— Bagian 3 · ى إن الأمانة تقضي بالتريث في الحكم بالإدانة في أ… —
Bagian 3
ى إن الأمانة تقضي بالتريث في الحكم بالإدانة في أية تهمة لأن من ألزم اللزوميات لمبادئ العلم رجوعها إلى قضايا يقينية وإلا فقدت قيمتها، لأن ما يرتكن على قضايا تخمينية أو تصورية إنما يرتكن على أساس لا هو بالمأمون ولا هو محل للثقة والاعتبار. وإذا كانت هذه هي المبادئ الأولية المسلَّم بها في كل بحث علمي الواجب اتباعها عند الحكم على أية مسألة من المسائل، فإن اتهام العرب من المسلمين أو حكام دولهم بأنهم محوا الشعر المشتمل على مبادئ لأهل الوثنية واليهودية والنصرانية تختلف عن مبادئ الدين الإسلامي - هو قول لا يرتكن إلى شيء من الحقيقة اليقينية، وكان أيضاً القول بتلفيق كل الموجود من شعر
هؤلاء القوم مما هو منسوب إلى العصر الجاهلي أو الأموي أو العباسي هو الآخر قول لم يقم الدليل على صحته، فضلاً عن مخالفته لمقتضى المعقول الذي يجزم باستحاله منع تسرب شعر هؤلاء القوم. وأظنني وقد وصلت إلى عكس ما ذهب إليه الأستاذ، ولم يطاوعني لا ذمتي ولا ضميري على مشايعته في حكمه القاسي الذي حكمه، قد بينت لحضرته مثار الشك في كل ما قرره. عباس فضلي القاضي بالمحاكم الأهلية قلنا وقد نشرنا هذا المقال بحروفه لأنه كان سبباً في أن الدكتور طه حسين أسقط من كتابه ما كان قرره في الجامعة مما أشار إليه صاحب المقال حتى لتستطيع أن تضع يدك على مكان التمزيق من تلك المرقعة. . . ولم يرد "طه" على هذا المقال ولكن ردت الطاء من طه. . . فكتب لأحد تلاميذه أو كتب أحد تلاميذه، وهو وتلميذه كما قيل في حمار الأخطل: هو وذيل حماره سواء!
التاريخ لا يكون بالافتراض ولا بالتحكم لا أريد أن أناقش أحداً ولا أن أسمي أشخاصاً ولا أن أحمل على باحث أديب بتجهيل وإنما ألمح من خلال الكتابات التي يجود بها بعض أدباء، الوقت - منزعاً؛ وإن كان في حد ذاته محموداً فقد ينقلب في إساءة استعماله مذموماً ويصير ضلالاً. ولع بعض الأدباء باتهام التاريخ الإسلامي الذي لدينا وسلوكِ طريقة في التعليل لم يسلكها الأولون، ارتياداً لوجوه جديدة وأسباب للحوادث لم تكن معروفة، بحيث يقال: إنهم كشفوا حقائق تاريخية لم يعرفها غيرهم أو عرفوا أسراراً أعماها التاريخ الديني أو عمتها السياسة وأهواؤها على الجمهور. ويسمون ذلك تمحيصاً وتحقيقاً، ويظنون أن التمحيص والتحقيق هما مجرد المخالفة والخروج عما عليه الرأي العام. والحقيقة أنه إن كان مقصدهم مجرد المخالفة وتغيير الأسلوب لعدم الصبر على طعام واحد فقد أصابوا الغرض. ولكن إن كانوا يزعمون أن هذه التعليلات الغريبة هي الأصل في تلك الوقائع فليسمحوا لنا أن نستعفيهم من التصديق لأننا نعرف التاريخ بالأدلة العقلية والنقلية وملاحظة ما سبق وما لحق واستنباط النتائج من المقدمات، ولا نعرفه تخرصات وافتراضات وأبنية على غير أساس، فإن كان هذا هو التمحيص التاريخي الذي يتوخى بعض العصريين أن يقلد به الإفرنج فلا كان هذا
ج من المقدمات، ولا نعرفه تخرصات وافتراضات وأبنية على غير أساس، فإن كان هذا هو التمحيص التاريخي الذي يتوخى بعض العصريين أن يقلد به الإفرنج فلا كان هذا التمحيص الذي هو عبارة عن قلب الحقائق لأجل الإتيان بالبدع، ويجهل علماء الإفرنج عن أن يكون تمحيصهم من هذا النمط، وقد خلط منهم من خلط في معرض التمحيص ولكن نبه المدققون منهم على أنهم خلطوا. فعندما يقوم واحد فيذهب إلى أن تاريخ حرب اليمامة محاط بالغموض. وأن مقاتلة أبي بكر لأهل الردَّة لم تكن من أجل إقامة الدين بل من أجل تأسيس
الملك، وما أشبه ذلك من التوجيهات التي لم يقم عليها أدنى دليل - نعلم أنه حاول أن ينهج مناهج الممحصين فظن التمحيص مجرد الخروج عن الإجماع ولو كان الإجماع صحيحاً، فلم يصب المرمى. وعندما يقوم آخر فيدعي أن السلف في صدر الإسلام وضعوا "سانسورا" على الشعر الجاهلي المُشرَب مبادئ الوثنية أو النصرانية أو اليهودية - نعلم أن هذه الدعوى مبنية على الافترَاض والتخيل، وأنها لا تستند على دليل بل الواقع يناقضها من كل الجهات. أعجبتني جداً عبارة الذي رد على هذه الفئة فقال لهم: "مَن مِن ملوك المسلمين وحكامهم أمر بوأد الشعر الوثني واليهودي والنصراني ومَحوه؟ مَن مِن أعوان هؤلاء الحكام تولى ذلك؟ وكيف كانت طريقة المحو؟ وهل كتب لها النجاح في كل بلاد الإسلام؟ . . . الخ ". والحقيقة أنه ليس لهم من جواب على هذا السؤال، ولا حيلة لهم في التخلص منه إلا بإيراد أدلة واهية لا تدفع شيئاً من حقيقة حرية الرواية في ذلك العصر ومِن كون بابها بقي مفتوحاً على مصراعيه؛ ولا تنفي أن عصر الصحابة لم يعرف "السانسور" ولا مراقبة الرواية، رلا كمِّ الأفواه، ولا شيئاً من أوضاع "ديوان التفتيش ". وإذا تأملتَ في كلام هذه الفرقة رأيتهم يشيرون من طرف خفي إلى نزول درجة الحضارة التي كان عليها الصحابة، وأن شرائعهم وقوانينهم إنما كانت شرائع قوم في طفولة المدنية، وأنها "لا تمس الحياة إلا قليلاً"، وما أشبه ذلك، ثم ينسون أن مراقبة الكتابات والروايات إن هي إلا من أوضاع الهيئات الاجتماعية المتمدينة التي استبحر فيها العمران وتأثل الملك، وأن "السانسور"
أشبه ذلك، ثم ينسون أن مراقبة الكتابات والروايات إن هي إلا من أوضاع الهيئات الاجتماعية المتمدينة التي استبحر فيها العمران وتأثل الملك، وأن "السانسور" لا يأتي مع بداوة المجتمع ولا يعقل وجوده في أيام السذاجة كالتي عاش فيها النبي ﷺ والصحابة رضوان الله عليهم. فمراقبة الكتب والخطب كانت تقع في رومية والقسطنطينية لعهد عظمة القياصرة، وفي أيام سلطة الباباوات، وفي عهد ملوك فاتحين كـ لويس الرابع عشر، وقد بالغ فيها نابليون الأول ثم الثالث، وقد وقعت من أيام العرب في عهد العباسيين وغيرهم من ملوك الأعاجم، أو الملوك العرب الذين اتخذوا أطوار الأعاجم، فأما القول بأنها كانت في عهد الخلفاء الراشدين وفي أيام الصحابة فمحض تحكم ومكابرة.
نعم كان هؤلاء الناس من شديدي التحمس بالدين الجديد الذي جاءهم به محمد ﷺ، ولكن حماستهم هذه لم تقلع ما في قلوبهم من حب الحرية التي نشأوا عليها في الجاهلية والتي لا يوجد في الشرق ولا في الغرب أمة بلغت شأو العرب فيها، ومن قال: "إن العرب أعرق الأمم في الحرية" فغير مبالغ، لهذا تجدهم رووا بألسنتهم وكتبوا بأقلامهم جميع مطاعن المشركين في النبي ﷺ وصحبه ولم يُخفوا منها قليلاً ولا كثيراً، ونقلوا الشبه والاعتراضات التي كانت تقع عَلى الرسول ﷺ ورهطه، وذكروا كثيراً مما كان يرد به بعض العرب على رسول الله ﷺ، وكيف أن اثنين تخاصما إليه فحكم لأحدهما، فقال المحكوم عليه: هذا حكم لم يُرد به وجه الله، فقال ﵊: " أوذِيَ موسى من قبلي بأكثر من هذا" وغير ذلك مما هو مستفيض في كتب السيرة النبوية وأخبار صدر الإسلام، ومما رواه الرواة المسلمون وحرره الكتبة المسلمون وأقرأه العلماء المسلمون، ولم يكن عندهم حرج في نقل تلك الأحاديث وإبرازها كما جاءت، لأنهم كانوا على بينة من دينهم الذي دانوا به، وكانت قلوبهم مطمئنة بالإيمان، وكانت سيرة النبي ﷺ معلومة عندهم بدقائقها، فلم يكونوا يحتاجون فيها إلى "السانسور" دَرءاً للشبهات عنها وخوفاً من أن يُفضي تدأول هذه الروايات إلى زعزعة عقيدة الإسلام التي لم تكن منذ بها جاء بها صاحبها ﷺ إلى اليوم على شفا جُرف هار. إن الإسلام مولود رُزق الصحة ووثاقة التركيب منذ ولادته. نعم في هاتيك الأيام وما يليها كانوا يردون أهاجي بعض الشعراء للصحابة والأنصار و "لبني النجار" وفي تلك الأيام كان يعاتبُ الرسول ويقال له: ما كان ضَرك لو عفوتَ فربما. . . مَن الفتى وهو المَغيظُ المُحنقُ في أيام السلف كان ينادي الأخطل: ولستُ بصائم رمضانَ عمري. . . ولستُ بآكل لحم الأضاحي ولستُ بقائل ما عشتُ يوماً. . . قُبيل الصبح حيَّ على الفلاح كان يقول هذا ويدخل على الخلفاء ويجيزونه الجوائز السنية، وكان هو وغيره من النصارى واليهود يفتخرون بدينهم ويعلنونه في أشعارهم التي كان يرويها المسلمون ويقيدونها في دفاترهم، ولما جاء الملكَ النعمانَ ابن المنذر
كان هو وغيره من النصارى واليهود يفتخرون بدينهم ويعلنونه في أشعارهم التي كان يرويها المسلمون ويقيدونها في دفاترهم، ولما جاء الملكَ النعمانَ ابن المنذر رجل نصراني في اليوم الذي كان عنده يوم بؤس وأمر النعمان بقتله، استماحه النصرانى مهلة أن يذهب ويودع أهله، فأذن له، على أن يقدم كفيلاً يحل محله فى القتل إذا هو لم يرجع، فرجع، وتعجب النعمان من وفائه، فسأله:
