— Bagian 9 · ة وتقع مرة، حتى إذا رُضناها وانقادت لنا وسوينا ب… —
Bagian 9
ة وتقع مرة، حتى إذا رُضناها وانقادت لنا وسوينا بين طباعها وطباعنا وأصبحت تطير وتنزل عن أمرنا وتطبعت على الطيران، ولدَت لنا من بعدُ طيارات كثيرة. . .! قال: ثم إنهن تزاحمن صفوفاً مرصوصة ومضين يتبعن "طاحين" وهن يتهامسن أنه ما من منزلة في العلم بعيدة أو قريبة إلا ولهذه الفيلسوفة خطوة هي بالغتُها. . . قال: وينتهين إلى العالم الجديد فإذا. . . وسكت كليلة. قال دمنة: ويحك فإذا ماذا؟
قال: فإذا كُرة صبي ملقاة في ركن من الدار، فقالت طاحين: ههنا ههنا. فهذه هي أرضنا الجديدة! فلم يكن غير بعيد حتى غشينها من جميع جوانبها فإذا هي في رأي العين كأنها مكتوبة بالخير. واستوت طاحين على حَدَبة الكرة تفكر فيما تجدد لهن من واضح وخفي وظاهر ومُخيل، وما لبث الصبي أن عاد من المدرسة وفي جلده لذعات الضرب لأنه لم يحسن كتابة درسه، فأهوى إلى الكرة بيده ثم نظر فإذا هي سطور فوق سطور، فقال: لعن الله الكتابة أدعها في المدرسة فتمشي حروفها إلى الدار ثم رَكضَ الكرة بقدمه ركضة شديدة أتت على نصف النمل وطحنت أسفله بأعلاه، فتهارب الباقيات يسعين إلى نجائهن في كل وجه ومَهرب، وهو يقتفيهن بحذائه ويدوسهن حيث عرضن، فلم ينج منهن إلا قليل ذهبن متضعضعات إلى القرية، فتلقتهن النملة العاقلة وقالت: ما أمر جاء بكن من العالم الجديد؟ فتكلمت نملة وقالت: لعن الله الجديد ومجدده وآخذه ومعطيه، إن كان والله إلا حذاء صبي خبيث ودوساً دوساً وحطماً حطماً، فمن لم تهلك فلن تنسى أبداً أنها من الهلاك رجعت! ولقد مَحصنا الامتحانُ والابتلاء فما كان لنا من جديد مع طاحين المشؤومة إلا أن اشترينا حياة بعضنا بهلاك البقية، ولا جديد في عقل المجنون إلا جنون العاقل.
وبعد فسنفرغ لما كنا فيه من نقد كتاب طه حسين، فقد أبلغنا الحجة على الجامعة حتى انقطعت ولبسها الخزي بإطراقه وذلته، وما كانت أمثال "كليلة ودمنة" إلا من أجلها وعلى تفصيلها؛ فسندع تلك الأمثال لنتم القول في ذلك الكتاب. وما ندعي أننا نتعقب جميع مسائله وفصوله وإنما نختار منه اختياراً، إذ الغرض أن نومئ إلى أصول الخطأ وندل على سقوط الكتاب وبلادة مؤلفه. وأنه لا جديد عند هذه الفئة إلا الوقاحة في العلم. ولو أن طه يقبل منا أو تقبل الجامعة أو تقبل وزارة المعارف لجعلنا لمن يقبل أن يختار أَربع صفحات من هذا الكتاب تكون متتابعة متصلة وليخترها كيف شاء، فإن عجزنا عن إخراج غلط الصفحات الأربع فالكتاب كله صواب، وإن فعلنا فالكتاب ساقط
يختار أَربع صفحات من هذا الكتاب تكون متتابعة متصلة وليخترها كيف شاء، فإن عجزنا عن إخراج غلط الصفحات الأربع فالكتاب كله صواب، وإن فعلنا فالكتاب ساقط
دفعة واحدة؛ وهذه مخاطرة كما ترى، بل هي قمار في النقد، ولكنها تُنهي المعركة بضربة، وما نظن كتاباً في الأدب لمتقدم أو متأخر مهما بلغ من السخف يمكن أن يقامر عليه في النقد بمثل هذه الطريقة، على حين ذلك ممكن في كتاب الجامعة المصرية، حتى ما من رأي فيه للمؤلف إلا هو خطأ من المؤلف، ولا تميز الجامعة السها من القمر! قال في صفحة ١٤٥ وقد ذكر اختلاف الرواة في معلقة امرئ القيس في بعض ألفاظها وبعض أبياتها: "وليس هذا الاختلاف مقصوراً على هذه القصيدة، وإنما يتناول الشعر الجاهلي "كأنه رواه كله. . . " وهو اختلاف شنيع يكفي وحده لحملنا على الشك في قيمة هذا الشعر، وهو اختلاف قد أعطى للمستشرقين صورة سيئة كاذبة من الشعر العربي، فخيل إليهم أنه غير منسق ولا مؤتلف، وأن الوحدة لا وجود لها في القصيدة، وأن الشخصية الشعرية لا وجود لها في القصيدة أيضاً، وأنك تستطيع أن تقدم وتؤخر، وأن تضيف إلى الشاعر شعر غيره؛ دون أن تجد في ذلك حرجاً أو جناحاً ما دمت لم تخل بالوزن والقافية، وقد يكون هذا صحيحاً في الشعر الجاهلي، لأن كثرة هذا الشعر منتحلة مصطنعة، فأما الشعر الإسلامي الذي صحت نسبته لقائليه فأنا أتحدى أي ناقد. . . أن يعبث به أقل عبث دون أن يفسده، وأنا أزعم أن وحدة القصيدة فيه بينة، وأن شخصية الشاعر ليست أقل ظهوراً منها في أي شعر أجنبي، وإنما جاء هذا الخطأ من اتخاذ هذا الشعر الجاهلي نموذجاً للشعر العربي، مع أن هذا الشعر الجاهلي - كما قدمنا - لا يمثل شيئاً ولا يصلح إلا نموذجاً لعبث القصاص وتكلف الرواة" انتهى. وقد كنا نصحنا لـ طه في حديثنا معه أن يتثبت إذا كتب في جملة جملة ومعنى معنى، فإذا فرغ من الإملاء رجع إلى كلامه فعارض بعضه على بعض ليتقي المناقضة، فإنه قد يبني ويهدم على نفسه في بضعة أسطر. وأنت تراه هنا يزعم أن المستشرقين أنكروا الوحدة والشخصية في الشعر العربي، ثم يزعم أن ذلك إنما جاءهم من اتخاذ الجاهلي نموذجاً، فكان
نفسه في بضعة أسطر. وأنت تراه هنا يزعم أن المستشرقين أنكروا الوحدة والشخصية في الشعر العربي، ثم يزعم أن ذلك إنما جاءهم من اتخاذ الجاهلي نموذجاً، فكان المستشرقين هؤلاء لم يقعوا على الشعر الإسلامي، ولو اطلعوا عليه لوجدوا فيه الوحدة والشخصية كما وجدهما طه. فإذا كان المستشرقون من الجهل بهذه المنزلة فما قيمة حكمهم، وإذا كانوا قرأوا الدواوين الإسلامية وطبعوا بعضها فما قيمة كلام طه؛ فإن قال إنهم اطلعوا على الشعر الإسلامي وجهلوا الوحدة والشخصية فيه، قلنا: فكيف يكون الخطأ "إنما جاءهم من اتخاذ الشعر الجاهلي نمودْجاً" وهم يعمون الشعر العربي كله جاهلياً وإسلامياً بالحكم؟
ولو لم يكن من العجيب إلا أن أستاذ الأدب في الجامعة يجهل سبب اختلاف الرواة في ألفاظ الشعر ومواضع أبياته، لقد كان في ذلك وحده ما يخزي الجامعة أشد الخزي، فإن العرب إنما كانوا يحفظون ويتناقلون، وهم قوم - كما قيل - أناجيلهم في صدورهم، فلم يكتبوا ولم يدونوا؛ ومع الحفظ النسيان قليلهُ وكثيره، فإذا نسي أحدهم الكلمة في بيت من الشعر وضع غيرها في مكأنها ليقيمه؛ إذ لا بد أن يرويه أو يتمثل به، ثم يكون غيره لم ينس فيروي الشعر على أصله، فتجتمع روايتان، فإذا كانوا ثلاثة فتلك ثلاث روايات كل منها بلفظ غير الآخر، وهلم جرا. وقد يحفظ أحدهم القصيدة فإذا ردها يوماً على غيره قدم وأخر في بعض أبياتها كما تتفق له حالة الذاكرة في ساعته تلك لا كما حفظها من قبل، إذ ليس عنده أصل مكتوب يعارض عليه، ويصنع غيره مثل هذا الصنيع بضرب آخر من التقديم والتأخير كما يتهيأ لذاكرته، ثم يكون غيرهما قد رواها وثبتت في حفظه فلم تختلط، فيأتي من ذلك في القصيدة الواحدة ثلاث روايات متعارضة، وإذا كثرت أبياتها كثرت رواياتها على حساب ذلك. وقد فصلنا أسباب هذا الاختلاف على أكثر وجوهه في الجزء الأول من "تاريخ آداب العرب" فلا محل لإعادته هنا. وإذا كانت الوحدة والشخصية الشعرية لا توجدان في الشعر الجاهلي لأنه من عمل القصاص وتكلف الرواة، وكانتا موجودتين في الشعر الإسلامي الذي صحت نسبته لقائليه - فقد وجب إذن أن توجد في الشعر المصنوع على الجاهلية شخصية صانعيه على الأقل، لأنه موضوع بعد الإسلام، ولأن نسبته إلى قائليه "صحيحة" إذا لم تُقله الحجارة دوإنما قاله شعراء علماء يضعون الجيد ويحسنون حَوكه وصنعته، ومن ذا يستطيع أن يضع على امرئ القيس والنابغة والأعشى وغيرهم ثم ينخدع له علماء الشعر فيحملون كلامه ويروونه إلا إذا كان فحلاً مجوداً مبدعاً يعرف كيف يصنع وكيف يحتذي! فإذا كان كذلك فكيف يغفل هذا الفحل عن الوحدة والشخصية فيما يقلده. وإن غفل فأين تذهب شخصيته هو؟ وما هي هذه الشخصية الشعرية عند طه؟ يقول في صفحة ١٦٠ في ترجمة مهلهل الذي قيل إنه سُمْي بذلك لأنه
- " هلهل الشعر أي أرَقه: (وليس من شك في أن شعر مهلهل مضطرب فيه
ه الشخصية الشعرية عند طه؟ يقول في صفحة ١٦٠ في ترجمة مهلهل الذي قيل إنه سُمْي بذلك لأنه
- " هلهل الشعر أي أرَقه: (وليس من شك في أن شعر مهلهل مضطرب فيه
- هلهلة واختلاط، ولكنا نستطيع أن نجد هذه الهلهلة نفسها في شعر امرىء القيس وعبيد وابن قميئة وكثير وغيرهم من شعراء العصر الجاهلي، فقد
كانوا جميعاً مهلهلين إذن؛ غير أننا لا نستطيع أن نطمئن إلى أن يهلهل شعراء الجاهلية جميعاً الشعر بحيث يصبح لكل واحد منهم شخصيات شعرية مختلفة تتفاوت في القوة والضعف وفي الشدة واللين وفي الإغراب والسهولة، وإذن فمن الذي هلهل الشعر؛ هلهله الذين وضعوه من القصاص والمنتحلين " انتهى. فالشخصية عنده هي الجزالة والفخامة أو الرقة والسهولة، كان كل شاعر لا يكون شاعراً إلا إذا لزم نمطاً واحداً بعينه، وهذا خطأ مبين وضلال بعيد. فليس من شاعر قديم أو حديث، بل ليس شاعر يُعد شاعراً إلا إذا أعطى المعاني خير ألفاظها؛ جزلة في مقام الجزالة ورقيقة في مقام الرقة؛ ولا تجد من يلزم طريقة واحدة في اختيار اللفظ إلا إذا لزم فناً واحداً في المعنى، كالشاعر الغَزِل المتهالك في نسيبه، فإن هذا الغزل لا تحسن فيه إلا ألفاظ في رقة الدموع والتنهدات، وأنت تعرف أن بشار بن برد هو القائل: إذا ما غضبنا غضبة مُضَرِّية. . . هتكنا حجاب الشمس أوقطرت دَما إذا ما أعرنا سيداً من قبيلة. . . ذرَا منبر صلى علينا وسَلما! وهو القائل في جاريته "ربابة": ربابة ربةُ البيت. . . تصب الخل في الزيت لها عشر دجاجات. . . وديك حسن الصوت قد قيل له في ذلك فقال: إن هذا في ربابة خير من قول امرئ القيس في معلقته، وذلك قول صحيح، لأنه يعبث بربابة ويداعبها، ويكاد شعره يكون قرصة رقيقة في جلدها. . . ْوثم تعريف آخر للشخصية عند طه، فإن المضطرب لا يستقر على شيء. قال في صفحة ١٧٧ وقد أورد شعر طرفة بن العبد: ألا أيهذا الزاجري اخضُرَ الوَغى. . . وأن أشهدَ اللذات هل أنت مُخلِدي فإن كنتَ لا تسطيعُ دفع منيتي. . . فدعني أبادِرها بما ملكت يدي ولولا ثلاث هن من عيشة الفتى. . . وجَدك لم أحفِل متى قام عُودي فمنهن سَبقي العاذلات بشربة. . . كمَيْتٍ متى ما تغلَ بالماء تزبد.
