تحت راية القرآن

Kitab aqidah Ahlussunnah wal Jama'ah karya مصطفى صادق الرافعي (w. 1356 H).

Bagian 8 dari 10 305 halaman

— Bagian 8 · ويقول الشيخ في صفحة ١٤٩: "ولنسرع إلى القول بأن و… —

Bagian 8

ويقول الشيخ في صفحة ١٤٩: "ولنسرع إلى القول بأن وصف اللهو مع العذارى وما فيه من فحش أشبه بأن يكون من انتحال الفرزدق منه بأن يكون جاهلياً، فالرواة يحدثوننا أن الفرزدق "تنبه! فإن النص مترجم. . . " خرج في يوم مطير إلى ضاحية البصرة فاتبع آثاراً حتى انتهى إلى غدير، وإذا فيه نساء يستحممن - يريد يستنقعن - فقال، ما أشبه هذا اليوم بيوم دارة جلجل. ليس كذا قال وإنما هو: الم أر كاليوم قط ولا يومَ دارةِ جلجل " وولى منصرفاً؛ فصاح النساء به: يا صاحب البغلة! فعاد إليهن، فسألنه وعزمن عليه ليحدثهن بحديث "دارة جلجل" فقص عليهن قصة امرئ القيس وأنشدهن قوله: ألا رُبَّ يوم لك منهن صالح. . . ولاسيما يوم بدارةِ جلجل قال الشيخ والذين يقرأون شعر الفرزدق ويلاحظون فحشه وغلظته وأنه قد لِيم على هذا الفحش وهذه الغلظة، لا يجدون مشقة في أن يُضيفوا إليه هذه الأبيات، فهي بشعره أشبه" انتهى. قلنا: ولكن الأستاذ قد كذب وزاد في النص، فإن الرواية في الأغاني في أخبار الفرزدق وليس فيها أن الفرزدق أنشدهن الأبيات، فكيف تكون من شعره؟ وعلى قياس طه فكل شاعر من شعراء الهجاء يمكن أن يلحق بشعره كل قول فيه هجاء وسب وإقذاع ويقال إنه بشعره أشبه، فيكون هذا هو البرلمان. . . وكل متغزل يضاف إليه شعر كل متغزل لأن طباعهما متشابهة وما يقوله هذا يقول هذا مثله؛ على أنه وصف أغلبُ على امرئ القيس من أنه غَوِي عاهر متفحش، وهو يجري في شعره من ذلك على خلق وطبيعة، وله جرأة عليه تشعرك أنه ابن ملك يرى لنفسه كلمة فوق كلام الناس، فكلامه إنما يشاكل نفسه، وفحشهُ إنما يأتيه من قبل الغزل والنسيب، لا كفحش الفرزدق فذاك من قبل الهجو واللؤم. والفرزدق لا يعد من شعراء الغزل، وقد كان أهل الحجاز يقدمون "جميلاً" عليه وعلى جرير معاً لموضع جميل من النسيب وقلة غنائهما فيه. وكانا يعلمان ذلك من نفسيهما ولا يريان الشعر إلا في بابهما في الفخر

الحجاز يقدمون "جميلاً" عليه وعلى جرير معاً لموضع جميل من النسيب وقلة غنائهما فيه. وكانا يعلمان ذلك من نفسيهما ولا يريان الشعر إلا في بابهما في الفخر والهجاء، فروى أبو الزناد عن أبيه قال، قال لي جرير: يا أبا عبد الرحمن، أنا أشعر أم هذا الخبيث؟ يعني الفرزدق، وناشدني لأخبرنه، فقلت: لا والله ما يشارككْ ولا يتعلق بك في النسيب: قال: أوَّه قضيتَ وال له له علي. أنا والله أخبرك. ما دهاني إلا أني هاجيت كذا وكذا شاعراً وأنه تفرد لي وحده. أما حديث الفرزدق الذي استدل به طه فهو عندنا موضوع، لأن الفرزدق

فضح فيه نفسه وترك النساء يسخرون منه ويضربن وجهه بالطين والحمأة ويملأن منهما عينيه وثيابه ويتماجن به ويتركنه سَطيحاً على الأرض وبأسوأ حال وأخزاها، وما نحسب مثل الفرزدق يروي ذلك عن نفسه أو يرضاه له وهو مَن هو في الفخر، وإنما تلك أقاصيص توضع للنادرة والتظرف والسخرية، وهب الخبر صحيحاً أو هبه مكذوباً - فعلى أيهما - فإن الفرزدق لم يذكر شعر امرئ القيس، فلا معنى لأن يكون قد وضع الشعر بعد، وكيف يضع الفرزدق على امرئ القيس وهو يذكره في شعره ويقدمه ويعده أحد النوابغ الذين وهبوه الشعر؟ ثم يقول طه: "أما وصفُ امرئ القيس لخليلته وزيارته إياها وتجشمه ما تجشم للوصول إليها وتخوفها الفضيحة حين رأته وخروجها معه وتعفيتها آثارهما بذيل مرطها وما كان بينهما من لهو، فهو أشبه بشعر عمر بن أبي ربيعة منه بأي شيء آخر؛ فهذا النحو من القصص الغرامي في الشعر فن ابن أبي ربيعة قد احتكره احتكاراً لم ينازعه فيه أحد. " ولقد يكون غريباً حقًّا أن يسبق امرؤ القيس إلى هذا الفن ويتخذ فيه هذا الأسلوب ويُعرف عنه هذا النحو ثم يأتي ابن أبي ربيعة فيقلده فيه ولا يشير أحد من النقاد إلى أن ابن أبي ربيعة قد تأثر بامرئ القيس، مع أنهم قد أشاروا إلى تأثير امرئ القيس في طائفة من الشعراء في أنحاء من الوصف، فكيف يمكن أن يكون امرئ القيس هو منشئ هذا الفن من الغزل الذي عاش عليه ابن أبي

هم قد أشاروا إلى تأثير امرئ القيس في طائفة من الشعراء في أنحاء من الوصف، فكيف يمكن أن يكون امرئ القيس هو منشئ هذا الفن من الغزل الذي عاش عليه ابن أبي ربيعة والذي كون شخصية ابن أبي ربيعة الشعرية ولا يُعرف له ذلك؟ . . . ونحن نرجح أن هذا النوع من الغزل إنما أضيف إلى امرئ القيس، أضافه رواة متأثرون بهذين الشاعرين الإسلاميين - الفرزدق وابن أبي ربيعة - " انتهى. ونريد أن نسأل شيخ الجامعة عن قوله: "إن النقاد قد أشاروا إلى تأثير امرئ القيس في طائفة في الشعراء فِي أنحاء من الوصف؛ فإن لم يكن هذا كذباً فمن هم هؤلاء النقاد؟ ومن هم أولئك الشعراء؟ وما هي تلك الأنحاء من الوصف؟ وأين وجد ذلك، أفي كتاب كازانوفا أم كتاب كذَبَنوفا. . .؟ هذه كلها من ترهات الشيخ ولا أصل لها وإنما يأتفكها ليصل بعضَ الكلام ببعض في نظم

الدليل الذي يريده، وهي طريقة المستشرقين ولا قيمة لها في التاريخ وقد نبهنا إليها مراراً. كل ما قاله النقاد: إن من يقدم امرأ القيس على الشعراء احتج له فقال ليس أنه قال ما لم يقولوا، ولكنه سبق العرب إلى أشياء ابتدعها فاستحسنها العرب واتبعته فيها الشعراء، منها استيقاف صحبه، والبكاء في الديار، ورقة النسيب، وقرب المأخذ، وتشبيه النساء بالظباء والبيض وتشبيه الخيل بالعقبان والعصي، وأنه أول من قيد الأوابد وأجاد في التشبيه وفصل بين النسيب وبين المعنى. وبهذا تقدم الشعراء لأنهم اتبعوه فيه ولم يتبع هو أحداً، وفن ابن أبي ربيعة إنما هو داخل في رقة - النسيب، إذالنسيب جنس يشمل صفة النساء وحكاية أقوالهن، والتسبب إلى مودتهن الخ؛ فإذا كان ابن أبي ربيعة قد استحسن أسلوباً من أساليب امرئ القيس في النسيب فأكثر منه واستنفذ فيه جانباً عن شعره فليس معنى ذلك أنه اخترع الطريقة ولا احتكر الفن؛ ومن الثابت أنه لم يوضع شيء على الجاهلية بعد القرن الرابع، فلو عملوا على طريقة ابن أبي َربيعة ونحوله امرأ القيس لما فات هذا مثل صاحب الأغاني ولجعله كل الفخر لابن أبي ربيعة؛ والمعلقة كانت مدونة مروية في أوائل القرن الثاني. أما أنهم لم يدلوا على أن ابن أبي ربيعة أخذ فنه من امرئ القيس فلأنهم لم يكونوا يرون ذلك فناً ولا طريقة، إنما هو شعر كالشعر يُعرف عندهم بمعانيه لا بأسلوبه القصصي، ولم يسمِّه فناً إلا أستاذ الجامعة. " وأنا أحسبني شاعراً أجد الشعر في طبعي وأفهمه وأنفذ في أغراضه وأقوله وأحسن نقده وتمييزه، ولا أظن أحداً يكابر في هذا أو ينازعني عليه؛ وإني مع ذلك لا أرى أثقل ولا أبرد ولا أسمج من شعر ابن أبي ربيعة هذا حين يفضح النساء ويقول في شعره: قلت لها وقالت لي، وكان مني كذا وكان منها كذا. وما هو عندي بفن؛ بل خلق سافل وطبع غوى ونفس عاهرة، بل هو فن هجو النساء إذ كان ابن أبي ربيعة لا يحسن مدح رجل ولا هجوه فسسقط من هذه الناحية ليرتفع من الناحية التي تقابلها في النساء، فكأنه ارتفع بقوتين؛ - ثم أراد الرجل أن يسير شعر في الأفواه ولا أسيَرَ من أخبار النساء وأحاديثهن، فهذا هذا.

ليرتفع من الناحية التي تقابلها في النساء، فكأنه ارتفع بقوتين؛ - ثم أراد الرجل أن يسير شعر في الأفواه ولا أسيَرَ من أخبار النساء وأحاديثهن، فهذا هذا. وطريقته في شعره إنما تحسن حين تتفق في الأبيات القليلة والقصيدة

المفردة، وحين تجيء تظرفاً وتماجنا وحين تخرج مخرج النادرة أو تبعث عليها الفتوة وميعة الشباب في بعض الحب الشديد، كما فعل امرؤ القيس، فأما أن يكون فيها أكثر شعره وعليها كل عمله ويتقلب الرجل وكأنه ليس في فمه إلا لسان امرأة فهذا ما لا أراه فناً، إلا أن يقال فن الرجل اللص وفن المرأة العاهرة كما يقال فن الشاعر وفن المصور مثلاً! وقد نصوا على أن امرأ القيس هو الذي افتتح تلك المعاني التي أومأنا إليها وأن الشعراء اتبعوه، فأين النص أن ابن أبي ربيعة افتتح هذه الطريقة - مِن: قلت لها وقالت لي، وكنت وكانت، وفعلت وفعلت؟ ومن الذي اتبعه في هذا الباب وأنفذ فيه أكثر شعره ولو أنهم كانوا يرونه مبتدعاً لنصوا على ذلك كما نصوا على غيره. بل كان جرير يرى تلك الطريقة هذياناً، حتى استحكمت معاني ابن أبي ربيعة فرآه حينئذ قال الشعر. وإن هناك أصلاً مقرراً في الأدب العربي، وذلك أن فحول الشعراء يسبقون إلى ابتداع المعاني والأساليب فيتبعهم فيها من بعدهم، إذ لا يقول أحد شعراً ولا يكون شاعراً إلا عن رواية وحفظ. فقد يتفق المعنى لشاعر متقدم أو تستوي له الطريقة في بعض الأساليب فيأتي بعده من يجد ذلك في طبعه ويكون قد اعتاد منه في أسباب عيشه ودهره ما لا يجري به اعتبارُ شاعر آخر، فيحتذي على حذو الأول ويتخذ كلامه أصلاً يبني عليه فيكثر من ذلك ويقلبه على وجوهه حتى يميته ولا يدع فيه شيئاً لغيره، وليس ابن أبي ربيعة بدعا في ذلك، فإن أبا نواس احتذى على الأعشى في الخمر ولكنه أكثر فيها حتى عُرفت به هذه الطريقة وحتى لم يكن يُرى لغيره فيها معنى وهو حي، وهذا البحتري رأى بعض شعراء المتقدمين يذكر طيف الحبيب وزيارته، وقد قالوا إن أول من سبق إلى هذا المعنى " جران العود" في قوله: سقياً لزوركِ من زَور أتاكِ بِه. . . حديث نفسِك عنه وهو مشغول ثم أخذه العباس بن الأحنف وأخذه أبو تمام، فجاء البحتري فتعلق عليه

