— Bagian 7 · م يدخر. . . إلا لذات الطوق والخلخال —
Bagian 7
م يدخر. . . إلا لذات الطوق والخلخال لا در در المال لو لم يدخر. . . إلا لنيل مراتب الإجلال والأغنياء على الملاهي عكف. . . صرعى اللواحظ والهوى الختَّال ولا ريب عندنا أن هذه الأبيات من قصيدة طويلة ذهبت بقيتها في إحدى الزلازل، لأنه بعد هذا الشعر لا يكون إلا الرجم وانقضاض الشهب وتمزق الأرض. أفلا ترى الشيخ يقول: "بل ما لأفلاك السماء وما لي، فهذا نذير بأنها توشك أن تنقض عليه وتُتبعه شهاباً رصداً، وتأمل البيت الرابع فإنه من فرط سموه وإبداع معناه والتعميق فيه قد فسد، لأن الشاعر يلعن المال إن لم يدخر إلا لنيل مراتب الإجلال. فهل مراتب الإجلال إلا العلا والمكارم، وهل يدخر المال إلا لهذا؟ أم تكون المراتب هي الرتب والنياشين؟ وإذن فما كلمة "الإجلال " إلا سمو آخر لإفساد المعنى إذ رُتَبُ الإجلال هي رتب العظماء في
كل أمة. فيا صاحب هذا السمو إن كان ذلك شعرك فقد سلمنا لك ما تدعي من أن الكثرة المطلقة في الشعر الجاهلي منحولة بل كل الشعر الجاهلي مكذوب موضوع لما فيه من التوليد والسخف والركاكة، وأنه لا يمثل الحياة الجاهلية. وإنما جاءك الدليل على هذا الرأي من أنك لو كنت أنت في ذلك العهد ولجأت إليك القبائل تستكثر بك من وقائعها وأشعارها، وجاءك الرواة يحملون عنك والقُصاص لتخلق لهم ذلك الخلق - لوضعت على فحول الجاهلية من نمط أبياتك هذه جزالة وقوة وإحكاماً وذهاباً في فنون الشعر، فعضَل شعرُك بأهل النقد والتمييز، ولا تُجريه في شعر إلا أشبهته وامتزجت به امتزاج الماء الصافي بالماء الصافي وإن كانا من نبعين مختلفين فلا يعرف بعد امتزاجهما أيهما من هنا وأيهما من ثم! . . . إني والله أستحي لـ طه حسين أن يكون هذا شعره ثم يتكلم في الشعر، فإن هذا الكلام الركيك ما فصل عن نفسه إلا وبينهما شبه في الجفاء والغلظة والاضطراب والتخرق؛ وما يسقط الأستاذ أكثر ما يسقط في كتابه الشعر الجاهلي إلا من هذه العلة الشعرية في ذهنه، ومن تلك العلة الفلسفية في رأيه فما هو شاعر ولا هو فيلسوف، ولكن كتابه قائم على الشعر وإدراكه وتمييزه وتصحيح نسبته من فحول كبار أئمة هذا الفن، وعلى الفلسفة في التاريخ وتناولها الأشياء والحوادث والأشخاص من جهة عللها وأسرارها فلا جرم تهافَت وتعثر وأحال وتناقض بحيث لا يصيب في واحدة إلا أخطأ في عشر. ولم يكن بدعاً أن يجيء كتابه على مقداره فيغلب عليه الضعف ويفسده التعسف - وتنزعه النزعات - الخبيثة لا يكون كتابه في حاجة إليها ولكنها من حاجة نفسه فلا يزيد على أن يفتضح بها؛ ومن أغربها قوله في صفحة ٧٤ إذ نقل من الأغاني عن عبد العزيز بن أبي نهشل قال: إنه قال لي أبو بكر بن عبد العزيز وجئته أطلب مَغرَماً: يا خال، هذه أربعة آلاف درهم وأنشد هذه الأبيات الأربعة وقل: سمعت حساناً ينشدها رسول الله ﷺ فقلت: أعوذ بالله أن أفتري على الله ورسوله، ولكن إن شئت أن أقول سمعت عائشة تنشدها فعلت. قال: لا. إلا أن تقول سمعت حساناً ينشدها رسول الله ﷺ فأبى علي وأبيتُ عليه، فأقمنا لذلك لا نتكلم عدة ليال.
ولكن إن شئت أن أقول سمعت عائشة تنشدها فعلت. قال: لا. إلا أن تقول سمعت حساناً ينشدها رسول الله ﷺ فأبى علي وأبيتُ عليه، فأقمنا لذلك لا نتكلم عدة ليال. فأرسل إليَّ وقال: قل أبياتاً تمدح بها هشاماً وبني أمية واجعلها في عكاظ واجعلها لأبيك الخ الخ. قال أستاذ الجامعة المتبع مذهب ديكارت: فانظر إلى ابن عبد الرحمن كيف أراد صاحبه على أن يكذب وينتحل الشعر (كذا) على حسان. ثم لا يكفيه
هذا الانتحال حتى يذيع صاحبه أنه سمع حساناً ينشد هذا الشعر بين يدي النبي ﷺ كل هذا بأربعة آلاف درهم، ولكن صاحبنا كره أن يكذب على النبي ﷺ بهذا المقدار - واستباح أن يكذب على عائشة ﵂ اهـ. فهل تجد أنت في القصة مساومة أو ما يشير إليها حتى يكون الرجل المسلم لم يكره الكذب على النبي ﷺ إلا لقلة الثمن؛ وهل فرق في الكذب بين أن يكون بأربعة آلاف أو بعشرة أو أقل أو أكثر إن لم يكن الإيمان هو الذي منع الرجلَ منه للحديث الصحيح عن النبي ﷺ: (من كذب علي عامداً متعمداً فليتبوأ مقعده من النار" غير أن فقه الرواية أن نفس طه في جشعها وتكالبها على المال حلالاً وحراماً وفى رقة دينها وإيمانها، هي التي أوحت إليه هذا التعليل السخيف البارد، فحسب أنه لو كان هو المسؤول أن يكذب لقال للسائل: يا هذا، إن الكذب على عائشة بكذا وعلى رسول الله ﷺ بكذا، فإذا لم تبذل إلا أربعة آلاف فلا أكذب إلا على عائشة.. والرواية في عبارتها صريحة واضحة لا لبس فيها، ولكن طه كما وصفنا ثمرة لم تنضج إلا مُرة شديدة المرارة، فليست تُذاق أبداً إلا دلت على نفسها وتركت طعماً من مرارتها ينبئ عنها؛ ولو أن الجامعة المصرية ألحقت من أجل ذلك بشركة السكر. . . لأفلست الشركة في إحلاء هذه الثمرة ولا تحلو! ويقول في صفحة ٥٦ "في عصبية قريش على الأنصار" إنه كان من قريش من يتجاوز الاقتصاد في العصبية إلى شيء يشبه العطف على الأنصار والرثاء
ذه الثمرة ولا تحلو! ويقول في صفحة ٥٦ "في عصبية قريش على الأنصار" إنه كان من قريش من يتجاوز الاقتصاد في العصبية إلى شيء يشبه العطف على الأنصار والرثاء لهم، ولعل الزبير بن العوام كان من هؤلاء العاطفين على "الأنصار" الراثين لهم الحافظين لعهدهم والراعين لوصية النبي ﷺ فيهم، فقد يحدثنا - كذا - الرواة أنه مر بنفر من المسلمين فإذا فيهم حسان وهم غير حافلين بما يقول فلامهم على ذلك وذكرهم موقع شعرِ حسان من النبي ﷺ وأثر ذلك في نفس حسان فقال يمدحه: وأحب أن تلتفت إلى أول هذا الشعر. فهو حسن الدلالة على ما أريد أن أثبته من دخول الحزن على نفوس "الأنصار" لهذا الموقف الجديد الذي وقفته منهم قريش، وأول الشعر هو: أقام على عهد النبي وهديهِ. . . حوارِيُّه والقولُ بالفعل يُعدَلُ
أقام على منهاجِه وطريقِه. . . يوالي وليَّ الحق والحقُّ أعدل قال طه: "فانظر إلى هذين البيتين في أول المقطوعة كيف يمثلان ذكر حسان لعهد النبي ﷺ وحزنه عليه وأسفَه على ما فات "الأنصار" من موالاة النبي لهم وإنصافه إياهم " انتهى. وبعد صفحة واحدة قال: كما كان الزبير من هذه الفئة القرشية التي كانت تعطف على "الأنصار" ذكراً لعهد النبي ﷺ أو " احتفاظاً بمودة الأنصار ليوم الحاجة. . . ". والخبر من الأغاني في ترجمة حسان، وعبارته أن الزبير مرَّ بمجلس من أصحاب رسول الله ﷺ وحسان بن ثابت ينشدهم من شعره وهم غير نشاط لما يسمعونه منه، فجلس معهم الزبير فقال: ما لي أراكم غير آذنين لما تسمعونه من شعر ابن الفُريعة، فلقد كان يعرض لرسول الله ﷺ فيحسن استماعه ويجزل عليه ثوابه ولا يشتغل عنه بشيء، فقال حسان وأنشد الأبيات. فانظركم في أسباب الدلالة التاريخية بين قول الأغاني إنه مر بمجلس من أصحاب رسول الله ﷺ وقول طه مر بنفر من المسلمين وهذا الخبر قد مرَّ على كل علماء الأدب والتاريخ الإسلامي فما فطن أحد إلى دلالته على حزن الأنصار وعطف الزبير عليهم "ليوم الحاجة"، إلا أستاذ الجامعة وحده؛ فأين فيه ذكر الأنصار وحزنهم على ما فاتهم، وإنما يتكلم حسان عن نفسه وإياها أراد بقوله: "وليَّ الحق" إذ كان يتولاه رسول الله ﷺ، وهو رجل شاعر كل مجده في إقبال الناس عليه ونشاطهم لكلامه إن كانوا من قومه الأنصار أو من غيرهم. وأين النص يا أستاذ الجامعة على أن ذلك المجلس من الصحابة كان من قريش، فإنه إذا جاز أن يكون من الأنصار فقد بطل ما جئت به؛ إذ يكون قومُ حسان هم الذين لم ينشطوا لسماعه، ثم كم من الفرق بين أن يكون سامع الشعر غير ناشط له وبين أن يكون غير "حافل " به؛ ثم أين النص على أن ذلك المجلس كان في تاريخ بعينه مع أنه يجوز أنه كان في زمن عمر بن الخطاب بعد أن استقرت الأمور ولم يبق شيء من الخلاف بين قريش والأنصار، أو بعد ذلك بزمن بعيد، فإن الزبير قتل في سنة ست وثلاثين للهجرة.
كان في زمن عمر بن الخطاب بعد أن استقرت الأمور ولم يبق شيء من الخلاف بين قريش والأنصار، أو بعد ذلك بزمن بعيد، فإن الزبير قتل في سنة ست وثلاثين للهجرة. وإذا علمتَ أن الزبير هو ابن عمة رسول الله ﷺ وحواريُّه وصفيُّه وقد شهد معه المشاهد كلها فلا تسألني أنا عن معنى قول الأستاذ "ليوم الحاجة"، ولكن سل رجلاً ملحداً زنديقاً
لا يظن أن في النفوس نفساً مؤمنة، لأن الإيمان عنده خدعة من خدع السياسة كإسلام نابليون في مصر! وعجيب من طه بعد أن عرفت شعره ومبلغ فهمه للشعر أن تراه يقول في صفحة ٩٩: "وكل هذا الشعر إذا نظرت فيه سخيف سقيم ظاهر التكلُّف بيِّن الصنعة. . . ". وفي صفحة ١٠٣: "ويروي لنا ابن سلام شعراً آخر ليس أقل من هذا سخفاً ولا تكلفاً ولا انتحالاً. . . ". وفي صفحة ٤١٥ وقال دولة سعد باشا للورد لويد: ويحسن استشارة لندن، فقال اللورد: أنا لندن في المسائل الحاضرة! وأنا أقول كذلك للرافعي ولغير الرافعي: أنا الشعر، أنا الجامعة. . .!
