— Bagian 12 · فَإِذَا كَانَ الْإِنْسَانُ يُحِبُّ مَنْ مَنَحَهُ… —
Bagian 12
فَإِذَا كَانَ الْإِنْسَانُ يُحِبُّ مَنْ مَنَحَهُ فِي دُنْيَاهُ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ مَعْرُوفًا أَوِ اسْتَنْقَذَهُ مِنْ هَلَكَةٍ «١» . أَوْ مَضَرَّةٍ «٢» مُدَّةُ، التَّأَذِّي بِهَا قَلِيلٌ مُنْقَطِعٌ.. فَمَنْ مَنَحَهُ مَا لَا يَبِيدُ مِنَ النَّعِيمِ وَوَقَاهُ مَا لَا يَفْنَى مِنْ عَذَابِ الْجَحِيمِ أَوْلَى بِالْحُبِّ، وَإِذَا كَانَ يُحَبُّ بِالطَّبْعِ مَلِكٌ لِحُسْنِ سِيرَتِهِ، أَوْ حَاكِمٌ لِمَا يُؤْثَرُ مِنْ قِوَامِ طَرِيقَتِهِ، أَوْ قَاصٌّ بَعِيدُ الدار لما يشار مِنْ عِلْمِهِ أَوْ كَرَمِ شِيمَتِهِ، فَمَنْ جَمَعَ هَذِهِ الْخِصَالَ عَلَى غَايَةِ مَرَاتِبِ الْكَمَالِ أَحَقُّ بِالْحُبِّ وَأَوْلَى بِالْمَيْلِ. وَقَدْ قَالَ عَلِيٌّ» ﵁ فِي صِفَتِهِ «٤» ﷺ مَنْ رَآهُ بَدِيهَةً هَابَهُ.. وَمَنْ خَالَطَهُ معرفة أحبه وذكر عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ «٥» أَنَّهُ كَانَ لَا يَصْرِفُ بصره عنه محبّة فيه..
الفصل السّادس وُجُوبِ مُنَاصَحَتِهِ ﷺ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: «وَلا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ، مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ» «١» . قَالَ أَهْلُ التَّفْسِيرِ: «إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ» .. إِذَا كَانُوا مُخْلِصِينَ مُسْلِمِينَ فِي السِّرِّ وَالْعَلَانِيَةِ.. عَنْ تَمِيمٍ «٢» الدَّارِيِّ: قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إن الدين «٣»
.. إِذَا كَانُوا مُخْلِصِينَ مُسْلِمِينَ فِي السِّرِّ وَالْعَلَانِيَةِ.. عَنْ تَمِيمٍ «٢» الدَّارِيِّ: قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إن الدين «٣»
النصحية، إِنَّ الدِّينَ «١» النَّصِيحَةُ، إِنَّ الدِّينَ النَّصِيحَةُ.. قَالُوا: لِمَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: لِلَّهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ.» قَالَ أَئِمَّتُنَا «٢» : «النَّصِيحَةُ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ وَأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ وَاجِبَةٌ «٣» » . قَالَ الإمام أبو «٤» سُلَيْمَانُ الْبُسْتِيُّ: «النَّصِيحَةُ» كَلِمَةٌ يُعَبَّرُ بِهَا عَنْ جُمْلَةِ إِرَادَةِ الْخَيْرِ لِلْمَنْصُوحِ لَهُ، وَلَيْسَ يُمْكِنُ أَنْ يُعَبَّرَ عَنْهَا بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ تَحْصُرُهَا.. وَمَعْنَاهَا فِي اللُّغَةِ «الْإِخْلَاصُ» مِنْ قَوْلِهِمْ (نَصَحْتُ الْعَسَلَ) إِذَا خَلَّصْتُهُ مِنْ شَمْعِهِ. وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بن اسحق «٥» الخفّاف: «النصح» فعل الشيء
الَّذِي بِهِ الصَّلَاحُ وَالْمُلَاءَمَةُ مَأْخُوذٌ مِنَ «النِّصَاحِ» «١» : وَهُوَ الْخَيْطُ الَّذِي يُخَاطُ بِهِ الثَّوْبُ. وَقَالَ أبو إسحق «٢» الزَّجَّاجُ نَحْوَهُ.. ١- فَنَصِيحَةُ اللَّهِ تَعَالَى صِحَّةُ الِاعْتِقَادِ لَهُ بِالْوَحْدَانِيَّةِ، وَوَصْفُهُ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ.. وَتَنْزِيهُهُ عَمَّا لَا يَجُوزُ عَلَيْهِ.. وَالرَّغْبَةُ فِي مَحَابِّهِ «٣» ، وَالْبُعْدُ مِنْ مَسَاخِطِهِ، وَالْإِخْلَاصُ فِي عِبَادَتِهِ.. ٢- وَالنَّصِيحَةُ لِكِتَابِهِ الْإِيمَانُ بِهِ، وَالْعَمَلُ بِمَا فِيهِ وَتَحْسِينُ تلاوته.. والتخشع عنده.. والتعظم لَهُ، وَتَفَهُّمُهُ، وَالتَّفَقُّهُ فِيهِ.. وَالذَّبُّ عَنْهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْغَالِينَ «٤» .. وَطَعْنِ الْمُلْحِدِينَ. ٣- وَالنَّصِيحَةُ لِرَسُولِهِ، التَّصْدِيقُ بِنُبُوَّتِهِ، وَبِذْلُ الطَّاعَةِ لَهُ فِيمَا أَمَرَ بِهِ ونهى عنه.. قال أبو سليمان «٥» وقال أبو بكر «٦» وموازرته «٧» ونصرته
َسُولِهِ، التَّصْدِيقُ بِنُبُوَّتِهِ، وَبِذْلُ الطَّاعَةِ لَهُ فِيمَا أَمَرَ بِهِ ونهى عنه.. قال أبو سليمان «٥» وقال أبو بكر «٦» وموازرته «٧» ونصرته
وَحِمَايَتُهُ حَيًّا وَمَيِّتًا، وَإِحْيَاءُ سُنَّتِهِ بِالطَّلَبِ، وَالذَّبِّ عَنْهَا وَنَشْرِهَا، وَالتَّخَلُّقِ بِأَخْلَاقِهِ الْكَرِيمَةِ، وَآدَابِهِ الْجَمِيلَةِ. وقال أبو إبراهيم إسحق «١» النجيبي: «نَصِيحَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ التصديق بما جاء به والاعتصام بسنتا وَنَشَرِهَا وَالْحَضُّ عَلَيْهَا، وَالدَّعْوَةُ إِلَى اللَّهِ، وَإِلَى كِتَابِهِ، وَإِلَى رَسُولِهِ، وَإِلَيْهَا. وَإِلَى الْعَمَلِ بِهَا» . قال أَحْمَدُ «٢» بْنُ مُحَمَّدٍ: «مِنْ مَفْرُوضَاتِ الْقُلُوبِ اعْتِقَادُ النَّصِيحَةِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ» . وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الْآجُرِّيُّ «٣» وَغَيْرُهُ «النُّصْحُ لَهُ يَقْتَضِي نُصْحَيْنِ. نُصْحًا فِي حَيَاتِهِ. وَنُصْحًا بَعْدَ مماته. أ- فَفِي حَيَاتِهِ.. نُصْحُ أَصْحَابِهِ لَهُ بِالنَّصْرِ، وَالْمُحَامَاةِ عَنْهُ، وَمُعَادَاةِ مَنْ عَادَاهُ، وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ لَهُ.. وَبَذْلِ النُّفُوسِ وَالْأَمْوَالِ دُونَهُ.. كَمَا قَالَ تَعَالَى «رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ» «٤» الاية.
وقال: «وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ» «١» الاية. ب- وَأَمَّا نَصِيحَةُ الْمُسْلِمِينَ لَهُ بَعْدَ وَفَاتِهِ، فَالْتِزَامُ التَّوْقِيرِ وَالْإِجْلَالِ، وَشِدَّةُ الْمَحَبَّةِ لَهُ، وَالْمُثَابَرَةُ عَلَى تَعَلُّمِ سُنَّتِهِ، وَالتَّفَقُّهُ فِي شَرِيعَتِهِ، وَمَحَبَّةُ آلِ بَيْتِهِ وَأَصْحَابِهِ، وَمُجَانَبَةُ مَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِهِ وَانْحَرَفَ عَنْهَا، وَبُغْضُهُ وَالتَّحْذِيرُ مِنْهُ وَالشَّفَقَةُ عَلَى أُمَّتِهِ، وَالْبَحْثُ عَنْ تَعَرُّفِ أَخْلَاقِهِ وَسِيَرِهِ وَآدَابِهِ.. وَالصَّبْرِ عَلَى ذَلِكَ. فَعَلَى مَا ذَكَرَهُ، تَكُونُ النَّصِيحَةُ إِحْدَى ثَمَرَاتِ الْمَحَبَّةِ، وَعَلَامَةٌ مِنْ عَلَامَاتِهَا كما قدمناه.. وَحَكَى الْإِمَامُ أَبُو الْقَاسِمِ «٢» الْقُشَيْرِيُّ: أَنَّ عَمْرَو بْنَ اللَّيْثِ «٣» أَحَدَ مُلُوكِ خُرَاسَانَ وَمَشَاهِيرِ الثُّوَّارِ المعروف بالصفّار «٤» رؤي في
النَّوْمِ «١» ، فَقِيلَ لَهُ: مَا فَعَلَ اللَّهُ بِكَ؟!. فَقَالَ: غَفَرَ لِي فَقِيلَ: بِمَاذَا؟ .. قَالَ: صَعِدْتُ «٢» ذُرْوَةَ جَبَلٍ يَوْمًا فَأَشْرَفْتُ عَلَى جُنُودِي فَأَعْجَبَتْنِي كَثْرَتُهُمْ فَتَمَنَّيْتُ أَنِّي حَضَرْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأَعَنْتُهُ وَنَصَرْتُهُ.. فَشَكَرَ اللَّهُ لِي ذَلِكَ وَغَفَرَ لِي. ٤- وَأَمَّا النُّصْحُ لِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ فَطَاعَتُهُمْ فِي الْحَقِّ وَمَعُونَتُهُمْ فِيهِ وَأَمْرُهُمْ بِهِ، وَتَذْكِيرُهُمْ إِيَّاهُ عَلَى أَحْسَنِ وَجْهٍ، وَتَنْبِيهُهُمْ على ما غفلوا عنه وكتم عنه مِنْ أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ، وَتَرْكُ الْخُرُوجِ عَلَيْهِمْ وَتَضْرِيبِ «٣» النَّاسِ وَإِفْسَادِ قُلُوبِهِمْ عَلَيْهِمْ.. ٥- وَالنُّصْحُ لِعَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ، إِرْشَادُهُمْ إِلَى مَصَالِحِهِمْ، وَمَعُونَتُهُمْ فِي أَمْرِ دِينِهِمْ وَدُنْيَاهُمْ بِالْقَوْلِ وَالْفِعْلِ، وَتَنْبِيهُ غَافِلِهِمْ، وَتَبْصِيرُ جَاهِلِهِمْ، وَرَفْدُ «٤» مُحْتَاجِهِمْ، وَسَتْرُ عَوْرَاتِهِمْ، وَدَفْعُ الْمَضَارِّ عَنْهُمْ، وجلب المنافع إليهم..
ْبِيهُ غَافِلِهِمْ، وَتَبْصِيرُ جَاهِلِهِمْ، وَرَفْدُ «٤» مُحْتَاجِهِمْ، وَسَتْرُ عَوْرَاتِهِمْ، وَدَفْعُ الْمَضَارِّ عَنْهُمْ، وجلب المنافع إليهم..
الْبَابُ الثَّالِثُ فِي تَعْظِيمِ أَمْرِهِ وَوُجُوبِ تَوْقِيرِهِ وبرّه وفيه سبعة فصول
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ مَا وَرَدَ فِي ذَلِكَ قَالَ الله تَعَالَى: «يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ» «١» . وقال: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ» «٢» و «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ» الثلاث آيات. وَقَالَ تَعَالَى: «لَا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً» » فأوجب تعالى تعزيره وتوقيره.. وألزم إكرامه وتعظيمه
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ «١» : «تُعَزِّرُوهُ» تُجِلُّوهُ. وَقَالَ الْمُبَرِّدُ «٢» : «تُعَزِّرُوهُ» تُبَالِغُوا فِي تَعْظِيمِهِ. وَقَالَ الْأَخْفَشُ «٣» : تَنْصُرُونَهُ. وقال الطبري «٤» : تعينونه. وقرىء «٥» : «تعزّزوه» بزائين مِنَ الْعِزِّ وَنُهِيَ عَنِ التَّقَدُّمِ بَيْنَ يَدَيْهِ بِالْقَوْلِ وَسُوءِ الْأَدَبِ بِسَبْقِهِ بِالْكَلَامِ عَلَى قَوْلِ ابن عباس «١» وغيره وهو اختيار ثعلب «٦» .
نُهِيَ عَنِ التَّقَدُّمِ بَيْنَ يَدَيْهِ بِالْقَوْلِ وَسُوءِ الْأَدَبِ بِسَبْقِهِ بِالْكَلَامِ عَلَى قَوْلِ ابن عباس «١» وغيره وهو اختيار ثعلب «٦» .
