— Bagian 5 · أم كان أمره كما حكى الله عن فرعون (حَتَّى إِذَا … —
Bagian 5
أم كان أمره كما حكى الله عن فرعون (حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ) ؟ ٤ - ما الغرض من الكتابة لمدير الجامعة؟ أكان الأستاذ المدير يجهل منهج الدراسة في كلية الآداب إلى هذا التاريخ؟ أم كان لا يعرف أن كتاب الشعر الجاهلي منسوب إلى أستاذ الجامعة وأن اسم الجامعة مطبوع في عنوائه؟
أم كان لا يقرأ في الصفحة الأولى منه أن طه (تحدث بهذا البحث إلى طلابه في ْالجامعة وهم أكثر من مائتين" وأنه مصرٌّ على بحثه مكابر فيه " غير حافل بسخط الساخط ولا مكترث بازورار المزوَر"؟ ٥ - ألا تنطق عبارة الكتاب أنه ما كُتب إلا لغرضين: أولهما أن "تبلغه" الجامعة الحكومة كأنه حل حاسم للمشكلة معها؛ والثاني أن "تنشره" الجامعة في الصحف كأنه حل لمشكلتها مع الأمة. فهل مع مثل هذين الغرضين يكون للنية السليمة موضع أو للإيمان محل في هذا الكتاب؟ ٦ - كيف يصدق طه في أنه لم يُرِد إهانة الدين والإهانة في كتابه، وكتابه لا يزال يباع ولا يزال الرجل مصرًّا عليه لم يتبرأ منه ولا تبرأت الجامعة. وما وردت تلك الإهانة في كتابه إلا ليجعلها برهاناً على نظريته في أن العرب العدنانية لم تتخذ لغة إسماعيل التي ورد في شأنها الحديث الشريف والتي هي أساس لغة القرآن، فإذا لم يتبرأ من هذا الرأي ويعلن أنه رجع عنه وكانت الإهانة هي البرهان الوحيد على هذا الرأي فكيف يقول إنه لم يرِدها؟ ٧ - هل يظن طه أن الأمة وعلماءها وأدباءها من البلاهة والغفلة بحيث يقنعهم هذا العذر البارد، عذر ١٢ مايو؟ هذه سبعة اعتراضات لابد من ردها قبل أن نصدق سمكة دمنة!
ظن طه أن الأمة وعلماءها وأدباءها من البلاهة والغفلة بحيث يقنعهم هذا العذر البارد، عذر ١٢ مايو؟ هذه سبعة اعتراضات لابد من ردها قبل أن نصدق سمكة دمنة!
موقف حرج لوزارة المعارف قبل أن نكتب كلمتنا اليوم نسوق حرفين إلى معالي وزير المعارف، فإن معاليه رجل عالم ذكي، بل نابغة في ذكائه وحدة خاطره؛ لا تخطئ الفراسة أن تعرف منه رجلاً أي رجل، وهو خير من يعلم أن لكل فن منهجاً ولكل علم طريقة؛ وأن نادرة الأذكياء في الطب وعالم الدنيا فيه لو هو سمت به همته ونازعته نفسه لأن يطاول أهل القانون ويفسر لهم ويبصرهم بعلومهم ودقائق علومهم لجعلوه سخرية بينهم، ولتناولوه من ألسنتهم بما يُلقي في أعصابه كلل آلاف المرضى في مستشفى طويل عريض كمستشفى المجاذيب. . . والأستاذ طه حسين مدرس الآداب في الجامعة لا يمكن أن يعرفه معالي الوزير في هذا الفن الأدبي معرفة ذات نسب بينهما، كمعرفته أستاذ القانون الجنائي مثلاً، أو معرفة التشريح لأستاذ الأمراض العصبية، أو مثل ذلك لمثل ذلك، بل معرفة عامة غير محدودة بصفات مشتركة ولا متميزة بخصائص متشابهة، بل معرفة أوسع وأشمل كمعرفة كل من يقرأ لكل من يكتب؛ فلا ريب عندنا أن معالي الوزير يكون معنا فيما نقرره من وجوب نقد طه وتمحيص آرائه وبيان أغاليطه وفيما نوجهه إلى الجامعة من ذلك، وليس هذا بحكم منصبه فقط، بل بحكم ذكائه وعلمه أيضاً، ثم بحكم إخلاصه لأمانة العلم فوق ذلك كله، لا يمكن غير هذا ولا نصدق غير هذا إلا إذا اعتبرت الجامعة المصرية ملجأ أو في حكم ملجأ للدكتور طه حسين، فذاك شيء آخر، والرجل بحيث ترى إن لم تَعُرَّه الجامعة عَرَّها. والآن يا معالي الوزير الكبير قد تناولك كتاب الأستاذ طه فحصرك في موضع أحكم شدَّ ثلاث من جهاته الأربع بحيث لا رجعة ولا تحول وليس إلا المضى بعزيمة لا تنفع فيها الهوينا وحزم فرغت كل الحيل منه وفرغ منها؛ ذلك أن وزارة المعارف تدرس هذا العلم الذي يسمى آداب اللغة في مدارسها الثانوية ومدرسة دار العلوم والقضاء الشرعي، وقد جاءت المدرسة الكبرى التي تسمى الجامعة فسفه أستاذها كل هذه المدارس ونفى ما يعلَّم فيها من ذلك الفن
سها الثانوية ومدرسة دار العلوم والقضاء الشرعي، وقد جاءت المدرسة الكبرى التي تسمى الجامعة فسفه أستاذها كل هذه المدارس ونفى ما يعلَّم فيها من ذلك الفن
وأفسده وقال بخطئه من أصوله إلى فروعه، فما يسمَّى في تلك المدارس شعر امرئ القيس وعَبيد وطرفة وعمرو بن كلثوم وغيرهم تسميه الجامعة كذباً وتدليساً وخرافة، وما يقال له هناك إعجاز القرآن يوصف في الجامعة بأنه خرافات وأكاذيب الأعراب واستغلال ديني أو سياسي وهكذا. . . فوزارة المعارف بين اثنتين لا بد من إحداهما ولا تستطيع كل قوانين الطبيعة أن توجد لهما ثالثة: فإما أن تعلن الوزارة أن هذه الكتب التي تدرس في مدارسها خطأ محض ليست لها ولا لأساتذتها قيمة، ثم تصحح علم طلبتها، ثم تنشر ذلك في كل الصحف ليعلمه من ضلُّوا بهذه الوزارة وبعلومها قديماً وهم لا يُحصون كثرة؛ وإما أن تعلن أن كتاب الجامعة المصرية سخيف وأن أستاذها قد ذل وضل وقل، فأما أن يكون نصف العلم يكذب نصفه في وزارة واحدة بحيث يجيء الأعلى نقضاً على الأسفل فهذا ما لا نكاد نعقله، وهو إذا استمر كان صريحاً في الدلالة على أن وزارة المعارف المصرية ليست لها قيمة ولا ثقة بها ولا بمدارسها ولا أمانة فيها للعلم (١) ؛ ثم نرجو أن لا تنسى الوزارة - إذا صح عندها كتاب طه حسين فأمرت بتصحيح العلم والتاريخ - لا تنسى أن تأمر وزارة الأوقاف يومئذ بإنارة مآذن جامع القلعة.. ليعلم الأزهر الشريف أن ما أقيمت عليه علوم العربية واللغة والبلاغة والتفسير من الشواهد الكثيرة المنسوبة إلى شعراء الجاهلية، وأن القرآن وبلاغته وإعجازه وأخباره، كل ذلك يجب الصوم عنه منذ اليوم، لأن أستاذ الجامعة أثبت لوزارة المعارف أنه رأى "هلال "الشك ". . . الوزارة موسومة الآن في العالم العربي كله بالنقص والخطأ في إحدى
الصوم عنه منذ اليوم، لأن أستاذ الجامعة أثبت لوزارة المعارف أنه رأى "هلال "الشك ". . . الوزارة موسومة الآن في العالم العربي كله بالنقص والخطأ في إحدى جهتيها، ما يرتاب في ذلك أحد؛ ولسنا نكره أن يكون الأستاذ طه حسين نادرة المشرق وفخر العربية، ولكنا نكره أن يكون فضيحة مصر، وأن يجعل الجامعة المصرية معرضاً للسخرية بهذه الدروس التي نقول من ناحيتنا إنها حماقة في الرأي وفساد في الفهم وتعكس في التأويل والاستخراج، ونقول أكثر من ذلك إنها تشبه رجلاً به مسٌّ فزُيِّن له أن يخالف الناس لأن جنونه أوهمه أنهم مجانين وأن العاقل مثله يجب أن يتميز منهم ليُعرف بينهم فلا تجري عليه أوصافهم، ثم رأى أنه لا يُعرف بينهم إلا بالمخالفة حتى يبين منهم فـ. . . فـ. . . فوضع رأسه في حذائه ومشى. . .
ومن بعدُ؛ فالقول في أغاليط أستاذ الجامعة لا ينتهي، ونحن إنما نبحث فيما نبحث عن أصول الخطأ في هذا الأستاذ لا عن فروعه، ونعد من ذلك مثلما يعدون من الشجر فيقولون واحدة وفي الواحدة فروع كثيرة، لأنهم إنما ينظرون إلى الجذع الذي يحمل ذلك ويخرجه، فكذلك أمرنا مع طه حسين؛ لماذا نحن كسرنا الجذع فما نبالي ما عدد فروعه، لأنها مكسورة وإن بقيت في جذعها. لقد عثرنا في كتاب أستاذ الجامعة على نوع غريب من الترجمة، وهو ترجمة من أصول الخطأ في فكر الرجل أو فكره أصل فيه، ولا تحسبنها ترجمة من الفرنسية أو اليونانية، بل هي من العربية، وذلك أشنع لها، فلو أنت تدبرت النصوص التي ينقلها الأستاذ في كتابه ويحملها على أغراضه أو يحمل أغراضه عليها وكنت فطناً باحثاً نقاباً لرأيت هذه النصوص تشكو إليك وتستجير بك مما أصابها من القلة والذلة، فإن طه لا يجد النص أبداً في كتب العربية إلا كلاماً جزلاً بليغاً محكم السرد موثق التركيب قد نُزلت فيه الألفاظ على منازلها وجُلبت لمعانيها وتلاءمت مع أشكالها وخرج منها أسلوب رصين مطبوع كمصنوع أو مصنوع كمطبوع؛ فإذا أصابه في الكتب على هذه الصفة من البلاغة خشي منه على أسلوبه وكتابته، ورأى أن أشد ما يفضح الثوب القذر أن تنزل فيه رقعة نظيفة لها جدة ورونق، فلا يكون له مِن هَمٍّ غير أن يعمد إلى النص فيُمِرَّه لسانه ويديره على أسلوبه ويرصفه كرصفه ويترجمه من عربية إلى عربية غيرها فيختل ويرك، ثم يندمج في عبارة طه فإذا هو لا يَنبُهُ عليها ولا هي تنبه عليه، ثم يكون لـ طه من ذلك فائدتان غير هذه؛ أما واحدة: فإن النص إذا نقل على أصله اختلفت فيه العقول وكانت حَرية أن تتفاوت فيما تدرك منه ففهم كل إنسان بمقدار ذكائه واطلاعه وعلى حسب ما تيسر له وسائله، ولا كذلك النص المختلف عن أصله المزال عن جهته، فإنه لا يؤتي إلا معنى واحداً هو ما سيق له، ثم لا يكاد يدرك أحد حقيقةَ ما وضع النص فيه.