أبادِرها بما ملكت يدي ولولا ثلاث هن من عيشة الفتى. . . وجَدك لم أحفِل متى قام عُودي فمنهن سَبقي العاذلات بشربة. . . كمَيْتٍ متى ما تغلَ بالماء تزبد. وكرِّي إذا نادى المضاف محنباً. . . كسيد الغضا نبهته المتورد. وتقصير يوم الدجن والدجن معجب. . . ببهكنَة تحت الخباء المُعَمد!
قال: "في هذا الشعر شخصية بارزة قوية لا يستطيع من يلمحها أن يزعم أنها متكلفة منتحلة أو مستعارة. وهي شخصية ظاهرة البداوة واضحة الإلحاد.. بينة الحزن واليأس والميل إلى الإباحة.. في قصد واعتدال، هذه الشخصية تمثل رجلاً فكر والتمس الخير والهدى فلم بصل إلى شيء "سبحان الله" ثم قال: ولست أدري أهذا الشعر قد قاله طرفة أم قاله رجل آخر، وليس يعنيني أن يكون طرفة قائل هذا الشعر، بل ليس يعنيني أن أعرف اسم صاحب هذا الشعر. إنما الذي يعنيني هو أن هذا الشعر صحيح.. لا تكلف فيه ولا انتحال! انتهى. . . فانظر كيف تفهم هذا الخبط، وهل كل شعر يقوله شاعر إلا هو صحيح لا تكلف فيه ولا انتحال بالإضافة إلى قائله، ثم هو بعد ذلك إذا نسب إلى غير قائله كان موضوعاً على هذا الذي نسب إليه؛ وإذا نحن ذهبنا هذا المذهب في كل ما يروى عن الجاهلية فقلنا لا يعنينا أن يكون قائل هذا الشعر فلاناً أو غيره ولم ننظر إلا في الشعر نفسه، فماذا يبقى من كتاب طه حسين وما فائدة بحثه في الشعر الجاهلي، وإنما يقوم هذا البحث على إثبات الشعر لمن عُزي إليهم أو نفيه عنهم بعد الإدلال بالحجة على هذا وعلى ذاك، "ولا يعنيني" تطلق البحث من هذين القيدين معاً؟ على أن معنى الشخصية هنا هو العاطفة والنزعة والفكرة الفلسفية، فإذا قال طرفة هذه الأبيات كانت فيها شخصيثه الشعرية وإذا قال أبياتاً مثلها قوة ورصانة في وصف الناقة لم يكن من سبيل إلى أن تكون فيها شخصيته عند طه، إلا إذا كان الشاعر جملاً من الجمال! . . . كل هذا وذاك خلط يقلد الرجل فيه الإفرنج؛ لأنه لا يعرف ما هو الشعر العربي ولا كيف يصنع؟
ن فيها شخصيته عند طه، إلا إذا كان الشاعر جملاً من الجمال! . . . كل هذا وذاك خلط يقلد الرجل فيه الإفرنج؛ لأنه لا يعرف ما هو الشعر العربي ولا كيف يصنع؟ فإن الشخصية في هذا الشعر ليست شخصية أفراد ولكن شخصحية أحزاب وجماعات، فجماعة يلزمون طريقة الجزالة والقوة فيقلد بعضهم بعضاً في ذلك فيستوي شعرهم في الطريقة على اختلافهم وتعدد أشخاصهم، وآخرون يؤثرون الرقة والسهولة ويأخذ أحدهم مأخذ الآخر فيتشابه شعرهم كذلك. وقل مثل هذا في الصناعة البيانية، ومثله في عمود الشعر، كشعراء الشيعة وشعراء الفلسفة والحكم والأمثال.. الخ الخ، وكل نوع من هذه الأنواع يجمع شخصية طائفة، فلست بمستطيع أبداً أن تقول: هذا غزل فلان وهذا غزل فلان، تعرف ذلك من شخصية في كل منهما، أو هذه أمثال فلان وهذه أمثال فلان. إنما تختلف الطريقة والصنعة؛ كبديع مسلم وأبي تمام وطبقتهما، وكطبع
البحتري وأشجع السلمي وجماعتهما، وأمثال ابن عبد القدوس والمتنبي ومن يذهب مذهبهما، وفسق أبي نواس والخليع وأمثالهما، وزندقة المعرِّي ومن أعماه الله بعماه؛ وقس على ذلك، فإن الصناعة الواحدة تُقارب بين أهلها إن كانت بديعاً أو لغة أو غيرهما. ومن المضحك قول طه إنه يتحدى أي ناقد أن يعبث بالشعر الإسلامي "أقل عبث" دون أن يفسده، فليأت هو بقصيدة واحدة لا يمكن فيها تغيير لفظ بلفظ وتقديم بيت على موضعه أو تأخيره عن موضعه؟ وإن كان هذا مما يفسد الشعر فأول من يعبث بالشعر قائله الذي وضعه، لأنك ترى الشاعر يعمل القصيدة وفيها البيت من الأبيات وموقعه الثالث أو الرابع مثلاً، ثم يخرجها فإذا هذا البيت بعينه هو الثلاثون أو الأربعون، ولا يختل نظم القصيدة ولا عمود الشعر إن كان هنا أو هنالك. وما هي وحدة القصيدة إذا كانت تبدأ بالنسيب ثم تخرج إلى الوصف ثم تميل إلى الحكمة ثم تنتهي إلى المدح، وأنت في كل ذلك تفصل الكلام بالمثل بعد المثل. ولو حذفتَ النسيب والأمثال من قصائد المدح لاستقام المدح ولم يفسد الشعر. إن الشعر العربي خاضع لقوافيه ما من ذلك بعد، فالقافية واختلاف معانيها قبل الشاعر وعمله وفكره وشخصيته، وانظر كيف يصنع هذا الشعر: قال ابن رشيق: كان أبو تمام ينصب القافية للبيت ليعلق الأعجاز بالصدور؛ وذلك هو التصدير في الشعر، ولا يأتي به كثيراً إلا شاعر متصنع كحبيب ونظرائه، والصواب أن لا يصنع الشاعر بيتاً لا يعرف قافيته. قال: ومن الشعراء من يسبق إليه بيت واثنان وخاطره في غيرهما يجب أن يكونا بعد ذلك بأبيات أو قبله بأبيات. وذلك لقوة طبعه وانبعاث مادته؛ ومنهم من ينصب قافية بعينها لبيت بعينه من الشعر، مثل أن تكون ثالثة أو رابعة أو نحو ذلك، لا يعدو بها ذلك الموضع إلا انحل عنه نظم أبياته. "وذلك عيب في الصنعة شديد ونقص بيق ". . . ومنهم من إذا أخذ في صنعة الشعر كتب من القوافي ما يصلح لذلك الوزن الذي هو فيه، ثم أخذ مستعملها وشريفها وما ساعد معانيه وما وافقها واطرح ما سوى ذلك، إلا أنه لا بد أن يجمعها ليكرر فيها نظره ويعيد عليها تخيره في حين العمل وهذا الذي عليه حُذاق القوم.
ريفها وما ساعد معانيه وما وافقها واطرح ما سوى ذلك، إلا أنه لا بد أن يجمعها ليكرر فيها نظره ويعيد عليها تخيره في حين العمل وهذا الذي عليه حُذاق القوم. قلنا: ولو كان شيخ الجامعة "من حُذاق القوم" لعرف أنه لا يعيب
الشعر العربي ولا ينقصه إلا القافية، كما أنه لا يحسنه ويزينه إلا هذه القافية نفسها؛ فإذا قلنا الوحدة والشخصية، عابته القافية من جهة ما، وإذا قلنا التأثير والتمكين والموسيقى والنغم وقوة السبك والاتساع في المعاني ودلالة بعض الكلام على بعض، كانت القافية هي تمام الحسن. وهذه القافية الواحدة في القصيدة هي أعسر الأشياء في - الشعر الإفرنجي، فلما انطلق شعراؤه منها جاؤوا بالشعر كما يجيء أحدنا بالمقالة من النثر: جُملاً معلقة على جمل وسطوراً مرتبطة بسطور؛ فمن ثم معنى الوحدة في الشعر الإفرنجي وما هي بشيء عندنا لأن لغتهم قليلة الزخرف ضئيلة المادة، على أننا إذا نوعنا القوافي والبحور جاريناهم وسبقناهم لو أن عندنا أمة تطلب الشعر؛ فإن الشعر العربي بعد الأمويين لم يزل شعر فئة لا شعر أمة، وقد بيَّنا هذا المعنى في مقالة نشرها "المقتطف " الأغر. إن للشعر العربي على طريقته المعروفة حيزاً من النفوس يجب أن يقر فيه ولا يعدوه، - فإن مداره على التأثير، فإذا أردته - على غير ذلك كنت كالذي يتناول العود أو الكمنجة ليتخذ من أحدهما هراوة يضرب بها! ونمسك الآن عن إتمام هذا البحث لأن له موضعاً في الجزء الثالث من كتابنا "تاريخ آداب العرب" ونحن ندخره لموضعه. غير أنا نختم القول بطرفة بديعة في الشخصية قالوا: كان ابن أبي المولى من شعراء المدينة، وكان موصوفاً بالعفة وطيب الإزار؛ فأنشد عبد الملك بن مروان شعراً رقيقاً يقول فيه: أبكي فلا ليلى بكت من صبابة. . . لباك ولا ليلى لذي البذل تبذل واخنَعُ بالعتبى إذا كنت مذنباً. . . وإن أذنَبَت كنتُ الذي أتنصل فرق له عبد الملك وأخذته هذه الشخصية العاشقة المحترقة، فقال من
لا ليلى لذي البذل تبذل واخنَعُ بالعتبى إذا كنت مذنباً. . . وإن أذنَبَت كنتُ الذي أتنصل فرق له عبد الملك وأخذته هذه الشخصية العاشقة المحترقة، فقال من
ليلى هذه؟ إن كانت حرة زوجتكها! وإن كانت أمة لأشترينَّها لك بالغة ما بلغت. قال الشاعر: كلا يا أمير المؤمنين، ما ليلى التي أنسب بها إلا قوسي هذه سميتها ليلى. . .؟ لأن الشاعر لا بد له من النسيب. فيا ليلَى يا ليلَى. كل يغني على ليلاهُ متخذاً. . . ليلى من الناس أو ليلى من الخشب!