ما حملك على الوفاء؟ فأجابه النصراني: حملني ديني! فقال له النعمان: وما دينك؟ قال له: النصرانية. وتنصر النعمان بعد هذه فكانت هذه الرواية مما حرره المسلمون ولم يغمطوا النصرانية حقها، ولا غمطوا اليهودية أيضاً حقها، وأجمع العرب المسلمون على نقل مآثر السموأل وكان السموأل يهودياً، وما زال السموأل مضرباً للأمثال في علو النفس وكرم السجية إلى يومنا هذا، حتى قال شوقي - شاعر العصر - منذ أيام قلائل: كأَّ من السموأل فيه شيئاً - فكل جهاته كرم وخُلقُ فكيف يكون المسلمون الأوائل حاولوَا خنق كل صوت غير صوتهم ومحو آثار النصرانية واليهودية والوثنية من شعر العرب؟ ثم إن شعر شعراء النصرانية في الجاهلية يملأ الدواوين، وما منهم إلا مَن حَرص علماء الإسلام على التنبيه أنه كان نصرانياً، وقد نقلوا خُطب قس بن ساعدة الذي كان مطراناً، ونقلوا ثناء النبي ﷺ. وأما كون ديوان شعراء النصرانية المطبوع في بيروت موضوعاً وأن الشعراء المروية أشعارهم فيه لم يكونوا نصارى بل جعلهم صاحب الديوان نصارى وهم جاهليون لا غير، فمن يقول هذا، ومن يصل به المراء إلى إنكار أن أكثر أولئك الشعراء كانوا نصارى؟ غاية ما يقال إن بعض أولئك الشعراء لم تثبت نصرانيتهم. وهذا لا ينفي أن شعراء كثيرين مثل العبادي والأخطل والقطامي كانوا نصارى مجمعاً على نصرانيتهم، وأن المسلمين نقلوا أشعارهم كما هي، ولم يحذفوا منها شيئاً، وكان الشعراء المسملمون يناقشونهم ويداعبونهم، وكان جرير يقول: قال الأخيطل أن رأى راياتهم. . . يا مارِ سرجس لا نريد قتالا! فالقول بأن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وأصحابه لم يبقوا على أي نزعة
م، وكان جرير يقول: قال الأخيطل أن رأى راياتهم. . . يا مارِ سرجس لا نريد قتالا! فالقول بأن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وأصحابه لم يبقوا على أي نزعة تخالف دين الإسلام، وأنهم طووا شعر النصارى واليهود والمشركين محض تحكم لم يقم عليه أدنى دليل، بل قام الدليل على حرية الإسلام وتساهله في الدين. ونقل رواة المسلمين ليس شعر النصارى واليهود والمشركين فقط، بل أهاجيَ كثيرة قالها هؤلاء في النبي وأصحابه وأنصاره. يا إخواننا، إنه في صدر الإسلام كانوا يتناقلون مثل قوله: لعبت هاشم بالدين وما. . . نبأ جاء ولا وحي نزل
ليت أشياخي ببدر شهدوا. . . جزعَ الخزرج من وقع الأسل روى هذا المسلمون وما زالوا يروونه، وفي زمان بني أمية كان العهد بسذاجة الجاهلية قريباً، فكانت الحرية في القول تامة والألسنة منطلقة، ومما عُزيَ إلى يزيد يوم جيء برأس الحسين ﵁: مذ أقبلت تلك الرؤوس وأشرقت. . . تلك الشموس على ربي جيرون صاح الغراب فقلت صح أو لا تصح. . . إني قضيتُ من النبي ديوني ثم عُزي الوليد أنه قال وقد سكر ومزق القرآن: إذا ما جئتَ ربك يوم حشر. . . فقل يا رب مزقني الوليدُ نعم رُويت هذه الأشعار وأمثالها مع لعن قائلها، ولكنها رويت وقيدت في التواريخ ولم تمنع روايتها، ولا كان قلم مراقبة ولا ديوان تفتيش ولا كتب جائزة ولا كتب ممنوعة. وأما عدم حرمة النبي والصحابة للشعر وقولهم إِن روايته ضلال، فهذا زعم باطل مخالف للإجماع، فقد روى النبي ﷺ الشعر واستحسنه وقال: "إن من الشعر لحكمة" ورواه عمر وعلي وسائر الصحابة وتناشدوه وطربوا له وكان فكاهة مجالسهم. وقصة كعب بن زهير مع رسول الله ﷺ وإنشاده إياه " بانت سعادُ" واهتزاز النبي ﷺ لهذه القصيدة وإنعامه على كعب ببُردته الشريفة - كل ذلك لا يحتاج إلى بيان، ولكن الشعر كسائر الأشياء إذا أسيء استعماله انقلب إلى الضرر، وإذا كان وقع من عمر ﵁ وهو من أبصر الناس بنقد الشعر وأشدهم اهتزازاً لجيده - تضييق على الشعراء، فيكون في المواطن التي أسيء فيها استعمال الشعر وصار باباً للمشاحنات والفتن، وكما أن للخليفة طبيعة ينعش بها إلى الأدب، ويعجب بسحر البيان، فإن عليه واجباً هو حماية الأعراض وحفظ السلام. أما إزراء الشعراء بالعلماء وما قاله بعض هؤلاء في الإعراض عنه والتعوذ منه فهو من باب التورع من بعض الفقهاء، وذلك لأنهم كانوا يرون فيه مبالغة وغلوًا وعبثاً، فأشفقوا من أن يؤثر الاعتماد عليه في أخلاق النشءِ ويصرفهم عن العبادة؛ ولكن هذا الزهد في الشعر لم يحملهم ولا حَمل الخلفاء والسلاطين
لغة وغلوًا وعبثاً، فأشفقوا من أن يؤثر الاعتماد عليه في أخلاق النشءِ ويصرفهم عن العبادة؛ ولكن هذا الزهد في الشعر لم يحملهم ولا حَمل الخلفاء والسلاطين
على منع قرض الشعر وروايته والتأدب به، وذلك كما أن نصرانية الأخطل والقطامي وأمثالهما لم تمنع متأدبي الإسلام من رواية أشعارهم وحفظها والتأدب بها، وأن وثنية أكثر شعراء الجاهلية لم تحل دون انطباع طلاب الفصاحة من المسلمين بأساليبهم ونسجهم على منوالهم، ومَق مِن العلماء والمؤرخين المحققين يقدر أن يقول إن أدباء العرب بعد الإسلام رغبوا عن شعر الجاهلية وأهملوا روايته من أجل أن قائليه كانوا شركين؛ أو أن المسلمين طووا كلام قس بن ساعدة لأنه كان نصرانياً؛ أو لم يعجبوا بقصيدة "إذا المرء لم يَدنس من اللؤم عرضه " لأن صاحبها كان يهودياً؛ مَن يا رب يقول هذا إلا الذين يبنون التاريخ على الأهواء والخيالات؟ وقع التشدد في مثل هذه الأمور في أيام الدولة العباسية؛ لبعد العهد بسذاجة الدور الأول، وميلِ هذه الدولة إلى مناحي الأعاجم، وفُشُوِّ الفلسفة اليونانية والفارسية والهندية في دار السلام، مما أخاف الخلفاء ووزراءهم على العقيدة الدينية وحَفَزهم على الاحتياط لعدم انحلالها، وهذا أشبه بما كان في أوروبا في القرون الوسطى، لا بل في القرون الأخيرة، لا بل بما لا تزال بقاياه إلى هذه الآونة، وبرغم ما كان من هذا الاحتياط في أيام العباسيين ومَن في عصرهم من ملوك الإسلام فقد كان الناس يروون أهاجيهم ومثالبهم ويتناشدون المطاعن الفاحشة في أعراضهم حتى في مجالس أقرب الناس إليهم، وقد قال ْالمأمون للقاضي يحيى بن أكثم: من ذا الذي يقول: قاض يرى الحدَّ في الزناءِ. . . لا يرى على من يلوط من باس يشير إلى أن هذا البيت قيل فيه، فأجابه: هو الذي يقول يا أمير المؤمنين: لا أرى الجور ينقضي وعلى الأمَّة. . . والٍ من بني العباس وقد شاعت أقاويل التعطيل والإلحاد في هاتيك الأيام برغم الضبط والمراقبة ودونت أقوال الملحدين والدهريين. ورويت أشعار المعري ومن في سبيله حتى ما يخالف الدين الإسلامي مثل قوله: وقوم أتوا من أقاصي البلاد. . . لرمي الجمار ولثم الحجر
أقوال الملحدين والدهريين. ورويت أشعار المعري ومن في سبيله حتى ما يخالف الدين الإسلامي مثل قوله: وقوم أتوا من أقاصي البلاد. . . لرمي الجمار ولثم الحجر وكثير غير هذا من أقواله، ورسالة الغفران وصلت إلينا، ولولا أنها
تدوولت بالنسخ من قراب ألف سنة ما وصلت إلينا، ولو كان هناك "سانسور" ما أبقى على رسالة الغفران. وتجادل نصراني في الدين مع أحد بني العباس، ونال النصراني من العقيدة الإسلامية، وبلغ المأمون ذلك فقال ما معناه، ما كان أغنى ابن عمنا عن تعريض دينه للطعن! والكتاب الذي كتبه أبو بكر الخوارزمي لشيعة نيسابور أشهر من " قِفا نبكِ. وليس بكتاب خاص أو رسالة مكتومة، بل هو خطاب لأهل بلدة كانت من أشهر البلاد، وفيه من السب لمعاوية ما فيه، ومن النعوت لخلفاء بني أمية وبني العباس والخوض في أعراضهم ما لا يردُ في أقذع الجرائد وهو الذي يقول عن الرشيد: "هارون بن الخيزران"، وعن المتوكل "المتوكل على الشيطان لا على الرحمن " وهلم جرَّا، وكان أبو بكر الخوارزمي في زمن بني العباس، وكان إذا قال أثر الناسُ قوله وتدارسوه. ولا أنفي - مع ذلك - أن الدولة الإسلامية في القرون التالية كانت تحجر أحياناً على الفلسفة التي يراد منها التعطيل أو الالحاد، ويسمونها الزندقة، فأما إزالة شعر النصارى أو اليهود أو المشركين ومنع روايته فشيء لم يقع لا في زمن الصحابة ولا في أيام بني أمية ولا أيام بني العباس. وقد ألف النصارى في تعظيم دينهم في زمان بني العباس كتباً كثيرةَ وتواريخ أيدوا بها مذهبهم، وما اعترضهم أحد ولا منعت الدولة كتبهم. وإن كان النبي ﷺ أمر بأن لا يجتمع في جزيرة العرب دينان، وأَجلى عمرُ النصارى واليهود عنها، فلم يكن ذلك لينقص شيئاً من حرية النصارى واليهود في دينهم في سائر بلاد الإسلام، بل من حرية الصابئة والمجوس، وما قال مؤرخ غربي ولا شرقي إن الإسلام أكره أحداً في الدين أو منع كتب الملل الأخرى. فيا إخواننا إن التاريخ لا يكون بالظن، وإن الظن لا يغني من الحق شيئاً.
