فلاناً الشاعر الكبير ولد سنة كذا وتوفي سنة كذا. . . ومن شعره قوله، وقوله، وقوله، وكان الناس لا يعلِّقون حساب أعمالهم على سنة ولادته ولا سنة وفاته، فما عدوتَ أن نشرتَ لهم من ذلك الميت صورة ميتة أيضاً! ولعلك تذكر أيها العزيز ما بسطتُه في المقالة الأولى من نمط التأليف الذي جرى عليه المعاصرون في ذلك، وكيف يجيئون بالطم والرَّم ولا يميزون خبيثاً من طيب، وهم مع ذلك يُظهرون الاستبصار فيه ويتكلفون التبجح به، وقد قيل في رجل محروم منحوس الحظ يتعاطى مثل هذا الشأوِ من الطمع والرغبة:
لا يميزون خبيثاً من طيب، وهم مع ذلك يُظهرون الاستبصار فيه ويتكلفون التبجح به، وقد قيل في رجل محروم منحوس الحظ يتعاطى مثل هذا الشأوِ من الطمع والرغبة: إنه ما رئي أحد عَشق الرزقَ عشقه ولا أبغضه الرزق بُغضه، وكذلك أرى أصحابنا وأولى لهم! ألم يكن في الأدب إلا بعض فصول التاريخ ومختارات النظيم والنثير، ثم
يُمسح القلم ويُرسل الكتاب وفي صدره اسم صاحبه يسعل به في الناس كما يسعل المصدور، وأنت لو تصفحت الكتاب واعتبرت بعضه ببعض لرأيته على ما احتفل فيه كورم الأنف في غير الكريم: يبلغ ما يبلغ به الغضب ثم ينحل بكلمة للزجر والتأنيب، أو صفعة للمؤاخذة والتأديب! ولقد أستشفُّ أن القوم إنما يريدون في تأليف ذلك "الكتاب الوافي " هذا النوع الذي يسميه الظرفاء من أهل الصحافة "التحرير بالمقص"، فمن كل كتاب فصل إلى فصل حتى تجتمع كلها في كتاب. فإن لم يكن مرماهم إلى هذا ولا إلى قريب منه، فما هذا الموعد الذي ضربوه أجلاً "للمسابقة" وما بالهم تعجلوا آخراً بقدر ما أبطاوا أولاً دون أن يزنوا صواب العجلة بخطأ الإبطاء. ونحن إنما أخذنا عليهم أنهم - بدأوا - بتدريس الآداب الأجنبية وحدها، فإما أن يكونوا قد انححطوا في هوى، أو شالت كفة الرأي منهم أو لهم غرض يتربصون به أسبابه وذرائعه، فلو أنهم إذ أخطاوا في الأولى أصابوا على قدر ذلك في الثانية، لكان الأمر بينهما ولخرج آخره كفارة لأوله. أما وقد نشروا الدعوة إلى أجل فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون، ووثقوا من أنفسهم بأول خاطر ظنوه صواباً، وأمَّلوا في مهب الريح أو غبرة توهموها سحاباً - فقد صار لنا أن نظن أنهم لم يتبينوا مواضع النفرة في ذلك النمط السخيف المبتذل فكان بعيداً عليهم أن يوافقوا مكامن الرغبة في الممتع الممتنع. اعتبر ذلك بأنهم على الأغلب سيعهدون بتدريس الكتاب لغيره مؤلفه. فيكون الحاضر لديهم كالغائب عنهم، ولا فضل لدارهم إلا أنها مصدر التلقين، فإذا طبع الكتاب صارت كل مكتبة في حكم الجامعة، لأن العلم هو الكتاب لا الذي يلقيه، وإلا فما بالهم لا يعهدون بالتأليف لمن سيعهدون إليه بالتدريس؛ وهل يقتصرون على أن يكون من كفاية الأستاذ القدرة على إلقاء درسه دون القدرة على استنباط الدرس واستجماع مادته، حتى لا يزيد على أن يكون هو بين تلامذته التلميذ الكبير. . .؟ ثم من هم أولئك الذين سيحكمونهم في التفضيل والتنظير والمقايسة بين الكتب الوافية التي تنتهي إليهم؟ لا جرم أن أولى الناس بالحكم أبصرهم بالمحكوم فيه، وإلا كان حكمه في الخصومة خصومة أخرى تحتاج إلى حكم
