تحت راية القرآن

Kitab aqidah Ahlussunnah wal Jama'ah karya مصطفى صادق الرافعي (w. 1356 H).

Bagian 6 dari 10 305 halaman

— Bagian 6 · فإن كان عندنا الكذابون والوضاعون ومن لا ثقة بهم،… —

Bagian 6

فإن كان عندنا الكذابون والوضاعون ومن لا ثقة بهم، فإن عندنا الناقدين والمصححين والثقات؛ ولكن ما أنت صانع في رجل كطه حسين جَهله أوسعُ من علمه، ولسانه أوفى من عقله، ولا يدري إلى الآن أنه متى صار التاريخ إلى الطريقة الجدلية فلا حاجة إلا اطلاع ولا فكر ولا علم، وكل عاقي هو مؤرخ، إذ حسبه من العلم أن يقول فيما لم يكن إنه كان، وفيما كان: يجوز أنه لم يكن، وعجيب أن تكون هذه هي طريقة أستاذ الأدب في الجامعة وأن يكون رجال هذه الجامعة من الغفلة بحيث يظنون هذا علماً أو تجديداً في العلم. . . ويقول في صفحة ٤٨ يعني النبي ﷺ أول أمره مع قريش: "ولم يكن يطمع في ملك ولا تغلب ولا قَهر، أو لم يكن ذلك في دعوته ". وهذه العبارة الأخيرة يقلد فيها دهاة السياسة في لغتهم العملية التي يجعلون لكل جملة منها بابين، غير أن طه سدَّ في عبارته البابين والنافذة أيضاً. . . فإن معناها الصريح أن النبي ﷺ أولَ أمره لم يكن يطمع في ملك، أو كان يطمع، ولكنه كتم ذلك فلم يُظهره في دعوته التي دعا بها الناس إلى الله. وإذن يا شيخ الجامعة فقد كان للدعوة بطن وظهر، ولا تكون كذلك إلا إذا كانت من عنده هو لا من عند الله، وليتأمل القراء شنعة ما يخرج من هذا القياس من إنكار النبوة والرسالة، نعوذ بالله ونتوب إليه ونستغفره. ثم يقول في صفحة ٥٥: "إن النبي ﷺ كان يحرض على الهجاء ويثيب عليه أصحابه، ويتحدّث أن جبريل كان يؤيد حساناً". وهذا الجهل مما تضيق به الصدور فإن النبي ﷺ لم يكن به الهجاء ولا الإقذاع، وإنما كانت تلك سُنة عربية اضطرته إليها طبيعة العرب لحماية أعراض المسلمين، فقد كان من هذه السنّة عند العرب أنه إذا سكت المشتوم صدق الشاتم فجرى كلامه مجرى التاريخ الصحيح، ثم كانت معارك الألسنة لا يسكت فيها إلا الذليل فسكوته ذل، ولا يُغلب فيها إلا العَيي فعيه ذل آخر، وكل ذلك من أمرهم فلم يكن بدٌّ من المصير إليه ليتعالمه العرب فلا يؤثر هجاء قريش أثره فيهم ويكون سبباً لنفرتهم ولتوهين أمر المسلمين عليهم (١) . وما كان جبريل

من أمرهم فلم يكن بدٌّ من المصير إليه ليتعالمه العرب فلا يؤثر هجاء قريش أثره فيهم ويكون سبباً لنفرتهم ولتوهين أمر المسلمين عليهم (١) . وما كان جبريل

يؤيد حساناً في الهجاء، ولكن في الكفاح عن نبيه كما ورد في الحديث: "إن الله ليؤيد حساناً ما كافح عن نبيه" والعبارة بهذه اللفظة (الكفاح) تُفهِم معانيَ كثيرة وليس منها معنى الهجاء، وكأنه ﷺ كُشف له أن طه حسين سيدعي عليه ويغض منه فقيد غرضه بها ليقول للناس: انظروا فإنه. . . وافهموا فإنه..


وأما عصبية الرجل على أئمة المسلمين فقد مر من ذلك نبذ، وانظر كيف يقول في صفحة ٥١ عن أبي سفيان في فتح مكة: "فنظر فإذا هو بين اثنتين: إما أن يمضي على المقاومة فتفنى مكة، وإما أن يصانع ويصالح ويدخل فيما دخل فيه الناس "وينتظر. . . " لعل هذا السلطان "السياسي" الذي انتقل من مكة إلى المدينة، ومن قريش إلى الأنصار، أن يعود إلى قريش وإلى مكة مرة أخرى؛ قال: وألقى الرماد على هذه النار التي كانت متأججة بين قريش والأنصار وأصبح الناس جميعاً - في ظاهر الأمر - إخواناً مؤتلفين في الدين" انتهى نصاً. وقد طال "انتظار" أبي سفيان في رأي الشيخ المأفون حتى قام حفيده يزيد بن معاوية فانتقم من غزوة بدر في وقعة الحَرّة كما قال في صفحة ٥٥، وفي هذه الصفحة يقول: "إن يزيد صورة صادقة لجده أبي سفيان في السخط على الإسلام وما سنَّه للناس من سنن (١) . فأبو سفيان والصحابة أو أكثرهم منافقون في رأي الجامعة المصرية. لأنهم لم يكونوا إخواناً مؤتلفين في الدين إلا - في ظاهر الأمر - وأبو سفيان مع ذلك من كتاب النبي ﷺ وقد شهد معه حنينا والطائف وفُقئت عينه في هذه. وهو القائل لرسول الله ﷺ بعد غزوة حنين: "والله إنك لكريم فِداك أبي وأمي، والله لقد حاربتك فنِعمَ المحارَب كنت، ولقد سالمتك فنعم المسالم أنت" أفهذا كلام منافق ينتظر ويتربص؟

ﷺ بعد غزوة حنين: "والله إنك لكريم فِداك أبي وأمي، والله لقد حاربتك فنِعمَ المحارَب كنت، ولقد سالمتك فنعم المسالم أنت" أفهذا كلام منافق ينتظر ويتربص؟

على أن الذي ما يُقضَى العجبُ منه أن رأي طه حسين هذا هو بعينه ونصه رأي الرافضة ومذهبهم، فقد زعموا أن الصحابة كانوا منافقين في حياة رسول الله ﷺ: أبا بكر وعمر وأبا عبيدة بن الجراح وجلة المهاجرين وخيارَ الأنصار. فكيف يتفق كل هذا في كتاب الجامعة، وهل الذي فيها أستاذ للآداب أم هو أستاذ للفكر والرفض؟

قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ قبل أن يجري القلم في هذه الكلمة نصحح قولاً جئنا به في بعض ما كتبناه، فقد ظنَنا أن أستاذ الجامعة أخذ فكرة الشك في شعر الجاهلية عن المستشرق مرجليوث، ولكن أحد الفضلاء نبهنا إلى أنه قبلَ جحا قد كان أبو دلامة. . . فإن هذه الفكرة من آراء مستشرقي الألمان، وهي مبسوطة بكثير من أدلة طه حسين في كتاب "الشعر العربي قبل الإسلام " المطبوع في باريس سنة ١٨٨٠؛ فيسرنا والله أن نباهي الأمم كلها بجامعتنا المصرية التي جاءت في تاريخ الدنيا بمعجزة فوق المعجزات، إذ ظفرت لتدريس الآداب العربية بأستاذ عظيم تُسرَق آراؤه وتُطبع وتنشر في أوروبا قبل أن يولد هو في مصر ببضع سنوات. . . وما زالت بلادنا هذه مُرَزأة مسكينة لا تبرح الأقدار تمسها في كنوزها الغالية وترميها بالمتلصصة من آفاق الأرض، فما كفى أوروبا أن تسرق آثار ملوكها وفراعنتها بعد موتهم، بل اجترأت كذلك فسرقت آراء الفرعون العظيم طه حسين قبل ولادته. . . أما بعد أيتها الجامعة، فإنما نخاطبك ونكتب لك وحدك، وإياكِ نعني. وعلى قدرِك ما أجملنا وفصلنا؛ لأنك مؤتمنة على عقائد أبنائنا ونراك خائنة.

ل ولادته. . . أما بعد أيتها الجامعة، فإنما نخاطبك ونكتب لك وحدك، وإياكِ نعني. وعلى قدرِك ما أجملنا وفصلنا؛ لأنك مؤتمنة على عقائد أبنائنا ونراك خائنة. وفيك مَثابة العلم ونراك جاهلة، وإليك الرأي في هذا الأدب ثم لا يسف ولا يسقط في الرأي غيرك؛ وقد كان الظن بك أن للعلم حرمة عندك وللأمانة موضعاً فيك، وأنك تعلمين الفرق بين علم مفروغ منه وعلم قد بُدئ؛ فيه وبين العقل العام الذي يجتمع من صواب العلماء جميعاً وبين العقل الخاص الذي يحمله كل عالم وكل جاهل، وكنا نرجو بذلك أن تدركي أن الأدب لا يلبس ثياب طه حسين ولا يحيا بحياته ولا يموت بموته، وأن هذا الرجل هو مِرآتك في الأمة، فهو رادك إلى طبعه وخلقه، وممثلك بجهله وحمقه، ودامغُك بزيغه وإلحاده؛ فتَعَالَمتِ به حتى فضحك جهله، وأمنت له حتى لبسك كفره؛ ثم أنت بعد ذلك لا خطأ نفيتِ ولا صواباً أتيت، بل ذهبتِ بنفسك؛ غروراً منك بأن

اسمك الجامعة، وتعصباً لباطل أستاذك الملحد واستكباراً في الأرض ومكرَ السيئ، فكنتِ ما كنتِ، إلى صلابة وعناد، وإلى شدة ونكاية؛ وملتِ إلى ناحية الازدراء بالأمة والتهكم بدينها والتحقير لعلمائها وأدبائها، كأنه ليس في كل أولئك عالم ولا أديب، وكان مجموعة الأمة المصرية لا توزن عندك "بابن الجامعة البكر" لأن قلبك يزيد فيه حتى يصير جبلاً، وينقص من الأمة حتى ترجع حصاة، والميزانُ ميزان قلبك؛ ثم هو في يدك المتصلة بهذا القلب. فسبحان الله! كأننا لا نجادلك في العلم والأدب ولكن نعذلك في العشق والهوى، وأضيع شيء ما تقول العواذل! فما بك إلا الخلاف والمكابرة والإصرار واعتدادُ كل سيئة من سيئات المحبوب حسنة من حسنات الحب. . . فلقد صار لنا أن نفهم أن الأمر عندك إنما هو بين أشخاص وأمزجة ومصالح تجعل علماء الدين في مصر بأسمائهم وألقابهم وإجازتهم كأنهم صفحة مكتوبة تقرأ وترمى في سلة المهملات. أما طه وحده فهو الحي العالم القادر المتكلم الابن البكر الذي تجعله شهادة السوربون كأنه الآية الناسخة، ثم لا تكون الآية المنسوخة إلا الأزهر الشريف، على حين لا يكون الخلاف إلا دينياً وفي كتاب الله. وصار لنا أن نفهم أن هذه التي تسمى الجامعة المصرية لا تبالي حُسنَ أثرها على الأمة أو سوء أثرها عليها، ولا تعبأ بسمعة تمدح أم تذم كأنها هي وحدها مركز المخ من الجسم المصري، أما سائر الناس والطبقات فجلد وعظم وأدوات وشيء كالصبغة فيما تغِله على صاحبها، أو نحو من هذا التشبيه أو قريب من نحوه، فإن سقط رجل فيها كطه حسين ونبذته الأمة كلها لم يكن للجامعة هم إلا أن تشده إلى كرسيه ولو بالحبال، وتثبته ولو بالمسامير، كأنما وظيفته في الجامعة أن لايتركها وحسبُ. . . أما العلم والأدب فكل كلام هو علم وأدب ما دام قائله "ابن الجامعة البكر" وما دام التمييز مفقوداً والأهواء ملتبسة، إذ البغية عندهم كما وضح لنا وللناس جميعاً أن يجد أستاذ الأدب عيشه لا أن يجد الأدب أستاذه، والأمران مختلفان جدا كماترى وبينهما بعد باعد لا تقريب فيه. نسأل الجامعة سؤالاً مكشوفاً لتجيبنا عليه إن استطاعت أن تجيب بعد ذلك السكوت منها:

ب أستاذه، والأمران مختلفان جدا كماترى وبينهما بعد باعد لا تقريب فيه. نسأل الجامعة سؤالاً مكشوفاً لتجيبنا عليه إن استطاعت أن تجيب بعد ذلك السكوت منها: مَن الذي يصلح من رجالها والقائمين عليها أن يكون حَكماً فيما شَجر

بينها وبين الأدباء من خلاف؛ فهم يرمون أستاذها بالجهل في تاريخ الأدب ويهدمون عليه دروسه ينقضون آراءه، وذلك إما حق فينفذ وإما باطل فيرد. فمن عساه يقول هذه الكلمة الفاصلة من أساتذة الجامعة ورجالها؛ ومن هو هذا الذي يرى في نفسه قوة في هذا العلم ويكون من أهله بهذا الموقع، وما علمنا أن في الجامعة الأصمعى ولا أبا عبيدة ولا الجاحظ ولا من فيه من هؤلاء وأمثالهم رائحة، وليس في الأرض كلها من يقول إن عالماً بالقانون هو من أجل ذلك عالم بالأدب، وأن فيلسوفاً في العقليات هو بفلسفته مؤرخ للشعر والكتابة، وما كل من يحسن شيئاً يحسن كل شيء. ولقد ادعى الأدباء والعلماء وجاؤوا بالبينة وساقوا الحجج وأثبتوا للجامعة إلحاد شيخها وضعف رأيه وسوء فهمه وعقم استنباطه، وأنه على ذلك نزر المادة يتوسع فيها بأشياء من نفسه يسميها التحليل والمنطق، لا بالأسباب التي تكون المادة نفسها مما يسمى بالنصوص والعلل ونحوها. قد أقيمت الدعوى فأين القاضي؟ أتريد هذه الجامعة أن تتهزأ بالعلماء والأدباء جميعاً، وأن تتغفل الأمة كلها فتضع لـ طه حسين لحية كثة على عارضيه وفروة بيضاء على رأسه وتخرجه للناس يقول: نحن قاضي الجامعة، فتحت الجلسة وحكمنا أن طه حسين لم يلحد في دين الله ولن يلحد فيه، ولم يخطئ في تاريخ الأدب ولن يخطئ، ولم ولن عشر مرات على بياض..؟ ليضع فيها طه حسين ما شاء كلما شاء؟ " أيتها الجامعة، لا نسألك إنصافاً ولا بعضاً من الإنصاف، ما دمت تخصين أستاذك بالمراعاة وبفضل من المراعاة، ولكن ويحك ما أنت صانعة في تاريخ الأدب، ومن الذي ورثك إياه أو وفقه عليك حتى يكون علمك هو العلم

إنصاف، ما دمت تخصين أستاذك بالمراعاة وبفضل من المراعاة، ولكن ويحك ما أنت صانعة في تاريخ الأدب، ومن الذي ورثك إياه أو وفقه عليك حتى يكون علمك هو العلم وحده، وأية قوة هذه التي تجعل الغلطة منك ذات عنصر ليس في الغلط حتى لا يطمع أحد في تنبيهك إليها أو حسابك عليها، وفي هذا القياس من الذي يجعل حديدك ذهباً، وثلجك البارد لهباً، وحطبك عُود الند، وجَزرَك أعلى المد، سبحانكِ بيدك الخير، وأستاذكِ ولا غير، وورثت ملكَ سليمان "بعِفريت"، وملكت حرارة الشمس في علبة كبريت. . . أما إنه عزيز علينا والله أن يجري بنا القول إلى هذا المعنى، ولكن الكلام لا مَقادَة له إلا من الواقع، وما كان لنا أن نرى في المرآة قفاً عريضاً ثم نقول في وصفه تبارك الله ما أبدع سحرَ العين، وما أحلى ندَى الابتسام على ورق الشفتين، وهذا الخد، قافية في شعر الورد، وذاك الفم على وزن الدم،

ويا عليل الطرف أين منك الدواء، وما هذا الحاجب إلا حاجباً محكمة الهوى. . .


وبعد فلندع الجامعة في أستاذها ولتسخر من الأمة ما شاءت، ولكنا نريد أن نفهمها أن السماجة كل السماجة في أستاذها أنه يزعم في كتابه تصحيح الحياة الأدبية الإسلامية، وقد علم أنه ما كان فيها ولا شارك أهلها ولا أحاط بأسبابها، ولا هو يتولاها بالذهن اللطيف والبصيرة النافذة والطبع الشعري وما يشبه أفكار أهلها ومنازعهم وأغراضهم، بل يزعم في غرور أي غرور أنه تجرد من العاطفة والدين ليدرس ويستثبت ويحقق، وهو لو كان على علم وبصر وكان قد توفر على ما هو بسبيله من هذا الأدب للبس ولم يتجرد. فكان يكسو فكره وخياله عواطف العرب وأذواقهم وعاداتهم وطبائع عصرهم، ويقارب أذهانهم الحِداد وقرائحهم القوية، ثم يقول بعد ذلك في تاريخهم، وتاريخ أدبهم وينكر ويثبت. فإنه أحرى أن يقبل منه؛ إذ يكون كأنه اتصل بالحادثة التي يؤرخها بمثل ما يرده العيان والمشاهدة على من عاين وشاهد، وكأنه شارك فيها بإيجاد وخلق، فمن ثم لا يقول فيها من هو أصدق منه أو أقرب إلى الصدق؛ ويكون فيما يحكيه أو يصفه أو يستنبطه كأنه بقية دهر تصف دهرها، فما ثم إلا القبول منه والمصير إلى قوله ورأيه؛ وينزل عصره منه منزلة الفتى الناشئ الذي يسمع لقصة الهرِم الفاني الذي يقصها عن نفسه. من أين للفكر المستفاد من عصرنا هذا عصر الشك والإلحاد أن يستبطن خفايا العصور المؤمنة الغالية في إيمانها، ومن أين للعقل الذي تنشئه أسباب التخنث ويقوم على النعمة واللين والحياة الوادعة أن يمضي في أسرار الأعصر المخربة المدمرة البالغة في جبروتها؛ وليت شعري عن أستاذ الجامعة إذ يجانس فكرُه الغربي الأوروبي ذلك الفكرَ الشرقي العربي حتى يقع التمازُجُ بينهما. هل يكون كلا الفكرين إلا سبًّا للآخر ونقضاً عليه؟ كما ظهر في كتابه الذي سب تاريخ الأدب به وسبه به تاريخُ الأدب؟ أنت يا راكب السيارة وممتطي القطار تزعم أن الحمق أشد الحمق أن تمتطي الناقة أو تركب الجمل فتزري عليهما وتحقر شأنهما وتقول فيهما ما يبلغ لؤمُ القول، ثم تجاوز بهذه السمة إلى أهل الناقة والجمل، ثم تتعداهم إلى

حمق أن تمتطي الناقة أو تركب الجمل فتزري عليهما وتحقر شأنهما وتقول فيهما ما يبلغ لؤمُ القول، ثم تجاوز بهذه السمة إلى أهل الناقة والجمل، ثم تتعداهم إلى عصرهم فتقول عصر البطء والبلادة والقلة وضياع الوقت والإسراف في إنفاق العمر وكيت وكيت؛ ولكن أيها الأحمق غامر بنفسك مرة في الصحراء وارتم

هناك بين العرض والطول الملتبسين في خيط واحد، ثم اجمع شواهدك وحججك واستعرضها حجة حجة ودليلاً دليلاً فإنك مشرى الجمل يهدم عليك ذلك المنطق كله ببعره. . . وستتعلم هناك منطقاً آخر تؤمن فيه أشد الإيمان بأن الناقة والجمل ليسا من الحيوان، بل هما الكوكبان اللذان خلقهما الله بقدرته لتلك السماء من الرمل. إن أقوى أسباب الخطأ في تاريخ الأدب شيئان: ضعف الفكر عن النفاذ في إدراك الأسرار التي انطوى عليها ذلك التاريخ، وضعف المادة التي تجمع لك صور التاريخ وتعين أجزاء هذه الصورة وتحقق أوضاع هذه الأجزاء؛ أما الفكر فلا نفاذ - له إلا - أن يكون فكر شاعر كاتب بليغ على أصل من الفلسفة والذكاء الشفاف والعلم العربي، وأما المادة فلا قيمة لها ما لم تكن من الاتساع بحيث تتناول عصراً عصراً ورجلاً رجلاً وما نقص من ذلك، فالنقص في التاريخ بحسبِه وعلى مقداره. ولنضرب مثلاً بأستاذ الجامعة؛ فقد صنع فصولاً في أبي نواس جعل فيها هذا الشاعر الماجن الخليع المتخنث ديناً لعصره ومذهباً للحياة في زمنه فقال إنه كان عصر شك وإلحاد وزندقة؛ وغفل عن قول الأصبهاني جامع شعر أبي نواس: " إن تعاطيه لقول الشعر كان على غير طريق الشعراء لأن جل أشعاره في اللهو والغزل والمجون والعبث كأشعاره في وصف الخمر ولغة النساء والغلمان، وأقل أشعاره مدائحه، قال: وليس هذا طريق الشعراء الذين كانوا في زمانه". فإذا كان هذا النص صريحاً قاطعاً في أن شعراء زمن أبي نواس كانوا على غير طريقته فكيف يكون الزمن نفسه على طريقته. وما دمنا في طه حسين فلنضرب به هو مثلاً، فقد جاء في كتابه الشعر الجاهلي بمخزيات كثيرة من الإلحاد والتهكم بالدين، فإذا مضت ألف سنة ثم

نفسه على طريقته. وما دمنا في طه حسين فلنضرب به هو مثلاً، فقد جاء في كتابه الشعر الجاهلي بمخزيات كثيرة من الإلحاد والتهكم بالدين، فإذا مضت ألف سنة ثم جاء أديب في مثل فكره وفهمه العجيب فوقف على كتابه أو نبذٍ منه أفلا يقطع بهذا الدليل إذا لم يجد غير هذه المادة من التاريخ أن الجامعة المصرية كانت في سنة ١٩٢٦ معهد كفر وإلحاد، ثم ينساق به الفكر إلى الأمة المصرية فيستنبط أنها كانت بقَضها وقضيضها أُمة كافرة ملحدة، لأن الجامعة هي أكبر مدارس الحكومة، والحكومة أقوى مظاهر الأمة الدستورية، ولكن هذا الأحمق - مقدماً وسلفاً. . . - إنما يقع في هذا الخلط الشنيع من ضعف استجماعه لمادة التاريخ وإن كان سديد الرأي صحيح القياس، فلو هو اطلع على برقيات المعاهد الدينية