مسلم لفظاً لا معنى . . . كنت أوردت في المقال الذي عنوانه "قال دمنة. . . " مثل الخطيب الزنديق الذي غره الضعف من نفسه طيشاً ولؤماً، وغرته القوة من الناس حلماً وتكرماً، فطاش ولؤم بمقدار ما تغافلوا وكرموا وزعم له شيطانه أن الكفر لن يكون في مثل هؤلاء الجامدين كفراً إلا في المسجد الجامع، وعلى المنبر، وفي يوم الجمعة. ولما أوفى دمنة على مهوَى المثل وأنشأ ينحدر إليه، كانت بقية الصحيفة مقطوعة من نسختي، فقلت لعل في القراء من تكون عنده نسخة غيرها فيعارض عليها ويأتينا بما يكمل هذا، فلم يتمه أحد إلى اليوم وقد كاد ينسلخ الشهر! ثم إن جريدة "السياسة" اليومية نشرت مقالاً لـ طه حسين يرمي فيه علماءنا بالجمود والجهل، ويغري بهم نواب الأمة وشيوخها، ويخرجهم مخرج المتطفلين على هذه الأمة وعلى التاريخ والعصر، وكأنه حسب - أصلحه الله - أن البرلمانيين نُسَخ من نفسه أخرجتها مطبجة الجامعة. . . أو كأنه لا يعلم أن نفسه هذه كتاب مهماً تجهد الأبالسة في نشره لا تنشر منه في أمة يكون فيها الأزهر وعلماؤه والعربية وأدباؤها أكثر من عشر نسخ نصفُها في الجامعة المصرية وحدها. . . ثم خرجت "السياسة" الأسبوعية وفيها مقال آخر للشيخ (أبي مرغريت) في فلسفة العلم والدين والجمع بينهما؛ فلم يعد يسعُني في الدين وهو ميثاق، ولا يجمل بي في الأدب وهو أمانة، إلا أن أجد بقية مَثلِ الخطيب. فنفضت بيت كتبي نفضاً حتى أصبت القسيمة الضائعة من تلك الصحيفة. فإذا فيها ما نسخته: قال دمنة: فلما كانت الجمعة والتقى الناس لأداء المكتوبة، جاء الخطيب
- وكان رجلاً ضريراً - فشق المسجد حتى صعد المنبر، فتنحنح وسعل، وقال:
فيها ما نسخته: قال دمنة: فلما كانت الجمعة والتقى الناس لأداء المكتوبة، جاء الخطيب
- وكان رجلاً ضريراً - فشق المسجد حتى صعد المنبر، فتنحنح وسعل، وقال: أيها الناس، لقد وقع في قلبي الرثاء لكم، وداخلتني الشفقة عليكم؛ فما أغشكم
بعد اليوم ولقد غششتُ من قبلُ إذ كنت لا أقول ما أعلم، فلن أجمع على نفسي بين ما ترونه كفراً وما أراه غشاً؛ لقد كنت أقول لكم: "عباد الله" وإنما أنتم عباد أنفسكم، فإن رجلاً عربياً وضع لكم شرعاً وكتاباً لفق فيه من خرافات الأعراب الذين يبولون على أعقابهم، ثم مضى لسبيله فتوهمتم ديناً وإلهاً، وتعبدتم لهذا وتعلقتم بذلك، فَوَهمكم تعبدون، وأنفسكم تؤلهون، وزعمتم أن الوحي كان ينزل كلاماً، ولو نزل كلاماً للمهتدين لنزل حجارة على الكافرين. . . ولما انتهى إلى هذه الكلمة من قوله، أصابته حصاة في وجهه، حَصَبَه بها رجل من عُرض الناس، فقال: ها! كأنكم توهمونني أن السماء ترد علي بهذه الحصاة، ولكن من أين جاءت؟ جاءت من ناحية الباب لا من ناحية السقف، وليس أحد على الباب، وليس أحد إلا في المسجد، فمن المسجد أصِبت. وهذا هو المنطق. فرماه أحدهم بنعل صكت وجه، فقال: وهذا دليل آخر، فما كانت السماء لترسل نعالاً؛ وهذه النعل كما أتحسسها نعل (مطينة) وليس في السماء طين فمن أين جاء الطين؟ جاء من الأرض، وكانت النعل في قدم أحدكم فالتاث بها فمنكم أصِبتُ، وهذا هو المنطق. فتصايح الناس وقالوا: أيها الشيخ إن أول الغيث قطر وينسكب، وهذا هو المنطق. . . " ثم انهمرت عليه نعالهم حتى ملأت جوف المنبر ودفنوه فيها دفناً، ثم تركوه وتركوها له ومشوا حفاة يرون أنهم يُغبرون أقدامهم في سبيل الله. قال دمنة: ثم إن شيخاً كان معهم فخالفهم إلى المسجد وتسوَّر المنبر حتى علاه، فكشف عن وجه الخطيب المسكين وكان في برزخ بين الدنيا والآخرة، فتنفس حتى ثابت إليه روحه، ثم قال له: أيها الغبي، لقد كنت عالماً تكفر في نفسك وفي رأيك، فتركوا لك رأيك ونفسك ولم يضطروك إلى ما تكره وخَلاك ذَمٌّ؛ ولكنك كنت رجلاً حمِقاً مخذولاً، لا تعرف موضع رأسك من مواضع رؤوس الناس، فلما أبيت إلا أن يكون على كل عنق مثلُ وجهك الدميم، وأبيت إلا حملهم على كفرك، وجعلت باطلك أمير حقوقهم؛ وأبيت إلا أن تسمى فيهم رأساً وما يعرفونك إلا ذيلاً كان منهم ما رأيت، فعرَّفوك أيها العالم العظيم قيمةَ علمك، إذ أهدوا إليك مكتبة عظيمة كل "مجلداتها" نعال. . .
أن تسمى فيهم رأساً وما يعرفونك إلا ذيلاً كان منهم ما رأيت، فعرَّفوك أيها العالم العظيم قيمةَ علمك، إذ أهدوا إليك مكتبة عظيمة كل "مجلداتها" نعال. . .
فقال الخطيب: ولكنهم أهانوا المسجد وانتهكوا حرمته وأبطلوا الصلاة. . . فقال الشيخ: يا رقيع! ما أراك الساعة تتكلم إلا بلسان من نعل. . . قم أخزاك الله! فلو أنهم عرفوك بهذا الثقل لأهدوا إليك مكتبة أخرى من الحجارة! قرأنا ما كتب طه في العلم والدين فإذا منزلة الأستاذ في العلم كمنزلته في الأدب، وهو مقلد فيهما جميعاً لا يصحح شيئاً على وجهه، لأن ملكة التمييز فيه ضعيفة، ومن ضعفها استطال علىَ الحقائق غروراً ومكابرة وجرأة، يحسب في ذلك تغطية لجهله وخطئه، إذ كان في منصب علمي كبير وليس معه من وسائل العلماء في حدة الذكاء وصحة الاستنباط، ولا من أخلاقهم في الأناة والتثبت، ولا من أوصافهم في الإقرار والتسليم إذا توجهت الحجة وقام الدليل، بل هو ما ترى من خبط إلى هوج إلى حمق إلى سورة كسورة السكارى في الهذيان والعربدة. . . ولقد يقتلع المرء جبلاً من الأرض يمتلخه من عروقه فيفرغ منه، ولا يقتلع غلطة من نفس طه وإن شهد الملأ من الناس على أنها غلطة وعلى أنه لا يقوم فيها عذر؛ حدثني فلان قال: ناظرت هذا الشيخ طه يوماً فلما ضيَّقت عليه وانقطع وصار بين التسليم أو البَهتِ، قال: لا أريد أن أقتنع! ، وانظر أنت أي رأي يستقيم في هذه الدنيا مع "لا أريد أن أقتنع" وهي كلمة تأكل الأدلة والبراهين كما تأكل الناس الحطب: كلما ازدادت من الأكل ازدادت من الجوع. مهد طه لرأيه بأن أعلن لشيخ الأزهر ولعلماء الدين أنه مثلهم مسلم، ثم قال: "والفرق بيني وبين الشيوخ أني مسلم حقًّا أفهمُ الإسلام على وجهه ": فيا أرض ابلعي، فهذا مستنقع لا رجل؛ أهو مسلم حقاً وشيخ الأزهر والعلماء مسلمون "لاحقا" وهم لا يفهمون الإسلام على وجهه مثل طه لأنهم لم يكذبوا القرآن ولم ينكروا النبوة مثل طه! . . . لا يستقيم الكلام على ما تفهم من أوضاع اللغة العربية إلا إذا كان لـ طه
الإسلام على وجهه مثل طه لأنهم لم يكذبوا القرآن ولم ينكروا النبوة مثل طه! . . . لا يستقيم الكلام على ما تفهم من أوضاع اللغة العربية إلا إذا كان لـ طه شيء خاص يسميه إسلاماً؛ فمن ثم تنشأ الفروق الكثيرة بينه وبين شيخ الأزهر والعلماء؛ وهذا الشيء الخاص على ما يظهر هو حرية الفكر والرأي، يفهم على قدر ضعفه ويعمل على قدر ميله، ويخطئ والخطأ عنده إسلام، ويضل والضلال إسلام، ويفجر والفجور إسلام، ويكفر والكفر إسلام ويسب الإسلام وذلك إسلام أيضاً!