قَالَ سَهْلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ «١» : لَا تَقُولُوا قَبْلَ أَنْ يَقُولَ.. وَإِذَا قَالَ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وأنصتوا.. ونهوا عن التقدم والنعجل بِقَضَاءِ أَمْرٍ قَبْلَ قَضَائِهِ فِيهِ، وَأَنْ يَفْتَاتُوا «٢» بِشَيْءٍ فِي ذَلِكَ مِنْ قِتَالٍ أَوْ غَيْرِهِ من أمر دينهم إلا بأمره، وَلَا يَسْبِقُوهُ بِهِ وَإِلَى هَذَا يَرْجِعُ قَوْلُ الحسن «٣» مجاهد «٤» وَالضَّحَّاكِ «٥» وَالسُّدِّيِّ «٦» وَالثَّوْرِيِّ «٧» ثُمَّ وَعَظَهُمْ وَحَذَّرَهُمْ مُخَالَفَةَ ذَلِكَ فَقَالَ «وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ» «٨» قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ «٩» «اتَّقُوهُ» يَعْنِي فِي التَّقَدُّمِ. وَقَالَ السُّلَمِيُّ «١٠» : «اتَّقُوا اللَّهَ» فِي إِهْمَالِ حَقِّهِ، وَتَضْيِيعِ حُرْمَتِهِ، إِنَّهُ سُمَيْعٌ لِقَوْلِكُمْ عَلِيمٌ بِفِعْلِكُمْ ثُمَّ نَهَاهُمْ عَنْ رَفْعِ الصَّوْتِ فَوْقَ صَوْتِهِ وَالْجَهْرِ لَهُ بِالْقَوْلِ كَمَا يَجْهَرُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ وَيَرْفَعُ صَوْتَهُ.. وَقِيلَ كَمَا يُنَادِي بَعْضُهُمْ بَعْضًا بِاسْمِهِ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ مَكِّيٌّ «١» : أَيْ لَا تُسَابِقُوهُ بِالْكَلَامِ وَتُغْلِظُوا لَهُ بِالْخِطَابِ، وَلَا تُنَادُوهُ بِاسْمِهِ نِدَاءَ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ، وَلَكِنْ عَظِّمُوهُ وَوَقِّرُوهُ وَنَادُوهُ بِأَشْرَفِ مَا يُحِبُّ أَنْ يُنَادَى بِهِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ. وَهَذَا كَقَوْلِهِ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: «لَا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً» «٢» وعلى أَحَدِ التَّأْوِيلَيْنِ. وَقَالَ غَيْرُهُ لَا تُخَاطِبُوهُ إِلَّا مُسْتَفْهِمِينَ «٣» ، ثُمَّ خَوَّفَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى بِحَبْطِ أَعْمَالِهِمْ ان هم فعلوا ذلك.. وحذرهم منه. قيل: نَزَلَتِ الْآيَةُ فِي وَفْدِ بَنِي تَمِيمٍ «٤» . وَقِيلَ: فِي غَيْرِهِمْ.. أَتَوُا النَّبِيَّ ﷺ فَنَادَوْهُ.. يَا مُحَمَّدُ يَا مُحَمَّدُ. اخْرُجْ إِلَيْنَا. فَذَمَّهُمُ اللَّهُ تَعَالَى بِالْجَهْلِ، وَوَصَفَهُمْ بِأَنَّ أكثرهم لا يعقلون.
وَقِيلَ: نَزَلَتِ الْآيَةُ الْأُولَى فِي مُحَاوَرَةٍ كَانَتْ بَيْنَ أَبِي بَكْرٍ «١» وَعُمَرَ «٢» بَيْنَ يَدَيِ النَّبِيِّ ﷺ وَاخْتِلَافٍ جَرَى بَيْنَهُمَا حَتَّى ارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا «٣» . وَقِيلَ: نَزَلَتْ «٤» فِي ثَابِتِ «٥» بْنِ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ خَطِيبِ النَّبِيِّ ﷺ فِي مُفَاخَرَةِ بَنِي تَمِيمٍ، وَكَانَ فِي أُذُنَيْهِ صَمَمٌ.. فَكَانَ يَرْفَعُ صَوْتَهُ. فَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ أَقَامَ فِي مَنْزِلِهِ وَخَشِيَ أَنْ يَكُونَ حَبِطَ عَمَلُهُ.. ثُمَّ أَتَى النبي ﷺ فقال: يا نَبِيَّ اللَّهِ، لَقَدْ خَشِيتُ أَنْ أَكُونَ هَلَكْتُ.. نَهَانَا اللَّهُ أَنْ نَجْهَرَ بِالْقَوْلِ.. وَأَنَا امْرُؤٌ جَهِيرُ الصَّوْتِ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: يَا ثَابِتُ.. أَمَّا تَرْضَى أَنْ تَعِيشَ حَمِيدًا وَتُقْتَلَ شَهِيدًا وَتَدْخُلَ الْجَنَّةَ..» فَقُتِلَ يَوْمَ الْيَمَامَةِ «٦» . وَرُوِيَ «٧» أَنَّ أَبَا بَكْرٍ «١» لَمَّا نَزَلَتْ هذه الاية قال: والله
قْتَلَ شَهِيدًا وَتَدْخُلَ الْجَنَّةَ..» فَقُتِلَ يَوْمَ الْيَمَامَةِ «٦» . وَرُوِيَ «٧» أَنَّ أَبَا بَكْرٍ «١» لَمَّا نَزَلَتْ هذه الاية قال: والله
يَا رَسُولَ اللَّهِ لَا أُكَلِّمُكَ بَعْدَهَا إِلَّا كَأَخِي السِّرَارِ «١» .. وَأَنَّ عُمَرَ كَانَ إِذَا حَدَّثَهُ كَأَخِي السِّرَارِ مَا كَانَ يَسْمَعُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ هَذِهِ الْآيَةِ حَتَّى يَسْتَفْهِمَهُ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِمْ: «إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْواتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ» «٢» وَقِيلَ: نَزَلَتْ «إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ» «٣» فِي غَيْرِ بَنِي تَمِيمٍ.. نَادَوْهُ بِاسْمِهِ. وَرَوَى «٤» صَفْوَانُ بْنُ عَسَّالٍ» بَيْنَا «٦» النَّبِيُّ ﷺ في سفر اذ نَادَاهُ أَعْرَابِيٌّ بِصَوْتٍ لَهُ جَهْوَرِيٌّ أَيَا مُحَمَّدُ، أيا محمد، أيا محمد «٧» .. فقلنا لَهُ: اغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ فَإِنَّكَ قَدْ نُهِيتَ عن رفع الصوت.. وقال الله تعالى: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا
«١» راعِنا «٢» » قَالَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ: هِيَ لُغَةٌ كَانَتْ فِي الْأَنْصَارِ نُهُوا عَنْ قَوْلِهَا تَعْظِيمًا لِلنَّبِيِّ ﷺ وَتَبْجِيلًا لَهُ.. لِأَنَّ مَعْنَاهَا ارْعَنَا نَرْعَكَ فَنُهُوا عَنْ قَوْلِهَا إِذْ مُقْتَضَاهَا كَأَنَّهُمْ لَا يَرْعَوْنَهُ إِلَّا بِرِعَايَتِهِ لَهُمْ.. بَلْ حَقُّهُ أَنْ يُرْعَى عَلَى كُلِّ حَالٍ.. وَقِيلَ: كَانَتِ الْيَهُودُ تُعَرِّضُ بِهَا لِلنَّبِيِّ ﷺ بِالرُّعُونَةِ «٣» فَنُهِيَ الْمُسْلِمُونَ عَنْ قَوْلِهَا قطعا للذريعة «٤» ، ومنعا للتشبه بِهِمْ فِي قَوْلِهَا لِمُشَارَكَةِ اللَّفْظَةِ وَقِيلَ: غَيْرُ هذا.
ونَةِ «٣» فَنُهِيَ الْمُسْلِمُونَ عَنْ قَوْلِهَا قطعا للذريعة «٤» ، ومنعا للتشبه بِهِمْ فِي قَوْلِهَا لِمُشَارَكَةِ اللَّفْظَةِ وَقِيلَ: غَيْرُ هذا.
الفصل الثّاني عادة الصّحابة في تعظيمه وتوقيره وإجلاله ﷺ عن عمرو بن العاص «١» قَالَ «٢» : وَمَا كَانَ أَحَدٌ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَا أَجَلَّ فِي عَيْنِي مِنْهُ.. وَمَا كُنْتُ أُطِيقُ أَنْ أَمْلَأَ عَيْنِي «٣» مِنْهُ إِجْلَالًا لَهُ.. وَلَوْ سُئِلْتُ «٤» أَنْ أَصِفَهُ مَا أَطَقْتُ لِأَنِّي لَمْ أَكُنْ أَمْلَأُ عَيْنِي مِنْهُ. وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ «٥» عَنْ أَنَسٍ «٦» : «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَخْرُجُ عَلَى أَصْحَابِهِ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَهُمْ جُلُوسٌ، فِيهِمْ أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ.. فَلَا يَرْفَعُ أَحَدٌ مِنْهُمْ إِلَيْهِ بَصَرَهُ إِلَّا أبو بكر وعمر
فَإِنَّهُمَا كَانَا يَنْظُرَانِ إِلَيْهِ وَيَنْظُرُ إِلَيْهِمَا، وَيَتَبَسَّمَانِ إِلَيْهِ وَيَتَبَسَّمُ لَهُمَا «١» . وَرَوَى أُسَامَةُ «٢» بْنُ شَرِيكٍ قَالَ «٣» : «أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وأصحابه حوله كأنما على رؤوسهم الطَّيْرُ.. وَفِي حَدِيثِ صِفَتِهِ «٤» : إِذَا تَكَلَّمَ أَطْرَقَ جلساؤه كأنما على رؤوسهم الطَّيْرُ. وَقَالَ عُرْوَةُ «٥» بْنُ مَسْعُودٍ حِينَ «٦» وَجَّهَتْهُ قُرَيْشٌ عَامَ الْقَضِيَّةِ «٧» إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَرَأَى مِنْ تَعْظِيمِ أَصْحَابِهِ لَهُ مَا رَأَى، وَأَنَّهُ لَا يَتَوَضَّأُ إِلَّا ابْتَدَرُوا «٨» وَضَوْءَهُ وَكَادُوا يَقْتَتِلُونَ عَلَيْهِ.. وَلَا يَبْصُقُ بُصَاقًا وَلَا يَتَنَخَّمُ «٩» نُخَامَةً إِلَّا تَلَقَّوْهَا بِأَكُفِّهِمْ فدلكوا «١٠»
بِهَا وُجُوهَهُمْ وَأَجْسَادَهُمْ، وَلَا تَسْقُطُ مِنْهُ شَعْرَةٌ إِلَّا ابْتَدَرُوهَا.. وَإِذَا أَمَرَهُمْ بِأَمْرٍ ابْتَدَرُوا أَمْرَهُ.. وَإِذَا تَكَلَّمَ خَفَضُوا أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَهُ، وَمَا يُحِدُّونَ «١» إِلَيْهِ النَّظَرَ تَعْظِيمًا لَهُ، فَلَمَّا رَجَعَ إِلَى قُرَيْشٍ قَالَ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ إِنِّي جِئْتُ كِسْرَى فِي مُلْكِهِ، وَقَيْصَرَ فِي مُلْكِهِ، وَالنَّجَاشِيَّ فِي مُلْكِهِ.. وَإِنِّي وَاللَّهِ مَا رَأَيْتُ مَلِكًا فِي قَوْمٍ قَطُّ مِثْلَ مُحَمَّدٍ فِي أَصْحَابِهِ.. وَفِي رِوَايَةٍ «٢» إِنْ «٣» رَأَيْتُ مَلِكًا قَطُّ يُعَظِّمُهُ أَصْحَابُهُ مَا يُعَظِّمُ مُحَمَّدًا أَصْحَابُهُ.. وَقَدْ رَأَيْتُ قَوْمًا لَا يُسْلِمُونَهُ أَبَدًا «٤» . وَعَنْ «٥» أَنَسٍ «٦» : لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ والحلاق «٧» يحلقه.. وأطاف بِهِ أَصْحَابُهُ، فَمَا يُرِيدُونَ أَنْ تَقَعَ شَعْرَةٌ إِلَّا فِي يَدِ رَجُلٍ. وَمِنْ هَذَا: لَمَّا أَذِنَتْ قُرَيْشٌ لِعُثْمَانَ فِي الطَّوَافِ بِالْبَيْتِ حِينَ
ُ، فَمَا يُرِيدُونَ أَنْ تَقَعَ شَعْرَةٌ إِلَّا فِي يَدِ رَجُلٍ. وَمِنْ هَذَا: لَمَّا أَذِنَتْ قُرَيْشٌ لِعُثْمَانَ فِي الطَّوَافِ بِالْبَيْتِ حِينَ
وَجَّهَهُ النَّبِيُّ ﷺ إِلَيْهِمْ فِي الْقَضِيَّةِ «١» أَبَى وَقَالَ: «مَا كُنْتُ لِأَفْعَلَ حَتَّى يَطُوفَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ» «٢» . وَفِي حَدِيثِ» طَلْحَةَ «٤» : «أَنَّ أَصْحَابَ رسول الله ﷺ قالوا لِأَعْرَابِيٍّ جَاهِلٍ: سَلْهُ عَمَّنْ قَضَى نَحْبَهُ «٥» - وَكَانُوا يَهَابُونَهُ وَيُوَقِّرُونَهُ. فَسَأَلَهُ فَأَعْرَضَ عَنْهُ. إِذْ طَلَعَ طَلْحَةُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «هَذَا مِمَّنْ قَضَى نَحْبَهُ» . وَفِي حَدِيثِ «٦» قَيْلَةَ «٧» : «فَلَمَّا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ
جَالِسًا الْقُرْفُصَاءَ «١» أَرْعَدْتُ «٢» مِنَ الْفَرَقِ «٣» وَذَلِكَ هَيْبَةً لَهُ وَتَعْظِيمًا» وَفِي حَدِيثِ «٤» الْمُغِيرَةِ «٥» : «كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَقْرَعُونَ بابه بالأظافير «٦» .» وَقَالَ «٧» الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ «٨» : «لَقَدْ كُنْتُ أُرِيدُ أَنْ أَسْأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْأَمْرِ فَأُؤَخِّرُ «٩» سِنِينَ «١٠» مِنْ هَيْبَتِهِ» .