نظير والمقايسة بين الكتب الوافية التي تنتهي إليهم؟ لا جرم أن أولى الناس بالحكم أبصرهم بالمحكوم فيه، وإلا كان حكمه في الخصومة خصومة أخرى تحتاج إلى حكم من غيره، وليس أولئك المحكمون في وزن من فُرضت لهم الطاعة والتسليم على الناس كفئة الفضاة في الشرع والنظام، فلا يكون ثمة دليل على كفايتهم
للحكم إلا تسليم الأدباء لهم بهذه الكفاية، وإذا كان ذلك فلمَ تنفضُ إدارة الجامعة يدها من قوم هم رؤساء الصناعة وظهور مناصبها العالية وألسنة الحكم فيها، ثم تلتمس من ضعف الأفراد ما لم تؤمله في قوة الجماعة، وهي تعلم أن الحمل الذي تتوزعه الأكفُّ يهون على الرقاب؟ هذه - أصلحك الله - بعض أسباب الفساد في ذلك الاقتراح، فإن كانت فيه جهة صالحة لم تنكشف لي فذلك لأن هذا الأمر عندي أمرُ ليل مشتبه مظلم، وما أحتسبك الآن إلا وقد ضننت - بسبعة أَشهر - من عمري وعرفت أني سأكون من قراء الكتاب ومنتقديه إن شاء الله، لأني وإن كنت أحمل القلم غير أني لم أعوده أن يكون ناسخاً يتمسك بحرف الكلام، ويمشي في الكتاب مشية الضرير لا يستفيد من ضوء ولا يستضيء من ظلام، فأما وقد أرادوا القلم على ما أرادوه، فالسلام على الأقلام.
ناسخاً يتمسك بحرف الكلام، ويمشي في الكتاب مشية الضرير لا يستفيد من ضوء ولا يستضيء من ظلام، فأما وقد أرادوا القلم على ما أرادوه، فالسلام على الأقلام.
الدكتور طه حسين وما يقرِّره تفضل الأستاذ الدكتور طه حسين بإلقاء محاضرته على تأثير الوثنية واليهودية والنصرانية على الشعر العربي، وانتهى إلى نتيجتين: ١ - أن لا تأثير للوثنية واليهودية والنصرانية على الشعر العربي، والجاهلي منه على الأخص. ٢ - أن ما وجد من الشعر مشتملاً على مبادئ الوثنية أو اليهودية أو النصرانية إنما هو مدسوس على من نسب إليهم، وإنه لم يكن موجوداً في عصرهم. وأرجع هاتين النتيجتين إلى ما يأتي: ا - إن الحكام المسلمين منعوا تداول كل شعر اشتمل على مبادئ هذه الديانات مما يخالف سنن الإسلام ومبادئه ومحَوه جميعه. ٢ - إن أهل هذه الملل بعد سكون حركة الفتوحات واستتباب السلم وتيقظ الحركة الفكرية في ميدان الأدب والعلم قد دفعهم تعصبهم لشعراء ملَّتهم السابقين إلى التقول عليهم بما لم يقولوه ونسبةِ أشعار إليهم لم تكن من نسج بيانهم ولا هي من منتجات عقولهم. وإننا نستمح الأستاذ الفاضل ونتقدم إليه بحق حرمة حرية البحث أن يتفضل علينا بالإجابة على ما تلجلج في صدورنا من أثر ما قرره حضرته ويفيدنا بما وسعه علمه الغزير عن المسائل الآتية: ١ - قرر حضرته أن لا أثر للوثنية واليهودية والنصرانية على الشعر العربي لأن العرب بعد الإسلام محوا جميع الأشعار التي تشتمل على مبادئ هذه الديانات أو على مبادئ تختلف مع الدين الإسلامي وتناقض أصوله، وهذه تهمة لا يعزب عن فطنته أنها على جانب من الخطورة لا يصح السكوت عليها على أنها من مقررات العلم المسلم بها، لأن الأبحاث العلمية ليست أساسها
المشاعر وقيام نزعات وميول خاصة عند من يقررها، وإنما أساسها دائماً اليقين الذي يطمئن إليه الباحث في بحثه ويقتنع به كل من يدلي إليه بهذا البحث. وإذا كان الأمر كذلك فليتفضل علينا الأستاذ ويقل لنا: مَن مِن ملوك المسلمين وحكامهم هو الذي أمر بوأد الشعر الوثني واليهودي والنصراني ومحوِه؟ مَن مِن أعوان هؤلاء الحكام الذىِ تولى ذلك؟ وكيف كانت طريقة المحو؟ وهل كتب لها النجاح في كل بلاد الإسلام؟ وهل لم تجد لها في البلاد الأخرى ملجأ إليه؟ وهنا نستلفت حضرته إلى أن الشعر كان يتناقل بالرواية وتعيه صدور الحفاظ، وأن هؤلاء الحفاظ كانوا على ما وصل إليه علمنا في أكثرية ممن يعرفون القراءة والكتابة، وأنه إذا كان لحاكم أيًّا كان أن يمحو ما حوته بطون الكتب فكيف السبيل له أن يذهب بما وعته صدور الحفاظ من أهل هاته الملل وأن يعقل ألسنتهم عن أن ينقلوا إلى أهل ملتهم من بنيهم ومُعاشريهم ومخالطيهم وأصدقائهم والى غيرهم ممن لهم ضِلع معهم من صداقة أو صلة علمية؛ وهل بعد هذا يمكننا أن نسلم بأنه لم يتسرب إلينا من شعر هاته الملل شيء أصلاً؟ وهل بعد هذا يمكننا أن نسلم في راحة من الضمير أن ما نُسب إلى شعراء هاته الملل من الشعر المشتمل على مبادئ دياناتهم واعتقاداتهم ليس هو من شعرهم وأنه ملفق كله ولا يشتمل أي مأثور من أقوالهم؟ وإذا تجوزنا وقلنا باحتمال الشك فيما نقل إلينا من الأشعار المنسوبة إلى هؤلاء القوم، فهل لا يحسن بالأستاذ أن يبين لنا مميزات الشعر الجاهلي والأموي والعباسي بحيث يمكن التفريق بين كل منهم في كل فن من فنون الشعر؟ وهل له أن يبين لنا أن هاته الفروق هي من الأصول الثابتة لم يخرج عليها أحد من أهل تلك العصور؟ وهل لم يكن بينهم - على ما نعهده في رجال الأدب من معاصرينا من
له أن يبين لنا أن هاته الفروق هي من الأصول الثابتة لم يخرج عليها أحد من أهل تلك العصور؟ وهل لم يكن بينهم - على ما نعهده في رجال الأدب من معاصرينا من
ميل إلى الغريب والمهجور ويتعمد التعقيد في العبارة أو يميل إلى الابتذال. وأنه لم يكن ثم من بينهم المتعصب إلى القديم والثائر عليهم المتعشق لكل جديد؟ - وهل يحسن بالأستاذ أن يبين لنا ما طباع كل شاعر ممن نسب إليهم هذا الشعو كالأعشى وزهير وعبيد بن الأبرص وغيرهم من أصحاب المعلقات وشعراء الجاهلية؟ وهل له أن يتنبأ لنا عما قام بنفسه وما كان يتملكه من الإحساس طول حياته، في غضبه وحلمه، وزهده وتفاخره، وسرائه وضرائه، وما تكيفت به نفسيته في حله وترحاله، وصحته ومرضه وجِده ومجونه، وعبثه ولهوه، وفرحه وحزنه، وعبادته وعمله، وشبابه وهرمه؟ وأن يبين لنا وجه استحالة أن يصدر منه ما نسب إليه من الشعر؟ أظن - وليعذرني الأستاذ في ذلك - أن الوصول إلى شيء من هذا الذي بيناه ليس هو الشيء الهين إن لم يكن من المستحيل، وبعبارة أخرى أنه يستحيل الجزم بحال من الأحوال بأنه لم يصدر من واحد من هؤلاء أي شعر مما هو منسوب إليه الآن. وإذا كان الأمر كذلك كان من المستحيل أن يقرر بطريقة علمية وعلى وجه الجزم واليقين بعدم تسرب شعر أهل هاته الديانات إلينا، وأن الموجود منه بين أيدينا متقول على أصحابه. وهناك دليل آخر نسوقه إلى حضرته، وهو أن ديناً يحث على نشر العلم ويزهو نبيه ﷺ بقوله: "أنا مدينة العلم" يستحيل عقلاً أن يعمل على دثر آثار شعراء هاته الديانات لمجرد مخالفة مبادئهم لمبادئه، فقد جاء في الكتاب العزيز (لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ) . كما دلت الآثار على أن المسلمين كانوا على فهم تام لهذا المبدأ، إذ بينما يحرم دينهم الخمر ويلعن رسولهم شاربها وحاملها وساقيها تراهم قد وسِعَت صدورهم ما ضمنه الشعراء عنها في أشعارهم، بل زاد بهم التسامح حتى أن زعيم المتصوفة والكثير منهم أتوا بخمريات في أشعارهم، في حين أن هؤلاء من لا مطعن عليه في دينه ولا مطعن في أخذه بمبدأ تحليل الخمر! والأبلغ من ذلك تلك القصائد الكبيرة التي تضمنتها مجموعاتُ الأدب
ي أشعارهم، في حين أن هؤلاء من لا مطعن عليه في دينه ولا مطعن في أخذه بمبدأ تحليل الخمر! والأبلغ من ذلك تلك القصائد الكبيرة التي تضمنتها مجموعاتُ الأدب الكبرى والطبقات الوافية من كتبه المعتبرة، كالأغاني والأمالى والعقد الفريد.
وغيرها، مما هو صريح في مسائل الملامسة والغزل. وما ورد في المساحقة وغيرها من مسائل الاختلاط الشهواني والتعبير عن وسائل هذا بألفاظ هي غاية في الصراحة، وبالأخص في خروجها على آداب الدين ومبادئه وهي مع ذلك لم يمتنع تناولها ولا أمكن توقيف تيار تسربها من قائليها إلينا مع طول الفترة التي تفصل بيننا وبينهم. وسواء قلنا بأن هذه الأشعار وصلت إلينا بسبب تسامح المسلمين أو بسبب استحالة عملية الوأد والمحو، فالنتيجة المنطقية لذلك واحدة، وهي أنه لا يمكن التسليم بحال من الأحوال بما أراد حضرته أن يصلَ إليه وهو أن جميع الشعر المنسوب إلى شعراء الملل غير الإسلامية في الجاهلية على الأخص هو شعر مدخول عليهم مدسوس بحكم التعصب ونعرة الانتصار لأهل الملة. هذا وإن مجرد القول بعدم وجود شعر لأهل الملل غير الإسلامية من شعراء الجاهلية وعصور الخلفاء الراشدين ودولتي بني أمية وبني العباس هو قول يناقضه الواقع، ويكفينا ما حكاه الأستاذ الفاضل في محاضرته بأن هناك مجموعة كبيرة اسمها: شعراء النصرانية، وأن هناك طائفة أخرى منسوبة إلى شعراء أهل الملل والديانات الأخرى، إذ الأصل في الناس إذا ما رووا أن يحكموا الصدق، ولا يصح نسبة الكذب إليهم لغير علة ظاهرة. وكل رواية لا تناقض العقل ولا تتنافى مع المشهور عن أخلاق من نسبت إليه والمتعارف من عاداته وطباعه ووسطه الذي نشأ فيه وببيئته التي تربى في أحضانها، لا يمكن ولا يصح أن يسلَّم بالشك فيها، كما أنه لا يتفق مع كرامة العلم واعتلاء عرش الأستاذية أن يتبرع الأستاذ بسرد التهم جزافاً إلى طوائف وجماعات بغير حجة قائمة عليهم تبعث اليقين إلى كل من عرضت عليه من أهل الحصانة، ومن باب أولى إن الأمانة تقضي بالتريث في الحكم بالإدانة في أية تهمة لأن من ألزم اللزوميات لمبادئ العلم رجوعها إلى قضايا يقينية وإلا فقدت قيمتها، لأن ما يرتكن على