ليت شعري إلى كم يتنطع. هؤلاء المساكين في معنى حرية الفكر والرأي. فاسمع يا طه: قال دمنة: ثم إن هذه الدباجة كانت تزعم لنفسها حرية الفكر، وتنسى أن للفكر شروطاً كثيرة لم تجتمع لها، وأن حرية الفكر في مثلها هي حرية الجناية عليها وحرية الجناية منها، فرأت جملاً بازلاً كالقصر العظيم يقوده طفل صغير، فهالها ما رأت من عظمه وقوته، ووقع من نفسها ما علمت من لينه ومطاوعته. فقالت للدحاج: إني قد فكرت في الترفيه عنا، فسنتخذ لنا خادماً قوياً نمتهنه فأخذت في منقارها زمام الجمل وجاءت به تقوده، فلم يكد يضع خفه في تلك التماريد " الأقفاص" حتى هشمها وتفلق البيض وهلكت الفراريج وطاح الدجاج في كل ناحية، وفهمن من مصيبتهن ما لم يفهمن من عقولهن، وهذا كله على أن الجمل لم يضع إلا رجله في بيت الدجاج، فكيف لو ذهب وجاء فيه كما يفعل الخادم في الخدمة. . .؟ ثم قال طه، "إن العالم ينظر إلى الدين كما ينظر إلى اللغة، وكما ينظر إلى الفقه، وكما ينظر إلى اللباس، من حيث أن هذه الأشياء كلها ظواهر اجتماعية يحدثها وجود الجماعة وتقع الجماعة في تطورها، وإذن فالدين في نظر العلم الحديث ظاهرة كغيره من الظواهر الاجتماعية، لم ينزل من السماء ولم يهبط به الوحي، وإنما خرج من الأرض كما خرجت الجماعة نفسها وإن رأي "دوركيم" أن الجماعة تعيد نفسها، أو بعبارة أدق "أنها تؤله نفسها" "يريد أنها تخترع الإله بفكرها ثم تعبده، فهي تعبد فكرها وتؤله نفسها"
اعة نفسها وإن رأي "دوركيم" أن الجماعة تعيد نفسها، أو بعبارة أدق "أنها تؤله نفسها" "يريد أنها تخترع الإله بفكرها ثم تعبده، فهي تعبد فكرها وتؤله نفسها" وأن النصيحة أن يقال الحق للناس، وهو أن الدين في ناحية والعلم في ناحية أخرى وليس إلى لقائهما سبيل. . . وأن العلم لا يقبل تأويلاً، فهو إذا زعم لك أن الأرض كرة وأنها تدور حول الشمس لن يقبل منك أن تؤوله أو تحوله عن وجهه، كما أنه لن يقبل منك أن تؤول أو تحول قواعد الحساب وأصول الرياضة. وإذن فالتأويل يتناول نصوص الدين وحدها، وهؤلاء المؤولون يفسدون نصوص التوراة والقرآن ويحملونهما غير معناهما، ليوفقوا بينهما وبين العلم؛ هم يأتون بتوراة جديدة وقرآن جديد، وهم يفهمون التوراة والقرآن (لا يذكر إلا التوراة والقرآن) ، أما الإنجيل فيظهر لنا أنه في شفاعة زوجه المسيحية. . .) فهماً لو
سُئل عنه السلف من المسلمين واليهود أما النصارى ففي شفاعة. . . " لأنكروه أشد الإنكار. ثم يرى طه أن من الممكن أن يكون الإنسان ذا دين يؤمن بما لم يثبته العلم، ويكون عالماً لا يقر ما لم يثبته العلم قال: فكل امرئ هنا يستطيع إذا فكر قليلاً أن يجد في نفسه شخصيتين ممتازتين. إحداهما عاقلة تبحث وتنتقد وتحلل "يعني وتكفر" وتغير اليوم ما ذهبت إليه أمس، والأخرى شاعرة تلذ وتألم وتفرح وتحزن وترضى وتغضب في غير نقد ولا بحث ولا تحليل، وكلتا الشخصيتين متصلة بمزاجنا وتكويننا، لا نستطيع أن نخلص من إحداهما. فما الذي يمنع أن تكون الشخصية الأولى عالمة باحثة نافذة، وأن تكون الشخصية الثانية مؤمنة ديانة مطمئنة طامحة إلى المثل الأعلى؛ وأنا أؤكد أن هذا اللون من الحياة النفسية وحده هو الذي يكفل السلم بين العلم والدين، وهو أيسر على المسلم منه على اليهودي والنصراني. فأما أن تقف موقف المؤولين فتغير النص وتحمله ما لا يطيق، فإنك لا تنصر الدين ولا تؤيده، وإنما تفسده وتنزله عند إرادة العلم، وتعترف بأن السلف كله كان خاطئاً حين فهم الكتاب على غير ما تفهم وعلى غير ما يفهم العلم.. ما لك لا تدع للعلم حركته وتغيرَه، وللدين ثباته واستقراره؛ إنك إنما تجعل الدين هزءاً وسخرية بإخضاعه لهذا النوع من العبث الذي يسمى تأويلاً، وخير من هذا النحو من العبث وإفساد النصوص الإلحادُ الصريح ". انتهى، كلام طه بحروفه، وتلك خلاصة مقالة لم ندع منها إلا الحشو وإلا ما هو زيادة في الكفر أو ما لا طائل تحته، وأنت تراه يدير الكلام على نفسه ويقيم لنفسه المعاذير مما فعل في دروس الجامعة ومما سيفعل، فإن مقاله هذا مصارحة للأمة كلها بالعداء، وإصرار على ما أنكرته منه، وإعلان إليها أنه لن يتغير، وأنه سيجحد ملء نفسه وعقله، وأنه مُرصِد لها ولدينها؛ ثم يزعم للناس أنه مع ذلك مسلم مؤمن، والمقال بجملته تفسير وتوجيه وتعليل لكفر الرجل بحجة العلم يريد أن يثبت فيه أنه من الممكن أن يكون مثله كافراً أشد الكفر على اعتبار أنه عالم يبحث بعقله، ثم لا يمنع ذلك أن يكون مؤمناً أقوى الإيمان على اعتبار أنه شاعر يحتوي الإيمان في شعوره! وليس يخفى أن الشعور محل الغفلة.
ى اعتبار أنه عالم يبحث بعقله، ثم لا يمنع ذلك أن يكون مؤمناً أقوى الإيمان على اعتبار أنه شاعر يحتوي الإيمان في شعوره! وليس يخفى أن الشعور محل الغفلة.
كما أن العقل محل الخطأ، فلمَ يكون الشيخ كافراً ومؤمناً في عقله وشعوره، ولا يكون في فلسفته هذه مغفلاً من ناحية ومخطئاً من ناحية أخرى؟ وهل يجتمع هذا التناقض إلا في عقل واهن ضعيف كعقل الأستاذ؛ وإلا فمن هذا الذي يعقل أن نفي النبوة والوحي وتكذيب الكتب السماوية هو على وصف من الأوصاف علمٌ وعقل، وعلى وصف آخر دين وإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله، ويكون اجتماع الوصفين في رجل واحد شخصيتين لهذا الرجل الواحد؟ وفي أي عقل أن في النفي إثباتاً لما تنفيه، وهما نقيضان ولا يجتمع نقيضان معاً في هذا الكون كله، فإن هذا الكون نواميس لا تعرف حرية البحث ولا حرية الرأي، وليس فيها ناموس مختل اسمه طه حسين، وحكم الشرع أنك متى كفرت فقد كفرت، لا يُقبل منك عدل ولا صرف حتى ترجع عن رأيك وتتوب منه وتجدد إسلامك. ثم من الذي يسمي الشعور شخصية والعقلَ شخصية، وفي أي تفسيم هذا؛ وعلى هذا القياس فالنسيان شخصية والذكر شخصية، والإنسان كله شخصيات، أي كله أناس؛ إنما الشخصيتان في عرف العلماء أن يكون لامرئ من الناس حالة معينة من عيشه وعمله فيؤخذ عن نفسه بضرب من الذهول يغيره ويحيله إلى شخص آخر، فتراه ينكر اسمه ونفسه وأهله وعمله ويذهب في نحو غير ذلك من الحياة كأنه رجل غير الذي كان بل كان روحاً أخرى تقمصته؛ ثم يزول ما اعتراه فيرجع إلى شخصه الأول ويعود إلى سيرته الأولى؛ وذلك عندنا محض هذيان، فإنا لا نقول بالتقمص ولا بالتسربل، ولا نرى مثل هذا إلا قد اعتراه شيء في مركز من مراكز المخ فجعل يقظته كأنها حلم، حتىْ إذا زال العارض رجع إلى وعيه وثاب إلى نفسه (١) . يخلط طه في معنى العلم ومعنى الدين فيذكر أنهما لا يلتقيان إلا إذا نزل أحدهما للآخر عن شخصيته، ويزعم أن العلم لا يرى الدين إلا قد خرج من الأرض كما تخرج الجماعة، فمتى قطع العلم على أن الجماعة الإنسانية خرجت من الأرض وقد أخذ مذهب دارون يتصدع ويتخرب على زلازل القلم وانحياز ناموس النشوء عن هذه الجهة الحيوانية؟
، فمتى قطع العلم على أن الجماعة الإنسانية خرجت من الأرض وقد أخذ مذهب دارون يتصدع ويتخرب على زلازل القلم وانحياز ناموس النشوء عن هذه الجهة الحيوانية؟
ومتى كان العلم يبحث في الأديان على أنه علم؛ وكيف له أن يبحث فيها وهو مقصور بطبيعته وتحديد هذه الطبيعة على ما يدخل في "باب الأدلة الحسية، ولا وسائل له إلا وسائل الحس المعروفة من البحث والاستقراء والمقابلة والاستنباط، دون ما يتصل بالمعاني العقلية المحضة مما هو نظري فلسفي كالمعاني التي يرجع إليها الدين؛ إنه ليس بعلم ما يجاوز تلك الحدود المسورة بأسوار البحث والامتحان بحيث لا تخرج منه النتيجة الصريحة التي برهانها الحس واليقين دون الظن والجدل. وما العلم في حقيقته إلا سؤال هذا الكون الغامض بالوسائل التي يستطيع الإنسان أن يسأله بها، ثم تَلقي الجوابِ منه بالطريقة التي تجيب بها الطبيعة من إظهار منافعها ومضارها وعللها ونواميسها، وهذا الإنسان لا وسيلة له فيما وراء عقله، فلن يستطيع أن يسأل الكون من ذلك عن شيء، وإن هو سأل كما ترى من بعض الملحدين الذين ينتحلون العلم انتحالاً فإن الطبيعة لن تجيبه بشيء، إذ كان السؤال لا ينتهي إليها بالطريقة التي تستخرج منها جواباً أو تقتضيها عملاً. ومن أجل ذلك لم تكن أمثال هذه الأسئلة الإلحادية إلا اضطراباً في عقول أصحابها أو تعنتاً منهم على الأديان وأهلها، وما هي من العلم ولا هو منها في سبب ولا غاية، فقول طه مثلاً إن قصة بناء الكعبة خرافة، وإن إبراهيم وإسماعيل شخصان وهميان - لا يُعد علماً، بل حمق محض؛ فإذا اعتذر منه بالعلم أضاف إلى حمقه جهلاً، فإذا أصر على قوله واعتذاره زاد على الجهل والحمق الغفلة! إن فرقاً بعيداً بين النظرين العلمي والعقلي، فللمذهب العلمي طرق ممهدة إلى غايات بعينها قد انتهت إليها هذه الطرق، أو طرق أخرى لا تزال تُمهد ولكنها لا تتأدى إلا لمثل تلك الغايات، فهو حركة تدفعها الإرادة وتحددها
طرق ممهدة إلى غايات بعينها قد انتهت إليها هذه الطرق، أو طرق أخرى لا تزال تُمهد ولكنها لا تتأدى إلا لمثل تلك الغايات، فهو حركة تدفعها الإرادة وتحددها وتصرفها، أما المذهب العقلي فبينما هو يمشي إذا هو يطير إذا هو ينساح كما ينساح الضوء، فلا ضابط له إلا من جهة كونه كلاماً معقولاً أو غير معقول، وقد يكون هذا المذهب في بعض الناس هو انتظار المذهب، لأنهم مذبذبون لا يستقرون على شيء، وقد يكون هو الشك في كل مذهب، وقد يكون في نقض مذهب معروف، وكل هذا من تفاوت قوى العقل لا من تفاوت قوى العلم، كما ترى من التباين بين غير المحدود وبين المحدود وقد كان عند أسلافنا من علماء الكلام تعبير لغوي بديع يمثل لك المذهب العقلي كله، فيقولون: إن فلاناً يتكلم في هذه المسألة على البور والنظر، وهو يبورها وينظر فيها: إذا كان
يمتحنها امتحاناً عقلياً جدلياً محضاً بين استغلاق بدليل وفتح بدليل آخر ولا غاية له من ذلك إلا التضريب بين الأدلة وتغليب بعضها على بعض والانتهاء بالأقيسة المنطقية إلى منقطع الغاية؛ فالكفر بالشبهة عمل عقلي، والإيمان بالدليل عمل عقلي آخر، والعلم عمل غير هذين؛ لكن إذا قوي العقل وتمكن وأصاب وأمدته البصيرة النافذة والخيال اللامح الذي يلحق بالإلهام تبعه العلم فمال إليه لا محالة، لأن هذا العلم لا يكشف عن شيء إلا هتك عن سر من أسرار الطبيعة. ولا يبين عن سر إلا أوضح منه ضرباً من ضروب الكمال في الخليقة، والكمال في نفسه دليل على المبدع، والأبداع الإلهي في كل معانيه إعجاز للعقل الإنساني وإعجاز العقل هو وسيلة الإيمان الصحيح. فالعلم على هذا من وسائل الإيمان التي تؤدي إليه في الغاية لا في الطريقة، بشرط أن يكون العقل سليماً صحيحاً، فزعم طه أنه لا يلتقي مع الدين وأنه ليس لالتقائهما من سبيل، إنما هو مبني على ما في عقله من التناقض أو على ما في نفسه من المرض. إن هناك حقيقتين تعلوان بالدين علواً كبيراً حتى يفوت العلم أو العقلَ معاً ويخضعهما جميعاً، فالأولى: أن العقل لا يدري كيف يعقل ولا كيف يفهم. وما العلم في هذا بأعلم منه، فعمل هذه الخارقة المجهولة هو الدليل على وجودها، وهي بعد معرفة غير معروفة، والثانية: أننا نخضع لنواميس كثيرة متضاربة لا يعرف العقل ولا العلم ما هي في كنهها وذاتها، ولكن ما يقع من آثارها توازناً واختلالاً هو الدليل على إثباتها وهي كذلك معرفة غير معروفة. فليس مع هاتين الحقيقتين ما يمنع العقل والعلم أن يخضعا للدين، وما الدين إلا إقرار الإلهية والاستدلال عليها بآثارها، وهي معرفة غير معروفة بالذات. ومتى تناول الدين شؤون الناس والحياة وسنَّ طرقَ الاجتماع والمعاملة كما عندنا في ديننا الحنيف، فقد توثقت الصلة بينه وبين العلم ووجب التوفيق بينهما فيما يختلفان عليه، وإلا كان أحدهما لغواً وعبثاً. وهذا يكشف لك خبث أستاذ الجامعة. فإنه يقول بترك الدين على
ت الصلة بينه وبين العلم ووجب التوفيق بينهما فيما يختلفان عليه، وإلا كان أحدهما لغواً وعبثاً. وهذا يكشف لك خبث أستاذ الجامعة. فإنه يقول بترك الدين على استقراره، ليكون العلم رداً عليه فيهدم الدينُ نفسه بهذا الجمود ويهدمه العلم بالتغيير والتحول، فلا يبقى في الناس من يرى في هذا الدين الجامد شيئاً معقولا ولا شيئاً صحيحاً، ريصبح كأنه ضريبة على النفوس إن لم تكن وراءها قوة الحكومة لا تجد من يحملها ولا من يؤديها، وما هي إلا أعوام بعد ذلك حتى بصبح علماء هذا الدين في الأزهر كِعلماء الآثار في دارِ الآثار.