" جران العود" في قوله: سقياً لزوركِ من زَور أتاكِ بِه. . . حديث نفسِك عنه وهو مشغول ثم أخذه العباس بن الأحنف وأخذه أبو تمام، فجاء البحتري فتعلق عليه وأكثر منه وجعل وصف الخيال طريقة من طرائقه فعرف بها. وكيف وضع فن البديع لو لم يكن مسلم بن الوليد قد جرى على هذا الأصل فتتبع ما رآه في شعر الشعراء من استعارة وتشبيه ومجاز ثم قصدها في شعره وعمل على أن يتكلفها حتى نهج الطريقة لأبي تمام من بعده فجاء هذا واستنفذ فيها شعره

  • حتى غرف بها وغرفت به والأصل - كما رأيت - من أبيات متفرقة وكلمات مأثورة.

أفإن رأيناه استعارة أو مجازاً في كلام جاهلي كامرئ القيس قلنا وضعهما شاعر إسلامي متأثر بشعر مسلم بن الوليد وأبي تمام لأن هذا الفن احتكره أبو تمام احتكاراً؟ إن سيدنا ومولانا طه حسين في يده ميزان دقيق اسمه ميزان القمحة، وهو مع ذلك يزن به الجبال والمدن والأقطار، وقد وزن قصر الزعفران "أي الجامعة المصرية" فقال إنه عشرون ألف طن.. ولما قيل له إن وزارة الأشغال لا تقول بهذا ولا يقرك عليه المهندسون وأنت لست مهندساً ولا وزارة أشغال، قال: كل أولئك من أنصار القديم لأنهم يتبعون علوماً قديمة يحتذي فيها بعضهم حذو بعض. . . وقد وزن امرأ القيس في ميزان القمحة هذا فكان أقة واحدة إلا عشرة دراهم. . . فلو اجتمع الإنس والجن على أن يُثقلوا ميزان الشيخ ليزيدوا هذه الدراهم العشرة ويجعلوا امرأ القيس المسكين أقة كاملة لما استطاعوا إلا إذا كان في قدرتهم أن يزيدوا عقل الشيخ لأن التصحيح في عقله تصحيح في ميزانه. وقال في صفحة ١٤٥ يكذب رحلة امرئ القيس إلى قيصر وأن شعره في ذلك مصنوع: "وإذا لم يكن بد من التماس الأدلة الفنية على انتحال هذا الشعر نحب أن نعرف كيف زار امرؤ القيس بلاد الروم وخالط قيصر ودخل معه الحمام وفتَن ابنته ورأى مظاهر الحضارة اليونانية في القسطنطينية ولم يظهر لذلك أثر في شعره. لم يصف القصر ولم يذكره ولم يصف كنيسة من كنائس القسطنطينية. لم يصف الفتاة الامبراطورية التي فتنها، لم يصف الروميات، لم يصف شيئاً مما يمكن أن يكون رومياً حقاً. ومهما يكن من شيء فإن السذاجة وحدها هي التي تعيننا على أن نتصور أن شاعراً عربياً قديماً قال هذا الشعر الذي يضاف إلى امرئ القيس في رحلته إلى بلاد الروم" انتهى. فيا شيخ، أما تعلم أن المتنبي في الإسلام "كامرئ القيس في الجاهلية. "وقد اجتمع له،، من أسباب الشعر ووسائله ما لم يجتمع لذاك، وأن المتنبي جاء إلى مصر وعاش فيها وخالط أهلها؛ فقل لنا يا أستاذ الأدب: أين وصفُ الهرم في شعر المتنبي؟ أم تحسب أن الهرم كان يومئذ صغيراً ثم كبر. . . ومهما يكون من شيء فإن السذاجة وحدها هي التي تعيننا على أن نتصور أن شاعراً كالمتنبي يقيم في مصر ولا يصف الهرم؛ ومع ذلك فقد أقام المتنبي

ً ثم كبر. . . ومهما يكون من شيء فإن السذاجة وحدها هي التي تعيننا على أن نتصور أن شاعراً كالمتنبي يقيم في مصر ولا يصف الهرم؛ ومع ذلك فقد أقام المتنبي

في مصر ولم يصف الهرم. إن أنصار الجديد سيلقون مشقة وعسراً في حل هذه المشكلة ولا بد من حل هذه المشكلة. . . لقد سئمنا من جهل طه وسخافة رأيه وخلطه بين طبائع الناس وخصائص الأزمنة، فما زاد المتنبي على أن ذكر في شعره لفظ - الهرمين - كما ذكر امرؤ القيس لفظ - قيصر - فهذا من ذاك. والعجب أن الشيخ كثيراً ما يضع رأسه في موضع ثم لا تكون إلا وثبة فإذا رجلاه في موضع رأسه. قال في صفحة ١٤٨: "ونحن نقبل أن امرأ القيس هو أول من قيد الأوابد وشبَّه الخيل بالعصي والعقبان وما إلى ذلك، ولكنا نشك أعظم الشك أن يكون قد قال هذه الأبيات التي يرويها الرواة". وهنا كما ترى عقل الشيخ، ثم وثب إلى صفحة ١٥٥ فإذا هو يقول عن عمرو بن قميئة الشاعر: " لميئعرف من أمره شيء إلا اسمه كما لم يعرف من امرئ القيس ولا من أمر عبيد إلا اسمهما". وهنا كما ترى حذاء الشيخ في مكان رأسه؛ وإلا فهل كان اسم امرئ القيس هو الذي قيد الأوابد واخترع كل تلك المعاني؟ الحق أن طه حسين للأدب العربي كالكسوف والخسوف. . . يحجب حتى نور الشمس وحتى نور القمر.

ل كان اسم امرئ القيس هو الذي قيد الأوابد واخترع كل تلك المعاني؟ الحق أن طه حسين للأدب العربي كالكسوف والخسوف. . . يحجب حتى نور الشمس وحتى نور القمر.

حرية التفكير أم حرية التكفير. . . مقالة مرفوعة إلى البرلمان المصري طلعت جريدة "السياسة، بحديث جديد للأستاذ الفاضل مدير الجامعة ينزع فيه إلى مذهبه في حديثه الأول من الإملاء على البرلمان وإلقاء العصا الفلسفية. . . لا رغبةً في أن تتحول ثعباناً كما تحولت عصا موسى من قبل، بل محامياً يسحر على أبصار النواب وأسماعهم، بل منوِّماً ينقل إليهم الإرادة وينصها لهم نصاً بقوة المغناطيس؛ بل سحابة تتنزل عليهم بالمَلك الموكل بالهداية "كما تقول السياسة"، وإن عهد القراء بحديثه الأول لمنذ قريب. ولنبدأ بكلمات الأستاذ لأن المذهب الجديد يجعلها من الحروف التي لها الصدارة. قال وهو يعني قانون الجامعة المطروح الآن بين أيدي النواب: الست أعني بذلك أن هذا القانون هو المثل الأعلى، ولكنه عمل إنساني كبقية الأعمال، يُلحظ فيه التطور في المستقبل متى وُجد لذلك ضرورة. وعلى كل حال فإن في هذا القانون للقاعدةَ الأساسية الكبرى لنظام التعليم العالي، وهي قاعدة أن الجامعة يجب أن تكون لها شخصية معنوية لتستطيع أن تدير أحوالها بنفسها، واستقلال يكفل لها حرية التفكير التي هي الأساس الأولي للتعليم العالي!. إلى أن يقول: "ربما يرد على الخاطر أن الجامعة في نشأتها محتاجة إلى وصاية الحكومة عن قرب وتدخلها في كل شؤونها إلى أن يشتد ساعدها وتستطيع الوقوف قدمُها اجتناباً لما عساه يقع من التخبط في الجامعة عند بدايتها، ذلك التخبط الذي جرت العادة بأن يقترن دائماً أو غالباً بكل بداية، وعلى ذلك يمكننا أن نختار ضرر التدخل باعتباره أخف من ضرر التخبط في البداية. هذا اعتراض له حظه من الصواب لأول نظرة إذا كنت تسمي تدخل السياسة " كذا، وهو يريد بالسياسة أينما وردت في حديثه الحكومة" في كل شؤون الجامعة ضرراً فحسب، ولكنه ليس ضرراً بل هو هدم للجامعة من أساسها، وبهذا التدخل لا جامعة ولا حرية للتفكير. . . أترى لو أنك تفكر

تحت وصاية الغير هل. أنت تفكر؟ فإذا تعلقتْ منازع التدريس وكيفياته وطرائق البحث بغير جماعة المدرسين، كان ما ترجوه البلاد من احتمال نصيبها من التقدم العلمي في العالم خيالاً في خيال، انتهى. وظاهر من نص العبارة أن أخف الضررين عند الأستاذ، هو (التخبط) أي فساد النظام، وإضاعة الأموال، وإزاغة العقائد، وإفساد العلم، والتدليس على الناس. . . الخ الخ وليت شعري عنه ما الذي يضطر الأمة إلى كل هذا في سبيل كلمة اسمها الجامعة؛ إما مدرسة تتسامى. إلى مقام الجامعات واما لا. . . بيد أن جريدة "السياسة" نقلت تلك العبارة وجعلتها رأساً لجسم مقالة افتتاحية أو رئيسية كما يقولون جاء فيها عن الجامعة: "وهذه ميزانيتها وهذا قانونها - زد أنت: وهذه سُمعتها وهذا عملها.. سيعرض عما قريب على البرلمان، وسينظر البرلمان في الأمر بغية الوصول إلى تحقيق مجد العلم ومجد مصر - زد أنت: ومجد طه حسين - وإنا لسعداء حقًّا أن هذه الفرصة الحسنة لنشر حديث الأستاذ مدير الجامعة قبيل نظر الميزانية وقانون الجامعة - تأملوا - ونشر هذه الحكمة التي صدرنا بها حديث اليوم لتكون نبراساً وهادياً عند النظر في هذا الموضوع الخطير". انتهى نصاً. أما الهادي فقد مر بك تفسيره آنفاً، وهو الملَك الذي سينزل في السحابة الفلسفية. . . وأما النبراس فلا ريب أنه سينزل بملك البرق على النواب " (كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا) . وهذه الجامعة لا تملي على النواب فقط بل هي تحذرهم أن يهدموها وتُنذرهم بطشةَ التاريخ إذا حدث العالم أن نواب الأمة المصرية صَدوا عن ذكر الله في المسجد الجامع حين لم يُطلقوا حرية الأذان فيه ولم يَدعُوا المؤذن أن يقول: حي على بُوذا؛ حي على بَرهما، حي على العجل أبيس. . . ونحن "فإنا سعداء حقا" أن وجدنا في نسختنا العتيقة من كليلة ودمنة هذا الحديث: قال كليلة: وَيحٌ لهذه النفس إذا لج بها مَنَزعُها وركبها سوءُ طبعها وكان من ورائها قلبٌ دَوِي أفسده داؤه وصرف همَّه وخواطره فيما تميل إليه؛ فقد قالت العلماء: إن الرأي لا يكون رأياً حتى يمكن له في الطبع أشد التمكين.