خنفساء ذات لون أبيض . . . إن من عادتي إذا جلست للكتابة أن أضع ساعتي ناحية إلى اليمين مرتفقة ذراعي أسد مصنوع من الحديد قد ربض ربضةَ الكبرياء مستوفزاً كأنما يجمع الوثبة على فريسة وجد في الهواء ريحَها، كاشراً كأنما يتهيأ لنقضها نفضة الموت، مقشعرا يضم أجزاءه ليرسل منها حملته الفاتكة، وقد برز له صدر ضخم مكتنز عُضلة لا أحسبه إلا جحر ذلك الطاحون الحيواني الذي صنعه الله من شدقيه وأنيابه. وتأملتُ الآن هذا الأسد وهو يحمل ساعتي وأخذت أفكر فيما أكتب اليوم عن الجامعة، فقلت: أسأل هذه الجامعة: ماذا عسى أن يدرك الأسد من معنى هذه الساعة لو هو أبصرها ملقاة بين يديه في الصحراء ورأى عقاربها تدب دبيبَها؛ أتراه يظنها خنفساء ذات لون أبيض، أم يحسبها في أرقامها السوداء قرية صغيرة من النمل، أم يخالها قطعة من العظم تفرَّق الذباب على أطرافها؟ إنه ظان ما شاء أن يظن إلا أن يعرف أنها أداة لتعيين الوقت، فإن ساعة الوقت عنده هي قرص الشمس يطلع أو يغيب، لا ليدل على أن الساعة واحدة أو ثلاثة أو اثنتا عشرة، بل الساعة ظلام أو الساعة نور.
ا أداة لتعيين الوقت، فإن ساعة الوقت عنده هي قرص الشمس يطلع أو يغيب، لا ليدل على أن الساعة واحدة أو ثلاثة أو اثنتا عشرة، بل الساعة ظلام أو الساعة نور. هذا في الأسد؛ أما في الإنسان فنسأل الجامعة: أكل امرئ يعرف قيمة الوقت في تحريره وضبطه؟ أم كل إنسان في ذلك بحساب من عمله وطريقته في الحياة؟ وماذا يفهم "المتشرد" في الطرقات من معنى قولك الساعة خمسة والساعة عشرة إلا على نحو مما يفهم الأستاذ طه حسين من المعاني الدينية السامية في التاريخ الإسلامي، إذ تعيَّن له فضائل كريمة لا يألفها ولا يسيغها ولا يعقلها، كما تعيَّن الساعة مواقيت دقيقة لا محل لها في حياة المتشرد والمفلول ولا وزن ولا قيمة. وإذا نحن وضعنا هذه الساعة في ثوب هذا المتشرد وكانت عاملة محرَّرة ثم وضعناها يوماً آخر وهي معطلة خربة. فهل هذا اليوم عنده إلا كذاك اليوم؟ وهل تكون ساعة مثل هذا الرجل إلا الرغيف والقرش ونحوهما مما لا يدله على أن الساعة واحدة أو ثلاثة أو اثنتا عشرة بل الساعة شبع والساعة جوع؟
لا تعرف الجامعة ولا تريد أن تعرف أن مثل أستاذها في المبالاة بحقائق المعاني العالية من التاريخ الإسلامي وفقهها مثل ذلك المتشرد في المبالاة بمعاني الوقت، ومثلُ ذلك الأسد في المبالاة بمعاني الصناعة؛ ولكننا أريناها بعينيها وبأعين الناس جميعاً أن كل المعاني الإسلامية في دروسها لم يدرك منها أستاذها إلا شبيهاً بما أدرك الأسد إذ فكر ثم قدَّر ثم تدبر ثم حكم أن الساعة خنفساء ذات لون أبيض. . . كنا والله نرتاب في أن الجامعة المصرية مدرسة إلحاد، وأن طه حسين ما أخذ لها دون سواه ممن كانوا في الجامعة القديمة (١) إلا لهذه العلة فيه، ولأنه أقوَمُ بها وأقدرُ عليها، وكنا لا نظن هذا فضلاً عن أن نحققه، غير أنا قرأنا اليوم فصلاً إضافياً لصديقنا الأستاذ العلامة الكبير السيد رشيد رضا كتبه في " المنار" وأذاعته جريدة "البلاغ " وجعل عنوانه " دعاية الإلحاد في مصر" وهو يقول فيه ليس الإلحاد بجديد في مصر، وإنما الجديد هو الدعوة إليه وتأليف الجمعيات لبثه وهدم الإسلام، وتأليف الكتب في الطعن على أعلام حكمائه المتقدمين الذين يعلي الإفرنج قدرهم كالغزالي وابن خلدون، والتنويه بمن اتهموا بالكفر والإلحاد كالمعرِّي، والإشادة بأدب من اشتهر بالفسق والخلاعة كأبي نواس. "وقد كنا ذكرنا من بضع عشرة سنة خبر تأليف أول جمعية إلحادية من أعضائها معمَّم من خريجي الأزهر؛ ثم إنهم خلعوا العذار وجهروا بدعايتهم في دروس "مدرسهّ الجامعة المصرية" ومحاضراتها. . . وإذ فطنوا في هذه الأيام لما في وطنيتهم ولا دينيتهم من الخسارة الأدبية والسياسية على مصر، وأنشأت
يتهم في دروس "مدرسهّ الجامعة المصرية" ومحاضراتها. . . وإذ فطنوا في هذه الأيام لما في وطنيتهم ولا دينيتهم من الخسارة الأدبية والسياسية على مصر، وأنشأت (جريدة السياسة) تعدهم وتمنيهم بأن ثقافتها الإلحادية الجديدة طفقت تتبوأ مباءة تلك الزعامة الدينية من أنفس الشعوب الشرقية عامة والسورية خاصة، إذ شعرت هذه الشعوب بأن الدين صار الأدنى والأضعف من جوامع الأقوام وروابط الأمم، وأن "مدرسة الجامعة المصرية الإلحادية" وهي المظهر الأعلى للثقافة الجديدة. . . قد خلفت الأزهر المتوفى غير مأسوف عليه وورثت مكانته المعنوية. . . لقد صدقت جريدة (السياسة) - وقلما كانت صادقة - فيما صورته من التنازع بين الجامعة الأزهرية الدينية، والجامعة المصرية الإلحادية، فهذا أمر يعرفه البصيرون وإن غفل عنه الأكثرون، وأول من صرح به في مجالسنا من غير
المسلمين شابٌّ إسرائيلي ذكي سمعنا نتكلم في مسألة كتاب الشيخ علي عبد الرزاق عقب ظهوره، وكونه ينصر فيه دعاية الإلحاد الجديدة؛ فقال: ليست المسألة مسألة كتاب ألفه شيخ مسلم في محاربة الإسلام، فلو كان هذا كل ما تشكو منه لهان خطبه. ولكن المسألة كل المسألة - هي التنازع بين " الجامعة المصرية" وجامعة الأزهر، فإذا غلبت الثانية بقيت هذه البلاد إسلامية، وإذا انتصرت الأولى لحقت مصر بالبلاد التركية وانقضى عصر الإسلام فيها" انتهى كلام السيد بحروفه. وتقع هذه اللطمة وفيها قوة الأربعمائة مليون يد إلا تسعاً. . . على وجه الجامعة، فلا ترى هذه الجامعة الذليلة تغضب لدين أو كرامة أو أمانة. ولا يكون منها إلا أن تدير القفا. . . وكنا والله نحسبها ساكتة في جدالنا إياها عن عجز، لأننا على ما نعلم من وجوه الضعف الكثيرة في نفسنا نعلم يقيناً أنه ليس في هذه الجامعة من يقوم لنا في هذا الباب الذي نجادلها فيه، وهي بعدُ مغرورة بأستاذها تحسب الأدباء يتحامَونه لأن في فمه لجة من السب والشتم يغرق فيها من يتصدى له، فليكن في فمه البحر فإن ذلك لا يعجزنا أن نجيئه في وسط اللجة بتراب اليابسة يُرغم أنفه. والآن علمنا أن إيمان الجامعة أو إيمان طه حسين بالله وملائكته وكتبه
يكن في فمه البحر فإن ذلك لا يعجزنا أن نجيئه في وسط اللجة بتراب اليابسة يُرغم أنفه. والآن علمنا أن إيمان الجامعة أو إيمان طه حسين بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر في ذلك الكتاب الذي أذاعته الجامعة إنما كان في بابه تزيُّناً كتجمْل تلك المرأة السوداء التي سخر منها القدر حين وُلدت فسماها أهلها دنانير. . . ثم سخر منها حين كبرت فتزوجها أعشى سُليم الشاعر. ثم سخر منها الثالثة حين تجملت وتكحلت بالإثمد فانطق الأعشى بهذا البيت: كأنها والكحل في مِرودها. . . تكحل عينيها ببعض جلدها كثيراً ما سألت نفسي: هل في مصر كلها رجل واحد يحق له أن يكفر؟ وبمعنى آخر: هل في مصر كلها رجل عبقري شاذ يبلغ من سمو العقل وسعة الإحاطة وحدة الذهن وغؤر النفس أن يكون له رأي خاص في الإيمان ينكسر به ما أجمع الناس عليه؟ وبمعنى ثالث: هل في مصر ممن يقلدون بعض فلاسفة الأوروبيين في الإلحاد من يُعد في طبقة من يقلدهم بحيث لو كان في أوروبا الملحدة لقلده أذكياء الأوروبيين وأساتذة الجامعات هناك. . .؟ إن البلاء كله إنما يجيئنا من ناحية الأخلاق الضعيفة أو الأعراق الدساسة
