تحت راية القرآن

Kitab aqidah Ahlussunnah wal Jama'ah karya مصطفى صادق الرافعي (w. 1356 H).

Bagian 4 dari 10 305 halaman

— Bagian 4 · نه هو —

Bagian 4

نه هو الشك، ومعنى ذلك أنك إذا عجزت عن نص جديد تقرر به شيئاً جديداً فشك في النص القديم، فحسبك ذلك شيئاً تعرف به ومذهباً تجادل فيه؛ لأن للمنطق قاعدتين: إحداهما تصحيح الفاسد بالقياس والبرهان، والأخرى إفساد الصحيح بالجدل والمكابرة ومَثَل طه والقدماء مَثل رجلين من أهل المنطق، أحدهما قال: هذا اللون أسود فلا يجوز أن يكون أبيض. والآخر - الحسينى. . . - قال: كلا بل هذا

اللون ليس بأبيض فيجوز أن يكون أسود، وما الفضل بين يجوز أن يكون ولا يجوز أن يكون إلا موهبة من الله إذا هي لم توجد لم يُغنِ البرهان من الحق شيئاً، ولا يزال أحد الرجلين مع الآخر في لجاج ومكابرة قد تهاترت بيناتهما وسقطت، لأن المنطق لا يصح منه إلا ما صحح العقل منه، فحيث لا قيمة للعقل فلا قيمة للمنطق. وإنه لولا ضعف خيال الدكتور طه وبُعدُه من الصناعة الفنية في الأدب واستسلامه لتقليد الزنادقة وبعض المستشرقين الذين لا يوثق برأيهم ولا بفهمهم في الآداب العربية، ثم لولا هذه العصبية الممقوتة التي نشأت فيه من هاتين الصفتين إلى صفات أخرى يعرفها من نفسه حق المعرفة، لكان قريباً من الصحة فيما يرى، ولتدبر الأمور بأسبابها القريبة منها، واستعان عليها بما يُصلحها. ولتوقى بذلك جناية التهجم التي هي في أكثر أحوالها علم الجهلاء وقوة الضغفَى وكياسةُ الحمقى وعقل الممرورين. على أن العصبية هي دائماً نصف الجهل وإن كانت في أعلم الناس وأذكاهم، وقديماً أفسدت من تاريخ الأدب العربي أكثر مما أفسد الغلط والجهل معاً. وقد نقحوا على أن ذهاب الواضح الجلي من الأدب الذي لا يُمترَى فيه إنما يكون على اثنين، أحدهما: من لم يكن مُرتاضاً بالصناعة متدرباً بالنقد بصيراً بما يأتي ويدع، والثاني: الرجل العالم يعرف أنه يعرف ثم تحمله العصبية على دفع العيان وجحد المشاهد فلا يزيد على التعرض للفضيحة والاشتهار بالجور والتحامل. هذا في العالم المتدرب المرتاض، فكيف بالعصبية في العالم القائم على ركن واحد من ثلاثة أركان؟ فإن أستاذ الآداب يجب أن يجمع إلى الإحاطة بتاريخها وتقصي موادها ذوقاً فنياً مهذباً مصقولاً، وليس يمكن أن يأتي له هذا

قائم على ركن واحد من ثلاثة أركان؟ فإن أستاذ الآداب يجب أن يجمع إلى الإحاطة بتاريخها وتقصي موادها ذوقاً فنياً مهذباً مصقولاً، وليس يمكن أن يأتي له هذا الذوق إلا من إبداع في صناعتي الشعر والنثر، ثم يجمع إلى هذين الإحاطةِ والذوقِ تلك الموهبةَ الغريبة التي تلف بين العلم والفكر والمخيلة فتبدع من المؤرخ الفيلسوف الشاعر العالم شخصاً فوق هؤلاء جميعاً هو الذي نسميه الناقد الأدبي.

متى لم تجد الخيال القوي في مؤرخ الأدب، ومتى رأيت هذا المؤرخ لا يتوكأ إلا على المنطق والمقاييس والأوزان، فاقذف به وبتاريخه وأدبه وآدابه حيث شئت؛ فإنه لا يمتنع في يدك ولا يستعصي عليك، لأن سكونه واستقراره - ولو كانا على كرسي الجامعة - لا يأتيان من أنه وثيق ركين، ولا من أن أصوله شابكة متصلة بل من سكون الريح من حوله وحياطته بالأستار من هنا وهناك. فإن صاحب العلم رجل وصاحب الفن رجل غيره، والأصل في العلم العقل. والأصل في الفن الغريزة، ودليل العقل المنطق والقياس، ودليل الغريزة الحس والموهبة. والأدب من العلوم كالأعصاب من الجسم، هي أدق ما فيه ولكنها مع ذلك هي الحياة والخلق والقوة والإبداع، ولا تقاس بمقياس العظام المشبوحة الغليظة، ولا توزن بميزان العضلات المكتنزة الشديدة، ولا ينفع فيها المتر ولا الكيلو.. فإن جاءك صاحب المتر أو الكيلو فاقذف به الطريق، وإن قال لك إن المتر مقسم إلى مائة جزء وكل جزء إلى عشرة أجزاء. . .


قبل أن نخوض في كتاب الأستاذ طه حسين نشكر له ما تفضل به من الثناء علينا في كتابه واستثناءه إيانا في بعض المعاني من كل من درسوا تاريخ الآداب العربية، ونحن، دون هذا في نفسنا ودون ما أبلغَنا إياه مع بعض أصدقائنا وإن كنا نعرف من صنيع الأستاذ الفاضل أنه لا ينصفنا مرة إلا بعد أن يظلمنا مراراً، وأنه اتخذ الوقيعة فينا مذهباً عُرف به وغلب عليه.

إياه مع بعض أصدقائنا وإن كنا نعرف من صنيع الأستاذ الفاضل أنه لا ينصفنا مرة إلا بعد أن يظلمنا مراراً، وأنه اتخذ الوقيعة فينا مذهباً عُرف به وغلب عليه. حتى لا يكاد يقول أنصار القديم أو يكتب أنصار القديم أو يذم أنصار القديم إلا توجه ذلك عنده إلينا خالصاً لنا من دون المؤمنين. . . وهو لو عافاه الله من التعنت بعلمه على الناس، ورَزقه نعمةَ الوقوف عند حده وحَفظ عليه الفضيلة الشرقية الإسلامية، لربحناه ربح الذهب والفضة، ولكننا كيفما عاملنا به في سوق الشرق والغرب لم نجده في يد الشرق إلا نحاساً وفي يد الغرب إلا ذهباً، فهو ولكن في الديون التي علينا، أما في الديون التي لنا فلا يُحسب لنا إلا. . . "بقرش خردة!. التمسنا في كتاب الشعر الجاهلي تلك المسائل الأربع التي رفعناها إلى الجامعة فإذا الأستاذ قد حذف منه أعظمها خطراً وأكبرها شأناً، وهي مسألة

محو المسلمين شعر النصارى واليهود، لم يقل فيها شيئاً ولا أشار إليها إلا إشارة خفيفة، كأنَّ في الأمر أثراً من حزم الأستاذ الكبير مدير الجامعة. فقال في صفحة ٨٤ عن أمية بن أبي الصلت: "إنه وقف من النبي ﷺ موقف الخصومة هجا أصحابه وأيد مخالفيه. ورثى قتلى بدر من المشركين، وكان هذا وحده يكفي للنهي عن رواية شعره، وليضيع هذا الشعر كما ضاعت الكثرة المطلقة من الشعر الوثني الذي هُجي فيه النبي ﷺ وأصحابه حين كانت الخصومة شديدة بينه وبين مخالفيه من العرب الوثنيين واليهود". وقال في صفحة "٥: "ليس إذن شعر أمية بن أبي الصلت بدعاً في شعر المتحنفين من العرب أو المتنصرين والمتهودين منهم. وليس يمكن أن يكون المسلمون قد تعمدوا محوه إلا ما كان منه هجاء النبي ﷺ وأصحابه ونعياً على الإسلام؛ فقد سلك المسلمون فيه مسلكهم في غيره من الشعر الذي أهمل حتى ضاع". فأنت ترى أن ههنا شيئاً من الإصلاح والحذف والاحتراس، وبقي أن أستاذ الجامعة انخدع بقول كليمان هوار المستشرق الفرنسي فيما زعم من أن النبي ﷺ نهى عن رواية شعر أمية، فتابعه طه وظن ذلك صحيحاً، غير أنه علل النهي بغير العلة الحمقاء السخيفة التي جاء بها هذا المستشرق (١) . ولكن ما الدليل على صحة خبر النهي وقد ثبت في صحيح مسلم أن النبي ﷺ استنشد من شعر أمية وما زال يقول للمنشد " إيه إيه " حتى استوفى مائة بيت! إن هؤلاء المستشرقين أجرأ الناس على الكذب ووضع النصوص المبالغة في العبارة متى تعلق الأمر بالإسلام أو بسبب يتصل به، وكل ما عُرف من أمر ذلك النهى أن النبي ﷺ نهى عن رواية القصيدة التي رثى بها أمية قتلى المشركين في بدر، وهي مع ذلك لا تزال مروية في كتب السيرة إلى اليوم؛ فإن وقوع النهي لا يقتضي محو المنهى عنه ولا تركه عند من أراده. وقد نهى الله عن أشياء كثيرة ما زالت تؤتى، وستبقى ما بقيت الفطرة الإنسانية، فما أهمِل شعر أمية ولا نهي عن روايته، ولكنه الكذب والغفلة من الأستاذين.

. وقد نهى الله عن أشياء كثيرة ما زالت تؤتى، وستبقى ما بقيت الفطرة الإنسانية، فما أهمِل شعر أمية ولا نهي عن روايته، ولكنه الكذب والغفلة من الأستاذين.