ها وكان من ورائها قلبٌ دَوِي أفسده داؤه وصرف همَّه وخواطره فيما تميل إليه؛ فقد قالت العلماء: إن الرأي لا يكون رأياً حتى يمكن له في الطبع أشد التمكين. لان المصلح لن يقبل عنه وفي طبعه ما عسى أن يتحول به عهدُه أو ينتكث، وما مثَلَه إلا مثلُ الزلزال الذي أراد أن يتعاطى الهندسة. قال دمنة: وكيف كان ذلك؟ قال: زعموا أن زلزالاً كان صديقاً لأحد البراكين، فقال له يوماً: قد كثر أذاك وإفسادك أيها البركان، فأنت دأباً غَيظ للناس وهلاك ولعنة، وما تنفك بين

حريق وتدمير، وإني لأرى لك حالاً ما أحسبك فيها إلا قد بُعثت من جهنم إلى هذه المدينة، وما أظنك تفلح أبداً في تغبير طبعك ومذهبك، حئى لو كنت بحرا لانقلبت على الناس طوفانا تهدم بالماء كما أنك تهدم بالنار، فقد سئمتُ صحبتك وأنا ذاهب عنك ألتمس عملاً أنفع به هؤلاء المساكين؛ لعلي أرد عليهم بعض ما تأخذ منهم؛ فقد قالت العلماء إن خير ما يكون الخير إذا هو جاء بعد شر ما كان من الشر. قال البركان: أيها الزلزال، لا تغترَّ بالفلسفة والخيال، فإن الكلام أيسر ما أنت آخذه وأهون ما أنت مُعطيه وإنه لن يكون قولك قولاً ما لم يكن عليه من طبعك دليل وشاهد، وإلا فإنما هو كلام بعضُه كبعضه وحقه كباطله وشريفه كخسيسه؛ ولو شئت أن أسمي هذا الحميم الذي أصهره في جوفي من الصخور والمعادن خمراً سائغة للشاربين لفعلتُ وقلت، ثم لوصفتها وزينتها بالشعر والحكمة وكابرتُ فيها وجادلت عليها، ولكن ذلك كله قول هراء إذا أنا لم أجد من يقول اسقني، وما فلسفتك هذه إلا كفلسفة مدير الجامعة التي في مصر. . . قال الزلزال: وما ذاك؟ قال: إنها كانت مدرسة تولاها هذا الرجل الفاضل المتكلم، وكان من المعلمين فيها صخر إنساني عظيم اسمه طه حسين، أخذت طينته من بعض أجدادنا.. وإذا تدحرج هذا الصخر فليس منه إلا الهدم والتخريب والدمامة على الناس، فأرادت تلك الأمة إقرار هذه الصخرة في حفرتها وشدها إلى موضعها؛ وأبى مدير الجامعة إلا إطلاقها وتركَها حرة مستقلة ثم تحريرها مع ذلك على الطرق العامرة والدور القائمة دون القفز واليباب، وذهب يدفع

ها وشدها إلى موضعها؛ وأبى مدير الجامعة إلا إطلاقها وتركَها حرة مستقلة ثم تحريرها مع ذلك على الطرق العامرة والدور القائمة دون القفز واليباب، وذهب يدفع عنها فكان فيما قاله "إن التخبط قد جرت العادة بأن يقترن دائماً أو غالباً بكل بداية، فدعوا الصخر (يتخبط) على طبيعته وعلى طريقته فلا عليكم منه، وما أنصفتم والله إذ تقولون إنه يهدم عليكم الدور ثم تنسون أنه يوسع لكم الشارع. . . . قال الزلزال: دعني منك فوالله لأكونن غير ما في نفسك، وأنت تعلم حدة طبعي وما قد خُصصت به من تمام القوة والذكاء، فأنا غاد فمتعلم الهندسة. لأنها لمن أوكد الأسباب فيما أريده من الإصلاح! قال كليلة: وضرب الدهر ضربة فإذا هو مهندس قد برع وفاق وأحكم

وأتقن، ثم جعل يرتصد اليوم الذي يجيش فيه البركان ليعمر ما يخربه ويسد مَعاقِرَ أهل المدينة بعلمه وفضله؛ فلما كان اليوم الموعود لطف الله من لُطفه ليُخرج للناس الموعظة من هذا الحُمق، فهاج البركان غير طويل وشعَّث من ههنا وههنا، ثم كظم على ما في قلبه فلم يدمر إلا ربع المدينة وبقي سائرها قائماً على نعمة وعلى سلامة وفي أمن ورضا؛ فقال "المهندس" لنفسه: إحدى لياليكِ فهِيسي هيسي (١) ! وذهب ليعمر ما خرب صاحبه، فلما جاء تحت قواعد المدينة هز أنقاض البيوت الخربة ليعيدها بزعمه قائمة فما زاد على أن هدم كل البيوت القائمة فأرجعها خربة، وأتلفَ البركان المفسد رُبعَ المدينة وهدم المهندس المصلحُ. . . ثلاثة أرباعها. فانظر يا دمنة، إنه الجوهر والأصل لا الظاهر والحلية، وإنه العمل لا القول، وإانه الطبع لا الرأي، وإن الفاسد إذا كان معلماً فوجد طلاباً يهديهم كان كالزلزال إذا صار مهندساً فوجد بيوتاً يصلحها!. -


وننظر الآن إلى كلام مدير الجامعة، فإنا لا تعجبنا هذه السفسطة من هذا الأستاذ الفاضل، وما هو وحده الرجل الذكي ولا البليغ المتكلم، وكان ينبغي لمثله أن يتنزه عن مثل هذا، فإنا لنعلم أن من الكلام كلاماً يأمر الناس وهو في أسلوب النصيحة، ويُكرههم على انتحال أخد الرأيين وهو على طريق التخيير بينهما جميعاً، كبعض ما يسمى في عرف السياسة مذكرة وهو إنذار، أو إنذَاراً وهو حرب. فكلام مدير الجامعة "مذكرة" للبرلمان أو في أسلوبها أو في غايتها، ولكن يا سيدي المدير، قد كان لزلة الجامعة عذر يسعُها؛ حتى أصررت أنت وكابرت وازدريت الأمة وعلماءها وقبلتَ على الجامعة من الأراجيف والأقوال والتهم ما لا يَقبل ذو عمل على عمله، فلم تَسع الجامعة عذراً بعد. ولقد أصفقَت الأمةُ كلها على أن إفساد الأدب والتاريخ والتهكم بالدين وما جرى هذا المجرى - ليس شيئاً منها يسمى علماً، فإذا كان علماً عندك وعند شيعتك فما هو من حاجتها وليس لك أن تُكرهها عليه ولا أن تعدوَ رغبتها فيه. ثم انعقد الإجماع أو ما يسممى الرأي العام على أن هذه الجامعة مفسدة تناولت

عند شيعتك فما هو من حاجتها وليس لك أن تُكرهها عليه ولا أن تعدوَ رغبتها فيه. ثم انعقد الإجماع أو ما يسممى الرأي العام على أن هذه الجامعة مفسدة تناولت

ما كان موجوداً كالحقوق والطب فزاغت بهما، كما زاغت الزلزلة بآلة الرصد في حلوان (١) . وكانت آلة الرصد هذه معياراً في دقة نظامها وضبطها ولكن ذلك لم يمنع الزلزلة أن تدفعها عن موضعها وتوقع الخلل في أرقامها ودلالتها وتبتليها بفشل ما ابتُليت به الجامعة، أي "سَنة تجربة" على نص حديثكم الأول، أو "سنة تخبط" على نص حديثكم الثاني ثم تناولت الجامعة ما أرادت أن توجده، كتاريخ الأدب العربي، فأُقسمُ بالله قسماً براً: ما عرفنا في كتب الأدباء أحمق ولا أجهل ولا أشد بلادة من كتاب الجامعة، في الشعر الجاهلي، ففيم تريدون استقلال الجامعة بعد هذا وإن أدنى ما في ذلك الاستقلال أن ينتفع قوم منكم "بسلطة وظائفهم" في إفساد عقائد الطلبة، لأن ذلك من مذهبهم في الإصلاح الاجتماعي، ثم - العدول بالأدب العربي إلى ناحية الجهل والفساد والسخرية، لأنه أساس في لغة القرآن؟ ولأن القرآن أساس في الدين، لأن الدين ينافي مذهبهم في الحضارة الغربية التي يعملون لها جهد طاقتهم. وعندكم يا سيدي قوم وصفتهم أعمالُهم وشهد عليهم الأصحاب والأعداء؛ والأبرياء والأظناء؛ أفيجيز القانون استقلال هؤلاء الموظفين ليسخروا سلطة وظيفتهم في مثل ذلك؟ أتريدون الاستقلال في المحاسن أم في المساوئ؛ فإذا كانت الأولى فاين هي محاسن الجامعة وما عند الناس أسواً من - سمعتها ولا أدعى إلى السخط من اسمها، وإن كانت الأخرى فما هو يا مولانا مجرى الماء يأتي هذا بالإناء فيملأُه ويأتي الآخر بالقربة ويأتي الثالث بالفنطاس وتأتي الجامعة بعربة الرش. . . إنه البرلمان يا سيدي الأستاذ وفيه عقول ذكية وقلوب حديدة ونفوس مؤسسة وطباع مؤمنة، وهو الحفيظ على مصلحة الأمة، ولن يمكن بحال من الأحوال أن يجعل أولادنا في هذه الجامعة غيظَ قلوبنا في كفرهم وتمردهم، ولعنةَ تاريخنا في تحقيرهم وزرايتهم وأعداء ديننا في شكهم وإباحتهم. إنه إذا خرج ابن الجاهل عالماً فقد توثق ما بينه وبين أبيه بزيادة عطفه عليه

وتمردهم، ولعنةَ تاريخنا في تحقيرهم وزرايتهم وأعداء ديننا في شكهم وإباحتهم. إنه إذا خرج ابن الجاهل عالماً فقد توثق ما بينه وبين أبيه بزيادة عطفه عليه ورحمته له، وإذا خرج ابن المسلم كافراً مستهيناً بنبيه وكتابه وعلماء دينه وتاريخ - قومه، مُرصداً لكل ذلك بكيده وعمله؛ فقد انقطع ما بينه وبين أبيه وصار كلاهما لعنة على الآخر وأوجبَ الدينُ على الأب أن يبرأ من ابنه وينبذه، فما

نعطيكم أنسابنا لتقطعوها، ولا أرواحنا لتهلكوها، ولعنة اللهْ على حرية تفكير أولُ ما فيها أن أكون عدو أبي وأن يكون أبي عدوي! إن هذه الجامعة بعد الذي قد بدا منها ومن مديرها لأحقُّ بالمراقبة من الأظناء والمتهمين "والمشبوهي"! حتى تستقيم على منهاجها وتخلُص لها نيةُ الأمة ويثق بها العلماء والأدباء؛ فكما أعطيت الاستقلالَ "سنةَ تجربة" يجب أن تحرمَهُ "سنة تجربة" إلى سنتين إلى ثلاث إلى مائة إلى آخر ما في عمر طه حسين وأمثاله ممن جاؤوا إلى هذه الجامعة من تاريخ دنِس ملوَّث بالإلحاد ليس فيه موضع ثقة ولا أمانة. ألا وإن الأمة الإسلامية لتعلم حق العلم أنها مبتلاة في عداد مصائبها بفئة من أذكيائها يناقضونها الرأيَ في الدين والأخلاق واللغة والأدب، وهم في ذلك قوم مرضى العقول أصيبوا بنحو مما يسمى بجنون الفكرة الثابتة، فلا تردهم قوة من القوى عن آرائهم وأوهامهم في الإصلاح ما داموا آمنين مرزوقين؛ فبعض هؤلاء يريد جعلَ اللغة عامية لتنتهي الأمة يوماً إلى نسيان قرآنها وإهماله والتفصي منه، وبعضهم يتعجل هذه العاقبة فيريد الانسلاخ من هذا الدين ضربة واحدة بقرار من الحكومة أو بجنون حكومي كالذي وقع في تركيا، والعاقل من أولئك من يتماسك ويتصابر ويتسبب إلى غايته في رفق وهينة ومكر وسياسة، فيذهب إلى صوغ الأمة في عقولها في مدرسة كبرى كالجامعة. . .!