أو العلم الناقص؛ فأما أثر الخلق الضعيف والعرق الهجين فليس له إلا الحكومة بمدارسها، فإن أهملته في المدارس فلن يهملها هو في الأسواق وما وراءها من الأماكن والجهات حين ينبتُ الملحدون المتعلمون في الأمة ويتعاطون أمورها ويجارونها في أسباب الحياة؛ وأما العلم الناقص فأنت ترى أن صاحبه ما إن يتناول شيئاً من دقائق الفكر إلا انتهى إلى الحكم بأن فيها عجزاً أو ضعفاً أو اضطراباً، كما يفعل طه حسين في دقائق التاريخ والشعر والدين، وذلك طبيعي لا يكون غيره، فما العقل الناقص إلا كالعين المريضة: لا ترى أثر مرضها إلا في الأشياء التي تراها والأشياء مع ذلك صحيحة لا مرض فيها. واعلم أن الخطأ ولو في فكرة واحدة إن لم يكن إتلافاً وإحالة وإفساداً فهو تشويه ونقص، لأن الفكرة جزء من الأجزاء التي يتألف منها الكل المعنوي. ومتى كثرت الفِكَرُ المخطئة بأي الأسباب من نقص العقل أو الذكاء أو الخلق، فذلك أشنع ما أنت واجده في عمل هؤلاء الملحدين إذ يفسدون الإيمان وهم يحسبون أنهم يصححونه، وما الإيمان إلا صورة معنوية كاملة لها أجزاء ولأجزائها ألوان ولألوانها مقادير؛ فقل الآن في رجل أشل اليد أو سقيم النظر أو فاسد الذوق تريده على أن يرسم صورة امرأة جميلة ويكون من بعض آفاته أنه رجلُ منطق وتعليل وإبداع واختراع يزعمه، ثم لا يكون منطقه الذي يلائم ذوقه وفكره وفنه إلا على هذا التمثيل. إن الحاجب أسود، والأسود يضاده الأبيض. والضد يظهر حسنَه الضد، فالعين في الصورة يجب أن تكون بيضاء. . . والخد أحمر! والأحمر لون النار وللنار دخان يزينها من حواشيها، فعارضا المرأة يجب أن يكون لونهما في الصورة أسود ويمر في هذا المنطق ثم يخرج لك الصورة الجميلة فإذا هي صورة امرأة عمياء ملتحية، لم يخرجها من الطبيعة ولا من الفن بل من المنطق والحدس. ثم من منطقه هو خاصة، ثم مما حدث بظنه على أنه إبداع واختراع، وكل أولئك الذين تعرفهم ما منهم على الأمة إلا ذو مصيبة
عة ولا من الفن بل من المنطق والحدس. ثم من منطقه هو خاصة، ثم مما حدث بظنه على أنه إبداع واختراع، وكل أولئك الذين تعرفهم ما منهم على الأمة إلا ذو مصيبة واحدة، خلا الدكتور طه، فإنه ذو المصيبتين، لأنه وحده الذي يتناول الأدب العربي من دون هذه الفئة ويريد أن يأتي الإسلام من دعائمه، أما سائرهم فأهلُ سياسة وفلسفة؛ لا يُقدم أجرؤهم على بحث أدبي فيديره على الإلحاد إلا جعله على جهة النظر الاجتماعي أو السياسي. فبذلك يهاجم الأدب وينهزم عن الأدباء. لأنك إذا جادلته التوى عليك بأنه ينظر إلى غير ما تنظر، ويذهب في غير مذهبك، وأخذ يكيلك الحصى وأنت توازنه الذر؛ فكلهم في الأدب مخادع نفسه؛ ولذلك لم يشتغل بهم أحد من علمائنا وأدبائنا على ما يتسع من عيوبهم
ويتضاعف من زلاتهم؛ إلا ذا المصيبتين، فهو وإن كان من جملتهم فإنه وحده. . . وبهذا تقدمَ عليهم وبانَ منهم حتى رأينا فيهم من يصفه بأنه زعيم المجددين، ولعله من أجل هذا لم تجد الجامعة غيره ولم تعدل به أحداً إذا صح أن هذه الجامعة أداة من الأدوات كما هي مدرسة من المدارس؛ ونحن لا نزال نتوقف في هذا فلا نبت الحكم عليه إلا بعد التثبت والاستبانة الصحيحة لأن أثقال هذا الميزان من الرأي لا تزال ناقصة ولا يقع الرجحان فيه إلا بعد أن يُلقَى في كفتيه عمل الأستاذ الكبير مدير الجامعة، فإن هو ظل ساكتاً بعد الآن فسكوته عمله وكفى، وسكوتهُ يُنطق غيره، فما هو وحده بذي اللسان ولا هو يملك على أحد لسانه، وهو عندنا رجل للتاريخ فليحذر ألسنةَ التاريخ. قلنا إن طه ذو المصيبتين على الأمة، ولكن الله تعالى يرعى دينه ويكلؤه فيسر طه لما خُلق له، ثم يسره لمن يصدمه، فهو حجر لكنه هش لين المكسر، إذ كان من طبقاته التي يتألف منها طبقات مُتفتتة خُلقت من كُسارة الأحجار ودُقاقها كالطباشير، فهو ينطوي على طريقة كسره رحمة من الله بهذا الدين، وتلك سنة لن تخطئها في أعداء الإسلام إذ أنت استعرضتَهم وميزتهم فلا تتبدل ولا تتغير، ولولا ذلك لما هلكوا وبقى الدين، ولا ذهبت كتبهم وبقي القرآن.
الدين، وتلك سنة لن تخطئها في أعداء الإسلام إذ أنت استعرضتَهم وميزتهم فلا تتبدل ولا تتغير، ولولا ذلك لما هلكوا وبقى الدين، ولا ذهبت كتبهم وبقي القرآن. وترى ذا المصيبتين هذا يحمل أسلحة كثيرة من العلم والتاريخ والجراءة والشك والحماقة، ولكنها كلها متفللة تكسرها في أصابعك لو شئت؛ فمعه إلى قوة الكلام ضعف الفهم وإلى شدة الصولة خَوَرُ الهزيمة، وهو سبَّاق القلم لكنه أعرج الخيال، سديد الجدل لكنه سيئ التاريخ؛ وقس على ذلك من فضائله وأسباب قوته ما إن تدبرته رأيته لا يأتي أبداً إلا متعارضاً متهاتراً في بعضه إسقاط لبعضه. وضع الأستاذ كتابه ليبحث في أن الشعر الجاهلي مصنوع محمول على أهله، وأجمل هذه الفكرة وأسبابها ثم قال في صفحة ": "ولكني لن أقف عند هذه المباحث، لأني لم أقف عندها فيما بيني وبين نفسي، بل جاوزتها وأريد أن أجاوزها معك إلى نحو آخر من البحث أظنه أقوى دلالة وأنهض حجة من المباحث الماضية كلها، ذلك هو البحث الفني واللغوي، فسينتهي بنا هذا البحث إلا أن هذا الشعر الذي ينسب إلى امرأ القيس أو إلى الأعشى أو إلى غيرهما من الشعراء الجاهليين لا يمكن من الوجهة اللغوية أو الفنية أن يكون لهؤلاء الشعراء" انتهى.
لا جرم كان "البحث الفني واللغوي لا هو الأساس الذي يقوم عليه مثل هذا الكتاب؛ إذ لا معنى للتخرص والحدس وقولِك أشد في هذا وأنكر هذا وأكبر الظن كذا، فكل عافي وسوقي ونبطي وزنجي يستطيع أن يتناول الميزان الدقيق فيُميله ويجعله أكذب الموازين وأخبثها ولا يعجزه أن يسوغ فعله بعذر أو دليل وإن لم يكن من القوة على ذلك والتوسع فيه بحيث يصلح أستاذاً، ولكن العجب أن شيخ الجامعة لما انتهى إلى البحث الفني واللغوي تخبط واختل وذاب واضمحل، ورأينا هذا البحر العظيم الذي يقال له الفني واللغوي، مستنقعاً صغيراً يخوض منه الشيخ في ضحضاح من الماء الراكد، ويخرج مدعياً الغرق وما يغرق أحد في مثله إلا إلى الكعبين. وكان جديراً بمن يقول الفني واللغوي أن يدلنا على نمط كل شاعر وطريقته ومذهبه وعمودِ شعره وأسباب التوليد عليه بخاصته ووجوه الصنعة في كلامه وأن يعيد لنا من علمه الواسع ذلك العهد الأول الذي كان يقول فيه الرواة لم يصح لامرئ القيس إلا كذا، ولم يصح لطرفة وعبيد إلا كذا. وهذه الأبيات وضعها فلان أو زاد فيها فلان، بيد أن الأستاذ بعد أن وصف هو الأوقيانوس الفني واللغوي وأنه سينتهي بنا إلى القارة الجديدة المسماة أمريكا، اختصر الطريق إلى أمريكا هذه فجاء بها ووضعها في العدوة الأخرى من المستنقع. . . إذ يقول في صفحة ١٣١: "وإذن فلنتناول مع الإيجاز الشديد شيئاً من البحث عن الشعر والشعراء في العصر الجاهلي، لنرى إلى أي شيء نستطيع أن نطمئن من هذه الأشعار". وفي صفحة ١٥٢ بعد أن روى مطلع قصيدة لعبيدة بن الأبرص: " لولا أننا نؤثر الإيجاز ونحرص عليه لروينا لك هذا الشعر ووضعنا يدك على موضع التوليد فيه. . . ". قلنا: ففي أي شيء هذا الكتاب إذن ما دام " الإيجاز الشديد وإيثار الإيجاز والحرص على الإيجاز" هو أساسَ البحث الفني واللغوي فيه، على حين أن الكتاب هو البحث وكل ما عداه حشو واستعانة وأن امرأ القيس لا يمحى من التاريخ "بالإيجاز الشديد"، ومهلهلاً لا يكون من رجال الأساطير "بالحرص على الإيجاز". . . وماذا يغني عنك - ويلك - أن تجمع لحرب أمة مصانع كروب ومدافعها ومخترعاتها - عدةَ ملايين من المقاتِلة إذا لم يكن لديك إلا
اطير "بالحرص على الإيجاز". . . وماذا يغني عنك - ويلك - أن تجمع لحرب أمة مصانع كروب ومدافعها ومخترعاتها - عدةَ ملايين من المقاتِلة إذا لم يكن لديك إلا بضعة مدافع بالإيجاز الشديد. . .؟ ألا تستحي يا طه أن تسقط بالجامعة هذا
السقوط كلَّه؛ وأن تتغفل الناس إلى هذا الحد في بحث لم يَخلق الله له أهلاً بعد أن ذهب أهله؟ على أن المسألة اللغوية في كتاب الشيخ هي مسألة اللهجات، وقد أسقطناها في بعض ما مر بك، ثم كانت عقدتها قوله في صفحة ١٤١ "وقد يكون لنا أن نلاحظ قبل كل شيء ملاحظة لا أدري كيف يتخلص منها أنصار القديم، وهي أن امرأ القيس - إن صحت أحاديث الرواة - يعني إن صح أنه خُلق - يمني وشعره قرشى اللغة. . . ولغة اليمن مخالفة كل المخالفة للغة الحجاز فكيف نظم الشاعر اليمني شعره في لغة أهل الحجاز"؛ إلى أن يقول: "وأعجب من هذا أنك لا تجد مطلقاً في شعر امرئ القيس لفظاً أو أسلوباً أو نحواً من أنحاء القول يدل على أنه يمني، فمهما يكن امرؤ القيس قد تأثر بلغة عدنان فكيف نستطيع أن نتصور أن لغته قد مُحيت من نفسه محواً تاماً ولم يظهر لها أثر في شعره؛ نظن أن أنصار القديم سيجدون كثيراً من المشقة والعناء ليحلوا هذه المشكلة ". انتهى. فنحن مع الأستاذ في اثنتين: أن ينكر وجود امرئ القيس إنكاراً صريحاً. وحجتنا عليه ذكر هذا الشاعر في الأحاديث المروية عن النبي ﷺ وفيما رُوي من كلام الصحابة كعمر وعلي وكلام الشعراء الأمويين كالفرزدق وجرير. وأخرى: أن يقر بوجوده إقراراً صريحاً ولا يقول "نرجح أنه وجد" وتبقى المشكلة اللغوية التي أوردها واعترض بها وتوهم فيها في أنصار القديم ما توهم وجعلها أقوى ما في كتابه من الأدلة، وقد أنذَرنا غير مرة في جدالنا معه أننا "سنجد مشقة، وعسراً" في التخلص من مشكلاته، فوالله ما وجدنا في واحدة عسراً ولا مشقة، ولكنه يرمي الناس بما فيه وذلك من أمره، ولو تثبت واستعان بغيره لكان خيراً له وأقوم، ولكن فتنه الله بنفسه وبصَّره العيوب إلا عيبه. وقبل أن نحل له المشكلة نقول: إننا رأينا في بعض كتب الجدل أن رجلاً