تيسر له وسائله، ولا كذلك النص المختلف عن أصله المزال عن جهته، فإنه لا يؤتي إلا معنى واحداً هو ما سيق له، ثم لا يكاد يدرك أحد حقيقةَ ما وضع النص فيه. ومما اتفق لي من ذلك أني وقفت في بعض الكتب على نص في تكذيب خبر المعلقات وأنها كتبت أو علقت، ووقف عليه صاحب كتاب في آداب اللغة فإذا هو يسوقه في كتابه نصاً على خبر التعليق مع أنه برهان قاطع في خبر النفي، وإذا الخلاف كله في أنه أخطأ قراءة فعل نقله على غير وجهه فانقلب المعنى وانتكس النص. وأما الفائدة الثانية التي يرمي إليها طه فإنه إذا ترجم النص وحذف. . . وحذف منه وغيَّر وبدَّل استطاع أن يجد من ذلك سبيلاً إلى صلة المعنى الذي في الكلام بالغرض الذي في نفسه، وتسهَّل عليه القول الذي كان صعباً، وقرب
الرأي الذي كان بعيداً. فربما كذب الأستاذ وهو عندك صادق، أو غلط وهو عندك مصيب، أو نحل الناسَ ما لم يقولوه والنص يوهم أنهم قالوه؛ وأي ذلك قد كان فإنما له نتيجة واحدة، هي أن يقهر النص على أداء معنى لا يراد به إلا ما أراد طه؛ وما هذه بأمانة ولا هذا بصدق، فإنه يجب على كل عالم يحتج بكلام غيره أو على كلام غيره أن يورد الكلام بحروفه وإن حَذَف دل على موضع الحذف، وإن غير أو أبدل نبه إلى أنه تصرف وتعمل، وذلك واجب في العلم، ولهو في التاريخ أوجب، إذ الكلمة التاريخية حادثتها أو معناها كالاسم في الناس على مسماه: مهما بدلتَ فلا يجوز تبديله ومهما قلتَ فليس فيه إلا قول واحد إذا أردته لحقيقته. ونريد أن نبين للناس وللجامعة التي يظهر لنا أنها في غفلة مغطاة أن صنيع طه حسين في بتر النصوص وترجمتها طريقة معروفة للطاعنين في الإسلام وعلومه، سبقه إليها ابن الراوندي العالم الزنديق المشهور الذي كان يؤلف الكتب لليهود والنصارى في الطعن على المسلمين ونبيهم ﷺ وقرآنهم وأئمة دينهم وأشياخ الكلام فيهم، إذ كان من شأنه الحكايةُ للنص مبتوراً، قالوا: يُسمِّجه ويوحِشُ الناس منه، ثم ليتأتى له أن يستخرج الرأي الفاسد من كلام يظنه الناس صحيحاً متى عزاه إلى المصححين والثقات. فإياكم ثم إياكم أيها الأدباء وأيها الطلبة أن تصدقوا أستاذ الجامعة فيما يستخرجه من النصوص إلا إذا أورد هذه
الناس صحيحاً متى عزاه إلى المصححين والثقات. فإياكم ثم إياكم أيها الأدباء وأيها الطلبة أن تصدقوا أستاذ الجامعة فيما يستخرجه من النصوص إلا إذا أورد هذه النصوص بعبارتها وحروفها فإنه أحياناً مريض الذهن، وعسى من يفهم منكم ما لا يفهمه؛ وإه دائماً مريض النية، فهو بذلك جريء جراءة من خولط في ناحية من عقله، لا يوفر إماماً ولا يرضى رأياً ولا يتحرج ولا يقيد نفسه إلا بما يقيده به قانون العقوبات فقط. . . وما دام يأمن (النيابة والقضاء) فما شيء أراد أن يقوله إلا قاله! وهنا معنى يحسن أن لا ندعه وأن نصل به الكلام، فإن أستاذ الجامعة رجلُ شك، ولا يمكن أن يكون رجلاً من غير شك. . . فإن لزمَنا عنده العيبُ والشتعة واتهمنا بالغفلة لأننا نصدق دلالة النصوص ونأخذ بها في التاريخ لزمه عندنا أكثر من ذلك إذا هو احتج أو استخرج منه نتيجة علمية، ولم يكن له شيء من الحجة إلا كان لنا عليه أضعافه، إذ ما يدريك يا أستاذ الشك أن هذا النص الذي تحتج به وتسوقه لما تريد ليس من النصوص المكذوبة أو المشكوك فيها. وكيف تقطع على صحته ولعله أقواها وأضعفها صدقاً؟ وما كنت أنت من أبناء الدهر الأول فتشهد عليه شهادة العدل، ولا الذي رواه أبوك أو أخوك أو
حموك.. فيكون لك إليه سبب من الصهر والقرابة يقوم دليلاً في التعديل والتجريح؛ وكيف يجوز الكذب والوضع على أكثر النصوص التي نحتج بها ولا يكون النص الذي تحتج به أنت مما هذه سبيله. . .؟ أفتراك يا طه في ريب بعد أو تشك في أن مذهب الشك في التاريخ يهدمك قبل أن تهدم به شيئاً، ويظهر الناس على غفلتك وأنت تتوهم أنك ظهرت على غفلاتهم؟ وهل في العلم أحمق من أن تقول إن الكثرة المطلقة في الشعر الجاهلي موضوعة وأنت لا تعرف القلة الصحيحة منه ولا تستطيع تعيينها ولا تعيين بعضها ولا الجزم ببيت واحد منها؟ نحن لا نرجع عن رأينا في أن تقليد بعض المستشرقين هو الذي أفسد طه، فقد صحبهم وأخذ عنهم ثم نزع إلى مذاهبهم وأقاويلهم، لأنه وإياهم سواء أو متقاربون في الركاكة وسقم الفهم والوقوع بالبعد البعيد من أسرار الكلام العربي ومعانيه؛ وقديماً ما أفسد شيخ الرافضة هشام بن الحكم إلا صحبة أبي شاكر الديصاني إمام الديصانية، وكان هذا أبو شاكر رجلاً يظهر الإسلام ويبطن الزندقة كما يظهر بعض المستشرقين الميل إلى العربية وينطوي على هدم الإسلام بهذا الميل، وعلى استعمار أرضه واستعباد أهله. والعجيب أن مذهب الرافضة هو بعينه مذهب هذه الفئة من المستشرقين. فإن أكبر شأنهم جحد الرسالة لمحمد ﷺ والتكذيب بالقرآن ورد ما أجمعت عليه الأمة، وهذا كله يدور عليه كتاب أستاذ الجامعة إيماء وجَهرة وتعريضاً وتصريحاً. وأعجب ما عجبنا له أن الأستاذ تورط في الهلكة وطعن في القرآن وكذب به واشتمل كتابه من ذلك على ما بيناه في المقال السابق، وهو كان في غنى عن كل ما تكلف منه، وكان في عافية وسعة، لأن شيئاً من ذلك لا يداخل موضع الشعر الجاهلي، ولا هو من أدلته لا بالقرب ولا بالبعد، وما نحسبه أراد به الحشد في كتابه وتكبير حجمه، فإن كتابه مع كل هذه الثرثرة ومع كل ما استعان به من الكلام في الشعراء وتراجمهم ضئيل الحجم قليل الورق في تسعين ونيف من القطع الصغيرة؛ فما بقي إلا أن يكون قد أراد غرضاً علمه الله منه ففضحه به وخذله فيه! ولقد أخذ فكرة الشك في شعر الجاهلية عن المستشرقين أيضاً، فقد كان حدثنا الأستاذ العلامة الكبير صاحب مجلة "المقتطف" فى شهر سبتمبر من السنة
ه وخذله فيه! ولقد أخذ فكرة الشك في شعر الجاهلية عن المستشرقين أيضاً، فقد كان حدثنا الأستاذ العلامة الكبير صاحب مجلة "المقتطف" فى شهر سبتمبر من السنة
الماضية أن مجلة الجمعية الأسيوية نشرت بحثاً للشيخ. . . مرجليوث المستشرق الإنجليزي المعروف، أنكر فيه صحة الشعر الجاهلي، ثم ساق لنا الأستاذ بعض أدلته فلم نجد مقنعاً ولا رضا، وقلنا هو رأي في العلم لا عِلم، ثم هو من مستشرق وذلك أوهن له، وما كان لنا أن نأخذ عن القوم في الأدب العربي إلا بتمريض واحتراس. ولما فتحت الجامعة إذا المسشر. . . طه حسين ينتحل الفكرة ويدعيها ويبوب لها أبواباً ويفصل فصولاً ويدرس ذلك فى الجامعة، فباءت هذه الجامعة المسكينة من عمله بالخزي والفضيحة، واستمتع هو بمنزلتها وأموالها؛ والجامعة كما رأيناها مريضة يتحامل بعضها على بعض، حتى لو طنت عليها ذبابةُ انتقاد لفزعت وخافت، أما الشيخ فلو قرضوا جلده بالمقاريض لما أحس شيئاً، كأنَّ الله تعالى خلق نصف دمه من "الكلورفورم " فجلده مبنج في كل وقت. . . ولنرجع إلى ما كنا فيه من النصوص، فانظر كيف يصنع شيخ الجامعة. قال في صفحة ٦٦: "ولابن سلام مذهب في الاستدلال لإثبات أن أكثر الشعر قد ضاع، لا بأس أن نلم به، فهو يرى أن طرفة بن العبد وعبيد بن الأبرص من أشهر الشعراء الجاهليين وأشدهم تقدماً، وهو يرى أن الرواة المصححين لم يحفظوا لهذين الشاعرين إلا قصائد بقدر عشر، فهو يقول: إن لم يكن هذان الشاعران قد قالا إلا ما يحفظ لهما فهما لا يستحقان هذه الشهرة وهذا التقدم. وإذن فقد قالا شعراً كثيراً ولكنه ضاع ولم يبق منه إلا هذا القليل، وشق على الرواة أو على غير الرواة ألا يروى لهذين الشاعرين إلا قصائد بقدر عشر فأضافوا إليهما ما لم يقولا". انتهت الترجمة. . . أما الأصل في اللغة العربية فهو: "ومما يدل على ذهاب العلم وسقوطه قلة ما بقي بأيدي الرواة والمصححين لطرفة وعبيد. والذي صح لهما قصائد بقدر عشر، وإن لم يكن لهما غيرهن فليس موضعهما حيث وُضعا من الشهرة والتقدمة، وإن كان يروى من الغثاء لهما فليسا يستحقان مكأنهما من أفواه الرواة، ونرى أن غيرهما قد سقط من كلامه كلام كثير.