قع في تركيا، والعاقل من أولئك من يتماسك ويتصابر ويتسبب إلى غايته في رفق وهينة ومكر وسياسة، فيذهب إلى صوغ الأمة في عقولها في مدرسة كبرى كالجامعة. . .! وشريطته في هذه المدرسة أن تكون للحكومة، لما يعلم من حاجة الناس إلى مدارسها وشهاداتها، ثم أن تكون هي مستقلة عن الحكومة قائمة على حرية التفكير بنص قانونها، وبمعنى أوضح من هذا، يريد هذا الفريق الذكي أن تكون الحكومة في العاملة في تكفير الأمة من حيث تدري أو لا تدري، وبالمعنى المكشوف الصريح: يريدون من نواب الأمة أن يهدموا الأمة التي أنابتهم عنها، فيا شرها من قملة خبيثة تتوهم أنها ستلد أربعة عشر مليون قملة لتقع في رأس كل مصري واحدة. . . ثم لا يكون الفوجُ الأول المقتحم إلا لرؤوس النواب خاصة. . .! هَبُوا الجامعةْ المصرية قائمة بنفسها وبما حبس عليها الواقفون ولا شأن للحكومة بها ولم تستلحِق مدرستي الحقوق والطب، واجعلوها على ذلك مستقلة إلى أبعد ما في الاستقلال؛ قائمة على أوسع المعاني في حرية التفكير والتكفير، فماذا يجدي عليها كل ذلك وأضعاف ذلك؛ إنها يومئذ لا تكاد تنكر إبراهيم وإسماعيل حتى لا ترى مسلماً ولا يهودياً ولا نصرانياً، وحتى تصبح خاوية على جذوعها من طه وأمثال طه، وهذه حقيقة لا شبهة. فيها، فليس الأمر

إذن إن هؤلاء الأذكياء يريدون تسخير النواب ليُكرِهوا الأمة إكراهاً على صدع أساسها الاجتماعي وتخريب بنائها التاريخي، وهذا عملهم، وليس في الأمر إذن حرية تفكير، بل حريةُ عمل، بل حرية هوس مكري، بل حرية استخدامِ سلطة الوظيفة! لقد صاحت الأمة من حُمق طه حسين وتهوره، فماذا فعل مدير الجامعة بل ماذا فعل طه غير أنه زاد على ذلك إنذارَ الأمة في أبنائها أن دروس السنة الآتية سيكون في مناقشة القرآن من الوجهه الأدبية، ويقول هذا وهو هو الذي كذب القرآن من الوجهة التاريخية، فإن صرح بعدُ أو خادَعَ فما هو بمأمون ألبتة. "استقلال الجامعة لأجل نظام التعليم العالي". هذه عبارة يقولها الأستاذ المدير باللغة العربية القويمة، فإذا أنت أضفت لها معنى الزمن الحادث كانت هكذا زرع الجامعةِ لقلع ما يمكن قلعه. . . ". إن الباطل لا يجد أبداً قوته في طبيعته، بل تأتيه القوة من جهة أخرى فتمسكه أن يزول، فإذا هي تراخت وقع وإذا زالت عنه اضمحل؛ أما الحق فثابت بطبيعته قوي بنفسه، فالجامعة إنما تخشى على باطلها فتريد له قوة القانون وحمايته، ولو كانت ذات حق لقالت للناس: هذا عملي فانقضوه إن استطعتم، وهذا علمي فانقدوه إذا دخلكم منه شك! لكنها لجأت إلى هذا التمحل العجيب في طلب الاستقلال وحرية التفكير؛ وإنما هي بهذا الطلب تسبُّ الأمة وتهينها في علمها كما أهانتها في دينها من قبل، كأنَّ الأمة جاهلة غبية تعادي الفكر الحر إذ لا تستطيع مجادلته ولا نقضه، فالجامعة من أجل ذلك تسأل النواب أن يحموا تفكيرها ويفصلوا ما بين علمها العالي وبين جهل الأمة. لقد جادلنا هذه الجامعة وأفحمناها حتى ما تبدئ ولا تعيد، فكأنها الآن بما تطلب من حرية التفكير تريد أن تفز من كل مجادلة ومناظرة وتجعل ذلك أصلاً في قانونها حتى لا ينتقدها أحد ولا يطمع أحد منها في جواب. وما عرفنا في تواريخ الأمم أن أمة يقرر نوابها حرية الجهل في أكبر مدرسة فيها! ما هي قيمة حرية التفكير وأنت لا تجدها على أعظم شأنها وأكبر أسبابها وأوسع أشواطها إلا في المعتوهين والموسوسين وألفافهم؛ إنما الشأن في سمو التفكير قبل حريته؛ فينبغي أن يكون الفكر قوياً على

على أعظم شأنها وأكبر أسبابها وأوسع أشواطها إلا في المعتوهين والموسوسين وألفافهم؛ إنما الشأن في سمو التفكير قبل حريته؛ فينبغي أن يكون الفكر قوياً على مصادمة النقد، إذ يكون صحيحاً لا زائفاً، وحقاً لا باطلاً؛ ومتى كان الفكر

كذلك فما هو في حاجة إلى قانون يحميه، لأن قانونه مناظرته، أما إن كان على غير هذا فجاء ضعيفاً متخاذل الحجة واهي الدليل لا يقدر على دفع الاعتراض. ثم كان قائماً على أن يقول المفكر الباحث ما شاء ويقول المنتقدون ما شاؤوا بلا نتيجة هنا ولا هنا، فلعمري إن هذه ليست حرية تفكير بل هي حرية الخطأ، والخطأ دائماً مقيد في أي الأساليب جاء ومن أي الناس وقع. لقد حدت للفكر كل الشرائع قيوداً وحدوداً من بعضها الحجر ومن بعضها العقوبة وهكذا؛ وفيم الشرطة والنيابة والمحاكم والقوامون والمحتسبون والشرائع والقوانين، إلا أن تكون هذه كلها حدوداً للأفكار والأعمال، كما قلنا الخطأ من أن يجب أبداً أن لا يمشي إلا في قيد. يظهر لنا أن الأستاذ مدير الجامعة لا يفهمنا حق الفهم، وإلا فنحن لا نفهمه: إنه يقول حرية التفكير، ونقول قيمة التفكير؛ وهو يريد حرية الرأي، ونريد صحة الرأي؛ وهو يريد إطلاق الألسنة، ونحن لا نرى إلا إطلاق الحقائق المتكلمة؛ فإن صح رأيه وجب أن تطلق الحكومة كل من في مسششفى المجاذيب ممن خَرِف وأهتر ولا ضرر إلا من لسانه؛ إذ يجب أن يكون لهم قسطهم من حرية التفكير كما يكون للجامعة قسطها؛ وإن صح رأينا وجب أن يظلوا في قيود الطب، لأن لهذا الطب الولاية الشرعية على عقولهم وأفكارهم كما أن للبرلمان الولاية الشرعية على عقل الجامعة وتفكيرها. هناك ضرب من التفكير هو شر على الناس من محق التفكير؛ فإن إهمال الفكر وانقياد الإنسان إلى طباعه وغرائزه يبعث على غلطات مختلفة لا بد أن تقع، لكنها تدل على نفسها بأنها غلطات، إذ ليس معها إلا حقائقها وهي ظاهرة مكشوفة قد تعارفها الناس وعلموا علم عقولها أنها خطأ. أما ذاك النوع من سوء التفكير فيورط أهله في غلطات لا بد أن تكون.

إذ ليس معها إلا حقائقها وهي ظاهرة مكشوفة قد تعارفها الناس وعلموا علم عقولها أنها خطأ. أما ذاك النوع من سوء التفكير فيورط أهله في غلطات لا بد أن تكون. فإذا كانت فلا بد أن تكابر في أنها غلطات وتذهب تخدع الناس وتُمَوه عليهم وتغر ضعافهم، لأن معهم الجدل والعناد وسوء النية ومكر السيئ، وكل هذا مما يكتم حقائقها ويُظهرها في غير مظاهرها ويُلبس باطلها من حلية الحق. وكتاب الجامعة - الشعر الجاهلي - آخرُ مثلِ أخرجته الدنيا من هذا النوع كما علمتَه مما أوردناه في الكسر عليه. فإن كانت الجامعة إنما هذا تريد فهو تلبيس وغش وخداع وإن كان اسمه الرأي والفكر والاجتهاد والجديد وما شاؤوا، وإذا أباحه البرلمان للجامعة وجب أن يُفرض عليها معه إنشاء درس تسميه درس الغلط. . . ليكسب هذا الدرس

تلاميذها المساكين دربة ومراناً على إدراك خطأ الأستاذ بأنفسهم، فيستطيعوا أن يصححوا لمثل طه حسين غلطاته كلها أو أكثرها أو أفحشها على الأقل. نحن لا ننكر على الجامعة ولا نعترضها إذا هي قدمت السم في زجاجة السم، فلو أنها فعلت ذلك لهلك من هلك عن بينة - وما يُشعِرُ كما أن طلبها من البرلمان ليس إلا طلب الترخيص لها في السموم الأدبية والعلمية - ولكن الذي ننكره عليها أن تُقدم السم في زجاجة الدواء فتغش، وتسقيه الناس فتقتل، وتأخذ - على ذلك أجراً فتسرق، وهذا كله مما نجلها عنه إجلالاً شديداً، ولكن هذا كله قد وقع في درس طه حسين! يقول الأستاذ المدير في حكَمه الذهبية "أترى لو أنك تفكر تحت وصاية الغير هل أنت تفكر؟ فإذا تعلقت مَنازع التدريس بغير جماعة المدرسين كان التقدم العلمي خيالاً من خيال". ونحن - نقره على - هذا لأنه من حجتنا عليه، فلسنا نقول بترك منازع التدريس في الجامعة لمصلحة التنظيم مثلاً، بل نحن ممن يرون ترك كل صناعة إلى أهلها ومن يَثقَفونها، ولنضرب الآن مثلاً، بيننا وبين الجامعة، فهل كل "جماعة المدرسين"، في الأدب هم طه حسين الذي ليس في الجامعة للأدب سواه، أم تجد منهم في وزارة المعارف وفي - الأزهر وفي وظائف الحبهومة. وفي الصحف وغيرها؛ إن كان الأول بَطل كلامُنا ولنكسِر هذا القلم ولنرح أنفسنا من مجادلة العالم الأصغر المسمى طه حسين.. وإن كان الثاني فدرس الأدب في الجامعة يجب أن يكون مقيداً بآراء (جماعة المدرسين) ، فإن أبت الجامعة فعليها مناظرة من يجادلها فيه. لا مناص من إحداهما ولكنها لا تقبل إحداهما! ولو كانت هذه الجامعة ذات قيمة علمية. وكانت: لا تَطوِي تحت العلم نية أخرى، لدعت هي الأدباء والعلماء إلى مناظرتها وأثابتهم على ذلك ولم تسكت من مثلنا ولم تُغلق بابها في وجه صديقنا الأستاذ الخضري بك (١) تعمل في إسكاته وإسكات غيره، إما بكلامها ورجائها وإما بسكوتها وإهمالها.