بت واستعان بغيره لكان خيراً له وأقوم، ولكن فتنه الله بنفسه وبصَّره العيوب إلا عيبه. وقبل أن نحل له المشكلة نقول: إننا رأينا في بعض كتب الجدل أن رجلاً ذكياً قال لجماعة من الناس: إن سقف البيت كان فوق زيد ثم صار تحت زيد، فقال واحد منهم: لا جرم تهدم البيت ووقع السقف فلا حول ولا قوة إلا بالله! وقال آخر: لا عجب مات الرجل شر ميتة فإنا لله! وقال ثالث: وليس يمشي الناس في جنازته إلا متوجعين فرحمه الله! وانطلقوا في ذلك يُفضي به بعضهم إلى بعض ولا رجعة لمن مات فالمشكلة لا حل لها! ألا دعونا أيها الناس من الموت والهدم ومما قام بأنفسكم من المعاني،
وانظروا في الكلمة ولا تجاوزوها ودققوا الفهم قبل أن تدققوا التخريج فإن السقف كان فوق زيد حين كان زيد جالساً في الغرفة، ثم صار تحته حين صعد زيد إلى السطح؛ وهذا حل المشكلة التي هدمت بيتاً وقتلت رجلاً! وهي بعينها مشكلة أستاذ الجامعة، فلا تجد في هذه صعوبة إلا إذا جريتَ على طريقته في التاريخ والاعتماد فيه على العقل والرأي دون المادة متجاهلاً أن العقل ينتج في كل العلوم فيصلحها إلا في التاريخ فإته يفسده إذ لا تنتج فيه إلا المادة، وإذ حاجته إلى العقل المفسر منه لا إلى العقل المنتج فيه، والعقول أنواع بطبائعها وخصائصها ودرجاتها، فإذا تحكمتَ في التاريخ نوعتَه وهو شيء واحد لا يختلف ولا يقبل الزيادة، إذ كان وانتهى ووُضع عليه خاتم الفناء. انظر يا سيدنا ومولانا طه حسين في كتاب العمدة في صفحة ٥٩ من الجزء الأول. تجدهم حلُّوا مشكلتك منذ ألف سنة بقولهم إن امرأ القيس يماني النسب نزاري الدار والمنشأ - يعني المولد والمربى. ولا تؤاخذنا، في التفسير لك - فقل أنت الآن يا سيدنا ومولانا، هل تريد أن تولد لغة اليمن في دمه فيكون دمه معجماً لغوياً لا يجري كريات حمراء بل كلمات واشتقاقات وأساليب؛ وهل العربية أية لهجة كانت إلا على الدار والمنشأ بالسماع والمحاكاة؛ كان سبيلك يا سيدنا ومولانا أن تثبت لنا بدياً أن امرأ القيس وُلد ونشأ في اليمن ثم تنقل بعد ذلك في قبائل العرب، ثم يكون لك أن تقول: فكيف نسي لغته؟ وماذا نرى في قول بعض الرواة إن الشعر يماني واحتجاجهم لذلك في الجاهلية بامرئ القيس، وفي الإسلام بحسان بن ثابت، وفي المولدين بأبي نواس وأصحابه مسلم بن الوليد وأبي الشيص ودعبل - وكلهم من اليمن - وفي الطبقة التي تليهم بالطائيين أَبي تمام والبحتري. أكل هؤلاء وهم ينسبون إلى اليمن قد كانوا إلا على لغة الدار والمنشأ؟ ذلك هو كل ما في كتاب طه من المسألة اللغوية، وبقي أنه يجعل من
ن أَبي تمام والبحتري. أكل هؤلاء وهم ينسبون إلى اليمن قد كانوا إلا على لغة الدار والمنشأ؟ ذلك هو كل ما في كتاب طه من المسألة اللغوية، وبقي أنه يجعل من أسباب وضع الشعر سهولةَ ألفاظه، ويطلق ذلك في كل الشعراء الجاهليين قياساً واحداً، مع أن الرواة العلماء نصوا على أن الأعشى يحيل في لفظه كثيراً ويسفسف دائماً ويرق ويضعف، وقد جعلوه بإزاء النابغة، قالوا: وألفاظ النابغة في الغاية من البراعة والحسن. فإذا كان هذا الشعر وضعاً وصنعة فما الذي شدَّ النابغة وأرخى الأعشى؛ وقد أدرك الأعشى الإسلام وكان جاهلياً، وكان أهل الكوفة يقدمونه على الشعراء، فلا شبهة في وجوده؛ وكان من شعراء ربيعة
كطرفة بن العبد، وإنهما لمتباينان في ألفاظ الشعر؛ فكيف اشتد واحد ولان الآخر؟ قالوا: وكان الأصمعي يزعم أن العرب لا تروي شعر أبي دؤاد وعدي بن زيد، وعلل هذا بأن ألفاظهما ليست نجدية، أي ليست قوية متينة السبك في الغاية من القوة والجزالة، ولقد كان الأصمعي أحق من طه حسين بما ذهب إليه لو أن رقة الألفاظ تنفي نسبة الشعر إلى جاهلي أو مخضرم أو تُثبته لمولَّد أو محدَث تكون سبباً من أسباب الشك. ومع رقة شعر عدي كان معاوية يفضله على جماعة الشعراء، ومع رقة أبي دؤاد فضله الحطيئة وهو أعلم بالشعر من طه ومن أجداده؛ فما أظن أن في سلسلته شاعراً وإلا فأين أثره؟ إن الرقة والجزالة واللين والجفاء لا ترجع في الشعر إلى لغة الشاعر ولا عصره ولكن لعواطفه ومعانيه وذوقه، وللطريقة التي نشأ عليها، وللشاعر الذي يحتذيه؛ فإن الشاعرية لا تنبت شاعريته كما تنبت الشجرة، بل هو بروي شعر غيره فيعمل عليه، ثم تعرض له أمور من نفسه ودهره وعيشه فتوثر فيه قوة وضعفاً، وقد كانوا لا يعذون الشاعر إلا مَن روى لغيره، لأنه متى روى استفحل. وسئل رؤبة عن الفحل من الشعراء، فقال: هو الرواية.
ودهره وعيشه فتوثر فيه قوة وضعفاً، وقد كانوا لا يعذون الشاعر إلا مَن روى لغيره، لأنه متى روى استفحل. وسئل رؤبة عن الفحل من الشعراء، فقال: هو الرواية. قال يونس بن حبيب: وإنما ذلك لأنه يجمع إلى جيِّد شعره معرفَةَ جيِّد غيرِه، فلا يحمل نفسه إلا على بصيرة؛ وتأمل ما قالوا في حفظ الشعراء المولدين كأبي نواس الذي لم يقل الشعر حتى رَوى لسبعين امرأة من النساء دون الرجال، وأبي تمام الذي كان يحفظ ما لا يُعد، والمتنبي الذي لم يَفته شيء، والمعرِّي الذي لم تَسقط عن حفظه كلمة الخ الخ. ولو كان طه شاعراً لعرف كيف تختلف أساليب الشعراء وبمَ تختلف ولِم تختلف؟ ولكنه بعيد من هذا وهذا بعيد منه كما تعلم، ومتى ثبت أن الشاعر عندهم هو الراوية - وذلك ثابت لا ريب فيه والنصوص عليه كثيرة وأسماء الشعراء ورواتهم معروفة - فمن ذلك تعلم كيف تأدى الشعر الجاهلي إلى الرواة؛ فأولئك هم كانوا الدواوين التي جمعت الشعر وأدَّتْه صحيحاً محفوظاً ثم زيدَ، عليه بعد، ولكن كذبَ الزيادة لا ينفي صحة الأصل؛ والأمر في هذه الزيادة إلى أهله الذين كانوا أهلَه لا إلى طه ولا أمثال طه، فإذا رأيناهم يقولون مثلاً: كان امرؤ القيس كثير المعاني والتصرف لا يصح له إلا نَيف وعشرون شعراً من طويل وقطعة؛ فما بنا بعد هذا القول حاجة إلى طفيلي في الشعر وروايته وتحقيقه كأستاذ الجامعة ينفي أو يثبت"، علىِ مذهب ديكارت أو علِى مذهب
الشيطان؛ لأن المذهب هنا من أقوال العلماء والحفاظ وأهل البصر بالشعر والحذق في نقده وتمييزه، وما على الأرض اليوم رجل واحد يقول إنه من هؤلاء. ومما نظن أن ألفا وثلاثمائة سنة تضحك منه ضحكاً يهز قبور الأدباء، قولُ شيخ الجامعة في تعيين تاريخ امرئ القيس صفحة ١٥٠ "والذي نرى نحن - تأمل نحن - أنه عاش قبل القرن السادس، وربما عاش قبل القرن الخامس أيضاً. . . " فربما التي يقال فيها إنها للتقليل هي في حساب التاريخ الحسيني بمائة سنة، لأن الذي يقال فيه إنه عاش قبل القرن السادس للميلاد لا يمكن أن يتقدم على سنة ٥٠٠ فإذا قيل فيه: ربما عاش قبل القرن الخامس أيضاً؛ فأيضاً هذه لا يمكن أن تتقدم سنة ٤٠٥ وما أنا من علماء الرياضة فأجد من عقلي قوة على تخليص هذا الخلط، وإذا جاءنا فيثاغورس فخلصه فقد بقي أنه يجوز أن يكون امرؤ القيس قد عاش قبل القرن الرابع وربما قبل الثالث أيضاً. . . إن نصف الكذب من الكذاب يشبه أن يكون منه بمنزلة نصف الصدق. فالحمد لله على أن أستاذ الجامعة قد أبقى لنا شيئاً نفهمه من شيء كان اسمه امرأ القيس!
ً. . . إن نصف الكذب من الكذاب يشبه أن يكون منه بمنزلة نصف الصدق. فالحمد لله على أن أستاذ الجامعة قد أبقى لنا شيئاً نفهمه من شيء كان اسمه امرأ القيس!
أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ قرأت في "الأهرام" حديئاً كان مع أحد كتابها للأستاذ الفاضل مدير الجامعة يصف ما تم في جامعته مدة عام ويؤرخها فيه، وقد رأينا الأستاذ ركب فناً غريباً من الكلام لا يعمد إليه في طبيعة القول وأساليبه إلا من كان في نفسه أشياءُ تناقض ما في لسانه، أو كان قوله على أصل مخترع؛ وسنعرض لحديثه بعد قليل. ولما استوفيت القراءة رجعت إلى نسختي القديمة من كتاب (كليلة ودمنة) لعلي أجد فيها بيان الحديث أو تأويل هذه الفلسفة، فأصبت ما أقص عليك من هذا المثل الغريب، قال دمنة: وأنت يا كليلة بعدُ لا أراك تخرج من نحيزتك ولا تدع زَهوَك وفلسفتك وما تبرح في لسانك دأباً كلمتان: واحدة تنحدر وأخرى تَهمُّ أن تنحدر. وتحسب أن ما معك من هذه الخاصة ليس مع أحد مثله، كأنَّ الله أفردك بها وما يُفرِد إلا نبيا وما يميز إلا رسولاً وما أنت بأحدهما؟ وإن رجاء الأمور لا يكون بزخرف الكلام ولكن بصحته، ولا تجزئ منه كثرة أساليب الباطل وإنما غَناؤه في أسلوب واحد، إذ كانت الحقيقة الواحدة لا تتعدد. ولعمري لو نفعك شيء من ذلك لقد كان نفَع الفيلسوفة الأمريكية، قال كليلة: وكيف كان ذلك؟ قال: زعموا أنه كان في أمريكا امرأة فيلسوفة أحكمت المنطق وجمعت العلوم ونظمت الشعر وألفت الكتب، وكانت صلعاء مُنقشرةَ الرأس، يعرفون ذلك منها ويتواصفونه، فكانت لا ترى امرأة جثلةَ الشعر واردة الفرع إلا قالت في نفسها: أما إني لا أعرف أحداً من العلماء والفلاسفة وأهل الأدب يقطعني جداله وتعجزني مسألته، ولو قد جادلتني امرأة كهذه لأعجزتني بأول كلمة منها، فإنها أول بدأتها لا تتكلم إلا في الصلع. . . ويا ويلك إن لم ينطق في قبحك إلا لسانُ الحسن! قال: ثم إن النساء يومئذ وقع نقص جديد في عقولهن فذهبت كل
ها، فإنها أول بدأتها لا تتكلم إلا في الصلع. . . ويا ويلك إن لم ينطق في قبحك إلا لسانُ الحسن! قال: ثم إن النساء يومئذ وقع نقص جديد في عقولهن فذهبت كل
حسناء تُجمِّمُ وتقص شعرها تشبهاً بالغلمان والفتيان، وعمهن ذلك، فقالت الصلعاء الفيلسوفة: لقد وإن أكثر الصبر العسير وقارب فن فناً، وما الشعر الذي يسقط إلا أخو الشَّعر الذي لا ينبت. قال دمنة: ثم إن الفيلسوفة أرادت أن تسبح وترى الأرض حتى تنتهي إلى مصر فترى آثار الفرعون تتخمون، فلما جاوزت البحر ووقعت في الأرض المسلمة رأت الناس في حيثما نزلت من مراكش إلى مصر يحلقون رؤوسهم بالمواسي، فقالت: أما والله إن هذه لهي المدنية التي فَتحت العالم ودوَّخت الممالك، وغيرُ مستنكر ممن ينشأون على حلق رؤوسهم بالموسى أن يحلقوا أعناق الأمم بالسيف، وإن هذا لهو الرأي، وإني لموفقة أحسن التوفيق، ولن أبرح الفرصة حتى أفعل وأفعل، إلى أن أحمل هذه المواسي على رؤوس الأمريكيات، فلا يبقى من فرق بيني وبينهن إلا أنهن يحلقن مرة بعد مرة وحُلقت أنا بالموسى الإلهية التي ليس لها مر بعد! قال كليلة: ويحك يا دمنة! فماذا صنعت هذه اللكعاء؟ قال دمنة: سبحان الله! أقول لك فيلسوفة وتقول لكعاء؛ ثم إنها تعجلت الرجوع إلى أرضها فعملت خطبة سمتها "من بلاد الموسى" ولم تدع فيها جهداً من مثلها إلا بلغته، حتى أتت على آخر وسعها، فصنفتها أحسن تصنيف وعدلت أقسامها وأحكمت فصولها وابتدأتها بأن في الشرق مذهباً فلسفياً جديدا أبدعه مدير الجامعة المصرية، وهي مدرسة أفريقيا كلها، فما كان من عمل ولو إنشاء جامعة كبرى في زمننا هذا زمن الجامعات (فسنته الأولى تجربة. . . " يذهب خطأُها في طلب صوابها فهو لا بد لاحق به، فهو من ثمَّ معدود منه. فهو ليس بخطأ، ولو أن الدنيا خرِبت به لم يمنعه ذلك أن يسمى في الفلسفة الشرقية صوابَ تجربة. ثم إنها حشدت الأمريكيات وخطبت فيهن خطبتها تلك وشرحت قضية الموسى، ولم تدع أن تزينها وتقرظها وتدعو إليها، وقالت آخر ما قالت: هب أنكن لا تعرفن عواقبها، فإن المذهب الفلسفي الشرقي يقضي "بسنة تجرِبة ". فلا عليكن أن تكفرن بالمقص وتؤمن بالموسى! واعلمن - أصلحكن الله - أن
"سنة التجربة" ستكون الدين الجديد الذي يطبق الأرض فسارِعنَ إلى تجربة الحلق بالموسى ليأخذه عنا الأوروبيات والسابقةُ لنا قبل أن نأخذه عنهن والسابقة لهن. قال دمنة: فانتدبت لها امرأة من المجلس وضيئة حسناء، فلما وقفت بإزائها أمسكت المشط فمرَّت في شعرها تُفيئه يميناً وشمالاً وقالت لها: يا هَناهُ! لو كان على رأسك من هذا لما كان في لسانك هذا.
وقرأنا حديث الأستاذ مدير الجامعة، والأستاذُ أول كاتب مصري جرت في قلمه عبارة "سلطة الأمة" ولكنه في هذا الحديث سكت عن الأمة وشكواها واحتجاجها كأنه لم يوجد من هذا شيء، أو كان الأستاذ يرى دين الأمة في الجامعة كقطن الأمة في البورصة، يبعد السعر ويقرب ويرتفع وينزل ولا عليه من ذلك، فإن كان اليسر فاليسر وإن كان إفلاس فإفلاس، إنما عمله هو نشر السعر كما تجيء به المصادفات خراباً وعماراً! قلنا: فلتكن الجامعة كافرة كفراً صريحاً، ولتكن على هذا أديرت إن لم تكن لهذا أنشئت، فيبقى أمر هذه الغلطات التاريخية والأدبية التي وقع فيها أستاذها وأبان فيها عن حماقة تركت الجامعة سخرية في الألسنة؛ فما سكوت الأستاذ المدير عن هذا وللعلم حق يقضي عليه بإحدى قضيتين: فإما أن يسلم بالخطأ ويلتمس إصلاحه ويعمل في ذلك ويعلنه للأمة، وإما لا؛ فليدفع حجة بحجة وليرد كلاماً بكلام وليربأ بالجامعة أن تكون في موقف المعاند المكابر. فإن المعاند يحسب السكوت مما يغطي ويموه على الناس، ولا يعلم أنه متى قام الدليل من أحد خصمين لم يكن لسكوت الخصم الآخر إلا معنى واحد لا يختلف لا في القانون ولا في العرف ولا في الشرع، وهو الإقرار والإذعان وإن كان لم يقر ولم يذعن. يقول الأسنتاذ المدير: الجامعة تبتدئ، ولا شبهة في أن السنة الأولى لإقامة معهد علمي كبير يراد به ترقية التعليم العالي من ناحية ونشر المعلومات التي تحبب العلم إلى الجماهير - كذا كذا - من ناحية أخرى ينبغي اعتبارها "سَنة تجربة". . . قلنا: ولكن يا سيدي المدير، ما نحن من أخلاط الأمم المبعثرة، ولا نحن في جهل من مجاهل الدنيا، ولا نحن مبتدعين في إنثاء الجامعة فتضيع
"سَنة تجربة". . . قلنا: ولكن يا سيدي المدير، ما نحن من أخلاط الأمم المبعثرة، ولا نحن في جهل من مجاهل الدنيا، ولا نحن مبتدعين في إنثاء الجامعة فتضيع
أموالنا وأعمار أبنائنا فى سنة تجربة؛ أو لو قام تاجر مقصّر ينشئ مصرفاً ويعامل فيه الناس ثم خسر وانكْسرت عليه أموالهم يكون عذره عندك وعند المحاكم أنها سنة تجربة؟ ويقول الأستاذ: "لا أحد يشك في أن البرلمان المصري بعد أن استقبل في العام الماضي نبأ تأليف الجامعة بالتصفيق لا يتردد هذا العام - بهذا الجزم - في أن يقر قانون الجامعة ويحرص على إثبات شخصيتها المعنوية من غير أن ينقص "من غير أن ينقص! " من مشخصاتها شيئاً "ولو بعض الشيء. . . " بل ربما زاد - الله الله - على قوة هذه الشخصية المعنوية ووسع في دائرة مظاهرها" انتهى. ونحن نظن أن الحديث كله لم يوضع إلا ليستجرَّ هذه العبارة وحدها. فهي والله ثقيلة على كل نفس، بل هي كالإملاء على البرلمان يفرضها عليه المدير فرضاً، فلا أحد يشك حتى ولا يُهمهِمُ في نفسه؛ لا أحد عليه لا أحد، و "لا" لنفي الجنس، ولكن أين مذهب ديكارت يا سعادة المدير؛ أتشكون في الدين والعلم وتعلمون الشك وتحامون عنه وتحملون فيه سخط الأمة كلها، حتى إذا انتهى أمركم إلى نواب الأمة قلتم " لا أحد يشك) .. أفلا تعلم يا سيدي المدير أنك حقرت هذه الأمة، وإنك بعملك أنزلت الجامعة من الأمة منزلة عدو من عدوه. فكيف تريد البرلمان على أَن يكون الخاضع وهو الحاكم، وكيف تريد أن ينسى الأمة ليذكر الجامعة، وكيف تتقدم له "بسنة تجربة" ثم تقول إقرار القانون وإثباتُ الشخصنية وتقويتها وتوسيعُ دائرة مظاهرها؟ ونريد نحن أن نفهم كيف يكون التوسيع في دائرة مظاهر دروس الأدب. أيامر البرلمان بحرق المصاحف توسيعاً لمظهر الدائرة التي تدور على أن القرآن كتاب موضوع دخلته الخرافات العربية كما تعلمون في الجامعة؟ حدثني عنك يا سيدي المدير، ألا تعلم وأنت مدير الجامعة أن طه حسين
ائرة التي تدور على أن القرآن كتاب موضوع دخلته الخرافات العربية كما تعلمون في الجامعة؟ حدثني عنك يا سيدي المدير، ألا تعلم وأنت مدير الجامعة أن طه حسين أعلَم الطلبة بعد أن احتج العلماء وثار الرأي العام وكادت تقع الفتنة، أن دروس الأدب في السنة الآتية ستكون في "مناقشة القرآن من الوجهة الأدبية"؛ أمِثلُ طه يناقش القرآن إلا في مثل هذه الجامعة الممقوتة التي تتقدم إلى البرلمان في سلاسلها وأغلالها من غضب الله والأمة وصالح المؤمنين ثم تفرض عليه إثبات الشخصية وتوسيع دائرة المظاهر؟ وحدثني عئك يا سيدي المدير، ألم تكن تعرف المسيو كازانوفا الذي
جئتم به للجامعة وما علمتم أن الله سيبطله (١) لأنه تعالى أرحم من أن يجمع على أبناء هذه الأمة المسكينة كازانوفا وتلميذه طه حسين في مدرسة واحدة - ألم تكن تعلم أنه صاحب كتاب "محمد وانتهاء العالم" الذي يقرر فيه أن النبي ﷺ لم يستخلف أحداً بعده إذ كان لا يعتقد أنه سيموت. . . بل يرى أن الساعة قائمة في عهده، فلما مات كان موته تكذيباً صريحاً لأصل عقيدته، فاضطر أبو بكر الصديق أن يكذب ويزيد في القرآن آيتين إحداهما (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ) والأخرى (إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (٣٠) . ويقول بعد ذلك، هذه كذبة حلال نحن مدينون لها بقرآن أبي بكر. . . ْغط يا سيدي على الناحية الحية من الجامعة فقد غطى القبر على الناحية الميتة منها، ولقد أكثرتم الرماد فإذا أثارته الريح فلا تلوموها ولوموا أنفسكم!