على أن الدكتور طه يقول في صفحة ٥٤: كان الأنصار يكتبون هجاءهم لقريش ويحرصون على أن لا يضيع. . . فكيف ضاعت إذن " الكثرة المطلقة "؟ وما يمنع قريشاً أن يكتبوا هجاءهم كما فعل الأنصار؛ وإذا كانوا يكتبون مثل هذا فذلك نص على أنه لا حرج من روايته! لقدكتب شيخ الأدب صديقنا الأمير شكيب أرسلان مافيه الكفاية للرد على أستاذ الجامعة في بناء التاريخ على التحكم والافتراض وزعمه أن المسلمين محوا شعر النصارى واليهود أوتسببوا بمحوه؛ فلا نطيل في هذا المعنى، غير أننا نضيف إلى ما قاله شيخنا الجليل أنه لما أسر سهيل بن عمرو من مشركي قريش، وكان أعلم - أي مشقوق الشفة السفلى - وأرادت قريش فداءه، قال عمر بن الخطاب للنبي ﷺ: "انتزع ثنيتي سهيل بن عمرو السفليين يدلع لسانهُ فلا يقوم عليك خطيباً في موطن أبدا! فأبى رسول الله ﷺ وأطلق الرجل، فلو أنه كان يمحو شيئاً أو يأمر بشيء في توفي الكلام وإبطاله لمحا أكبر وسائل الخطابة في هذا الخطيب المشرك، ولتركه ما يُبين حرفاً من حرف ولا يقيم الكلام على أصواته فلا يفلحْ بعدها في الخطابة أبداً. وما يزال المسلمون يَروون إلى اليوم قول ابن الزبَغرَى في الرد على النبي ﷺ: حياة ثم موت ثم نشر. . . حديثُ خرافةٍ يا أم عمرو! وقول ذلك اليهودي حين ضلت ناقة النبي ﷺ: يزعم محمد أنه يأتيه خبر السماء وهو لايدري أين ناقته! وهنا نريد أن نقول للدكتور طه: إن بعده من صناعة الشعر هو الذي أوقعه في هذا الرأي السخيف، فلو نظم اليهودي هذه الكلمة فما عسى أن تزيد على ما قال؟ وهل شعر النصارى واليهود إلا كشعر سائر العرب في الفخر والهجاء والوصف والنسيب وغيرها؟ أم حسب الدكتور أن شعر النصراني يجب أن يكون في عقائده وإنجيله، وشعر اليهودي في توراته وتجارته.. ولعله لا يعلم أن أضعف ما يكون الشعر في الصناعة إذ هو تناول هذه المعاني وأشباهها كما يقع في شعر العلماء والمتصوفة، حتى قالوا إن شعر حسان بن ثابت نزل في الإسلام

علم أن أضعف ما يكون الشعر في الصناعة إذ هو تناول هذه المعاني وأشباهها كما يقع في شعر العلماء والمتصوفة، حتى قالوا إن شعر حسان بن ثابت نزل في الإسلام

إلى دون ما كان عليه في الجاهلية. قال الأصمعي: الشعر إذا أدخلته في باب الخير لان - أي ضعف - ألا ترى أن حسان بن ثابت كان عَلا في الجاهلية والإسلام؛ فلما دخل شعره في باب الخير من مراثي النبي ﷺ وحمزة وجعفر رضوان الله عليهما وغيرهما لأن شعره.. وطريق الشعر هو طريق شعر الفحول، مثل امرئ القيس وزهير والنابغة. صفات الديار والترجل والهجاء والمديح والتشبيب بالنساء وصفة الخمر والخيل والحروب والافتخار، فإذا أدخلته في باب الخير لان. انتهى. على أن شعر اليهود والنصارى بهان متميزاً في الرواية فإن لم يكن وقع إلينا فذلك لسقوط الرواية وضياع الكتب لا لضياع الشعر في نفسه بإهمال المسلمين. وقد ضاعت معانٍ كثيرة من عادات الجاهلية وأعمالها مما أبطله الإسلام أو لم يبطله، ومع ذلك أدَّاها الشعر ولم يتحرج العلماء من - روايته؛ وهذا ابن قتيبة يقول في كتاب " الميسر والقداح": إن الميسر أمر من الجاهلية قطعه الله بالإسلام، فلم يبق عند الأعراب إلا النبذ اليسير منه، وعند علمائنا إلا ما أدى - إليهم الشعر القديم. وقد كتب الجاحظ فيما روى قال: "أدركت رواة المسجديين والمربذيين ومن لم يرو أشعار المجانين ولصوص الأعراب ونسيبَ الأعراب والأرجازَ الأعرابية القصار وأشعارَ اليهود فإنهم كانوا لا يعدونه من الرواة، فهذا نص على أن رواية شعر اليهود كانت في الإسلام باباً خاصاً من أبواب الرواية ونوعاً متميزاً من طرائف الشعر. وللإمام المَرزُباني كتاب قالوا إنه في أكثر من خمسة آلاف ورقة، كسره على اثني عشر باباً منها باب خاص بديانات الشعراء في أشعارهم ومنهم اليهود والنصارى. "إن أستاذ "الجامعة ليعلم علماً لا يدخله الشك الذي يتباهى به. . . أن كتب السلف لم تنته إلينا بجملتها، ولا انتهى أكثرها، ولا ما يقال فيه إنه كثير، وأن الرواية لم تتأدَّ إلينا بما كانت تحمل من ذلك العلم المستطيل من الأشعار والأخبار والنقد، فكيف يجوز له أن يحكم على شعر الجاهلية بأنه موضوع أو

كثير، وأن الرواية لم تتأدَّ إلينا بما كانت تحمل من ذلك العلم المستطيل من الأشعار والأخبار والنقد، فكيف يجوز له أن يحكم على شعر الجاهلية بأنه موضوع أو محمول على أهله، أو الكثرة المطلقة منه موضوعة محمولة، وهو لا يروي هذا

الشعر، وهو لا يعرف ما مقداره، ولا يحيط بأقله فضلاً عن أكثره، وقد قالوا إن ابن الأعرابي أملى وحده من الشعر أحمالاً، فأين هذه الأحمال اليوم حتى يقابل ما فيها بعضه يبعض، ومن الذي يستطيع في عصرنا أن يقول في الشعر: هذا يشبه شعر الجاهلية وهذا لا يشبهه، والتوليد في هذا بيِّن، والصنعة في ذلك ظاهرة، وهذا بقول فلان أشبهُ وهذا ليس من نسج فلان ولا من طبقته، وذلك منحول رويناه في شعر فلان. . . الخ الخ؟ وقد وضع ابن سلام كتاباً في طبقات فحول شعراء الجاهليين لا يُعرف إلا اسمه، أفتحسب راوية مثله يضع في أوائل القرن الثالث كتاباً في أسماء هؤلاء " الفحول " وليس بين يديه من شعرهم الكثير الصحيح قد غُربل ونخل ونُفي منه الموضوع والمنحول وما تقولته العشائر بأهوائها وما دسه الرواة بسبب من أسبابهم؟ نحن لا ندفع أن يكون فيما يُعزَى إلى الجاهلية شعر محمول على أهلها حملاً، وشعر قد نحلوهم إياه من كلام الشعراء المغمورين، وقد بينا ذلك في "تاريخ آداب العرب" في باب الرواية والرواة من الجزء الأول، وهو الباب الذي بنى عليه الدكتور طه كتابه في الشعر الجاهلي. ولكن بيننا وبين الجاهلية ثم من نقلوا عنها أزماناً متناسخة كادت توفي خمسة عشر قرناً، وقد باد أكثر الكتب وذهبت فيها أقوال الرواة وعِلم العلماء مما حققوه ونصوا علبه، وما تسامحوا فيه وتوسعوا به، فلا يجوز لكائن من كان بين قطبي الأرض أن يثبت أو ينكر ويزيد أو ينقص إلا بنص عن المتقدمين؛ لأن هذا العلم لا يمكن أن يستقيم على اتباع الظن ولا أن يصح على الشك، فإن محل الشك والتخمين والحدس والاستنتاج إنما يجيء بعد أن تجتمع المادة من أطرافها بحيث لا يشد منها إلا القليل الذي يفرض فيه لقلته أنه لا ينقض حكماً ولا يبطل رأياً، للاستغناء بالنصوص الأخرى المتوافرة التي تتحقق بها غلبة الظن إن لم يأت منها اليقين، والأمر في يد أستاذ الجامعة المبتلى بالشك.

قض حكماً ولا يبطل رأياً، للاستغناء بالنصوص الأخرى المتوافرة التي تتحقق بها غلبة الظن إن لم يأت منها اليقين، والأمر في يد أستاذ الجامعة المبتلى بالشك. على النقيض من ذلك فلا هو يستطيع أن يرد ما ذهب من الكتب فيستوعبها، ولا هو يمكنه أن يطلع على كل ما هو فبعثر في زوايا الدنيا من الكتب التي لم تذهب، ولا هو اطلع على كل ما تناله أيدي الأدباء: ثلاث درجات يَسفل بعضها عن بعض، فالعجب الذي ليس مثله عجب أن يكون الأستاذ ناقصاً هذا النقص كله ثم يزعم أنه يدعو إلى الطريقة العلمية في تاريخ الأدب، وأنه يمحص ويحقق، ويثبت وينفي، ويوقن ويشك، وهذا هو المضحك من أمره. فإن أخص شروط

الطريقة العلمية في درس التاريخ وكتابته أن يستوعب المؤرخ كل ما قيل وكتب في موضعه، مما يتعلق بحادث أو شخص أو موضوع، لا يفوته من ذلك شيء، فإذا هو أتى على المادة ووضع يده منها حيث أراد وأمِنَ أن يكون ندَّ عنه أمر ذو بال جاء الشرط الثاني لهذه الطريقة ووجب حينئذ أن ينتفي من أهوائه ونزعاته، ويتجرد من شخصه الإنساني، ليصبح في عمله شخصاً، كما يتجرد القاضي ليكون في قضائه شخصاً قانونياً ليس غير! بيدَ أن طه تجرد قبل أن يلبس. . . وهذا نوع من الهزل إن احتمل من كاتب في صحيفة لا يحتمل من مدرس في جامعة! ومع أن الطريقة العلمية قائمة على استقراء المادة والإحاطة بها من جميع جهاتها، فهي لا تخرج التاريخ نفسه كما هو في الواقع، وإنما تجيء برأي فيه يكون معياره دائماً ذكاء صاحبه وعقله وخياله، ولهذا اشترطوا في صاحب تلك الطريقة أن يكون ممن رُزقوا البراعة كل البراعة في إصابة الحدس وقوة الخاطر وسمو الخيال، وإلا خرج عمله بلا معنى، أو بمعنى لا قيمة له، أو بقيمة ضعيفة تنزل من التاريخ منزلة الهيكل العظمي من الجسم الحي. وضع الإمام المرزباني كتاباً غير الكتاب الذي أومأنا إليه آنفاً.