على ذلك ولم تسكت من مثلنا ولم تُغلق بابها في وجه صديقنا الأستاذ الخضري بك (١) تعمل في إسكاته وإسكات غيره، إما بكلامها ورجائها وإما بسكوتها وإهمالها.

بل الذي هو أخزى من هذا أن أستاذها نفسه يقول في أول كتابه صفحة ١٥: "وأنت ترى أنني غير مسرف حين أطلب منذ الآن. . . إلى الذين لا يستطيعون أن يبرأُوا من القديم. . . أن لا يقرأوا هذه الفصول " هكذا بنصه. وتالله لو أن الجامعة مدرسة كالمدارس تُدرِك معنى العلم وتعرف أنه أمانة وعهد وميثاق، لأوجعت أستاذَها بالعقوبة على هذه الكلمة وحدها، لأنه يفضحها شر فضيحة وينفي الثقة بها وبعلمها؛ إذ لا ثقة برأي إلا بعد تمحيصه ونقده، ولن يكون النقد نقداً إذا كان من أنصارك ومؤازريك، بل هو النقد إذا جاء من المعارضين لك والمنكرين عليك، ثم لا يتم له معناه إلا إذا كان من أقواهم فكراً وأصحههم رأياً وأبلغهم قلماً؛ فإن لم ينتقدك هذا ومثله فادفعهم إليك دفعاً وتحدهم تحديا وارمِهم بالعجز إذا لم يفعلوا؛ فإن الحجة ليست لك ولا هي لهم وإنما تنحاز إلى الغالب منكما؛ وحتى الحجة الصحيحة فإنها أبداً في حاجة ماسة إلى حجة أخرى تؤيدها أو تفسرها أو تحدها أو تمنع اللبس بينها وبين غيرها، فكل شيء فإنما صحته وتمامه في معارضته ونقده، إذ المعارضة نصف الحق وإن هي لم تكن حقًّا لأنها تُبينه وتجلوه وتقطع عنه الألسنة وتنفى عنه الظنة، ومن هنا يظهر لك السر المعجز الغريب البالغ منتهى الدقة في القرآن الكريم، فإن هذا الكتاب من دون الكتب السماوية والأرضية هو وحده الذي انفرد بتحدي الخلق وإثبات هذا التحدي فيه، وبذلك قرر أسمى قواعد الحق الإنساني ووضع الأساس الدستوري الحر لإيجاد المعارضة وحمايتها، وأقام البرهان لمن آمنوا على من كفروا، وكان العجز عنه حجة دامغة معها من القوة كالذي مع الحجة الأخرى في إعجازه، فسما بالحجتين جميعاً، وذلك هو المبدأ الذي لا استقلال ولا حرية بغيره، وما الصوابُ إذا حققتَ إلا انتصار في معركة الآراء؛ ولا الخطأ إلا اندحار فيها لا أقل ولا أكثر، وبهذا وحده يقوم الميزان العقلي في هذه الإنسانية. يقول الأستاذ المدير: "أترى لو أنك تفكر تحت وصاية الغير هل أنت تفكر"؟

لا اندحار فيها لا أقل ولا أكثر، وبهذا وحده يقوم الميزان العقلي في هذه الإنسانية. يقول الأستاذ المدير: "أترى لو أنك تفكر تحت وصاية الغير هل أنت تفكر"؟ فإذا لم أكن تحت وصاية الغير يا سيدي المدير ولكني أفكر تحت وصاية رغبة مجنونة ونية خبيثة شهدت عليها الأمة كلها فهل أنا عندك أفكر؟ ألا تراني حينئذ إذا كنتَ رجلاً عادلاً أني في أشد الحاجة إلى حمايتي من وصاية ضارة بوصاية لا أقل من أن تمنع الضرر؛ وما الفرق بين رغبة تمسني من غيري فتفسد

على تفكيري، وبين رغبة تمسُّ غيري مني فتفسد عليه بتفكيري؟ وهل كان طه يكفر في الجامعة لتكتب عنه الملائكة أم ليكتب عنه الطلبة؟ إني أخشى يا سيدي الأستاذ الجليل من استقلال الجامعة وحرية تفكيرها؟ فإن هذا الكلام إذا فسر بأعمال الجامعة كان معناه ومحصَّله أن البرلمان سيضيف إلى الامتيازات الأجنبية المضروبة على هذه الأمة، امتيازاً لدولة قصر الزعفران. . .

ذو الأقفال . . . نحن نعرف أن الأستاذ الفاضل مدير الجامعة رجل صُلب مستغلق كالأبواب الحصينة بعضها من وراء بعض، إن أنت عالجت باباً منها فانفتح لك بعد الكد والعناء وطول المزاولة تام من دونه باب آخر فاضطرك إلى مثل ما كنتَ فيه واستأنفتَ ما فرغت منه، فما تظفر من الرجل بطائل، لأنه فيلسوف منطيق أريب مطلع يرجع من طبعه الذكي إلى مثلٍ كتب الفلاسفة، ومن كتب الفلاسفة إلى مثل طبعه الذكي، فهو أبداً متحذر مستعد، ولا تبرح أقفاله الفلسفية على مد يده، فإذا هو وضع الباب من أبواب الكلام بينك وبينه تناول القفلَ والقفلين والثلاثة واستغلق وتَعسَّر، فهو في الرجال كالشاذ في القاعدة. أما القاعدة فتستفيض فى كثير، وأما الشاذ فهو قاعدة نفسِه. ولنا بالأستاذ صحبة قديمة، فما نعرف إلا أنه رجل منصف، ولا نظن فيه إلا خيراً. ولما أصدرنا الجزء الأول من "تاريخ آداب العرب " كتب عنه افتتاحية "الجريدة" وقال لنا بلسانه إنه قضى أسبوعاً يخطب مجالس العاصمة في هذا الكتاب؛ وكان عمله وقوله: (وسبب آخر) مما أغار تلميذه الفاضل الدكتور هيكل فاستقبلنا يومئذ بمحبرته ونَضحَ الكتاب بمقالتين من العطر الأسود. . . لم نرد عليهما إلى اليوم، وهما في كتابه الأخير الذي سماه "أوقات الفراغ " فيحسن بالقراء أن ينظروا فيهما؛ لأنا نُعجب من الأذكياء بذكائهم ولا نبالي ما يصيبنا منهم؛ فإن الصدور تجيش والطباع تغلبنا وفي الناس ما فيهم، ونحن إذا أمِنا الخطأ من نفسنا لم يضرنا أن يخطئ الناس فينا؛ ولقد كلمنا يومئذ صديقُنا الأستاذ حفني بك ناصف في الرد على هاتين المقالتين، فقلنا له: متى تم بناء - الهيكل - ظهر الحائط المنحرف! وكان الهيكل لا يزال يُبنى! نكتب هذا لأن أستاذاً كبيراً من مدرسي الأدب العربي زعم لنا أن فكرة طه حسين التي يعمل لها في الجامعة هي فكرة الأستاذ مدير الجامعة، وأن طه ليس في كبير ولا صغير وإنما هو كالبُوق يُنسب إليه الصوتُ والصوتُ من غيره. قال: وإن طه يُدِل بمنزلته من الأستاذ فهو تلميذه وصاحبُ رأيه وحامل فكرته،

طه ليس في كبير ولا صغير وإنما هو كالبُوق يُنسب إليه الصوتُ والصوتُ من غيره. قال: وإن طه يُدِل بمنزلته من الأستاذ فهو تلميذه وصاحبُ رأيه وحامل فكرته،

وإن الأستاذ لذلك أخذ طه في الجامعة ورد سواه، ولبعض ذلك يدفع عنه كما يدافع ذو العقيدة عما اعتقد؛ فالأمر بين الأمة والجامعة فى هذا الخلاف الذي شجر بينهما أشبهُ بالمصادمة بين دينين لا بد من غلبة أحدهما، ثم إذا غلب عم؛ فالأمة على مرحلة إلى جاهلية أو إسلام؛ وما ثم شيء اسمه حرية التفكير أو استقلال الجامعة، إنما هذه ألفاظ سياسية جدلية توضع على مقاديرَ ظاهرة وعلى مقادير أخرى باطنة، ليكون الظاهر مما يلي القولَ، والباطنُ مما يلي العمل. ولولا أن ذلك كذلك لكان في بعض غلطات طه حسين ما يَقذف به من فوق الحائط عجلة منهم في إخراجه والتبرؤ منه، إذ ينقطع صبرهم قبل أن يُفتح له الباب؛ ولكن أنى لهم وطه في ذلك فكرة لا رجل، وقد عرف من قبلُ سرَّاء هذه العاقبة وضرَّاءها، وما ألقيت القنبلة من هذا المدفع وهي محشوة كفراً إلا لتهدم الإيمان القائم، ومثل طه حسين ليس من مدافع العيد. . . بل هو مدافع ميدان. قال: وعندنا قوانين كثيرة، ولكن قانون الجامعة المصرية المعروض على البرلمان وضع لكسر القوانين والتفلت منها! عندنا قانون يسمونه قانون "المجلات المقلقة للراحة" ونحن الآن في حاجة إلى قانون يسمونه قانون "المحال المقلقة للضمير" انتهى كلام الأستاذ. وأنا لا أعتقد هذا ولا أقول به، وإن كعنت ألممح فيه لمحات، ولكن ترى ما سر هذا الصمت العجيب في مدير الجامعة فلا يجيب الأمة ولا يعتذر إليها ولا يعبأ بها ولا يعرف لها حقًّا، وبينا هي تتلظى عليه وعلى جامعته وعلى أستاذ جامعته نرى في يده مروحة وفي يدي طه مروحتين. . . والعجب من هذا الأستاذ الفاضل كيف أصبحت الحوادث تنقله منزلة إلى منزلة وهو يخف في يدها ولا يثقل به رأي ولا يرجح له عقل، وما يزال يتنقل في هذه الحادثة من سيئ إلى أسوأ، وما زال يضيق على نفسه ولا يفسح له ذكاؤه، فكان في غلطة صوابُها قريب والعذر منها سهل والقول فيها يسير، ولكنه أصر عليها؛ ومن نكد الدنيا أن الغلطات كالذباب: تكون الواحدة منها فإذا هي بعد قليل صارت ألفاً.