ولنأخذ الآن في كتاب طه فقد وقعت فيه جَهلة لم نر مثلها لأجد إلا بعض المستشرقين وهي تأويل سيرة امرئ القيس وإثبات الشيخ بالبحث الفني. . . أن هذه القصة مكذوبة؛ ولقد رأينا في تاريخ الأدب قصة أخرى أراد العلامة ابن أبي الحديد شارح نهج البلاغة أن يقول إنها موضوعة وبحث في ذلك بوسائل فنية. فنريد أن نعرض عليك البحثين لتقابل بين هذا وذاك ولتعلم الجامعة في أي منزلة من السخف تنزل دروسها. قالوا: انه لما نشأت فتنة الخلافة أبى على أن يبايع لأبي بكر، فبعث
رض عليك البحثين لتقابل بين هذا وذاك ولتعلم الجامعة في أي منزلة من السخف تنزل دروسها. قالوا: انه لما نشأت فتنة الخلافة أبى على أن يبايع لأبي بكر، فبعث الصديق لأبي عبيدة وأنفذه إلى علي برسالة يؤديها وحمَّلَه عمرُ كلاماً آخر، فأدى ذلك إلى علي، فرد ﵇ بكلام يعتذر فيه، ثم غدا فبايع؛ وتركه أبو بكر مع عمر فتناقلا كلاماً بليغاً، والقصة طويلة يتراد فيها هؤلاء الثلاثة: أبو بكر وعمر وعلي، كلاماً من النمط العالي، فرواه ابن أبي الحديد ثم قال: "قلت: الذي يغلب على ظني أن هذه المراسلات والمحاورات وهذا الكلام كله مصنوع موضوع، وأنه من كلام أبي حيان التوحيدي، لأنه بكلامه ومذهبه في الخطابة والبلاغة أشبه، وقد حفظنا كلامَ عمر ورسائله وكلامَ أبي بكر وخطبَه. فلم نجدهما يذهبان هذا المذهب ولا يسلكان هذا السبيل في كلامهما، وهذا كلام عليه أثر التوليد ليس يخفى؛ وأين أبو بكر وعمر من البديع وصناعة المحدَثين؟ "ومن تأمل كلام أبي حيان عرف أن هذا الكلام من ذلك المعدن خرج
ويدل عليه أنه أسنده إلى القاضي أبي حامد المروروزي، وهذه عادته في كتاب البصائر: يسند إلى أبي حامد كل ما يريد أن يقوله هو من تلقاء نفسه إذا كان كارهاً لأن ينسَب اليه. ومما يوضح لك أنه مصنوع، أن المتكلمين على اختلاف مقالاتهم من المعتزلة والشيعة والأشعرية وأصحاب الحديث وكل من صنف في علم الكلام والإمامية، لم يذكر أحد منهم كلمة واحدة من هذه الحكاية، ولقد كان الرضى ﵀ يلتقط من كلام أمير المؤمنين ﵁ اللفظة الشاذة والكلمة المفردة الصادرة عنه في معرض التألم والتظلم فيحتج بها ويعقد عليها، نحو قوله. . . وقوله. . . وقوله. . . وكان الرضي إذا ظفر بكلمة من هذه فكأنما ظفر بملك الدنيا ويودعها كتبه وتصانيفه، فأين كان الرضي عن هذا الحديث، وهلا ذكر في كتاب الشافي في الإمامية كلام أمير المؤمنين ﵁ هذا؟ وكذلك من جاء من الإمامية، كابن النعمان وبني نوبخت وبني بُوَيه وغيرهم. وكذلك من جاء بعده من متأخري متكلمي الشيعة وأصحاب الأخبار والحديث منهم إلى وقتنا هذا - وسط القرن السابع -؛ وهلا ذكره قاضي القضاة في المغني مع احتوائه على ما جرى بينهم حتى إنه يمكن أن يجمع منه تاريخ كبير في أخبار السقيفة؛ وهلا ذكره من كان قبل قاضي القضاة من مشايخنا وأصحابنا ومن جاء بعده من متكلمينا ورجالنا؛ وكذلك القول في متكلمي الأشعرية وأصحاب الحديث، كابن الباقلاني وغيره، وكان ابن الباقلاني شديداً على الشيعة عظيم العصبية على أمير المؤمنين ﵁، فلو ظفر بكلمة من كلام أبي بكر وعمر في هذا الحديث لملأ الكتب والتصانيف بها وجعلها هجيراهُ ودأبه. "والأمر فيما ذكرناه من وضع هذه القصة ظاهر لمن عنده أدنى ذوق من علم البيان ومعرفة كلام الرجال، ولمن عنده أدنى معرفة بعلم السير وأقل أنس بالتواريخ" انتهى. فتأمل كيف يكون بحث المطلع المستوعب للمادة التي يتكلم فيها حتى لا يفوته كتاب من الكتب ولا كلام عالم من العلماء، حتى لا يحكم إلا بعلم ولا يحكي إلا عن مقنع، ثم قابل هذا ببحث أستاذ الجامعة وركاكته، قال في صفحة ١٣٤: وهنا يحسن أن نلاحظ أن الكثرة من هذه الأساطير والأحاديث لم تشِعْ
بعلم ولا يحكي إلا عن مقنع، ثم قابل هذا ببحث أستاذ الجامعة وركاكته، قال في صفحة ١٣٤: وهنا يحسن أن نلاحظ أن الكثرة من هذه الأساطير والأحاديث لم تشِعْ
بين الناس إلا في عصر متأخر، - وفي عصر الرواة - المدونين والقَصاصين فأكبر الظن أنها نشأت في هذا العصر ولم تورَث من العصر الجاهلي؛ وأكبر الظن أن الذي أنشأ هذه القصة ونفاها إنما هو ذلك المكان الذي احتلته قبيلة كندة في الحياة الإسلامية إلى أواخر القرن الأول للهجرة. "فنحن نعلم أن وفداً من كندة وَفَد على النبي ﷺ وعلى رأسه الأشعث بن قيس. . . وأن الأشعث - بعد الردة - تاب وأناب وأصهر إلى أبي بكر فتزوج أخته أم فروة. . . وشهد مواقع المسلمين في حرب الفرس، وتولىٍ عملاً لعثمان، وظاهرَ علياً على معاوية، وأكره علياً على قبول التحكيم في صِفين. " ونحن نعلم أن ابنه محمد بن الأشعث كان سيداً من سادات الكوفة، عليه وحده اعتمد زياد حين أعياه أخذ حُجر بن عدي الكندي ونحن نعلم أن قصة حجر بن عدي هذا وقتلَ معاوية إياه في نفر من أصحابه قد تركت في نفوس المسلمين عامة واليمنيين خاصة أثراً قوياً عميقاً مَثَّلَ هذا الرجل في صورة الشهيد؛ ثم نحن نعلم أن حفيد الأشعث بن قيس وهو عبد الرحمن بن محمد قد ثار بالحجاج وخلع عبد الملك. . . ثم انهزم فلجأ إلى ملك الترك ثم أعاد الكرة فتنقل في مدن فارس. ثم استيأس فعاد إلى ملك الترك، ثم غدر به هذا الملك فأسلمه إلى عامل الحجاج، ثم قتل نفسه في طريقه إلى العراق. . . أتظن أن أسرة كهذه الأسرة الكندية تنزل هذه المنزلة في الحياة الإسلامية لا تصطنع القصص ولا تؤجر القُصاص لينشروا لها الدعوة ويذيعوا عنها كل ما من شأنه أن يرفع ذكرها ويُبعد صوتها؟ بلى، ويحدثنا الرواة أنفسهم أن عبد الرحمن بن الأشعث اتخذ القُصاص وأجرهَم. . . وكان له قاص يقال له عمرو بن زر. وقصة امرئ القيس بنوع خاص تشبه من وجوه كثيرة حياة عبد الرحمن بن
فسهم أن عبد الرحمن بن الأشعث اتخذ القُصاص وأجرهَم. . . وكان له قاص يقال له عمرو بن زر. وقصة امرئ القيس بنوع خاص تشبه من وجوه كثيرة حياة عبد الرحمن بن الأشعث، فهي تمثل لنا امرأ القيس مطالباً بثأر أبيه، وهل ثار عبد الرحمن عند الذين يفقهون التاريخ إلا منتقماً لحجر بن عدي، وهي تمثل لنا امرأ القيس طامعاً في الملك، وقد كان عبد الرحمن بن الأشعث يرى أنه ليس أقل من بني أمية استئهالاً للملك الذي كان يطالب به، وهي تمثل لنا امرأ القيس متنقلاً في قبائل العرب، وكان عبد الرحمن متنقلاً في مدن فارس والعراق، وهي تمثل امرأ القيس لاجئاً إلى قيصر مستعيناً به، وقد كان عبد الرحمن لاجئاً إلى ملك الترك مستعيناً به، وهي تمثل لنا خبر امرئ القيس وقد غدرَ به قيصر بعد أن كاد له أسدي في القصر، وقد غدر ملك الترك بعبد الرحمن بعد أن كاد له رسل الحجاج، وهي تمثل لنا بعد هذا وذاك امرأ القيس وقد مات في طريقه عائداً من
بلاد الروم. وقد مات عبد الرحمن في طريقه عائداً من بلاد الترك. قال الشيخ العلامة الطاهوي الحسيني. . . "أليس من اليسير أن نفرض بل أن نرجح أن حياة امرئ القيس التي تد تحدث بها الرواة ليست إلا لوناً من التمثيل لحياة عبد الرحمن استحدثه القصاص إرضاء لهوى الشعوب اليمنية في العراق، واستعاروا له اسم الملك الضليل (١) اتقاء لعمال بن أمية من ناحية، واستغلالاً لطائفة يسيرة من الأخبار كنت تعرف عن هذا الملك الضليل من جهة أخرى؟ " انتهى كلامه بنصه. وكل ما مر بك من تاريخ فهو من تاريخ الطبري، ليس فيه لـ طه إلا التحريف أو التخريف؛ فأين تقف من مثل ذلك على بحث أو اطلاع، وقد جهل الشيخ أن التاريخ كله حوادث متشابهة؟ إذ تنشأ في الأصل من طباع متقاربة محدودة في آثارها فتتشابه هذه الحوادث كما يتشابه الناس. وسنقفك على ما فى كلام الشيخ من الكذب والخلط، فالأشعث بن قيس لم يُكرِه علياً على قبول التحكيم وإن كان قد تكلم في ذلك، إنما أكرهه القراء الذين كانوا معه حين انخدعوا برفع المصاحف من جيش معاوية. وزياد بن أبي سفيان لم يعتمد على محمد بن الأشعث في أخذ حجر بن عدي، بل قال لمحمد: والله لتأتيَني بحجر أو لا أدع لك نخلة إلا قطعتها ولا داراً إلا هدمتها.، ثم لا تسلم مني حتى أقطعك إرباً إرباً ثم أمهله ثلاثاً وأرسله إلى السجن، فخرج محمد منتقع اللون يُتَلُّ تلا عنيفاً أفمثل هذا يقال فيه "عليه وحده اعتمد زياد" أم هي سنة العرب في أخذ سيد بسيد والاستفادة من رجل برجل، واستفزاز الحمية والإباء في نفس من يفوتهم هرباً لكيلا يظلَم فيه غيره فإذا عَرف من أخذ به أسلم نفسه؟ والمضحك أن الشيخ يقول إن زياداً اعتمد على محمد بن الأشعث في أخذ حجر بن عدي، ثم يقول بعد ذلك: "هل ثار عبد الرحمن بن محمد عند من يفقهون التاريخ إلا منتقماً لحجر؟ " أفليس الأقرب أن ينتقم لإهانة أبيه؟ ثم يقول إن قتل حُجر مثله في صورة الشهيد؛ فمن هو الشهيد إذن إن لم
ن محمد عند من يفقهون التاريخ إلا منتقماً لحجر؟ " أفليس الأقرب أن ينتقم لإهانة أبيه؟ ثم يقول إن قتل حُجر مثله في صورة الشهيد؛ فمن هو الشهيد إذن إن لم
يكن مثلَ حجر؛ ولكن الشيخ فهم ذلك من قول الطبري: إن حجراً قال لمن حضره من أهله: لا تطلقوا عني حديداً ولا تغسلوا عني دماً فإني ألاقي معاوية غداً على الجادة! ثم قُدم فضرب عنقه، قال هشام: كان محمد بن سيرين إذا سئل في الشهيد يُغَسل؛ حدثهم حديث حجر؛ فأنت ترى أنهم يسألون ابن سيرين هل يغسل الشهيد كما يغسل الميت فيحدثهم حديث حجر، يعني أنه لا يُغسل بل يُدفن بثيابه؛ ولكن الشيخ فهم أن السؤال وجوابه تصوير لحجر عند المسلمين في صورة الشهيد. . . ثم يقول إن أسرة هذا شأنها تتخذ القصاص لينشروا لها الدعوة،. فإن كان هذا فكيف أمِن الحجاج عبد الرحمن بن الأشعث فأرسله قائداً على أربعين ألفا لمحاربة الترك؟ وكيف يمكن أن يقع هذا من مثل الحجاج إذا كان قُصاص هذه الأسرة ينشرون لها الدعوة؟ ألا يدل صنيعُ ذلك الطاغية الحجاج على أن أولئك القصاص لم يكونوا قد خُلقوا بعد، إذ لم يخلقوا إلا في سنتنا هذه في رأس شيخنا هذا؟ قال العلامة الطاهوي: "ويحدثنا الرواة أنفسهم أن عبد الرحمن اتخذ القصاص، وكان له قاص اسمه عمرو بن زر". فسلوه من أين جاء بهذا ومن الذي حدثه به من الرواة؛ إنه رأى في الطبري هذه العبارة. قال أبو مخنف: حدثني غمرو بن زر القاص: أن أباه كان معه هنالك (في بلاد الترك) وأن ابن محمد - عبد الرحمن - كان ضَرَبه وحبسه لانقطاعه إلى أخيه القاسم، فلما كان من أمره الذي كان من الخلاف - أي الانتقاض على الحجاج وخلع عبد الملك - دعاه وكساه وأعطاة. فأقبل فيمن أقبل؛ وكان قاصاً خطيباً! اهـ. فالعبارة صريحة في أن عمراً هذا كان قاصاً، وأن أباه كان قاصاً خطيباً
حجاج وخلع عبد الملك - دعاه وكساه وأعطاة. فأقبل فيمن أقبل؛ وكان قاصاً خطيباً! اهـ. فالعبارة صريحة في أن عمراً هذا كان قاصاً، وأن أباه كان قاصاً خطيباً وأنهما كانا في بلاد الترك يقاتلان كما يقاتل قراء المصرين البصرة والكوفة لأن هذا هو الجهاد في سبيل الله، حتى إن أقوى كتائب عبد الرحمن كانت كتيبة كل جندها من القراء وأن عبد الرحمن كان ضرب زراً وحبسه لانقطاعه إلى أخيه القاسم، فلما احتاج إلى المقاتلة دعاه فحمله، يعني فأركبه، وجعله من فرسانه لا من قصاصه، فمن أين يؤخذ أن عمرو بن زر أو زراً أبا عمرو كان قاصاً لابن الأشعث اتخذه وأجره ليصنع له ولأسرته الأخبار كقصة امرئ القيس، وبخاصة إذا علمنا أن الأب منهما ضُرب وحبس. . . .