والعلم وإن كان لا يعمل للدين ولكنه في أشد الحاجة إليه إذا اعتبرنا هذا العلم ذريعة من ذرائع الإنسانية في نظامها ومصالحها، فهو يسخر لها الطبيعة ويؤتيها المنافع والمضار، غير أنه لن يستطيع أن يحمي المنفعة من تعادي الناس وتناحرهم عليها، ولن يستطيع أن يمسك المضرة حتى لا يقع بها التعادي والتناحر؛ وهنا موضع الدين. فهو وحده القائم على النفس الإنسانية لحماية المنفعة وإمساك المضرة، ولولا أن الإنسان حيوان تقي، وأن نظام اجتماعه نظام دينه، وفي قانون جسمه قانون قلبه، لأكل الناس بعضهم بعضاً. وقد يقال إن الحكومات والقوانين تغني عن الدين في ذلك أو تغني غناءه، وهذا وهم جربته الإنسانية لعصرنا في حكومة البلشفيك فأسقطت الدين وأقامت القانون؛ فلم يكن من ذلك إلا سقوط الإنسانية نفسها، وصارت القوانين لحماية الرذائل بعد أن كانت للحماية منها. وما فشا الإلحاد في أمة من الأمم إلا مسخ من نفوس أهلها - فنزل بها حالة بعد حالة حتى لتعرفها في عاقبة - الأمر نفوس حمير وبغال وسباع وقردة ونحوها لا نفوساً إنسانية. فعلماء الأديان مادة ضرورية في تركيب الاجتماع الإنساني، إن خلا مكانها فيه لم يسدَّه شيء، والدين الإسلامي خاصة بما فيه من الأعمال والآداب التي لا تقوم الإنسانية على أفضل ولا أثبتَ ولا أقوى منها - كما بيناه في كتابنا "إعجاز القرآن" - يجعل لعلمائه من الشأن ما لا يستطيع إنكاره إلا أحمقُ مدخول العقل، أو مفسد مدخول النية. قد يأتي لهذه الدنيا رجل ذكي فيلسوف يرى ما رأى الفيلسوف "روسو"
- يجعل لعلمائه من الشأن ما لا يستطيع إنكاره إلا أحمقُ مدخول العقل، أو مفسد مدخول النية. قد يأتي لهذه الدنيا رجل ذكي فيلسوف يرى ما رأى الفيلسوف "روسو" مثلاً من أن رجال الدين قوم يعيشون في غير عصرهم، أو في عصر غيرهم. ولكن مثل هذا الذكي الذي تقبله أوروبا ينقلب ذكاؤه بلادة أشد بلادة إذا هو ظهر في العالم الإسلامي، فلن يستطيع أن يثبت أن علماء هذا الدين متطفلون على الحياة، إذ الإسلام يقوم على أصول خمسة منها أربعة عملية اجتماعية، ونحن متى أسقطنا علم الحلال والحرام ووسائله الكثيرة من علوم الأثر التفسير والأصول والعربية وما يداخلها، لم يبق من الإسلام إلا ما يريد طه وأمثاله، ولم يعد الإسلام إلا كلمة يسعها اللسان كما يسع نقيضها. فإذا ذهب أربعة أخماس الدين لم يبق لعلماء الدين موضع؛ ولعل هذا هو الذي شعر به طه فنطق به ففضح فيه نفسه، إذ هو لا يقيم من أعمال الإسلام شيئاً، فظهرت له فروق كثيرة بينه وبين شيخ الأزهر وعلماء الدين ورأى علومهم لغواً وعبثاً وغفلة من غفلات الأمة، وكل ذلك مما تتكلم به نفس الرجل عن الرجل وهو لا يدري، كأنه
يقول إن المسلم لفظة، فما حاجة اللفظة إلى أحكام وإلى علماء بهذه الأحكام، وكأنه يرى أن هذا الدين العظيم كان في تاريخه جسماً، ثم صار الذراع من الجسم، ثم الكف من الذراع، ثم الإصبعَ من الكف، ثم الأنملة من الإصبع. ثم الظفرَ من الأنملة، ثم القلامةَ من الظفر تُقصُّ اليوم وتُرمى ولا حول ولا قوة إلا بالله! أما ما خبط الرجل من أن التأويل يفسد نصوص الدين، ويكون اعترافاً منا بأن السلف كله كان مخطئاً في فهم الكتاب على غير ما تفهم وعلى غير ما يفهم العلم، فهذا كله من جهله العجيب ومن أنه لا يدري معاني ما يقول، إذ يساهم نفسه في كل ما يسنح له من فكر أو رأي بلا تمحيص، أو التمحيص ليس من قوته، أفيريد هذا الأستاذ أن تتغير الدنيا والعقول والعلوم ثم نكون نحن الجامدين على بعض معان لغوية قارة في ألفاظها؟ ألا يعلم أستاذ الأدب في الجامعة أن من أوضح أسرار الإعجاز في القرآن الكريم أن ألفاظه تكشف لكل عصر من المعاني بمقدار ما يتقدم العقل الإنساني في أسرار الأشياء، فكان فيها حياة أبدية، وكأنها مقدرة على طبقات العقل والعصور. وهي مع ذلك لا تتغير، وأنه لولا هذا السر لماتت هذه الألفاظ من زمن بعيد، فلم يكن السلف مخطئاً في الفهم وإنما كانت الطبيعة مخطئة في إفهامه، ولو كشفت له كما كشفت لنا وبقي على ذلك الفهم كما يريدنا الأستاذ أن نبقى عليه لكان هذا باباً من الجهل ليس في الجهل أوسع منه. على أن مثل هذه المسائل العلمية معدودة، والشأن كله فيما عداها من مسائل الإنسانية؛ وقد أفضنا الكلام عليها في كتابنا (إعجاز القرآن) فلا حاجة بنا لأكثر من الإشارة إليها. وهنا سر من الأسرار العجيبة، وذلك أنه قد صح أن النبي ﷺ قُبض ولم يفسر من القرآن إلا قليلاً جداً، وتركه للعصور وعلومها وآلاتها، فلو هو فسر لثبتت ألفاظ القرآن على معنى واحد فناقضت العلم ولكان ذلك وجهاً يُتطرق منه إلى الطعن في الإعجاز وفي الدين نفسه؛ إذ لا يسع الرسول ﷺ إلا أن يفسر للعرب على قدر أفهامهم وذرائعهم القليلة، فإذا تقدم العقل وانكشفت الحقائق أصبح ذلك لغواً. أفلا يكفي هذا المعنى سبباً لوجوب التأويل، كما هو معنى من أظهر معاني الإعجاز!
هامهم وذرائعهم القليلة، فإذا تقدم العقل وانكشفت الحقائق أصبح ذلك لغواً. أفلا يكفي هذا المعنى سبباً لوجوب التأويل، كما هو معنى من أظهر معاني الإعجاز!