يس موضعهما حيث وُضعا من الشهرة والتقدمة، وإن كان يروى من الغثاء لهما فليسا يستحقان مكأنهما من أفواه الرواة، ونرى أن غيرهما قد سقط من كلامه كلام كثير. غير أن الذي نالهما من ذلك أكثر، وكانا أقدم الفحول؛ فلعل ذلك لذلك، فلما قل كلامهما حُمل عليهما حمل "كثير". انتهى النص، وعارِض أنت بلاغة ببلاغة ولغة بلغة، وقابِل بين ما ذهب إليه طه وما أراد ابن سلام؛ فمهما أخطأ فلن يخطئك أن تعرف الفرقَ بين الثرثرة والقصد، وبين هزيل الكلام وسمينه؛ وبين صحة الفكر وفساده وبين الأخذ
من الدليل بقيده والاتساع في الدليل على إطلاقه، وما يرى ابن سلام إلا أن كثرة ما ضاع من شعر طرفة وعبيد إنما كان لأنهما أقدم الفحول، فبعد العهد به ومات بموت من علموه من عرب الجاهلية. فهذا نص على بعض أسباب ضياع ما ضاع من الشعر إن كثيراً أو قليلاً، ثم في عبارته نص آخر ينقض كتاب الجامعة كله، وهو إثبات أن لنا "رواة مصححين"، وأنهم صححوا لطرفة وعبيد قصائد بقدر عشر، وأثبتوا أن ما عداها غثاء حُمل عليها حملاً. ويلزم من هذا أنهم درسوا الشعر وجمعوه وحققوا روايته وأثبتوا الصحيح ونصوا عليه وميزوا المنحول وردوه وفصلوا الشعراء وقالوا في كل منهم وعارضوا بين الأقوال ورجحوا واستدلوا واحتجوا وناظروا، فوجب من ثم أن نصير إلى قول أولئك المصححين ونأخذ بعلمهم ونقف عند ما نضوا عليه، لأنهم كانوا أهل هذا العلم ولا أهل له من بعدهم إلا بِصلة تنتهي إليهم؛ وهو ظاهر أن هؤلاء الرواة لم يُثبتوا في كتبهم إلا ما صح عندهم، وأنه ليس على الأرض اليوم من يستطيع بعض ما فعلوه، لأننا بالإضافة إليهم أمة من الأعاجم؛ وبديهي أن ما يكون من وسائل العلم والرواية والنقد بعد مائة سنة من تاريخ الجاهلية لا يكون مثله ولا بعضه ولا بعض من بعضه بعد أربعمائة وألف سنة، وخاصة مع انقطاع الأسانيد وضياع الكتب؛ فأين هذا كله مما يذهب طه إليه وما خرف به في كتابه؟ ويقول شيخ الجامعة في صفحة ٦٧ بعد أن بين أن العصبية كانت من أهم الأسباب التي حملت العرب على وضع الشعر ونسبته إلى الجاهلية، قال: وقد رأيت أن القدماء قد سبقونا إلى هذه النتيجة؛ وأريد أن ترى أنهم قد شقوا بها شقاء كثيراً، فابن سلام يحدثنا بأن أهل العلم قادرون على أن يميزوا الشعر الذي ينتحله الرواة (كذا وهو يريد الوضع لا الانتحال) (١) في سهولة، ولكنهم يجدون مشقة وعسراً في تمييز الشعر الذي ينتحله العرب أنفسَهم!. انتهت (الترجمة) أما الأصل المعرَّب العربي فهو: " ثم كانت الرواة بعدُ فزادوا في الأشعار، وليس يشكل على أهل العلم زيادة ذلك ولا ما وضع المولَّدون وإنما عَضَل بهم أن يقول الرجل من أهل بادية من وَلَدِ الشعراء أو الرجلُ ليس من ولَدِهم، فيشكل ذلك بعض الإشكال" اهـ.
لم زيادة ذلك ولا ما وضع المولَّدون وإنما عَضَل بهم أن يقول الرجل من أهل بادية من وَلَدِ الشعراء أو الرجلُ ليس من ولَدِهم، فيشكل ذلك بعض الإشكال" اهـ. فانظر إلى الفرق البعيد بين قول ابن سلام: "الرجل من أهل بادية" وبين
قول طه "الذي ينتحله العرب أنفسهم " وتأمل معنى (يشكل بعض الإشكال) ومعنى "يجدون مشقة وعسراً". وكلام ابن سلام صريح قاطع في أن الشعر الذي نسب إلى الجاهلية وأشكل أمره على الرواة قليل جداً، ثم هو لا يشكل إلا "بعض الإشكال" ثم لا يكون كذلك إلا حين يجيء من عربي قح له عرق في الشعر فتعَينه الوراثة أو عربي في حكم ذلك بالقريحة والقوة والطبع، أما الذي زاده الرواة والذي صنعه المولدون فكل ذلك متميز معروف لا إشكال فيه، وهو بعض ما يقوم عليه الرواة، لأنه من مادة علمهم ولا فائدة للرواية إن لم تتحقق به، فقل لي بعيشك أين هذا مما ذهب إليه طه في الحكم بتزوير (الكثرة المطلقة) من الشعر؟ وقال في صفحة ٥٤: قال ابن سلام - كان الله لك يا ابن سلام. . . - وقد نظرت قريش فإذا حظها من الشعر قليل في الجاهلية، فاستكثرت منه في الإسلام. قال: وليس من شك عندي في أنها استكثرت بنوع خاص من هذا الشعر الذي يُهجى فيه الأنصار. وترجم هذا النص في صفحة ٦٦ ترجمة أخرى فقال عن ابن سلام: (وهو يحدثنا باكثر من هذا: يحدثنا أن قريشاً كانت أقل العرب شعراً في الجاهلية. فاضطرها ذلك - تأمل - إلى أن تكون أكثر العرب انتحالاً للشعر في الإسلام) . أما ترى؟ أما تعي؟ أما تعجب؟ هل كان في النص الأول أن قريشاً كانت (أقل العرب) شعراً في الجاهلية فاضطرها ذلك اضطراراً لأن تكون (أكثر العرب) انتحالاً؟ على أن كتاب ابن سلام مطبوع، ولم نعثر فيه على أصل النص، وإنما الذي رأيناه من كلامه في الكتاب كله أنه علل قلة شعر قريش في الجاهلية بأنهم لم يحاربوا ولم تكن بينهم نائرة، وإنما تكثر الأشعار في الحروب والوقائع. وقال في موضع آخر: وقريش تزيد في أشعارها تريد بذلك الأنصار والرد على حسان. ففي كلام أستاذ الجامعة كذب وسرقة: فأما الكذب فنسبته إلى ابن سلام أنه قال إن قريشاً "أكثر العرب انتحالاً للشعر في الإسلام"
ذلك الأنصار والرد على حسان. ففي كلام أستاذ الجامعة كذب وسرقة: فأما الكذب فنسبته إلى ابن سلام أنه قال إن قريشاً "أكثر العرب انتحالاً للشعر في الإسلام" وأما السرقة فقوله: "وليس من شك عندي" في أنها استكثرت بنوع خاص. . . من هذا الشعر الذي يهجى فيه الأنصار فذلك من عند ابن سلام لا من عند طه حسين، ويبقى أن تعرف أن - ابن سلام الزيادة كلها من هذا النوع أما أستاذ - الجامعة فجعلها
من أنواع كثيرة وهذا النوع هو " الخاص" منها؛ فكيف ترى الصنيع وكيف تسميه؟ والغريب أن هذا الأستاذ الذي يحاول ما لم تحاوله أمة كاملة من العلماء والرواة وأهل الأدب، لا مرجع له في اللغة العربية في علمه ونُقوله إلا كتابان: أحدهما الأغاني والآخر طبقات ابن سلام (١) أفبكتابين يصبح في رأي الجامعة شيخ المتقدمين والمتأخرين ويمحو ويثبت - كلما شاء كما يشاء لا كما تشاء الأشياء حينما تشاء الأشياء. . . -؟ وسنتم القول في هذا المعنى وفي عقم استنتاج شيخ الجامعة وفساد آرائه التي يقهر النصوصَ عليها في فصل آخر إن شاء الله. (فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ (٥٤) .
طه حسين ابن الجامعة البكر . . .! " روى المقطم أن الأستاذ الجليل مدير الجامعة حشد فيها لحفلةْ رياضية جمعت الرؤساء والأساتذة والطلبة؛ وأنه خطب في الجميع فنصح للطلبة بالجد والمثابرة. قال: "وخطب حضرة الأستاذ الدكتور طه - حسين خطبة ممتعة ناقش فيها برفق وأدب. . .! نصيحة صاحب السعادة "مدير الجامعة". ثم كان ختام الحفلة كلمة لسعادة المدير ذكر فيها جلالة الملك المفدى أبا الفاروق الأعظم نصر الله بحوله وقوته أعلامه، ونضر بفضله وكرمه أيامه، وألقى من طالع يمنه السعيد على وجه الحياة المصرية أجملَ ابتسامة. قال المقطم: ثم ناقش خطبة الدكتور طه قائلاً: إنه الابن البكر للجامعة المصرية! ثم قال: يا بني الاعتدال. . . الاعتدالَ ". اهـ. فأما اندفاع طه للرد على مدير الجامعة في حفلة رسمية أقيمت للألعاب الرياضية على حين لم يزد المدير فيها على نصح الطلبة بالجد والمثابرة، فهذا هو الأصل في طه وذلك طبعه وخُلقه، بُني على المجاذبة والمماراة، فما من كلمة إلا ولها عنده بنت عمة أو بنت خالة. . . ولو أن الخطبة في هذه الحفلة كانت في تعليم المشي على الحبل. . . لردَّ طه بنوع من الرد ولجأ بنبذ من الاعتراض، فإن العبرة عنده بما يهجس في خاطره لا بما هو الحق ولا الواقع ولا مقتضى الحال، وتلك طريقته في العلم
ل. . . لردَّ طه بنوع من الرد ولجأ بنبذ من الاعتراض، فإن العبرة عنده بما يهجس في خاطره لا بما هو الحق ولا الواقع ولا مقتضى الحال، وتلك طريقته في العلم وهي آفة من آفاته وأصل من أصول الخطأ فيه، ومثل هذا لا تزال الشبهة قائمة على لسانه، ولا يزال مُعِدًّا لكل قول قولاً، فما يسمع شيئاً إلا خُيل له شيء آخر، ولا يفكر في أمر إلا لبس عليه أمر غيره، ولا تفاتحه رأياً فيرضاه إلا إذا أراد لأمر أن يرضاه، ولا تجادله فيقتنع إلا إذا شاء لغرض أن يقتنع؛ لأن الأصل في تركيبه المراء، والحدة، واللجاجة، وطغيان القول وهي أربع مظاهرها فيه الشك والاضطراب والقلق وفساد النية، ونتائجها الإنكار والخلط والسفه والعناد، وكل ذلك يجمع طه حسين، وأما أنه ناقش مدير الجامعة (برفْق وأدب) فهذا هو الغريب عن طبعه، والنص هنا على الرفق والأدب يُفهم شيئاً،
ولا يمكن أن يقع المقطم في هذه الهفوة البيانية الدقيقة، فهو أستاذ هذا الباب من البلاغة، وإنما كتبت العبارة في الجامعة، كتبها طه أو ذَنَبه أو رأسه. . . وأتى المقطم بها فنشرها -
- نريد أن نستجيز لهذا القلم مناقشة الأستاذ الجليل لطفي بك السيد مدير الجامعة، وهو عقل من العقول النادرة في مصر بل في الشرق كله، يكاد يكون مُلهماً محدثاً إذا كتب أو قرأ أو فكر، وهو كذلك شعاع ساطع من تلك المرآة العلوية التي ترسل على آفاق الدنيا نور الذكاء والنبوغ والفلسفة، وقد كنا نحسبه أول من يستجيب لرأينا في وجوب نقد طه وتمييز خطئه من صوابه ورد الرأي عليه فيما لم يصح، فإنه يجب أن تكون الجامعة موضع الثقة في علمها، ويجب أن تعرف الأستاذ بعلمه لا العلم بأستاذه، فإن أظهرها إنسان على غلطة أو نبهها إلى زلة بحثت وحققت وسألت أهل الذكر وأهل الفكر ورجعت إلى كل ذي فطنة، ثم أعلنت ما تنتهي إليه من خطأ أو صواب بحججه وأدلته ولم تصرَّ ولم تستكبر ذهاباً بنفسها أو ممالأة لأستاذها أو تغطية لعيبها؛ لأنه إذا كان طه حسين ابن الجامعة البكر فالأدب العربي ليس ابنها الثاني ولا الثالث. . .