أو بمعنى لا قيمة له، أو بقيمة ضعيفة تنزل من التاريخ منزلة الهيكل العظمي من الجسم الحي. وضع الإمام المرزباني كتاباً غير الكتاب الذي أومأنا إليه آنفاً. قال ابن النديم إنه أكثر من خمسة آلاف ورقة أتى فيه على أخبار (الشعراء المشهورين) من الجاهلية، وبداً بامرئ القيس وطبقته، ثم المخضرمين، ثم الإسلاميين إلى أول الدولة العباسية، فهذه أخبار شعراء مائتي سنة من التاريخ، بل المشهورين منهم، وقد كتبت في خمسة آلاف ورقة، أي عشرة آلاف صفحة، لم ينته إلينا منها صفحة واحدة، فكيف مع ضياعها وضياع كثير من أمثال هذا الكتاب الجامع الممتع يُقبل عقلاً من مؤرخ علمي يجلس في كرسي التحقيق أن يقرر مثل هذا الهُراء الذي جاءنا به الدكتور طه حسين في إنكار الشعر وإثباته، على حين أنه مع هذا النقص الفاضح تنقصه كذلك ملكة الشعر فما هو بشاعر يدرك بالحس كما أدرك مثل ذي الرمة حين سئل عن شعر أنشده حماد الرواية في مدح بلال بن أبي بردة فقال: إنه جيد وليس له، فلما عزم بلال على حماد ليخبرنَّه قال: إن الشعر قديم ولا يرويه غيري وقد انتحلته. ولجرير والفرزدق وغيرهما من الشعراء أَخبار كثيرة من مثل هذا، يقرأون بنفوسهم كما يقرأون بأعينهم، فلا يحسن أن يقول المؤرخ في الشعر إلا إذا كان شاعراً يوثق بملكته، فإن الحس والملكة من أقوى أسباب الرأي في مثل ذلك. ومع نقص النقص في أستاذ الجامعة فهو لا يحسن نقد الشعر، لأن النقد

قائم بالملكة والفهم لا بالفهم وحده، ولم ينتقد في كتابه الشعر الجاهلي نقداً فنياً إلا بيتاً واحداً من قصيدة عمرو بن كلثوم المعروفة بالمعلقة، وهو قوله: ألا لا يجهلنْ أحد علينا. . . فنجهلَ فوق جهل الجاهلينا قال الأستاذ: "قلت إن هذاً البيت يمثل إباء البدوي للضيم، ولكني أسرع. . . فأقول إنه لا يمثل سلاسة الطبع البدوي وإعراضه عن تكرار الحروف إلى هذا الحد الممل فتمد كثرت هذه الجيمات والهاءات واللامات واشتد هذا الجهل حتى مُل " انتهى. قلنا ليته لم يسرع ولم يفرح بهذا الخاطر فقد عثر من إسراعه فامتلأ فمه تراباً، ومتى كان الأستاذ طه حسين يفطن إلى عيب تكرار الحروف وهو الذي كانت تضرب به الأمثال في التكرار قبل أن نلقنه ذلك الدرس في جريدة "السياسة"، وهو لم يبرأ بعدُ من هذه العلة، فقد رأينا له مقالاً في "مقتطف" شهر مارس من هذه السنة ١٩٢٦ جاءت فيه هذه الشأشأة. . . " يمضي حيث يشاء ويصور الأشياء كما يشاء لا كما تشاء الأشياء" فتأمل. نقول لأستاذ الجامعة: إن التكرار في بيت عمرو بن كلثوم هو سر البلاغة فيه، وهو اللون الذي نفضه الشاعر من ألوان روحه على المعنى ليخلقه خلقاً حياً بحيث لو لم يكن هذا التكرار لضعف المعنى وسقطت رتبة الشعر؛ فإن هذا الشاعر يمثل في البيت غضب قومه وحفاظهم وقدرتهم على المجازاة والنقمة والأخذ الشديد لمن عز وهان، فلم يقل: إذا جهل أحد علينا فعلنا وفعلنا، وكان يستطيعه إذا جعل البيت: متى ما يجهلن أحد علينا جهلنا. . . الخ، بل نبه أولاً بقوله: "ألا" ثم نهى بعد ذلك أن يجهل أحد عليهم، ليشعِر أن لقومه الأمر والنهي؛ فهذه واحدة، ثم كرر بعد ذلك لفظ الجهل بالفعل والمصدر واسم الفاعل، ومضى به إلى منقطع الشعر جهلاً بعد جهل، ليشعر النفوس أن انتقامهم بلاء لا آخر له، يتتابع فيه الجهل الذي لا عقل معه فلا رحمة فيه.

ل والمصدر واسم الفاعل، ومضى به إلى منقطع الشعر جهلاً بعد جهل، ليشعر النفوس أن انتقامهم بلاء لا آخر له، يتتابع فيه الجهل الذي لا عقل معه فلا رحمة فيه. وكأنه يقول: إن الصاع بثلاثة، وإن من أساء إلينا واحدة رددناها عليه ثلاثاً؛ وكل ذلك إنما أفاده التكرار، وهذا هو غضب الطبع البدوي وحفيظته، فلا تنتظر من هذا الطبع الحر سلاسة ولا رقة في موقف الغضب والتحذير وإنذاره أعداءه البطشة الكبرى، بل ترقب الهول الهائل الذي تمثله لك الجيمات والهاءات واللامات إذا ملأ بها شدقيه عربي جهير الصوت فخم الإنشاد ثائر العاطفة غضوب الدم يهدر بالكلام هديراً، أفرأيت يا أستاذ الجامعة؟


من أقبح ما في كتاب الدكتور طه حسين أنه يعلن في مقدمته تجرده من دينه عند البحث، يريد أن يأخذ النشء بذلك، اتباعاً لمذهب ديكارت الفلسفي الذي يقضي على الباحث بالتجرد من كل شيء عندما يبحث عن الحقيقة. قال الأستاذ: يجب حين نستقبل البحث عن الأدب العربي وتاريخه أن ننسى قوميتنا وكل مشخصاتها " وأن ننسى ديننا وكل ما يتصل به!. وهذا لعمري هو منتهى الجهل، فإنه هناك فرقاً بين البحث عن حقيقة فلسفية عقلية محضة، وبين البحث عن حقيقة أدبية تاريخية قائمة على النص وقول فلان وفلان، وإذا هو نسي دينه (وتأمل ما في هذه العبارة) فماذا يكون من أثر هذا التاريخ ما دامت المادة التاريخية لم تجتمع له كما أسلفنا، وما دام الأستاذ مبتلى بالنقص من كل جهة. أما إنه قد نسي دينه حقيقة في رده على كليمان هوار المستشرق الفرنسي الذي زعم أنه اهتدى إلى مصدر عربي من مصادر القرآن هو شعر أمية بن أبي الصلت "الذي يجب أن يكون النبي قد استعان به كثيراً أو قليلاً في نظم القرآن " كما جاء في كتاب طه، (كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا (٥) . وقد كان رد أستاذ الجامعة الذي نسي دينه أنه أنكر الاستعانة بشعر أمية ولكنه لم يرد على حماقة هوار في زعمه أن القرآن من نظم النبي، بل سكت عن ذلك، بل قال بالحرف الواحد في صفحة ٨٣: "ليس يعنيني هنا أن يكون القرآن قد تأثر بشعر أمية أو لا يكون" فالأمر عنده على حد الجواز كما ترى، وليس يعينه أن

ن ذلك، بل قال بالحرف الواحد في صفحة ٨٣: "ليس يعنيني هنا أن يكون القرآن قد تأثر بشعر أمية أو لا يكون" فالأمر عنده على حد الجواز كما ترى، وليس يعينه أن يكون دينه ودين أمته صحيحاً أو كذباً. . . ولو كان طه حسين بليغاً من أئمة البلاغة لقلنا: رأي رآه وإن كان كفراً وإلحاداً، ولكنه هو هو هو. . . على أن كلامه في هذا الكتاب عن القرآن الكريم كلام من "نسي دينه" بل كلام من لا دين له، فليس في الأمر عنده معجزة ولا إعجاز ولا تنزيل. وسيأتي هذا مفصلاً بعدُ.

إن هذا الكتاب السخيف الذي جاءتنا به الجامعة مما تضيق به النفس لكثرة ما فيه من الخطأ، حتى لا يطيقه إلا من كان في عقل صاحبه وضعف حجته وتهافت آرائه وكثرة سقطه، وقد وجدنا أن أقوى ما يستند إليه المؤلف في كذب ما روي من الشعر الجاهلي دليل واحد اجتهد فيه وكرره وسماه عقدة لغوية وأيقن أن أنصار القديم لا يستطيعون فيه شيئاً، وذلك ظنه أن اختلاف لهجات العرب يجب أن يكون في أشعارها. ولما كان شعر الجاهلية ليس فيه شيء منها فهو موضوع بعد الإسلام وبعد أن صارت اللغة قرشية، قال: "فهذا النوع من اختلاف اللهجات له أثره الطبيعي اللازم في الشعر، في أوزانه وتقاطيعه وبحوره وقوافيه بوجه عام، وإذا لم يكن نظم القرآن وهو ليس شعراً ولا مقيداً بما يتقيد به الشعر قد استطاع أن يستقيم في الأداء لهذه القبائل "يريد اختلاف القراءات " فكيف استطاع الشعر، وكيف لم تحدث هذه اللهجات المتباينة آثارها في وزن الشعر وتقطيعه الموسيقي "؟ فما هي اللهجات يا أستاذ الجامعة؟ كان ينبغي أن تستقر بها قبل أن تعترض بها، فإنك لو فعلت لرأيتها في الجملة لا تغير شيئاً من أوزان الشعر.