الْفَصْلُ الثَّالِثُ حُرْمَتُهُ وَتَوْقِيرُهُ ﷺ وَاعْلَمْ أَنَّ حُرْمَةَ النَّبِيِّ ﷺ بَعْدَ مَوْتِهِ وَتَوْقِيرَهُ وَتَعْظِيمَهُ لَازِمٌ كَمَا كَانَ حَالَ حَيَاتِهِ.. وَذَلِكَ عِنْدَ ذِكْرِهِ ﷺ، وَذِكْرِ حَدِيثِهِ وَسُنَّتِهِ، وَسَمَاعِ اسْمِهِ وَسِيرَتِهِ، وَمُعَامَلَةِ آلِهِ وَعِتْرَتِهِ «١» ، وَتَعْظِيمِ أهل بيته وصحابته. قال أَبُو إِبْرَاهِيمَ «٢» التُّجِيبِيُّ «٣» : «وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُؤْمِنٍ مَتَّى ذَكَرَهُ أَوْ ذُكِرَ عِنْدَهُ أَنْ يَخْضَعَ وَيَخْشَعَ، وَيَتَوَقَّرَ وَيُسَكِّنَ مِنْ حَرَكَتِهِ، وَيَأْخُذَ فِي هَيْبَتِهِ وَإِجْلَالِهِ بِمَا كَانَ يَأْخُذُ بِهِ نَفْسَهُ لَوْ كَانَ بَيْنَ يَدَيْهِ.. وَيَتَأَدَّبُ بِمَا أَدَّبَنَا الله به.
ِهِ، وَيَأْخُذَ فِي هَيْبَتِهِ وَإِجْلَالِهِ بِمَا كَانَ يَأْخُذُ بِهِ نَفْسَهُ لَوْ كَانَ بَيْنَ يَدَيْهِ.. وَيَتَأَدَّبُ بِمَا أَدَّبَنَا الله به.
قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْفَضْلِ «١» : «وَهَذِهِ كَانَتْ سِيرَةَ سَلَفِنَا الصَّالِحِ وَأَئِمَّتِنَا الْمَاضِينَ ﵃» . قال أبو حميد «٢» : نَاظَرَ أَبُو جَعْفَرٍ «٣» أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ مَالِكًا «٤» فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ لَهُ مَالِكٌ «٤» : «يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لَا تَرْفَعْ صَوْتَكَ فِي هَذَا الْمَسْجِدِ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَدَّبَ قَوْمًا فَقَالَ: «لَا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ «٥» » الْآيَةَ. وَمَدَحَ قَوْمًا فَقَالَ: «إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْواتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ «٦» » الْآيَةَ وَذَمَّ قَوْمًا فَقَالَ: «إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ.. «٧» » الْآيَةَ. وَإِنَّ حُرْمَتَهُ مَيِّتًا كَحُرْمَتِهِ حَيًّا.. فَاسْتَكَانَ «٨» لَهَا أَبُو جَعْفَرٍ «٣» وَقَالَ: «يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ «٩» .. أَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ وَأَدْعُو أَمْ أَسْتَقْبِلُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ» فَقَالَ: «وَلِمَ تَصْرِفُ وَجْهَكَ عَنْهُ وَهُوَ وَسِيلَتُكَ وَوَسِيلَةُ أَبِيكَ آدَمَ ﵇ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى يَوْمَ القيامة!! بل استقبله «١٠» واستشفع
بِهِ فَيُشَفِّعَهُ اللَّهُ» .. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: «وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ» «١» الْآيَةَ. وَقَالَ مَالِكٌ «٢» وَقَدْ سُئِلَ عَنْ أَيُّوبَ «٣» السَّخْتِيَانِيِّ: «مَا حَدَّثْتُكُمْ عَنْ أَحَدٍ إِلَّا وَأَيُّوبُ أفضل منه» .. قال: «وَحَجَّ حَجَّتَيْنِ فَكُنْتُ أَرْمُقُهُ وَلَا أَسْمَعُ مِنْهُ.. غَيْرَ أَنَّهُ كَانَ إِذَا ذُكِرَ النَّبِيُّ ﷺ بَكَى حَتَّى أَرْحَمُهُ.. فَلَمَّا رَأَيْتُ مِنْهُ مَا رَأَيْتُ وَإِجْلَالَهُ لِلنَّبِيِّ ﷺ كَتَبْتُ عَنْهُ «٤» » . وَقَالَ مُصْعَبُ «٥» بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: «كَانَ مَالِكٌ إِذَا ذُكِرَ «٦» النَّبِيُّ ﷺ يَتَغَيَّرُ لَوْنُهُ وَيَنْحَنِي حَتَّى يَصْعُبَ ذَلِكَ عَلَى جُلَسَائِهِ» . فَقِيلَ
لَهُ يَوْمًا فِي ذَلِكَ فَقَالَ: «لَوْ رَأَيْتُمْ مَا رَأَيْتُ لَمَا أَنْكَرْتُمْ عَلَيَّ مَا تَرَوْنَ» . وَلَقَدْ كُنْتُ أَرَى مُحَمَّدَ بْنَ الْمُنْكَدِرِ «١» وَكَانَ سَيِّدَ الْقُرَّاءِ، لَا نَكَادُ نَسْأَلُهُ عَنْ حَدِيثٍ أَبَدًا إِلَّا يَبْكِي حَتَّى نَرْحَمَهُ.. وَلَقَدْ كُنْتُ أرى جعفر بن محمد «٢» .. وَكَانَ كَثِيرَ الدُّعَابَةِ وَالتَّبَسُّمِ فَإِذَا ذُكِرَ عِنْدَهُ النَّبِيُّ ﷺ اصْفَرَّ وَمَا رَأَيْتُهُ يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلا على طهارة.. ولقد اخْتَلَفَتْ إِلَيْهِ زَمَانًا، فَمَا كُنْتُ أَرَاهُ إِلَّا عَلَى ثَلَاثِ خِصَالٍ.. إِمَّا مُصَلِّيًا وَإِمَّا صَامِتًا، وَإِمَّا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ.. وَلَا يَتَكَلَّمُ فِيمَا لَا يَعْنِيهِ.. وَكَانَ مِنَ الْعُلَمَاءِ وَالْعُبَّادِ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ اللَّهَ ﷿.. وَلَقَدْ كَانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْقَاسِمِ «٣» يَذْكُرُ النَّبِيَّ ﷺ فَيُنْظَرُ إِلَى لَوْنِهِ كَأَنَّهُ نَزَفَ مِنْهُ الدَّمُ، وَقَدْ جَفَّ لِسَانُهُ فِي فَمِهِ هَيْبَةً مِنْهُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ.. وَلَقَدْ كُنْتُ آتِي عَامِرَ «٤» بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بن الزبير، فإذا ذكر
مُ، وَقَدْ جَفَّ لِسَانُهُ فِي فَمِهِ هَيْبَةً مِنْهُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ.. وَلَقَدْ كُنْتُ آتِي عَامِرَ «٤» بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بن الزبير، فإذا ذكر
عِنْدَهُ النَّبِيُّ ﷺ بَكَى حَتَّى لَا يَبْقَى فِي عَيْنَيْهِ دُمُوعٌ. وَلَقَدْ رَأَيْتُ الزُّهْرِيَّ «١» وَكَانَ مِنْ أَهْنَإِ النَّاسِ وَأَقَرَبِهِمْ، فَإِذَا ذُكِرَ عِنْدَهُ النَّبِيُّ ﷺ فَكَأَنَّهُ مَا عَرَفَكَ وَلَا عَرَفْتَهُ. وَلَقَدْ كُنْتُ آتِي صَفْوَانَ «٢» بْنَ سُلَيْمٍ، وَكَانَ مِنَ الْمُتَعَبِّدِينَ الْمُجْتَهِدِينَ فَإِذَا ذُكِرَ النَّبِيُّ ﷺ بَكَى فَلَا يَزَالُ يَبْكِي حَتَّى يَقُومَ النَّاسُ عَنْهُ وَيَتْرُكُوهُ. وَرُوِيَ عَنْ قَتَادَةَ «٣» : «أَنَّهُ كَانَ إِذَا سَمِعَ الْحَدِيثَ أَخَذَهُ الْعَوِيلُ «٤» وَالزَّوِيلُ «٥» » . وَلَمَّا كَثُرَ عَلَى مَالِكٍ النَّاسُ قِيلَ لَهُ: «لَوْ جَعَلْتَ مُسْتَمْلِيًا «٦» يُسْمِعُهُمْ» فَقَالَ: (قَالَ الله تعالى: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ» «٧» وَحُرْمَتُهُ حَيًّا وَمَيِّتًا سَوَاءٌ) . وَكَانَ ابْنُ سِيرِينَ «٨» ربما يضحك.. فإذا ذكر عنده حديث
النَّبِيِّ ﷺ خَشَعَ. وَكَانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ «١» بْنُ مَهْدِيٍّ إِذَا قَرَأَ حَدِيثَ النَّبِيِّ ﷺ أَمَرَهُمْ بِالسُّكُوتِ وَقَالَ: «لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ» .. وَيَتَأَوَّلُ أَنَّهُ يَجِبُ لَهُ مِنَ الْإِنْصَاتِ عِنْدَ قِرَاءَةِ حَدِيثِهِ مَا يَجِبُ لَهُ عِنْدَ سَمَاعِ قوله..
الفصل الرابع تعظيم السّلف لرواية حديث رسول الله ﷺ وسننه عَنْ «١» عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ «٢» قَالَ: «اخْتَلَفْتُ إِلَى ابْنِ مَسْعُودٍ «٣» سَنَةً فَمَا سَمِعْتُهُ يَقُولُ: قَالَ رسول الله ﷺ إلا أَنَّهُ حَدَّثَ يَوْمًا فَجَرَى عَلَى لِسَانِهِ قَالَ رسول الله ﷺ.. ثم عَلَاهُ كَرْبٌ حَتَّى رَأَيْتُ الْعَرَقَ يَتَحَدَّرُ «٤» عَنْ جَبْهَتِهِ ثُمَّ قَالَ: هَكَذَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ أو فوق ذَا أَوْ مَا هُوَ قَرِيبٌ مِنْ ذَا» «٥» . وفي رواية فتربد «٦» وجهه.
َ يَتَحَدَّرُ «٤» عَنْ جَبْهَتِهِ ثُمَّ قَالَ: هَكَذَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ أو فوق ذَا أَوْ مَا هُوَ قَرِيبٌ مِنْ ذَا» «٥» . وفي رواية فتربد «٦» وجهه.
وفي رواية تغر غرت «١» عَيْنَاهُ وَانْتَفَخَتْ أَوْدَاجُهُ «٢» . وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ «٣» بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُرَيْمٍ الْأَنْصَارِيُّ قَاضِي الْمَدِينَةِ: «مَرَّ مَالِكُ «٤» بْنُ أَنَسٍ عَلَى أَبِي حَازِمٍ «٥» وَهُوَ يُحَدِّثُ فَجَازَهُ وَقَالَ: إِنِّي لَمْ أَجِدْ مَوْضِعًا أَجْلِسُ فِيهِ.. فَكَرِهْتُ أَنْ آخُذَ حَدِيثَ رَسُولِ ﷺ وَأَنَا قَائِمٌ» . وَقَالَ مَالِكٌ «٦» : (جَاءَ رَجُلٌ إِلَى ابْنِ الْمُسَيَّبِ «٧» فَسَأَلَهُ عَنْ حَدِيثٍ وَهُوَ مُضْطَجِعٌ فَجَلَسَ وَحَدَّثَهُ.. فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ: «وَدِدْتُ أَنَّكَ لَمْ تَتَعَنَّ» «٨» .. فَقَالَ: «إني كرهت أن أحدثك عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وأنا مضطجع) ..
وَرُوِيَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ «١» أَنَّهُ قَدْ يَكُونُ يَضْحَكُ فَإِذَا ذُكِرَ عِنْدَهُ حَدِيثُ النَّبِيِّ ﷺ خَشَعَ. وَقَالَ أَبُو مُصْعَبٍ «٢» : كَانَ مَالِكُ «٣» بْنُ أَنَسٍ لَا يُحَدِّثُ بِحَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَّا وَهُوَ عَلَى وُضُوءٍ إِجْلَالًا لَهُ. وَحَكَى مَالِكٌ «٣» ذَلِكَ عَنْ جَعْفَرِ «٤» بْنِ مُحَمَّدٍ وَقَالَ مصعب «٥» بن عبد الله: «وكان مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ إِذَا حَدَّثَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَوَضَّأَ وَتَهَيَّأَ وَلَبِسَ ثِيَابَهُ ثُمَّ يُحَدِّثُ» . قَالَ مُصْعَبٌ «٥» : فَسُئِلَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: «إِنَّهُ حَدِيثُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ» .. قَالَ مُطَرِّفٌ «٦» : (كَانَ إِذَا أَتَى النَّاسَ مَالِكًا خَرَجَتْ إِلَيْهِمُ الْجَارِيَةُ فَتَقُولُ لَهُمْ: يَقُولُ لَكُمُ الشَّيْخُ: تُرِيدُونَ الْحَدِيثَ أَوِ الْمَسَائِلَ؟ فَإِنْ قَالُوا الْمَسَائِلَ.. خَرَجَ إِلَيْهِمْ وإن قالوا الحديث دخل مغتسله
وَاغْتَسَلَ وَتَطَيَّبَ وَلَبِسَ ثِيَابًا جُدُدًا، وَلَبِسَ سَاجَهُ «١» ، وتعمم، ووضع على رأسه رداءه «٢» ، وَتُلْقَى لَهُ مِنَصَّةٌ فَيَخْرُجُ فَيَجْلِسُ عَلَيْهَا وَعَلَيْهِ الخشوع.. ولا يزال يتبخر بِالْعُودِ حَتَّى يَفْرَغَ مِنْ حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . قَالَ غَيْرُهُ: «وَلَمْ يَكُنْ يَجْلِسُ عَلَى تِلْكَ الْمِنَصَّةِ إِلَّا إِذَا حَدَّثَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ» . قَالَ ابْنُ أَبِي أُوَيْسٍ «٣» : فَقِيلَ لِمَالِكٍ «٤» في ذلك.. فقال: «إني أُحِبُّ أَنْ أُعَظِّمَ حَدِيثَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَلَا أُحَدِّثُ بِهِ إِلَّا على طَهَارَةٍ مُتَمَكِّنًا» . قَالَ: وَكَانَ يَكْرَهُ أَنْ يُحَدِّثَ فِي الطَّرِيقِ أَوْ وَهُوَ قَائِمٌ أَوْ مُسْتَعْجِلٌ.. وَقَالَ: أُحِبُّ أَنْ أَفْهَمَ حَدِيثَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. قَالَ ضِرَارُ «٥» بْنُ مرة: «وكانوا يكرهون أن يحدثوا على غير وضوء» .
ٌ أَوْ مُسْتَعْجِلٌ.. وَقَالَ: أُحِبُّ أَنْ أَفْهَمَ حَدِيثَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. قَالَ ضِرَارُ «٥» بْنُ مرة: «وكانوا يكرهون أن يحدثوا على غير وضوء» .
وَنَحْوَهُ عَنْ قَتَادَةَ «١» . وَكَانَ الْأَعْمَشُ «٢» إِذَا حَدَّثَ وَهُوَ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ تَيَمَّمَ.. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ «٣» : (كُنْتُ عِنْدَ مَالِكٍ «٤» وَهُوَ يحدثنا فلدغه عَقْرَبٌ سِتَّ عَشْرَةَ مَرَّةً وَهُوَ يَتَغَيَّرُ لَوْنُهُ وَيَصْفَرُّ، وَلَا يَقْطَعُ حَدِيثَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلَمَّا فَرَغَ مِنَ الْمَجْلِسِ وتفرق عنه الناس قلت: «يا أبا عبد الله.. لقد رأيت منك اليوم عجبا» قال: نعم.. إنما صَبَرْتُ إِجْلَالًا لِحَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . قَالَ ابْنُ مَهْدِيٍّ «٥» : (مَشَيْتُ يَوْمًا مَعَ مَالِكٍ «٤» إِلَى الْعَقِيقِ «٦» .. فَسَأَلْتُهُ عَنْ حَدِيثٍ فَانْتَهَرَنِي وَقَالَ لِي: «كُنْتَ فِي عَيْنِي أَجَلَّ مِنْ أَنْ تَسْأَلَ عَنْ حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَنَحْنُ نَمْشِي» . وَسَأَلَهُ جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ «٧» الْقَاضِي عَنْ حَدِيثٍ وهو قائم
فَأَمَرَ بِحَبْسِهِ.. فَقِيلَ لَهُ. إِنَّهُ قَاضٍ!!! قَالَ: الْقَاضِي: أَحَقُّ مَنْ أُدِّبَ.. وَذَكَرَ أَنَّ هِشَامَ بْنِ الْغَازِي «١» سَأَلَ مَالِكًا عَنْ حَدِيثٍ وَهُوَ وَاقِفٌ فَضَرَبَهُ عِشْرِينَ «٢» سَوْطًا، ثُمَّ أَشْفَقَ عَلَيْهِ فَحَدَّثَهُ عِشْرِينَ حَدِيثًا فَقَالَ هِشَامٌ «١» : «وَدِدْتُ لَوْ زَادَنِي سِيَاطًا وَيَزِيدُنِي حَدِيثًا» . قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ: «٣» «كَانَ مَالِكٌ «٤» وَاللَّيْثُ «٥» لَا يَكْتُبَانِ الْحَدِيثَ إِلَّا وَهُمَا طَاهِرَانِ» .. وَكَانَ قَتَادَةُ «٦» يَسْتَحِبُّ أن لا يَقْرَأَ أَحَادِيثَ النَّبِيِّ ﷺ إلا على
وُضُوءٍ وَلَا يُحَدِّثُ إِلَّا عَلَى طَهَارَةٍ. وَكَانَ الْأَعْمَشُ «١» إِذَا أَرَادَ أَنْ يُحَدِّثَ وَهُوَ عَلَى غير وضوء تيمم.
نَّبِيِّ ﷺ إلا على
وُضُوءٍ وَلَا يُحَدِّثُ إِلَّا عَلَى طَهَارَةٍ. وَكَانَ الْأَعْمَشُ «١» إِذَا أَرَادَ أَنْ يُحَدِّثَ وَهُوَ عَلَى غير وضوء تيمم.
الْفَصْلُ الْخَامِسُ بِرُّ آلِهِ وَذُرِّيَّتِهِ وَأُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ وَمِنْ تَوْقِيرِهِ ﷺ وَبِرِّهِ بِرُّ آلِهِ «١» وَذُرِّيَّتِهِ وَأُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ أَزْوَاجِهِ.. كَمَا حَضَّ عَلَيْهِ ﷺ وَسَلَكَهُ السَّلَفُ الصَّالِحُ ﵃.. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: «إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ «٢» أَهْلَ الْبَيْتِ.» «٣» الاية. وقال تعالى: «وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ «٤» » . عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ «٥» ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «٦» :
«أَنْشُدُكُمُ اللَّهَ أَهْلَ بَيْتِي- ثَلَاثًا- قُلْنَا لِزَيْدٍ: مَنْ أَهْلُ بَيْتِهِ؟. قَالَ: آلُ عَلِيٍّ «١» وَآلُ جَعْفَرٍ «٢» وَآلُ عَقِيلٍ «٣» . وَآلُ الْعَبَّاسِ «٤» . وَقَالَ ﷺ «٥» : «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَمْ تَضِلُّوا كِتَابَ اللَّهِ وَعِتْرَتِي «٦» أَهْلَ بَيْتِي.. فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا.» وَقَالَ ﷺ «٧» «مَعْرِفَةُ آلِ مُحَمَّدٍ ﷺ بَرَاءَةٌ مِنَ النَّارِ وَحُبُّ آلِ مُحَمَّدٍ جَوَازٌ عَلَى الصِّرَاطِ والولاية لال محمد أمان من العذاب «٨» .»
قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: «مَعْرِفَتُهُمْ.. هِيَ مَعْرِفَةُ مَكَانِهِمْ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ وَإِذَا «١» عَرَفَهُمْ بِذَلِكَ عَرَفَ وُجُوبَ حَقِّهِمْ وَحُرْمَتِهِمْ بِسَبَبِهِ» وَعَنْ «٢» عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ «٣» : (لَمَّا نَزَلَتْ «إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ..» «٤» الاية وَذَلِكَ فِي بَيْتِ أُمِّ سَلَمَةَ «٥» دَعَا فَاطِمَةَ «٦» وَحَسَنًا «٧» وَحُسَيْنًا «٨» فَجَلَّلَهُمْ بِكِسَاءٍ وَعَلِيٌّ «٩» خَلَفَ ظَهْرِهِ ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ هَؤُلَاءِ أَهْلُ بَيْتِي، فَأَذْهِبْ عَنْهُمُ الرِّجْسَ وَطَهِّرْهُمْ تَطْهِيرًا) .. وَعَنْ سَعْدِ «١٠» بْنِ أبي وقاص: لما «١١» نزلت آية المباهلة «١٢»
دَعَا النَّبِيُّ ﷺ عَلِيًّا وَحَسَنًا وَحُسَيْنًا وَفَاطِمَةَ.. وَقَالَ: «اللَّهُمَّ هَؤُلَاءِ أَهْلِي» . وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ «١» فِي عَلِيٍّ: «مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيٌّ «٢» مَوْلَاهُ، اللَّهُمَّ وَالِ مَنْ وَالَاهُ وَعَادِ مَنْ عَادَاهُ.» وَقَالَ فِيهِ «٣» : «لَا يُحِبُّكَ إِلَّا مُؤْمِنٌ وَلَا يَبْغَضُكَ إِلَّا مُنَافِقٌ.» وَقَالَ «٤» لِلْعَبَّاسِ «٥» : «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يَدْخُلُ قَلْبَ رَجُلٍ الْإِيمَانُ حَتَّى يُحِبَّكُمْ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ.. وَمَنْ آذَى عَمِّي فَقَدْ آذَانِي وَإِنَّمَا عَمُّ الرَّجُلِ صِنْوُ «٦» أَبِيهِ» . وَقَالَ «٧» لِلْعَبَّاسِ: «اغْدُ عَلَيَّ يَا عَمِّ مَعَ وَلَدِكَ «٨» .. فَجَمَعَهُمْ
فَقَدْ آذَانِي وَإِنَّمَا عَمُّ الرَّجُلِ صِنْوُ «٦» أَبِيهِ» . وَقَالَ «٧» لِلْعَبَّاسِ: «اغْدُ عَلَيَّ يَا عَمِّ مَعَ وَلَدِكَ «٨» .. فَجَمَعَهُمْ
وجلّلهم بملاءته «١» .. وقال: هذا عمي وصنوا أَبِي.. وَهَؤُلَاءِ أَهْلُ بَيْتِي.. فَاسْتُرْهُمْ مِنَ النَّارِ كَسَتْرِي إِيَّاهُمْ..» فَأَمَّنَتْ أُسْكُفَّةُ «٢» الْبَابِ وَحَوَائِطُ الْبَيْتِ آمين آمين..» وكان «٣» يأخذ بيد أُسَامَةَ «٤» بْنَ زَيْدٍ وَالْحَسَنَ «٥» وَيَقُولُ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أُحِبُّهُمَا فَأَحِبَّهُمَا» . وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ «٦» ﵁: «ارْقُبُوا مُحَمَّدًا فِي أَهْلِ بَيْتِهِ» . وَقَالَ «٧» أَيْضًا: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَرَابَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ أَصِلَ مِنْ قَرَابَتِي» . وَقَالَ ﷺ «٨» : «أحبّ الله من أحب حسنا «٩» .
وَقَالَ «١» : «مَنْ أَحَبَّنِي وَأَحَبَّ هَذَيْنِ- وَأَشَارَ إِلَى حَسَنٍ وَحُسَيْنٍ- وَأَبَاهُمَا وَأُمَّهُمَا كَانَ مَعِي فِي دَرَجَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ..» وَقَالَ ﷺ «٢» : «مَنْ أَهَانَ قُرَيْشًا أَهَانَهُ اللَّهُ» . وَقَالَ ﷺ «٣» : «قَدِّمُوا قُرَيْشًا وَلَا تَقَدَّمُوهَا «٤» » . وَقَالَ ﷺ «٥» لِأُمِّ سَلَمَةَ «٦» : «لَا تُؤْذِينِي فِي عَائِشَةَ.» وَعَنْ «٧» عُقْبَةَ بْنِ الْحَارِثِ «٨» : «رَأَيْتُ أَبَا بَكْرٍ ﵁ وَجَعَلَ الْحَسَنَ عَلَى عُنُقِهِ وَهُوَ يَقُولُ بِأَبِي شَبِيهٌ بِالنَّبِي لَيْسَ شَبِيهًا بِعَلِي» وَعَلِيٌّ ﵁ يضحك.
٨» : «رَأَيْتُ أَبَا بَكْرٍ ﵁ وَجَعَلَ الْحَسَنَ عَلَى عُنُقِهِ وَهُوَ يَقُولُ بِأَبِي شَبِيهٌ بِالنَّبِي لَيْسَ شَبِيهًا بِعَلِي» وَعَلِيٌّ ﵁ يضحك.
وَرُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ «١» بْنِ حَسَنِ بْنِ حُسَيْنٍ قَالَ: «أَتَيْتُ عُمَرَ «٢» بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ في حاجة.. فقال لي: «إذا كان لَكَ حَاجَةٌ فَأَرْسِلْ إِلَيَّ أَوِ اكْتُبْ فَإِنِّي أستحيي مِنَ اللَّهِ أَنْ يَرَاكَ «٣» عَلَى بَابِي» .. وَعَنِ «٤» الشَّعْبِيِّ «٥» قَالَ: صَلَّى زَيْدُ «٦» بْنُ ثَابِتٍ عَلَى جِنَازَةِ أُمِّهِ «٧» ثُمَّ قُرِّبَتْ لَهُ بَغْلَتُهُ لِيَرْكَبَهَا فَجَاءَ ابْنُ «٨» عَبَّاسٍ فَأَخَذَ بِرِكَابِهِ فَقَالَ زَيْدٌ خلّ عنك يا ابن عم رسول الله.. فَقَالَ: هَكَذَا نَفْعَلُ بِالْعُلَمَاءِ.. فَقَبَّلَ زَيْدٌ يَدَ ابْنِ عَبَّاسٍ وَقَالَ: هَكَذَا أُمِرْنَا «٩» أَنْ نَفْعَلَ بأهل بيت نبينا..
وَرَأَى ابْنُ «١» عُمَرَ مُحَمَّدَ بْنَ «٢» أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ فَقَالَ «٣» : لَيْتَ هَذَا عَبْدِي «٤» فَقِيلَ لَهُ: هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ أُسَامَةَ.. فَطَأْطَأَ ابْنُ عُمَرَ رَأْسَهُ وَنَقَرَ بِيَدِهِ الْأَرْضَ وَقَالَ: لَوْ رَآهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَأَحَبَّهُ.. وَقَالَ «٥» الْأَوْزَاعِيُّ «٦» دَخَلَتْ بِنْتُ «٧» أُسَامَةَ «٨» بْنِ زَيْدٍ صَاحِبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى عُمَرَ بْنِ «٩» عَبْدِ الْعَزِيزِ وَمَعَهَا مَوْلًى لَهَا يُمْسِكُ بِيَدِهَا.. فَقَامَ لَهَا عُمَرُ وَمَشَى إليها حتى جعل يديها بَيْنَ يَدَيْهِ وَيَدَاهُ فِي ثِيَابِهِ، وَمَشَى بِهَا حَتَّى أَجْلَسَهَا عَلَى مَجْلِسِهِ، وَجَلَسَ بَيْنَ يَدَيْهَا وما ترك لها حاجة «١٠» إلا قضاها.
وَلَمَّا فَرَضَ «١» عُمَرُ بْنُ «٢» الْخَطَّابِ لِابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ «٣» فِي ثَلَاثَةِ آلَافٍ وَلِأُسَامَةَ «٤» بْنِ زَيْدٍ في ثلاثة آلاف وخمسمئة. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ لِأَبِيهِ لِمَ فَضَّلْتَهُ؟ .. فَوَاللَّهِ مَا سَبَقَنِي إِلَى مَشْهَدٍ.. فَقَالَ لَهُ: لِأَنَّ زَيْدًا «٥» كَانَ أَحَبَّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ أَبِيكَ، وَأُسَامَةَ «٦» أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْكَ، فَآثَرْتُ حُبَّ «٧» رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى حُبِّي. وَبَلَغَ «٨» مُعَاوِيَةَ «٩» أَنَّ كَابِسَ «١٠» بْنَ رَبِيعَةَ يُشَبَّهُ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ.. فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ مِنْ بَابِ الدَّارِ قَامَ عَنْ سَرِيرِهِ وَتَلَقَّاهُ وقبّل بين عينيه وأقطعه المرغاب «١١» لِشَبَهِهِ صُورَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.
وَرُوِيَ أَنَّ مَالِكًا «١» ﵀ لَمَّا ضَرَبَهُ جَعْفَرُ بْنُ «٢» سُلَيْمَانَ، وَنَالَ مِنْهُ مَا نَالَ «٣» ، وَحُمِلَ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ، دَخَلَ عَلَيْهِ النَّاسُ فَأَفَاقَ فَقَالَ «٤» : أُشْهِدُكُمْ أَنِّي جَعَلْتُ ضَارِبِي فِي حِلٍّ.. فَسُئِلَ بَعْدَ ذَلِكَ فَقَالَ: خِفْتُ أَنْ أَمُوتَ فَأَلْقَى النَّبِيَّ ﷺ فَأَسْتَحِي مِنْهُ أَنْ يَدْخُلَ بَعْضُ آلِهِ النَّارَ بِسَبَبِي. وَقِيلَ: إِنَّ الْمَنْصُورَ أَقَادَهُ «٥» مِنْ جَعْفَرٍ فَقَالَ لَهُ: أَعُوذُ بِاللَّهِ، وَاللَّهِ مَا ارْتَفَعَ مِنْهَا سَوْطٌ عَنْ جِسْمِي إِلَّا وَقَدْ جَعَلْتُهُ فِي حِلٍّ لِقَرَابَتِهِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. وَقَالَ أَبُو بَكْرِ «٦» بْنُ عَيَّاشٍ: لو أتاني أبو بكر «٧»
ٌ عَنْ جِسْمِي إِلَّا وَقَدْ جَعَلْتُهُ فِي حِلٍّ لِقَرَابَتِهِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. وَقَالَ أَبُو بَكْرِ «٦» بْنُ عَيَّاشٍ: لو أتاني أبو بكر «٧»
وَعُمَرُ «١» وَعَلِيٌّ «٢» لَبَدَأْتُ بِحَاجَةِ عَلِيٍّ قَبْلَهُمَا لِقَرَابَتِهِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. ولئن أَخِرَّ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ أَحَبُّ إِلَيَّ من أن أقدمهما عليه «٣» . وَقِيلَ «٤» لِابْنِ عَبَّاسٍ «٥» . مَاتَتْ فُلَانَةُ- لِبَعْضِ «٦» أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ فَسَجَدَ فَقِيلَ لَهُ: أَتَسْجُدُ هَذِهِ السَّاعَةَ؟. فَقَالَ: أَلَيْسَ قَالَ رسول الله ﷺ.. إذا رَأَيْتُمْ آيَةً فَاسْجُدُوا.. وَأَيُّ آيَةٍ أَعْظَمُ مِنْ ذَهَابِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ.. وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ يَزُورَانِ أُمَّ أَيْمَنَ «٧» مَوْلَاةَ النَّبِيِّ ﷺ وَيَقُولَانِ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يزورها..
وَلَمَّا وَرَدَتْ «١» حَلِيمَةُ «٢» السَّعْدِيَّةُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ بَسَطَ لَهَا رِدَاءَهُ وَقَضَى حَاجَتَهَا.. فَلَمَّا تُوُفِّيَ وَفَدَتْ عَلَى أَبِي بَكْرٍ وعمر فصنعا بها مثل ذلك.
الفصل السادس توقير أصحابه وبرّهم وَمَعْرِفَةُ حَقِّهِمْ وَمِنْ تَوْقِيرِهِ وَبِرِّهِ ﷺ تَوْقِيرُ أَصْحَابِهِ وَبِرُّهُمْ، وَمَعْرِفَةُ حَقِّهِمْ، وَالِاقْتِدَاءُ بِهِمْ، وَحُسْنُ الثَّنَاءِ عَلَيْهِمْ، وَالِاسْتِغْفَارُ لَهُمْ، وَالْإِمْسَاكُ عَمَّا شَجَرَ بَيْنَهُمْ «١» وَمُعَادَاةُ مَنْ عَادَاهُمْ، والإضطراب عَنْ أَخْبَارِ الْمُؤَرِّخِينَ، وَجَهَلَةِ الرُّوَاةِ، وَضُلَّالِ الشِّيعَةِ وَالْمُبْتَدِعِينَ الْقَادِحَةِ فِي أَحَدٍ مِنْهُمْ.. وَأَنْ يُلْتَمَسَ لَهُمْ فِيمَا نُقِلَ عَنْهُمْ مِنْ مِثْلِ ذَلِكَ فِيمَا كَانَ بَيْنَهُمْ مِنَ الْفِتَنِ أَحْسَنُ التَّأْوِيلَاتِ «٢» . ويخرّج لهم أصوب المخارج، إذهم أَهْلُ ذَلِكَ. وَلَا يُذْكَرَ أَحَدٌ مِنْهُمْ بِسُوءٍ، ولا يغمص «٣» عَلَيْهِ أَمْرٌ.. بَلْ تُذْكَرَ حَسَنَاتُهُمْ وَفَضَائِلُهُمْ وَحَمِيدُ سيرهم.. ويسكت عما وراء ذلك.
ا يُذْكَرَ أَحَدٌ مِنْهُمْ بِسُوءٍ، ولا يغمص «٣» عَلَيْهِ أَمْرٌ.. بَلْ تُذْكَرَ حَسَنَاتُهُمْ وَفَضَائِلُهُمْ وَحَمِيدُ سيرهم.. ويسكت عما وراء ذلك.
كَمَا قَالَ ﷺ «١» : «إِذَا ذُكِرَ أَصْحَابِي فَأَمْسِكُوا» . قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: «مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ.. «٢» » إِلَى آخِرِ السُّورَةِ. وَقَالَ «وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ «٣» » وقال تَعَالَى: «لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ «٤» » . وقال تَعَالَى: رِجالٌ صَدَقُوا مَا عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ «٥» » الاية. عن حذيفة «٦» قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «٧» : «اقتدوا
بالّذين مِنْ بَعْدِي أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ» . وَقَالَ «١» : «أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ بِأَيِّهِمُ اقْتَدَيْتُمُ اهْتَدَيْتُمْ.» وَعَنْ أَنَسٍ «٢» ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «٣» : «مَثَلُ أَصْحَابِي «٤» كَمَثَلِ الْمِلْحِ فِي الطَّعَامِ لَا يَصْلُحُ الطَّعَامُ إِلَّا بِهِ «٥» » وَقَالَ «٦» : اللَّهَ اللَّهَ فِي أَصْحَابِي، لَا تَتَّخِذُوهُمْ غَرَضًا بَعْدِي فَمَنْ أَحَبَّهُمْ فَبِحُبِّي أَحَبَّهُمْ وَمَنْ أَبْغَضَهُمْ فَبِبُغْضِي أَبْغَضَهُمْ وَمَنْ آذَاهُمْ فَقَدْ آذَانِي، ومن آذاني فقد آذى الله، ومن آذى الله يوشك أن يأخذه» .