َّ ولم تستكبر ذهاباً بنفسها أو ممالأة لأستاذها أو تغطية لعيبها؛ لأنه إذا كان طه حسين ابن الجامعة البكر فالأدب العربي ليس ابنها الثاني ولا الثالث. . . وإذا كان طه ابن الجامعة البكرْ فماذا؟ أيترك لطيشه ولهوه وعبثه، ويخلى لشكِّه وحيرته واضطرابه ويدلل حتى على العلم ويضحك له - حتى من أغاليطه، ويُكافأ حتى على ما يجنيه إذا كان ما يجنيه متصلاً بحنان أهله ونازِعتهم أكثر مما هو متصل بأسباب الجناية ونتائجها؟ لعمري إذا كان هذا كله لابن الجامعةِ البكر وكان - اسم الله عليه. . . - يجعله من عذره في - نتف لحية أبيه وعمه وخاله ويعتده من أسباب الرضا عنه إذا وقع في قبيح أو دخل في كبيرة - إذا كان هذا لابن الجامعة البكر فما بقي على الجامعة إلا أن تضع له بجانب منبر التدريس حصاناً من الخشب. . . ليلهو على هذا وعلى هذا، فمن المنبر إلى الحصان ومن الحصان إلى المنبر. . . ولا تلُم الصبيان فيه على الرقص!. ثم إن الأستاذ الكبير يقول لـ طه. يا بني الاعتدال. . . الاعتدال: كلا يا سيدي الأستاذ، لا محل للاعتدال، ولا نقبل منك هذه الكلمة ولا يقبلها طه، أما هو فإنه يقول بوضع علم المتقدمين كله موضع الشك. فأين يعتدل وفيم وكيف؟ وأما نحن فإننا نريد منك أن تقول له: يا بني التوبة التوبة! فقف خرج في درسه على دين الأمة وكذب القرآن ونسب إليه الخرافات وجعل النبي ﷺ رجلاً سياسياً يحتال الحيل ولا يؤمن فيما بلَّغ عن ربه، ثم جاء في تاريخ الأدب
بأقبح الجهل ودل من نفسه على عجز وضعف وسوء فهم ونية مدخولة وذهن مريض؛ فأين تريده أن يعتدل من ذلك كله؛ على أننا في هذا الكلامِ إنما نأخذ بظاهر الرأي، أما في الحقيقة فنحن نعرف من بلاغة مدير الجامعة وغوره البعيد في أنه بكلامه أراد النصيحة لـ طه كما نصح الطلبة، جعله بذلك لا يزال في حكم الطالب وإن كان أستاذاً وأنزله هذه المنزلة على أعين الملأ، ثم إنه كأنه يقول له: "يا بني إنك مائل فاعتدل، ومعوج فاستقم؛ ومجازف فتبصر، وحديد الطبع فاستأنِ وكثير الخطأ فتعقل! يا بني إنك مصغر مستصغر لا تستكفي بنفسك ولا تستقل بأمرك فاسمع وأطع ". (يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ) فكيف بمثقال ستين كيلو جراماً من إلحاد وخطأ هي في جلد ولحم ودم؟ ولقد فهمنا كلاماً كثيراً من كلمتي الأستاذ البليغ الدقيق، ولكن يجب أن يفهم طه وأمثاله، فقد ذهب بعضهم إلى أن مدير الجامعة يرد علينا بهذه الكلمة. كأنه يبلغنا أن طه مغفور له معفو عنه إذا قلب الأثاث أو كسر الصحون وأن خطأه طَلق، وأشد ما تعاقبه الجامعة به أن تقول له الاعتدال الاعتدال! لأنه ابن الجامعة البكر! أي غزالها. . . (١) هكذا قال لنا بعض الأدباء وهكذا فهم. ولكنا على يقين من الأستاذ مدير بربخ الجامعة، وسيرى الناس أنه مرجع طه إلى ما هو أليق به وأولى بسمعة الجامعة. . . إن الذي يُخشى من طه أمران: أولهما أنه يقلد المعرِّي ويحتذيه ويسير على أعقابه إما إلى الجنة وإما إلى النار، وقد صرح هو بهذا التقليد في على أعقابه إما إلى الجنة وإما إلى النار، وقد صرح هو بهذا التقليد في مدينة بيروت في خطبة له، وقال إن للمعري الفضل عليه في إظهاره كما هو. فيريد الرجل أن قي يهدم كما هدم ذاك. وليس له رواية المعرِّي ولا حفظه ولا شعره ولا فلسفته
يروت في خطبة له، وقال إن للمعري الفضل عليه في إظهاره كما هو. فيريد الرجل أن قي يهدم كما هدم ذاك. وليس له رواية المعرِّي ولا حفظه ولا شعره ولا فلسفته
ولا غيرها مما يصرفه إلى الكناية والإشارة والغميزة ويجعل بعض شره في بعض خيره ويفسح له من أبواب البلاغة في باب التوجيه والتعاليل فلم يبق إلا الخلط والخبط والحماقة والدعوة الفارغة ومحض التشبه وما يجري هذا المجرى. وما علم هذا المقلد مع الفارق أن أكثر إلحاد المعري إلحاد شعري تجيء به القافية ويحمل عليه التخيل، فهو من بعض الوجوه في باب الشعر كالقول في الخمر والغزل والمجون والسفه وما يتصل بها؛ فلما فقدنا هذا من طه لم نر إلا الحثالة والقشر، فهو المعري الذي بقي من المعري في مُنخل الأدب! وهذا التصريح منه بالتقليد والاحتذاء يُسقط الثقة به وبما يدعي من حرية الفكر، لأن الحرية لا تأتي بتقليد الأحرار، ولكن بالاشتمال على وسائلهم وأسبابهم ومواهبهم، وأما بغير ذلك فلا حرية وإنما هناك غرض من التقليد يقلد الحرية حتى في اسمها، وكل أعمال المقلد تُحمل منه على هذا الغرض الدنيء لا على ذلك المبدأ السامي. والأمر الثاني الذي نخشاه من طه أنه أداة أوروبية استعمارية تعمل في إفساد أخلاق الأمة وحل عروتها الوثقى من دينها في أدبه ولغته وكتابه وتحقير كل من يتسم بشيء من ذلك عالماً أو متعلماً أو متورِّعاً، فهو دائب في إزالة ما وقر في نفوس المسلمين من تعظيم نبيهم وكتابهم وإيثار دينهم وفضيلتهم وإجلال علمائهم وسلفهم، مرة بالتكذيب، ومرة بالتهكم ومرة بالزراية، ومرة بإفساد التاريخ، ومرة بنقل الأخلاق الفاحشة المتعهرة من مدينة الفرنسيين، وهلم جرا! حتى كأنه شيطان عاقبه الله فطمره في جلد إنسان، وتالله لو تم لهذا وأمثاله ما أرادوا فاجترأ الناس على دينهم وكتابهم وعلمائهم، وسخروا من تاريخهم وتقطع ما بينهم وبين أسلافهم، وخاطروا بما في أيديهم من دين وعلم وتاريخ وفضيلة على ما تسميه صناعة الكتابة مدنية وفناً وفلسفة - إذن تكون أوروبا قد بلغت منا بمدافعها وجنودها وحيلها ودهاتها بعض ما بلغت بهذه الأدوات الإنسانية التي تسمى طه حسين وفلاناً وفلاناً. . .
وفناً وفلسفة - إذن تكون أوروبا قد بلغت منا بمدافعها وجنودها وحيلها ودهاتها بعض ما بلغت بهذه الأدوات الإنسانية التي تسمى طه حسين وفلاناً وفلاناً. . . أما إن هذه فئة من الناس، ولكنها كذلك فئة من المذاهب، والمصيبة أنهم ما فيهم من فيلسوف ولا عالم ولا أديب ولا من يستطيع أن يقول هذه فلسفتي وهذا علمي وهذا أدبي، بل كلهم عيال على أدب أوروبا وعلمها وفلسفتها وكلهم مقلد وكلهم سارق وناقل؛ فإذا كانوا على هذه الصفة ثم رأيناهم قد زاغت عقائدهم وفسدت طباعهم وانتقلت أهواؤهم أفيكونون بيننا إلا من وسائل التدمير والخراب والاستعمار، شعروا أو لم يشعروا وأرادا أو لم يريدوا؛ وماذا
يجدي علينا صياحهم العلمي أو السياسي أو الأدبي وهم إنما يحترفون هذا الصياح ويؤجرون عليه ويعيشون منه، كالرجل من أهل الغناء والموسيقى ربما كان في نفسه مثالُ البؤس والهم والحزن ويستأجره الناس ليغني. . . إن لشيطان طه سبلاً كثيرة فهو يتراءى لنا في معان مختلفة تذهب بنا أحياناً بعيداً عن كتابه. ولكن هذا أيضاً من شؤم كتابه، إذ يرجع هذا الكتاب إلى أسباب في طباع مؤلفه قائمة على النكر والمراء والزيغ أكثر مما هو راجع إلى أشباب في التأليف قائمة على البحث والرأي والتحقيق. فلنعد إلى ما نحن بصدده من القول في فساد رأيه وسوء استخراجه وأنه ليس معه إلا الانتحال على غير توفيق، والخنط على غير هدى والجرأة على غير تحقيق ولا استبصار. لقد توارد أستاذ الجامعة مع الإمام الجاحظ في استخراج واحد من مسألة واحدة، وكلاهما شك فيها، ونريد أن نعرض ذلك على الجامعة لنعلم صحة قولنا إن العالم يأتي بالرأي من مجموع أخلاقه وطباعه أكثر مما يأخذه من صفاته العقلية، وأنه لو كان طه حسين أذكى الأدباء في الرأي والعقل، وأجمعهم في المادة والحفظ، وأبلغهم في المنطق والأسلوب، ثم كان على بعض فساده وزيغه - لوجب تنحيته عن التدريس الأدبي وحماية النشء منه؛ لأن تعليمه ينقل إلى هؤلاء الأطهار الأغفال علمه وأهواءه جميعاً فلا يقوم ما فيها من طيب بما فيها من خبيث. قال طه في صفحة ١٥٢: "وهناك لون من ألوان القصص كان الناس
ينقل إلى هؤلاء الأطهار الأغفال علمه وأهواءه جميعاً فلا يقوم ما فيها من طيب بما فيها من خبيث. قال طه في صفحة ١٥٢: "وهناك لون من ألوان القصص كان الناس يتحدثون به ويميلون إليه ميلاً شديداً ويروون فيه الأكاذيب والأعاجيب وهو أخبار المعمَّرين الذين مُدت لهم الحياة إلى أبعد مما ألف الناس، رويت حول هؤلاء المعمَّرين أخبار وأشعار قبِلها العلماء الثقاتُ في القرن الثالث للهجر ة " انتهى. وقال الجاحظ: "وقد ذكرت الرواة في المعمرين أشعاراً وصنعت في ذلك أخباراً، ولم نجد على ذلك شهادة قاطعة ولا دلالة قائمة ولا نقدر على ردها لجواز معناها، ولا على تثبيتها إذ لم يكن معها دليل يثبتها". فأنت ترى من الفرق بين الجاحظ وطه أن هذا يبالغ ويهوِّل ويتعمد الكذب فيزعم أن الناس كانوا يتحدثون بذلك النوع من الكذب ويميلون إليه ميلاً شديداً، كأنه كان شاهدَ أمرهم ورأى الناس يتحدثون ويميلون. ثم يوهمك أن العلماء الثقات فى القرن الثالث قبلوا تلك الأخبار والأشعار وما كان الجاحظ إلا