رأيي في الحضارة الغربية عَلِم الله ما فتن المغرورين من شبابنا إلا ما أخذهم من هذه الحضارة، فإن لها في زينتها ورونقها أخذة كالسحر، فلا يميزون بين خيرها وشرها، ولا يفرقون بين مبادئها وعواقبها، ثم لا يفتنون منها إلا بما يدعوهم إلى ما يميت ويصدهم عما يحيي وما يحول بينهم وبين قلوبهم، فليس إلا المتابعة والتقليد. وسأوجز هذا الرأي ما استطعت، وسأجعل كلامي فيه أشبه بلغة النظر: تأتي اللمحة القصيرة على ما تطول العبارة فيه وتمتد. إن هذه الحضارة لا تظهر أبداً على حقيقتها، إذ كانت حقيقتها لم تجتمع بعد، وقد أنشأها جيل قريب منا وورَّثها من بعده وترك معها أخلاقه وطباعه، فما برح الناس يشبهون الناس، وإنما صبغت الحياة ولونت ودخلها التمويه والزخرف والخطب في هذا يسير، إذ كان الأصل الإنساني لا يزال باقياً، وأكثره لا يزال سليماً، وبعض الرؤوس التي اخترعت ما غير الدنيا لا تزال بعدُ في الدنيا. ولكن الشأن حين تتناسخ الأجيال خَلقاً بعد خَلق ويظفر على هذه الأرض الإنسان الميكانيكي الوارثُ أخلاقه وطباعه من الآلات أكثر مما يرثها من النفوس، فيومئذ لا يكون القول في الحضارة موضعَ حسبان وظن كما هو الآن. وعلى أن الدنيا لا تزال بخير، وعلى أن الحضارة الغربية لم تَعد من الإنسانية موقع الألوان والتحاسين؛ فقد غمر شرها وكثر أذاها وأخذ أهلها يتدافعونها ويتذممون منها وألزموها الإثم وألحقوا بها الفساد وأبكى عقلاءهم وحكماءهم ما جلبت عليهم من الأخانيث والمضاحيك والمهازل والمفاسد وكبائر الإثم والفواحش، ولم يقم خيرها بشرها ولا غطت مصالحها على مفاسدها. يحمل الإنسان في نفسه نقيضين، هما عقله وهواه، أو دافعه ووازعه. فإذا أطلقهما معاً أفسداه، وإذا قيدهما معاً أفسداه كذلك، ولكن تمام الإنسان ونظامه أن يطلق العقل. - ويحد الهوى؛ فيصفي بعضه في بعض فإذا هو قد خلص
ازعه. فإذا أطلقهما معاً أفسداه، وإذا قيدهما معاً أفسداه كذلك، ولكن تمام الإنسان ونظامه أن يطلق العقل. - ويحد الهوى؛ فيصفي بعضه في بعض فإذا هو قد خلص
وتحرر؛ وما دامت الأهواء مقيدة في حدودها فليس في العقل إلا محض الخير. فإذا تركا جميعاً لغاياتهما طمَّ شيء على شيء ورجعت الحياة صراعاً حيوانياً. واحتالت العقول لتغيير الوضع الإنساني، وتواضع الناس على الأخلاق البهيمية الفاسدة يدخلونها في آدابهم فلا ينكرونها ولا يردونها ولا يرون الأدب يكون بغيرها أدباً. فالحضارة الغربية أطلقت العقول تجدُّ وتبتاع، أطلقت من ورائها الأهواء تلذ وتستمتع وتشتهي، فضرب الخير بالشر ضربة لم تَقتل ولكنها تركت الآثار التي هي سبب القتل، إذ لا تزال تمد مدها حتى تنتهي إلى غايتها، وذلك هو السر في أنه كلما تقادمت الأزمنة على هذه الحضارة ضج أهلها وأحسوا عللاً اجتماعية لم تكن فيهم من قبل. ولو قد عمت الحضارة وتغشت أوروبا كلها فلم يبق في تلك الأرض سواد ريفي أقربُ إلى الطبيعة وأشكلُ بها ولا يزال في الحياة على إرثه القديم كالسواد الأعظم الذي يعمر قراها ويملأ صميمها في كل مملكة منها - لرأيت أفظع ما ترى العينُ من بلاد متعادية متنابذة، لما يتنازع أهلَها من طلب المنافع الشخصية والتكالب عليها والاستهتار بالشهوات والتناحرِ على تكاليف حياتهم الثقيلة المملولة المستوخمة. بيد أن ريف أوروبا وقراها وما فيها من نزعة الدين ومن معاني الطبيعة البيعدة عن الحضارة ومن الأخلاق السوية الصحيحة التي لم تُزِغها المدنية - كل ذلك هو الذي يمسك هذه القارة أن تنهار ويحفظها أن تتحلل، وهو كالبداوة المحضة بإزاء الحضارة في معانيها المستهلكة، فهو بذلك مادة التجديد الإنساني في أوروبا، على حين أن هذه المدنية هي مادة التجديد الحيواني بما تصرف إليه الحواس من المتاع واللذة.
ي معانيها المستهلكة، فهو بذلك مادة التجديد الإنساني في أوروبا، على حين أن هذه المدنية هي مادة التجديد الحيواني بما تصرف إليه الحواس من المتاع واللذة. والحواس رُوْاد القلب فما أدت إليه أصلحه أو أفسده؛ ولقد قرأت في هذه الأيام رواية يقال إن كاتبها نادرة أوروبا، فما فرغت منها إلا وأنا أعتقد أن كاتب أوروبا هذا هو حيوان أوروبا. . . إن العقول الناضجة المميزة لا تَهَبُ منها الحكمة الإلهية بقدر ما تَهَبُ من الأهواء ولا بعض ذلك، بل هي من قسط من الأفراد الذين لا يبلغون فصلاً في الكتاب الإنساني الكبير. أما الشهوات فهي للجنس كله؛ إذ هي غايات طبيعية في تركيب الأجسام؛ ولذا قامت الأديان على سنة حكيمة كافلة للمصلحة، وهي إبعاد الشهوات عن المجتمع وإباحة القليل منها بشروط وقيود، واعتبار درء المفسدة مقدماً على جلب المصلحة، وذلك وإن لم يُؤتِ الناس عقلاً فإن العقل لا يؤتيهم غيره في آداب الحياة، ولكن الحضارة قامت على إطلاق العقل والهوى، فاستباحت الدينَ فى طوائف من
الناس وتركته بلا أثر في طوائف أخرى، فكانت تحكيماً للشهوات في الخلق وتمكيناً لأسبابها في الاجتماع، ومن ثم أخذت تقتلع الأخلاق الإنسانية من أصولها. وما أعرف أكثر مظاهر المدنية إلا أمراضا مسماة بغير أسمائها. وكلها جميلة سائغة مشرقة، لأنها كلها تؤلف حلماً مريضاً كأحلام الخمر والأفيون. . . يحسب هذا الغربي المتحضر أنه قهر الطبيعة وسخرها فانتصر عليها، ولا يعلم أن الطبيعة تهزأ به، لأن هذا النصر بعينه هو الذي يسلطها عليه فتهزم أخلاقه وتوهن قوته الروحية وتطحن لبه في قشرته وتمكن فيه لأعراض الانحلال والسقوط، فهو لا يغير الطبيعة وإن انتصر عليها، وهي تغيره ثم تتركه يسمي نفسه المنتصر، فتضيف إلى حماقاته حماقة الغرور! أصبح الغربي المتحضر عصبياً ثائراً حساساً يدلف إلى الجنون بخطى بطيئة لكنها سائرة متحركة، وابتلته المدنية بأمراضها التي لم تكن في أسلافه. كالسرطان وغيره، وضربته الشهوات بخدَر الحاسة الروحية وخمولها فأصبح يعمل للغرض الأسمى بوسائل معكوسة لا تؤدي إلا إلى الغرض الأسفل. ورجع كأنه غريب عن الطبيعة الخشنة التي لا بد له من خشونتها ليبقى قوياً بها وقويا فيها وقوياً عليها، وتغير من كل ذلك تاريخ عقله وأعصابه. فضعف النبوغ الفني وأصبح النمط العالي منه خاصاً بالتاريخ القديم وحده، مع أنه ليس بين القديم وبين الجديد إلا طبيعة هذه الحضارة وأثرها على العقول، أما الإنسان فهو هو. بيد أنه في الحضارة الأولى المتخشنة كان كالدينار الجديد رزيناً خشناً، فأصبح في هذه الحضارة الناعمة كالدينار الأملس مسحته الأيدي وأزالت حرشته فهو إلى ضعف وإلى نقص! اتخذت الحضارة المرأة الغربية من وسائلها في ترقيق الطباع وإرهاف الملكات، ومع المرأة ما معها من فنون الدعابة والمغازلة والمفاكهة والإغراء وما تحت هذه من الطباع والأخلاق، فإذا العالم المتحضر في صبغة من الأنوثة متى أخذ الدهر مأخذه فيها استحالت من بعدُ صبغة من الفجور يشمل هذا العالم. ويقولون: الجمال والفن! ولا يعلمون أنهما إذا استفاضا وعمَّا جاء منهما الخبال والهوس، وخرج من اجتماع كل ذلك الانحلال والسقوط، كما وقع في التمدن الروماني والحضارة الغربية.
ن! ولا يعلمون أنهما إذا استفاضا وعمَّا جاء منهما الخبال والهوس، وخرج من اجتماع كل ذلك الانحلال والسقوط، كما وقع في التمدن الروماني والحضارة الغربية.
إني لا أرى أكثر مظاهر هذه الحضارة إلا أسلحة قاتلة تقتل الخير والرحمة في قلوب الناس. فهي ترفع تكاليف الحياة وتزيد فيها وتُعسر آمالها، فتنشىء بذلك الفقر المدقع، وتخرج معه الفوضى والاختلال، وتحدث به الأخلاق السافلة كالتلصص والدماء والخبث والحسد ونحوها ويزيد العالمُ كل يوم بأسباب كثيرة تبدعها الحضارة؛ فلا تكون الزيادة إلا عبثاً وشراً ومضايقة، لأن ما كان يكفي الجماعة ذات العدد أصبح لا يكفي إلا فرداً واحداً، ويومئذ لا تستقيم الإنسانية إلا بأن يغتذي بعضها من بعض، فيكثر القتل والاستراق والإباحة، ولكن في ألفاظ وتعابير مدنية. . . والآفة يومئذ أن الإنسانية تكبر والأرض لا تكبر، فتضيق الحياة بأهلها وتزيدها مطامعهم ضيقاً، فيتقرر عندهم نطام التفتيل ويصبح قانوناً إنسانياً عاماً، وما أرى هذا القانون سينفذ إلا في الأجنة في بطون أمهاتهن، بحيث يكون في كل أسرة ميزان للموت لا يعطي الدنيا من إحدى كفتيه طفلاً حياً إلا بعد أن يجتمع في الكفة الأخرى أربعة موتى أو أقل أو أكثر. ولن يجدوا علاجاً من داء الحضارة إلا بالحمية منها، فيوشك إذا هم تنبهوا إلى ذلك أن يمنعوا الناس من بعض فنون هذه الحضارة بقوة القانون، وأن يفرضوا عليهم بعض الجهل فرضاً يؤخذون به ليبقى تاريخ العالم متصلاً وليجد النوع الإنساني على هذه الأرض من يوجده بصفاته وخصائصه، فإن الأخلاق في تلك الحضارة قائمة على خير قواعدها، إذ لم يكن من سبيل لتغيير البناء الإنساني إلا بتغيير هذه القواعد. وأنا أرى أنه لو انتزع من هذه المدنية أكثر حسناتها لذهب في ذلك أكثر سيئاتها، إذ كانت الحسنة هي التي تخرج السيئة؛ فالغِنى الواسع بإزاء الفقر
ه القواعد. وأنا أرى أنه لو انتزع من هذه المدنية أكثر حسناتها لذهب في ذلك أكثر سيئاتها، إذ كانت الحسنة هي التي تخرج السيئة؛ فالغِنى الواسع بإزاء الفقر الأوسع، والرفاهية السرية بإزاء الشيوعية والفوضى وهكذا، ونعيم هذه الحضارة نعيم في أقله وشقاء في أكثره، وهو يفسد من يناله بإضعاف أخلاقه القوية الصالحة، ويفسد من لم ينله بتقوية أخلاقه الضعيفة الفاسدة؛ ذاك تسقط به مؤاتاة الشهوات إياه، وهذا يسفل به امتناعُها عليه وهي لغيره معرضة؛ ذاك يفسده ما في نفسه، وهذا يفسده ما في نفسه وما في غيره. ولا يذهبن عنك أن الحضارة تقرر في جميع الناس هذين الأصلين العظيمين: الحرية والمساواة، فينشأ الناشئ عليهما ويترشح لهما في الحياة. حتى إذا شب وانتهى إلى الواقع وجد تلك الحضارة بعينها هي التي تقتلع الأصلين وترمي بهِما في وجهه، فليس في الواقع إلا أشراف ووضعاء، وإلا