وَقَالَ «١» : «لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي.. فَلَوْ أَنْفَقَ أَحَدُكُمْ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ «٢» أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ «٣» » . وَقَالَ «٤» : «مَنْ سَبَّ أَصْحَابِي فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ.. لَا يَقْبَلُ اللَّهُ مِنْهُ صَرْفًا «٥» وَلَا «٦» عَدْلًا..» وَقَالَ «٧» : «إِذَا ذُكِرَ أَصْحَابِي فَأَمْسِكُوا» . وَقَالَ «٨» فِي حَدِيثِ جَابِرٍ «٩» : «إِنَّ اللَّهَ اخْتَارَ أَصْحَابِي عَلَى جَمِيعِ الْعَالَمِينَ سِوَى النَّبِيِّينَ وَالْمُرْسَلِينَ، وَاخْتَارَ لِي مِنْهُمْ أَرْبَعَةً: أبا بكر «١٠» ، وعمر «١١» ، وعثمان «١٢» وعليا «١٣» .. فجعلهم
خَيْرَ أَصْحَابِي. وَفِي أَصْحَابِي كُلِّهِمْ خَيْرٌ» وَقَالَ «١» : «مَنْ أَحَبَّ عُمَرَ فَقَدْ أَحَبَّنِي وَمَنْ أَبْغَضَ عُمَرَ فَقَدْ أَبْغَضَنِي» . وَقَالَ مَالِكُ «٢» بْنُ أَنَسٍ وَغَيْرُهُ «٣» : مَنْ أَبْغَضَ الصَّحَابَةَ وَسَبَّهُمْ فَلَيْسَ لَهُ فِي فَيْءِ الْمُسْلِمِينَ حَقٌّ.. وَنَزَعَ بِآيَةِ الْحَشْرِ «وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ» «٤» الْآيَةَ. وَقَالَ مَنْ غَاظَهُ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ فَهُوَ كَافِرٌ «٥» . قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: «لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ «٦» » وقال عبد «٧» الله بن المبارك: خصلتان
نْ غَاظَهُ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ فَهُوَ كَافِرٌ «٥» . قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: «لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ «٦» » وقال عبد «٧» الله بن المبارك: خصلتان
مَنْ كَانَتَا فِيهِ نَجَا، الصِّدْقُ وَحُبُّ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ ﷺ. قَالَ أَيُّوبُ «١» السَّخْتِيَانِيُّ: مَنْ أَحَبَّ أَبَا بَكْرٍ فَقَدْ أَقَامَ الدِّينَ. وَمَنْ أَحَبَّ عُمَرَ فَقَدْ أَوْضَحَ السَّبِيلَ، وَمَنْ أَحَبَّ عُثْمَانَ فَقَدِ اسْتَضَاءَ بِنُورِ اللَّهِ، وَمَنْ أَحَبَّ عَلِيًّا فَقَدْ أَخَذَ «٢» بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى.. وَمَنْ أَحْسَنَ الثَّنَاءَ عَلَى أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ ﷺ فقد برىء مِنَ النِّفَاقِ، وَمَنِ انْتَقَصَ «٣» أَحَدًا مِنْهُمْ فَهُوَ مبتدع مخالف للسنة والسلف الصالح.. وأخاف أن لا يَصْعَدَ لَهُ عَمَلٌ إِلَى السَّمَاءِ حَتَّى يُحِبَّهُمْ جَمِيعًا وَيَكُونَ قَلْبُهُ «٤» سَلِيمًا. وَفِي حَدِيثِ خَالِدِ بْنِ «٥» سَعِيدٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَاضٍ عَنْ أَبِي بَكْرٍ «٦» فَاعْرِفُوا لَهُ ذَلِكَ.. أَيُّهَا النَّاسُ.. إني
رَاضٍ عَنْ عُمَرَ «١» وَعَنْ عَلِيٍّ «٢» وَعَنْ عُثْمَانَ «٣» وَطَلْحَةَ «٤» وَالزُّبَيْرِ «٥» وَسَعْدٍ «٦» وَسَعِيدٍ «٧» وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ «٨» بْنِ عَوْفٍ فَاعْرِفُوا «٩» لَهُمْ ذَلِكَ.. أَيُّهَا النَّاسُ.. إِنَّ الله غفر لأهل بدر والحديبة «١٠» .. أَيُّهَا النَّاسُ احْفَظُونِي فِي أَصْحَابِي وَأَصْهَارِي «١١» ، وَأَخْتَانِي «١٢» .. لَا يُطَالِبَنَّكُمْ «١٣» أَحَدٌ مِنْهُمْ بِمَظْلَمَةٍ «١٤» فَإِنَّهَا مَظْلَمَةٌ
حْفَظُونِي فِي أَصْحَابِي وَأَصْهَارِي «١١» ، وَأَخْتَانِي «١٢» .. لَا يُطَالِبَنَّكُمْ «١٣» أَحَدٌ مِنْهُمْ بِمَظْلَمَةٍ «١٤» فَإِنَّهَا مَظْلَمَةٌ
لَا تُوهَبُ «١» فِي الْقِيَامَةِ غَدًا «٢» » . وَقَالَ رَجُلٌ «٣» لِلْمُعَافَى «٤» بْنِ عِمْرَانَ: أَيْنَ عُمَرُ «٥» بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ مِنْ «٦» مُعَاوِيَةَ «٧» ؟! .. فَغَضِبَ وَقَالَ: لَا يُقَاسُ بِأَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ أَحَدٌ.. مُعَاوِيَةُ صَاحِبُهُ وَصِهْرُهُ «٨» وَكَاتِبُهُ وَأَمِينُهُ عَلَى وَحْيِ اللَّهِ.. وَأُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ «٩» بِجِنَازَةِ رَجُلٍ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ وَقَالَ: كَانَ يُبْغِضُ عُثْمَانَ «١٠» فَأَبْغَضَهُ اللَّهُ.» وَقَالَ ﷺ «١١» فِي الْأَنْصَارِ: اعْفُوا عَنْ مُسِيئِهِمْ. وَاقْبَلُوا مِنْ مُحْسِنِهِمْ. وَقَالَ «١٢» : «احْفَظُونِي فِي أَصْحَابِي وأصهاري فإنه من
حَفِظَنِي فِيهِمْ حَفِظَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، ومن لم يحفظني فيهم تخلى الله عنه، ومن تخلى الله عنه يُوشِكُ أَنْ يَأْخُذَهُ..» وَعَنْهُ ﷺ «١» : «مَنْ حَفِظَنِي فِي أَصْحَابِي كُنْتُ لَهُ حَافِظًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ.» وَقَالَ «٢» : «مَنْ حَفِظَنِي فِي أَصْحَابِي وَرَدَ عَلَيَّ الْحَوْضَ وَمَنْ لَمْ يَحْفَظْنِي فِي أَصْحَابِي لَمْ يَرِدْ عَلَيَّ الْحَوْضَ وَلَمْ يَرَنِي إِلَّا مِنْ بَعِيدٍ.» قَالَ مَالِكٌ «٣» ﵀: هَذَا النَّبِيُّ مُؤَدِّبُ الْخَلْقِ الَّذِي هَدَانَا اللَّهُ بِهِ وَجَعَلَهُ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ، يَخْرُجُ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ إِلَى الْبَقِيعِ «٤» فَيَدْعُو لَهُمْ، وَيَسْتَغْفِرُ لهم كَالْمُوَدِّعِ لَهُمْ «٥» . وَبِذَلِكَ أَمَرَهُ اللَّهُ، وَأَمَرَ النَّبِيُّ بِحُبِّهِمْ وَمُوَالَاتِهِمْ، وَمُعَادَاةِ مَنْ عَادَاهُمْ. وَرُوِيَ عَنْ كَعْبٍ «٦» : لَيْسَ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ ﷺ إِلَّا لَهُ شَفَاعَةٌ يَوْمَ القيامة.
وَطَلَبَ «١» مِنَ الْمُغِيرَةِ بْنِ «٢» نَوْفَلٍ أَنْ يَشْفَعَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ قَالَ سَهْلُ بْنُ عَبْدِ «٣» اللَّهِ التُّسْتَرِيُّ: لَمْ يُؤْمِنْ بِالرَّسُولِ مَنْ لَمْ يوقّر أصحابه ولم يعزّ أوامره..
الفصل السّابع إعزاز ماله من صلة بالنبي ﷺ من امكنة ومشاهد وَمِنْ إِعْظَامِهِ وَإِكْبَارِهِ إِعْظَامُ جَمِيعِ أَسْبَابِهِ، وَإِكْرَامُ مَشَاهِدِهِ وَأَمْكِنَتِهِ مِنْ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ، وَمَعَاهِدِهِ «١» . وَمَا لَمَسَهُ ﷺ أَوْ عُرِفَ به. عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ نَجْدَةَ «٢» قَالَتْ: كَانَ لِأَبِي مَحْذُورَةَ «٣» قُصَّةٌ «٤» فِي مُقَدَّمِ رَأْسِهِ إِذَا قَعَدَ وأرسلها أصابت الأرض.. فقيل له:
أَلَا تَحْلِقُهَا؟! فَقَالَ: لَمْ أَكُنْ بِالَّذِي أَحْلِقُهَا وَقَدْ مَسَّهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدِهِ. وَكَانَتْ «١» فِي قَلَنْسُوَةِ «٢» خَالِدِ بْنِ «٣» الْوَلِيدِ شَعَرَاتٌ مِنْ شَعَرِهِ ﷺ.. فَسَقَطَتْ قَلَنْسُوَتُهُ فِي بَعْضِ حُرُوبِهِ «٤» فَشَدَّ عَلَيْهَا شَدَّةً أَنْكَرَ عَلَيْهِ أَصْحَابُ النَّبِيِّ ﷺ كَثْرَةَ مَنْ قُتِلَ فِيهَا.. فَقَالَ: لَمْ أَفْعَلْهَا بِسَبَبِ الْقَلَنْسُوَةِ، بَلْ لِمَا تَضَمَّنَتْهُ مِنْ شَعَرِهِ ﷺ لِئَلَّا أُسْلَبَ «٥» بَرَكَتَهَا وَتَقَعَ فِي أَيْدِي الْمُشْرِكِينَ. ورؤي ابْنُ «٦» عُمَرَ وَاضِعًا يَدَهُ عَلَى مَقْعَدِ «٧» النَّبِيِّ ﷺ مِنَ الْمِنْبَرِ ثُمَّ وضعها على وجهه «٨» .
تَقَعَ فِي أَيْدِي الْمُشْرِكِينَ. ورؤي ابْنُ «٦» عُمَرَ وَاضِعًا يَدَهُ عَلَى مَقْعَدِ «٧» النَّبِيِّ ﷺ مِنَ الْمِنْبَرِ ثُمَّ وضعها على وجهه «٨» .
وَلِهَذَا «١» كَانَ مَالِكٌ «٢» ﵀ لَا يَرْكَبُ بالمدينة دابة وكان يقول: أستحيي مِنَ اللَّهِ أَنْ أَطَأَ تُرْبَةً فِيهَا رَسُولُ الله ﷺ بِحَافِرِ دَابَّةٍ وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ وَهَبَ لِلشَّافِعِيِّ «٣» كُرَاعًا «٤» كَثِيرًا كَانَ عِنْدَهُ. فَقَالَ لَهُ الشَّافِعِيُّ: أَمْسِكْ مِنْهَا دَابَّةً.. فَأَجَابَهُ بِمِثْلِ هَذَا الْجَوَابِ. وَقَدْ حَكَى أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ «٥» السُّلَمِيُّ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ «٦» فَضْلَوَيْهِ الزَّاهِدِ وَكَانَ مِنَ الْغُزَاةِ الرُّمَاةِ أَنَّهُ قَالَ: مَا مَسَسْتُ الْقَوْسَ بِيَدِي إِلَّا عَلَى طَهَارَةٍ مُنْذُ بَلَغَنِي أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَخَذَ الْقَوْسَ بِيَدِهِ. وَقَدْ أَفْتَى مَالِكٌ «٧» : فِيمَنْ قَالَ: تُرْبَةُ الْمَدِينَةِ رديئة.. يُضْرَبُ ثَلَاثِينَ دِرَّةً «٨» وَأَمَرَ بِحَبْسِهِ، وَكَانَ لَهُ قَدْرٌ وَقَالَ: مَا أَحْوَجَهُ إِلَى ضَرْبِ عُنُقِهِ.. تربة دفن فيها رسول الله ﷺ يزعم أنها
غَيْرُ طَيِّبَةٍ «١» !!!. وَفِي الصَّحِيحِ «٢» أَنَّهُ قَالَ ﷺ فِي الْمَدِينَةِ: «مَنْ أَحْدَثَ فِيهَا حَدَثًا «٣» ، أَوْ آوَى مُحْدِثًا، فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ.. لَا يَقْبَلُ اللَّهُ مِنْهُ صَرْفًا وَلَا عَدْلًا» . وَحُكِيَ «٤» أَنْ جَهْجَاهًا «٥» الْغِفَارِيَّ أَخَذَ قَضِيبَ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ يَدِ عُثْمَانَ «٦» ﵁ وَتَنَاوَلَهُ لِيَكْسِرَهُ عَلَى رُكْبَتِهِ «٧» .. فَصَاحَ بِهِ النَّاسُ، فَأَخَذَتْهُ الْآكِلَةُ فِي رُكْبَتِهِ فَقَطَعَهَا وَمَاتَ قَبْلَ الْحَوْلِ. وَقَالَ ﷺ «٨» : «مَنْ حلف على «٩» منبري كاذبا فليتبوأ مقعده
ِ النَّاسُ، فَأَخَذَتْهُ الْآكِلَةُ فِي رُكْبَتِهِ فَقَطَعَهَا وَمَاتَ قَبْلَ الْحَوْلِ. وَقَالَ ﷺ «٨» : «مَنْ حلف على «٩» منبري كاذبا فليتبوأ مقعده
مِنَ النَّارِ. وَحُدِّثْتُ أَنَّ أَبَا الْفَضْلِ «١» الْجَوْهَرِيَّ لَمَّا وَرَدَ الْمَدِينَةَ زَائِرًا وَقَرُبَ مِنْ بُيُوتِهَا تَرَجَّلَ وَمَشَى بَاكِيًا مُنْشِدًا «٢» : وَلَمَّا رَأَيْنَا رَسْمَ «٣» مَنْ لَمْ يَدَعْ لَنَا ... فُؤَادًا لِعِرْفَانِ «٤» الرُّسُومِ وَلَا لُبَّا «٥» نَزَلْنَا عَنِ الْأَكْوَارِ «٦» نَمْشِي كَرَامَةً ... لِمَنْ بَانَ «٧» عَنْهُ أَنْ نُلِمَّ «٨» بِهِ رَكْبَا «٩» وَحُكِيَ عَنْ بَعْضِ الْمُرِيدِينَ «١٠» أَنَّهُ لَمَّا أَشْرَفَ على مدينة الرسول
صلّى الله عليه وسلم أنشأ «١» يَقُولُ مُتَمَثِّلًا «٢» : رُفِعَ الْحِجَابُ لَنَا فَلَاحَ لِنَاظِرٍ ... قَمَرٌ تَقَطَّعَ «٣» دُونَهُ «٤» الْأَوْهَامُ وَإِذَا الْمَطِيُّ «٥» بِنَا بلغن محمدا ... فظهورهن على الرجال «٦» حرام قربتنا من خير من وطيء الثَّرَى ... فَلَهَا عَلَيْنَا حُرْمَةٌ وَذِمَامُ «٧» وَحُكِيَ عَنْ بَعْضِ الْمَشَايِخِ: أَنَّهُ حَجَّ مَاشِيًا.. فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ: فَقَالَ: الْعَبْدُ الْآبِقُ «٨» يَأْتِي إِلَى بَيْتِ مَوْلَاهُ رَاكِبًا؟!!. لَوْ قَدَرْتُ أَنْ أَمْشِيَ عَلَى رَأْسِي «٩» مَا مَشَيْتُ عَلَى قَدَمَيَّ. قَالَ القاضي «١٠» : وجدير بمواطن عمّرت بالوحي والتنزيل
وَتَرَدَّدَ بِهَا «١» جِبْرِيلُ «٢» وَمِيكَائِيلُ، وَعَرَجَتْ مِنْهَا الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ، وَضَجَّتْ «٣» عَرَصَاتُهَا «٤» بِالتَّقْدِيسِ وَالتَّسْبِيحِ وَاشْتَمَلَتْ تُرْبَتُهَا عَلَى جَسَدِ سَيِّدِ الْبَشَرِ، وَانْتَشَرَ عَنْهَا مِنْ دِينِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ مَا انْتَشَرَ، مَدَارِسُ «٥» وآيات، وَمَسَاجِدُ وَصَلَوَاتٌ، وَمَشَاهِدُ الْفَضَائِلِ وَالْخَيْرَاتِ، وَمَعَاهِدُ الْبَرَاهِينِ وَالْمُعْجِزَاتِ، وَمَنَاسِكُ الدِّينِ، وَمَشَاعِرُ الْمُسْلِمِينَ، وَمَوَاقِفُ سَيِّدِ الْمُرْسَلِينَ، وَمُتَبَوَّأُ «٦» خَاتَمِ النَّبِيِّينَ، حَيْثُ انْفَجَرَتِ النُّبُوَّةُ، وَأَيْنَ «٧» فَاضَ عُبَابُهَا «٨» ، وَمُوَاطِنُ طُوِيَتْ «٩» فِيهَا الرِّسَالَةُ، وأول أرض مسّ جلد المصطفى تراثها «١٠» ، أَنْ تُعَظَّمَ عَرَصَاتُهَا، وَتُتَنَسَّمَ نَفَحَاتُهَا، وَتُقَبَّلَ رُبُوعُهَا وجدرانها..