قال مؤرخ غربي ولا شرقي إن الإسلام أكره أحداً في الدين أو منع كتب الملل الأخرى. فيا إخواننا إن التاريخ لا يكون بالظن، وإن الظن لا يغني من الحق شيئاً. وهذا نتف من كثير، ووشل من بحر؛ ولو كانت بيدنا الآن كتب لأحلناكم على شواهد لا تنتهي، فإن كنتم مع هذا تصرون على المخالفة لأجل المخالفة فليس هذا مما يزيد الثقة بعلمكم، بل هو مما ينقصها، وبدلاً من أن يضع العلم على قواعد اليقين يضعه على قواعد أوهى من بيت العنكبوت. . . شكيب أرسلان رومة في مارس سنة ١٩٢٦ م
أسلوب طه حسين لم ينفرد الأستاذ - طه حسين بانتحال الجديد والتجديد، ولا هو أول من زعم ذلك أو حامى عنه أو كابر عليه، فقد سبقه آخرون لكنه أول من اجترأ على الأدب العربي بالمسخ والتكلف،. وقال فيه بالرأي الأحمق، وأداره على الوهم البعيد، وتناوله من حيث يأخذه علماً ليتركه جهلاً وهو يحسب أنه آخذُه جهلاً وتاركه علماً، ثم كان أول من استعمل الركاكة في أسلوب التكرار كأنه يمضغ الكلام مضغاً، فنزل به إلى أحط منازله، وابتلى العربية منه بالمكروه الذي لا صبر فيه، والمرض الذي لا علاج منه، وصار ذلك طبعاً بالإدمان عليه، فلا يأتي - بالجملة الواحدة إلا انتزع منها الانتزاعات المختلفة، ودار بها أو دارت به تعسفاً وضعفاً وإخلالاً بشروط الفصاحة وقوانين العربية. والآفة الكبرى أنه كان يحتسب ذلك إبداعاً منه في الأسلوب وإحكاماً في السبك وطريقة بين المنطق والبلاغة! ْوإن من عَجزأن يعلوَ لا يعجز أن يسفل، بيد أنا لم نجد ولم نعرف غير هذا الأستاذ أحداً يرضى لنفسه أنْ يتمدح بالعيب، ويتحسَّن بالقبح، ويرفع المنازعة مما لا نزاع فيه، فكان يزعم أنه لا ينساغ لأديب أن يرد عليه هذه الطريقة، وأنه هو لا يحصي من قلَّدوه فيها، حتى رميناه في جريدة "السياسة" بهذه الكلمة التي تراها فجعل من بعدها يتحفظ على نفسه ويتوقى التكرار بجهده، وقد أثبتنا الكلمة لأنها ستأتي الإشارة إليها، ثم لأنها مما يحسن أن يحفظ للتاريخ ليعرف مَن بعدنا كيف كان "جديد" من قبلهم.. وترى الكلمة على طريقة السؤال والمداراة في وجه غير النقد أو التصريح، لأن الأستاذ كان يتولى "صحيفة الأدب" في جريدة "السياسة" الغراء ويقوم على كل ما ينشر فيها، فكان لا يجيز إلا ما أراد نشره أو وقع من نفسه موقعاً، وليس مع رأيه في ذلك رأى ألبتَّة، فاحتلنا عليه بتوجيه الخطاب وجهة لا ينفر منها وإن لم يأنس إليها، ولا ينكر إن لم يقرَّها، وجازت عليه الحيلة فوقع فيها ثم فطن لها من بعدُ، نبهه صديق كنا حكيناها له فأسرَّها في نفسه.
ة لا ينفر منها وإن لم يأنس إليها، ولا ينكر إن لم يقرَّها، وجازت عليه الحيلة فوقع فيها ثم فطن لها من بعدُ، نبهه صديق كنا حكيناها له فأسرَّها في نفسه.
إلى الأستاذ الفاضل الدكتور طه حسين. عرفنا أنك تدعو إلى نمط جديد في الكتابة تنتقل به أساليب الإنشاء أو تتغير به رسوم هذه الأساليب أو تَعفُو طرائق هذه الرسوم، وأن هذا مما تبعث عليه سنة التطور لأنه فصلُ ما بين القديم والحديث، ثم هو هو الذوق الأدبي الجديد الذي تزعمه والذي يختلج إليه الطبع في هذا الزمن وتقتضيه ضرورة العلم والاتساع فيه، والأدبِ والتحقق فيه، واللغةِ والرغبة في إحيائها. وقد كشف لنا الأستاذ الفاضل ومن يجاهدون في سبيله ويكتبون على طريقته أو يحتذونها - عن حقيقة ذلك النمط وعرضوا أمثلة، وحققوا معنى مصاحبة الطبع ومفارقة التكلف في هذه اللغة الفصحى التي لا يولد أحد فيها ولا ينشأ أحد عليها. . . وبينوا كيف يكون الكاتب حضرِياً في رأيهم وكيف يتسمَّح لهذا الذوق ويترفق فيه، ويتظرف به، وكل ذلك بما كتبوا ويكتبون من هذه المقالات السائغة اللينة الحلوة. . . التي تسرع في تلاوتها إلى الطبع بأشد مما تسرع كتابتها إلى المطبعة، غير أني حفظك الله رجل قد جعل الله فيما جعل من محنتي وبلائي أني داثب على الاستقراء لهذه اللغة والتتبع لأساليب الكلام فيها، مما يسمح أو يلتوي، ومما يأبى أو ينقاد، ومما يتسهل أو يتوغر، ومما يؤمن به عصر ويكفر به عصر آخر، لأن فلسفة ذلك باب من أبواب كتاب أضعه، ولكني في كل ما قرأت من بدء اتصال الرواية بالعرب إلى اليوم لم أصب مثل هذا الأسلوب الذي تكتب به. كقولك في صدر قصة المعلمين التي نشرتها "السياسة" اليوم "نعم قصة المعلمين، فللمعلمين قصة وللمعلمين قضية، وكنا نحب ألا تكون للمعلمين قصة وألا تكون للمعلمين قضية، لأننا نربأ بمقام المعلمين عن أن تكون لهم قصة أو قضية، ولكن أراد الله ولا مرد لما أراد الله أن يتورط المعلمون في قصة، وأن يتورط المعلمون في قضية، ليست قضيتهم أمام المحاكم وإن كانت أوشكت في يوم من الأيام أن تصل إلى المحاكم. وليست قصتهم مفزعة مُهلعة (كذا كذا) وإن كانت أوشكت في يوم من الأيام أن تكون مفزعة مهلعة".
المحاكم وإن كانت أوشكت في يوم من الأيام أن تصل إلى المحاكم. وليست قصتهم مفزعة مُهلعة (كذا كذا) وإن كانت أوشكت في يوم من الأيام أن تكون مفزعة مهلعة". فهذه عشرة أسطر صغيرة دار "المعلمين" فيها عدد أيام الحسوم. . . وحكيت "القصة" ست مرات، وكان "للقضية" ست جلسات، غير ما هناك من مفزعة ومهلعة قد أفزعت وأهلعت مرتين وكير ما بقي مما هو ظاهر بنفسه.
ولا ريب أن الأستاذ إما أن يكون قد نحا بهذا نحواً لا نعرفه وقصد إلى وجه لم نتبينه، فهو يدلنا عليه لنجريه فيما أجرينا من أساليب البلاغة ونؤرخ له في الذوق الجديد، وإما أن يكون عند ظننا به في اعتبار هذه الكلمات رُقى وطلاسم للتسخير بقوتها وروحانيتها. . . فإذا قرأ المعلمون هذه المقالة عشر مرات انحلت المشكلة وجاءهم الرزق وهم نائمون، ولكن يبقى يا سيدي أن تختم الكلام بعد هذه الهمهمة والغمغمة بقولك. الوحَى الوحَى العَجَلَ العَجَلَ الساعةَ الساعةَ. . . والسلام.
القنبلة الأولى ولما أهدينا إلى جريدة " السياسة " كتابنا "رسائل الأحزان في فلسفة الجمال والحب"، كتب عنه الدكتور طه حسين في صحيفة "الأدب" - بعد مجلس كان لنا معه عند رئيس التحرير أغضبناه فيه بقولة الحق - فما زاد في كتابته على المماحكة والسفه وما عرف به من التحامل وزعمه أنه لم يفهم الكتاب، وهذا الزعم حلة قديمة فيه، لا يبالي معها أَن يُباهتَ بها نفسه ويُزري على عقله ورأيه، فقد كتب في سنة ١٩١٢ في "الجريدة" نقداً لكتابنا "حديث القمر" كان كله دائراً على أنه لم يفهم من الكتاب شيئاً، ولما جرى يومئذ في كلامه ذكر الجزء الأول في كتابنا "تاريخ آداب العرب" قال فيه "هذا الكتاب الذي نشهد الله على أننا لم نفهمه أيضاً ثم جاء هو نفسه في سنة ١٩٢٦ فخص هذا الجزء الذي أشهد الله على أنه لم يفهمه، بأجمل الثناء ونوه به أحسن تنويه في كتابه " الشعر الجاهلي " فتأمل وأعجب! وقد رددنا في "السياسة " على نقده للرسائل بهذا الفصل، وهو أول ما نشرته "السياسة" نقداً صريحاً على الأستاذ الفاضل، وكانت قبل ذلك في يده كالقلعة المحصنة، تخرج منها القذائف ولا تدخل إليها. . .
بهذا الفصل، وهو أول ما نشرته "السياسة" نقداً صريحاً على الأستاذ الفاضل، وكانت قبل ذلك في يده كالقلعة المحصنة، تخرج منها القذائف ولا تدخل إليها. . .