عه الموسيقي "؟ فما هي اللهجات يا أستاذ الجامعة؟ كان ينبغي أن تستقر بها قبل أن تعترض بها، فإنك لو فعلت لرأيتها في الجملة لا تغير شيئاً من أوزان الشعر. فهي في معظمها بين إبدال حرف بحرف أو حركة بحركة أو مد بمد، وكل ذلك لا يؤثر في إقامة الوزن كثيراً ولا قليلاً، والاختلاف في الحقيقة هيئات في النطق والصوت أكثر مما هو هيئات في الوضع واللغة، ومع ذلك فقد نصوا على أن العربي الفصيح غير مقيد بلغة قبيلته إذا نافرت طبع الفصاحة فيه، فمنهم من يوافق اللهجة ومنهم من يخالفها لسبب عند هذا وعند هذا راجع إلى الفطرة وقوتها، ومن القبائل من تأخذ لهجة غيرها كما فعلت قريش، فقد كانت لا تهمز، فلما نزل القرآن بالهمز اتخذت هذه اللهجة. ويجب أن تعلم يا أستاذ الجامعة أن عندنا نصاً عن ابن الكلبي أن العرب لم ترو من شعر الجاهلية إلا ما كان إلى مائة سنة قبل الإسلام، أي عمر رجلين يروي أحدهما عن الآخر، وذلك هو الزمن الذي نهضت فيه اللغة وأخذ العَرب بعضهم عن بعض. ومع كل هذا فهناك نص آخر على أن من اختلاف اللهجات ما يؤخذ به في إنشاد الشعر إذا وجد في لغة من ترتضى عربيته، ومنه ما لا يؤخذ به إذا وُجد في لغة من لا تُرضي عربيته، فذلك دليل قاطع على أن العلماء حذفوا أشياء لم يَرضوها وغيروا في إنشاد الشعر لا في نظمه، قال شاعر من بني تميم: ولا أكول لكدْر الكوم قد نضجت. . . ولا أكول لباب الدار مكفول

يريد: لا أقول لقدر القوم الخ، وهي القاف المعقودة التي ينطقونها بين القاف والكاف، وكانت شائعة في العرب، وهي غير القاف الخالصة التي يُقرأ بها القرآن، فهل رُوي كل شعر بني تميم على هذا الوجه؟ وماذا لو أبدلت الكاف في البيت قافاً لتوافق اللغة الفصحى في الإنشاد؟ وفي الحديث من لغة حِمير "ليس من امِبر امصِيامُ في امسفَرِ" إذ كان من لغتهم إبدال لام التعريف ميماً، وهذه العبارة لو أشبعت فيها حركة السين في " ليس " خرج منها شطر موزون من الرجز، فإذا أنشدته بالفصحى وقلت "ليسا من البر الصيامُ في السفر" فأين تأثير اللهجات في الوزن والتقطيع الموسيقي. . . والبحر والقافية؟ فالدليل الذي حسب أستاذ الجامعة أنه ليس أقوى ولا أعضل منه في بابه هو كما تراه أوهَنُ أدلته وأسرعها اضمحلالاً، فكيف بغيره مما تمحل فيه وتكلف له التلفيق؟ إذا أخذت قيس عليك وخِندِف. . . بأقطارها لم تدرِ من أين تَسرَحُ

أستاذ الآداب والقرآن إلى هيئة كبار العلماء ومجلس إدارة الجامعة لقينا صديق من أدباء المسيحيين فقال، ويحكم! أيها العلماء والكتاب الذين أقاموا القيامة على رسالة الأستاذ الشيخ علي عبد الرزاق (١) فإن هذه الرسالة إنما هي تسبيح لله في جنب كتاب طه حسين الذي درَّسه في الجامعة.

والكتاب الذين أقاموا القيامة على رسالة الأستاذ الشيخ علي عبد الرزاق (١) فإن هذه الرسالة إنما هي تسبيح لله في جنب كتاب طه حسين الذي درَّسه في الجامعة. فقلنا لهذا الأديب: وكتاب طه حسين هو تسبيح لله في جنب ما يكون في نفس طه حسين، فلولا دين الحكومة والقضاء والنيابة - كما يقول هو في كتابه - لكان قد هدم السماء والأرض وترك الآخر يلعن الأول، ولافترى بين يديه ورجليه ويَسْرته ويُمناه وما فوق وما تحت، سخطة على الدين وكتابه، والإسلام ونبيه، وعلى الأمة وعلمائها؛ وهو على ما يعرف من دين الحكومة والقضاء والنيابة لا تراه ينظر في معنى من معاني الإسلام إلا جاء بشرِّ النظرين وأشدهما جهلاً وحمقاً؛ وتراه يُزهى في كتابه بأنه ممن "خلق الله لهم عقولاً تجد من الشك لذة وفي القلق والاضطراب رضا" - صفحة ٥ - وأنه من فئة (حسبك أنهم يشكون فيما كان الناس يرونه يقيناً، وقد يجحدون ما أجمع الناس على أنه حق لا شك فيه - صفحة ٦ - فهو لا يعد نفسه من أولئك الذين قال الله فيهم: (وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ) بل كرَّه الله الإيمان وزين في قلبه القلق والاضطراب والشك، ولو نعلم أن كتابه وإلحاده

كُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ) بل كرَّه الله الإيمان وزين في قلبه القلق والاضطراب والشك، ولو نعلم أن كتابه وإلحاده

حديث بينه وبين نفسه أو بينه وبين مثل "كازانوفا" لأهملناه، ثم لما كان حكمه عندنا إلا ما قال الله تعالى: (فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا) ولكن كتابه دروس ألقاها في الجامعة، على طلبة يقول هو إنهم زهاء مائتين؛ فلقد أمِر أمرُهُ إذن بقوة هذه الجامعة، وأصبحت الجامعة هي المتهمة بإزاغة عقيدة مائتي طالب، وصارت في معناها العلمي كمستشفيات المبشرين في معناها الطبي. . . ومن ثم وجب على أئمة الدين أن يحيطوا عقائد أبنائنا وإخواننا، وأن يَزعوا الجامعة ويردوا جماحها ويكسروا شِرَّتها، وإلا شركوها في الإثم وأعانوها عليه، وقد أبلغنا فاللهم اشهد؛ وإنما هلك من كان قبلكم باختلافهم في الكتاب! ولننظر الآن في حماقة طه وتكاذيبه التي زعمها في القرآن، ووقاحته العجيبة فيما يكتب جهلاً بأساليب الكتابة وذوقها واسترسالاً مع طبعه الأحمق السفيه. يقول في صفحة ٢٦ "للتوراة أن تحدثنا عن إبراهيم وإسماعيل، وللقرآن أن يحدثنا عنهما أيضاً؛ ولكن ورود هذين الاسمين في التوراة والقرآن لا يكفي لإثبات وجودهما التاريخي، فضلاً عن إثبات هذه القصة التي تحدثنا بهجرة إسماعيل وإبراهيم إلى مكة. . . قال: ونحن مضطرون إلى أن نرى في هذه القصة نوعاً من الحيلة في إثبات الصلة بين اليهود والعرب من جهة، وبين الإسلام واليهودية، والتوراة والقرآن من جهة أخرى". انتهى. . . فانظر هذه الوقاحة في قوله "للقرآن أن يحدثنا" كأنه زَعْمُ زاعمٍ له أن يقول وأن لا يقول؛ وإذا لم يكف النص في كتاب سماوي تدين له الأمة كلها لإثبات وجود المنصوص عليه فما بقي معنى لتصديقه، وما بقي إلا أن يكون القرآن كما يزعم المستشرقون أساتذة طه حسين وأولياؤه كلاماً من كلام النبي ﷺ نفسه.

ها لإثبات وجود المنصوص عليه فما بقي معنى لتصديقه، وما بقي إلا أن يكون القرآن كما يزعم المستشرقون أساتذة طه حسين وأولياؤه كلاماً من كلام النبي ﷺ نفسه. ومن نظمه وعمله كما نقل عن هذا الخرف المسمى كليمان هوار؛ فهو يدخله ما يدخل كلام الناس من الخطأ والغفلة والحيلة والكذب، فله أن يزعم ما شاء ولكن ليس علينا أن نصدق أو نطمئن، وإذا هو ذكر اثنين من الأنبياء، وإذا هو ورد فيه قوله تعالى: (وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ) فذلك غير كاف

في رأي الجامعة المصرية لإثبات أن إبراهيم واسماعيلَ شخصان كان لهما "وجود تاريخي "، ولا أنهما هاجرا إلى مكة ورفعا قواعد البيت الحرام وبنيا الكعبة؛ وإذن فالقصة في رأي الجامعة المصرية من الأساطير الموضوعة ومما يلتحق بحيل الروائيين التي يشدون بها المعاني الاجتماعية، والسياسية. والتاريخية، ويؤتى بها في الرواية على أنها من الكذب الفني توصلا إلى سبك حادثة أو تقرير معنى أو شرح عاطفة أوَلاً يعلمُ أستاذ الجامعة أن النصوص واردة بأن العرب لا يعذون اليهود منهم (١) وإن كانت الدار واحدة واللغة واحدة، فما حاجتهم إلى حيلة روائية سخيفة، وهم لم تفصل طباعهم على طباع طه حسين، ليكذبوا وينافقوا وهم يعلمون أنهم كاذبون منافقون، على حين أنهم مستيقنون أن اليهود أهل كتاب وعلم فلا يقبلون من أمة جاهلة أن تضع لهم التاريخ؛ ثم كيف دخل هذا الكذب واندست هذه الحيلة في القرآن؟ نبئوني "بعلم " إن كنتم صادقين. ويقول الأستاذ في صفحة ١٨: "فقريش إذن كانت في هذا العصر ناهضة نهضة مادية تجارية، ونهضة دينية وثنية؛ وهي بحكم هاتين النهضتين كانت تحاول أن توجد في البلاد العربية وحدة سياسية وثنية مستقلة. . . قال: واذا كان هذا حقًّا، ونحن نعتقد أنه حق، فمن المعقول أن تبحث هذه النهضة الجديدة لنفسها عن أصل تاريخي قديم يتصل بالأصول التاريخية الماجدة التي تحدث عنها الأساطير، قال: وإذن فليس ما يمنع قريشاً من أن تتقبل هذه "الأسطورة" التي تفيد أن الكعبة من تأسيس إسماعيل وإبراهيم. . . كما قبلت روما قبل ذلك ولأسباب مشابهة " أسطورة" أخرى صنعها اليونان تثبت أن روما متصلة بإينياس ابن بريام صاحب طروادة". انتهى كلام الجامعة المصرية، ومعناه الصريح أن قريشاً قبلت هذه الأسطورة الخرافية التي تثبت أن الكعبة من بناء إسماعيل وإبراهيم، فأخَذَها مَن وضع القرآن عن قريش لأنه منهم؛ وبذلك تجزم الجامعة المصرية أن في القرآن كذباً وتلفيقاً، لأن الأسطورة كما يقول أستاذها في صفحة ٢٩ حديثة العهد ظهرت قبل الإسلام واستغلها الإسلام لسبب ديني" أي فهي كذب صريح يعلم

أن في القرآن كذباً وتلفيقاً، لأن الأسطورة كما يقول أستاذها في صفحة ٢٩ حديثة العهد ظهرت قبل الإسلام واستغلها الإسلام لسبب ديني" أي فهي كذب صريح يعلم