يَا «١» دَارَ خَيْرِ الْمُرْسَلِينَ وَمَنْ بِهِ ... هُدِيَ الْأَنَامُ وَخُصَّ بِالْآيَاتِ عِنْدِي لِأَجْلِكِ لَوْعَةٌ «٢» وَصَبَابَةٌ «٣» ... وَتَشَوُّقٌ مُتَوَقِّدُ الْجَمَرَاتِ وَعَلَيَّ عَهْدٌ إِنْ مَلَأْتُ محاجري «٤» ... من تلكم الجدران وَالْعَرَصَاتِ لَأُعَفِّرَنَّ «٥» مَصُونَ شَيْبِيَ بَيْنَهَا ... مِنْ كَثْرَةِ التَّقْبِيلِ وَالرَّشَفَاتِ «٦» لَوْلَا الْعَوَادِي «٧» وَالْأَعَادِي زُرْتُهَا ... أَبَدًا وَلَوْ سَحْبًا عَلَى الْوَجَنَاتِ «٨» لَكِنْ سَأُهْدِي مِنْ حفيل «٩» تحيتي ... لقطين «١٠» تلك الدار والحجرات «١١»
أَزْكَى مِنَ الْمِسْكِ الْمُفَتَّقِ «١» نَفْحَةً ... تَغْشَاهُ بِالْآصَالِ وَالْبَكَرَاتِ وَتَخُصُّهُ بِزَوَاكِي الصَّلَوَاتِ ... وَنَوَامِيَ التَّسْلِيمِ وَالْبَرَكَاتِ «٢»
الْبَابُ الرَّابِعُ فِي حُكْمِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ وَالتَّسْلِيمِ وفرض ذلك وفضيلته وفيه عشرة فصول
ِ ... وَنَوَامِيَ التَّسْلِيمِ وَالْبَرَكَاتِ «٢»
الْبَابُ الرَّابِعُ فِي حُكْمِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ وَالتَّسْلِيمِ وفرض ذلك وفضيلته وفيه عشرة فصول
الفصل الأوّل معنى الصّلاة عليه قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: «إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ «١» » الْآيَةَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ «٢» مَعْنَاهُ: «إِنَّ اللَّهَ وملائكته يباركون على النبي» فقيل: «إِنَّ اللَّهَ يَتَرَحَّمُ عَلَى النَّبِيِّ، وَمَلَائِكَتَهُ يَدْعُونَ لَهُ» . قَالَ الْمُبَرِّدُ «٣» : «وَأَصْلُ الصَّلَاةِ.. التَّرَحُّمُ.. فَهِيَ مِنَ اللَّهِ رَحْمَةٌ وَمِنَ الْمَلَائِكَةِ رِقَّةٌ وَاسْتِدْعَاءٌ لِلرَّحْمَةِ مِنَ اللَّهِ» . وَقَدْ وَرَدَ «٤» فِي الْحَدِيثِ «٥» صِفَةُ صَلَاةِ الْمَلَائِكَةِ عَلَى مَنْ جَلَسَ يَنْتَظِرُ الصَّلَاةَ «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ» «٦» فَهَذَا دعاء.
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ «١» الْقُشَيْرِيُّ: «الصَّلَاةُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى لِمَنْ دُونَ النَّبِيِّ ﷺ رَحْمَةٌ، وَلِلنَّبِيِّ ﷺ تَشْرِيفٌ وَزِيَادَةُ تَكْرِمَةٍ» . وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ «٢» : «صَلَاةُ اللَّهِ ثَنَاؤُهُ عَلَيْهِ عِنْدَ الْمَلَائِكَةِ، وَصَلَاةُ الْمَلَائِكَةِ الدُّعَاءُ» . قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْفَضْلِ «٣» : وَقَدْ فَرَّقَ النَّبِيُّ ﷺ فِي حَدِيثِ تعليم الصلاة عليه بَيْنَ لَفْظِ الصَّلَاةِ وَلَفْظِ الْبَرَكَةِ فَدَلَّ أَنَّهُمَا بِمَعْنَيَيْنِ.. وَأَمَّا التَّسْلِيمُ الَّذِي أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ عِبَادَهُ: فَقَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ «٤» بْنُ بُكَيْرٍ: «نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَأَمَرَ اللَّهُ أَصْحَابَهُ أَنْ يُسَلِّمُوا عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ مَنْ بَعْدَهُمْ أُمِرُوا أَنْ يُسَلِّمُوا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ عِنْدَ حُضُورِهِمْ قَبْرَهُ وَعِنْدَ ذِكْرِهِ. وَفِي مَعْنَى السَّلَامِ عَلَيْهِ ثَلَاثَةُ وُجُوهٍ «٥» : أَحَدُهُمَا: السَّلَامَةُ لَكَ ومعك، ويكون السلام مصدرا
رِهِمْ قَبْرَهُ وَعِنْدَ ذِكْرِهِ. وَفِي مَعْنَى السَّلَامِ عَلَيْهِ ثَلَاثَةُ وُجُوهٍ «٥» : أَحَدُهُمَا: السَّلَامَةُ لَكَ ومعك، ويكون السلام مصدرا
كَاللَّذَاذِ وَاللَّذَاذَةِ «١» .. الثَّانِي: أَيِ السَّلَامُ عَلَى حِفْظِكَ وَرِعَايَتِكَ مُتَوَلٍّ لَهُ وَكَفِيلٌ بِهِ، وَيَكُونُ هُنَا السَّلَامُ اسْمَ اللَّهِ. الثَّالِثُ: أَنَّ السَّلَامَ بِمَعْنَى الْمُسَالَمَةِ لَهُ وَالِانْقِيَادِ.. كَمَا قَالَ: «فَلا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً «٢» »
الفصل الثّاني حكم الصّلاة عليه اعْلَمْ أَنَّ الصَّلَاةَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَرْضٌ عَلَى «١» الْجُمْلَةِ غَيْرُ مُحَدَّدٍ بِوَقْتٍ.. لِأَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ.. وَحَمْلِ «٢» الْأَئِمَّةِ وَالْعُلَمَاءِ لَهُ عَلَى الْوُجُوبِ.. وَأَجْمَعُوا عَلَيْهِ. وَحَكَى أَبُو جَعْفَرٍ الطَّبَرِيُّ «٣» أَنَّ مَحْمِلَ الْآيَةِ عِنْدَهُ عَلَى النَّدْبِ، وَادَّعَى فِيهِ الْإِجْمَاعَ- وَلَعَلَّهُ فِيمَا زَادَ عَلَى مَرَّةٍ. وَالْوَاجِبُ مِنْهُ الَّذِي يَسْقُطُ بِهِ الْحَرَجُ وَمَأْثَمُ تَرْكِ الْفَرْضِ مَرَّةً، كَالشَّهَادَةِ لَهُ بِالنُّبُوَّةِ، وَمَا عَدَا ذَلِكَ فَمَنْدُوبٌ مُرَغَّبٌ فِيهِ مِنْ سُنَنِ الْإِسْلَامِ، وَشِعَارِ أَهْلِهِ.
قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْحَسَنِ «١» بْنُ الْقَصَّارِ: «الْمَشْهُورُ عَنْ أَصْحَابِنَا «٢» أَنَّ ذَلِكَ وَاجِبٌ فِي الْجُمْلَةِ «٣» على الإنسان وفرض «٤» عليه عَلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَ بِهَا مَرَّةً مِنْ دَهْرِهِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى ذَلِكَ» . وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ «٥» بْنُ بُكَيْرٍ: «افْتَرَضَ اللَّهُ عَلَى خَلْقِهِ أَنْ يُصَلُّوا عَلَى نَبِيِّهِ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا وَلَمْ يَجْعَلْ ذَلِكَ لِوَقْتٍ مَعْلُومٍ.. فَالْوَاجِبُ أَنْ يُكْثِرَ الْمَرْءُ مِنْهَا، وَلَا يَغْفُلَ عَنْهَا» . قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدِ «٦» بْنُ نَصْرٍ: «الصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَاجِبَةٌ فِي الْجُمْلَةِ» . قال القاضي أبو عبد الله محمد «٧» بن سعيد: «ذهب
مَالِكٌ «١» وَأَصْحَابُهُ وَغَيْرُهُمْ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ الصلاة على النبي ﷺ فرض بالجملة بقصد الْإِيمَانِ، لَا يَتَعَيَّنُ فِي الصَّلَاةِ. وَأَنَّ مَنْ صَلَّى عَلَيْهِ مَرَّةً وَاحِدَةً مِنْ عُمُرِهِ سَقَطَ الْفَرْضُ عَنْهُ. وَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ «٢» : «الْفَرْضُ مِنْهَا الذي أمر الله تعالى وَرَسُولُهُ ﷺ هُوَ فِي الصَّلَاةِ» . وَقَالُوا: «وَأَمَّا فِي غَيْرِهَا، فَلَا خِلَافَ أَنَّهَا غَيْرُ وَاجِبَةٍ» . وَأَمَّا فِي الصَّلَاةِ فَحَكَى الْإِمَامَانِ أَبُو جَعْفَرٍ الطَّبَرِيُّ «٣» وَالطَّحَاوِيُّ «٤» وَغَيْرُهُمَا إِجْمَاعَ جَمِيعِ الْمُتَقَدِّمِينَ وَالْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ عُلَمَاءِ الْأُمَّةِ عَلَى أَنَّ الصَّلَاةَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فِي التَّشَهُّدِ غَيْرُ وَاجِبَةٍ، وَشَذَّ الشَّافِعِيُّ فِي ذَلِكَ فَقَالَ: «مَنْ لَمْ يُصَلِّ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ مِنْ بَعْدِ التَّشَهُّدِ الْآخِرِ قَبْلَ السَّلَامِ فَصَلَاتُهُ فَاسِدَةٌ «٥» ، وَإِنْ صَلَّى عَلَيْهِ قَبْلَ ذَلِكَ لَمْ تُجْزِهِ» . وَلَا سَلَفَ لَهُ فِي هَذَا الْقَوْلِ، وَلَا سُنَّةَ يَتَّبِعُهَا، وَقَدْ بَالَغَ فِي إِنْكَارِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عليه.. لمخالفته فيها من تقدمته جماعة، وشنّعوا
َهُ فِي هَذَا الْقَوْلِ، وَلَا سُنَّةَ يَتَّبِعُهَا، وَقَدْ بَالَغَ فِي إِنْكَارِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عليه.. لمخالفته فيها من تقدمته جماعة، وشنّعوا
عَلَيْهِ الْخِلَافَ فِيهَا. مِنْهُمُ الطَّبَرِيُّ «١» وَالْقُشَيْرِيُّ «٢» ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ. وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْمُنْذِرِ «٣» : «يُسْتَحَبُّ أن لا يُصَلِّيَ أَحَدٌ صَلَاةً إِلَّا صَلَّى فِيهَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَإِنْ ترك ذلك تارك فصلاته مجزئة مَذْهَبِ مَالِكٍ «٤» وَأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَسُفْيَانَ «٥» الثَّوْرِيِّ، وَأَهْلِ الْكُوفَةِ مِنْ أَصْحَابِ الرَّأْيِ «٦» وَغَيْرِهِمْ.. وَهُوَ قَوْلُ جُمَلِ «٧» أَهْلِ الْعِلْمِ» . وَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ وَسُفْيَانَ: «أَنَّهَا فِي التَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ مُسْتَحَبَّةٌ، وَأَنَّ تَارِكَهَا فِي التَّشَهُّدِ مُسِيءٌ» وَشَذَّ الشَّافِعِيُّ فَأَوْجَبَ عَلَى تاركها في في الصلاة الإعادة. وأوجب إسحق «٨» الإعادة مع تعمد تركها دون النسيان «٩» .