لطة صوابُها قريب والعذر منها سهل والقول فيها يسير، ولكنه أصر عليها؛ ومن نكد الدنيا أن الغلطات كالذباب: تكون الواحدة منها فإذا هي بعد قليل صارت ألفاً. فما كان من إصرار مدير الجامعة إلا أن جعل للتهمة جذوراً وفروعاً وكانت نبتة لا تتماسك وأنا لا يبلغ من ذكائي أن أنفذ إلى ذلك السر أو أكتنه حقيقته، فإني رجل بليد إذا تطرق بي الفكر إلى صلابة كصلابة الأستاذ لطفي السيد من أجل حُمق كحمق طه حسين. غير أن نسختي "من كليلة ودمنة" ليست بليدة، فقد رجعت إليها الساعة فإذا الماكر دمنةُ يقول: ولا يغرنك أنك على ثقة من غفلة من حولك، فإنك إن

لم تكن على مسافة بعيدة عن عاقبة غفلتهم فأنت على مسافة دانية من عاقبة مكرك، وإن القدر إن خلاك فلا يفلتك من يمينه إلا ليأخذك بيساره، فلا تستنِم إلى مسافة ما بين القبضتين إذا كان ما من الوقوع في إحداهما بُد. وقد كان يقال إنه لا أحمق من الغفلة في اثنين: الضارب في الصحراء تلفحه شمسها ويتنفس النار من هجيرها، فيغتسل بما يحمل من الماء فيبترد ويستزوح ويدفع عنه القيظ، وقد أنسته اللذة العاجلة ما أمامه وعمي عن الصحراء ومعاطشها وظن أن قد غلبها في راحة نفسه والترفيه من أمره، فلن يكون منها بعد أن شربت ماءه في موضع إلا أن تشرب روحه في موضع آخر، وغفلة الماكر الغاش يطمئن إلى دَحْسِه وغشه وهو يعامل فيهما أمة كاملة. فيوشك أن يلقى ما لقي الرجل ذو الأقفال حين زم بأقفاله على فضيحتين فكانت أقفاله الفضيحة الثالثة. قال كليلة: وكيف كان ذلك؟ قال دمنة: زعموا أن رجلاً حازماً فيلسوفاً كان في بلد كذا، وكان مخلصاً للناس ما يبرح لهم حق يقضيه، فكتب وألف زمناً، ثم خطب وتكلم حيناً، ثم حل وعقد في حبال السياسة، ثم إنهم أنشاوا مدرسة لهذه الأمة فلم يجدوا غيره يتولاها (إذ كانت الآمال فيها على قدر الثقة به، وأنه كان رجلاً سليم دواعي الصدر طيب النفس حسن الظن بمن يستخلصه، وكان من جماعته ومريديه رجل مغرور ينتسب في آرائه وعلمه إلى هذا الأستاذ الجليل، كما تكون النواة في الثمرة الناضجة، فهي مرارة تحت حلاوة، وهي من أثر طين الأرض في أثر ماء الجنة. وهي شيء لولا موضعه من الثمرة لم يكن له موضع إلا بحيث ينبذ ويُهمل، ولكن الأقدار، هي وضعته بذلك المكان فكأنه غلطة يغطيها الصواب. ثم إن هذا المغرور سعى سعيه وتحمل على الرجل الطيب بشفاعة غفلته

موضع إلا بحيث ينبذ ويُهمل، ولكن الأقدار، هي وضعته بذلك المكان فكأنه غلطة يغطيها الصواب. ثم إن هذا المغرور سعى سعيه وتحمل على الرجل الطيب بشفاعة غفلته الفلسفية، فإنه يقال إن لكل فيلسوف خصالاً يفوق بها الناس ولكنها لن تجتمع له إلا أحدثت فيه خصلة يفوقه الناس بها، ما من ذلك بد، لأن المعنى الإنساني المحض لم يخلص في أحد غير الأنبياء، فالإنسانية فيهم مُصفاة وفيمن عداهم كالماء: تُصفيه وتتركه في سقائه فإن لم ينشئ الترك فيه كدراً أنشأ فيه معاني الكدر، فأنت واجد بعدُ في قرارته من الهوائم والجراثيم، وهي معاني ما يحمله الماء العكر من الأخلاط والغبار والطين أو هي شر منها، ولولا حكمة الله هذه وأنه لا بد لكل فيلسوف من الغفلة والسقطة، وأن العلم لا يدفع من ذلك نوعاً إلا ليجلب نوعاً آخر - لما رأيت عالماً أسقطَ نفساً من جاهل، ولا فيلسوفاً

يلعب به العامة في بعض أمور دنياه مما يتعامل عليه الناس كالبيع والشراء وتعاطي أسباب العيش. قال دمنة: ثم فاز المغرور وسهل له الفيلسوفُ تسهيلاً عجيباً، فإذا هو أستاذ في تلك المدرسة، فلما استوى له المنصب قال: ما أحرى الناسَ جميعاً أن يكونوا مغفلين إذا كان الفيلسوف صاحبي كما أرى، فلأصنع له من العلم على نحو ما أدخلتُ عليه من الغش، فإنه لا يُحسن مما أقول شيئاً، وهو رقيق الدين كما هو رقيق النفس، وما أراني معلناً عن نفسي بشيء كما يُعلن عني الكفر، فيقتحمني الدين وتردُّ عني الفلسفة، فأجمع خلالاً ما اجتمعن لأحد قبلي، وأكون كالراية يسقط الناس من حولها وهي قائمة. ثم إنه انحط على العلم والأدب وسفَّه كل من لا يجهل جهله ولا ينعب نعيبه، وكان كالغراب الذي زعم أنه شاعر كاتب فيلسوف، فلما سألوه في الشعر قال "غاق" فسألوه في الكتابة قال "غيق" فسألوه في الفلسفة قال "غوق"! فقيل له: فلسنا معك إلا في غاق وغيق وغوق، فأين الشعر والكتابة والفلسفة؟ قال: قطع الله ألسنتكم أيها الناس، فلو أن الله بدَّلكم بها لسانَ غراب فصيح مثلي لوعيتم ما أقول، ولكنكم قوم تجهلون! قال دمنة: فلما غوَّقَ أستاذ المدرسة ذلك التغويق المنكر وأضحك الناس منه ومن مدرسته وعلوم مدرسته، وطارلت السخرية ووقعت، ثم طارت

قول، ولكنكم قوم تجهلون! قال دمنة: فلما غوَّقَ أستاذ المدرسة ذلك التغويق المنكر وأضحك الناس منه ومن مدرسته وعلوم مدرسته، وطارلت السخرية ووقعت، ثم طارت ووقعت، قال ذلك الفيلسَوف: لقد احتجت الآن إلى عقلي وذكائي، فإن هذا الأحمق أنا انخدعت به ثم خدعت به الناس، فأنا من فضيحته الواحدة بين فضيحتين، وهو مني بمنزلة الذيل من الجواد. إن سبقتُ سبق وما جرى ولا تعب ولم يُعانِ شيئاً مما أعانيه وليس إلا أنه لَصِيق بي! ولقد أوقعني حُمقه في هذه المَنزلة، فلن تحملني قدماي إلا إذا جعلت ساقيهما عمودين من حجر واستمسكت في الأرض بجذور تجعل أصابع قدميَّ عشر شجرات. ثم أقوم بعد ذلك قومة جبل راسخ لا قَعدة له إلا بشق الأرض من تحته وأنا بعدُ ذو الأقفال. ما من كلمة تُفتح علي إلا ولها عندي قفل، فجهل هذا الأحمق قُفله "حرية التفكير" إن فتحوا بذاك أقفلنا بهذا، وكفره نقفل عليه "بحرية البحث " وغروره الشنيع ما له قُفل ولكن لعل قولنا إنهم يحسدونه يصلح قفلاً، وسقوط المدرسة نجعل له قفلاً من "سنة تجربة" وسوء النتيجة لا يغلقه عنا إلا قفل "التخبط في البداية"، وتدخل الحكومة لتلافي الأمر قفله "التفكير تحت وصاية الغير" قال وجعل ذو الأقفال يضع لكل مُخزية قفلاً. . . فضج

الناس وفزعوا، وكان لهم دارُ ندوة، وكان فيها زعيم يغمُرُ الناسَ جميعاً بذكائه، وكأنما أنشأ فيه القدر من أسباب القوة على قدر حاجة الأمة كلها، فما تراه في لسانه وبيانه وذكائه وقلبه وهمته وعمله إلا قلتَ مِن ههنا ينبعث التيار الإنساني ليعبَّ به البحر كله في هذه الأمة! قال: وجمع الفيلسوف أقفاله ووضع عليها كلها قفلاً من معدن لا تذيبه النار، اسمه "استقلال المدرسة" وبعث بها إلى دار الندوة ليُقفل بها على أفواه الناس وعقولهم، فما هو إلا أن رماها ذلك الزعيم بنظراته وأدارها في يده حتى جعلت تتهاوى وتتفلَّق، وإذا هي تنماث كما ينماث الملح ألقي في الماء، وكان كل قفل لا يسقط إلا فتحَ عن سوءة أو غلطة أو مخزية من المخزيات، فقال الفيلسوف: إنا لله ما يصنع العناد إلا صنعة واحدة أولها الحيلة وآخرها الخيبة، ولقد كنت عن هذا في غِنى لولا أن هيجني ذلك الأحمق وغلبني على الرأي بمثل ما يغلب به الطفلُ أباه المخدوع، فقد والله فضحني بنفسه، ثم عا ففضحني بنفسي، وأسقطني بجهله مرة وبعلمي مرة! ولقد سخرت مني الحوادث فهيات لي أن أكون ذا الأقفال حتى إذا صرت ذا الأقفال رمتني بذي المفاتيح!


لا جَرَم أن الأستاذ الجليل لطفي السيد قد تحول كل منطقه خيالاً كالذي يظن أن أصابع قدميه عشر شجرات، فلسنا نعرف له في حادثة الجامعة رأياً صحيحاً ولا حجة قوية، وقد أصبح إذا تكلم أخطاً منطقه، وإذا سكت أخطأ سكوته، وما ذلك من ضعف لسان ولا فَيالة رأي ولا تهافُتِ منطق، ولكنه يدافع ما لا يُدفع، ويتولى رجلاً وَقدت عليه الجحيم ولعنه الله والملائكة والناس. وماذا يُثلجُ لوحُ الثلج إذا لم يقع إلا بين ألوح الفحم المضطرمة. كان للأستاذ لطفي السيد من عمله ورأيه وبُعدِ نظره ما يعصمه أن ينزل نفسَه هذه المنزلة، وما هو بشاعر ولا أديب ولا صاحب لغة ولا مؤرخ أدب فيعيبه أن يكون قد انخدع في طه حسين ويُزري به سقوط هذا الشيخ أو الخواجة ويَلزَمه من كل غلطة يقع فيها غلطتان إحداهما من أنه أديب والثانية من أنه مدير للجامعة. إن الأستاذ رجل قانوني وكاتب فاضل ومصلح اجتماعي، فما له ولـ طه وعلم طه؛ لكنه أبى أن يكون مديراً للجامعة في عمل ليس فيه إلا أن يكون

ن أنه مدير للجامعة. إن الأستاذ رجل قانوني وكاتب فاضل ومصلح اجتماعي، فما له ولـ طه وعلم طه؛ لكنه أبى أن يكون مديراً للجامعة في عمل ليس فيه إلا أن يكون مديراً؛ ومن هنا رأينا العالم الكبير يحتج بأوهى الحجج، ويتوكأ على كلمات

من القش، كحرية التفكير، والتفكير تحت الوصاية وهدم الجامعة الخ الخ. . . ويقول هذا وهو يعلم أن أحداً لا ينازعه في هذه المعاني، وإنما النزاع في جهل الجامعة وسقوط الجامعة وكفر الجامعة وفوضى الجامعة، فيدع ما نحن فيه ليجرنا إلى ما لسنا فيه، كأنه لا يعلم أن مثل هذا يعد في أساليب الكلام من شر ما يقع فيه من توجهت عليه الحجة ولزمه الدليل، فيظن أنه يتخلص به وهو لا يزيده إلا تورطاً ولا يزيد الناس فيه إلا بياناً. أنا أخطات في رأي من العلم فتنكر أنت علي وتردني، فتأخذني الحمية. وأكبِر ذلك منك ويشق على نفسي أنا أيها الأديب الكبير أن يقال عني أخطأ وجَهِل، وأن يشيع ذلك في الناس فيكون سبة الأدبي غمِيزة في؛ فأدع رأيي ورأيك وصوابك وخطئي وأقول: إنما أنت حسود وإنما تتحامل علي، وإنما هذا من لؤمك وضغنك، وأذهب أتكلم في الحسد وما يتصل به، وأتناول المعاني من أصولها البعيدة، ولا أزال أبتعد عما كنا فيه فما أصنع شيئاً إلا أن أضيف إلى عجزي عن الحجة عيب المكابرة فيها، وإلى جهلي بالرأي جهلاً آخر بأساليب البرهان، وأمد في النزاع مداً كلما طال بيني وبينك أخرج من سخرية الناس بي ما كنتُ منه في أسبغ ستر وأوسع عافية. . . ولا أزال ألج وأتهافت، ولا يزال الناس يضحكون ويسخرون، فإذا أنا من الغلطة الواحدة فيما لا أحصي، وإذا هي ألوان كثيرة بعد أن كانت ولا لون لها، وأتكلم ألف كلمة فلا أجيء إلا بألف خطأ، وتتكلم أنت واحدة فتجيء بألف صواب، لأن كل غلطة في حمقي وعنادي وجهلي تنحاز إليك فتعد في صوابك، وإذا الناس بيننا على الأصل الذي كنا فيه من الرأي العلمي لا على الأصل الذي نزعتُ أنا إليه من الكلام في الحسد والضغن وما يخرج منهما. نقول للجامعة: الأدب والدين والتاريخ، وهي تعرف أننا من ذلك في