المذيَّلة بأسماء جميع علمائها، وعلى قرار علماء الأزهر، وعلى احتجاج الشعب المصري، وعلى ما كتبه الأساتذة الكبار، وعلى مقالاتنا الضعيفة أيضاً، لعلم من كل ذلك فضيحة الجامعة فتغير رأيه، فتغير حكمه، فتغير التاريخ الذي يجيء به ويؤلفه. لا جرم كانت المادة المحفوظة هي التي تنشئ التاريخ إنشاء على حسبها فلا تجزئ عنها الفلسفة ولا الفكر ولا مذهب ديكارت ولا مذهب طه حسين؛ إذ هي وحدها سبيلنا إلى ما لا يمكن أن نلحق به أو يرجع إلينا، أما اتهام الرواية والجرح والتعديل وما كان من الانتحال بزيادة أو نقص ولسبب وغير سبب، فهذا وما يجرى مجراه عمل الفكر الذي أفيضت عليه تلك المادة لا الذي انحسرت عنه، فعلى قدر ما يعجز المؤرخ عن استيعاب المادة يكون عجز فكره، ويدخل رأيه من الخلل والاضطراب والنقص بمقدار ما عسى أن يكون في تلك المواد التي سقطت عنه من الإحكام والضبط والزيادة وغيرها من أسباب الرأي، ولن يسلم مؤرخ الأدب من ذلك ولن يكون لفكره نفاذ ولن يكون رأيه رأياً إلا إذا أزاح هذه العلة بالاطلاع والجمع والاستقصاء؛ وذلك ما نبهنا إليه الجامعة في غير موضع من كلامنا، لنعلم أن المطلب بعيد والطريق وعر، وأن تاريخ الأدب ليس مقالة إلى مقالة ولا فكرة إلى فكرة، ولا هو من باب الكلام الصحفي، ولكنه مادة إلى مادة وتحقيق إلى تحقيق؛ فلتعاير كتاب أستاذها بهذا المعيار، ولتبحث فيه عن المادة قبل الرأي، لَكنها ستراه كله خلطاً أحدثه تمازج عصرين متناقضين، أحدهما: عصرنا هذا بما فيه مما يعرف الأستاذ عياناً وتصديقاً، والآخر: عصر العرب بما كان فيه مما لا يعرف إلا بعضه وهماً وتكذيباً، لأنه لا ينساغ في طبيعته المعتلة الزائغة التي أفسدتها العقلية الأوروبية. ومتى سُلط الفكر التاريخي بالمشاهدة على الوهم وبالتصديق على التكذيب وكان لا يجري في ذلك إلا بميل وهوى، لم يبق من التاريخ شيء. فإن بقي شيء لم يكن تاريخاً بل عملاً كتابياً يُكد فيه الذهن ويُعنتُ الخاطر لغرض من الإبداع أو الإغراب أو التفلسف أو التضليل ونحوها من الأغراض العقلية - أيها كان إلا غرضَ التاريخ. وانظر كيف يصنع هذا الخلط، قال أستاذ الجامعة في صفحة ٥٢: وفي

ع أو الإغراب أو التفلسف أو التضليل ونحوها من الأغراض العقلية - أيها كان إلا غرضَ التاريخ. وانظر كيف يصنع هذا الخلط، قال أستاذ الجامعة في صفحة ٥٢: وفي الحق أن النبي ﷺ لم يكد يدع هذه الدنيا - هذا تعبير المبشرين، كأنه حازها ثم تركها، أما التعبير الإسلامي فهو: لم يكد يلحق بربه، أو بالرفيق الأعلى - حتى اختلف المهاجرون من قريش والأنصار فى الخلافة أين تكون ولمن تكون؟ وكاد

الأمر يفسد بين الفريقين لولا بقية من دين "كذا كذا، بقية فقط في أصحاب رسول الله ﷺ وحزمُ نفر من قريش، ولولا أن القوة المادية كانت إذ ذاك إلى قريشاً وهذا كذب على التاريخ؛ فما هي إلا أن أذعنت الأنصار وقبلوا أن تخرج منهم الإمارة، وظهر أن الأمر قد استقر بين الفريقين، وأنهم قد أجمعوا على ذلك لا يخالفهم فيه إلا سعد بن عبادة الأنصاري الذي أبى أن يبايع أبا بكر وأن يبايع عمر وأن يصلي بصلاة المسلمين وأن يحج بحجهم وظل يمثل المعارضة قوي الشكيمة ماضي العزيمة حتى قتل غيلة في بعض أسفاره قتلته الجن فيما يزعم الرواة انتهى. ثم قال في صفحة ٧١: وأعجب من هذا أن السياسة نفسها قد اتخذت الجن أداة من أدواتها "نهنئ الجامعة". . . وأنطقتها بالشعر في العصر الإسلامي نفسه، فقد أشرنا في الفصل السابق إلى ما كان من قتل سعد بن عبادة، ذلك الأنصاري الذي أبى أن يذعن بالخلافة لقريش، وقلنا إنهم تحدثوا أن الجن قتلته، وهم لم يكتفوا بهذا الحديث وإنما رووا شعراً قالته الجن تفتخر فيه بقتل سعد بن عبادة هذا: قد قتلنا سيد الخز. . . رج سعدَ بن عباده ورميناه بسهميـ. . . نِ فلم نخطئ فؤاده انتهى كلام الشيغ. وسنقف هنا وقفة نبين لك فيها ضلالة هذا الرجل

بادة هذا: قد قتلنا سيد الخز. . . رج سعدَ بن عباده ورميناه بسهميـ. . . نِ فلم نخطئ فؤاده انتهى كلام الشيغ. وسنقف هنا وقفة نبين لك فيها ضلالة هذا الرجل وخلطَه وتعمدَه الكذب وقلة تَحفظه وأخذِه على نفسه فيما يقوله ويراه، وستطلع من ذلك على دخيلة نفسه الخبيثة وتعلم يقيناً أن غايته تحقير الإسلام وتهوين أمره، وأنه كالمكره على أن يسوق كلامه مَساق الشبهة مع أنه في سعة من التاريخ ونصوصه واللغةِ وأساليبها، وأنه دائماً يتبع طريق الزنادقة في جعل الكلام مقدمات فاسدة ثم الإمساك عن النتيجة الآتية منها فلا يصرح بها بل يدع الطالب يستخرجها بفكره؛ ليجعل ذلك من عمله فيكون أَلصق به وأشد تأثيراً في نفسه وعقله، ويخرجه ذلك إلى أن يعتقد ما انتهى إليه ويتأدى به الشك إلى التهمة، وتسلمه التهمة إلى ما لا يَسلم عليه إيمان ولا يصح به يقين. يصور الشيخُ سعدَ بن عبادة كما تفهم أنت من موقف كموقف الحزب الوطني في البرلمان مثلاً، فهو يمثل "المعارضة" وظل يمثلها إلى أن قتل، أي سنة خمس عشرة للهجرة على بعض الأقوال وبعد وفاة أبي بكر ﵁ بنحو سنتين، والمعارضة إنما كانت معارضة حين نشأت مسألة الخلافة فما

بقاؤها بعد أن استوثق الأمر وهل تسمى بعد إجماع الأمة عصياناً وخروجاً أو معارضة يمثلها رجل سياسي؛ ثم يقول إن سعداً هذا كان لا يصلي بصلاة المسلمين الخ، فهل يفهم القارئ من هذه التعمية إلا أنَّه كان يصلي بصلاة النصارى أو اليهود، مع أن صريح المعنى فيها أن الرجل كان يصلي بصلاة المسلمين لم يغير ولم يبدل، ولكنه يصلي وحده وفي بيته لا مع الجماعة في المسجد؟.. ثم يقبول إن الجن قتلته غيلة في بعض أسفاره، والرجل لم يُقتل وإنما"سار. إلى الشام وأقام بحوران إلى أن مات ووجدوه ميتاً على مغتسله، ولم يختلف المؤرخون في ذلك؛ وإنما يذهب شيخ الجامعة إلى جعل القتل سياسيا لمكان "المعارضة" حتى يحسن التلفيق وهذا أفضح لجهله، فما حاجة المسلمين إلى فتل رجل ضعيف مغترب وقد استقر الأمر وبويع أبو بكر ثم بويع عمر ومضت سنتان على ذلك ولم يُقتل، ولا فتنة ولا خلافَ ولا شيء مما يدعو إلى القتل غيلة؟ ثم يقول إن السياسة التي قتلته أنطقت الجن بذينك البيتين، وأنهم تحدثوا وروَوا؛ وكل ذلك جهل من الأستاذ؛ والخبر أن قريشاً وضعت فيما وضعت من الشعر بيتاً نحلته الجن في سعد بن عبادة وسعد بن معاذ، فزعموا في أول الإسلام، أنهم لسمعوا صائحاً يصييح ليلاً على جبل أبي قُبيس: فإن يُشلم السعدانِ يُصبِح محمدٌ. . . بمكة لا يخشى خِلافَ مخالِف لما كان لهذين الرجلين من الشأن والخطر في قومهما، حتى إن النبي ﷺ اششارهمافي غزوة الخندق دون سائر الناس، فلما كانت هذه من أولية سعد زعم ابن سيرين في قَصصه أنه لما مات بالشام عُرف خبر موته في المدينة "بالتلغزاف. . . " ولا تلغرافَ يومئذ إلا من الجن، فزعم أنهم لم يشعروا بموته بالمدينة حتى سمعوا قائلاً من بئر وأنشد البيتين؛ فأنت ترى لطف الصنعة في هذه الواية ورقتها وحسن سبكها، فإن الصائح الأول قبل إسلام سعد كان على ظهر - جبل والصائح الآخر بعد موته كان في قعر بئر. . . وكل ذلك تعظيم لشان سعد، ولا سياسة ولا قتل ولا زندقة، وإنما قيل في الشعر - قد قتلنا - لأن عبارة ابن سيرين في ذلك أن الرجل كان قائماً يبول فاتكأ فمات، فهذه الفجأة هي ما يسمونه قتلاً من الجن، وهي كثيرة في أخبارهم؛ ولا يذهبن

  • قد قتلنا - لأن عبارة ابن سيرين في ذلك أن الرجل كان قائماً يبول فاتكأ فمات، فهذه الفجأة هي ما يسمونه قتلاً من الجن، وهي كثيرة في أخبارهم؛ ولا يذهبن عنك أنه إذا صح أن الرجل قتلته السياسة فما قتله إلا عمر بن الخطاب، وما أشنعها تهماً أخزى الله قائلها! ويبقى بعد كل هذا أن شيخ الجامعة قد جانب الفكر وترك التحليل في هذه الحادثة مع أنه كثيراً ما يقول في كتابه: "وفِقهُ هذه الرواية "كيت ذيت" فما

باله غفر الله له؟ ونحن نقول له إن "فِقه هذه الرواية" أن سعد بن عبادة كان سيد الأنصار وأجودَهم وصاحبَ رايتهم في المشاهد كلها، وكان غيوراً حتى ورد في الحديث: "إن سعداً لغيور وإني لأغيرُ من سعد واللهُ أغيرُ منا وغيرة الله أن تؤتى محارمُه " وكان يرمي بهمته بعيداً، حتى كان من دعائه: "اللهم هَب لي مجداً. لا مجد إلا بفعال، ولا فعَال إلا بمال، اللهم إنه لا يُصلحني القليل ولا أصلح عليه". فهذه كلها أخلاق الرجل وطباعه، فلما لحق النبي ﷺ بربه طمع في الخلافة لمكانته وسابقته، وكان وقتئذ مريضاً لا يُسمع صوته، حتى إنه لما اجتمعت له الأنصار قال لابنه: لا أقدر لشكواي أن أسمع القوم كلهم ولكن تلقَّ مني قولي فاسمعهُموه، فكان يتكلم ويحفظ الرجل قوله فيرفع صوته فيُسمع أصحابه، فلعل هذا المريض لو كان صحيحاً لصح رأيه ولم تغلبه الفلتة الجاهلية ودخل فيما دخل الناس فيه، وهو إن كان قد غضب بعد أن تولاها أبو بكر فما غضب على المسلمين كافة ولكن على الأنصار بخاصتهم، لأنهم قومه الذين خذلوه. وإذا كان هذا كان الزعم أنه "يمثل المعارضة" زعماً مضحكاً. ثم يبقى قول أستاذ الجامعة "ولولا أن القوة المادية كانت إذ ذاك إلى قريش " وما ندري من أين جاء بهذا إلا أن يكون سخافة من سخافاته، كأنه خيل إليه أن الأنصار لو كانوا يملكون القوة المادية لذهبوا بالخلافة، فلما ذهبت بها قريش كان ذلك نصاً على أن القوة كانت فيهم. وهذا الأشتاذ والله في حاجة شديدة إلى طبيب يحميه الاستنتاج كما يُحمَى المريضُ الأطعمةَ الغليظة، ونحن نشير عليه أن يرحم نفسه فلا يحمل ذهنه على هذا النوع الدقيق من معاناه الفكر، فإن لم يرحمها فليرحمنا. . .