وَحَكَى أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ أَبِي «١» زَيْدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمَوَّازِ «٢» أَنَّ الصَّلَاةَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَرِيضَةٌ قَالَ أَبُو محمد «٣» : «يريد ليست من فرائض الصلاة «٤» » . وقال مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ «٥» الْحَكَمِ وَغَيْرُهُ وَحَكَى ابْنُ القصار «٦» وعبد الوهاب «٧» : «أن محمد بن الموازيراها فَرِيضَةً فِي الصَّلَاةِ كَقَوْلِ الشَّافِعِيِّ «٨» » وَحَكَى أَبُو يَعْلَى «٩» الْعَبْدِيُّ الْمَالِكِيُّ عَنِ الْمَذْهَبِ «١٠» فِيهَا ثَلَاثَةَ أقوال: ١- الوجوب ٢- والسنة ٣- والندب.
لشَّافِعِيِّ «٨» » وَحَكَى أَبُو يَعْلَى «٩» الْعَبْدِيُّ الْمَالِكِيُّ عَنِ الْمَذْهَبِ «١٠» فِيهَا ثَلَاثَةَ أقوال: ١- الوجوب ٢- والسنة ٣- والندب.
وَقَدْ خَالَفَ الْخَطَّابِيُّ «١» مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ «٢» وَغَيْرُهُ الشَّافِعِيَّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ. قَالَ الْخَطَّابِيُّ «١» : «وَلَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ فِي الصَّلَاةِ.. وَهُوَ قَوْلُ جَمَاعَةِ الْفُقَهَاءِ إِلَّا الشَّافِعِيَّ «٢» وَلَا أَعْلَمُ لَهُ فِيهَا قُدْوَةً» . وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ فُرُوضِ الصَّلَاةِ عَمَلُ السَّلَفِ الصَّالِحِ قَبْلَ الشَّافِعِيِّ وَإِجْمَاعُهُمْ عَلَيْهِ، وقد شنّع الناس عليه هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ جِدًّا. وَهَذَا تَشَهُّدُ ابْنِ «٣» مَسْعُودٍ «٤» الَّذِي اخْتَارَهُ «٥» الشَّافِعِيُّ وَهُوَ الَّذِي عَلَّمَهُ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ لَيْسَ فِيهِ الصلاة على النبي ﷺ. وَكَذَلِكَ كُلُّ مَنْ رَوَى التَّشَهُّدَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ كأبي «٦» هريرة،
وَابْنِ عَبَّاسٍ «١» ، وَجَابِرٍ «٢» ، وَابْنِ «٣» عُمَرَ، وَأَبِي سَعِيدٍ «٤» الْخُدْرِيِّ، وَأَبِي مُوسَى «٥» الْأَشْعَرِيِّ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزبير «٦» ، لم لَمْ يَذْكُرُوا فِيهِ صَلَاةً عَلَى النَّبِيِّ ﷺ «٧» . وَقَدْ قَالَ «٨» ابْنُ عَبَّاسٍ وَجَابِرٌ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُعَلِّمُنَا التَّشَهُّدَ كَمَا يُعَلِّمُنَا السُّورَةَ مِنَ الْقُرْآنِ» . ونحوه عن أبي سعيد الخدري. وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: «كَانَ «٩» أَبُو بَكْرٍ «١٠» يُعَلِّمُنَا التَّشَهُّدَ عَلَى الْمِنْبَرِ كَمَا يُعَلِّمُونَ الصِّبْيَانَ فِي الْكُتَّابِ» . وَعَلَّمَهُ أَيْضًا عَلَى الْمِنْبَرِ عُمَرُ بْنُ الخطاب «١١» ﵁.
وَفِي الْحَدِيثِ «١» : «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يُصَلِّ عَلَيَّ» . قَالَ ابْنُ الْقَصَّارِ «٢» : مَعْنَاهُ (كَامِلَةً) . أَوْ لِمَنْ لَمْ يُصَلِّ عَلَيَّ مَرَّةً فِي عُمُرِهِ وضعّف أهل الحديث كلهم هَذَا الْحَدِيثِ. وَفِي حَدِيثِ أَبِي «٣» جَعْفَرٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «٤» : «مَنْ صَلَّى صَلَاةً لَمْ يُصَلِّ فِيهَا عَلَيَّ وَعَلَى أَهْلِ بَيْتِي لَمْ تُقْبَلْ مِنْهُ» . قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ «٥» : الصَّوَابُ أَنَّهُ مِنْ قَوْلِ أَبِي جَعْفَرٍ «٦» مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ: «لَوْ «٧» صَلَّيْتُ صَلَاةً لَمْ أُصَلِّ فِيهَا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ
وَلَا عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ لَرَأَيْتُ أَنَّهَا لَا تتم.
ّ بْنِ الْحُسَيْنِ: «لَوْ «٧» صَلَّيْتُ صَلَاةً لَمْ أُصَلِّ فِيهَا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ
وَلَا عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ لَرَأَيْتُ أَنَّهَا لَا تتم.
الفصل الثالث المواطن التي يستحبّ فيها الصّلاة والسّلام عليه فِي الْمَوَاطِنِ الَّتِي يُسْتَحَبُّ فِيهَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ. وَيُرَغَّبُ مِنْ ذَلِكَ فِي تَشَهُّدِ الصَّلَاةِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ، وذلك بعد التشهد وقبل الدعاء. عن فضالة «١» بن عبيد قال «٢» : «سَمِعَ النَّبِيُّ ﷺ.. رَجُلًا يَدْعُو فِي صَلَاتِهِ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ.. عَجِلَ «٣» هَذَا.. ثُمَّ دَعَاهُ فَقَالَ لَهُ وَلِغَيْرِهِ «٤» .. إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيَبْدَأْ يتحميد اللَّهِ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ، ثُمَّ لْيُصَلِّ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ لْيَدْعُ بَعْدُ بما شاء.
وَيُرْوَى مِنْ غَيْرِ هَذَا السَّنَدِ «١» «بِتَمْجِيدِ اللَّهِ» وَهُوَ أَصَحُّ «٢» .. وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ «٣» ﵁ قَالَ «٤» : الدُّعَاءُ وَالصَّلَاةُ «٥» مُعَلَّقٌ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ فَلَا يَصْعَدُ إِلَى اللَّهِ مِنْهُ شَيْءٌ حَتَّى يُصَلَّى «٦» عَلَى النَّبِيِّ ﷺ. وَعَنْ عَلِيٍّ «٧» عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «٨» : بِمَعْنَاهُ.. وَعَنْ عَلِيٍّ: وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ.. وَرُوِيَ أَنَّ الدُّعَاءَ مَحْجُوبٌ حَتَّى يُصَلِّيَ الدَّاعِي عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَعَنِ» ابْنِ «١٠» مَسْعُودٍ. إِذَا أَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يَسْأَلَ اللَّهَ شَيْئًا فَلْيَبْدَأْ بِمَدْحِهِ «١١» وَالثَّنَاءِ عليه بما هو أهله ثم يصلى على النبي ﷺ.. ثم ليسأل فإنه أجدر أن ينجح..
حَدُكُمْ أَنْ يَسْأَلَ اللَّهَ شَيْئًا فَلْيَبْدَأْ بِمَدْحِهِ «١١» وَالثَّنَاءِ عليه بما هو أهله ثم يصلى على النبي ﷺ.. ثم ليسأل فإنه أجدر أن ينجح..
وَعَنْ جَابِرٍ «١» ﵁ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «٢» : لَا تَجْعَلُونِي كَقَدَحِ الرَّاكِبِ.. فَإِنَّ الرَّاكِبَ يَمْلَأُ قَدَحَهُ «٣» ثُمَّ يَضَعُهُ وَيَرْفَعُ مَتَاعَهُ.. فَإِنِ احْتَاجَ إِلَى شَرَابٍ شَرِبَهُ أَوِ الْوُضُوءِ تَوَضَّأَ وَإِلَّا هَرَاقَهُ «٤» .. وَلَكِنِ اجْعَلُونِي فِي أَوَّلِ الدُّعَاءِ، وَأَوْسَطِهِ وَآخِرِهِ.. وَقَالَ ابْنُ عَطَاءٍ «٥» لِلدُّعَاءِ أَرْكَانٌ، وَأَجْنِحَةٌ، وَأَسْبَابٌ، وَأَوْقَاتٌ.. فَإِنْ وَافَقَ أَرْكَانَهُ قَوِيَ، وَإِنْ وَافَقَ أَجْنِحَتَهُ طَارَ فِي السَّمَاءِ، وَإِنْ وَافَقَ مَوَاقِيتَهُ فَازَ.. وَإِنْ وَافَقَ أَسْبَابَهُ أَنْجَحَ.
- فَأَرْكَانُهُ: حُضُورُ الْقَلْبِ، وَالرِّقَّةُ، وَالِاسْتِكَانَةُ، وَالْخُشُوعُ، وَتَعَلُّقُ الْقَلْبِ بِاللَّهِ وَقَطْعُهُ مِنَ الْأَسْبَابِ.
- وَأَجْنِحَتُهُ: الصِّدْقُ.
- وَمَوَاقِيتُهُ: الْأَسْحَارُ.
- وَأَسْبَابُهُ: الصَّلَاةُ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ.
وَفِي الْحَدِيثِ «١» «الدُّعَاءُ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ لَا يُرَدُّ» . وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ «٢» «كُلُّ دُعَاءٍ مَحْجُوبٌ دُونَ السَّمَاءِ فَإِذَا جَاءَتِ الصَّلَاةُ عَلَيَّ صَعِدَ الدُّعَاءُ» . وَفِي دُعَاءِ ابْنِ عَبَّاسٍ «٣» الَّذِي رَوَاهُ عَنْهُ حَنَشٌ «٤» فَقَالَ فِي آخِرِهِ «٥» : وَاسْتَجِبْ دُعَائِي.. ثُمَّ تَبْدَأُ بِالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَتَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ أَنْ تُصَلِّيَ عَلَى مُحَمَّدٍ عَبْدِكِ وَنَبِيِّكِ وَرَسُولِكِ أَفْضَلَ مَا صَلَّيْتَ عَلَى أَحَدٍ مِنْ خَلْقِكَ أَجْمَعِينَ آمِينَ. وَمِنْ مُوَاطِنِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ عِنْدَ ذِكْرِهِ وَسَمَاعِ اسْمِهِ أَوْ كِتَابَتِهِ «٦» أَوْ عِنْدَ الْأَذَانِ. وَقَدْ قَالَ ﷺ «٧» : «رَغِمَ «٨» أَنْفُ رجل ذكرت عنده فلم يصلي
عَلَيَّ» وَكَرِهَ ابْنُ حَبِيبٍ «١» ذِكْرَ النَّبِيِّ ﷺ عِنْدَ الذَّبْحِ «٢» . وَكَرِهَ سَحْنُونٌ «٣» الصَّلَاةَ عَلَيْهِ عِنْدَ التَّعَجُّبِ «٤» . وَقَالَ: لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ إِلَّا عَلَى طَرِيقِ الِاحْتِسَابِ وَطَلَبِ الثَّوَابِ وقال أَصْبَغُ «٥» عَنِ ابْنِ «٦» الْقَاسِمِ: مَوْطِنَانِ لَا يُذْكَرُ فِيهِمَا إِلَّا اللَّهُ الذَّبِيحَةُ وَالْعُطَاسُ فَلَا تَقُلْ فِيهِمَا بَعْدَ ذِكْرِ اللَّهِ.. مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ.. وَلَوْ قَالَ بَعْدَ ذِكْرِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ على محمد لم يكن
تسمية له مع الله «١» . وقال أَشْهَبُ «٢» قَالَ: وَلَا يَنْبَغِي أَنْ تُجْعَلَ الصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فِيهِ اسْتِنَانًا «٣» . وَرَوَى النَّسَائِيُّ «٤» عَنْ أَوْسِ «٥» بْنِ أَوْسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: الْأَمْرَ بِالْإِكْثَارِ مِنَ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ. وَمِنْ مواطن الصلاة والسلام دخول المسجد «٦» .
قال ابو اسحق «١» بْنُ شَعْبَانَ: وَيَنْبَغِي لِمَنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ أَنْ يصلى على النبي ﷺ وَعَلَى آلِهِ وَيَتَرَحَّمَ عَلَيْهِ، وَعَلَى آلِهِ، وَيُبَارِكَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ، وَيُسَلِّمَ تَسْلِيمًا وَيَقُولُ: اللَّهُمَّ اغفرلي ذُنُوبِي وَافْتَحْ لِي أَبْوَابَ رَحْمَتِكَ.. وَإِذَا خَرَجَ فَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ وَجَعَلَ مَوْضِعَ رَحْمَتِكَ فَضْلِكَ. وَقَالَ عَمْرُو «٢» بْنُ دِينَارٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: فَإِذا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُوا عَلى أَنْفُسِكُمْ «٣» » قَالَ: إِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْبَيْتِ أَحَدٌ فَقُلْ السَّلَامُ عَلَى النَّبِيِّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ.. السَّلَامُ عَلَى أَهْلِ الْبَيْتِ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ. قَالَ «٤» ابْنُ عَبَّاسٍ» : الْمُرَادُ بِالْبُيُوتِ هُنَا الْمَسَاجِدُ.