وليس ينتهي عجبنا من الخلط في التمثيل والمقابلة. بين سيرة ابن الأشعث وسيرة امرئ القيس، فابن الأشعث ليس بشاعر، ولا ابن ملك، ولا قُتل أبوه فخرج يطلب الثأر كامرئ القيس؛ وابن الأشعث لم يكن في سيرته صُعلوكاً، ولا متعهراً، ولا متفحشاً كصاحبه، فإذا قابله القصاص برجل فلن يكون هذا الرجل امرأ القيس في تبطله وانقطاعه لصعاليك العرب وذؤبانها وفي الخمر والنساء والفحش ونحوها. وابن الأشعث إن كان قد طلب الملك، فما طلب امرؤ القيس إلا ثأر أبيه، ولهذا قال حَمَّلني دمه ولم يقل حَمَّلني مُلكه. وابن الأشعث لم يلجأ إلى ملك الترك مستعيناً، بل منهزماً، لأنه كان صالحه على أن يكف عّنه ثم يفرغ للحجاج، فإن ظهر أعفى ملكَ الترك من الخراج ما بقي، وإن انهزم فأراده وجب على الملك أن يلجئه عنده، وقد وفى الملك بذمته وعهده. وابن الأشعث لم يكد له رسل الحجاج عند ملك الترك، وإنما هددوه ليُسلمه فأسلمه صاغراً، واشترط على الحجاج شروطاً قبلها منه، وفي بعض الروايات أن ابن الأشعث مات بالسل وجاء الملك فاحتز رأسه وأرسله إلى الحجاج. وابن الأشعث لم يتنقل في مدن فارس والعراق مستنصراً مستجيشاً كما فعل امرؤ القيس في قبائل العرب، بل كان محارباً يرحل بالجيش وينزل بالجيش، وامرؤ القيس كان سبب هلاكه أنه فتن بنت قيصر بجماله وغزله أو
نصراً مستجيشاً كما فعل امرؤ القيس في قبائل العرب، بل كان محارباً يرحل بالجيش وينزل بالجيش، وامرؤ القيس كان سبب هلاكه أنه فتن بنت قيصر بجماله وغزله أو على الأصح بمنظره العصبي، أما عبد الرحمن فكان سبب هلاكه أحد اثنين: إما السل، وإما رغبة ملك الترك أن يتخذ له يداً عند الحجاج. وإذا صحت رواية الموت بالسل - وبرهانها قوي - فلم يمت الرجل في طريقه إلى بلاده ولم يقتل نفسه، وإذا صح أنه مات في طريقه فقد قالوا إنه وثب من فوق قصر، وأين هذا من ميتة امرئ القيس في حلة مسمومة نثرت لحمه نثراً؟ وإذا أراد قصاص بني الأشعث أن يكذبوا فيزيدوا قصة امرئ القيس في مفاخرة كندة، فليس من الفخر أنهم جعلوه شاعراً طرده أبوه، ثم يوصف بالتصعلك والعهر والفحش، ثم يجعلونه عاجزاً ضائعاً في القبائل لا يأخذ بثأر أبيه، ثم يلجئونه إلى قيصر فيكون هناك فاحشاً ويُقتل بفحشه وليس في السب عندهم أشنع من هذا ونحوه، وهو كما ترى أعجز العجز، لا يوافق أهواء شعب عربي ولا عاداته
وكيف يخاف القصاص عمال بني أمية فيضطرهم هذا الخوف أن يكنُّوا عن ابن الأشعث بامرئ القيس، وأن يلفقوا هذا التلفيق البعيد ويضعوا له هذه القصة المخزية، وهم يرون المؤرخين وأصحاب الأخبار يذكرون خبر ابن الأشعث ويدونون حروبه ويقصونها ويسندونها بالأسانيد، وهل كانت دولة بني أمية من الضعف بالمنزلة التي تخاف فيها ابن الأشعث ميتاً وهي التي كسرته حياً ثائراً في مائة ألف مقاتل؟ ولو قد خاف القصاص عمال بني أمية لخافوهم في الحسين بن علي، أو في عبد الله بن الزبير، وكانا يطلبان الخلافة بحقها، ولو قد خافوهم لخافهم الشعبي وهو قاص محدث، وكان يقاتل مع ابن الأشعث، ثم لقي الحجاج من بعد، ثم دخل على عبد الملك. قال: فذهبت لأصنع معاذير لما كان من خلافي مع ابن الأشعث على الحجاج، فقال الملك: مه! لا نحتاج إلى هذا المنطق ولا تراه منا في قول ولا فعل حتى تفارقنا. . . أينما يذهب طه حسين في تأويله فهو لا يرى إلا ما يهدم عليه رأيه، ولكن أنى لمثله أن ينكر الهدم وفي رأسه مثل هذا الفهم الخراب!.
قال دمنة . . . يكتب إقي بعض الأفاضل من العلماء، والكتاب يسألون عن نسختي من "كليلة ودمنة" ويطلبون إليَّ أن لا أكتمها عنهم ولا أستبد بها من دونهم، وأن أفضي إليهم في كل مقالة بمثل منها؛ ويقولون هذا هو الجديد في الأدب العربي لا ما يعللوننا به من فصول مترجمة ومقالات مسروقة وآراء منتحلة، ولا ما يكتب أشباه السوقة والعامة في اللغة والتعبير والحكاية. وقال أديب فاضل إنه سيدل وزارة المعارف على هذه النسخة لتنتزعها مني ولو بمثاقلتها ذهباً، فإنه - زَعم - لا يجوز أن يبقى هذا الكنز "لتوت عنخ الرافعي". وقد ملكت الأمة كنز توت عنخ آمون. وكتبت إليَّ سيدة معلمة تقول إن مثل الفيلسوفة الأمريكية الصلعاء قرئ في جماعة من السيدات فكان رأيهن أن عشر قصص على هذه الطريقة تفيد في نشر العربية الفصحى وتحبيبها إلى النفوس وإعادتها بعد شتات أمرها ما لا تُفيد عشر مدارس منها الجامعة. وبعد فإني أستغفر الله وأقول إن كان هكذا فإنه لخير كان أصله من شر. ولكن يا سبحان الله! ما لهذه الجامعة كأنها في سلاسلَ وأغلال ربضت بها إلى
ها الجامعة. وبعد فإني أستغفر الله وأقول إن كان هكذا فإنه لخير كان أصله من شر. ولكن يا سبحان الله! ما لهذه الجامعة كأنها في سلاسلَ وأغلال ربضت بها إلى الأرض وأعجزتها وحزت فيها وأكلت من جلدها؛ ألا تعلم أن باب الخطأ الذي دخلت منه يقابله باب التوبة، وأن الطريق التي انحدرت فيها لم يُخسَف بها فما جاءت فيه رجعت منه وما قطعته إلى الكفر تقطعه إلى الإيمان؟ بلى، ولكنهم يقولون إن الأستاذ الفاضل مدير هذه الجامعة يذهب بنفسه بعيداً، ويجوز بها فوق مبلغها، فكأنه ليس مديراً للجامعة بل هو مالكها المنفق عليها من ذات يده، فلا يسأل عما يفعل ساءت ملكته أم حَسُنت، ويقولون فما إبراهيم وإسماعيل والكعبة والقرآن والتوراة والأدب والتاريخ، وهذه الجامعة لو شاءت أن تزعم أن الهرم الأكبر مبني باللبِن لوسعَها ذلك ولجعلته تاريخاً مع وجود الهرم نفسه قائما من الصخر؛ ثم إنه ليس لأحد أن يُكرهها على أن تتكلم إذا
أرادت السكوت، لأنها مستقلة ولأنها تبحث بعقول أهلها وعلى قدر هذه العقول في أهلها، فإن كان ثَم تبعة من التبعات فعلى قوم غشوا الأمة في اختيار هذه العقول وظنوا أن نقش كلمة الجامعة في صفيحة من النحاس ثم وضع الصفيحة على باب دار يجعل الدار جامعة؛ ثم جَرَوْا هذا المجرى في الأساتذة، فرجعت الأشياء بعدُ إلى طبائعها لأنها لا تكذب ولا تغش، فوقعت الفوضى والاختلال وظهر الجهل والخطأ وجاء درس الأدب وهو درس الكفر والتخليط والتزوير والتكير والمنكر، وسموا طه حسين أستاذاً في الجامعة وأظهرته الجامعة محرراً في السياسة على بذاءته ومساخته وفساد باطنه، كما كان في عهده إذ يسب دولة سعد باشا زغلول كل يوم بمقالة؛ وقس على طه من طرفيه إلى أعلى وإلى أسفل. . . (١) قال دمنة: وكانت هذه الجامعة في إنشائها كالحلم: نُقِل من نوم إلى يقظة في طرفة العين، فرأى الحالم الماهر. . . أن بحراً من البحار قد نفض قاعة نفضه قذفت إلى الهواء أثمن لؤلؤة فيه، ثم اجتمع الهواء فرمى فى يده اللؤلؤة
ى يقظة في طرفة العين، فرأى الحالم الماهر. . . أن بحراً من البحار قد نفض قاعة نفضه قذفت إلى الهواء أثمن لؤلؤة فيه، ثم اجتمع الهواء فرمى فى يده اللؤلؤة فانتبه فإذا يده مقبوضة، فقال لمن حوله: ألا ترون أطبقوا أيديكم؛ فلما فعلوا قال: الآن في يد كل منكم لؤلؤة ثمنها مائة ألف؛ والآن أصبحتم من سرَوات الدنيا ولهاميم العالم، وإن بلاداً أنتم من أهلها لجمجمة الأرض، الآن والآن. . . ومضى يَعِدُهم ويمنيهم ويقول وإن في هذا لكم الغنى والمجدَ والسؤدد. ثم حلم الحالم الماهر. . . أن في جمع مدرسة إلى مدرسة ما يبدع جامعة، فقال وإن في هذا لكم العلمَ الأعلى، والآن هذا مدير الجامعة، وذاك أستاذ كذا، وذلك أستاذ كيت، وهذا وذاك وذلك يجتمع منهم هؤلاء، فاجتمعوا فكان ماذا؟ قال كليلة: فكان ماذا. قال دمنة: كان منهم كالدار التي ظن بانيها أنها تلد. . . قال كليلة: وكيف كان ذلك؟ قال دمنة: زعموا أنه كان بمدينة كذا رجل عقيم، وكانت به لوثة (٢) ، فقال