نتاج كما يُحمَى المريضُ الأطعمةَ الغليظة، ونحن نشير عليه أن يرحم نفسه فلا يحمل ذهنه على هذا النوع الدقيق من معاناه الفكر، فإن لم يرحمها فليرحمنا. . . كيف تكون القوة المادية في قريش، وفي خبر اختلاف الأنصار معهم أن الحباب بن المنذر قال: يا معشر الأنصار، ملكوا على أيديكم فإن أبوا عليكم ما سألئموه فأجلوهم عن هذه البلاد، فأنتم والله أحق بهذا الأمر منهم، فإنه بأسيافكم دان لهذا الدين مَن دان. أفيكون هذا كلام الأنصار ومنطق أسيافهم ومبلغ عزيمتهم ثم تكون القوة المادية إلى قريش ولا تذعن الأنصار إلا خوفاً ورهباً من هذه القوة لا رغبة ولا إسلاماً ولا إيماناً ولا إرادةَ وجه الله ولا تأثراً بعاطفة؛ ثم ما معنى "القوة المادية "، أكانت وزارة الحربية في قريش، أم كانت في أيديهم مصانع الذخيرة. . . أم كان سلاحهم السيوف والرماح، وسلاح الأنصار العصي والنبابيت. . .؟

وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رجعتُ إلى النسخة العتيقة التي عندي من كتاب "كليلة ودمنة" وقد قلت إنه ليس مثلها عند أحد غيري، وأنه لا تأبى عليها حكمة ولا تهولها حادثة ولا يتعاظمها مَثل، وقد تصفحتها لعلني أصيب فيها مثلاً للجامعة وشيخها صاحب المعجزات والخوارق، فإذا كليلة يقول في بعض قوله: فاضرب لي مثلاً في الرجل تعجبه نفسه فتغرُّه فتقحِمهُ في الجهلة المنكرة يراها وحده علماً ولا يعرفها الناس أجمعون إلا حمقاً وجهلاً، فإنك أمسكت عن الحديث آنفاً عند مثل المدرسة التي زعموا أن اسمها الجامعة في إيمانها بشيخها وتربصها أن تقع منه المعجزة، وقلتَ إنه كان رجلاً مفتوناً فجمعت عليه بين الغرور فيه والغفلة منها، وزادت في حمقه بضعف تمييزها فانقلب لا يمسكه عقل ولا دين، وإنه كان يتقي بعض السوء على نفسه، وكان يعتبر على علمه بعض الاعتبار، فلما رأَى الجامعة مهملة مُخلاة ورأى أنه وحده فوق المئذنة وأن المصلين وإمامهم على الأرض، أذن في المسلمين بلغة الروم، وقال: إذا كان المصلون غِرباناً فالمؤذن ولا عجب من البوم. . . وزعمتَ يا دمنةُ أنها كانت مدرسة كمدرسة الحمار، فما مثل مدرسة الحمار؟ قال دمنة: زعموا أنه كان بأرض كذا حمار خُيًل إليه أنه عظيم الهامة حتى لا يكبره الثور إلا بقرنيه، وغمه زيادة القرنين في الثور، فلما فكر وقايس واعتبر صح عنده أن أذناً من أذنيه الطويلتين ترجح بالقرنين جميعاً وكان حماراً ذا قياس ومنطق عجيب، فزعم لنفسه أن رأساً في قدر رأسه لا بد أن ينشئ عقلاً، وأن عقلاً كهذا العقل يباع إنساناً، وأن إنساناً لا يكون حماراً، فاهتدى من ذلك إلى أنه خلقٌ غير الحمير وقال: فما يمنعني أن آتي عملاً لا يتعلق فيه أحد بذيلي. ثم يكون دليلاً في الحمير على أني فوق الناس، فإنه يُشبه أن أكون لهذا خلقت، وما ينفعني أن أكون فخم النهيق، إن لم يكن معي من القدرة والتمكين ما تحصل به الفضيلة على من لاينهق؟ قال دمنة: وكان له صديق منِ الكلاب يأنس به جماعة من صبيان القرية

أكون فخم النهيق، إن لم يكن معي من القدرة والتمكين ما تحصل به الفضيلة على من لاينهق؟ قال دمنة: وكان له صديق منِ الكلاب يأنس به جماعة من صبيان القرية

فيمسحونه ويطعمونه ويعبثون به، فأسرَّ إليه الحمار يوماً أنه ليس حماراً. قال: وما عساك تكون؟ وما هذا الجلد؟ وما هذا الحافر؟ ثم اقتصه القصة فزعم له الحمار أن هذا الجلد الذي هو فيه إنما أشبهَ به الحمير ليكون إرهاصاً للمعجزة التي بُعث بها! قال الكلب: وإنك لصاحب معجزة؟ قال: نعم فإياك أن يعتريك شك أو تكذيب، وإنما بعثت حماراً لأن جنس الإنسان قد فطر على ضرائب من اللؤم والخمسة والدناءة فليس أقربَ إليه من الشك والحسد والجحود، وما تغني فيه الآيات والنذُر، ولا يجيئه من نبي ولا رسول بمعجزة إلا حسده فردها عليه بالحسد فكفر بردِّها عليه، وكان في الأنبياء مَن فَلق البحر ومن أحيا الموتى ومن شق القمر نصفين، ثم لا يزال الكفر مع ذلك باقياً على الأرض فلم يَغُز كما يغور الماء، ولم يمت كما يموت الحي، ولم يَبْل كما يَبلَى الميت، فلعمري ما بقي في حكم العقل ولا في حيلة الظن لإيمان هذا الجنس الممقوت إلا أن تجيئه المعجزة في جِلد حمار! قال الكلب: لعمري وعَمرُ أبي إن هذا لهو الرأي، وإن أمرك لأمر له ما بعده، وأنا حَوارِيُّك في هذه الرسالة، أخبرني ما أنت صانع فلعلي أن أقوم فيه مقاماً، فإنك لتعلم ما عندي من الوفاء والأمانة، وأنت حقيق أن يستكفيني بعض أمرك، فقد عُرفنا معشر الكلاب بهذه الخلال الفاضلة، حتى إن الناس لا يجدون لهم أمثالاً يضربونها إلا منا كلما ذكروا الوفاء أو تمثلوا فيه. قال الحمار: أخزى الله هؤلاء الناس؛ يضربون بكم المثل في الأمانة والوفاء ثم لا يَسبُّ بعضهم بعضاً إلا قالوا يا كلب ويا ابن الكلب. . .! قال دمنة: ثم إنه قال للكلب: ادْنُ مني حتى أعهد إليك، وإياك أن يعتريك داء الكلام في الصياح لكل نبأةِ فتفشي ما ائتمنتك عليه؛ فقد قالت العلماء إن أشقى الخلق من شَقَى بصاحب معجزة! قال الكلب: وإن كان حماراً. . .؟ قال: اعْزبْ عني فَعل الله بك وفَعَل، ما أنتَ بصاحبها وإن الكلاب

فقد قالت العلماء إن أشقى الخلق من شَقَى بصاحب معجزة! قال الكلب: وإن كان حماراً. . .؟ قال: اعْزبْ عني فَعل الله بك وفَعَل، ما أنتَ بصاحبها وإن الكلاب لكثيرة بعدُ؛ وتالله إن رأيتُ كلبَ سَوْءٍ كاليوم؛ فانكسر الكلب وخشي أن يصيبه ما قالت العلماء، وبصبص بذنبه قليلاً ثم إنه دنا من الحمار وقال: ما أخطأ الناس في تنابزهم بالكلاب فقد عرفتُ معرَّة جنسي، وأنا تائب إليك مما فرط مني، فاعهد إليَّ بعهدك وخُذني بما أحببت فلن تجدني إلا حيث يسرك أن تجدني. قال الحمار: بارك الله عليك " وأَعظَم " لك. . . فقد ترى هؤلاء الصبيان الذين يألفونك ويُلقون إليك بَكسر الخبز، فانظر فيما تحتال به حتى تأتيني بهم فإن أولَ بَدأتي في المعجزة أن أكون معلم صِبيان. فذهب الكلب فربض على

مَزجَر قريب منهم وهم يتعابثون ويلعبون، ثم قام فانسل أصغرهم فتمسح به، ثم التقم خبزته فوثب بعيداً، ثم جعل يستطرد لهم ويعدو عدواً رفيقاً وهم يتبعونه يريدون أخذه وإمساكه، حتى إذا جاء موضع الحمار دفع بين رجليه، ورفع الحمار راية ذيله فأصبح الكلب في حمايتها. . . وكان هذا الحمار قد رأى في بعض أسفاره قراداً يرقص قرداً وقد اجتمع له الصبيان، وعاين ما استخرجته حركات القرد من عجبهم ولهوهم، فلما اجتمع أولئك الصبيان يريدون أخذ الكلب طَفق يصنع لهم كما رأى القرد يصنع، وبذل في ذلك غاية جهده وبلغ فيه منتهى حماريته. . . فبهِتَ الكلب وجعل ينظر كالمتعجب ويقول في نفسه: أقرد هذا أم حمار؟ وأين ويحه المعجزة التي زعم، فإنما هذا رقص كالرقص. وإذا كان الرقص أكبرَ أمرِه فما في أمره كبير عندنا؛ فإن أهوَنَ الكلاب لأقوى عليه من أعظم الحمير. قال دمنة: وكان في النظارة خبيث نقاد، فقال: ما لهذا الحمار وخِفةَ القرود ونَزَقَها وما تصنع من الطيش؛ إِن هذه الشياطين إِنما تُتخذ لمحض اللهو والعبث، وهذا الغبي لا يرتبط إلا للحمل والمنفعة، فإذا هو ركبتهُ هذه الطبيعة وتُرك لها حتى تأخذ مأخذها فيه فوالله إن بقي أحدٌ يأمنه على أولاده، ويوشك أن يَقمص بأحدهم هذا القِماص فيرمي به فيدق عنقه أو يهشم عظماً من عظامه. ثم إنه راغ إلى داره فجاء بهراوة غليظة والحمار في عمَى مما يصنع. وقد قام في نفسه أنه موحَى إليه، وأنه أكبر معلم للعلم في أكبر مدرسة في الدنيا. . . فما راعه إلا الخبيث قائماً يدق ظهره بالهراوة وأسرع الصبيان فتناولوا ما أصابته أيديهم من عود وخشبة وجلدة وما خف وثقل وداروا بالأستاذ الحمار فاعتَوَرُوه، وخرج الكلب يشتد عدواً حتى إذا نجا بعيداً أنحى على نفسه وقال: ويحك يا نفس! ما كان أجهلك! لقد كدت والله تهلكينني، أفيمكن في عقل العاقل أن تكون معجزةُ حمار إلا شيئاً كتقليد القرد. . .؟


وما دمنا في التقليد وانتظار المعجزة من وراء العجزة فإتا نقول إن فلاسفتنا المضحكين من أمثال طه حسين يُخرجون عجزهم مخرجَ الحيلة.