رسائل الأحزان في فلسفة الجمال والحب إلى الأستاذ الفهَّامة الدكتور طه حسبن يسلم عليك المتنبي ويقول لك: وكم من عائبِ قولاً صحيحاً. . . وآفتُه من الفهم السقيم! ولقد رووا أن كيسان مستملي أبي عبيدة كان يكتب غير - ما يسمع، ويقرأ غير ما يكتب، ويفهم غير ما يقرأ؛ وكنت أحسب الخبر موضوعاً يتملح به للظرف والنكتة؛ أو معدولاً به عن وجهه إلى ناحية المبالغة، ولكني رأيت فيك دليلاً على أنه إن لم يكن صحيحاً فليس بعيداً، وإن لم يكن واقعاً فليس يمتنع، أكتب إليك فتفهم غير ما تقرأ، وأحدثك فتحسب غير ما تسمع، وأراك إذا انتقدت كلامي دارت بك الأرض حول نفسك فأخذتك الغشية ولم يبق في الألفاظ ولا في المعاني ولا في الأساليب ولا في الشعر ولا في النثر إلا صورة تمر بسرعة دوران الأرض فلا تتبين منها شيئاً ولا تفهم منها شيئاً! هن ثلاثة أيها الفاضل؛ فإما طبيعة في النفس مبنية على المكابرة والمراء لا تبالي معها أن تحذف العقل وتُسقط الخلُق وتمتهن الكرامة، وتقول هذا الذهب حجر وهذا الحجر ذهب، وتمضي في تعليل ذلك وإقامة الدليل عليه والدفع عنه، ثم اللجاج والسفسطة وإثبات المنفي ونفي الثابت كما يفعل كل أهل الجدل في غير طائل ولا منفعة إلا غلبة ثرثرة على ثرثرة، وإما طبع في الكتاب مستوخم بارد تجذب إليه أصول ضعيفة في الخيال والفكر، فلا يرتفع ارتفاعاً سامياً وانما يُسِف ويخبط؛ وإما عقل لا كالعقول. ونسأل الله السلامة. فما من واحدة من هذه لك بُد! قرأت يا سيدي ما كتبته عن "رسائل الأحزان " مما أتسمَّح في تسميته نقداً، وألممتُ بالغاية التي أجريت إليها كلامك، وما كان يخفى علي أن في الحق ما يسمى تعسفاً، وفى النقد ما يدعى تهجُّماً، وفى المنطق ما يعرف
في تسميته نقداً، وألممتُ بالغاية التي أجريت إليها كلامك، وما كان يخفى علي أن في الحق ما يسمى تعسفاً، وفى النقد ما يدعى تهجُّماً، وفى المنطق ما يعرف
بالمغالطة، وفي كل صناعة ما هو انتحال ودعوى وتلفيق؛ وإلا ففيم يخالف بعض الناس على بعضهم، وكيف ترى الرجل الذي لا بأس بعقله يكون عليه الدين مؤكداً بالايمان والوثائق حتى لا سبيل إلى إنكاره ثم ينكره ويحلف على ذلك ويكابر فيه كان الذي حلف به عندما أخذ منك غيرُ الذي يحلف به عندما أنكر عليك، ثم يدبرك معه على كل أساليب الباطل ويمر بك في كل قضايا المغالطة، وإن في دمه ولحمه لو شُق عنه لأنطقه الله بأنه كاذب! ولعمري لقد كنت تكتب غير ما كتبت لولا أنك سمعت مني ما سمعته في تخطئتك والرد عليك حين قام الجدال بينك وبين الأستاذ هيكل؛ ورأيتك وقتئذ تكاد تبتلعك ثيابك، وكان كلامي منك كالماء يسقي شجرة الحنظل المر فما يزيد إلا مرارة. ولو عقلتَ أيها الشيخ لعرفت أني أغضبتك عامداً متعمداً، وأفرطتُ عليك حتى اقتلعت نفسك من المجلس اقتلاعاً، وما أردت بذلك إلا أن أعرف مبلغ إنصافك، وأمتحن هذه الحرية التي تدعيها في كل ما تكتب، فإنه ليس ينفعني أن تثني على، وليس يضرني أن تجهد في ذمي، ولا أنا أحفل بشيء من ذلك، وما أحسبك تظنني ألتوي في يدك أو ألين لغمزاتك، فقد بلغ من إنصافك حين تغضب أن تنفس علي كلمة واحدة من اللغة فلا تذكرني بها، فقلت فيما علقت على كتاب الأستاذ هيكل "أنكرت عليه استعمال كلمة مهوب بالواو لا بالياء، ونبهني " بعض الأدباء" إلى أن هذا الاستعمال صحيح، فرجعت إلى المعاجم، فمن الذي نبهك وردَّك إلى المعاجم؟ ولماذا لم تذكر اسمه وحقدت عليه حتى في الصواب الذي تعترف به، وأنت قد اندرأتَ عليه طعناً في ثلاثة أنهر من الصحيفة التي تقول فيها هذا القول، أفيشق عليك أن تذكر لي حسنة واحدة في كلمة كنت لا تعرفها، ثم تسمِّي نفسك بعد ناقداً حرًّا منصفاً وتريد أن يقبل الناس منك ويستمعوا لك ولا يعرفوا الذهب ذهباً صحيحاً حتى ينظروا " دمغتك " عليه، ولا الجوهر جوهراً كريماً حتى يسمعوا شهادتك فيه. . .؟ ثم أنزلت نفسك منزلة دون هذه وكنتُ والله أرفعك عنها، فقلت
ذهباً صحيحاً حتى ينظروا " دمغتك " عليه، ولا الجوهر جوهراً كريماً حتى يسمعوا شهادتك فيه. . .؟ ثم أنزلت نفسك منزلة دون هذه وكنتُ والله أرفعك عنها، فقلت "كنت أصف العقاد في فصل مضى بشدة الغموض أحياناً، وقد مضى الأستاذ الرافعي عن هذا الفصل وأنباني أنه لم يرض عن شيء مما كتبت كما رضي عن هذا الفصل" ولكن كيف أنبأتك هذا النبأ، بل متى تفهم دقائق الكلام وأغراضه وتكون حكيماً في سياسة المعاني وأساليب الفكر؟ لقد كتبت إليك وإنه لم يعجبني شيء مما قرأتُ لك ما أعجبني ما كتبته في هذا الأسبوع والذي قبله " أي انتقادك من انتقدت: فلاناً وفلاناً وفلاناً والعقاد جميعاً لا العقاد وحده كما
تزعم، وهذا هو ظاهر اللفظ، ولكن ما باطنه أيها الفهامة، فإنه يقال إن للكلامِ ظهراً وبطناً وحدًّا ومطلعاً. لو كنت تعرف هذا أو تفهمه أفلا تسأل نفسك لِمَ لم تعجبني كل الفصول التي كتبتها في الأدب وتاريخه وأنت تتخبط منذ سنتين وتكتب كل أسبوع مرة، فإن سألتها فهل تستخرج من ذلك إلا أن هذه الفصول هي في رأيي خلط مخلوط تركب فيها الشطط ثم تعتسف الطريق ثم تضع التاريخ كما تخلقه أنت لا كما خلقه الله، وتصول على الأموات الذين لا يملكون دفعاً ولا ردًّا ولا حواراً ولا جواباً، فإذا استخرجت هذا فهل ينتج لك إلا أن إعجابي بهذين الفصلين خاصة إنما كان لأنك تصادم الأحياء الذين يستطيعون أن يدفعوا عن أنفسهم وأن يردوك إلى الطريقة المسلوكة والنهج القاصد إن كانوا على شيء مما يسمى به الكاتب كاتباً والأديب أديباً، ولم يكونوا بهذا الجبن الهالع المخزي الذي ميز أبا حية بسيفه الخشبي. . . وجعله بطل المعركة، وأنت تعرف القصة بعد. ثم رأيتك تنحط في منزلة دون المنزلتين مما يدل على بعدك من الإنصاف وذهابك عن حقيقة النقد، فتزعم أن "كل جملة من جمل الكتب تبعث في نفسك شعوراً قوياً أن الكاتب يلدها ولادة وهو يقاسي في هذه الولادة ما تقاسيه الأم من آلام الوضع" كذا كذا، لقد نبغت في الخيال بعد أن قرأت "رسائل الأحزان " وستنبغ أكثر من هذا بعد أن تقرأ "السحاب الأحمر" الذي أهديتك إياه، على أني لو أردت أن آخذ معك في كتابتي هذا المأخذ لجعلتك تتلوى من الكلام المؤلم على مثل أسنان الإبَر، ولاستقبلتك بما لا تدري معه أين تذهب ولا كيف تتوارى، كالإعصار الذي يأخذ عليك الجهات الأربع من آفاقها، أفانت تقوم لي في باب الاستعارة والمجاز والتشبيه؛ ولكني أدع هذا الآن، فحدثني من أين علمت أني أكتب على هذه الهيئة؟ لعلك أخذت هذا المعنى البذيء من قولي لك "أتظن أني أكتب هذه الكتابة وأنا نائم؟ ألا إني أتعب نفسي لتجديد الآثار الفنية في البيان العربي " هذه هي كلماتي بالحرف الواحد، فأنا لا أكاد أنسى ما أقول وما يقال لي. ولقد كتبت رسائل الأحزان في ستة وعشرين يوماً فاكتب أنت مثلها في ستة وعشرين شهراً، وأنت فارغ لهذا العمل وأنا مشغول بأعمال كثيرة لا تدع لي
وما يقال لي. ولقد كتبت رسائل الأحزان في ستة وعشرين يوماً فاكتب أنت مثلها في ستة وعشرين شهراً، وأنت فارغ لهذا العمل وأنا مشغول بأعمال كثيرة لا تدع لي
من النشاط ولا من الوقت إلا قليلاً، وها أنا أتحداك أن تأتي بمثلها أو بفصل من مثلها، وإن لم يكن الأمر عندك في هذا الأسلوب الشاق عليك إلا ولادة وآلاماً من آلام الوضع كما تقول فعلى نفقات القابلة والطبيبة متى ولدت بسلامة الله. . . وإني لأتحداك وأنا أخبر الناس بما تطيق وما لا تطيق. وسبحان من خلق النسر خلقة والديك الرومي خلقة أخرى. . . ومنزلة رابعة هي أحط وأدنى من كل هذه الثلاث، فقلت "أنا أعلم أن الأستاذ الرافعي قد تكلف مشقة لا تكاد تَعدلها مشقة في وضع هذا الكتاب. . . وهو تكلف العناء في طبعه ونشره، وأنفق مالاً في هذا الطبع والنشر، فقد يكون من الإسراف في القسوة أن نعرض لعمل كهذا فيه مشقة وعناء ومال فنعلن أنه غير جيد. . . الخ الخ ". فما أنت والمال والطبع والنشر؟ ولكن اعلم أن هذا الكتاب لم يمض على صدوره أربعون يوماً معدودة حتى رد كل ما أنفق عليه غرشاً غرشاً، وسل كل طابعي الكتب العربية وكل المؤلفين هل اتفق لهم حادث واحد مثل هذا؟.. ألا عدْ عن هذا الأسلوب، أسلوب شفقة الضرَّة على الضرة، وأبق مثل هذا الكلام لكتبك وأمثال كتبك. إني والله - على إعجاب كان بك - أصبحت مستيقناً أن الله تعالى لم يهبك إلى اليوم قلم الكاتب، ولا أودعك دهاء السياسي، ولا خصك بفهم الحكيم، وكيف يكون لك من ذلك وأنت تصف رئيس تحرير "السياسة" في ظرف ولطف. . . بأن يزدري القراء ويزدري الناس ويتخذ هذا قولاً ومذهباً وفلسفة، ففي أي شيء يكون عمل الرجل في الجريدة الكبرى في أمة هي أشد الأمم حاجة إلى من يتألفها ويتولى إرشادها وهدايتها بأخلاق كأخلاق الأنبياء، تتسع كلما ضاقت الصدور، وتنعطف كلما نفرت القلوب، ولا ترى في الناس طبيعة تُزدرى، ولكن خطأ يُستصلح؟ عساك تحسب هذا مني دهانا ومصانعة لرئيس التحرير، فسل أديب هذا
ما ضاقت الصدور، وتنعطف كلما نفرت القلوب، ولا ترى في الناس طبيعة تُزدرى، ولكن خطأ يُستصلح؟ عساك تحسب هذا مني دهانا ومصانعة لرئيس التحرير، فسل أديب هذا العصر الأمير شكيب أرسلان ماذا كتبت له منذ سنة خلت في ردِّي على بعض كتبه، وهل أثنيت له على غير الدكتور هيكل، وهل وصفت غيره بالذكاء وعمق الفكر وحسن الوصف وبلاغة التعبير، على حين لم تكن بيني وبينه شابكة، ولم يكن رآني ولا رأيته إلا مرة واحدة جاء فيها إلى طنطا مع الأستاذ الجليل لطفي
السيد؛ ولكن الإنصاف يا سيدي إن لم يكن فوقه إلا الحق فذلك لأنه هو أساس الحق، ولقد أخبرتك أن هذه الحرية التي تزعمونها في الكتابة والنقد إن لم تكن مقيدة بالإنصاف وتواعده فهي سخافة ودعوى، وطلبتَ مني هذه القواعد ولعلي أكتبها لك يوماً إن شاء الله.