علية وسفلة، وإلا أفراد معدودون من كل طبقة يراغمون سائر الناس من العمال والمهَّان والمساكين ونحوهم، كأنَّ أساطين المال والسياسة هم وحدهم أصابع الدنيا تأخذ بهم ما هي آخذة، وبذلك ترجع عقيدة المساواة وإنها لعقيدةُ الظلم، وتعود فكرة الحرية وهي فكرة الاستعباد، فإذا سواد العالم المتحضر هو الناقم على الحضارة المستريب بها، وهو على سخطه ونقمته مسخر لمعيشته الضيقة المقسومة بالجرام من أيدي أصحاب القناطير، يعطيهم دمه بخبزه، ويشتري موته بعيشه، وذلك كله مما يجعله متربصاً بالفتن، سريعاً فيها إذا وقعت، تابعاً لكل من يدعوه إليها أو يستجيشه عندها، متوثباً على ما يدري وما لا يدري، كما يقع الآن في أوروبا! فالكبير في هذه الحضارة ظالم هو أشبه بمظلوم، والصغير مظلوم وهو أشبه بظالم، وكان الحقيقة نفسها خرجت من موضعها فكل شيء حقيقة وكل شيء زور! والروح الإنسانية متى أصبحت موتورة ساخطة متبرمة بأسباب مختلفة كأسباب هذه المدنية من سياسية واجتماعية ووطنية - لم تكن روحَ الحياة ولكن روحَ القتل وما في حكمه، ومن ثم فلا بد في هذه الحضارة من انفجارات حربية مستمرة، ولا بد لها أن تجد من تقتله ومن تظلمه ومن تستعبده؛ وإذا تحاجزت الدول وتتاركت زمناً فإنما يُسمِن بعضها بعضاً في مراعي السلم والعيش وكل أمة عينها على شحم الأخرى! . . . ولقد كانت الحرب العظمى تنقيحاً إلهياً عنيفاً لهذه الحضارة الزائفة. فوضع الله يده عليها فمحت أكثر حسناتها ورقائقها وطُرفها البديعة، وأميتت طباع الترف لتنبعث طباع القوة، وقرَّ في الرجل معنى الرجل وفي المرأة معنى المرأة وكانا قبل ذلك وإن الرجل نصف امرأة وإن المرأة ضِعف نفسها. . . فكان الحرب كانت مِصْفاة للحضارة ثُقوبها الخرائب والخنادق والقبور، ومتى جَمعت الأوساخ بعد زمن فالمصفاة باقية. . . لست أنكر أن الحضارة زينة الحياة الدنيا وبهجتها، ولكن آفتها أن غايتها التي تجري إليها إنما هي المتعة واللذة وانتهاب العمر؛ فهي بذلك تؤتي جميع
ية. . . لست أنكر أن الحضارة زينة الحياة الدنيا وبهجتها، ولكن آفتها أن غايتها التي تجري إليها إنما هي المتعة واللذة وانتهاب العمر؛ فهي بذلك تؤتي جميع
لذات الحياة، لمن أطاق واتسع؛ كما تؤتي جميعَ مكارهها لمن حُرم وقُتر عليه؛ وبهذين تُوجد ألفاً من السفلة والحشوة وسقاط الناس إذا هي أوجدت واحداً من أهل الفضل والرحمة في الإنسانية، ولا قصد فيها بل هي إسراف من طرفيها لا يألو أن يدفع الناس من حد إلى حد إلى غير حد علواً وسفلاً؛ فالنزاع في المادة والنزاع في العاطفة ذاهبان إلى ملتقى واحد، هو سخط الإنسان على الإنسان سخطاً شقياً مدنفاً؛ إذ لا أشقى في الاجتماع من ساخط على من لا يترضاه، هي حضارة على المجاز إذا توسعنا في العبارة لتعم الناس، فإذا حققنا في صريح هذا المجاز رأينا فيها الذلة والمسكنة والتهلكة بوسائل هي العز والغنى والحياة!
المجدد الجريء . . . قال كليلة: واحذر يا دمنة مصارع الجرأة في الرأي وما يكون مثله من الرجل الحَمق إذا تكلمت حماقتُه في لسانه؛ فإن الرأي ميزان لغته على الوفاء والنقص مما يوزن فيه لا من اليد التي تزن به، فإن هو ترك لما يلقى عليه أبان فصدق وحدد، وإذا عَبثت به اليد إمالة أو تعويجاً أبان فكذب وغش، وإن الجراءة هي علم الجاهل حين يكون له علم، وجهل العالم حين يكون للعالم جهل، وقد قالت الحكماء إن هذه الجراءة كانت امرأة فتزوجها العلم وتحفى بها وبالغ في إكرامها ورعايتها وفلسف لها الحياة ما شاء، فلما ولدت ولدت له الحمق، فقال: وا سوءتاه! نزع الولد إلى أمه الخبيثة، وسبقت حكمة الله أن لا يخلق حياً إلا من اثنين، كي تلد الأمهات النعمة مضاعفة والمصيبة مضاعفة أو لينقص شيء من شيء غيره، أو ليزيد أمر في أمر سواه، أو ليبطل عمل من عمل آخر؛ وما يخرج النقيضان ولا المتجاذبان إلا من اثنين. ثم إنه بتَّ عقدة الجراءة وطلقها، فخلف عليها الجهل، وكان بعلاً سيئاً عنيفاً جعل يمكر في أذاها كل حيلة ويغلظ عليها بكل سوء ويعسفها عسف الأجير دابته، فلما ولدت ولدت له السخرية، فقال: وا مصيبتاه! جاءت نعل طِباقَ نَعل. ثم شب الحمق والسخرية معاً، فتشاتما يوماً وتغالظا وأبت عليهما الطباع
الأجير دابته، فلما ولدت ولدت له السخرية، فقال: وا مصيبتاه! جاءت نعل طِباقَ نَعل. ثم شب الحمق والسخرية معاً، فتشاتما يوماً وتغالظا وأبت عليهما الطباع إلا أن يكون لكل منهما القهر والغلبة، ففزع كلاهما إلى أبيه وجاء به، فذهب العلم يحتج ومضى الجهل يخاصم، فأقبلت الجراءة على صوتهما وقالت: ويحكما! فيم هذا النزاع؛ ثم أرادتهما على الصلح، فالتفت الجهل إلى العلم وقال: يا أخي يا أبا الحمق، قال العلم: لا غرو يا أبا السخرية. . . فإنما هي الجراءة اللئيمة ولدت لي وولدت لك فجمعتنا بولديها وجعلتني أخا سوء وأبا سوء وعم سوء! قال كليلة: وما أشبهك يا دمنة بالرجل الجريء الذي طَوعت له الجرأة وسولت له أنه أعلم الناس، فذهب يؤتيهم علمه وزعم لهم أن البناء ثمر. قال دمنة: وكيف كان ذلك؟
قال: زعموا أنه وقعت بمدينة كذا زلزلة فتصدع أكثر دورها، فجاء أصحابها بالمهندسين فشدوها بعمد غليظة من الخشب ليصلحوا البناء من فوتها وهو ثابت لا ينهار، فهبط المدينة شيخ جريء أحمق، فرأى الدور من كثرة أعمدتها كأنها قائمة على شجر، ورأى البنائين يعملون أعمالهم، فقال لبعض وجوه المدينة: إن بلدكم هذا إلى يوم الناس هذا لم ينزل به عالم غيري فيما أرى، وإن لكم عندي رأياً إن تأخذوا به جاءتكم هذه الدور جديدة كيوم نشأت، فإنكم تفسدونها بهذا الإصلاح وتغرَمون فيها الغرامة الكثيرة ولا تزيدون على هدمها، فاجمع لي الناس لأعرفكم ما تصنعون. قال: فشاع ذلك عنه وتعالمه أهل المدينة، فمشى بعضهم إلى بعض وقالوا: هذا رجل عالم وما يكون ذلك له رأياً إلا من خبرة وتجربة وعلى بصيرة ونظر، فلا يوحشن أنفسكم منه سوء ظن به حتى تأتوه وتسمعوه وتعرفوا ما عنده. ثم إنهم اجتمعوا للرجل وقالوا له: أيها الحكيم، قد رأيت ما صنعت الزلزلة ونحن في سنة شديدة جمعت علينا بين قحط الأرض وارتفاع السعر وخراب البناء، فلعل الله قد بعثك إلينا رحمة من هذه الثلاثة الآكلة. قال: فإني إن شاء الله ما رجوتم، وإني فيئة لكم مما أصبتم به، تلوذون بعلمي ورأيي، ولكن اتقوا الجهل من بعدي وتعلموا واعتبروا، فإن ذا العلم حقيق أن لا يَعدَمَ في كل خطب حيلة، وإن ذا الجهل خليق أن لا يجد في أي خطب حيلة. ولم يزل يعظهم بهذا وشبهه حتى ضجوا، فقال قائلهم: أصلحك الله! متى أقمنا الدور فرغنا لك فتعظنا وتعلمنا، أما الآن فهلم رأيك الذي وعدتنا. قال: فاسمعوا ويحكم! أما رأيتم شجرة ألقت ثمرها ثم جاءت به من قابل؟ قالوا: كل الشجر يفعل ذلك. قال: فما رأيتم الشجر جذوعاً متى قطعت نبتت وبسقت فروعها وأثمرت؟ قالوا: ثم ماذا؛ قال: أخزاكم الله! فكيف عميتم عن الرأي وذهبتم عن الحيلة! أفما تنظرون هذه الجذوع التي تحمل بيوتكم؛ فلو قد نشرتموها بالمناشير لتلقي ما فوقها من هذه الدور الخربة لنبتت والله من قابل تحمل بيوتاً جديدة صفراء وحمراء وألواناً شتى. . .
نحن لا نرى في علم الأستاذ طه حسين وأمثاله إلا الجراءة، وهي خلة من
ر الخربة لنبتت والله من قابل تحمل بيوتاً جديدة صفراء وحمراء وألواناً شتى. . .
نحن لا نرى في علم الأستاذ طه حسين وأمثاله إلا الجراءة، وهي خلة من خلال المجانين، فإنها أقرب إلى التهور والحمق ما دام صاحبها لا يضبط على رأيه ولا يأخذ على نفسه ولا يتوقى ولا يفهم شيئاً على الأصل الذي كان عليه بل على الأصل الذي يريد هو أن يكون عليه، وفصل ما بين المجنون الجريء
والمجدد الجريء. . . أن جراءة المجنون من عمل أعصابه المريضة، وجراءة المجدد من عمل نفسه المريضة، وأمراض النفس كثيرة، منها التقليد، ومنها حب الصيت والشهرة والمحمدة، ومنها الغرور والاستطالة والتعنت، ومنها الكفر والإلحاد، فإذا رأيت مجدداً من أصحابنا فثق أنك منه بإزاء رجل مريض النفس، ولا يقذفن في روعك أنه فيلسوف أو علامة أو أديب، فهذه الصفات أو أشباهها لا قيمة لها ألبتة إذا عريت من الخلق الذي يقوم به أمر الأمة وتصلح الأمة عليه من دين وأدب وفضيلة. والقوة المدمرة التي تعمل في نقض النظام تفتك في كل معنى بسلاحه الذي هو أقطع فيه، فهي كما تظهر في أهل الفسق والدعارة واللصوصية وأهل الظلم والتعسف، تظهر بمقادير أخرى في بعض الفلاسفة والعلماء والأدباء، لأن هذه القوة تلون الرذائل كما تلون الأثمار. وانظر ما الفرق بين ثمرة كالحة مرة وأخرى ناضرة مرة، أو بين حمراء وصفراء تستويان في كراهة المذاقة ولؤم الطعم، أو بين عالم مفسد برأيه ولص مفسد بعمله، أو بين فاجر ساقط النفس وبين أستاذ لئيم النفس؛ أما إنها كلها أسلحة تعمل عملاً متشابهاً وإن اختلفت في أنواع التمزيق ومقاديره، وليس يشفع في إرادة الشر أنه جاء من رجل عالم أو أديب أو مدرس في الجامعة المصرية، كما لا يزيد فيه مجيئه من فاجر أو عيَّار أو متشطر أو سفاح؛ إذ هو هو في جميعهم! وإنما هؤلاء وأولئك أساليب إنسانية ليس غير. وقد أصبح طه حسين في زعمه حرية الرأي كالحيلة على القانون: تقع معها الجريمة ثم تكون بها البراءة، وكم من لص ومزور وفاتك وأشباههم قد برَّأتهم المحاكم كما برأت الجامعة المصرية طه حسين في أسلوب واحد.