قليد القرد. . .؟


وما دمنا في التقليد وانتظار المعجزة من وراء العجزة فإتا نقول إن فلاسفتنا المضحكين من أمثال طه حسين يُخرجون عجزهم مخرجَ الحيلة. فيُحكمون له التدبير ويأتون به في مثل أسلوب السحر والتلبيس والشعوذة، فإذا امتهدوا له من صناعتهم وبذلوا فيه العفو والجهد ثم جاؤونا به، نظرنا وحققنا فلم نر شيئاً، فقلنا: ما أهون وما أضعف وما أسخف، ثم قلنا لهم إنكم مقلدون مفضوحون؛ وإن أحدكم لهزيل ولا يرى إلا حُلة البادن الغليظ، وقصير ثم لا،

يلبس إلا ثياب المارد الطويل، ومفلس ثم لا ينفق على أعين الناس إلا ذهبا أصفر فهو ماذا؛ ثم قلنا لهم إنكم علماء بالعلم الذي تسرقونه ولكنكم جهلاء لما تتعاطون من السرقة، وإنكم فلاسفة بالآراء التي تنتحلونها ولكنكم أغبياء لما تصنعون من سوء الانتحال، ومصلحون بالأقوال التي تزخرفونها ولكنكم مفسدون لجهلكم عواقب هذا التمويه. ثم قلنا إننا لا ننخدع ولا نغتر ولا نتعبد للأسماء، ولتأت الأسماء من حيث هي آتية في المغرب والمشرق فهاتوا حققوا فلسنا في سرعة التقبل منكم مثلكم في سرعة الأخذ من الأوروبيين، ولا نحن في الشراء من دين الغرب مثلكم فيما بعتم من دين الشرق، وفصلُ ما بيننا وبينكم أن في أيدينا أصل الفضيلة فهو قياس لرذائلكم عندنا كما هو قياس لفضائلنا عند أنفسنا؛ وفي أيديكم أصل الهوى فهو قياس لكل شيء عندكم إلا ديننا وفضائلنا، ثم قلنا لهم من علامة الضعف في عقولكم الجبارة. . . والاستخذاء في نفوسكم الراقية. . . أنكم تقدسون فلاناً وفلاناً من فلاسفة الأوروبيين حتى فيما يؤخذ عن سواهم، وتحقرون فلاناً وفلاناً من فلاسفة الشرقيين حتى فيما لا يؤخذ إلا عنهم؛ فهل هذه ويلكم إلا سِمَةُ المستعبَدين والعجزة والمتواكلين، تجعلون الأسماء الأوروبية كأنها أسماء الدول العظمى والأسماء الشرقية كأنها أسماء

خذ إلا عنهم؛ فهل هذه ويلكم إلا سِمَةُ المستعبَدين والعجزة والمتواكلين، تجعلون الأسماء الأوروبية كأنها أسماء الدول العظمى والأسماء الشرقية كأنها أسماء المستعمرات، ولا تعلمون أيها الفلاسفة المغرورون أن هذا من شر ما تستعبد به الأمم الضعيفة؛ لأن قديمنا الذي تزرون عليه يذهب في جديدهم الذي تدعون إليه، ثم لا يكون جديدهم من بعد إلا مزجا بيننا وبينهم، ثم لا يكون هذا المزج إلا لعاب السياسة في أشداق الاستعمار لإساغة اللقمة أولاً وَحدرِها ثانيا وهضمها بعد ذلك. فإذا قلنا لهم هذا ونحوه قالوا: متحجرون، وقدماء، وأنصار القديم. فنعم نعم؛ غير أننا مع ذلك نلين لما لا يكْسِرنا، ونتجدد بما لا يفنينا، ونريد أن تبقى الأمة ولو هلك ألف من أمثال طه حسين، لا أن يبقى هؤلاء وتهلك الأمة، وما هلاك الأمم بالانقراض ولا بالأوبئة ولا بما يجتاحها من اصطدام النواميس، فإن مع كل شيء من هذه ونحوها عذره القائم وضرورته الملجئة، ولكن الهلاك الذي لا هلاك غيره أن تضعف الضمائر المؤمنة وأجسامها ضارية، وتمحق الفضائل والشهواتُ عنيفة، وتموت العقائد والحياة قتال ونزاع؛ فإن كان الشك والزيغ ومذهب فلان وطريقة فلان ورواية فلان والجامعة المصرية وطه حسين والبلاء الأسود - إن كان هذا مما يؤدي إلى ذلك أو بعض ذلك فالنجاةَ النجاةَ

أيتها الأمة والسلامةَ السلامةَ، فإن هذه الجامعة المشؤومة لا تصنع لك دينا بدينك، ولا تؤلف لك فضيلة من فضائلك، ولا ترد عليك ما تسلبك من ذات نفسك، وما حجتها إلا حجة الزنادقة في كل عصر، وما حجة الزنادقة إلا حرية الفكر والبحث، ولو لم يكن في الإنسان إلا الفكر وحده لقلنا عسى. . . ولكن هناك النية القائمة على الخلق، والخُلق القائم على الطبع، والطبع الذي منه خبيث لا يطيب وطيب قد يخبث! النجاةَ النجاة أيتها الأمة، فلو استطاعت الجامعة المصرية أن تجعل هذا المغرور طه حسين يرد على الميت عمره وينقله من قبره ويجعله تلميذاً في الجامعة يكفر بإبراهيم وإسماعيل ومحمد صلوات الله عليهم - لما أمكنها أن ترد على ملحد إيمانه الضائع، وعلى شاك يقينه الذاهب، وهذا لو أنها تكفر أبناء المسلمين بالعلم وللعلم، فكيف والأمر كله جهل في أستاذها وسقوط في نفسه وضعف في عقله وسوء تقليد منه أو تقليد سوء، وهو رجل لا يعرف علته الفلسفية ولا يدرك أنه منهزم أمام الحس، فهو يهدم ويخرب بقانون طبيعي فيه، لأنه أشعل من داخله لينفجر من داخله ولما منعته الحياة أن يعبث بحواسه ذهب عبثه كله إلى فكره وتسلط على لسانه، فهو رجل قانونه الطبيعي أنه مهما يأخذُ يفسِد ومهما يدع يصلح. . . ولقد أفسد مذهب ديكارت وعدا عليه، فإن هذا الفيلسوف لا يأخذ بمذهبه إلا مَن يحسن التفكير ويقوى على أن ينتج فيه إنتاجاً صحيحاً ويستجمع لذلك مادته الطبيعية من الذكاء والعلم والرأي. وإلا فديكارت إذن أحمقُ، بل يكون أجهلَ الخلق، إذ لو أطلق لكل إنسان أن يشك ويذهب بفكره ما يذهب على قدر ما يتهيأ له من الوسائل لانقلبت الأرض مارستاناً للمجانين، ولخرجت كل حرية عن وضعها في الطبيعة وفي الاجتماع وزاغت عن طريقها في نظام الدنيا القائم على اختلاف أنواع الحرية لا لتتنافر بل لتلتقي في الغاية، وعلى اصطدامها لا لتتناقض بل لتنتظم في ترتيب بعينه، ومن أجل ذلك يرجع ديكارت

ظام الدنيا القائم على اختلاف أنواع الحرية لا لتتنافر بل لتلتقي في الغاية، وعلى اصطدامها لا لتتناقض بل لتنتظم في ترتيب بعينه، ومن أجل ذلك يرجع ديكارت

فلسفته إلى الشخصية، وليس بهين أن يقال في هذه الشخصية إنها حيث يطمع كل طامع. وإن ديكارت مع ذلك ليخشى على التكوين الاجتماعي من الشك، لأن الشك لا حدَّ له، إذ هو المجهول كله، فهو من أجل هذا يشترط أن لا تُمس أصول الدين ولا يُجترأ على ما أنزله الناس في منزلتها من أصول العادات؛ وكل ذلك على ما فيه من القيود لا يتفق على أحسنه إلا لمن كان عقله من الذكاء والنفاذ كأنه قيد للمعاني والخواطر، فهو إطلاق لا يراد منه الإطلاق الأحمق كما ظهر في كتاب أستاذ الجامعة، بل تقيد الحقيقة التي لا سبيل إليها إلا من البصيرة، وما البصيرة أن تَعمَى عن الحق بشيء من العاطفة أو العصبية، ولا بشيء من الجهل أو ضعف الذهن، فإن هذين كهذين، ومذهب ديكارت كفه تجده على أسماه وأبعده من الاعتراض وما يدخله من الشبهة في قوله تعالى: (هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ) وأنت فلا يذهبن عنك معنى "البصيرة" وأنها أذكى الذكاء وأسمى العقل وأقوى الخلق وأصح الطباع، وكل ما نفذ بك إلى الحقيقة المستكنة في حجبها وجنبك عمى النفس بدرجاته المختلفة، وهذه البصيرة كلمة واحدة ولكن كل وسائل الحقيقة واليقين منطوية فيها فهي من الكلام الجامع المعجز، ثم إنها قيد ينفي عن هذا المذهب من لم يكن قد جعلته الطبيعة من أهله أو لم تكن الطبيعة هيأته بالأسباب التي بها يطيقه وبها يُحسن القيام عليه. وأغرب ما في هذا القيد أنه يقيد السبيل أو المذهب بالدعوة إلى الحق

بيعة من أهله أو لم تكن الطبيعة هيأته بالأسباب التي بها يطيقه وبها يُحسن القيام عليه. وأغرب ما في هذا القيد أنه يقيد السبيل أو المذهب بالدعوة إلى الحق خاصة ولا يطلقه في كل دعوة، إذ كانت النفس الإنسانية لا تتعاطى هذا الشاو البعيد إلا إذا قويت بالحق قوةَ بالغة وكانت من أسمى النفوس وأعظمها وأقربِها إلى الانسلاخ من جلدتها الأرضية، وفيما عدا ذلك فهذا المذهب الفلسفي وهم وخيال وتجاوُز لمقادير الحقائق في طلب هذه الحقائق وأنت خبير أن الصدق إذا نقصت منه كلمة فغيرت من حقيقته استحال كذباً، وإذا زيدت فيه كلمة فغيرت من حقيقته رجع كأنه نقَص ولم يَزِد وما الزيادة والنقص إلا من هوى أو جهل والهوى بعضُ أثرِ النفس، ولن تجد التهمة على الحقائق إلا حيث تجد هذا الأثر. وانظر ماذا يقول أناتول فرانس في مثل ما يزعم طه حسين أنه ينتحله من مذاهب النقد المجرد، فهو يقول: "إن النقد لا قيمة له إلا قيمة الناقد، وهو كالنوع من أنواع القصص، وما مرجع القصة على الحقيقة إلا سيرة من يقضها، فبنفسه يكتب عن نفسه. وهؤلاء الذين يباهون بأنهم يضعون في فنهم شيئاً غير

اقد، وهو كالنوع من أنواع القصص، وما مرجع القصة على الحقيقة إلا سيرة من يقضها، فبنفسه يكتب عن نفسه. وهؤلاء الذين يباهون بأنهم يضعون في فنهم شيئاً غير