الرأي العلمي لا على الأصل الذي نزعتُ أنا إليه من الكلام في الحسد والضغن وما يخرج منهما. نقول للجامعة: الأدب والدين والتاريخ، وهي تعرف أننا من ذلك في موطن محاماة، وأنه لا منفعة لنا ولا غاية إلا الإصلاح، وأن الأمة بيننا وبينها، وأن هذه الأمة معنا وعليها، فتلوذ بالصمت عن كل هذا ولا تتكلم إلا في حرية التفكير وتوقي الهدم وكذا وكذا، ولو علمت لعلمت أنها ما تهدم نفسها إلا بمثل هذا، الجامعة ليست مديرَها ولا أستاذها وما إن لها في مصلحة الصحة شهادة ميلاد ولا شهادة وفاة، وهي باقية وهما زائلان، وما لم يوفق إليه مدير الجامعة اليوم فعسى أن يوفق إليه مدير آخر والأمور بحوادثها مرهونة، والأشياء بأوقاتها، والطبيعة بعدُ على مَساقها الذي تندفع فيه، فإن أكرهناها على غيره لم نفسدها وأفسدنا أعمالنا وأخطأتنا الفائدة منها. وكل هذا يعرفه الأستاذ مدير

الجامعة، بيد أن عمله يُشعر بأنه يعتقد أن الجامعة هي هو، وأنه إن فاتها صنيعُه لم ينفعها صنيع أحد من بعده، فكأنها فكرة بعينها ليس لها غيره وغير طه، فإذا لم يكونا لم تكن؛ لأن غيرهما لا يعمل فيها ثم، كأنَّ الفكرة مع ذلك لا تُؤمَن عليها الأمةُ ولا الحكومة. . . ولا تستقيم مع إشرافهما، إذ يرى الأستاذ المدير أن تدخل الحكومة هَدمٌ هدم هدم. . . ولن يكون هذا الرأي صحيحاً، بل لا مخرج له في التأويل إلا إذا كان تدخل الحكومة هدماً للفكرة الشخصية، وإلا فجامعةُ مَن هي؟ وكيف تنشئها الحكومة لتهدمها؟ وماذا كانت قيمتها قبل أن تستلحقها وزارة المعارف؟ إن الذي يعلن أن تدخل الحكومة "هدم" لأمره لن يمكنه إدانة الحكومة بأفصح ولا أبلغ من هذا الكلام هذا إذا كانت هذه الحكومة قائمة في رأيه على عداوة الأمة والكيد لها وإفساد أعمالها النافعة، وما هكذا يَحسُن أن يعلن مدير الجامعة المصرية عن الحكومة المصرية، ولكن العجيب أن الأمة هي التي تطلب تدخل الحكومة، ومديرُ الجامعة وحده هو الذي يأبى ذلك وينتحل فيه المعاذير الواهية ويضع له الأقفال الفلسفية. . . فلقد صارت الأمة والحكومة جميعاً عدوتين للجامعة في رأيه، وهذا على أن الجامعة ليست له ولا هو خالد فيها، فلم يبق إذن إلا شيء واحد من شيئين: إما أن الأستاذ المدير هو وحده المخلص، وهو وحده ذو الرأي الصحيح، وهو وحده رجلُ الأمة كلها. وإما أن له وحده فكرة لا تقوم إلا به وحده ويريد تسخير الجامعة لها! أروني كيف يكون المنطق الذي يُخرج من هذين الرأيين رأياً ثالثاً وأنا ألقي هذا القلم تحت "وابور الزلط. . . " ولا أعود أكتب حرفاً عن الجامعة! إن النواميس لا تعرف استثناء ولا تخضع له، وإنما يتغير وصف الشيء

ياً ثالثاً وأنا ألقي هذا القلم تحت "وابور الزلط. . . " ولا أعود أكتب حرفاً عن الجامعة! إن النواميس لا تعرف استثناء ولا تخضع له، وإنما يتغير وصف الشيء فيتغير قانونه، هذا عاقل يُتهم بعظيمة ويجنيها فيعاقب: وهذا معتوه يقترف إثماً فيترك، ولكل منهما حالة، ولكل حالة قانونها، ففي أي شيء يريد الأستاذ مدير الجامعة أن يكون للحكومة إشراف عليها وتدخل فيها؛ أهو أنشاها وهو يملكها وهو يرعاها؛ أم حين لا يكون هو في الأمة لا تكون للأمة جامعة؛ ألا يجوز في "التجربة " إلا وجه واحد من الجهل والفوضى والكفر، فإن قيل جَربوا الإيمان والتدقيق والنظام لم بكن ذلك شيئاً إلا عبثاً من العبث! ما هو وجه الاستثناء بعد الفضيحة والخزي وتبين المكتوم، وبعد سنة كاملة في "التخبط "، ولا بد من وجه للاستثناء إذا كان لا بد من قانون غير قانون الحالة التي أنت فيها، وإلا كان

هذا فساداً في أصل النظام وعكساً للنواميس، وكنا فيه كالذي ينقض من ركن في بيته ليرمَّ صَدعاً في ركن آخر منه، كأنَّ كل ركن مستقل بنفسه مع أنها أربعة في خراب أحدها خراب جميعها، لأنها لا تراد لنفسها بل لما يَحمِلُ عليها؛ ومرض الخراب لا يُعدي بيتاً من بيت ولكنه يُعدي ركناً من ركن. ومتى اختلفت الجامعةَ المصرية والأمة المصرية واستحرَّ النزاع بينهما فما بقي في حكم العقل أنها جامعة كالجامعات، بل هي وحدة قانونية، كالأقلية في الأكثرية فإن لم تكن فوحدة سياسية في الأمة كالجيش المحتل، فإن لم تكن فوحدة علمية كالطبيب في المرضى، فإن لم تكن فوحدة عقلية كالعاقل في المجانين؛ وكل هذا سب للأمة في ظاهره وهو في الحقيقة سب للجامعة ومَهانة. ولكن الأمة بخير. وفيها أهل الحزم وأهل الرأي وأهل العقل؛ فما قيمة رجل أو رجلين أو بضعة رجال توظفهم الحكومة في الجامعة حتى يستبدوا بالأمة هذا الاستبداد ويتخذوا الجامعة مرتعاً، ويبلغ من غرورهم أن يَسْخَروا من ألف عالم من علماء الدين ويزدروا كل أدباء البلاد ويُصروا على ما فعلوا ويستكبروا استكبار إبليس ويهزأُوا بالأمة ويُلبِّسوا عليها ويزعموا لها المزاعم العريضة كذباً وزوراً! لقد نشرت جريدة "السياسة" أن هذه الجامعة التقية الصالحة اشترت كتاب

ار إبليس ويهزأُوا بالأمة ويُلبِّسوا عليها ويزعموا لها المزاعم العريضة كذباً وزوراً! لقد نشرت جريدة "السياسة" أن هذه الجامعة التقية الصالحة اشترت كتاب طه حسين وانتزعته من السوق فلا يباع ولا يُقرأ، وبهذا أسقطته إسقاطا ذهبياً. . . قالت "السياسة": وقد رضي صاحب الفضيلة شيخ الجامع الأزهر بهذا الحل وسكت، فلم يبق من معنى لشكوى العلماء وذهابهم هنا وهنا (١) و"السياسة" ترمي شيخ الأزهر بالضعف في رأيه وعلمه، لأن ذلك إن صح فالشيخ يعلم أن طه لم يُستتَب ويُجدد إسلامه، وأن كتاب إيمانه. . . الذي نشرته الجامعة إنما كان هزءاً بالأزهر ومن فيه، ورمياً لأهل هذا المعهد الجليل بأنهم مستعبَدُون للحروف والكلمات لا ينفذون إلى أغراضها ودواعيها؛ وقد كتب في ذلك علامة الأزهر الشيخ يوسف الدجوي وسمَّى كتابَ طه حيلة بلهاء لا تجوز إلا على أبله! وهل يجوز في رأي شيخ الأزهر أن تنفق الجامعة على تعليم الكفر من أوقاف المسلمين، ثم تعود فتنفق من هذه الأموال على شراء الكفر من صاحبه.

وما هذا الشراء وما جدواه؟ ألم تعلم الأمة كلها بما في الكتاب بعد أن نشرناه ونشره العلماء أنفسهم في قرارهم الذي حكموا فيه؛ إنما خسرت الأمة مرتين ليربح طه مرتين، وأخذ الكتاب من السوق وبقي المؤلف في الجامعة؛ وما أهون السرقة مرتين على من يسرق مرة ما دام لصاً بطباعه وأخلاقه! ولكن أليس في شراء الجامعةِ الكتابَ ودفعِ ثمنه ما يومئ إلى اتجاه الإبرة المغناطيسية في هذه الجامعة، وأنها إلى الجهة الشخصية المحضة، ألا فنبئوني ما فائدة العدل فيما يسمى القانون إذا نحن لم نأمن الميل الشخصي فيمن يسمى القاضي. وإذا جعلنا شراء الكتاب قياساً فقل لي أنت إن الدجاجة قد باضت ورقةَ بنك أقُل لك أنا لا ريب أن في جوفها مطبعة. . . قل لي استقلال الجامعة أقل لك إنه حماية بعض الأساتذة فيها. . . قل لي حرية التفكير أقل لك إنها حماية فكرة أثيمة. هي كما ترى أرجوحة منطقية لها صندوقان، فلن تقول إن أحدهما قد علا إلا لقنتني الجواب بأن الآخر قد سفل. . . لسنا من أمر هذه الجامعة في صندوقين، ولا شخصين؛ إنما نحن في عمل له ما بعده؛ وقد قلنا للجامعة غير مرة إن علم الأدب الذي تخرجه سيكون علم الأدب في الشرق العربي كله؛ فلم تفهم، فلما أفسدته أفسدناه علمها، ولو لم نفعل لكنا مجرمين آثمين؛ وتالله لهدمُ الجامعة أخف ضررا من هدم التاريخ، لأنها إن تُغلق اليوم تفتح غدا، ولكن التاريخ لو هُدم فمن الذي يبني "هرم كيوبس" غير كيوبس؟

مجرمين آثمين؛ وتالله لهدمُ الجامعة أخف ضررا من هدم التاريخ، لأنها إن تُغلق اليوم تفتح غدا، ولكن التاريخ لو هُدم فمن الذي يبني "هرم كيوبس" غير كيوبس؟