في القرن الثالث، ثم ينفي طه كل ما قيل من ذلك كأنه على ثقة من أن العرب لم يعمَّر منهم أحد، مع أن في زماننا هذا من ارتفعت به السن إلى قرن ونصف، فلو كان هذا شاعراً فماذا يمنعه أن يقول في هرمه وامتدادِ العمر به. وثقل الحياة عليه وتبرمه بها ما قال أولئك أو شبيهاً بما قالوا؟ ومن غفلة أستاذ الجامعة وهي من الأدلة الكثيرة على سوء فهمه وتعلقه بأول خاطر وأنه لا يتبين أسباب المعاني ولا يحققها - أنه يقيسى على ظاهر الرأي كيفما وقع له؛ فلا يذكر أن العرب قوم لا حساب عندهم ولا يؤرخون إلا الحوادث الكبر، فإذا عُمر شيخ منهم وبلغ خمسين ومائة سنة مثلاً - وهو عمر طبيعي - حسبها ثلاثمائة أو تزيد، وخاصة إذا خَرِف وأسرف وبَعدَ ما بين فكره ولسانه أو أراد التهويل على عصره وقبيلته؛ وكيف يعرف مثلُ هذا حقيقة سنة وما يعد ولا يكتب ولا يحسُب ولا عنده من يدون له، ولا في قبيلته من يحفظ من التاريخ أو يردُّ منه شيئاً إلى أصل بعيد.. فالرواة إنما نقلوا من هذا ونحوه وما انتهى إليهم فإن كان فيه الكذب ففيه الصدق، وإن كان فيه الموضوع ففيه الصحيح؛ وما كانت المبالغة سبباً من أسباب العدم، بل هي بعض أسباب الوجود، ولا بد في المنحول من أصل يقاس عليه وصحيح يبالغ فيه، وهذا كله فهمه الجاحظ، فهو لا يرد ما ورد من ذلك، لأن معناه غير بعيد ولا مستحيل. ولا يثبته بعينه لأنه ليس معه دليل قاطع. ولو كان الجاحظ ضعيف الفهم قليل الاطلاع بعيداً من آداب العلماء لوافق في الرأي أستاذ الجامعة وتحامق وكذب وسب الرواة وتهزأ بهم كما فعل هذا. ومن العجائب أن طه يتوارد أيضاً في طريقة الاستنتاج مع الرافضة ويطابقها مطابقة النعل للنعل؛ ولا تستبعدن ذلك ما دام كِلا الفريقين أسقط الإيمان من حسابه "وتجرد من دينه" عند البحث والرأي؛ وكأن شيخ الجامعة يقيس على نفسه فلا يصدق أنه كان في الأمة الإسلامية قوم يؤثرون الله ورسوله على كل وساوس النفس وأهوائها، وليس عنده إلا العصبية والميل مع طبع الجاهلية حتى في إمام أهل الحق عمر بن الخطاب، وقال الشيخ في صفحة ٥٣
ؤثرون الله ورسوله على كل وساوس النفس وأهوائها، وليس عنده إلا العصبية والميل مع طبع الجاهلية حتى في إمام أهل الحق عمر بن الخطاب، وقال الشيخ في صفحة ٥٣ وقد ذكر الرواةُ أن عمر مر ذات يوم فإذا حسان في نفر من المسلمين يُنشدهم شعراً في مسجد النبي ﷺ فأخذ بأذنه وقال: أرُغاء كرغاء البعير، قال حسان: إليك عني يا عمر! فوالله لقد كنت أنشد في هذا المكان من هو خير منك! فيرخي عنه عمر ويمضي.. قال: وفقهُ هذه الرواية يسير لمن يلاحظ ما قدْمنا من أن الأنصار كانوا
موتورين وأن عصبيتهم كانت لا تطمئن إلى انصراف الأمر عنهم فكانوا يتعززون بنصرهم النبي ﷺ وانتصافهم من قريش. . . وكان عمر قرشياً تكره عصبيته أن تزدَرَى قريش، وينكر - كذا كذا - ما أصابها من هزيمة - يعني في غزوة بدر - انتهى. ولكن من أين لأستاذ الجامعة أن حساناً كان ينشد يومئذ في هجاء قريش في مسجد النبي ﷺ ليعزي الأنصار وينوح لهم كالنائحة المستأجرة حتى ثارت لذلك عصبية عمر ورجع وهو أمير المؤمنين إلى طبع الجاهلية! ومن أين له أن عمر كان ينكر ما أصاب قريشاً من الهزيمة في غزوة بدر أو فتح مكة! وهل كان عمر كـ طه حسين يشك في التاريخ ويكذبه مع أن سيفه كان من تلك السيوف التي هزمت قريشاً؟ ثم كيف يجوز لأستاذ الجامعة أن يكذب ويغير النص فيقول: "فيتركه عمر ويمضي، وكل الروايات في الكتب متفقة على أنه قال لحسان: صدقت أو صدقه. ولكن إذا قال عمر صدقت كان ذلك نصاً على أنه لم ينكر ما أنكر، لا حمية ولا عصبية لأن العصبية تأبى عليه أن يصدق، بل يكظم على غيظه (ويتركه ويمضي) فانظروا أيها الناس ما يصنع الخبيث لرمي الرجل الذي أعز الله به الإسلام واتهام إيمانه وصدقه مع ورود الحديث الشريف " ليس منا من دعا إلى عصبية" وقد رأيت كم تكرر لفظ العصبية في كلامه ثم إن قول عمر لحسان: صدقت، يدل من جهة أخرى على أنه لم ينكر عليه إلا هيئة الإنشاد. كان ينشد الشاعر العربي فينتفخ ويربو في ثيابه ويتكلف التفخيم والتشذق وإدارة اللسان وتقليبه ويهدر كما يهدر البعير حين يستفحل ويرغو وكل ذلك في مسجد النبي ﷺ فذلك حيث يقول عمر أرغاء كرغاء البعير؟
ابه ويتكلف التفخيم والتشذق وإدارة اللسان وتقليبه ويهدر كما يهدر البعير حين يستفحل ويرغو وكل ذلك في مسجد النبي ﷺ فذلك حيث يقول عمر أرغاء كرغاء البعير؟ على أن الأستاذ المخلط الذي يرمي عمر بالعصبية قال في الصفحة نفسها: تحدثت الرواة "وهنا ترجم نصاً فلننقله عن ابن سلام"، قال: قدم ضرار بن الخطاب الفهري وعبد الله بن الزبَعرى المدينة أيام عمر بن الخطاب فأتيا أبا أحمد بن جحش. . . فقالا له: أتيناك لترسل إلى حسان فنناشده ونذاكره، فإنه كان في الإسلام ويقول في الكفر - أي الجاهلية - فأرسل إليه فجاء، فقال: يا أبا الوليد، أخواك تطربا إليك يذاكرانك وينشدانك. قال: نعم، فأنشداه - أي مما قالا في الأنصار - حتى إذا صار كالمرجل يفور قعدا على رواحلهما إلى
مكة، فخرج حسان حتى أتى عمر فأخبره خبرهما، فقال: لا جرم والله لا يفوتانك! فإرسل في أثرهما فردا، وقال لحسان: أنشد؛ فأنشد حسان حاجته حتى قال له: اكتفيت؟ قال: نعم! قال: شأنكما الآن إن شئتما فارحلا وإن شئتما فأقيما. انتهى. ترك الأستاذ هذا النص الواضح الجلي ونقل رواية الأغاني وفيها زيادة وصنعة ولها توطئة وخاتمة، إذ جاءت بعد رواية ابن سلام بنحو مائة سنة واستخرج منها أن الأنصار كانوا يكتبون هجاءهم لقريش! ولكن يا أستاذ؛ كيف غفلتَ هذه الغفلة المطبقة بين صفحتين اثنتين.. وأين ما قلت في عصبية عمر؟ وكيف مالأ حساناً على أكبر شعراء قريش وتركهُ يُنشد في هجاء قومه مما قاله في الجاهلية حتى اكتفى؛ أليس هذا هو العدلَ والقصاص: إنشاداً بإنشاد وكلاماً بكلام وإن في قريش؟ على أن ما قاله طه في عصبية عمر هو كاستنتاج الرافضة وعلى طريقهم في الرأي والفكر؛ إذ يقولون إن الصحابة بايعوا أبا بكر وتركوا علياً، لا طاعة ولا رغبة بل عصبية منهم على عليٍّ، ورجوعاً إلى طباع الجاهلية؛ إذ كان علي قتل من عشائرهم بين يدي رسول الله ﷺ من قتل في الغزوات والفتوح؛ فليس يمحو الإسلام عندهم شيئاً، ولا يكون المؤمن إلا على أصله التاريخي وطبيعة الجاهلية، ويسقطون ما عدا ذلك من مظاهر النفس الإنسانية التي من أعظمها في الإسلام ذلك اليقين الديني وكان عجيبةَ العجائب وأنزل فيه الله تعالى: (لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ) . وليت طه يفهم معنى قوله؛ (كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ) ولكن قلبه هو لوح ممسوح، ونعوذ بالله من خذلانه. ومتى تجرد الباحث في التاريخ الإسلامي "من دينه" فهو شيء واحد إن كان من الرافضة أو كان أستاذاً في الجامعة، لأن هذا التاريخ إنما يقوم في أصله على معان لا يعقلها ولا يصدق بها من يجرد نفسه منها، وكيف يعقل الجبان المنخوب القلب أفعال بطل من أبطال الدنيا
لجامعة، لأن هذا التاريخ إنما يقوم في أصله على معان لا يعقلها ولا يصدق بها من يجرد نفسه منها، وكيف يعقل الجبان المنخوب القلب أفعال بطل من أبطال الدنيا الذين شذت فيهم طبيعة القوة والجرأة فيقال في أحدهم إنه يحمل مائة قنطار وأنه يقطع سلاسل من الحديد بيديه وأنه يصلب رجلاً كطه حسين في خنصره. . .؟
ْإن التاريخ الإسلامي إذ حُمل على غير طريقته وتولاه غيرُ أهله لم يأت منه إلا ما هو دخيل فيه، وتقل الرويةُ ويكثر التكذيب ويخصل الخطأ ويقع الخلل، لأن الأشياء بما كانت عليه لا بما تتوهم أنت أنها كانت عليه وذلك هو السر في خلط المستشرقين والمسيحيين والديكارتيين من أمثال طه حسين إذا هم تعاطوا الكلام في تاريخ الصدر الأول أو ما يتصلى به نوعاً من الاتصال في الأدب أو الشعر أو نحوهما. وإذا كتبت الشياطين تاريخ الملائكة واتبعت مذهب ديكارت. . . فتجردت من قوميتها ودينها فهل تراها تُسلب طبيعتها وخُبثها. وهل يدخل عليها الخطأ إلا من ناحية هذه الطبيعة في تركيبها على غرائز وأوصاف لا تتحول؟ وانظر حمق العصبية في قول طه صفحة ٥٥: "وأنت لا تنكر أن يزيد هو صاحب وقعة الحرّة التي انتهكت فيها حرمات الأنصار في المدينة والتي انتقمت فيها قريش من الذين انتصروا عليها في بدر "لا حول ولا قوة إلا بالله " والتي لم تقم للأنصار بعدها قائمة، ولأمر ما يقول الرواة حين يقضون وقعة الحرة إنه قتل فيها ثمانون من الذين شهدوا بدراً " أي من الذين أذلوا قريشاً". يا هذا، ألك ثأر على الأنصار أم كان أبوك من قريش، وأنا أعلم أن أباك وأسرتك يتبرأون إلى الله منك ويخشون أن يقال في الآخرة يوم العرض: هؤلاء أهل طه حسين! هَبِ الإسلام ليس شيئاً ولم يُحدث أثراً ما في نفوس المسلمين إلى زمن يزيد؛ وهب وقعة الحرّة نقمة من غزوة بدر التي لم يغزُها الأنصار إلا بين يدي رسول الله ﷺ هب ذلك معقولاً في رأي رجل مسلم، فيبقى أن الرواة والمؤرخين لا يقولون تلك الكلمة وهم يريدون التفسير الذي جئت به إلا إذا كانوا هم أيضاً متعصبين على - الأنصار، وكان إسلام الأنصار عندهم غير إسلام قريش، وكانوا مع ذلك أهل جبن ونفاق يخشون الأنصار بعد إذلالهم