أنفسهم لا تعدهم إلا في المغرورين، ولا يكبرن منهم أحد في وهمك، فإن الإنسان لن يخرج من ذاته ". ويقول الفيلسوف الإنجليزي جون تيودور مرتز: " إن هذه الطريقة التي يعكف عليها من يزعمون التجرد للحقيقة تنتهي إلى أن ينظر إليها الناظر فيراها طريقة لم يبتغ أهلها أن ينطلقوا من قيود التقليد، بل هم خدعوا أنفسهم أو خدعتهم فظنوا أنهم أحرار فيما صنعوا وما كانوا قطّ إلا مقيدين بخيالهم مستسلمين لوهمهم الذي يتحكم فيهم التحكم كله ". ونحن لم نقل في طه حسين إلا هذا، فهو يتوهم على التاريخ وعلى الحقائق، ثم يتسيب بالوهم إلى الحكم؛ وهو يطلق لنفسه كل قول عرض له، ثم يجعل ذلك من العلم ويُكرِه العلم على قبولُه، وقد يكون جاهلاً بالخبر وأصله، ومع ذلك يقول صدقوني وكذبوا الناس، وتراه سقيم الفهم ضعيف التخريج ثم يأبى إلا أن تكون الأذهان كلها على أساس من فهمه. وهو بعدُ خبيث ملحد مستهزئ يقلد أناتول فرانس في السخرية، والمعرِّي في الإلحاد على بُعد ما بينه وبينهما، ثم لا يريد إلا أن تكون نفسه هذه روحَ التاريخ الإسلامي. فإن امتنع أن يكون التاريخ قد جاء منه إذ كان قد سبقه في الوجود لم يمتنع أن يُخرج هو حقائقَه وفلسفته مطبوعة بطباعه زائغة بزيغه، فلا يأتينا إلا بما هو من جنسه، ولا يُخرج لنا غير المضحكات التي لا تليق إلا بأمة من أمثاله، ولقد والله وإن تاريخ لا يصحح ولا يحقق إلا بمثل طه حسين، ولقد والله ذلت أمة لا يكون القول في تاريخها إلا لمثل "عارورة الجامعة" كما سماه الأستاذ وحيد بك (١) . وسنأتيك الآن بمضحكة عجيبة من مضحكات دروس الجامعة المصرية. فقد تكلم أستاذها عن القصص عند المسلمين ليثبت أنه من أسباب الوضع في الشعر، فزعم في صفحة ٩٢ "أن الأدب لم يُدْرس في العصور الإسلامية الأولى لنفسه، وإنما دُرس من حيث هو وسيلة إلى تفسير القرآن وتأويله واستنباط الأحكام منه ومن الحديث، وكان هذا كله أدنى إلى الجد وألصقَ به من هذا

القصص الذي كان يمضي مع الخيال حيث أراد ويتقرب من نفس الشعب ويمثل له أهواءه وشهواته ومُثُلَه العليا، فليس غريباً أن ينصرف عن القصص أصحاب الجد من المسلمين " انتهى. قلنا: وهذا عجيب جداً من أستاذ الجامعة، فإن معناه أنه لم يشتغل بالقصص إلا أصحاب الهزل والرقاعة. ونحن نقرر أنه لم يكن يقص في أولية هذا الفن الإسلامي إلا أصحاب الجد من المسلمين وبه عُرِفوا وبهم نشأ وبفصاحتهم نبغ، وهذا الحسن البصري كان أشهر قاص في زمنه، وهو من سادات التابعين وكانت أمه مولاة لأم سلمة زوج النبي ﷺ وكانت أم سلمة تُرضعه أحياناً؛ وقد قالوا إنه جمع كل فن من علم وزهد وورع وعبادة، وقال أبو عمرو بن العلاء إنه ما رأى في عصره أفصح منه؛ ولكن أستاذ الجامعة يخلط في معنى القصص والقاص لأنه يريد بعد هذه العبارة التي كتبها أن يأخذ اسكندر دوماس صاحب القصص الفرنسية المعروفة - وهو من أكبر المزورين والمدعين والمنتحلين - فيقحمه في التاريخ الإسلامي ويشبه به علماءنا كما سيأتي بعد، فيجعل القصص بذلك روايات وخيالات، أو كما يقول: " أهواء الشعب وشهواته ". . . ثم إننا نقرر له أن القاص لا يسمى قاصاً عند المسلمين إلا إذا كان يقص للتعليم والوعظ وللتذكير بالآخرة والتزهيد في الدنيا وحفظ الروح والخُلق ونحوهما، وأن أساس هذا الفن كان تحريضَ المؤمنين على الجهاد والترغيبَ فيما عند الله وإيثاره على الحياة، فكان مرجع القاص في قصصه إلى التفسير والحديث والحكمة وما تناوله من أخبار الماضين وما لا حرج عليه في وضعه مما يراد به غرض من تلك الأغراض، وقد قرروا أن الحديث الضعيف يُعمل به في فضائل الأعمال، فكذلك القصة الموضوعة يؤخذ بها في الوعظ دون التاريخ؛ لأنها إنما وضعت لذلك دون هذا؛ وما نشأت أهواء الشعب في القصص إلا بعد أن تعاطاه الهفال المقتحمون عليه من غير أهله وجعلوه من عملهم للحياة والعيش، ومع هذا فأمثال هؤلاء يعرفهم العلماء من أول التاريخ ويعدون قصصهم بدعة ويحذرون منهم كما يحذر أهلُ كل علم من الواغلين عليه. وبعد أن ذكر الأستاذ مصادر القصص على زعمه قال: " إن القصص العربي لا قيمة له ولا خطر في نفس سامعيه إذا لم يَزِنه الشعر من حين إلى

علم من الواغلين عليه. وبعد أن ذكر الأستاذ مصادر القصص على زعمه قال: " إن القصص العربي لا قيمة له ولا خطر في نفس سامعيه إذا لم يَزِنه الشعر من حين إلى حين" (كذا، وإنما لحين الزمن) وضرب مثلاً بألف ليلة وليلة وقصة عنتر، ثم

قال: "وإذن فقد كان القصص أيام بني أمية وبني العباس في حاجة إلى مقادير لا حد لها من الشعر يزينون بها قصصهم ويدعمون بها مواقفهم المختلفة". فتأمل بالله كيف يقاس أولُ الزمن أيام بني أُمية على آخر الزمن أيام قصة عنتر؛ ونحن نقرر للشيخ أن القصص أبعد أنواع الكلام عن اجتلاب الشعر وعن الحاجة إليه ولا يدخله منه إلا مقادير قليلة حيث يراد الشاهد والدليل، فسبيل الشعر في هذا سبيله في غيره من فنون الأدب جميعاً. وإذا وضع القاص شعراً أو وُضع له شعر فإنما يكون قليلاً على جهة التظرف وليستروح إليه من الجد ويعلل به من يقص لهم استجماعاً للنشاط، فهذه واحدة، والثانية أن يقصد إلى الإغراب في الخبر الذي يقصه ليقال إنه واسع الحفظ، وهذه كانت سبيل الرواة أيضاً فيما وضعوه من الشعر، والثالثة أن يكون القاص قد وعظ ويريد المبالغة في التأثير فيُجري في كلامه قليلاً من الشعر كما تتغرغر الأعين ببعض الدمع؛ وليس غير هذه، ففي أيها تجد المقادير التي لا حد لها. ثم يقول الشيخ طه: "وأكاد لا أشك في أن هؤلاء القُصاص لم يكونوا يستقلون (يريد يقومون) بقصصهم ولا بما يحتاجون إليه من الشعر، وإنما كانوا يستعينون بأفراد من الناس يجمعون لهم من الأحاديث والأخبار ويلفقونها، وآخرين ينظمون لهم القصائد (صارت قصائد لا أبياتاً ومقاطع) . قال: ولدينا نص يبيح لنا أن نفترض هذا الفرض، فقد يحدثنا (كذا) ابن سلام أن ابن إسحاق كان يعتذر عما (كذا) كان يروي من غُثاء الشعر فيقول: لا علم لي بالشعر. إنما أوتى به فأحمله" فقد كان هناك قوم إذن يأتون بالشعر وكان هو يحمله. فمن هؤلاء القوم؟ انتهى خلط الرجل. وهذه عجيبة من عجائب الفهم.

لا علم لي بالشعر. إنما أوتى به فأحمله" فقد كان هناك قوم إذن يأتون بالشعر وكان هو يحمله. فمن هؤلاء القوم؟ انتهى خلط الرجل. وهذه عجيبة من عجائب الفهم. فإذا قال ابن إسحاق إنما أوتى بالشعر فأحمله، وكان ابن إسحاق من المعروفين بالكذب، لم يكن كلامه عند طه إلا صدقاً، ثم لم يكن معنى كلامه إلا أن قوماً يدقون عليه بابه ويهزأون به ويقولون يا ابن إسحاق خذ الشعر واروِه؛ ومن ترى يكون هؤلاء المجانين الذين يُغنِتون أنفسهم ويكدْون الذهن ويتعبون الخاطر في عمل الشعر ليسمعوه بعد ذلك مروياً لعاد وثمود وفلان وفلان ممن هلكوا وبادوا. إذا كان ابن إسحاق بهذه الغفلة وجب أن لا يُصدق ولا يؤخذَ كلامه مأخذ النص ألبتة. على أن عبارة ابن سلام هكذا: وممن هجن الشعر وأفسده وحملَ - يعني روى - منه كل غثاء: محمد بن إسحاق، وكان من علماء الناس بالسيَر، فقبل الناس منه الأشعار، وكان يعتذر منها ويقول: لا علم لي بالشعر إنما أوتى به

فأحمله؛ ولم يكن ذلك عذراً، فكتب في السيرة من أشعار الرجال الذين لم يقولوا شعراً قط. . . الخ!. فأنت ترى أن الكلام يدور على تهجين الشعر وإفساده، ومثل هذا لا يستقيم في العقل أن يعتذر منه ابن إسحاق بقوله لا علم لي بالشعر، إلا إذا كان رديئاً فاسداً وكان من ساقط الكلام وما لا يجوز على أهل البصر بالشعر، فإذا كان على هذه الصفة فلم لا يكون من عمل ابن إسحاق الذي لا علم له بالشعر ويكون العذر تلفيقاً من كذبه؛ وإن يكنْ أن هناك قوماً يصنعون له الشعر ويأتونه به، فيبقى أن ابن إسحاق ليس أعجمياً؛ بل عربياً بليغاً؛ وكلامه في السيرة من الطبقة الأولى؛ ومن كان بهذه المنزلة وكان في حاجة إلى الشعر وجب عليه أن يستجيد له فلمَ يُهمل أن يختار لعمل الشعر شعراء وهم كثيرون فيأتونه بالجيد لا السفساف، وإذن فلا يكون ما يحمله غَثاً ضعيفاً؛ وإذن فلا وجه لأن يعتذر منه بقوله لا علم لي بالشعر. فإن قلت إنه كان بليغاً يميز جيد الكلام من رديئه وكان هو الذي يصنع الشعر الهجين الفاسد وجب أن لا يرضاه لمكانه من الضعف، قلنا: هذه شيمة العلماء، حتى إنهم جعلوا شعر العلماء طبقة على حدة، وهم يتسمحون في الرديء من شعرهم لأنهم لا ينافسون به أحداً ولأنهم غير معدودين في الشعراء. وطه حسين نفسه يقع في مثل هذا. فهو يميز الشعر؛ وإن له لشعراً في منتهى الركاكة، سنطرف القراء بشيء منه في بعض ما يأتي: فهما اثنتان في تأويل خبر ابن إسحاق لا ثالثة لهما، وكلتاهما نقض للأخرى، وكلتاهما هدم على أستاذ الجامعة ودليل على سوء فهمه. وهنا نمسك القلم خمس دقائق لنضحك من الجامعة كما نضحك من شارلي شابلن، الممثل الهزلي المشهور، فقد كشفت الجامعة المصرية عن آثار

جامعة ودليل على سوء فهمه. وهنا نمسك القلم خمس دقائق لنضحك من الجامعة كما نضحك من شارلي شابلن، الممثل الهزلي المشهور، فقد كشفت الجامعة المصرية عن آثار مصنع إسلامي عظيم للتلفيق والكذب رؤساؤه العمال من القصاص والعمال فيه طائفتان عظيمتان، إحداهما لتلفيق الأخبار والأخرى لوضع الشعر، وكلما اجتمع مقدار من إنتاج المصنع أرسل إلى الأسواق، وذلك حيث يقول طه في صفحة ٩٦: "أليس من الحق لنا أن نتصور أن هؤلاء القصاص لم يكونوا يتحدثون إلى الناس فحسب، إنما كان كل واحد منهم - تأمل - يشرت على طائفة غير قليلة من الرواة والملفقين ومن النطام والمنسقين، حتى إذا استقام لهم مقدار من تلفيق أولئك وتنسيق هؤلاء طبعوه بطابعهم ونفخوا فيه من روحهم. . . وأذاعوه بين الناس، ومثلهم لي هذا مَثلُ القاصق الفرنسي المعروف " إسكندر دوماس الكبير" اهـ.