إني لم أرزق ولداً وما أرى من دار إلا وفيها أولاد، فلو قد بنيتُ داراً لرجوت من العَقِب ما يرجو الناس، وقام ذلك بنفسه ورسخ في يقينه، وخُيل إليه من ظاهره باطن، فجاء بالعمال والبنائين وقال أبنوا ههنا ووسعوا وأكثروا الغُرفات، فإنهم عشرة غلمان وخمس بنات،. فذلك خمس عشرة غرفة؛ ثم لي وللعجوز غرفتان، فقال رئيس البنائين: ومن أين الغلمان والبنات وأنت شيخ عقيم، وإنما حاجة مثلك إلى الكن الدافئ والبيت الضيق يلفك وامرأتك ويُمسك عظامكما أن تتبعثر في الدار الواسعة! قال صاحب الدار: يا سبحان الله! ما تصنع الغرارة وقلة المعرفة بأهلها.. أيها الفِسل، أما علمتَ أن كل غرفة تُبنى لولد تُهيأ له وتسمى باسمه وتُحبس عليه - فإن القدرة توحي إليها أن تصير "سنةَ تجربة": فإن لم تلده أمه بعد السنة أوحت إليها القدرَة أن تلده هي فيصبح الشيخ مثلي وإذا ولده خمسةَ عشر مما تلد الدار. . . قال كليلة: فقد زعمت يا دمنة أن هذه الجامعة الخرقاء كانت مستقلة. ففسر لي استقلالها ما هو؟ أكان أساتذتها يأكلون كتباً ويشربون حبراً ويلبسون جدراناً وأبو اباً؟
- قال دمنة: مَثَلها في ذلك مثل الخطيب الزنديق الأحمق الذي زعموا أنه كان يُبطن الكفر ويظهر الإسلام، فتعالم الناسُ ذلك منه فوسِعُوه إشفاقاً عليه ونظراً له، ثم أفشى طرفاً منه في بعض حديثه فقالوا إن الملة سمحة وللتأويل أبواب ولكل قول وجوه ومعانٍ، فإن لم يكن في القول إلا جزء واحد من الإيمان وكان فيه تسعة وتسعون من الكفر وجب حمله على الواحد دون التسعة والتسعين، ثم غرَّه ذلك منهم وحسبه ضعفاً ومَعجَزَة فتقخم في كفره وسوَّلت له نفسه أنه فوق الناس، فهو مستقل وهم التابعون، وهو الحر وهم العبيد، وقال إنه لن يكون الكفر في مثل هؤلاء الجامدين كفراً إلا في المسجد "الجامع". وعلى المنبر وفي يوم الجمعة، فليهمس هامسهُم ولينطق ناطقهُم، وسأرى ما يكون من تِلقائهم، فإني لخطيبُ صَلاتهم ولكني مستقل أفكر برأسي لا
المسجد "الجامع". وعلى المنبر وفي يوم الجمعة، فليهمس هامسهُم ولينطق ناطقهُم، وسأرى ما يكون من تِلقائهم، فإني لخطيبُ صَلاتهم ولكني مستقل أفكر برأسي لا برؤُوسهم، وإني لأرتزق منهم ولكني مستقل آكل ببطني لا ببطونهم. . . وإذا قالوا كفر فإنما هذا إيماني، وإذا قلت آمنوا فإنما ذلك كفرُهم، ولهم علي كلام يسمعونه والكلام فنون وأجناس، ففي أن أقول ما هَجَسَ في قلبي، أخطاتُ أو أصبت، وغيرتُ أو بدلت، ورضُوه أو كرهوه؛ وعليهم لي أجر يدفعونه لم يكن
يوماً ولا يكون ولن يكون إلا من جنس واحد: ذهباً خالصاً صحيحاً يرنُّ رنيناً صافياً لا أقبل فيه زائفاً ولا ناقصاً ولا مغيراً ولا مبدلاً، ثم لا أرضى فيه برأيي دون رأي الصيرفى الحاذق البصير، فكثيرُ غشِّي إياهم ليس بغش، وأنا بعدُ في عافية، وأنا مستقل، وأنا مختار، وأنا أفكر، فأنا موجود.،. وإن أهون الغش منهم ولو في درهم وما دون الدرهم لهُو الغش المفضوح والخيانة الأثيمة والخيانة الموبِقة، ولن يُقلتهم القانون ولا الشرع ولا العُرف، وهم مأخوذون به فمعاقبون عليه. قال دمنة: فلما كانت الجمعة والتقى الناس لأداء المكتوبة جاء الخطيب. . . قلت: وبقية هذه الصحيفة مقطوعة من النسخة التي عندي فلعل في قراء الكوكب من عنده نسخة أخرى فليعارض عليها وليأتنا بباقي المثل. قرأت في الأهرام مقالاً لشيخنا وصديقنا نكتة الزمان وعلامة وادي النيل أحمد زكي باشا قال فيه: " من بواعث الأسى في نفسي ودواعي الأسف في قلبي أن بعض أنصاف العلماء في مصر وسوريا، وأن بعض أشباه المتعلمين وأشباه الأشياخ في هذين القطرين الشقيقين قد أصابهم التفرنج بداء الحذلقة والتشكك، فصاروا لا يرون لأجدادهم فضلاً ولا يعرفون لهم مبرة ولا يذكرون عنهم مفخرة، بل صار أولاد الحلال هؤلاء يطأطئون رؤوسهم أمام كل إفرنجي، ويخرون ساجدين لكل وارد عليهم من بلاد الإفرنج أو باسم الإفرنج، حتى لقد أصبحوا وهم يرون العلم كل العلم ما جاءهم ولو بطريق التحريف أو على سبيل التخريف عن المستشرق فلان أو المسيو علان. . .؟ وإلا فالحجة الناطقة هي ما صدر عن شفاه السنيور هََّان بن بيَّان " أو عن "الهر جامان بن ألمان" انتهى.
بيل التخريف عن المستشرق فلان أو المسيو علان. . .؟ وإلا فالحجة الناطقة هي ما صدر عن شفاه السنيور هََّان بن بيَّان " أو عن "الهر جامان بن ألمان" انتهى. فاولاد الح. . . . . . لال هؤلاء على مواطاة من بعضهم لبعض لا يرضيهم من الرضا إلا أن ينسى الشرقيون آباءهم وأجدادهم ويصبحوا بَدَداً متناثرين؛ وهم لا يعلمون أنه ما من رجل حر يسره أن له باسم أبيه أو جده الشرقي اسم أحد من الإفرنج ولو كان اسم دولة من الدول العظمى، ولئن كانت الجامعة قائمة
منهم على دعائم إنسانية تعمل في إضعاف الجنسية وإشراب الناس في قلوبهم ما تمجه العقيدة والفضيلة - فإنها لمحقوقة بتركها واطراحها وتحذير الناس منها؛ فلينظر نواب الأمة أين يضعون أيديهم من هذا الفساد لإصلاحه، وليبدأوا بهذا العنصر السام المسمى في كيمياء التعليم "بالطاهوية". . . وبعد: فلنتمم كلامنا على ما سماه أستاذ الجامعة "البحث الفني" قال في صفحة ١٤٤: ولننظر في المعلقة نفسها "معلقة امرئ القيس". . . ولكنا نلاحظ أن القدماء أنفسهم يشكون في بعض هذه القصيدة، فهم يشكون في صحة هذين البيتين: "ترى بَعَرَ الأرام في عَرصاتها " وهم يشكون في هذه الأبيات: " وقربةِ أقوام حملتْ عصامها " الأبيات الأربعة. . . ثم يقول: ونظن أن أنصار القديم لا يخالفون في أن هذين البيتين قلقان في القصيدة، وهما: وليل كموج البحر أرخى سدوله. . . عليَّ بأنواع الهموم ليبتلي فقلت له لما تمطى بِصلبه. . . وأردفَ أعجازاً وناء بكلْكَل فقد وُضِغ هذان البيتان للدخول على الذي يليهما وهو: ألا أيها الليل الطويل ألا انجلي. . . بصبح وما الأصباح منك بأمثل قلنا: وعلى هذا فالقدماء شكوا في اثنتين واستخرج الشيخ الثالثة بفكره
ى الذي يليهما وهو: ألا أيها الليل الطويل ألا انجلي. . . بصبح وما الأصباح منك بأمثل قلنا: وعلى هذا فالقدماء شكوا في اثنتين واستخرج الشيخ الثالثة بفكره الثاقب ومعرفته بالشعر كنه المعرفة. . . ونحن كنا نرفعه عن مثل هذا التدليس والتمويه، فقد جاءت الرواية بأنه يقال إن هذين البيتين المضروبين مثلاً في الاستعارة مما وضع "خلفُ الأحمر" على امرئء القيس كما وضع من مثل ذلك على غيره، ولم يجزموا أن خلفاً صنعهما بل جاءت الرواية بصيغة التمريض "يقال" ولوْ جاز لنا نحن أن نقول في ذلك لقلنا إن البيتين من شعر امرئ القيس، وإنما نسبوهما إلى "خلف" على الظن، إذ كانوا يذهبون إلى أنه وضع على كل شاعر فحل ما يجوز في شعره ولا يتميز فنه، مبالغة منهم في علمه بالشعر ونفاذه فيه وأنه من ثقافته وصناعته، فإذا أرادوا أن ينسبوا إليه شنيئاً من قول شاعر بعينه عمدوا إلى الاختيار من أحسن ما يقول هذا الشاعر، لأن صنعة (خلف) إنما كذلك تأتي.