ولننظر الآن في نقدك "رسائل الأحزان"، والعلة في أنك لا تفهمها. فأما النقد فليس هناك إلا أنك لا تفهم كما تدعي على نفسك، وماذا علي من ذلك، ولقد قلت لك إن الذي لا تفهمه أنت يفهمه سواك، وإن الله خلق رؤوساً غير رأسك وعقولاً غير عقلك، وإنه ليس من أَحد يعترف أنك مقياس العقل الإنساني في الأرض؛ فمسختَ هذا كله وزعمتَ أني قلت لك "لِمَ تتخذ نفسك مقياساً للناس " ثم رددت على هذه الكلمة بقولك: "إني أتخذ نفسي مقياساً لنفسي" ففسر لي أصلحك الله كيف تكون نفسك مقياساً لنفسها؟ أليس المقياس آلة لقياس غيره، فكيف يتأتى لك أن تكون نفسك التي تقيسها غير نفسك التي تقيس عليها؟ أم أنت ستلجأ إلى أصول البلاغة وتجعل العبارة على التجريد؟ فلم لا تفهم الكلام البليغ على هذه الأصول بعينها؟ وما هذا التحذلق وما هذا التداهي؟ (أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢٢) . وإما أنك لم تفهم فلست أردُّ عليك بفلان وفلان ممن فهموا الكتاب وأعجبوا به وأثنوا عليه، وأنت تعرفهم وتذعن لهم وتبالغ في تقديمهم، ولا أرد عليك بأن الطلبة فهموه، ولا بأن النساء فهمنه؛ وانظر ماذا كتبت مجلة "السيدات " في مصر وماذا كتبت مجلة "منيرفا" في سورية، فإنك لا تطمع في سطر واحد من مثل هذه الكتابة.
ة فهموه، ولا بأن النساء فهمنه؛ وانظر ماذا كتبت مجلة "السيدات " في مصر وماذا كتبت مجلة "منيرفا" في سورية، فإنك لا تطمع في سطر واحد من مثل هذه الكتابة. لا أراد عليك بهذا ولا بنحوه، ولكني أقول لك إن العسكري روى عن الأنصاري قال: قلت لبعض الكتاب - كتاب الخراج وأشباههم من رجال الديوان -: ما فعل أبوك بحمارِه؟ قال باعِه! قلت: فلمَ تقول باعِه؟ قال: وأنت فلم تقول بحمارِه؟ فقلت: أنا جررته بالباء. قال: فمن الذي جعل باءك تجر وبائي أنا. . . لا تجر "يعني الباء التي في فعل باع". . . أليس هذا فهماً يا دكتور، وقد اجتهد الرجل في القياس وانتهى إلى هذه النتيجة؛ فما عسى أن تقول، ولمن تشكو مثل هذا الفهامة؟ إلى السلطان؟ إلى أهل اللغة؟ إلى الأطباء؟ . . . ولكن هل كان فهمه أن الباء في "باعه " حرف جر مما يفسد مقاييس النحو ويكره اللغة على أن تتسع لحكمه وتطرد على قياس
فهمه؛ وأنت أفلا ترى معي ومع الناس أن سوء الفهم وخطاً الفهم وعدم الفهم. كل ذلك في مَرَدًه إلى معنى واحد هو سقم الفهم. إنك لتجمع الكتب وتحفظ التاريخ وتدرس الأدب، فهل نفعك ذلك في قول الشعر حتى ذهب ديوان طه حسين بديوان المتنبي. . .؟ وأنت تدرس البلاغة وتعرف قواعدها وأمثلتها، فهل أعانك ذلك في قطعة بليغة يعرفها لك الناس ويتناقلونها ويرونها من البيان في موقع ومن الجمال في منزلة؛ وهل جئت قط في كتابك بشيء من الوصف، أو قضى لك الناس بخيال ابتدعته أو مجازٍ اخترعته؟ وهل كتبت شيئاً في الحب والجمال وفلسفتهما وأوصافهما؟ فهذا كله من بعض العلة في أنك لا تفهم "رسائل الأحزان " إن صح قولك أنك لا تفهم! وعلة أخرى: لمَ تكرر الكلام دائماً في غير حاجة إلى التكرار مع أن أصحابك يرون هذا من أقبح العيوب، ويقولون إن المذهب الجديد. . . قائم على الأسلوب التلغرافي، فإذا كتبتَ فقدر أنك سترسل المقالة بالتلغراف وتدفع أجرة إرسالها، لقد كنتَ أفلستَ من زمن بعيد يا دكتور لو حققوا معك هذه القاعدة وأرسلوا مقالاتك بالتلغراف.. ولكن لِم تلتزم هذه الطريقة حتى أصبح كالشعوذة المطبعية أن تكتب ستة أسطر وهي ثلاثة بعد حذف المكرر والحشو؟ كنت أقرأ مقالة افتتاحية في "السياسة" ومعي أديب، فدفعتها إليه وقلت: لمن ترى هذه المقالة؟ فنظر فلم يجد عليها توقيعاً، فقلت له: لا يجب أن يكون التوقيع في ذيل المقالة بل قد يكون في أثنائها! قال: فأين هو؟ قلت: اسمع: هذا هو التوقيع. "فعلوا هذا، نعم فعلوه، فعلوه؛ أقسم لقد فعلوه، فعلوه. . . ". أفمن يكتب هذا الهُراء ونحوه يرتقي به الفهم إلى دقائق المجازات والاستعارات والكناية والإشارة ونحوها مما قامت عليه هذه اللغة في بيانها وبديعها، وما لو حذف منها لتعطلت من كل محاسنها ولما صح أن يكون فيها كلام معجز ولا مقبول ألبتة؟ وما العلة في هذا وما السبب في أنه لا ينفق لك أبداً خيال رائع، ولا تبدع شيئاً مما يبدعه الكتاب في كل الأمم، إلا مرة واحدة أردت أن تصف المرأة الجميلة في رواية "الإغواء" منذ أسابيع فقلت: صورتها، حركاتها، ألفاظها. زيها، مذهبها في الحوار والكلام: هي فتنة تتحرك ".
مرة واحدة أردت أن تصف المرأة الجميلة في رواية "الإغواء" منذ أسابيع فقلت: صورتها، حركاتها، ألفاظها. زيها، مذهبها في الحوار والكلام: هي فتنة تتحرك ".
فتنة تتحرك! لا أعرف لك في كل كلامك أحسن ولا أبدع من هذه الكلمة، وأنت تعرف من أين أخذتها وإن كنت لم تحسن السرقة، وإلا فما قولك حين تكون هذه (الفتنة) نائمة؛ أفتريد أن أدل قراءك في أي رسالة "من رسائل الأحزان " وصف الألفاظ والحركات والزي والمذهب في الجدال والشكل والدل وأنها فتنة خلقت امرأة؟ تقول في نقدك: "يجب أن أكون منصفاً (كذا وكذا) فأنت تستطيع أن تقطع كتاب الرافعي جملاً جملاً، وأن تجد من هذه الجمل طائفة غير قليلة "اسمعوا. . . اسمعوا" فيها شيء من جمال اللفظ يخلبك ويستهويك "تنويم مغناطيسي بالبلاغة" وفيها معان قيمة لا تخلو من نفع، ولكن المشقة كل المشقة في أن تصل هذه الجمل بعضها ببعض وتستخرج منها شيئاً". إذن فالمشقة عليك ليست في الفهم ولكن في صلة الجمل بعضها ببعض. وأظن هذه المشقة بعينها هي التي تجعل من طبعك تكرار الكلام دائماً في غير طائل ولا منفعة، وإذن فمن سبيلك أن تحسن فهم كتب التاريخ والحوادث وحدها دون سواها مما لا يقع في الذهن متصلاً بعضه ببعض، وإذن فلك مذهب لا ينبغي أن نعرض له كما لا ينبغي لك أن تجعله قياساً تقيس عليه! ثم كيف يكون في الكتاب "معان قيمة" وجمل تستهوي وتخلب وهي مع ذلك طائفة غير قليلة، مع أنك تصرح قبل هذا الكلام بنصف سطر أبيض. . . - يعني مباشرة بالكلام الذي تفهمه - فتقول "أتممت الكتاب " ولم تفهم منه شيئاً؟ لا بد أن لك منطقاً خاصاً بك إذا كانت المقدمة فيه أنك أتممت كتاباً برأسه لا تفهم منه شيئاً. فالنتيجة من هذه المقدمة أن في الكتاب طائفة غير قليلة تستهوي وتخلب وفيه معان قيمة أيضاً. . .! وهل هذا أقبح في التناقض أم قولك "ورأي في الكتاب أني لا أفهمه، فلا "أستطيع " أن أقول إنه جيد أو رديء، بل "أستطيع" أن أقول إني لم أفهمه. وإذن "فلا يمكن " أن يكون جيداً. . . لا. فأية الاستطاعتين هي الكاذبة المردودة؟ وإذا كنت لا تفهمه وكان من أجل
و رديء، بل "أستطيع" أن أقول إني لم أفهمه. وإذن "فلا يمكن " أن يكون جيداً. . . لا. فأية الاستطاعتين هي الكاذبة المردودة؟ وإذا كنت لا تفهمه وكان من أجل ذلك (من أجل ذلك وحده) لا يمكن "يعني يستحيل " أن يكون جيداً، أفلا يعد هذا اعترافاً منك بما أنكرته من أنك تعتبر نفسك مقياساً للعقل الإنساني في الأرض المؤمنة بالله وكتابه وسنة نبيه؟
ألا يرى القراء كيف يتهافت الشيخ كان في جوفه شيئاً يغلي على شيء يتضرم وكيف تقول "لا يمكن " إلا إذا كنت أنت الممكن كله يا مولانا..؟
ألا ليت شعري كيف يجمع الكلام العالي بعضه إلى بعض ويستخرج منه شيئاً وهو يراه ملء كتاب، إذا كان لا يستطيغ جمع كلامه هو في مقال صغير حتى ينفي عنه مثل هذا التناقض العجيب الذي يأتيك بسطر مؤمن يلعنه سطر كافر؟ أنا لا أقول إن الأستاذ طه ليس شيئاً في فضله وأدبه وعلمه، بل هو عندي أشياء كثيرة، بل هو مكتبة تنطق كتبها، ولكنه لم يلابس صناعة الشعر ولا أساليب الخيال، ولا أخذ نفسه في ذلك بمزاولة ولا عمل، فليس له أن ينقد هذه الصناعة ولا أن يقول في هذه الأساليب إلا بعد أن يجيء بمثل ما يكتب أهلها، فإن لم يكن ذلك في طبعه ولا في قوته ولم يستوِ له شيء منه فلا يغرنه أن يكون مؤرخاً، ولا يخدعنه أن يكون مِنطيقاً، ولا يحسبن فهمَ شيء هو فهم كل شيء، ولو كان الأمر موضوعاً في الأدب على الاتساع في الكلام والقدرة على القول الكثير صواباً وخطأ، لما كان أكبرُ أديب هو أكبرَ الأدباء، ولكن أكبرُ الثرثارين. . . ويقول الأستاذ إنه يفهم القرآن وكذا وكذا ولا يفهم كتابي، وأنا لا أصدق من هذا شيئاً، وأين حقائق البلاغة المعجزة في القرآن ممن إذا انتقدت بيت شوقي: يا لطفُ أنت هو الصدى. . . من ذلك الصوت الرخيم فهِمَ أن والشاعر يقول إن أرسطو كان ذا صوت رخيم. . . وأورد على ذلك أنه لا هو ولا شوقي سمع هذا الصوت. . . علم الله لو تقدم صاحب هذا القول إلى الامتحان في الأزهر وفسر لهم في البلاغة هذا التفسير لأعطوه "المكعب " كما يقول الأزهريون، والمكعب عندهم هو الصفر في درجات الامتحان! أيفهم هذا حقائق البلاغة في القرآن ودقائق الإشارات التي فيه؟
ذا التفسير لأعطوه "المكعب " كما يقول الأزهريون، والمكعب عندهم هو الصفر في درجات الامتحان! أيفهم هذا حقائق البلاغة في القرآن ودقائق الإشارات التي فيه؟ وقد قال صاحب المثل السائر وهو من كبار المجتهدين في علوم البلاغة ومن أبلغ كتاب الدهر: " كنت أقرأ في اليوم ختمة، ثم في الشهر. ثم في السنة، ثم ها أنا أقرأ
في ختمة واحدة منذ كذا وكذا سنة ولم أفرع منها، وكلما أعدت النظر ظهر لي ما لم يكن ظهر من قبل". هذه هي أصول البيان العربي المعجزة، وهذه هي طريقة فهمه، فخذ أو فدع!