على القانون: تقع معها الجريمة ثم تكون بها البراءة، وكم من لص ومزور وفاتك وأشباههم قد برَّأتهم المحاكم كما برأت الجامعة المصرية طه حسين في أسلوب واحد. لمكان الحيلة لا لموضع البراءة، وكم من غفلة جازت على القانون ما دام قائماً على إيجاد المجرم أولا ثم يجيء القاضي في المحل الثاني، وكان الوجه أن يقوم على رد الناس عن الجريمة قبل وقوعها، وهذا فرق ما بين القانون والدين: فالدين قانون الأمة كلها وقانون الفضيلة الإنسانية عامة، وهو العقل العام للخلق، أما القانون فهو للمجرمين وللرذيلة خاصة، وهو العقل الخاص لبعض الخلق؛ وإذا أهملوا الأول وغنوا عنه بالثاني دفعوا بالأمة كلها في سبيل الإجرام والرذيلة، ومن ثم تعرف مكان علماء الدين الأمة وهم هم الذيى يعمل طه وأمثاله في تحقيرهم وتهوين أمرهم حماقة وجهلاً وسوءَ نظر وسوء دِخلة. يعتذرون لـ طه بحرية الرأي، وكأنهم لا يعلمون أن بعض الحرية في التقييد وبعضها في السلب، وأنه إذا تعارضت منفعة الفرد في إطلاق الحرية له ومنفعة
الأمة في حدها أو سلبها وجب " نزع ملكية، هذه الحرية ولو على الوجه الذي تؤخذ به دور الناس لتطريق شارع. . . وهذا كله يوضح لك غفلة الجامعة المصرية غفلة تحتاج إلى غسل عينيها بمحلول مطهر. . . فالأمامة تنظر إلى الجامعة على أنها منها، والجامعة تنظر إلى جمالها في مرآة من وجه طه حسين، فكل ما رأته الأمة شمالاً رأته هي في وجه طه يميناً، وما من هذا العكس بُد ما دام النظران مختلفين، والعكس ينشىء الغلط؛ فمن الطبيعي في أحد النظرين أن تكون الجامعة بوضع غلط الأمة وفي النظر الآخر أن تكون الأمة موضع غلط الجامعة. قلنا إن علم طه حسين جرأة، فهو لا يأتي بكلام فصل بل بكلام جريء. وذلك إن كان غلطاً لكنه غلط الجهل لا غلط العلم، فلا عذر منه ولا يجوز الاحتجاج له، إذ كان العالم الحقيقي لا يعرف الجراءة ولا يتعاطاها، فإن وجدتَ، من أمره ما تحمله عليها فاعلم أنها جراءة أدلته وقوةِ منطقه وشدة يقينه. فإن خلا من هذه وأصبته جريئاً فهو الجاهل المغرور المتوقح الذي لا يعتمد على قوته وعلمه بل على حماقته وشره وعلى ضعف الناس وغفلتهم، وما رأينا قوة طه إلا من هذه الناحية، فهم كالثعابين تخيف بالوهم وإن لم تلدغ. وإن كان السم قد فرغ من أنيابها؛ ولولا أن هذا من أمرها وأمر الناس للعب الصبيان بها واتخذوها جبالاً! انظر كيف يجهل أستاذ الأدب في الجامعة المصرية هذا الجهل الغريب. قال في صفحة ١٧ وهو يريد القرآن: "كان كتاباً عربياً لغته هي اللغة العربية الأدبية التي كان يصطنعها - كذا - الناس في عصره" أي في العصر الجاهلي. وفي صفحة ٣٥: "ولست أنكر أن اختلاف اللهجات كان حقيقة واقعة بعد الإسلام، ولست أنكر أن الشعر قد استقام للقبائل كلها رغم هذا الاختلاف، ولكني أظن أنك تنسى ما يحسن أن لا تنساه، وهو أن القبائل بعد الإسلام قد اتخذت للأدب لغة غير لغتها وتقيدت في الأدب بقيود لم تكن لتتقيد بها لو كتبت أو شعَرتْ في لغتها الخاصة، فلم يكن التميمي أو القيسي حين يقول الشعر في الإسلام يقوله بلغة تميم أو قيس ولهجتهما، إنما كان يقوله بلغة قريش ولهجتها!. ثِم جاء الشيخ بمثل من أدب اليونان، ثم قال: "وكذلك فعل العرب بعد
الشعر في الإسلام يقوله بلغة تميم أو قيس ولهجتهما، إنما كان يقوله بلغة قريش ولهجتها!. ثِم جاء الشيخ بمثل من أدب اليونان، ثم قال: "وكذلك فعل العرب بعد
الإسلام: عدلوا في لغتهم الأدبية عن كل ما كانت تمتاز بهم لغتهم ولهجتهم الخاصة، إلى لغة القرآن ولهجتها". ثم ضرب مثلاً من موطنه الجديد. . . فرنسا، ثم قال: "وأنا أشعر بالحاجة إلى أن أضرب مثلاً آخر قد يَدْهش له الذين يدرسون الأدب العربي لأنهم لم يتعودوا مثله من الباحثين عن تاريخ الأدب، ذلك أن في لغتنا المصرية المصرية لهجات مختلفة وأنحاءَ متباينة من أنحاء القول، فلأهل مصر العليا لهجاتهم، ولأهل مصر الوسطى لهجاتهم، ولأهل القاهرة لهجتهم، ولأهل مصر السفلى لهجاتهم، وهناك اتفاق مطرد بين هذه اللهجات وبين ما للمصريين من شعر في لغتهم العامة، فأهل مصر العليا يصطنعون أوزاناً لا يصطنعها أهل القاهرة ولا أهل الدلتا، وهؤلاء يصطنعون أوزاناً لا يصطنعها أهل مصر العليا. وهذا ملائم لطبيعة الأشياء؛ فما كان للشعر أن يخرج عما ألف أصحابه من لغة ولهجة في الكلام، ومع هذا كله فنحن حين ننظم الشعر الأدبي أو نكتب النثر الأدبي والعلمي نعدل عن لغتنا ولهجتنا الإقليمية إلى هذه اللغة واللهجة التي عدل إليها العرب بعد الإسلام، وهي لغة قريش ولهجة قريش " انتهى خلط الشيخ. وقد أثبت في كلامه أن لغة القرآن الكريم هي "اللغة الأدبية" التي كان ينتحلها العرب في العصر الجاهلي، فإذا كان ذلك وكان في العصر الجاهلي لغة أدبية للعرب فكيف ينكر طه على الشعر الجاهلي أن يكون متفق اللهجة، وكيف يجزم أن عدم اختلاف اللهجات فيه دليل على أنه موضوع مكذوب كما مر بك في موضعه، وكيف يتناقض هذه المناقضة المكشوفة. على أن هذه "اللغة الأدبية " وهم سخيف من أوهام المستشرقين تبعهم فيه طه لأنه رجل مقلد سروق؛ فإن اللغة الأدبية لا تنشأ ولن تستقيم إلا إذا كانت مكتوبة مدونة متدارسة، إذ الكتابة قيد من التغيير والتبديل وهي نص في عموم الاحتذاء والمحاكاة، لأنها في مكان ما هي في كل مكانٍ غيره. ولو لم تكن في مصر لغة واحدة مكتوبة متدارسة هي العربية الفصحى لما
ير والتبديل وهي نص في عموم الاحتذاء والمحاكاة، لأنها في مكان ما هي في كل مكانٍ غيره. ولو لم تكن في مصر لغة واحدة مكتوبة متدارسة هي العربية الفصحى لما كان لها شعر أدبي ولا نثر أدبي، ومن ههنا يريد الذين في قلوبهم أمل من المستعمرين، والذين في قلوبهم مرض من المجددين، أن يجعلوا العامية لغة الكتابة والدرس، لأنها متى دُونت وتدارسها النشء محت الفصحى محواً وأتت على كتبها وآدابها ودينها؛ وقد كتبنا في هذا فلا نطيل به..
فهل يستطيع شيخ الجامعة أن يأتينا بدليل أو شبهِ دليل على أن القبائل في العصر الجاهلي أو بعد الإسلام كانت تكتب وتدرس في باديتها باللغة الأدبية التي يزعمها، حتى نصدق أنه كانت لكل قبيلة لغتان كما لنا في مصر. والعجيب أن يخلط الشيخ هذا الخلط وهو قد قرأ الجزء الأول من "تاريخ آداب العرب" وذكره في كتابه؛ فكيف ذهب عنه أن الرواة لم يكونوا يعبأُون بالعربي الذي ينطق بلحن غير لحن قومه ولا يعدونه حجة في اللغة، وأن العربي القح السليم الفطرة لم يكن يستطيع أن يقيم لسانه إلا بلحن واحد ولهجة واحدة، حتى أن سيبويه لما اختلف مع الكسائي في مسألة "ظننت أن العقرب أشد لسعة من الزنبور فإذا هو هي أو فإذا هو إياها! وجاؤوا بالأعراب الذين كانوا بباب يحيى البرمكي ورشوهم على أن يوافقوا الكسائي في جواز اللغتين - لم يزيدوا على أن قالوا في الموافقة: إن القول ما قال الكسائي. فلما رأى سيبويه ذلك منهم قال يحيى: مُرْهُم أن ينطقوا فإن ألسنتهم لا تطوعُ به! . . . ولا بأس هنا أن ننقل هذه العبارة من الجزء الأول من "تاريخ آداب العرب" في صفحة ٣٤٨: "ومهما جهدت بالأعرابي أن ينطق بغير لحن قومه وإن كان أفصح منه فإنه لا يستطيع من ضعف، لأن تقليده في الصواب كتقليده في الخطأ، واللغة إنما تؤخذ عن السليقة وهي سنة واحدة؛ قال الأصمعي: جاء عيسى بن عمر الثقفي ونحن عند أبي عمرو بن العلاء فقال: يا أبا عمرو ما شيء بلغني عنك تجيزه؟ قال: وما هو؟ قال: بلغني أنك تجيز: ليس الطيبُ الا المسكُ. قال أبو عمرو: نمتَ وأدلج الناس! ليس في الأرض حجازي إلا وهو ينصب. ولا في الأرض تميمي إلا وهو يرفع؛ ثم قال: قم يا يحيى - يعني اليزيدي - وأنت يا خلف - يعني خلف الأحمر - فاذهبا إلى أبي المهدي "أعرابي الحجاز" فلقناه الرفع فإنه لا يرفع، واذهبا إلى أبي المنتجع "أعرابي تميم" فلقناه النصب فإنه لا ينسب. قال: فذهبنا فأتينا أبا المهدي فإذا هو يصلي، فلما قضى صلاته التفت إلينا وقال: ما خطبكما؟ قلنا: جئنا نسألك عن شيء من كلام العرب قال: هاتيا.