ولكن يا سيدنا ومولانا أنت تعلم أنه كان من الرواة والعلماء والمتكلمين قوم متعصبون على العرب قد نحتوا أثلتَهم نحتاً، كأبي عبيدة صاحب كتاب المثالب الذي هتك فيه العرب وتناول أصحاب رسول الله ﷺ ثم علماء الشعوبية؛ ثم متكلمي الزنادقة وأدبائهم، وكانوا كلهم معاصرين للقصاص الذين تتكلم أنت فيهم؛ فكيف سكتوا ولم يفضحوا العرب وتاريخهم وأدبهم بهذا المصنع العجيب، وكيف غفلوا كلهم عنه وتركوه لك لتكشفه بعد ألف ومائتي سنة؛ أيكون سكوتهم عن ذكر ذلك إلا دليلاً قاطعاً على كذبك أنت فيه؟ النصّ النصّ إن كان عندك رسم المصنع وحجته الشرعية. . . وإلا فاستر على نفسك يرحمك الله!

ة؛ أيكون سكوتهم عن ذكر ذلك إلا دليلاً قاطعاً على كذبك أنت فيه؟ النصّ النصّ إن كان عندك رسم المصنع وحجته الشرعية. . . وإلا فاستر على نفسك يرحمك الله!

وشعر طه هو طه الشعر نريد أن نسجل في هذه المقالات كلمتين كبيرتين، فإننا إنما نكتبها لجيل سينتهي وأجيال ستبئدئ، ولقد رسخ في يقيننا أن الله تعالى ما أشهر أستاذ الجامعة بهذه الفضيحة التي نشرها في آفاق الأرض ملكُ الرعد. . . إلا ليجعله خزياً لقوم ملحدين، وعبرة لقوم منافقين، ومثلاً عند قوم مؤمنين، وما لغير حكمة وتقدير كانت الفضيحة مدخرة حتى تُفتح هذه الجامعة الكبرى لتبدأ تاريخ العلم العالي في مصر ويرتقي طه منصبه فيها، وقد ملئ غروراً وزهواً واستطال وبذخ وتوافرت له العلل من نفسه ومما حوله ورفعته في طويل أرادت أن يكون حبال المعالي وأراد الله أن يكون من حبال المشانق. . . فلو هو سقط هذه السقطة في غير هذه الجامعة لوقع بالجناحين اللذين ارتفع، ولكنها الجامعة التي قالوا إنها أكبر من جبال الألب، فلما تمت صنعة الجبل في بضعة أشهر (١) وأراد القدر أن يعلن في الناس مبلغ علوه وارتفاعه لم يكن القياس إلا طه حسين يتدحرج من أعلاه إلى أسفله. . . إن للأقدار مقاييس عجيبة لا يراد بها الكمية ولكن الكيفية، ولا يُطلب منها تحديد الشيء في ذاته ولكن تحديده في عواقبه. ويكون القياس على هذا اليوم الذي نحن فيه مثلاً، ولا يراد به إلا مقدار ما سيكون في غد أو بعد غد أو أي الأزمنة مما يُستقبل، ويأتي رجل كأبي جهل فيكون في أول الإسلام قياساً للكفر والتعصب في الكفر واللجاج في التعصب، ولكن كل ذلك مَرَده ليشد النبوة ويقيمها على طريقها ويسددها فيه، كان الأقدار تبني بناء فإذا سألت ما الأساسُ قيل لك أوله هذه الحفرة. . . والأستاذ طه حسين هو حفرةُ اليوم، وكان لا بد من حفرة إذا لم يكن بد من أساس، فالله أعلم ماذا يبلغ هذا الأساس وماذا يحمل، أما الحفرة فأمرها

إلينا نتولاها كيف شئنا بعد أن غارت وانخسفت، وإنه من أجل ذلك نفيض فيما نكتبه ولا نزال نتبسط في الشرح ونتسع في تحليل نفسية طه وإيراد معايبه وبيان أغلاطه وأسبابها، ومن أجل ذلك نسجل هاتين الكلمتين كما أشرنا آنفاً، إذ هما عندنا باب من القول على حدة. فالكلمة الأولى هي للدكتور طه حسين حديث له مع جريدة " الأنفورماسيون " ترجمته "السياسة". قال والإشارة في حديثه لحضرات علماء الدين: "قيل لهؤلاء البسطاء. . . إني أطعن في الإسلام، فشهروا الحرب علي جميعاً، وعلى أني أقول عالياً إنه ليس في كتابي كلمة يمكن أن تؤول ضد الدين، والعبارة الوحيدة التي يمكن أن أنتقد من أجلها تضع النصوص المقدسة بعيدة عن قسوة المباحث التاريخية. . . ". والكلمة الثانية للأستاذ الشيخ عبد ربه مفتاح من علماء الأزهر في مقالة نشرها "الكوكب "، وهي قوله والخطاب لـ طه حسين "وكيف تزعم أيها الدكتور أن بعض العلماء أثار هذا الأمر - أمر كفرِك - وهأنذا أصرح لك - والتبعة في ذلك على وحدي - بأن العلماء أجمعين وعلى بكرة أبيهم يحكمون عليك بالكفر، وبالكفر الصريح الذي لا تأويل فيه ولا تجوُّز؛ وأتحداك وأطلب منك بإلحاح أو رجاء أن تدلني على واحد منهم "وواحد فقط" يحكم عليك بالفسوق والعصيان دون الكفر. أجل إني وأنا من بينهم أتهمك بالكفر وأتحمل تبعة هذا الاتهام. وعليك تبرئة نفسك من هذا الاتهام الشائن والمطالبة بما لك من حقوق نحوي. اهـ. نسجل هاتين الكلمتين للعلم والتاريخ والأدب، ثم ليعلم الناس مبلغ مصيبة الجامعة في أستاذها الذي كله مصائب، فالأعين ممتدة إليه في هذه البلاد ولا يستحي أن يظن نفسه في أرض قفر، والأمة كلها توفر علماءها وتفزع إليهم في أمر دينها وتراهم من رحمة الله بها ولا يخجل هو أن يسميهم (البسطاء) وهو يعلم أَنها كلمة عامية لا يراد بها في لسان العامة إلا البلاهة والغفلة وما إليهما. وكل العلماء إجماع على كفره الصريح حتى لا تأويل ولا تجوُّز ولا مطمع في

علم أَنها كلمة عامية لا يراد بها في لسان العامة إلا البلاهة والغفلة وما إليهما. وكل العلماء إجماع على كفره الصريح حتى لا تأويل ولا تجوُّز ولا مطمع في حكم دون الكفر ثم هو تبلغ به الرقاعة أن يدعي أنه ليس في كتابه (كلمة) يمكن تأويلها ضد الدين، مع أنه لا يُهدم دين من الأديان بأنكى ولا أخبثَ من الطريقة التي انتهجها في كتابه وأدارها على إسقاط هيبة الدين وأهله في نفس الطالب الناشئ، ثم الشك فيه، ثم التأدي بهذا الشك إلى الإنكار منه، ثم التأدي بالإنكار إلى الهدم؛ وهذه درجات يركب بعضها بعضاً كما ترى.

وتالله ما رأيت رجلاً أَعجب من هذا الأستاذ، ولكن كلامه إنما هو صورة فكرِه، وفكرُه مظهر أخلاقه؛ وحسبُك من أَخلاقه هذا العناد وهذه المكابرة وهذا الكذب وهذه السخرية كأنه ليس في الأمة كلها إلا هو وحده يعقل ويفهم، وإذا نحن تابعناه على منطقه فكل الشهود الذين رأوا اللص بأعينهم وشهدوا على جناية يده هم اللصوص، واللص وحده هو البريء! فإن قيل له إن في هميانك ألف درهم مسروقة، ووضعوا أصابعهم عليها، قال: وليس فيها واحد يمكن أن يقال إنه مسروق. . . فإن كان فيها فإنما ذلك إبعاد للأموال المقدسة عن قسوة المباحث الشيوعية. ألا ليت شعري لهذه الجامعة، ما الذي يمنعها أن تعلم هذا المنطقَ البديع في دروس الحقوق، فإنها بذلك تخدم حرية الفكر والعمل، وإنها بذلك ترحم كثيراً من اللصوص والمجرمين وأهل الكبائر والصغائر مما تدعوها إليه الإنسانية وتحمده لها بتلك الألسنة؟ وأيم الله لو أمكن لصاً من نوابغ اللصوص أن يكون أستاذاً لقانون العقوبات وأمكن مزوراً أن يدرس القانون المدني وشيوعياً - أحمر. . . - أن يكون أستاذاً للقانون الدولي لما فعل أكل واحد منهم في دروسه إلا شبيهاً بما فعل طه حسين في درس الأدب، فلِمَ تأتي الجامعة بالرجل الملحد يحكم بكفره ألفُ عالم فتعهد إليه بدرس الفن العربي الذي معجزته القرآن، ولا تأتي باللص والمزور والشيوعي يتناولون القوانين ويفتحون فيها باب الرحمة بمفتاح ديكارت؛ وهل هذا إلا جنس واحد بعضه من بعض؟

العربي الذي معجزته القرآن، ولا تأتي باللص والمزور والشيوعي يتناولون القوانين ويفتحون فيها باب الرحمة بمفتاح ديكارت؛ وهل هذا إلا جنس واحد بعضه من بعض؟ فإن قالت الجامعة إن أستاذها ليس ملحداً ولا كافراً ولا زنديقاً، قلنا وهذا أشد خزياً ومقتاً، فأيما أقرب إلى الصدق والسداد: قولُ رجل أو رجلين أو ثلاثة لا سابقة لهم في الدين ولا صلة لهم بعلومه، أم قول ألف عالم يحملون ألف شهادة دينية وعلى مقدمتهم شيخ الجامع الأزهر؟ إنهما اثنتان عَقِمَت أم المنطق فلم تلد لهما ثالثة: فإما إباحة الخلط في كل علوم الجامعة وتَركُ الطلبة أحراراً في التفكير والاقتناع وفي الشك واليقين، فلا يؤخذ أحدهم بحفظ شيء لا يراه صحيحاً، ولا يُسأل ما رأيُ فلان في كذا بل ما رأيك أنت. . . ولا يحاسَب على خطأ ولا صواب، لأنه لا خطأ ولا صواب في مذهب الشك، بل هو كله كالدائرة المفرغة ليس فيها أطراف، وإنما لها المحيط لو شئتَ لقطعتَ العمر كله دائراً فيه بلا نهاية ولا غاية معينة، وإن كان في باب المساحة لا تزيد رقعتها على دائرة ثورِ الساقية.