إن المجاز وهو أساس البيان يمنعك أن تفهم إلا بالقرينة والعلاقة، فلا يطلق لك الفهم بل يقيده بهما، ولا يترك لك أن تقول أفهم ولا أفهم بل إحدى اثنتين: إما أن تقر للكلام وإما أن تقر على نفسك. وقد كان العرب أصحاب أذهان حديدة، وكانوا لا يكتبون، فاضطرهم ذلك إلى الابداع في ألفاظهم وطئ المعاني الكثيرة في الكلمات القليلة والاكتفاء باللمحة الدالة والإشارة الموجزة والكناية الرائعة والتفنن في أساليب القول على وجوه شتى ومذاهب كثيرة؛ فليس يتولى هذا البيانَ العربي إلا الذهنُ الدقيق والفطنة الحادة والبصيرة النقادة، وإلا من جَرَى مجرى العرب أنفسهم، ينزعه طبع أو يجذبه أصل؛ فإن لم يكن هناك فابعَدَهُ الله، والسلام!
إلى الجامعة المصرية قرأت في بعض الحكم هذه الكلمة: "تحَّز من سُكر السلطان وسكر المال وسكر العلم وسكر المنزلة! ". ولست أعرف أحداً قد سَكِرَ من هذه الأربعة حتى عربد وخرج إلى السخف والهذيان غير الأستاذِ المربع. . . الدكتور طه حسين، منذ ولي تدريس تاريخ الأدب في الجامعة، ووالله ما ندري كيف لا يعهدون إليه مع درس تاريخ الأدب بدرس آخر كشرح القانون المدني مثلاً.. فإنه لقادر على هذا قدرته على ذاك، إذا كان لا مادة له إلا أن يفكر فيما يقول، ثم يقول كما يفكر، ما هو إلا الظن قبل العلم، وإلا الشك قبل اليقين، وإلا الوهم قبل الحقيقة، ولا أكثرَ من الكلام عند كل رجل يُسقط الخطأ والصواب من حسابه، ولا أيسرَ من الإنكار على من يكون رأس المال في علمه العناد والمكابرة. سَكر الدكتور طه حسين لأنه سُلِّم إلى وزارة المعارف مع الجامعة بعقد واحد.. وهذا هو سكر السلطان، ثم حثوا له من خزانة الدولة قبل أن
مه العناد والمكابرة. سَكر الدكتور طه حسين لأنه سُلِّم إلى وزارة المعارف مع الجامعة بعقد واحد.. وهذا هو سكر السلطان، ثم حثوا له من خزانة الدولة قبل أن يسمعوا منه حرفاً في تاريخ الأدب أو يعرفوا له وزناً فيه أو يَبلُوا منه بلاء، وتلك سَكرة المال، ثم ابتدع للجامعة علماً يلقيه على من يذهب إليه من عُرض الطريق وإن كان لا يميز بين أبي جهل وأبي زرع. . . فجاءت من ذلك سَكرة العلم، ورأى مع كل هذا أنه قارٌّ في منزلته، يريدون أن يجعلوه آمناً من العزل ممنوعاً من الصرف؛ فتم له سُكر المنزلة. لا نحسب هذه الجامعَة تملك الأدب بعقد ولا وثيقة شرعية فتنزل عنه لهذا الأستاذ، ولا نظنها تدعي حقاً على التاريخ فتسوغ له أن يهدم فيه ويبني،
فهي وحدها مأخوذة بعبثه، مسؤولة لخطئه، محاسَبة على ما يجني، ونحن على ذلك فرع إليها هذه المسائل التي نريد أن نناظرها فيها لنكشف لها عن حقيقة أستاذها، ولتعلم إن كانت لما تعلم أن الرجل مفسد لا مصلح، وملفق لا محقق وأن مَأتى ذلك فيه من ضعف اطلاعه على مادة التاريخ الأدبي فهو يتوسع بالثرثرة، ومن نقص خياله فهو يتزيَّد بالشك، ومن انحطاط قوته البيانية فهو يتماسك بمحامل الجدل. نسأل إدارة الجامعة: ١ - هل قرر أستاذها أن المسلمين محوا شعر النصارى واليهود ومنعوا روايته خوفاً على الإسلام، فمن أجل ذلك لم ينته إلينا من شعرهم شيء؟ ٢ - وأنه لا يوجد شعر جاهلي بل هو مصنوع بعد الإسلام، وأن هذا الجاهلي لا يستشهد به على القرآن بل القرآن هو الذي يحتج به للشعر؟ ٣ - وأن العصر الجاهلي الذي ضاع شعره قد حُفظ لأن القرآن الكريم يمثله؟ . . . ٤ - وأن الغزل المروي لامرئ القيس هو لعمر بن أبي ربيعة؛ ونقتصر من خلط الرجل على هذه المسائل الأربع. نسأل إدارة الجامعة هل قرر أستاذها كل ذلك في دروسه التي تأجره عليها
مروي لامرئ القيس هو لعمر بن أبي ربيعة؛ ونقتصر من خلط الرجل على هذه المسائل الأربع. نسأل إدارة الجامعة هل قرر أستاذها كل ذلك في دروسه التي تأجره عليها من مال الأمة أم لا؟ وما هي أدلته؟ بل ما هي أدلتها - فلم يعد الرجل كاتباً في جريدة "السياسة" لا يجيب إلا بالشتم ولا يبالي وهي تنشر له ولا تعبأ - ولا نظنه يملك أن يقول لمدير الجامعة كما قال لرئيس تحرير "السياسة": أغضبتك في السنة الماضية فأثنيتَ على الرافعي في مقال صدَّرتَ به كتابك، وهأنذا أعتذر إليك فانس السنة الماضية وانزل لي عن هذا الفصل. . . أما إنه قد باعد الله بين صاحب هذا القول وبين الفهم، كان رئيس تحرير " السياسة" لا يكتب للحق ولا يرى من رأي للحق، بل للغضب والرضا ولا ثالث لهما؛ أليس من المضحك أن يكون صاحب هذا الكلام المعكوس هو أستاذ الأدب العربي في الجامعة؟ " وماذا بمصرَ من المضحكات. . . وحَسبُك طه حسين بها "ولكنه ضحكْ كالبكا. . . على علمها وعلى كُتبِها
وإلى الجامعة أيضاً . . . كتبنا نسأل إدارة الجامعة في تلك المسائل الأربع مما يخلط فيه أستاذها الدكتور طه حسين، لنناظرها فيما يقول الرجل، وما يقول إلا سخفاً؛ وإنها لتعلم وكأنها لا تعلم، وإنها لَترى كأنها لا ترى؛ وإنها لعلى حال ننكرها أشد الإنكار فيما تسميه مجازاً درس تاريخ الأدب، وما هو في الحقيقة إلا درس نفسية طه بما يضطرب فيها من الزيغ والشك وما تضطرب فيه من سوء الفهم وضعف الرأي وفساد القياس؛ فالجامعة تبتلي طلبتها بالرجل في درسه، ثم درسُهُ يبتليهم بطباعه، وطباعه تأتيهم بدواهيه، ومن دواهيه ما عرفنا من جُرأة في الباطل لا تعبأ بالحق، وحماقة في الرأي لا تعرف القصد، وإسراف في الظن لا يصلح معه اليقين! وعلى أنه لو كان أستاذ الجامعة بليغاً معروفاً وشاعراً معدوداً وحكيماً متفلسفاً، ثم كان فيه شيء من تلك الخلال السوء، لنزلت به وغضت منه فكيف وهو هو ذلك الذي عرف الناس جميعاً أنه سيئ الفهم في أساليب البيان، إذ كان بطبعه لا يحسن منها شيئاً؛ قاصر الذهن في معاني الشعر ومناحي البلغاء، لأنه بعيد منهم؛ وليس فيه إلا أنه غليظ الحس، بليد
ئ الفهم في أساليب البيان، إذ كان بطبعه لا يحسن منها شيئاً؛ قاصر الذهن في معاني الشعر ومناحي البلغاء، لأنه بعيد منهم؛ وليس فيه إلا أنه غليظ الحس، بليد التصور، منطفئ الخيال؛ ثم هو مع هذا كله يجمع في كل هذا الدعوى الفارغةَ والاستطالةَ والشر وبذاءةَ اللسان، حتى ليس في مصر سباب لعَّان يُعرف له من مقالات السب واللعن ما يعرف لاثنين أحدهما أستاذ الجامعة. ولذلك من سوء الأثر في عقل الرجل ورأيه ما لا بد من مثله في مثله، حتى ما نرى شذوذه وخروجه على الآراء المجمع عليها في التاريخ إلا أسلوباً من أساليب شتم التاريخ نحن نقرر للجامعة أنه لا سبيل إلى تصديق الدكتور طه حسين فيما يهرف به إلا على اعتبار واحد، وهو أن يكون هذا الرجل روحاً متناسخة لا تزال تنحدر في مَهواة الزمن، فإذا هو استوى على كرسي الجامعة مرت هذه الروح بأدوارها في التاريخ فذكرت صحبتها.. لامرئ القيس في سنة ٢٠٠
قبل الإسلام. . . ثم يكر شريط السينما. . . من دهر إلى دهر إلى يوم الناس هذا، والأستاذ في كل ذلك يحكي عن عيان ويخبر عن مشاهدة وهو على كرسي الجامعة في حلم مغناطيسي، نائم أشد ما كان يقظة، ويقظان أبعد ما استغرق نوماً، ولا سبيل في هذا إلا هذا، وعلى إدارة الجامعة أن تتبينه فلعها ولعله. إن مجلس الجامعة ليعرف أن هذا الذي يسميه الناس "تاريخ الأدب العربي" إنما هو علم حديث النشأة، لم يتولَّهُ أهله، ولا وضع في زمنه، ولا أصاب وسائله، ولا تنبه إليه أحد أيام كان العلماء والرواة، وكانت مصادر النقل متوافرة، ولم يتناوله المعاصرون إلا تقليداً، وعلى قِلةِ من الكتب، وفي موت الرواية، وبعد انقطاع الدهر الإسلامي من مواضع كثيرة، ولو أنه وجد بيننا رجل قرأ كل مطبوع ومخطوط من الكتب العربية المبعثرة في نواحي الدنيا لم يَفُته منها ورقة ولا بعض ورقة، ثم استخرج منها العلم، لجاء به ناقصاً مضطرباً ضعيفاً، - لضياع أكثر الكتب في النكبات التاريخية المختلفة، ولفساد طريقة التأليف في أكثر الكتب التي انتهت إلينا، فما هو كالعلوم التي دونت وضبطت وفرغ منها وصار الكتاب الواحد يغني فيها عن الكتب الكثيرة، كالنحو والصرف والبلاغة وأشباهها، ولا هو كالفنون التي يكشف منها الاختراع وتستحدث الحاجة والتجربة، كالطب والقانون والكيمياء ونحوها. فمن ثَم لا تستطيع الجامعة أن تسمي أستاذها أستاذها كما تقول أستاذ القانون وأستاذ الطب؛ ولا تعتبره كذلك أو تجري عليه حكم هؤلاء، بل هو أستاذ على المجاز، ومدرس للضرورة، ويجب أن يستثنى بخصوصه من كل ما يتمتع به الأساتذة، فقد ينكشف - يوماً عن أقبح العجز وأفحش الخطأ. وهو ما نعرفه ونؤكده ولا نرتاب فيه؛ ومن ثم يجب على الجامعة أن تسمع لكل قول في الأستاذ وتحسن اعتبار أي قول كان وعلى أي وجه جاء ومن أي شخص تلقته، وإنها لتعلم أن أستاذ الأدب يجب أن يكون من أوسع الناس اطلاعاً، لا في الروايات المثيلية الفرنسية، ولكن في كتب الأدب العربي، وأن يكون على اطلاعه من أبلغ الناس كتابة وأشعرهم شعراً
يجب أن يكون من أوسع الناس اطلاعاً، لا في الروايات المثيلية الفرنسية، ولكن في كتب الأدب العربي، وأن يكون على اطلاعه من أبلغ الناس كتابة وأشعرهم شعراً
وأسماهم خيالاً وأدقهم حساً وأذكاهم فهماً. بيد أن هذه الصفات التي حرمها كلها الدكتور طه حسين، فهو أستاذ بالوظيفة اسمها ومرتبها، لا بعلمها وحقها وكفايتها. ومن أجل ذلك قلنا: إن الجامعة مأخوذة بعيثه، وملزمة أن تجيب عنه، فإنه يدرس علماً غير مدون ولا مجتمع الأسباب، ولا يزال الرجل يمتاز فيه عن الرجل بنص أو بسطر أو بكلمة أو برأي كل ذلك أو بعضه، فلتعلم الجامعة إن كانت لا تعلم!
وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا . . . كتب قس فاضل في النسخة الأسبوعية من جريدة "السياسة" يذكر تاريخ القديس "بفنوس" الذي تناوله أناتول فرانس في رواية "تاييس" فعبث به وسخر من تقواه وصلاحه ورماه بامرأة بغي تركته في الإثم وسقوط النفس وليس بينه وبين أمثالها منزلة ولا فرق، على حين سما بها الكاتب في آخر الرواية فجعلها قديسة تنفتح لها أبواب السماء وتتلقاها الملائكة، وبين القس الفاضل أن ذلك مما تعمد أناتول فرانس أن يفسد به التاريخ، وأنه كذب عمد وإفك صراح. فعلق الدكتور هيكل على هذا بأن لكاتب فرنسا رأياً في التاريخ، فهو يعتبره نوعاً من القصص خاضعاً لأهواء الناس وشهواتهم، وقد وضع لجان دارك الفرنسية الشهيرة تاريخاً بين فيه أن شيئاً اسمه جان دارك لم يوجد، فحسبك أن تظهر ما في الأدلة على وجود شيء في الأشياء من الضعف لتبعث إلى النفوس الشك في وجوده. . . ثم قال: وقد لا ترى في عمل أناتول فرانس موضعاً للدهشة إذا أنت رجعت إلى ما يأخذ به أساتذة الأدب في الجامعة المصرية. فهذا صديقنا الدكتور طه حسين يرى رأي الذين يقولون إن غير واحد من الشعراء الذين يقال إنهم وجدوا لم يوجد قط، فإن ذهب أناتول فرانس مثل هذا المذهب مع الراهب "بفنوس" فذلك أنه أخذ بمثل النظريات التي أخذ بها كثير من العلماء والكتاب، ومن بينهم صديقنا الدكتور طه في شأن الشعراء وغير الشعراء ممن يتناقل الناس أخبارهم. انتهى ملخصاً. فعلم أستاذ الجامعة "ليس أهون منه" وهل أيسر من الإنكار؛ ولكن هل
صديقنا الدكتور طه في شأن الشعراء وغير الشعراء ممن يتناقل الناس أخبارهم. انتهى ملخصاً. فعلم أستاذ الجامعة "ليس أهون منه" وهل أيسر من الإنكار؛ ولكن هل أدل على الحمق من هذا الإنكار بعينه؛ وهل الإنكار بلا دليل إلا نوع آخر من الكذب والاختلاق كما يخترع الوضاعون أشخاصاً لا دليل على وجودهم؛ إنهم يزعمون كذباً أن شاعراً وُجد وقال كيت وكيت، وكان من خبره كذا وكذا، وأنت تزعم أن شاعراً لم يوجد، فما الذي يجعل الكذب منهم صدقاً منك؟ وكيف تريدون وأنتم سواسية كأسنان الحمار أن تكون بعض هذه الأسنان نابَ
الليث، فى حين لا تنسب الباقيات إلا للحمار وحده؛ لعمري ما أنت بأصدق منهم ولا هم بأكذب منك، وفضل ما بينك وبينهم أنهم إلى وجه الكذب وأنت إلى - قفاه. . . والكذب كله بينكما وجهاً وقفاً. . . يعبث أستاذ الجامعة برجال التاريخ العربي " من الشعراء وغير الشعراء" عَبثَ أناتول فرانس بذلك الراهب الفاضل، ولكن فات الأستاذ المقلد المنعكس أن الغراب لا يصلح طاووساً ولا حمامة، فإن كاتب أوروبا إنما ألحد وسخر وتماجَن لأن هذه ألوان من ألوان بلاغته التي تضرب الكلام بعضه ببعض وتقوم على المتناقض كما تقوم على المتلائم، فلو هو تركها لتكلف للكتابة وجرى فيها على غير طبعه وفقدَ أحسن ما يميزه في القَصص والرواية، ثم هو يرى التاريخ فنا لا علماً، لأنه كاتب لا مؤرخ، وقاص لا محقق، فيتولاه بالخيال لا بالحافظة، ويأخذه من الروح أكثر مما يأخذه من الفكر، وبذلك انتهى في رأيه إلى أن الأدلة التاريخية إنما هي منازع تختلف العواطف عندها، فأنكر ما شئت فلك ذلك لأن لك عاطفة، وأثبت ما شئت فذلك إليك لأن لك عاطفة أيضاً. . . والتاريخ عنده هو كل شيء إلا الحقيقة، لأن الحقيقة بزعمه لا تلتمس فيه ألبتَّة، ولهذا الكاتب آراء فاسدة ظاهرة البطلان، منها رأيه في التاريخ ولكنه يسوقها في عبارات بليغة إذا أنت كنت بصيراً بصناعة البيان ودققت فيها رأيت فساد المعاني وحركة اضطرابها في ذهن هذا الرجل من ألطف أسباب بلاغته، كأنه يريد أن يأتيك بالبلاغة في هيئة راقصة خليعة مبتذلة تتطوَّسُ لك في ألوانها وخُيلائها وتُفحِش عليك في دلِّها وغَزَلها فلا تشك في سقوطها وسفالها، ولكنك لا تنكر أيضاً أن هذا كله أجمل الجمال فيها، ثم إنه رجل ذو فكر واسع ينتظم النقائض من أطرافها، ويأخذها على ما أرادها من معاني نفسه لا من معانيها، ويعطيها قرَّاءه على الوجه الذي يريده من معانيه كذلك لا من معانيها. وما البلاغة إلا مثل هذا السحر إن لم يكن هو إياها. ولكن ما بال أستاذ الجامعة في عبارته الركيكة وذهنه الفج وخياله المطموس وقلبه المطبوع عليه وفلسفته الزائفة وتقليده الأعور؛ وما له يجهل فرق ما بين التاريخ يتولاه كاتب للقصة والحكاية، وما بينه حين يتولاه أستاذ
خياله المطموس وقلبه المطبوع عليه وفلسفته الزائفة وتقليده الأعور؛ وما له يجهل فرق ما بين التاريخ يتولاه كاتب للقصة والحكاية، وما بينه حين يتولاه أستاذ للتمحيص والتحقيق! ثم بين التاريخ على أنه مادة فلسفية من الأعمال والحوادث، وبينه على أنه مادة علمية من الأنفس والعقول؛ وما عسى أن يكون غناء الإنكار مع الحجج والنصوص المجمع عليها، إلا أن تكون تلك حيلة احتال بها الأستاذ، وهو يعلم أنه قليل الاطلاع، فيجعل الكثير الذي لم يقف
عليه بسبيل من القليل الذي وقف عليه، ويبني للمعلوم والمجهول بناء واحدا هو الشك الذي لا يدري أحد أين يقع ولا ماذا يمحو ولا كيف يكون، ولكنه مع ذلك يمحو ويكون كما يريد طه حسين، ولا طه في الدنيا إلا طه الذي في الجامعة. . . يعلم هذا مَن عَلِمَ ويجهَل من جهل! يحتج الدكتور هيكل لمذهب أناتول فرانس بأستاذ الجامعة الذي عبر عنه بأنه "أساتذة الجامعة".. ومنذ أيام احتج بعض المبشرين المسيحيين بأستاذ الجامعة أيضاً لأنه أثبت "رسمياً في الجامعة التي أنشأتها دولة مسلمة" أن الإسلام دين الحرج والتعصب وضيق الفكر، وإلا فما المعنى من أن المسلمين وحكامهم يمحون في أول الإسلام شعر اليهود والنصارى والوثنيين إن لم يكن هو هذا، فلا حول ولا قوة إلا بالله، وغفر الله لك أيها المبشر طه حسين! عجباً يقلد طه أناتول فرانس! ألا فجئنا أيها الرجل مرة واحدة في مثل بلاغة من تقلده، ثم أظهر بعد ذلك مائة مرة في مثل سخافة آرائه، نغتفر لك مائة بواحدة، فأما أن تكون ممن محق الله خيالهم ثم تكون مع ذلك ممن صرف الله قلوبهم فتلك المصيبة لا مصيبة مثلها، وما نراك اتبعك فيها إلا الذين هم أراذلنا، وما نراك إلا كالذي استهوته الشياطين في الأرض حَيران! وإن لأناتول فرانس كلمة تنطبق على أستاذ الجامعة كأنَّ الله ألهمه إياها لتقع إلينا، فهو يسمي علم مثل هذا الأستاذ "بالضلالات المعقدة" كأنه يعني أنهم يحسبون تعقيدها علماً وحلها علماً، مع أنها في نفسها ضلالة، والضلالة في نفسها جهل، والجهل في نفسه ليس بعلم! قرأنا مرة جريدة "البلاغ " الغراء بتوقيع "فرحات " أن محاضرة أستاذ
وحلها علماً، مع أنها في نفسها ضلالة، والضلالة في نفسها جهل، والجهل في نفسه ليس بعلم! قرأنا مرة جريدة "البلاغ " الغراء بتوقيع "فرحات " أن محاضرة أستاذ الجامعة في امرئ القيس مسروقة من دائرة المعارف الإسلامية المطبوعة في ألمانيا، واليوم نرى في كلام "السياسة" أن الرجل مقلد تقليداً مضحكاً، يستعمل الغِربال في مكان المُنخُل فيأتينا بالدقيق الترابي. . . وهذا كله مما يزيدنا إصرارا على أسئلتنا التي رفعناها إلى الجامعة، فإن هذا الرجل إنما هو بلاء على الأدب وفساد في التاريخ، وإن الجامعة لا تملك أن تُضِل الناس به، وما دامت قد أعطتهم من كلامه فلتأخذ من كلامهم، وهي إن كانت على حق في آراء أستاذها فلتذكر للناس باطلنا بالمناظرة التي ندعوها إليها، وإن كانت على باطل فما سبيلها إلا أن تسألنا الحق.