فيلسوفة النمل . . . لقد أضجرني بعضُ الناس وآذَوني بإحسانهم، إذ جعلوا نسختي من "كليلة ودمنة " أكبر همهم من الأدب وأكثرَ قولهم في الكتابة، فأنا كل يوم أتلقى من كتبهم ما لا أقضي منه عجباً، ولا يدرون أنهم بذلك يسبون الجامعة المصرية إذ كيف يبلغ مثلي جسيماً من الأمر في البيان والكتابة وعندنا هذه الجامعة الكبرى وفيها شيء اسمه أستاذ الآداب العربية؛ فلم لا يسألون أستاذ الآداب هذا أن يُبدِع لهم فناً من فنون الكتابة ليدل به على قيمة نفسه ويعلمهم موضعه، ثم يدل بقيمة نفسه وموضعه على مكانة الجامعة؛ والعهد بكل جامعة في الدنيا أن لا يَدرس فيها الأدبَ إلا بليغ مخترع يحمل قلماً كهربائياً في جمعه بين سلكَي الشعر والكتابة، وفي سطوع النور البياني منهما معاً آخِذاً من هذا مادة ومن هذا مادة، فيقذف بالعبارة المضيئة المشرقة تخطف خطف البرق وإنَّ فيها بعدُ لقوةَ السماء وروحاً من روح الكون كله. فإن قالوا إن إستاذ الأدب في الجامعة المصرية رجل سوقى الطبع غليظ الروح مطموس على قلبه، تفْضلُهُ العامة في النكتة البيانية وفي استعداد الطبع الشعري. وفي رقة الروح، وإنه لذلك يعادي البلاغة العربية بجهده لما يعرف من الوهن في كلامه، ومن ذلك ما يزعم أنه "جديد" أي لا يقاس إلا بقياسه هو لا بقياس من فلان وفلان - إن زعموا ذلك قلنا: فالجديد في كل هذا أن الجامعة المصرية تحمل الشهادة على نفسها من هذا الرجل بأنها في إحدى اثنتين: إما غاشة مخادعة، وإما مغفلة مخدوعة؛ فسلوها أيهما هي؟ أما إن طه حسين جديد على الدنيا غريب فيها بنبوغه منفي من ملكوت السماوات محروم لذات الجنة مرسل إلى مصر خاصة ليجدد هذه الأمة ثم يعود إلى سمائه بعد هذا "الانتداب" الإلهي. . . فقد قال كليلة: وإن الجنون قد يكون من بعض العقل، وذلك حين يقطع العقل بالظن الضعيف ويحكم بالرأي القائل وليس مع هذا الظن برهان ولا مع ذلك الرأي دليل، كالذي كان من عقل فيلسوفة النمل.

كون من بعض العقل، وذلك حين يقطع العقل بالظن الضعيف ويحكم بالرأي القائل وليس مع هذا الظن برهان ولا مع ذلك الرأي دليل، كالذي كان من عقل فيلسوفة النمل.

قال دمنة: وكيف كان ذلك؟ قال: زعموا أن نملة خرجت تسعى فيما يسعى له النمل، فأبطات على قَبيلها أياماً وافتقدها جماعتها، وكان يقال لها "طاحين" (١) فلما طال غيابها قالت نملة: يا أيها النمل إن طاحين لبلاء علينا، وهي لصيقة فينا تعَدُّ منا وليست هنا، فإنا نعمل فيما يسرنا الله له من الكدح والدأب على مذهب أسلافنا وعلى العِرْق الذي فينا وهو ميزان فضائلنا وعيار مصالحنا، وطاحين هذه أبداً تعمل على مذهب الزنابير فيما ليس تحته طائل ولا معه فائدة إلا الطنين يذهب في الهواء فلا ينفعنا، واللسعُ يذهب في أجسامنا فيضرنا، وهي تزعم أنها تريد الفائدة لنا ولا تنفك تعمل بزعمها ثم لا تعمل إلا ضراً، فما أحراها أن تذهب بنا جميعا في بعض حماقاتها، وإني أحذركن ما تتورط فيه بجهلها، فإن المصيبة الواقعة بالناس من الرجل الأحمق يقع معها عذره فيكون مصيبة أخرى، وإنا نجد في كتب الحكمة أنه متى اغتر العاقل بالأحمق فتابعه وسكن إليه واتخذه دليلاً لمراشد أموره، كان في الأحمق المأفون حماقة واحدة وفي ذلك العاقل حماقتان! قال: فانتدبت لهاكبيرة من النمل كانت من قبلُ أستاذةَ طاحين، وقالت: ويلك أيتها الجاهلة المغرورة بقديمك وأهل قديمك! ألا تعلمين أن طاحين عالمة هذه القرية ومعلمتها منذ كذا وكذا. وأنها لم تبرح في ألم ومضض وعناء مما تفكر في تجديدنا وإلحاقنا بأمة الزنابير والعصافير، لتكون لنا مملكة في الأرض ومملكة في الهواء؛ أما إنه ليس من الهلاك أن نهلك معها في سبيل التجديد، بل الهلاك والله أن نحيا معك ومع أمثالك في هذه المعيشة المملولة التي لا نن فيها ولا جمال ولا متاع من متاع الطباع الجديدة العابثة الساخرة

سبيل التجديد، بل الهلاك والله أن نحيا معك ومع أمثالك في هذه المعيشة المملولة التي لا نن فيها ولا جمال ولا متاع من متاع الطباع الجديدة العابثة الساخرة الكافرة المستهترة بالفنون ولذاتها ومناعمها، فما نبرح ندأب الساعات الطويلة في جر الحبة والذرة والهنة من الهنات، وبعد أن نكون أضعنا ساعات أطول منها في التماسك والتفتيش عنها؛ ولو قد تشبهنا بغيرنا، ولو قد طرنا، لكانت الحياة أضعاف ما نحيا، والأسباب مطلقة مباحة مَن غَلَبَ سَلَب، والأمور متروكة مخلاة من أقدم لها سُخرت له، وإن أعجز العجز أن لا نكون كلما نريد ولا نريد أن نكون، ولو صدقت هِمة النملة منا ثم أرادتا أن تكون جواداً سابقاً أو فيلاً عظيماً لكانت!

(قالت) : وما أرى طاحين إلا معدِّلة من طباعنا ومجددة في حياتنا، ثم بالغة بنا أسمى منزلة في مصالح الدنيا، وهي لا تجشمنا إلا أن نتبعها، وما في اتباعها كبير تعب ولا صغيرُهُ، وهي فيلسوفة وأنتن جاهلات، فسبيلها ما شاءت لنفسها وسبيلكن ما شاءت لكن! قالت النملة العاقلة: إن هذا فرع ليس من أصله، وإنما نحن أمة من النمل ومعنا من فضيلة الكد والصبر عليه، والدأب والمطاولة فيه، ومن صحة التقدير وحسن التاني للعواتِب البعيدة، ما لو وُزن بمنافع الأجنحة كلها لرجح بعضه على جميعها، وإذا كنا بطيئات وكنا نعمل أبداً فما ضرر ذلك إن كنا لا نسأم أبداً، وإن البطء والقوة إلى زيادة، خير من السرعة والقوةُ إلى نقص، وإنما مثلنا مثل الذي قال: هيهات إن عظمة لا تشترى بذهب الدنيا! قالت النملة: وكيف كان ذلك؟ قالت: زعموا أن رجلاً فقيراً أيسر بعد الخلة الشديدة، وأقبلت عليه الدنيا بعد إدبار طويل، فكانت كالنهر مقبلاً على مصبه: إنما همته أن يندفع لا يثنيه عن ذلك شيء، وكانت لا تطلع شمس يوم إلا جاءته مع أشعتها أكياس الدنانير، كان له شمسين إحداهما ذهب، وذلك من غنى الرجل وتيسيره. وجعلت الأقدار الجليلة تطرق عليه بابه لا تهدأ ولا تنقطع، فما يستقبل نعمة إلا طرقت عليه أخرى، واتخذ الدوابَّ والحاشية والموكب، فركب ذات يوم فنفرت به الدابة واعتراها ما يعتري أمثالها من الهيج والتقحم والمخاطرة، فأذرته عن ظهرها ورمت به كما ترمي بخشبة أو حديدة، فأصابت قدمه حجراً فكسرت كسراً لا انجبار له، فكان لا ينهض بعدها إلا مُتحاملاً ولا يخرج إلا محمولاً، وتضاعفت النعمة وجعلت تفشو وتمد كأنَّ فيها روحَ تيار شديد ينبعث من السماء. قالت: ولما كان يوم العيد خرج على قومه في زينته، فرآه طالبُ عالم فقير كان يمشي مع أستاذه - وكان أستاذه حكيماً - فبهره ما عاين من حال الرجل وقال: يا سيدي، ما أجمل النعمةَ وما أحسن أثرها على صاحبها، وإن الله ليدير حركة الأرض ولكنه ترك للمال أن يدير حركة أهل الأرض فَنَحلُه بذلك شيئاً من الإلهية، وما أشقى المحرومَ وأكثر عناءَ الفقير، فهو المسخر ولا ريب، وليس من البلاء أن مثلي لم يزل يحيا. ولكن البلاء كيف يحيا!

ض فَنَحلُه بذلك شيئاً من الإلهية، وما أشقى المحرومَ وأكثر عناءَ الفقير، فهو المسخر ولا ريب، وليس من البلاء أن مثلي لم يزل يحيا. ولكن البلاء كيف يحيا! فقال الأستاذ: هون عليك يا بني، فإن كل ما تراه فنعلُك خير لك منه، لأنك تنتعل على قدم صحيحة وهذا الرجل ما جاءه الغنى يجري إلا ليقعد هو فلا يمشي! وأنت تظن

أنه يبتاع بذهبه كل ما أحب، على أنه لا يحب إلا عَظمة لقدمه المكسورة. وهيهات أن تبيعه الحياة عظمة بكل ذهب الأرض؟ قال كليلة: وطال الخلاف بين النمل، فإذا "طاحين" مقبلة تسعى. فقالت: ما كنتن فيه بعدي؟ فذكرن لها ما تراجعن فيه القول وما كان الجدال عليه، قالت: ألا دَعْن مثل هذا النمل الدين وإنما نحن نمل الدنيا. وقد كشفتُ لكن عن عالم جديد كان مجهولاً، وسآخذكن إليه فنغمره ونملكه، فاتركن هذا القديم وما كنا نتعايش عليه، وهلممْنَ إلى العالم الجديد وافعلن ما آمركن به. فقالت العاقلة: ما أنا بذاهبة، وما يكون الجديد جديداً باسمه ولكن بمنفعته، ولا منفعة إلا عن يقين، ولا يقين إلا بعد تجربة، ولا تجربة إلا في ملاءمة ومصلحة، فإذا أنكر طبعي أنكرت، وقد قالت العلماء: إن ثلاثاً لا تصلح مع ثلاث: الحياةُ مع المرض، واليقين مع الشك، والطبع مع التقليد. فأنا آخذة بظاهر العمل والحيطة، وتاركة لكن باطنَ العلم والفلسفة وسترين وأرى. قالت الكبيرة من النمل: إنما أنت من أنصار القديم ولن تفلحي أبداً. ونحن ذاهبات على حبك وكرهك، وإنما الدنيا ما يأتي لا ما يمضي، وما يولد لا ما يدفن، وستريننا في عالمنا الجديد أولات أجنحة مَثنى وثُلاثَ ورباع! ثم إنها نظرت لطاحين وقالت: أما قلتِ آنفاً إن هواء ذلك الإقليم ينبت الأجنحهَ! قالت: بلى، وإن هي لم تنبت فقد نظرت في هذا، وسنصنع كما صنع الإنسان حين لم يطر فاتخذ الطيارات، وامتنعت عليه قدرة سُخرت له قدرة تكافئها، فكان من هذا تعديل لهذه، وسنحتال لبعوضة فنأسرها ونذللها تذليلة الآلة في العمل، فتطير بنا مرة وتقع مرة، حتى إذا رُضناها وانقادت لنا وسوينا بين طباعها وطباعنا وأصبحت تطير وتنزل عن أمرنا وتطبعت على الطيران، ولدَت لنا من بعدُ طيارات كثيرة. . .!

Bagian 8 dari 10