الإسلام أنه كذب ويتغفل به العرب لسبب ديني. فماذا بقي من هذا الدين الذي يتناول الخرافة المخترعة قبل الإسلام بقليل ويوردها في كتابه على أنها منزلة من السماء وأنها وحي يُوحَى. وتماماً على هذه الخرافة يقول أستاذ الجامعة في صفحة ٨٠ فهو - يعني القرآن - يذكر التوراة والإنجيل ويجادل فيهما اليهود والنصارى، وهو يذكر غير التوراة والإنجيل شيئاً آخر هو صحف إبراهيم، ويذكر غير دين اليهود والنصارى ديناً آخر وهو ملة إبراهيم، هو هذه الحنيفية التي لم نستطع إلى الآن أن نتبين معناها الصحيح، وإذا كان اليهود قد استأثروا بدينهم وتأويله، وكان النصارى قد استأثروا بدينهم وتأويله ولم يكن أحد قد احتكر ملة إبراهيم (تأمل!) ولا زعم لنفسه الانفراد بتأويلها، فقد أخذ المسلمون يردون الإسلام في خلاصته إلى دين إبرَاهيم" انتهى. ولكن، أهمُ المسلمون الذين زعموا هذا، أم نزل ذلك في قرآنهم في قوله تعالى: (ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٣) . إلى آيات أخرى؟ فإذا كان ذلك من فعل المسلمين فالقرآن كذلك من صُنعهم عند أستاذ الجامعة؛ وهذا الأستاذ يشير (بالحنيفية) التي لم يفهم معناها الصحيح إلى ما ورد في الحديث من قوله ﷺ: "بُعثتُ بالحنيفية السمحة السهلة ". وقد تكررت هذه اللفظة في الحديث، فكيف سمعها العرب ورواها العلماء ولم يفهموها، وكيف يكون ذلك وهي مبنية على آيات كثيرة وردت في القرآن، مثل قوله تعالى: (مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا) وقوله: (وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا) .

َانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا) وقوله: (وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا) . إلى آيات كثيرة كلها نص قاطع في أن معنى الحنيف إنما هو الذي مال عن الشرك والتشبيه والتجسيد مما يزعمه اليهود والنصارى والمشركون، والحنفُ في اللغة: الميل، وكان العرب يقولون في كل من تعبد واعتزل الأوثان: إنه تحنَّفَ، وكل من حج واستقبل البيت سموه حنيفاً، لأنه بيت إبراهيم، ثم توسع الإسلام في الكلمة على سنته في الألفاظ الإسلامية المعروفة، فالمعنى الصحيح للحنيفية أنها الشريعة النقية التي لا شَوْبَ فيها من الإلحاد والشرك، والتي تعدل بالناس إلى الله وتوجه الخلق إلى الخالق وحده. وانظر كيف يقول الله: ((مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا) ثم يزعم أستاذ الجامعة أنَّ قصة إبراهيم "حيلة" فى إثبات الصلة بين

اليهود والعرب، وبين الإسلام واليهودية وبين التوراة والقرآن. . . فهل في الجهل أوسع مْن هذا؟ والعجب أن شيخ الجامعة مع كل هذا الخلط وكل هذه الحماقة يقول في صفحة ١٢٦: "القرآن وحده هو النص العربي القديم الذي يستطيع المؤرخ أن يطمئن إلى صحته ويعتبره مشخصاً للعصر الذي تلي فيه، فأين الشك الذي ابتلي به هذا الرجل، وكيف يستطيع على قاعدته في البحث والتحليل "ووضع علم المتقدمين كفه موضع الشك" أن يثبت هذا القول؛ وهل هو يجهل أنه كان قبله بزمن بعيد قوم "يجدون في الشك لذة وفي القلق والاضطراب رضا" وهم الرافضة، وقد شكوا في نص القرآن وقالوا إنه وقع فيه نقص وزيادة وتغيير وتبديل؛ فإذا أخذ طلبة الجامعة المصرية بقاعدة الشك التي يقررها أستاذهم ويريد أن ينشئهم عَليها فهل يصدقون طه حسين أم يصدقون الرافضة؟ وما الذي يجعل طه أصدق منهم أو يجعلهم أكذب منه ما دام الأمر إلى الشك والتعسف؟ يعتقد الأستاذ أن القرآن يمثل العصر الجاهلي " ويشخصهُ"، وأنه أصدق مرآة للحياة الجاهلية - ص ١٦ - وأن العصر الجاهلي القريب من الإسلام لم يَضع، وأنَّا نستطيع أن نصوره تصوراً واضحاً قوياً صحيحاً، بشرط أن لا نعتمد على الشعر، بل على القرآن من ناحية والتاريخ والأساطير. . . من ناحية أخرى - ص ٨ - ومعنى هذا الخلط مضافاً إلى ما تقدم وإلى قوله في ص ٨٣: "ليس يعنيني أن يكون القرآن تأثر بشعر أمية - ابن أبي الصلت - أو لا يكون، أن القرآن عند هذا الرجل كتاب أشبه بالكتب التي يضعها المؤلفون فتكون تمثيلاً للعصر الذي وُضعت فيه لأنها صادرة عن فكر متأثر بالأسباب الكثيرة التي أنشأت العصر نشأته الخاصة به والمميزة له، مؤثرة بهذه الأسباب عينها فيما يضعه ويؤلفه، كما ترى في إلياذة هوميروس مثلاً؛ وإذن فلم يبق معنى لما ورد فيه من أنه (لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (٤٢) . ويلتحق هذا ومثله "بالأساطير التي استغلها الإسلام لسبب ديني" وتكون هذه هي عقيدة الجامعة المصرية في القرآن لا عقيدة طه حسين وحده، ما دامت الجامعة تدرس هذا وتقره وتمتحن الطلبة فيه وتجيزهم عليه.

الإسلام لسبب ديني" وتكون هذه هي عقيدة الجامعة المصرية في القرآن لا عقيدة طه حسين وحده، ما دامت الجامعة تدرس هذا وتقره وتمتحن الطلبة فيه وتجيزهم عليه. هل يدري طه حسين معنى قوله تعالى: (مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ) ومعنى قوله (وَلَا مِنْ خَلْفِهِ) ؟ وهل يفهم هذه البلاغة المعجزة التي يسجد لها البلغاء؛ إن معناها يا أستاذ الجامعة أن القرآن لا يشخص عصراً ولا يمثله، بل هو كتاب كل عصر، وهو الثابت على كل عِلم وكل بحث وكل اختراع واستكشاف على مدى الأزمنة

في أيها جاء مما سيستأنفه التاريخ؛ وهذا معنى (مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ) وأيها ذهب مما يطويه الماضي، وهذا معنى (وَلَا مِنْ خَلْفِهِ) ؛ وليس يخفى عليك أن العصور يصحح بعضها بعضاً ويكشف بعضها خطأ بعض، وقد يتقرر في زمن ما يثبت بعد أزمان طويلة أنه كان خطأ فقوله: ((لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ) من الكلمات التي لا تخطر بفكر إنساني يُظنْ أنه يشخص العصر الجاهلي، بل هي عِلم من لا يعلم غيره أن ستجد أمور وتحدث علوم وتُمَحَّص تواريخ وتنشأ مخترعات، فلو فهم الجاهل لما تكلم إلا الفاهم؛ وقد قال الله في أشباه طه حسين (وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا) . ولقد عجبت لأستاذ الجامعة كيف يعتمد في تصور العصر الجاهلي على التاريخ والأساطير وهو الذي يقول بالشك، وكيف تصح عنده الأساطير ويصح التاريخ العربي دون الشعر الجاهلي؛ وهل جاء هذا الشعر إلا من الطريق التي جاءت منها الأساطير والتاريخ، أي بالرواية والإسناد، ومن الحفظ والتلقين؟ وإذا جاءت ثلاثتها من طريق واحدة وكان الكذب والوضع قد دخلها جميعها ونص العلماء على أشياء من ذلك في الأبواب الثلاثة، فكيف يكون العصر الجاهلي في اثنين منها دون الثالث مع أن الوضع فيهما أيسر من الوضع في الشعر، إذ هما كلام كالكلام لا مؤونة فيه ولا تعب ولا صناعة ولا كذلك الشعر، وخاصة ما يوضع منه على ألسنة فحول الجاهليين. إنما جاء أستاذ الجامعة هذا العلم الغريبُ من جهله بالشعر وصناعته

ونة فيه ولا تعب ولا صناعة ولا كذلك الشعر، وخاصة ما يوضع منه على ألسنة فحول الجاهليين. إنما جاء أستاذ الجامعة هذا العلم الغريبُ من جهله بالشعر وصناعته وأغراضه، فهو يحسب أن الشعر الجاهلي لا يكون جاهلياً ولا تصح نسبته إلى الجاهلية إلا إذا مثل الحياة الدينية عند العرب، ولقد ذكر القرآن اليهود والنصارى والمشركين والصابئة ولم يذكرهم الشعر الجاهلي، بل هو كما يقول في ص ١٨: "يُظهر حياة غامضة جافة بريئة أو كالبريئة من الشعور الديني القوي. . . " فالقرآن عنده لذلك أصح تمثيلاً، والشعر لذلك عنده غير صحيح. قال في ص ١٩: "وقريش كانت متدينة قوية الإيمان بدينها، ولا يمثل لها الشعر الجاهلي من ذلك إلا قليلاً" فليذكر لنا الأستاذ شعراء قريش من عهد امرئ القيس، وليقل لنا متى كان الشعر في قريش وقد نصوا على أنها أقل القبائل شعراً وشعراء في الجاهلية، ثم - ليذكر لنا هذا الباحث المحقق. . . كيف مثل الشعر الإسلامي الحياة الدينية الإسلامية، وأين هذا في شعر جرير والفرزدق والبحتري والمتنبي، وهل يحسب أستاذ الجامعة أن القرآن يجري مجرى الشعر في الوضع والسبب والغاية؛ ألم يعلم طه حسين إلى سنة ١٩٢٦ أن القرآن نزل

بشريعة تنسخ الشرائع، ودينِ يتمم الأديان وعبادة تمحو العبادات، فكان لا بد من ذكر كل ذلك فيه بإجمال حين يُجمل وتفصيل حين يُفصل وقَصص حين يقصى وبرهان - حين يحتج وقياس حين يقايس، - وأنه ما هو عاطفة شاعر ولا وصف كاتب ولا حكاية مؤرخ ولا حيلة قاصٍّ روائي، ولا هو بعلم على قياس فكر طه حسين مدرس الجامعة المصرية. . . لقد تناولت الآن هذا الكتاب الكريم عندما انتهيت في الكتابة إلى هذه الكلمة وسألت الله أن يخرج لي آية تشير إلى طه حسين وغروره وحماقته وتخاليطه، ثم فتحته على هذه النية فوالله لقد خرج قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ (٤) . ويا أسفاً ثم يا أسفاً - ثلاث مرات، كما يقول الفرنسيون - لو فهم طه ما في قوله: (زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ) إذن لأكل نصف أصابعه عضاً من الندم! القرآن يا شيخ الجامعة يقارع أدياناً فهو يذكرها ويصفها ويحتج عليها. فماذا يقارع الشعر الجاهلي ليذكر الأديان والشعور الديني القوي؛ وهذا على أنك لم تحط بهذا الشعر ولا بأكثره ولا بكثيره، وعلى أن ما انتهى إليك في الكتب إنما هو ما اختاره الرواة والعلماء للغة والفن والصناعة، لا للتاريخ ولا للبحث التاريخي ولا "لتشخيص" عصر من العصور، ولو هُم أرادوا ذلك وفطنوا له لجاءتك كتب وافرة مصنفة وتاريخ تام محفوظ ولكنهم أهملوا من أمر الشعر في اتصاله بالتاريخ وأسبابه ومعانيه مثل الذين أهملوا في ذلك من أمر اللغة، كما كانت تقتضيه طبيعة عصرهم وعلومهم. أفليس الحمل على هذا المعنى أقربَ إلى العقل من ذلك الهذيان؟


وفي ص ٢٠ من كتاب طه حسين ترى الجهل المركب تركيباً مزجيا كبعلبك ومعديكرب. . . فهو يزعم أن القرآن يمثل للعرب حياة عقلية توية في الجدال الديني والفلسفي، لأنه وصفهم بشدة الخصام. قال: "وفيم كانوا يجادلون ويخاصمون ويحاورون؛ في الدين وفيما يتصل بالدين من هذه المسائل المعضلة التي ينفق الفلاسفة. . . فيها حياتهم "

صفهم بشدة الخصام. قال: "وفيم كانوا يجادلون ويخاصمون ويحاورون؛ في الدين وفيما يتصل بالدين من هذه المسائل المعضلة التي ينفق الفلاسفة. . . فيها حياتهم " فيا فضيحة الجامعة المصرية في جامعات الأمم! ألا يتفضل أستاذها على الأدب والتاريخ فيذكر لنا مجلساً واحداً من هذه المجالس العربية الفلسفية وما دار فيه من البحث والتحقيق والجدل والخصام والمحاورة في معضلات الفلاسفة التي ينفقون فيها حياتهم، لنصدق أن معنى اللَّدد والخصام الواردين في القرآن صفة للعرب إنما هو الحوار في

مسائل الدين والجدال في معضلات الفلسفة؛ أمِن حُججهم الفلسفية كانت تلك الحجارةُ التي نص التاريخ على أنهم كانوا يقذفون بها النبي ﷺ حتى يُلجئوه إلى الحائط، وذلك الترابُ الذي كانوا ينثرونه على رأسه؟ أم قولهم: شاعر وساحر وكذاب ومجنون، ونحوها مما يدخل في باب الحمق والسفاهة والاستهزاء؟ ومتى كانت هذه من صفات الفلاسفة يا شيخ الجامعة؟ أم كان من حججهم الفلسفية حين عرض نفسه على قبائل العرب يدعوهم إلى الإسلام ويتلو عليهم القرآن أن أتبعوه عمه عبدَ العُزى يقول من ورائه: "يا أيها الناس لا تسمعوا منه فإنه كذاب" أو كانت مجالسهم العلمية والدينية والفلسفية حين كان ﷺ يجلس فيدعو الناس ويتلو عليهم القرآن ثم يقوم فيأتي عالمهم ومتكلمهم النضر بن الحارث فيخلفه في مجلسه ويقص على الناس من أخبار ملوك فارس ويقول: والله ما محمد بأحسنَ حديثاً مني، وما حديثه إلا أساطير الأولين اكتتبها كما اكتتبتُها!.. إن معنى الخصام واللدد أنهم سفهاء أهل تكذيب وعناد ومكابرة وتأبٍّ على من يريد هدايتهم وإرشادهم، لا يمكن صرفهم عن رأي يكون فيه الهوى، كما لا يمكن مثل ذلك في الجاهل الأحمق المصر المبتلى بالاستهتار والشك. فإن أصل الألد في اللغة الشديد اللدد أي صفحة العنق، فلا يلوي عنقه في

ن فيه الهوى، كما لا يمكن مثل ذلك في الجاهل الأحمق المصر المبتلى بالاستهتار والشك. فإن أصل الألد في اللغة الشديد اللدد أي صفحة العنق، فلا يلوي عنقه في الصراع، وذلك من أكبر الأدلة على وثاقة تركيبه الجسماني فإن عنق المصارع ثُلث المصارع، ولقد كانت هذه الطباع الجاهلة الحمقاء المكابرة من أوضح الأدلة على إعجاز القرآن، لأنه مع إصرارها بلغ منها، ومع عنادها أثر فيها ببلاغته، فلو كانوا كما زعم طه " أصحاب علم وذكاء وأصحاب عواطف رقيقة وعيش فيه لين ونعمة" لما كانت هدايتهم شيئاً يذكر في باب المعجزة. أولسنا نرى اليوم في الأمم المتحضرة الرقيقة ذات النغمة الفاشية من ينقادون أسهل انقياد وأسرعه لكل ذي مذهب، حتى لعبادة الشيطان في أمريكا بلاد كل شيء ذهبي. . .؟ وكيف يكونون "أصحاب عيش فيه لين ونعمة " وهم أنفسهم حين اجتمع أشرافهم من قبائل قريش ليكلموا النبي ﷺ ويخاصموه حتى يعذروا فيه قالوا له فيما قالوا: "قد علمتَ أنه ليس أحد من الناس أضيقَ يداً ولا أقل ماء ولا أشد عيشاً منا" ولما نزل قوله تعالى: (ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (٨) . قال الزبير بن العوام عن أي النعيم نسأل يا رسول الله؟ إنما هما الأسودان - التمر والماء

فقال ﷺ: أما إنه سيكون فيا سبحان الله! جهل بالأدب وجهل بالتاريخ وجهل باللغة وجهل بالشعر ثم يكون من هذا كله علم الجامعة المصرية! والطامة الكبرى في صفحة ٢٢ إذ يزعم الأستاذ أن وجود سورة في القرآن تسمى سورة الروم دليل على أن العرب لم يكونوا في عزلة سياسية بل هم أصحاب سياسة متصلة بالسياسة العامة، وقد أخذت ذلك من قوله تعالى: (الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣) فِي بِضْعِ سِنِينَ) . كأنه يعني أن هدْا التاريخ كان معروفاً في أهل السياسة من العرب وفي وزارة خارجية قريش. . . فأخذه القرآن عنهم كما زعم الرجل في إبراهيم وإسماعيل، وغفل أستاذ الجامعة الذي لا يفهم عن قوله تعالى: (وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ) فلم يدر أن هذا إنباء بالغيب يدخل في باب المعجزة لا في باب التاريخ ولا في باب السياسة. فذِكر الروم في القرآن وما يجري مجراها في قصص الأمم إعجاز من النبي الأمي في هذه الأمة الأمية، فهو بذلك دليل على جهل تلك الأمة وبدأوتها لا - على علمها وحضارتها، ولن يكون القرآن - دليلاً - على علم العرب وحضارتهم ومعرفتهم بالتاريخ واتصالهم بالسياسة كما يقرر طه حسين في الجامعة إلا إذا كان القرآن كلام النبي الذي جاء به لم يكن وحياً ولا تنزيلاً، فلتنظر الجامعة أين يذهب أستاذها الخبيث في قوله في ص ٢٣ "وكيف يستطيع رجل عاقل أن يصدق أن القرآن قد ظهر في أمة جاهلة همجية" وهل نصدق طه فيما يستنتج بفكره العقيم من أن العرب كانوا أمة متحضرة راقية "وكانوا أصحاب علم ودين وسياسة متصلة بالسياسة العامة" أو نصدق النبى ﷺ في قوله: "إنا أمة أمية لا نحسُبُ ولا نكتب " ومن أين

لعرب كانوا أمة متحضرة راقية "وكانوا أصحاب علم ودين وسياسة متصلة بالسياسة العامة" أو نصدق النبى ﷺ في قوله: "إنا أمة أمية لا نحسُبُ ولا نكتب " ومن أين

تجيء الحضارة ويأتي العلم وتستقيم السياسة مع جهل (الأمة) بالكتابة والحساب؟ إن طه حسين هذا مجموعة أخلاق مضطربة وأفكار متناقضة وطباع زائغة. وما من عالم في الأرض إلا وأنت واجد آراءه قائمة بمجموع أخلاقه أكثر مما هي آتية من صفاته العقلية، ولذلك قال رسول الله ﷺ في الحديث الصحيح: "إن أخوف ما أخاف على أمتي كل منافق عليم اللسان" وطه رجل أرسلوا لسانه وقلبه إلى أوروبا، فرجع بلسانه وترك قلبه هناك في خرائب روما. . . فيجب أن يكون نفاقه وثرثرته مقصورين على نفسه، ويجب أن تحمي الجامعة طلبتها منها، ويجب أن ينهض علماؤنا في إلزام ١ هذه الجامعة أن تعلن براءتها من آراء أستاذها حتى لا يزيغ به أحد فتبقى قيمته وقيمة آرائه كما هو في نفسه وأهوِن به، لا كما هو بالجامعة وأعْظِم بها. وإذا كان عميد كلية الآداب لا يحسن من العربية شيئاً ولا يفقه من هذه المباحث شيئاً ولا هو من دين الأمة فى شيء فماذا نقول في الأستاذ الأديب الذكي البليغ مدير الجامعة الذي اسمه: أحْمد (١) .

العربية شيئاً ولا يفقه من هذه المباحث شيئاً ولا هو من دين الأمة فى شيء فماذا نقول في الأستاذ الأديب الذكي البليغ مدير الجامعة الذي اسمه: أحْمد (١) .

للتاريخ بعد نشر المقالة التي سلفت نهض العلماء في جميع المعاهد الدينية، في أسيوط وإسكندرية وطنطا ودمياط والزقازيق والقاهرة فحققوا إلحاد أستاذ الجامعة وجهله وخطله، ثم أرسلوا البرقيات إلى جلالة ملك مصر ورئاسة وزرائها ووزارة المعارف ونبهوا الأمة جمعاء، فخفق البرق من كل جهات القطر بالاحتجاج على أستاذ الجامعة، وأصبح الرجل ملعَنةَ هذه الأمة بأديانها الثلاثة: الإسلام، والنصرانية، واليهودية. وإليك ما كتبه أحد علماء الأزهر ونشرته الصحف، وهو يصف ما كان من الأزهر الشريف وحده دون سائر المعاهد التي أشرنا إليها آنفاً، قال: العلماء يطاردون الإلحاد أهم علماء الأزهر الشريف طلائع تلك الحملة المدبرة ضد الأديان السماوية التي في مقدمتها كتاب "في الشعر الجاهلي " تأليف طه حسين، فرأوا بعد أن جودل بالحجة والبرهان فلم يخضع لسلطانها وأظهر عناداً وإصراراً على الخروج والإلحاد، أن يرفعوا الأمر إلى جلالة الملك وحكومته المسؤولة عن حماية دينها الرسمي، قياماً بما يقضي به واجبهم نحو الدين الذي هم ممثلوه ودعاته، فاجتمع منهم زهاء مائتي عالم بسكرتارية المعاهد الدينية، ومن هناك يمموا "قصر عابدين " يتقدمهم فضيلة أستاذهم الأكبر شيخ الجامع الأزهر وهيئة كبار العلماء، حيث قابلوا صاحب الدولة توفيق باشا نسيم وبسطوا له شيئاً من المطاعن التي وردت في ذلك الكتاب، فأبدى عظيم استيائه لهذا التبجح. وأعلن دولته تضامنه مع العلماء في حفظ بيضة الدين والذود عن حياضه. فخرجوا شاكرين لدولته هذه الروح العالية والنزعة النبيلة. وقصدوا تواً إلى صاحب الدولة زيور باشا رئيس الوزراء بوزارة الخارجية. وهناك اجتمعوا بدولته وصاحبي المعالي وزيري الخارجية والمعارف مجتمعين. فشرحوا لدولته ومعاليهما كذلك بعض ما في هذا المؤلف من كفر وإلحاد. فعظم عليهم الأمر وأكبروه جد إكبار من شخص مسلم من أبوين مسلمين في أمة

متمدينة يطعم ويكسى من أموالها ويحسب في عداد أبنائها وهو أقبح أثراً وأكبر إجراماً من أعدائها. وأعلنوا مجتمعين اتخاذ الوسائل الحاسمة في القريب العاجل، فحمد العماء لهم هذه الهمة العالية والعناية الجليلة التي ستعقد لسان الأديان السماوية وجميع معتنقيها على حمدهم والثناء عليهم، ويستوجبون بها عند الله عظيم المثوبة وجزيل الأجر (إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ) ولقد عاد العلماء من هذا التطواف ممتلئين ثقة وإيماناً بأن حضرة صاحب الجلالة نصير الدين والعلم، وحكومته الرشيدة، سيضعان الحد الفاصل والسد المنيع والعلاج الناجح لهذه الأوباء الفتاكة التي هي أولى بالمطاردة والإفناء من الجراثيم المعدية. حفظ الله دينه ورعى بعنايته جلالة مليكنا المعظم وولي عهده المحبوب. إنه سميع الدعاء. عبد ربه مفتاح من علماء الأزهر وكان الأستاذ الأكبر شيخ الجامع الأزهر قد أمر، فتألفت لجنة من العلماء لدرس كتاب طه حسين ورفع تقرير بما فيه، فرفعت إلى فضيلته هذا التقرير الذي ترى نسخته، ثم نشرته في الصحف. وهو: كتاب الشعر الجاهلي، ورأي لجنة العلماء فيه.

درس كتاب طه حسين ورفع تقرير بما فيه، فرفعت إلى فضيلته هذا التقرير الذي ترى نسخته، ثم نشرته في الصحف. وهو: كتاب الشعر الجاهلي، ورأي لجنة العلماء فيه.

كتاب الشعر الجاهلي رأي لجنة العلماء فيه حضرة صاحب الفضيلة مولانا الأستاذ الأكبر شيخ الجامع الأزهر. السلام عليكم ورحمة الله: وبعد، فقد اجتمعت اللجنة المؤلفة بأمر فضيلتكم من الموقعين عليه لفحص كتاب طه حسين المسمى "في الشعر الجاهلي" بمناسبة ما قيل عنه من تكذيب القرآن الكريم، واطلعت على الكتاب، وهذا ما نرفعه إلى فضيلتكم عنه بعد فحصه واستقراء ما فيه: يقع الكتاب في ١٨٣ صفحة، وموضوعه إنكار الشعر الجاهلي وأنه منتحل بعد الإسلام لأسباب زعمها - وقال إنه بنى بحثه على التجرد من كل شيء حتى من دينه وقوميته عملاً بمذهب " ديكارت" الفرنسي. والكتاب كله مملوء بروح الإلحاد والزندقة، وفيه مغامز عديدة ضد الدين مبثوثة فيه لا يجوز بحال أن تلقى إلى تلامذة لم يكن عندهم من المعلومات الدينية ما يتقون به هذا التضليل المفسد لعقائدهم والموجب للخلاف والشقاق في الأمة وإثارة فتنة عنيفة دينية ضد دين الدولة ودين الأمة. وترى اللجنة أنه إذا لم تكافح هذه الروح الإلحادية في التعليم ويقتلع هذا الشر من أصله وتطهر دور التعليم من (اللادينية) التي يعمل بعض الأفراد على نشرها بتدبير وإحكام تحت ستار حرية الرأي، اختل النظام وفشت الفوضى واضطرب حبل الأمن لأن الدين هو أساس الطمأنينة والنظام. الكتاب وضع في ظاهره لإنكار الشعر الجاهلي، ولكن المتأمل قليلاً يجده دعامة من دعائم الكفر ومعولاً لهدم الأديان، وكأنه ما وضع إلا ليأتي عليها من أصولها، وبخاصة الدين الإسلامي، فإنه تذرع بهذا البحث إلى إنكار أصل كبير من أصول اللغة العربية من الشعر والنثر قبل الإسلام مما يرجع إليه فى فهم القرآن والحديث، هذا ما يرمى إليه الكتاب فى جملته،

ذا البحث إلى إنكار أصل كبير من أصول اللغة العربية من الشعر والنثر قبل الإسلام مما يرجع إليه فى فهم القرآن والحديث، هذا ما يرمى إليه الكتاب فى جملته،

ولنذكر نبذاً منه بعضها كفر صريح وبعضها يرمي إلى الإلحاد والزندقة فنقول: قال في صفحة ٢٦ ما نصه: "للتوراة أن تحدثنا عن إبراهيم وإسماعيل. وللقرآن أن يحدثنا عنهما أيضاً، ولكن ورود هذين الاسمين في التوراة والقرآن لا يكفي لإثبات وجودهما التاريخي، فضلاً عن إثبات هذه القصة التي تحدثنا بهجرة إسماعيل بن إبراهيم إلى مكة". أنكر المؤلف بهذا هجرة سيدنا إبراهيم مع ولده إسماعيل ﵉ وقال إن ورود هذين الاسمين في التوراة والقرآن لا يكفي لإثبات وجودهما التاريخي، وهو تكذيب صريح لقول الله تعالى في سورة إبراهيم حكاية عنه ﵊ (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ (٣٥) رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٦) رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ (٣٧) . وقال في الصفحة نفسها "نحن مضطرون إلى أن نرى في هذه القصة - يريد قصة الهجرة - نوعاً من الحيلة لإثبات الصلة بين اليهود والعرب من جهة، وبين الإسلام واليهودية، والقرآن والتوراة من جهة أخرى". وهو في هذا النص يصرح بأن القرآن اختلق هذه الصلة بين إسماعيل والعرب ليحتال على جلب اليهود وتأليفهم، ولينسب العرب إلى أصل ماجد زوراً وبهتاناً لأسباب سياسية أو دينية. وهذا من منتهى الفجور والفحش والطعن على القرآن الكريم في إثباته أبوة إبراهيم للعرب في قوله تعالى: (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ) الآية. وقال في صفحة ٢٧ "وقد كانت قريش مستعدة كل الاستعداد لقبول مثل

(وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ) الآية. وقال في صفحة ٢٧ "وقد كانت قريش مستعدة كل الاستعداد لقبول مثل هذه الأسطورة - الهجرة المذكورة - في القرن السابع للمسيح. . . إلى أن قال في صفحة ٢٩ "إذاً فليس ما يمنع قريشاً من أن تقبل هذه الأسطورة التي - تفيد أن الكعبة من تأسيس إسماعيل وإبراهيم، كما قبلت روما قبل ذلك ولأسباب مشابهة أسطورة أخرى صنعتها لها اليونان تثبت أن روما متصلة بإينياس بن بريام صاحب طروادة، أمر هذه القصة إذاً واضح. فهي حديثة العهد قبيل الإسلام، واستغلها الإسلام لسبب ديني، وقبلتها مكة لسبب ديني وسياسي أيضاً، وإذاً فيستطيع التاريخ الأدبى واللغوي ألا يحفل بها عندما يريد أن يتعرف أصل اللغة العربية الفصحى"

وهو تكذيب صريح لقول الله تعالى: (وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ) الآية سورة البقرة، ولقوله تعالى: (وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (٢٦) وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (٢٧) . وقوله تعالى: (وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (١٢٥) . إلى غير ذلك من الآيات التي في هذا الموضوع، وهو فوق تكذيبه للقرآن، يقول إن فيه تدليساً واحتيالاً لأسباب سياسية ودينية من أجلها اختلق هذه الأخبار - بهذا وأمثاله يقرر المؤلف أن القرآن لا يوثق بأخباره ولا بما فيه من التاريخ. وكم يترك هذا الكفر الفاحش في عقول الطلبة من أثر سيئ وهدم لعقائدهم ودينهم وماذا بقي في القرآن من ثقة وحرمة في نفوسهم بعد هذا التكذيب؟ وقال في صفحة "٣٣ وهناك شيء بعيد الأثر لو أن لدينا أو لدى غيرنا من الوقت ما يمكننا من استقصائه أو تفصيل القول فيه، وهو أن القرآن الذي تُلي بلغة واحدة ولهجة واحدة هي لغة قريش ولهجتها لم يكد يتناوله القراء من القبائل المختلفة حتى كثرت قراءاته وتعددت اللهجات فيه، وتباينت تبايناً كثيراً. . . إلى أن قال: إنما نشير إلى اختلاف آخر في القراءات يقبله العقل ويسيغه النقل وتقتضيه ضرورة اختلاف اللهجات بين قبائل العرب التي لم تستطع أن تغير حناجرها وألسنتها وشفاهها لتقرأ القرآن كما يتلوه النبي وعشيرته من قريش، فقرأته كما كانت تتكلم" إلى آخر ما قال. وهذا تصريح منه بأن القراءات لم تكن منقولة كلها عن النبي ﷺ بل هي من اختلاف لهجات القبائل، فالسبع المتواترة ليست عنده واردة عن النبي ﷺ. ومعلوم في أصول الدين أن السبع متواترة وأن طريقها الوحي فمنكرها كافر. وعدا ما سردناه توجد صحائف عديدة فيها مغامز مؤلمة، منها ما قاله في

دة عن النبي ﷺ. ومعلوم في أصول الدين أن السبع متواترة وأن طريقها الوحي فمنكرها كافر. وعدا ما سردناه توجد صحائف عديدة فيها مغامز مؤلمة، منها ما قاله في صفحة ٨١، وشاعت في العرب أثناء ظهور الإسلام وبعده فكرة أن الإسلام يجدد دين إبراهيم. وفي الصفحة التي قبلها "أما المسلمون فقد أرادوا أن يثبتوا للإسلام أولية في بلاد العرب كانت قبل أن يبعث النبي، وأن خلاصة الدين الإسلامي وصفوته هي خلاصة الدين الحق الذي أوحاه الله إلى الأنبياء من قبل" وهو في هذا يكذب قوله تعالى (ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٣) .

وقوله تعالى: (إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا) إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة في هذا الموضوع، ومنها غير ذلك كثيراً مما هو مبثوث في الكتاب. ولا ريب في أن هذا هو عين ما يطعن به المشركون على القرآن في مبدأ أمره، قال تعالى في سورة الفرقان (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا (٤) وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٥) . فاللجنة ترفع إلى فضيلتكم ما وصلت إليه على سرعة من الوقت مما سطره المؤلف من الكفر الصريح، وتترك ما ينطوي في ثناياه من الإلحاد والزندقة مما لا يخفى على الناظر. نرفعه مطالبين فضيلتكم والحكومة بوضع حدٍّ لهذه الفوضى الإلحادية. خصوصاً التي تنبت في التعليم لهدم الدين بمعول الزندقة كل يوم، فما نفرغ من حادثة إلا ونستقبل حوادث لا تدع المؤمن مطمئناً على دينه. نطالب فضيلتكم والحكومة بذلك حرصاً على أبناء الدولة أن يتفشى هذا الداء فيهم، وهم رجال المستقبل وسيكون بيدهم الحل والعقد في مهام الأمور. ونحن لا نفهم كيف تُصرف أموال المسلمين وأوقافهم على تعليم نتيجة هذا الإلحاد الذي يبثه الداعي ويتقاضى عليه مرتباً ضخماً من هذه الأموال. وهل بهذه الطريقة وعلى هذا النحو تخدم وزارة المعارف أبناء الأمة

على تعليم نتيجة هذا الإلحاد الذي يبثه الداعي ويتقاضى عليه مرتباً ضخماً من هذه الأموال. وهل بهذه الطريقة وعلى هذا النحو تخدم وزارة المعارف أبناء الأمة ورجال الغد وتبني صرح التعليم والتربية؟.. نسأل الله أن يوفقكم لما فيه المصلحة والسلام. ٢٦ شوال سنة ١٣٤٤ الإمضاءات محمود الديناري. عبد المعطي الشرشيمي. محمد عبد السلام القباني. عبد ربه مفتاح، عبد الحكم عطا. محمد هلالي الأبياري. عبد الرحمن المحلاوي. محمد علي سلامة.


قلنا فما كان بعد ذلك إلا أن خنَس أستاذ الجامعة وذهبت كل شجاعته الأدبية فى رغيف من الخبز. . . وأصبح دينه بين عقله وبطنه، فجعل له خوف

الجوع ديناً، وخشي أن يخرجوه من الجامعة فرفع هذا الكتاب إلى مديرها لينشره على الأمة، قال: حضرة صاحب العزة الأستاذ الجليل مدير الجامعة المصرية أتشرف بأن أرفع إلى عزتكم ما يأتي: كثر اللغط حول الكتاب الذي أصدرته منذ حين باسم: " في الشعر الجاهلي " وقيل إني تعمدت فيه إهانة الدين والخروج عليه، وإني أعلِّم الإلحاد في الجامعة؛ وأنا أؤكد لعزتكم أني لم أرد إهانة الدين ولم أخرج عليه، وما كان لي أن أفعل ذلك وأنا مسلم أؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وأنا الذي جاهد ما استطاع في تقوية التعليم الديني في وزارة المعارف حين كففت العمل في لجنة هذا التعليم، ويشهد بذلك معالي وزير المعارف وأعوانه الذين شاركوني في هذا العمل، وأؤكد لعزتكم أن دروسي في الجامعة خلت خلواً تاماً من التعرض للديانات، لأني أعرف أن الجامعة لم تنشأ لمثل هذا. وأنا أرجو أن تتفضلوا فتبلغوا هذا البيان من تشاؤون وتنشروه حيث تشاؤون وأن تقبلوا تحياتي الخالصة وإجلالي العظيم. طه حسين فكتبنا المقالة الآتية: فلما أدركه الغرق. . .

فلما أدركه الغرق . . . عندي نسخة من كتاب " كليلة ودمنة " ليس مثلها عند أحد، ما شئتُ من مَثل إلا وجدته فيها، وقد رجعت إليها اليوم. (١٣ مايو سنهَ ١٩٢٦) فأصبت فيها هذه الحكاية. قال كليلة: أما تضرب لي المثل الذي قلتَ يا دمنة؟ قال دمنة: زعموا أن سمكة في قدر ذراع كانت في غدير، فلما سال به السيلُ جرى بها الماء إلى نهر قريب، فدخلها الغرور فقالت: هذا لعمري ميراث أبي قد كنت عنه غافلة، وما أكثر ما يضيع التهاون والعجز! ثم إنها لبثت في النهر ما شاء الله حتى خرج بها التيار إلى البحر، فقالت: يا ويلتا، أعجزت كل هذا العمر عن ميراث أعمامي! . . . ثم ما زالت فىِ ميراث أعمامها حتى قذف بها الماء إلى المحيط

له حتى خرج بها التيار إلى البحر، فقالت: يا ويلتا، أعجزت كل هذا العمر عن ميراث أعمامي! . . . ثم ما زالت فىِ ميراث أعمامها حتى قذف بها الماء إلى المحيط فاتسع لها منه ما يسعها. . . فقالت: قبَّح الله العجز ولو من كسل وهُوَينا، لقد كدت أسلَبُ ميراث أجدادي! . . . لولا أن من دمهم فيّ لم يزل يدفعني ولم يزل يسمو بي. ثم إنها طفت يوماً على الماء فإذا الأسطول الإنجليزي يمخر العُباب إلى جبل طارق في عشر بوارج وعشرين مدرعة ومائة سفينة طوربيد وخمسين غواصة، فطار بها الغيط قِطعاً وقالت: مَن هذا الوقح المتهجم على ميراث أجدادي لا يخشى أن يقتحم علي وقد حميتُ هذا الملك من حيث يجري الماء إلى حيث يبلغ الماء؛ ثم إنها شدت نحو الأسطول وهي تخبط بذنبها من الغيظ تريد أن تضربه بهذا الذنب ضربة تلوي به، ولكن الأسطول كان بعيداً، ثم إنه كان سريعاً، ففاتها فقالت: أولى لك، ما نجا بك والله إلا حِدة الهرب وسرعة الفرار. قال دمنة: ثم اضطجعت على الماء تسكن من غضبها فنامت واسترخت. فمر بها زورق صيد، فما أحست إلا الشبكة وقد أخذتها، فغاصت في الماء وجعلت تختبط عالية سافلة لا ترى مذهباً ولا مفرًّا، فلما أعياها ذلك وبلغ منها

استرخت. فمر بها زورق صيد، فما أحست إلا الشبكة وقد أخذتها، فغاصت في الماء وجعلت تختبط عالية سافلة لا ترى مذهباً ولا مفرًّا، فلما أعياها ذلك وبلغ منها

الجهد قالت: أيتها الشبكة، دعيني، فوالله ما قلت إن المحيط ميراث أجدادي ولا البحر ميراث أعمامي ولا النهر ميراث أبي! قال كليلة: فمثلُ مَن هذا يا دمنة؟ قال: مثل طه حسين في كتابه لمدير الجامعة. . .


قرأت اليوم هذا الكتاب وفيه يقول طه: "أؤكد لعزتكم أني لم أرِد إهانة الدين ولم أخرج عليه، وما كان لي أن أفعل ذلك وأنا مسلم أؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر. . . وأرجو أن تتفضلوا فتبلغوا هذا البيان من تشاؤون وتنشروه حيث تشاؤون ". ونحن فقد أصبحنا من أتباع مذهب ديكارت، فوالله ما نصدق طه حسين ولا سمكة دمنة حتى نبحث متجردين من كل عاطفة. فليبحث معنا القراء: ١ - الكتاب مؤرخ ١٢ مايو، فأين كان طه منذ اتهم بالإلحاد من كاتب واحد ثم من علماء أسيوط ثم الإسكندرية ثم دمياط ثم الزقازيق ثم طنطا ثم الأزهر ثم الأمة كلها ثم الحكومة! أيقبل هذا كله على نفسه إلا متعنت كل التعنت مُصِرٌّ أشد الإصرار معاند بغاية العناد؟ ٢ - ألم يصرح في منهج البحث من كتابه أنه تجرد من دينه لهذا البحث وأوجب ذلك على الأدباء، وقال في صفحة ٤٥: إن عقليته اصطبغت بالصبغة الغربية، وفي صفحة ٤٦: إنه خلص شخصيته من الأوهام والأساطير وإن سخط الناس على كتابه "لن يقلل من تأثيره في هذا الجيل الناشئ، فهذا سخط الناس على كتابه فما باله اليوم؟ وهل العقلية الغربية الباحثة على مذهب ديكارت متجردة من الدين ومن العواطف تعقل الوحي وتقرُّ به؟ ٣ - هل يجد القراء في كتابه لمدير الجامعة أنه رجع عن إلحاده وتبراً من آرائه في كتاب الشعر الجاهلي من نسبة الخرافة إلى القرآن وتكذيب النبي ﷺ والتهكم به وبحديثه الخ الخ؟ أم كان أمره كما حكى الله عن فرعون (حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ) ؟ ٤ - ما الغرض من الكتابة لمدير الجامعة؟ أكان الأستاذ المدير يجهل

Bagian 4 dari 10