هذه واحدة، والثانية مَحقُ البدعة التي جاء بها طه حسين في الأدب والبراءةُ من كتابه السخيف وإعلان فساده من الجامعة ذاتها. فإن التهمة ليست على طه إلا بأنه في الجامعة، فالتهمة على الجامعة نفسها وهي وحدها المتهمة بالإلحاد والجهل والخلط وفساد التأويل والاستهزاء بالأمة وإصغار علمائها وأدبائها، لأنها هي وحدها الراضية بالكفر المُعِينة عليه المشارِكة فيه، والمقرةُ للجهل الداعية إليه المحققة له. كان الفيلسوف أرسطو يرى بعض الرأي فينكر عليه لأن أفلاطون يذهب خلاف مذهبه، فكان يقول: إذا اختلف أفلاطون والحق فأيهما أحق أن يتبع؛ ونحن نقول للجامعة: إذا اختلف أفلاطونك. . . والدينُ ثم التاريخ، ثم العقل ثم الفهم؛ فأي الفريقين أحق بالاتباع؟ وفيم نحن أيتها الجامعة إلا في بيان سقَطِه وغلطه، وناهيكِ بهما سَقطا وغلطا لولا أنكِ في فلسفتك على شبيه مما يقول أناتول فرانس في فلسفة القوانين إذ يقول: إن الاجتماع قائم على أصلين: الأول أن السرقة محرمة، والثاني أن ثمرة السرقة مقدسة لأنها من حرية العمل! فأنتِ كذلك ترين أن الأدب قائم على أصلين: الأول أن الخطأ جهل مردود، والثاني أن ثمرة الخطأ علم مقبول لأنها من حرية الفكر! والآن نظهرك أيها القارئ على سر من أسرار الخطأ في أستاذ الجامعة. وإليه يرجع أكبر السبب في كلال ذهنه وتعقد فهمه وتهافُت آرائه وأنه إذا تعاطى القول في الأدب لم يتمكن من معنى صحيح ولم يصب غرضاً واقعاً، ولا يزال دأباً يلوذ بأطراف الكلام حتى كأنه لا يفكر إلا بنصف عقل، فلا يخرج نصف كلامه إلا من لغو وعبث وخطأ، ولا يزال يعتريه ما يعتري كل من اتخذ الخلاف مذهباً فيُحيل أكثر الكلام عن جهته ويجعل الخطأ صواباً والصوابَ خطأ، ويستلب الرأي من أهله ويفسده عليهم في ظاهره أو باطنه، ثم لا يرضى إذا فرط منه الجهل أن تُبين له العلم، وإذا وقع في الغفلة أن تكشف له عن الحقيقة، فإن فعلتَ طار الغضب في رأسه فزلزله عليك زلزالاً وفجره تفجيراً وجعله بركاناً فملأه نيراناً وبذلك تميز في أمثاله ومَهر، وبان وظهر، وغلبَ وقهر، وكان واللهِ سبة لأدباء هذا العصر، فكل ما في الرجل من قوة وجرأة فإنما هو مما فيهم من جبن وانكماش. . .

ذلك تميز في أمثاله ومَهر، وبان وظهر، وغلبَ وقهر، وكان واللهِ سبة لأدباء هذا العصر، فكل ما في الرجل من قوة وجرأة فإنما هو مما فيهم من جبن وانكماش. . . أما ذلك السر فهو أن طه لما عَرف من نفسه ضعف المخيلة، ورأى أنه لا يدرك ما يتعرض له ولا ينفذ إلى حقيقته، عَدَل في الأدب عن طبيعة الشعر إلى طبيعة المنطق؛ إذ كان الأصل فى هذا المنطق الاتساع في الكلام وهو من

مميزات الأستاذ وخصائصه؛ غير أن المنطق أيضاً لا يستقيم إلا بالقريحة النفاذة، وهذه القريحة من بعض أسبابها الطبيعةُ الشعرية، فلما خذلته هذه الطبيعة في المنطق كما خذلته في الشعر، عدل إلى طبيعة الجدل وهو فن من الكلام قاعدته الأشكال والمقاييس، وبناؤه على التنظيم والترتيب، ومادته الثرثرة والاستطالة؛ وأعظم مقوماته اللجاج والإصرار، ولا يُسأل فيه ما الحقيقة ولكن ماذا تريد أن تكون الحقيقة؟ ولا ما اليقين ولكن ما ظنك باليقين ولا يقال فيه ما البرهان ولكن ما الاعتراض، ولا ما النص ولكن ما التأويل وكل ذلك إن لم تقم به الجرأة والحماقة ولم يكن سبيله من السخرية وعدم المبالاة ومن الشك والوساوس وما جرى هذا المجرى، لم يستوِ منه شيء لصاحبه وخرج منه مخذولاً لا هو في حجة ولا مغالطة. فطه حسين مُكرَهٌ على طريقته في الأدب إكراهاً ما دام يريد أن يكون شيئاً مذكوراً، وإنما كان سبيل مثله أن - يتبع - غيره ويقلد ويحتذي ولا يستنكف أن ينزل على رأي من هو أذكى منه ولا يأنف أن يدخل في قوانين الناس، فلما أبى ذلك وغلبته طبيعته وأراد أن يبتاع وما فيه من الابتداع شيء، كان كل عمله أن يفسد عمل غيره؛ ولا طريقة إلى ذلك إلا أن ينقاد إلى الظن، ولا سبيل لاتباع الظن إلا الشك، ولا برهان على الشك إلا من غاية صاحبه، وهذه الغاية راجعة إلى الطبع والخلق وحالة الفكر، وكما يكون الشك أول اليقين في أهل الطباع السليمة والأفكار القوية والأذهان المرهفة، يكون آخر اليقين في ذوي الطباع المضطربة والأذهان البليدة. فطه رجل عالم فاضل، تراه من أحسن أدبائنا إذا وقف عند الحفظ والمراجعة، يقابل بين تواريخ الأمم ويستخرج ما فيها من أنواع المشابهة

ضطربة والأذهان البليدة. فطه رجل عالم فاضل، تراه من أحسن أدبائنا إذا وقف عند الحفظ والمراجعة، يقابل بين تواريخ الأمم ويستخرج ما فيها من أنواع المشابهة والمباينة ويعمل في ترتيبها، وتصنيفها، وإذا وقف عند العقل فأخذ يجمع الحواشي والمتون والتعاليق ويضم مسألة إلى مسألة وكلاماً إلى كلام في أي علم شاء مما يحسن انتحاله، ولكنك تراه من أسخف الأدباء إذا حاول التجديد والإبداع، ثم من أضعفهم إذا تعاطى ما ليس في طبعه ولا قوته مما يحتاج إلى الطبيعة الشعرية والذهن الحاد والرأي والاستنباط؛، ولا أدل على ذلك من كتابه: الشعر الجاهلي، ثم من القصص التي نقلها عن الفرنسية. فقد كنت أقرأ هذه القصص واحدة بعد واحدة، وهي لأعلام البيان الفرنسي، فلا أراها إلا كعظام الموتى ليس فيها غير المادة - الفطرية ونظام - الهيكل وهيئته -، ولو كانت كذلك - في أصل لغتها لم يكن الأدب الفرسسي إلا فضولاً، وكان أدباء فرنسا أضعف الأمم

خيالاً وأبعدهم من الشعر ومعانيه. ولقد نقل خلاصة من رواية الزنبقة الحمراء لأناتول فرانس - وهي من أبلغ كتب هذا العبقري العظيم - فجاء بها كلاماً جافا لا ماء فيه ولا رونق له، وما ينقصها من أنواع النقص أن تكون من تأليف طه حسين لا من ترجمته! ولست أدري كيف يأتي لمن لا يكون الشعر من طبيعته أن يكون ناقدا أديباً أو أستاذاً للأدب، وفي أي أمة نجد مثل هذا، وهل كل من عرف الحساب عرف منه الهندسة، لا نظن أحداً يزعم ذلك أو يكابر فيه إلا طه، فإنه وحده يعرف من جدول الضرب. . . علوماً كثيرة منها الهندسة والجبر وحساب المثلثات والطبيعة والكيمياء وكل ما دخله العدد، ما دام الحساب هو العدد. وتراه لا يجادل في شيء بما أوتي من قوة إلا في إثبات أن الناقد الأدبي لا يجب أن يكون شاعراً، وأن المعرفة بالشعر ليست ضرورية فيه كضرورة الأداة في الصنعة لمن يتصرف بها، ولو أن الشعر كان جَدَلاً وقياساً وقواعد وحدوداً لما نازع في أمره، لكنه يعلم أنه الذوق والقريحة وهما من أسرار السموات، ويعلم أن الشمعة إن كانت نوراً فنورها غير أشعة رنتجن "فلا هم له من ثمة إلا أن يزعم أن النقد الأدبي منطق وعلم وتأمل وفلسفة" وفي بعض هذا كل وسائل النقد، وكل هذا بعض مواهبه هو فيما يدعي. ولقد رأيت كلمة بليغة للآمدي كأنما كتبها للرد على أستاذ الجامعة منذ أكثر من ألف سنة؛ أو لعله كان لهم في زمنهم طه كما لنا في زمننا، وكل ذلك (الطاها) يظن أن رِجله برقُ الأرض تطوي أقاصيها في بعض خطوات فقال له الآمدي: (ولعلك أكرمك الله اغتررتَ بأن شارفتَ شيئاً من تقسيمات المنطق وجملاً من الكلام والجدال، أو علمت أبواباً من الحلال والحرام (هذه نسيها طه. . .) أو حفظت صدراً من اللغة، أو اطلعت على بعض مقاييس العربية؟ وإنك لما أخذت بطرف نوع من هذه الأنواع بمعاناة ومزاولة ومتصل عناية

الحرام (هذه نسيها طه. . .) أو حفظت صدراً من اللغة، أو اطلعت على بعض مقاييس العربية؟ وإنك لما أخذت بطرف نوع من هذه الأنواع بمعاناة ومزاولة ومتصل عناية فتوحدتَ فيه وميزت، وظننت أن كل ما لا تلابسه من العلوم ولم تزاوله يجري ذلك المجرى، وأنك متى تعرضت له وأمررت قريحتَك عليه نفذت فيه وكشفت عن معانيه؛ هيهات! لقد ظننت باطلاً ورمت عسيراً، لأن العلم أي نوع كان لا يدركه طالبه إلا بالانقطاع إليه، والإنكباب عليه، والحرص على معرفة أسراره وغوامضه ثم قد يتأتى جنس من العلوم لطالبه ويسهل؛ ويمتنع عليه جنس آخر ويتعذر لأن كل امرئ إنما يتيسر له ما في طبعه قبوله وما في طاقته فعلُه

فينبغي - أصلحك الله - أن تقف حيث وُقف بك، وتقنع بما قسم لك، ولا تتعدى إلى ما ليس من شأنك ولا صناعتك " انتهى. وقد كان أحد أصدقاء طه يجادلنا ذات يوم؛ فرد علينا ما وصفناه به من أنه لا حظ له في الشعر ولا يدَ له فيه، وقال: إن له فيه يداً ورجلاً. . . وإنه غير منسلخ من الشعر بل هو في جلد شاعرين معاً، وإنه قد انبثت خواطره في كل معنى وافتتح للناس طريقة الأدب الحديث التي جمع فيها بين بلاغة اليونان والفرنسيس والعرب، فذهب في شعره بمحاسن هذه الأمم الثلاث؛ ودلنا على أبيات كان نظمها في استقبال العام الهجري، وقال إنها نُشرت في بعض أعداد "المقطم " من زمن، فكتبنا إلى من جاءنا بها، فما منها إلا المعنى البكر والأسلوب النادر واللفظ الموسيقي، وفيها الحلاوة والطلاوة ولها رفيف وعليها ماء، حتى لو تليت على شجرة جافة لاخضرَّت ثم هي بعد آية في الدلالة على القريحة الصافية والبلاغة المتمكنة والطبع البدوي السلس الرقيق الذي عرفه هو في كتابه بأنه يُعرض عن تكرار الحروف، فقال لا فضَّ فوه، وبتعبير المذهب الجديد لا أحوجه الله إلى تركيب أسنان: ما لي وللبدر أطلب ردّه (١) . . . بل ما لأفلاك السماء وما لي لا در در المال لو لم يُدَّخر. . . لبناء مكرمة وحسن فعال لا در در المال لو لم يدخر. . . إلا لذات الطوق والخلخال لا در در المال لو لم يدخر. . . إلا لنيل مراتب الإجلال والأغنياء على الملاهي عكف. . . صرعى اللواحظ والهوى الختَّال

Bagian 6 dari 10