ي جئت به إلا إذا كانوا هم أيضاً متعصبين على - الأنصار، وكان إسلام الأنصار عندهم غير إسلام قريش، وكانوا مع ذلك أهل جبن ونفاق يخشون الأنصار بعد إذلالهم وبعد أن لم تقم لهم قائمة؛ فيعبرون بكلمة مبهمة لا يفتحُ الله بتفسيرها على أحد إلا بعد ١٢٥٥ سنة وعلى طه حسين وحده. . . ألا تفهم شيئاً، وكيف صرت أستاذاً في الجامعة وأنت بهذه الغباوة إنما يريد الرواة أن وقعة الحرة كانت شديدة النكاية في الإسلام قبيحة الأثر فيه. وكانت مع ذلك عدواناً صرفاً وجهلاً محضاً حتى قاتل فيها أهل بدر وقتل منهم ثمانون، وأهل بدر بنص الحديث الصحيح أفضل المسلمين، وهم نجوم الأفق النبوي بعد أن غاب كَره الأزهر. وما كل ما مر بك أيها القارئ بأشنع من قول طه فى صفحة ٧٢: "ونوع
آخر من تأثير الدين في انتحال - كذا - الشعر وإضافته للجاهليين، وهو ما يتصل بتعظيم شأن النبي ﷺ من ناحية أسرته ونسبه في قريش؛ فلأمر ما اقتنع الناس أن النبي ﷺ يجب أن يكون صفوة بني هاشم، وأن يكون بنو هاشم صفوة بني عبد مناف، وأن يكون بنو عبد مناف صفوة بني قُصي، وأن تكون قصي صفوة قريش، وقريش صفوة مُضر، ومضر صفوة عدنان؛ وعدنان صفوة العرب، والعرب صفوة الإنسانية كلها" انتهى. فما هذا الأمر يا شيخ الجامعة؟ ثم ما هذا التهكم؟ وهل تتهكم أيها الأحمق المغرور إلا بالحديث الصحيح: "إن الله تعالى: اصطفبى كِنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشاً من كنانة، واصطفى من قريش. بني هاشم. واصطفاني من بني هاشم " ألا قبحك الله من شيخ سوء! وسيحيق بك ما كنت تستهزئ؛ ومن عساك تظن أنك تبلغ ضُرَّه بهذه الحماقة فتضره؟ -.
عصبية طه حسين على الإسلام قيلت لي عبارة لم أصدقها ولا أزال في ريب منها، وأرجو أن تكون حديثاً مفترى وكذباً صُراحاً، وأن يكون الشيخ طه بريئاً منها براءة الذئب من دم ابن يعقوب، إن الدم ليس غريباً من الذئب. وليس الذئب إلا طبيباً دموياً، ولكن ابن يعقوب له دم غير دماء الناس، وقد كان لا بد لهذا الدم الزكي أن ينشأ به ذلك الفكر النبوي المفهَم فيستنقذ مصرَ وأهلها من المجاعة والقحط. فلو أن الذئب ولغَ فيه لقتل به أمة كاملة، وبهذا كانت براءة الوحش من ذلك الدم كأنها فضيلة نقلته من طبع الذئاب إلى طباع أهل النْسُك من عباد الله المقرَّبين وجعلت تهمته مثلاً مضروباً في الظلم دائراً في الأفواه باقياً في ميراث بني آدم من الحكمة والبلاغة، وعاد الذئب - وإنه لذئب بعد - كأنما استُشهد وكأنما وقعت عليه التهمة فقتله في سبيل الله فأصبح قديساً اخضرت أظفاره من ريح الجنة فأنبتت ورق الريحان وانقلب ما كان سَفكه من الدم فنبت منه الورد، وبدا الذئب القديس في التاريخ كأنه طاقة زهر فيها الأخضر والأحمر، وفيها أوراق الياسمين البيضاء من أنيابه وأضراسه. . . وطه حسين إن لم يكن ذئباً، ولكنا نرجو أن يرحمه الله ببراءته من تهمة
طاقة زهر فيها الأخضر والأحمر، وفيها أوراق الياسمين البيضاء من أنيابه وأضراسه. . . وطه حسين إن لم يكن ذئباً، ولكنا نرجو أن يرحمه الله ببراءته من تهمة كتهمة الذئب تعدو على النبوة وتمزق بأظفارها أديم الإسلام، وقد علمنا إن كان لبريئاً منها، ولكن يقال والله أعلم إن المبشرين وجدوا في كتاب "الشعر الجاهلي " ما كانوا يحومون حوله فلا يصلون إليه (١) وما قضوا في البحث عنه ستين سنة تحت شمس المشرق يلتمسون بعضه في كلام عالم من العلماء المسلمين أو رجل ذي منصب فيهم أو أديب له شهرة ومكانة، فأصابوه اليوم في
دروس أكبر جامعة في أكبر مملكة إسلامية، وأصابوه من أستاذ كبير مصرّ عليه معاند فيه تؤيده الجامعة وتحميه وتدفع من ورائه وتنصره، وإن خَذَلت فيه الأمة كلها، وإن سفهت كل أهل العلم وأهل الأدب، وإن أهانت دين الأمة والحكومة تأييداً - زعموا - لحرية الفكر، لا يبالون أكان هو الفكر الناضج الصحيح أم الفكر العاجز المستهلك الذي يشبه أفكار الصبيان في إقامة ما يبنونه على شاطئ البحر من قصورهم الشاهقة في أملاكهم الواسعة، أو أفكار البنات تبني ما يلدن من الدُّمى والعرائس، أو أفكار طه حسين فيما زعم في القرآن والنبوة. لقد ضاعت الثقة بهذه الجامعة فكأنها لا تفهم أن كلام طه ليس برهاناً واحداً عند المبشرين. ولكنه برهان عليه براهين، فهو في نفسه دليل ونسبته إلى الجامعة دليل، ومجيئه من بلاد الأزهر تقوية للدليلين معاً، وإصرار الجامعة عليه خاتمة للأدلة؛ ألا ليت شعري ما تملك الجامعة أن تصنع إذا ترجم المبشرون خلاصة هذا الكتاب وشرحوه وبسطوه ونقلوه إلى الإنجليزية والفرنسية والسنسكريتية والصينية واليابانية وغيرها، وطبعوا منه الملايين - ولهم المطابع الكبيرة، ولديهم الأموال الطائلة المحبوسة على محاربة الإسلام، وفي أيديهم الدعوة العريضة - وأذاعوا في أقطار الأرض أن الجامعة المصرية الإسلامية لحكومة مصر قررت في دروسها أن القرآن وضع إنساني فيه الخرافة وفيه الكذب، وأن النبي ﷺ رجل سياسي فلا نبوة ولا رسالة (١) ، وأن أئمة المسلمين يكذبون في تأويل تاريخهم ويؤيدون هذا التاريخ بقول الزور والانتحال.
لخرافة وفيه الكذب، وأن النبي ﷺ رجل سياسي فلا نبوة ولا رسالة (١) ، وأن أئمة المسلمين يكذبون في تأويل تاريخهم ويؤيدون هذا التاريخ بقول الزور والانتحال. ويستشهدون لقرآنهم وحديث نبيهم - وهما أصلا الدين كله - بشعر لفقوه تلفيقاً ونسبوه إلى أشخاص خلقوهم خلقاً. وأن هذا الكذب مرتفع ممتد يرتقى في عصورهم وأجيالهم إلى زمن الخلفاء الراشدين، وأن ورود الأحاديث الصحيحة عن النبي ﷺ وما يؤثر من كلام أصحابه عن شيء اسمه امرؤ القيس وغير امرئ القيس لا يوثق به، إذ لم يكن من هذا شيء؛ فالأحاديث الصحيحة كذب، وأسانيدها التي حققها العلماء وحفظوها وتناقلوها وأجاز بها بعضهم بعضاً زمناً بعد زمن إنما هو تواضع على الكذب من هذه الأمة. وحسبكم بأمة يمضي عليها زهاء أربعة عشر قرناً ويكون عديدها ثلاثمائة مليون وتنبث في أقطار الأرض كلها ثم لا ينبغ فيها رجل يعرف الصحيح ويفطن
له ويستعلن به للناس ويقرره ويعلمه إلا رجلا واحدا هو العلامة حجة المبشرين.. الدكتور طه حسين!.. " ما عسي أن تفعل الجامعة المصرية في هذا البلاء الداهم وهذه الفتنة الآكلة، وكيف لها بسد الثْلمَة إدْا انفجرت - وانبثق منها هذا الشر العظيم، وهي إلى اليوم كأنها مأخوذة لا تعي، ومسحورة لا تفهم، وعميد الآداب فيها رجل أعجمي لا يزال من العربية في المنزلة التي يقال له فيها: إذا نقلت النقطة من تحت الباء إلى فوق صارت نوناً. . . فما رأينا هذه الجامعة تبرأت من هذا الكتاب. - ولا انتفَت من نسبته إليها، ولا تزال تحسبه كتاباً في الشعر - الجاهلي. . . وهو كتاب في التنكيل بالإسلام.. وهو في موضوعه شبه بالسلسلة صفحاته حلقاتهْ، " فلا تستهيننَّ بحلقة لتقول إنما هي واحدة وإنما هي ضئيلة ولا خطر لها، فإنه ليس الشأن في حلقة حلقة ولا في صفحة صفحة، بل في اتصال بعض ذلك ببعضه واجتماع جملته من أجزائه وتفرق أجزائه على جملته. وعلم الله ما كتبنا هذه المقالات إلا لنقنع الجامعة بجهل شيخها وفساد رأيه ومرض نيته، ثم لنرد عليه " هذا الغِل الذي في قلبه للمسلمين، وهذه السخرية التي في لسانه وقلمه لدينهم وأئمتهم وعلمائهم، وهو على ذلك ضعيف الفهم سخيف التقليد. وهو في غاية تحصيله رجل حافظ كالأوراق المجموعة من كتاب إلى كتاب. وفي غاية عمله رجل جريء يقع في الأشخاص وفي المعاني، ويستوحِل في كل وَحَل، وقد لبسه عقله الناقص الأهوج فلا يتثبت ولا يتحرج ولا تسوؤة السيئة من نفسه ولا تسره الحسنة من أحد؛ وما زلنا نذكر له كلمة غريبة لو خلق الله منها شيئاً بعد موت طه لجاء منهما طه نفسُهُ مرة أخرى.
ا يتحرج ولا تسوؤة السيئة من نفسه ولا تسره الحسنة من أحد؛ وما زلنا نذكر له كلمة غريبة لو خلق الله منها شيئاً بعد موت طه لجاء منهما طه نفسُهُ مرة أخرى. فقد لقيناه في جريدة "السياسة" عند رئيس تحريرها وقلنا له فيما قلنا: إنك لست بالعقل العام - ولا الحقيقة الكلية فيسوغ لك أن تظن أن ما لا تفهمه أنت لا يفهمه أحد، وإن الناس خُلقوا على درجات قد يبعد أعلاها من أسفلها حتى ليكون العالم من عالم أذكى منه بموضع كموضع الجاهل من العالم، وروينا. له قصة إمام عصره بهاء الدين العاملي حين اجتمع له العلماء في مجلس وفيهم علامة الشام الإمام البوريني، فبدأ البهاء يتكلم في التفسير بكلام صريح واضح فهمه كل من في المجلس من عالم وغير عالم، ثم دقق حتى لم يفهمهْ إلا العلماء، ثم علا حتى لم يفهمه إلا البوريني وحده، ثم غمض غموض السر في حقائق المعقولات حتى لم يفهمه ولا البوريني. فما كان من جواب الأستاذ الأديب المهذب طه حسين إلا هذه الجملة بحروفها "دا مغفل لازم ". . .
أما والله إن المغفل هو الذي يحسب أن سنن الكون تنشئ له أمة جديدة بكتاب ككتاب الشعر الجاهلي، وتفسد له أمة قديمة بمجموعة كمجموعة قصص السياسة، ثم لا يعلم أن الفاسق الفاجر يكون من الهوان على الله بحيث لا يجعل الله أمره في هذه الأمة المسلمة يزيد شيئاً على حانة في شارع في مدينة. كلما نظرنا في كتاب "الشعر الجاهلي" لم نزدد إلا يقيناً. بأن هذا الأستاذ الذي يسبح بمذهب ديكارت هو أشد الناس خروجاً في كتابه على هذا المذْهب، فإنه لا يكتب ولا يفكر إلا لغرض واحد - يبتغي له وسائله وأسبابه بكل ما استطاع، وهو توهين أمر الإسلام وصدعه من مفاصله وتفكيك العُقَد المحكمة التي يتماسك بها في تاريخه وناهيك به دائباً يجمع من هنا وهناك من أثينا إلى مكة. . .! فالأستاذ لا يبحث كما يدعي وكما هو الأصل في مذهب ديكارت، وإنما يقرر تقريراً، وشتان بين بحث يراد منه ما ينتجه من غير تعيين لنتيجة محتومة. وبين تقرير النتيجة التي يساق لها البحث وتجمع لها الأدلة، فإن الأول يصلع
نما يقرر تقريراً، وشتان بين بحث يراد منه ما ينتجه من غير تعيين لنتيجة محتومة. وبين تقرير النتيجة التي يساق لها البحث وتجمع لها الأدلة، فإن الأول يصلع على التجرد من الأسباب التي تؤثر في الرأي كالعاطفة والعصبية وغيرهما، وأما الثاني فزَعمُ التجرد فيه حماقة وسخرية؛ لأن النتيجة المعينة لا تجاذب إلا مقدماتها. وهذه المقدمات - لا تستدعي إلا أسبابها، وهذه الأسباب لا تقوم إلا بأحوال مقررة منها الرأيُ والعصبية والميلُ والهوى ونحوها؛ وذلك ما حمل طه في اقتحام هذه - الخطة وركوب - هذا النهج، على ما فعل من تحريف النصوص وإرادتها لما ليس فيها؛ وعلى ذلك الخبط من سوء الفهم وفساد الاستنتاج، ومن أجل ذلك تناول الدين بالتكذيب والرد، وتعصَّبَ تلك العصبية الحمقاء في تأويله وسياق أدلته، وجعل الشبهة حجة والحجةَ شبهة. ليستوي له أن يخالف الإجماع، فإذا خالفه نقضه، فإذا نقضه وظن أنه قد تهيأ له نسق تاريخي ولو مزوراً مكذوباً عاد بالهدم على التاريخ وعلى الأسباب الطبيعية الواشجة فيه وكسر كل قياس كان العلماء يقيسون عليه، فيتم له. بذلك ما يسميه هو وأمثاله جديداً وهو من السخف - بحيث ترى. ولسنا نتحرج أن ننبه هنا إلى أصل هذا الجديد الذي يزعمونه ويتشدَّقون به، فكل فاسق، وكل ملحد، وكل مقلد أحدَ هذين، وكل متهوس بإحدى هذه العلل الثلاث - هو مجد إذاً جرى في انتحال الأدب العربي وتعاطيه مجرى
التكذيب والرد والنقيصة والزراية عليه وعلى أهله والخبط ما بين أصوله وفروعه، على أن لا يستخرج من بحثه إلا ما يخالف إجماعاً، أو يعيب فضيلة، أو يغض من دين، أو ينقض أصلاً عربياً جزلاً بسخافة إفرنجية ركيكة، أو يحقر معنى من هذه المعاني التي يعظمها الجامدون أنصار القديم من القرآن فنازلا، وبالجملة فالتجديد أن تكون لصاً من لصوص الكتب الأوروبية، ثم لا تكون ذا دين؛ أو لا يكون فيك من الدين إلا اسمك الذي ضُرِب عليك فلا حيلة لك فيه ولا تستطيع أن تستدرج منه إلا في أولادك المساكين كما فعل أبو مرغريت الشيخ (١) . . . ثم لا حاجة للجديد بإلحادك وزيغك إلا إذا طبعتَ بأحدهما أو كليهما مسائل التاريخ الإسلامي والأدب العربي، وأفسدت الخالص بالممزوج. وحقرت الناس والمعاني، وكنت حراً طليقاً من قيود السماء والأرض إذا صدرت أو وردت، فتقول على قدر عقلك، ثم تعقل على قدر زيغك، ثم تزيغ قدر ما أنت قادر! أما إن بحثت وقايست وتعقلت وكنت أذكى الناس وأبلغ الناس، ثم كنت لا تستخرج من التاريخ والأدب إلا ما يزينهما ويزيدهما ويكشف عن أسرارهما وحقائمهما الصحيحة، ولم تكن لص كتب أوروبية ومذاهب أوروبية فالويل لك فما أنت إلا قديم وما أنت إلا نفس حجرية ولو المسلمون تقديس الكعبة وحجرها، وإن العصر لفي غنى عنك وعن كتبك وآرائك لأن خمسة أو ستة - أو خمسين أو ستين - هم العصر وهم الأمة وهم من التاريخ المترامي إلى المستقبل كالقطار: فيه ما فيه من عربات تحمل من العروض على أجناسها وأنواعها ومن الناس على درجاتهم وطبقاتهم، ولكن الخمسة أو الستة هم وحدهم عربة الآلات والبخار وفحم نيوكاسل. . . بل أيها المجددون، غير أنه ليس على الأرض معصوم من الخطأ، وغير أننا نعرف أن غلطة العالم تدل على علمه كما يدل صوابه. وأن شبهة الجاهل تدل على جهله كما يدل خطأُه، إذ كان الأول متحرزاً يتوقى جهده، وكان الثاني متحمقاً يسترسل جهده، فعلى قدر قوة الشبهة وضعفها، وبحسب نوع الغلطة وشكلها، يُعرف نوع الفكر وتتبين حالة العقل، وبهذين تعرف صفة النفس، وبالنفس لا بغيرها يقوم التاريخ الإنساني.
ى قدر قوة الشبهة وضعفها، وبحسب نوع الغلطة وشكلها، يُعرف نوع الفكر وتتبين حالة العقل، وبهذين تعرف صفة النفس، وبالنفس لا بغيرها يقوم التاريخ الإنساني.
فتعالوا نسألكم لو أن عيسى ﵇ كان مَعه مائة ألف من أمثال الخواجة المجدد سلامة موسى أيكون معه إلا مائة ألف مكابر سخيف يفسدون عليه ولا يُغنُون في أمره ما يغني رجل واحد من أولئك الصيادين الذين كانت في أنفسهم الصافية روحُ الماء العذب! ولو أن محمداً ﷺ كان معه خمسمائة ألف من أمثال الشيخ المجدد طه حسين، أفيردون عليه ما رد عربي واحد قلبُه روحُ سيفه؟ أرأيتم الآن أيها الفضلاء جداً.. أن الأمم في غنى عنكم، وأن حاجتها كل الحاجة إنما هي إيمانها وقديمها، وأنكم لا تنزلون منها ومن تاريخها وأسباب تاريخها إلا منزلة الثرثرة في المعنى الصريح من المعنى الصريح، وأن مَثلكم معها كمثل حادثة تاريخية عظيمة أخذت ما أخذت من الناس وتركت ما تركت فيهم حتى مضت لسبيلها وصارت حديثاً في الأحاديث، جاء رجل متسكع متلكع فاحتسى ألف كأس من الخمر وأحرق ألف دخينة من التبغ وأضرم النار وروح النار على دماغه ليخرج من دماغه رواية تمثيلية في تلك الحادثة تزخرفها بالكذب وتزينها بالفلسفة وتزيدها بالتحليل والمنطق وتجملها بالخيال والشعر، ثم لا تكون مع هذا كله في جنب الأصل إلا مَلهاة وهزءا وسخرية ليس فيها إلا حسام لا يقطع، وبطل لا يمنع، ونار لا تحرق وبحر لا يغرق؟ أتظنون أنْ التجديد لا يقوم إلا بالهدم، وهل يبلغ ما أنتم فيه من الحماقة وضعف البصر بعواقب الأمور وأسرار الأشياء أن تقولوا إن البناء الجديد لا يقوم إلا بعد هدم القديم وإزاحة أنقاضه وإقرار الجديد في موضعه؛ أهو بناء من الطوب والحجارة والأخشاب ترفعون هذا وتضعون هذا، أم هو بناء بالكلام على أرض من الورق، فكل ما جاء ليبنى بَنَى وكل ما جاء ليهدم هدم؛ أفلا تعلمون أن القديم لا يهدم ألبتة لأنه هو الذي يُباع الجديد ويشقه؛ فإن هُدم في أمة من الأمم زال الجديد بزواله ولم يبق من الأمة إلا بقايا لا تستمسك على حادثة ولا تقر على صدمة. وأن سنة الكون في الجديد أنه ترميم في بعض نواحي القديم وتهذيب في بعضها وزُخرُف في بعضها الآخر، وإلا لوجب أن
ايا لا تستمسك على حادثة ولا تقر على صدمة. وأن سنة الكون في الجديد أنه ترميم في بعض نواحي القديم وتهذيب في بعضها وزُخرُف في بعضها الآخر، وإلا لوجب أن
يتجدد التركيب الإنساني والتركيب العقلي، وهو ما لم يقع ولن يقع منه شيء. فالشأن في الجديد أن تتصل المادة الجديدة بالقديم فإذا هو هو، ولكن ببعض الزيادة أو بعض الزينة أو بعض القوة، وكل ذلك لإحداث بعض المنفعة، فالرجل المجدد لا يوجد نفسه أيها الفضلاء جديداً، وما هو من الهوان على الكون ونواميسه وعلله بحيث يقول ساكون فيكون؛ ولو أن كل أسود في مطعم أو حانة كأسود بني عبس لفسدت الأرض ولم يبق للشجاعة تاريخ يُحفظ، ولو أن كل لون أحمر يقول أنا الورد لما بقي للورد معنى إلا أن يكون خجلاً في وحه الدنيا. . . المجدد أيها الفضلاء جديداً لا تخرجه للأمة إلا أقوى عناصر القديم متى اجتمعت فيه صحيحة متظاهرة يمد بعضها بعضاً، فإن من انتهى إلى غاية من الغايات كان هو الحريُّ أن يستشرف لما بعدها وأن يأتي بما لا يستطيع مَن دونه، ولكن الشرط أن يكون قد بلغ هذه الغاية، وما يبلغها إلا إذا كان مهيأ بوسائلها، ولن تأتي له هذه الوسائل على أتمها وأكملها إلا إذا شاءت الحكمة الإلهية أن تنقح شيئاً في أسأليب الحياة والنظام القديم. فالذي يحصل من كل ما تقدم أن لا جديد إلا حيث تُباع الحكمة شيئاً ثم تتصل نواميس الحياة النفسية بهذا الشيء فإذا هي تفعل به ما اقتضته الحكمة مما نسميه هدماً أو بناء، فأنت إذا كنت مجدداً في اللغة مثلاً وكانت فيك العناصر الكافية لاجتماع قوة من قوى الناموس العام فلا بد أن تباع شيئاً غير موجود لا يستطيعه غيرك كما تستطيعه أنت، فإذا أبدعت واستحدثت رأيت القديم نفسه هو الدليل على أنك جددتَ فكنت بشهادته مجدداً؛ وهي شهادة كما ترى لا تنالها بأنك "محرر" صحيفة أو مترجم مجلة أو ملخص من بعض آراء الفلاسفة، بل من حياة عصرك وطبيعته وقوانين وجوده، إذ تكون أنت زيادة في العصر وآية في الطبيعة وكلمة جديدة في قوانين الأمة.
كأن هذا بعيد عن موضوعنا، ولكن كيف نصنع وموضوعنا طه حسين. وهو رجل كشبكة الصائد: كلها عيون وخروق، وبين كل خرق وخرق عقدة. . . رأينا عصبية طه على الإسلام تلبس ثلاثة وجوه: أولها عقيدته في القرآن وأنه من وضع الذي جاء به لا من وحي ولا تنزيل ولا معجزة. وثانيهما رأيه في النبي ﷺ وأنه رجل سياسي فلا نبوة ولا رسالة. وثالثها عمله في توهين أمر الأئمة من الصحابة فمَنْ بعدهم وقياسهم في الإنسانية وأهوائها وشهواتها على قياس من نفسه وطباعه. . . فأما القرآن فقد أفردنا له مقالاً افتضح به أستاذ الجامعة أشد فضيحة وأخزاها، ونزيد عليه هنا أن الأستاذ يقول في صفحة ٨٥ في الرد على المستشرق هوار الذي زعم أن النبي ﷺ أخذ من شعر أمية بن أبي الصلت واستعان به في نظم القرآن: "من الذي يستطيع أن ينكر أن كثيراً من القصص القرآني كان معروفاً بعضه عند اليهود وبعضه عند النصارى وبعضه عند العرب أنفسهم، وكان من اليسير أن يعرفه النبي ﷺ تأملوا - كما كان من اليسير أن يعرفه غير النبي؛ ثم كان النبي وأمية متعاصرين، فلمَ يكون النبي هو الذي أخذ من أمية ولا يكون أمية هو الذي أخذ من النبي؟ وهذه العبارة ناطقة برأي قائلها، حتى كأنه يقول إن القرآن لا ينقصه إلا أن يكتب عليه "تأليف فلان" ونعوذ بالله ونتوب إليه ونستغفره. ويقول في صفحة ١٨ في بيان أن القرآن ليس في حاجة إلى شواهد من الشعر على ألفاظه ومعانيها عند العرب: " نخالفهم أشد الخلاف، لأن أحداً لا ينكر عربية النبي فيما نعرف. . . ".
ي بيان أن القرآن ليس في حاجة إلى شواهد من الشعر على ألفاظه ومعانيها عند العرب: " نخالفهم أشد الخلاف، لأن أحداً لا ينكر عربية النبي فيما نعرف. . . ".
يعني إذا لم ينكر أحد عربيته لم ينكر صحة كلامه؛ ونعوذ بالله ونتوب إليه ونستغفره. ثم يقول في صفحة ٧٦ عن علماء الموالي وعلماء العرب: "وأرادوا هم - علماء العرب - أو الموالي، أو أولئك وهؤلاء، أن يدرسوا القرآن درساً لغوياً ويثبتوا صحة ألفاظه ومعانيه؛ ولأمر ما شعروا بالحاجة إلى إثبات أن القرآن كتاب عربي مطابق في ألفاظه للغة العرب، فحرصوا على أن يستشهدوا على كل كلمة من كلمات القرآن بشيء من شعر العرب يثبت أن هذه الكلمة القرآنية عربية لا سبيل إلى الشك في عربيتها" انتهى. والرجل يكرر هذا المعنى ويطيل فيه، ولا يفهم أن الاستشهاد بالشعر لا يراد منه إثبات عربية القرآن ولا مطابقة ألفاظه لألفاظ العرب، ولا هو من شك في العربية ولا "من أمر ما. . . " وإنما يراد به اتخاذ القرآن سبباً في جمع مادة اللغة وشواهدها، كما كان هو السبب في وضع العلوم العربية كلها؛ أفترى وضع النحو كان لإثبات أن القرآن ليس فيه لحن، أم كان لإقامة الألسنة الزائغة حتى يسهل عليها الأداء والقراءة؛ ثم يراد من تقييد تلك الشواهد وجمعها وتدوينها تفسير كلمات القرآن ليفهمها من يجيئون بعد العرب كما فهمها العرب أنفسهم، وظاهر أنه لا سبيل إلى ذلك إلا بالنص على معاني الكلمات عندهم، ولا ثقة بهذا النص إن لم يكن عليه دليل من شعرهم، إذ هو وحده، المحفوظ عنهم، وهو كان متن اللغة والخبر والأثر؛ ولعمري لولا صنيع العلماء في جمع هذه الشواهد لقام ألف زنديق يضيفون إلى مطاعنهم في القرآن أن فيه خطأ في اللغة، فانظر، أين هذه الحكمة مما يخبط فيها أستاذ الجامعة. ويقول في صفحة ٩١: "إن اليونان يقدسون الإلياذة والأوديسا ويعنون بجمعهما وترتيبهما وروايتهما وإذاعتهما عناية المسلمين بالقرآن الكريم ". ولم نفهم شيئاً من هذا الكلام، لأنه يحتمل كل شيء، ولو فسرَ لنا فسرنا له وأريناه مبلغ جهله وسوءِ أدبه!
يتهما وإذاعتهما عناية المسلمين بالقرآن الكريم ". ولم نفهم شيئاً من هذا الكلام، لأنه يحتمل كل شيء، ولو فسرَ لنا فسرنا له وأريناه مبلغ جهله وسوءِ أدبه! وأما رأيه في النبي ﷺ فمن أعجب ما عجبنا له أنه ما من عالمٍ أو كاتب مسلم يذكره ﷺ إلا صلى عليه أو وضع رمز الصيغة ولو هذا الحرف "ص" وترى كتاب المسيحية يأخذون بهذا الأدب في كتبهم العربية، لأن المسلمين يقراونها؛ أما أستاذ الجامعة فكأنه لا يتولى النبى ﷺ ولا يحس عظمته ولا أثره. فقد ذكره في كتابه مراراً تفوت العدَّ فلم يتأدب معه ولا مرة واحدة، فلا بعقيدة
المسلمين أخذ، ولا بمجاملة المسيحيين اقتدى، بل طريقته هي طريقة المبشرين بعينها، تُشعرك وقاحة الكاتب وغرورَه وانتشار عُقَدِه، مع أنهم قالوا إن هذه الصلاة من الرجل المسلم إنما تكون دليلاً على خلوص نيته وقوة عقيدته، وأنه لا شوب فيها ولا شرك، وعلى أن بشاشة الإيمان قد خالطت قلبه، ولكن شيخ الجامعة قد تجرد من دينه منذ الصفحة الأولى، وقد والله صدق فيه الحديث. "رَغِمَ أنفُ عبد ذُكِرتُ عنده فلم يصلِّ عليَّ " فما أنف أَرغَمُ من أنف طه حسين كمداً وذلاً وخزياً ولعنة. والأستاذ يكذب الحديث الصحيح ويتهكم به كما رأيت في بعض ما مر. وما نظن أحداً يسلم من تكذيبه، بل هو يقول في صفحة ١٢٨: " فأنا لا أقدس أحداً من الذين يعاصرونني ولا أبرئه من الكذب والانتحال". فإذا كان هذا من رأيه فيمن يعاصرونه ويعرفهم حق المعرفة، فيهم أستاذه وصديقه وأبوه وأمه، فكيف به فيمن لا يعرفهم إلا من الكتب، بل هو يكاد يصرح في صفحة ١٠١ أن كل شخص لا يعرفه فأكبر الظن عنده أنه من أشخاص الأساطير لم يوجد قط؛ قال: "نحن لا نعرف مَن سَعد ومن مالك ومن زيدُ مَناة، فأكبر الظن عندنا أنهم أشخاصُ أساطير لم يوجدوا قط ". فهل تعرف يا أستاذ الجامعة أولئك الذي ألفوا كتب التاريخ؛ وإذا كنت لا تعرفهم فليس ما يمنع أن يكونوا أشخاص أساطير، وإذن فالكتب قد ألَّفَت نفسها. . . إذ لو قلت: إن غير أولئك ألفوها قلنا لك: وهؤلاء لا تعرفهم؛ فلا تزال تدور في محال لو أخذنا بقياسك الفاسد ورأيك السقيم! قالوا: سعد ومالك وزيدُ مَناة وفلان وفلان، وفسروهم وأخبرونا خبرهم.
نا لك: وهؤلاء لا تعرفهم؛ فلا تزال تدور في محال لو أخذنا بقياسك الفاسد ورأيك السقيم! قالوا: سعد ومالك وزيدُ مَناة وفلان وفلان، وفسروهم وأخبرونا خبرهم. فإن قلنا إننا لا نعرفهم ولم نثبتهم عياناً فيجوز لذلك أن يكونوا رجال أساطير - صدق هذا على كل ما كان قبلنا، وسيصدق علينا وعلى تاريخنا إذا جاء من بعدنا ووِرثتنا الدنيا، فلا يكون العلم التام إلا الجهل التام، وحسبك بهذا جهلاً ممن يقول به. ثم إنه ليس في الطبيعة الإنسانية تواطؤ على نمط واحد من الخُلُق، فإن وُجد الكذب وُجد معه الصدق، وإن كانت الغفلة كان التحزز، وإن عُرف التلفيق عُرف النقد والتمحيص، وما قطُّ وُجدت أمة يُجمع كل أدبائها وعلمائها على الكذب. ولقد امتازت الأمة الإسلامية دون كل الأمم بعلم الرواية وشروطه الكثيرة، كما بسطنا الكلام عليه في الجزء الأول من تاريخ آداب العرب؛