فلسفةٌ كمضغ الماء قالوا: إن هذه الجامعة إنما أنشئت للبحث العلمي لا للعلم نفسه، إذ العلم قليله وكثيره عِلم، وجيده ورديئه عِلم، وما صح فيه وما تشابه منه كل ذلك علم؛ أما البحث العلمي فمداره على التحقيق والتمحيص، فهو فوق العلم لأنه سببه وغايته والواسطة إليه، والبحث يتناول الباطل كما يتناول الحق لأنه بحث، ولذلك وضع، وبذلك مادته، فلو أطبق الناس جميعاً على رأي من الآراء أو مذهب من المذاهب ثم قام أستاذ في هذه الجامعة فنقض ذلك الرأي وذهب خلاف ذلك المذهب كان له أن يفعل ما وسعه وأن ينقض وأن يخالف، وهو مصيب وإن أخطأ، وقريب من الحقيقة وإن بعُد، وعالم وإن جهل الجهلة التي لا يلعن ما قبلها إلا ما بعدها. قالوا: فإنه إنما يبحث ليهتدي إلى شيء، فإن اهتدى فقد اهتدى، وإن ضل شفع له أنه مجتهد، وأنه لم يسلب الرأيَ الصحيحَ إلا برأي ظن الصحة غالبةَ عليه. ومعنى هذه الفلسفة أَن مضغ الماء كمضغ الخبز، كلاهما يحتاج إلى الأسنان الحادة والأضراس الطاحنة والأنياب الشكسة، ما دام الذي يمضغ الماء أستاذاً في الجامعة وما دام المضغ عنده يسمى بحثاً، إذ العبرة به وحده إن تعاقل وإن تحامق، وإن صدق وإن كذب؛ وما الجامعة إلا مصنع ومختبر تكشف فيه آراء وتصنع فيه آراء، وتزوَّر فيه آراء، والأستاذ في الجامعة يقول ما يشبهه رأياً وعقيدة وعلماً وجهلاً، ويمضي في "البحث" على ما يخيل له حقاً أو باطلاً، فما رآه هو الصحيحَ فلا صحيح غيره ولا صحيح من قبله أو بعده. فيا أيها الناس. . . وحيثما كنتم فولُّوا وجوهكم شطره: (وجعل الله الكعبة البيتَ الحرامَ قياماً للناس) وجعل الله الجامعة الحرام قياماً للناس! على إنه إن صح شيء من ذلك أو قارب أن يصح فقد وجب أن لا يتولى التدريس في الجامعة إلا رجل لا يوازن به أحد في علمه الذي يتولاه. ويكون من أيسر صفاته أنه فوق كل صفة معروفة في نظائره وأنداده - قد تم من حيث
لا يتولى التدريس في الجامعة إلا رجل لا يوازن به أحد في علمه الذي يتولاه. ويكون من أيسر صفاته أنه فوق كل صفة معروفة في نظائره وأنداده - قد تم من حيث
يتمون وزاد عليهم أشياء ليست في المواهب المعروفة، بل تقع في أقصى ما يبلغ العقلُ الإنساني عند الأفق القريب من الوحي والإلهام، فإن ظفرت الجامعة بمثل هذا العقل الفذ كان لها أن تقول ما هي قائلة وأن تزعم ما شاء لها الزعم، وهي في ذلك آمنة أن يُرد عليها لأنها حينئذ تتكلم بما لا يسمو إليه كلام آخر. وتأتي للناس بما فيه زيادة على الناس ويكون ذلك مع حجتها عليهم، فيسكت المتكلم، وينقطع المكابر، ولا يبقى إلا التسليم للأقوى، وعلى الأصل الذي بنيت عليه الطبائع كلها. ولقد يتفق للجامعة المصرية مثل هذا الأستاذ - الذي يأكل الأساتذة - تجده في علم كالقانون أو الطب أو الفلسفة ونحوها مما تعاوَرَهُ العلماء من أجيال بعيدة وفرغوا منه تدويناً، وتعليقاً وشرحاً وتحققاً ولم يبق إلا مثل ما بقي مما تتفاوت به العقول وتختلف القرائح في حدة الذكاء وقوة الملاحظة من رأي يزاد عليه أو ينقص منه، ولكن أين مثل ذلك في تاريخ الأدب العربي وهو علم لا يزال يتخلق، ولا يزال كالجزائر البركانية: تظهر الجزيرة بحالها في البغتة والفجأة وتخسف الأخرى في مثل ذلك، وما علة ما يظهر إلا علة ما يخسف، ولكن لا بد أن يقع الحدَثُ ثم تجيء الفلسفة والتعليل بعد ذلك. ومن العجيب أن أستاذ الجامعة الدكتور طه حسين لم ينتهج إلا الطريقة التي لا تلتئم مع طبيعة هذا التاريخ، فهو يبحث دائماً عن العلة في أحد شيئين: إما في غير معلولها، وذلك خطأ كبير؛ وإما في معلولها بعد أن يغيره على ما يتوهم، وذلك شر من الأول، ومثل هذا إن سُمي بحثاً وسمي فلسفة في التاريخ لا يمكن ألبتَّة أن يسمى تاريخاً، ولا يخرج منه إلا كلام مستفيض هو على كل حال كلام قائله وعلى قدر من عقله وذكائه واطلاعه وطريقة فهمه، لا بحسب التاريخ ورجاله وعلله، فيكون الأستاذ كأنه يدرس فناً من الكلام بعض مادته من التاريخ، لا فناً من التاريخ بعض مادته من الكلام. وهذه الطريقة التي تسمى علمية هي في التاريخ أجهل الطرق، لأنها
ذ كأنه يدرس فناً من الكلام بعض مادته من التاريخ، لا فناً من التاريخ بعض مادته من الكلام. وهذه الطريقة التي تسمى علمية هي في التاريخ أجهل الطرق، لأنها تختلف فيما تقرره باختلاف الرجال والأزمنة، مع أن التاريخ شيء ثابت لا يختلف ولا يمكن أن يُخلَق مرة أخرى، لا بإنشاء الجامعة المصرية ولا بأمر وزارة المعارف. . . ومتى ولد التاريخ لم يهرم ولم يمت، ثم تلك الطريقة هي أيسر الطرق وخاصة على من كان قليل الاطلاع، فإنك لا تتقيد فيها بمعروف تعرفه ولا بمنكر تنكره، إلا ما شئت وشاءت لك غفلة من حولك، ثم أنك
تركب إليها كل أسلوب فإذا جميع الطرق تؤدي إلى غايتها، لأنها لا غاية لها إلا ما توهمته غاية وقلتَ إنه غاية. والتاريخ نوعان: أحدهما طُوِي عليه الدهر وقد وقع وانقطع فلا تغني فيه هذه الطريقة شيئاً، والآخر تُطوى عليه أدمغة مؤلفي الروايات ومن ينسجون في العلم على منوالهم. . . ولا أفيَدَ في كشف أسرار هذا النوع وإظهار حقائقه. . . من هذه الطريقة! فالبحث في تاريخ الأدب على الأصل العلمي الذي أنشئت له الجامعة - كما يقولون - إنما ينتهي بهذا التاريخ إلى أن يكون فناً من الكذب تلبسه الجامعة صفتها العلمية فيصبح كذباً صحيحاً، وهذا نصف الشر فيه، أما النصف الآخر فإنه متى جرى مجرى الصحيح وتناوله الناس بهذا الاعتبار لم يبق إلا أن تكون الكتب العربية التي بين أيدينا كذباً محضاً، وهذا ما يرمي إليه الدكتور طه حسين، كما بيناه. فالجامعة تقيم له الأساس ثم هو يبني، هذا إن سكتت الجامعة عنه وظلت تتحنفُ بهذا السكوت الفلسفي. وقد حضرتني الآن أرجوزة صغيرة أحب أن أهديها لصاحبنا الدكتور طه حسين ليتقاصر قليلاً، فإنه لن يخرق الأرض ولن يبلغ الجبال طولاً، وما هو إلا كما هو: يا عجباً (طه) أديبُ العصر أصبح مثلَ انجلترا في مصر أسطولُهُ يراعة في شِبر وملكهُ مترٌ بنصف متر في مجلس للدرس بل للهِتر يجلس فيه مثلَ ضَبِّ الجُحر معقداً من ذَنَب لظهر تعقيدَ من (قد) خُلقوا للمكر وهبطوا الدنيا لأمر نُكر يحتك في كل أديب حرّ يخيفه بالشتم أو بالشر
كأنَّ فيه روحَ حرف جر. . . يا ويحه من واهم مغتر يفزع الليثَ بوجه الهر. . . إسفنجة جاءت لشرب البحر وشمعة ضاءت لشمس الظهر والشيخُ طه في انتقاد الشعر ثلاثة مضحكة لعَمري! (حاشية) بعد كتابة هذه الكلمة تلقيت كتاب الدكتور طه حسين "في الشعر الجاهلي" فتجاوزت المقدمة وقرأت الفصل الذي سماه "مرآة الحياة الجاهلية يجب أن تلتمس في القرآن" فيا عجباً، إنه والله لتهكم شديد من القدَر أن لا يكون مقر الجامعة إلا قريباً من مستشفى الأمراض العقلية. وسنقراً هذا الكتاب فهو الجامعة التي رفعنا أسئلتنا إليها. . .
قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى (عِلْمٍ) بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ قرأت كتاب "الشعر الجاهلي " وقد كتب في عنوانه "تأليف طه حسين: أستاذ الآداب العربية بكلية الآداب بالجامعة المصرية ". فما أكثر أسماء الهر وما أقل الهر بنفسه. . . إن معنى العبارة أن الرجل أستاذ الشعر والكتابة وأساليبهما وما دخل في ذلك من تفسير ونقد ثم تاريخ الأدب وتحليله وتصحيح رواياته وجميع مسائله والمقابلة بين نصوصه ثم علومه الأدب المعروفة، كفنون البلاغة وفنون الرواية، فهذه "الآداب العربية" ومهما ادعى أستاذها في الجامعة فلن يدعي أنه شاعر ذو مكانة، ولا أنه كاتب ذو فن، واذا أسقطنا هذين فماذا يبقى منه إلا ما يتمحل من بعض الأسباب التاريخية، ثم ما غَناء هذه الأسباب وتاريخ الأدب قائم على الشعراء والكتاب، وصاحبنا يرجع في ذلك إلى طبع ضعيف لم تحكمه صناعة الشعر ولا راضته مذاهب الخيال، ولا عهد له بأسرار الإلهام التي صار بها الشاعر شاعراً ونبغ الكاتب كاتباً، وما هو إلا ما ترى من خلط يسمى علماً، وجرأة تكون نقداً، وتحامل يصبح رأياً، وتقليد للمستشرقين يسميه اجتهاداً، وغض من الأئمة يجعل به الرجل نفسه إماماً، وهدم أحمق يقول هو البناء وهو التجديد. وما كنا نعرف على التعيين ما الجديد أو التجديد في رأي هذه الطائفة حتى رأينا أستاذ الجامعة يقرر في مواضع كثيرة من كتابه أنه هو الشك، ومعنى ذلك أنك إذا عجزت عن نص جديد تقرر به شيئاً جديداً فشك في النص القديم، فحسبك ذلك شيئاً تعرف به ومذهباً تجادل فيه؛ لأن للمنطق قاعدتين:



