فقه السيرة

Kitab sirah Nabi Muhammad ﷺ karya محمد الغزالي (w. 1416 H).

Bagian 10 dari 12 462 halaman

— Bagian 10 · ليه النبيّ ﷺ نظرة عرف بها طويته إلا أنّه في غمرة… —

Bagian 10

ليه النبيّ ﷺ نظرة عرف بها طويته إلا أنّه في غمرة النصر الذي أكرمه الله به، لم يجد في نفسه على الرجل، بل استدعاه ثم سأله: «ماذا كنت تحدّث به نفسك؟» .

قال: لا شيء! كنت أذكر الله!! فضحك النبيّ ﷺ ثم قال: «استغفر الله» . وتلطّف معه الرسول ﷺ، فوضع يده على صدره، فانصرف الرجل وهو يقول: ما رفع يده عن صدري حتى ما من خلق الله شيء أحبّ إليّ منه «١» . وكانت لفضالة في جاهليته هنات، فمرّ- وهو راجع إلى أهله- بامرأة لها معه شأن. فلما رأته قالت: هلمّ إلى الحديث! فانبعث يقول: قالت: هلمّ إلى الحديث، فقلت: لا ... يأبى عليك الله والإسلام لو ما رأيت محمّدا وقبيله ... بالفتح يوم تكسّر الأصنام لرأيت دين الله أضحى بيّنا ... والشرك يغشى وجهه الإظلام وصعد بلال فوق ظهر الكعبة، فأذّن للصلاة، وأنصت أهل مكة للنداء الجديد على اذانهم كأنهم في حلم، إنّ هذه الكلمات تقصف في الجوّ فتقذف بالرعب في أفئدة الشياطين، فلا يملكون أمام دويّها إلا أن يولوا هاربين، أو يعودوا مؤمنين. الله أكبر الله أكبر، الله أكبر الله أكبر. هذه الصيحات المؤكدة تذكّر الناس بالغاية الأولى من محياهم، وبالمرجع الحق بعد مماتهم، فكم ضلّلت البشر غايات صغيرة، أركضتهم على ظهر الأرض ركض الوحوش في البراري، واجتذبت انتباههم كلّه، فاستغرقوا في السعي وراء الحطام! وامتلكت عواطفهم كلها، فالحزن يقتلهم للحرمان، والفرح يقتلهم بالامتلاء، ولم يسفّه المرء نفسه بالغيبوبة في هذه التوافه؟. إنّ صوت الحق يستخرجه من وراء هذه الحجب المتراكمة ليلقي في روعه ما كان ينساه، وهو تكبير سيّد الوجود، ورب العالمين، سيده ومولاه. أشهد ألاإله إلا الله، أشهد ألاإله إلا الله. لقد سقط الشركاء جميعا، طالما تضرّع الناس للوهم، واعتزّوا بالهباء، وأمّلوا الخير فيمن لا يملك لنفسه نفعا، وانتظروا النجدة ممن لا يدفع عن نفسه عدوان ذبابة. ولم الخبط في هذه المتاهات؟ إن كان المغفّلون يشركون مع الله بعض خلائقه أو يؤلهونها دونه؟ فالمسلمون لا يعرفون إلا الله ربّا، ولا يرون غيره موئلا. والتوحيد المحض، هو المنهج العتيد للغاية التي استهدفوها.

ولكن من الأسوة؟ من الإمام في هذه السبيل؟ من الطليعة الهادية المؤنسة؟ إنّ المؤذن يستتلي ليذكر الجواب: أشهد أنّ محمدا رسول الله، أشهد أنّ محمدا رسول الله. سيرة هذا الرجل النبيل هي المثل الكامل لكل إنسان يبغي الحياة الصحيحة، إنّ محمدا إنسان، يرسم بسنّته الفاضلة السلوك الفريد لمن اعتنق الحق وعاش له. وهو يهيب بكل ذي عقل أن يقبل على الخير، وأن ينشط إلى مرضاة وليّ أمره، ووليّ نعمته، فيحثّ الناس أولا على أداء عبادة ميسورة رقيقة: حيّ على الصّلاة، حيّ على الصّلاة. هذه الصلوات هي لحظات التأمل في ضجيج الدنيا، هي لحظات الماب كلّما انحرف الإنسان عن الجادة، هي لحظات الخضوع لله كلّما هاج بالمرء النزق، وطغت على فكره الأثرة، فنظر إلى ما حوله وكأنّه إله صغير، هي لحظات الاستمداد والإلهام. وما أفقر الإنسان- برغم غروره- إلى من يلهمه الرشد فلا يستحمق، ويمده بالقوة فلا يعجز ويستكين. ثم يحث الناس- أخيرا- على تجنب الخيبة في شؤونهم كلها. والخيبة إنما تكون في الجهد الضائع سدى، في العمل الباطل لأنه خطأ، سواء كان الخطأ في الأداء أو في المقصد.. وهو يحذّر من هذه الخيبة عند ما يدعو: حيّ على الفلاح، حيّ على الفلاح. ويوم يخرج العمل من الإنسان وهو صحيح في صورته ونيته، فقد أفلح، ولو كان من أعمال الدنيا البحتة، ألم يعلّم الله نبيّه أن يجعل شؤون حياته، بعد نسكه وصلاته خالصة لله؟: قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيايَ وَمَماتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (١٦٢) لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣) [الأنعام] . ولا سبيل إلى ذلك إلا بإصغار ما عدا الله من غايات، والتزام توحيده أبدا، ومن ثمّ يعود إلى تقرير الغاية والمنهج مرة أخرى. الله أكبر الله أكبر ... لا إله إلا الله ...

إنّ كلمات الأذان تمثّل العناوين البارزة لرسالة كبيرة في الإصلاح، ولذلك جاء في السنن الثابتة أنّ المسلم عند ما يسمعها يقول: «اللهمّ ربّ هذه الدعوة التامّة، والصلاة القائمة، ات سيدنا محمدا الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقاما محمودا الذي وعدته، إنّك لا تخلف الميعاد» «١» .

يقول: «اللهمّ ربّ هذه الدعوة التامّة، والصلاة القائمة، ات سيدنا محمدا الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقاما محمودا الذي وعدته، إنّك لا تخلف الميعاد» «١» .

[ذكريات الشهداء] : وفي يوم الفتح قد ترجع بنا الذكريات إلى رجال لم يشهدوا هذا النصر المبين، ولم يسمعوا صوت بلال يرنّ فوق ظهر الكعبة بشعار التوحيد، ولم يروا الأصنام مكبوبة على وجوهها مسوّاة بالرغام، ولم يروا عبّادها الأقدمين، وقد ألقوا السلم واتجهوا إلى الإسلام. إنهم قتلوا أو ماتوا إبّان المعركة الطويلة التي نشبت بين الإيمان والكفر. ولكنّ النصر الذي يجني الأحياء ثماره اليوم لهم فيه نصيب كبير، وجزاؤهم عليه مكفول عند من لا يظلم مثقال ذرة. إنه ليس من الضروري أن يشهد كلّ جندي النتائج الأخيرة للكفاح بين الحق والباطل، فقد يخترمه الأجل في المراحل الأولى منه، وقد يصرع في هزيمة عارضة كما وقع لسيد الشهداء (حمزة) ومن معه. والقران الكريم ينبّه أصحاب الحق إلى أنّ المعوّل في الحساب الكامل على الدار الاخرة، لا على الدار الدنيا، فهناك الجزاء الأوفى للمؤمنين والكافرين جميعا: فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنا يُرْجَعُونَ (٧٧) [غافر] . ودخل رسول الله ﷺ مكة في رمضان، وظلّ بها سائر الشهر يقصر، ويفطر أكثر من خمسة عشر يوما، وكان قد خرج من المدينة صائما، ثم أفطر هو وصحبه في الطريق «٢» .

فلمّا استقرّ الأمر شرع يبايع الناس على الإسلام «١» ، فجاءه الكبار والصغار والرجال والنساء، فتمت البيعة على السمع والطاعة لله ولرسوله فيما استطاعوا «٢» . وسنّة رسول الله ﷺ في مبايعة النساء أن يأخذ عليهنّ الميثاق كلاما لا مصافحة. فعن عائشة: «لا والله ما مسّت يد رسول الله يد امرأة قطّ» «٣» .

طاعوا «٢» . وسنّة رسول الله ﷺ في مبايعة النساء أن يأخذ عليهنّ الميثاق كلاما لا مصافحة. فعن عائشة: «لا والله ما مسّت يد رسول الله يد امرأة قطّ» «٣» .

[إسلام فيه دخن] : وهكذا دخل أهل مكة في الإسلام، وإن كان بعضهم بقي على ريبته وجاهليته يتعلّق بالأصنام، ويستقسم بالأزلام، وأولئك تركوا للأيام تشفي جهلهم، وتحيي ما مات من قلوبهم وألبابهم. وما دامت الدولة التي تحمي الوثنية وتقاتل دونها قد ذهبت، فسوف تتلاشى هذه الخرافة من تلقاء نفسها. إنّ فتح مكة جاء عقب ضربة خاطفة، ولقد أفلحت خطة المسلمين في تعمية الأخبار على قريش، حتى بوغتوا في عقر دارهم، فلم يجدوا مناصا من الاستسلام، فما استطاعوا الجلاد، ولا استجلاب الأمداد، وفتح العرب جميعا أعينهم، فإذا هم أمام الأمر الواقع؛ حتى خيل إليهم أنّ النصر معقود بألوية الإسلام فما ينفكّ عنها!.

معركة حنين بيد أنّ هذا الغلب- فتح مكة- كان له ردّ فعل معاكس لدى القبائل الكبيرة القريبة من مكة، وفي مقدمتها (هوازن) و (ثقيف) وتعتبر الطائف قصبتها، وهي أكبر المدن في الجزيرة بعد مكة ويثرب. اجتمع رؤساء هذه القبائل على (مالك بن عوف) سيد (هوازن) ، وأجمعوا أمرهم على المسير لقتل المسلمين قبل أن تتوطّد دعائم الفتح، وقبل أن يتحرّكوا لاستئصال ما بقي من معالم الوثنية المدبرة. وكان (مالك بن عوف) شجاعا مقداما، إلا أنّه سقيم الرأي سيّئ المشورة. فأمر قومه- وهم خارجون للغزو- أن يأخذوا معهم نساءهم وأموالهم وذراريهم؛ ليشعر كل رجل وهو يقاتل أن ثروته وحرمته وراءه، فلا يفرّ عنها. وقد اعترضه (دريد بن الصمّة) ، وهو فارس مجرّب محنّك، وقال له: هل يرد المنهزم شيء؟ إن كانت الدائرة لك لم ينفعك إلا رجل برمحه وسيفه، وإن كانت عليك فضحت في أهلك ومالك. فسفّه مالك رأيه، وأصر على خطته. وعلم المسلمون بمخرج أعدائهم، فأرسلوا عيونهم يتعرّفون عدتهم وهيئتهم. روى أبو داود: أنّ رجلا جاء إلى رسول الله ﷺ فقال له: إني انطلقت بين أيديكم حتى طلعت جبل كذا وكذا، فإذا أنا بهوازن عن بكرة أبيهم بظعنهم وبنعمهم وشائهم، اجتمعوا إلى (حنين) . فتبسّم رسول الله ﷺ وقال: «تلك غنيمة المسلمين غدا إن شاء الله» «١» . إنّ السهولة التي تمّ بها فتح مكة، وإحساس جمهور المؤمنين أنّ الجاهلية تلفظ أنفاسها الأخيرة فلن تبدي مقاومة تذكر، وظنّ حدثاء العهد بالإسلام أنّ

شيئا ما لن يقف في طريقه، كلّ ذلك جعل الجيش يزحف للقاء المشركين وهو غير مكترث لما سوف يواجه، ولم يكترث؟!. إنّهم- وهم قلة- كانوا يكسبون المعارك الطاحنة، فكيف وهم اليوم يخرجون في عدد لم يجمعوا مثله قبلا؟! قيل: إنّ أبا بكر الصدّيق لما نظر إلى الجيش قال: لن نغلب اليوم من قلّة..!. ذلك أنّ المسلمين بلغوا اثني عشر ألفا بمن انضمّ إليهم من أهل مكة.

له قبلا؟! قيل: إنّ أبا بكر الصدّيق لما نظر إلى الجيش قال: لن نغلب اليوم من قلّة..!. ذلك أنّ المسلمين بلغوا اثني عشر ألفا بمن انضمّ إليهم من أهل مكة.

هزيمة: وسار الجيش الواثق حتى وصل إلى وادي (حنين) . وكان (مالك بن عوف) ورجاله قد سبقوا إلى احتلال مضايقه، وانبثوا في الشعاب والأجناب المنيعة، ثم تهيئوا لاستقبال المسلمين. وأقبلت الطلائع الغفيرة تتدافع نحو الوادي- وهي غافلة عمّا يكمن فيه- وكان واديا أجوف منحدرا، ينحطّ فيه الركبان كلّما أوغلوا كأنهم يسيرون إلى هاوية. فلمّا تكاثرت في دروبه الفرق الزاحفة، لم يرعهم إلا وابل من السهام يتساقط فوقهم من المكامن العالية، وكان غبش الفجر لا يزال يترك بقاياه في الجو الغائم، فارتاعت المقدمة لهذه المفاجأة، فهي في عماية من الليل وعماية من أمرها، لا تعرف إلا أن تستدير ثم تولي الأدبار. وانتشرت موجة الفزع، فكسرت الصفوف المرصوصة وبعثرتها. واستغل رجال (مالك بن عوف) هذا الارتباك فهجمت كتائبهم، وحملت الخيل على ما أمامها، فانكفأ المسلمون مهزومين، لا يلوي أحد على أحد. ونظر زعماء مكة إلى الجيش المولّي نظرة تشفّ وفرح. وعاد إلى بعضهم كفره بالله ورسوله ﷺ فقال (أبو سفيان) : لا تنتهي هزيمتهم دون البحر! ولا عجب.. فإنّ الأزلام التي يستقسم بها في جاهليته لا تزال في كنانته. وقال (كلدة بن الجنيد) : ألا بطل السحر اليوم. فأجابه (صفوان بن أمية) - ولما يزل مشركا-: اسكت فضّ الله فضّ الله فاك، فو الله لأن يربّني رجل من (قريش) أحبّ إليّ من أن يربّني رجل من (هوازن) .

ليوم. فأجابه (صفوان بن أمية) - ولما يزل مشركا-: اسكت فضّ الله فضّ الله فاك، فو الله لأن يربّني رجل من (قريش) أحبّ إليّ من أن يربّني رجل من (هوازن) .

وانحاز رسول الله ﷺ ذات اليمين وقد أغضبه هذا الفرار، فقال: «أين أيها النّاس؟! هلمّوا إليّ، أنا رسول الله، أنا محمّد بن عبد الله» . فلا يرد عليه شيء، وركبت الإبل بعضها بعضا وهي مولية بأصحابها «١» . ولمح النبي ﷺ وراءها رجلا من (هوازن) على جمل له أحمر، بيده راية سوداء في رأس رمح طويل، (وهوازن) خلفه، إذا أدرك الفارين طعن برمحه، وإذا فاتوه رفع رمحه لمن وراءه فاتبعوه. إن الذي تولّى كبر هذه المهزلة الشائنة هم الطلقاء من أهل مكة ورعاع البدو. ووقف النبي ﷺ ساكن الجأش، يدير الرأي في خطة ينقذ بها سمعة الإسلام ومستقبله، وقد أحاط به لفيف من المهاجرين الأولين ومن أهل بيته. فأمر العبّاس بن عبد المطلب- وكان جهير الصوت- أن ينادي: يا معشر الأنصار يا أصحاب البيعة يوم الحديبية «٢» .. لقد هداه الحقّ أن يهتف بأصحاب العقائد، ورجال الفداء عند الصدام فهم واحدهم- الذين تنجح بهم الرسالات وتفرّج الكروب. أما هذا الغثاء من العوام الحراص على الدنيا، السعاة إلى المغانم، فما يقوم بهم أمر، أو تثبت بهم قدم.

الثبات والنصر: وفي ضجة الفزع الذي ساد المعركة أولا، علت صيحات العباس ﵁، ووصلت إلى اذان الرجال المشدوهين لما وقع، فأخذوا يكافحون ليبلغوا مصدر الصوت. إذا أراد أحدهم أن يعطف بعيره ليعود به لا يقدر من ضغط الفارين، فما يجد بدا من أن يقذف درعه من عنقه، ويحمل سيفه وترسه ثم يؤمّ الصوت. واجتمع حول رسول الله ﷺ عدد من الرجال الذين دعاهم، وهم يصيحون: لبيك لبيك، حتى قارب القوم مئة، فاستقبل النبي ﷺ بهم المشركين، وقد ملك

زمام الموقف، وأعاد الكرّة عليهم، فاجتلد الفريقان اجتلادا شديدا. وقصد (علي) وأحد الأنصار إلى حامل العلم في طليعة (هوازن) ، فضرب (علي) عرقوبي جمله، فوقع على عجزه، ثم استمكن منه الأنصاري، فهوى به عن رحله. وكان النبي ﷺ على بغلته يقول: «أنا النبيّ لا كذب ... أنا ابن عبد المطّلب» «١» ويدعو: «اللهم نزّل نصرك» «٢» . والمهاجرون والأنصار قد التحموا مع رجال (هوازن) و (ثقيف) . قال العباس: ونظر رسول الله ﷺ وهو على بغلته كالمتطاول عليها- إلى قتالهم فقال: «الان حمي الوطيس» ، ثم أخذ حصيّات فرمى بهن في وجوه الكفار، ثم قال: «انهزموا وربّ محمد» . قال العباس: فذهبت أنظر، فإذا القتال على هيئته فيما أرى، فما هو إلا أن رماهم فما زلت أجد حدّهم كليلا، وأمرهم مدبرا «٣» . ولم يطل وقت، حتى كان رجال (ثقيف) ومن معهم يوغلون مولّين الأدبار في وادي حنين، ورجع الطلقاء والبدو إلى رسول الله ﷺ، فإذا هم يرون الأسرى مكتفين!. وفي هذه المعركة نزل قول الله ﷿: لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَواطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (٢٥) ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْها وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ (٢٦) [التوبة] . واعتصم بعض المنهزمين بناحية يقال لها: (أوطاس) . فأرسل النبي ﷺ في أعقابهم (أبا عامر الأشعري) فقاتلهم حتى قتل، فأخذ الراية منه ابن أخيه (أبو موسى الأشعري) فما زال يناوش القوم حتى بدّد شملهم،

وهزموا شر هزيمة «١» . واضطر (مالك بن عوف) ومن معه من رجالات قومه أن يمضوا في الفرار حتى يصلوا إلى (الطائف) فيمتنعوا بحصنها، تاركين في هذا الفرار مغانم هائلة. فإنّ مالكا- كما علمت- خرج يغزو، ومعه نساء القبيلة وما تملك. فخلّف في الميدان أربعة وعشرين ألفا من الإبل، وأكثر من أربعين ألفا من الغنم، وأربعة الاف أوقية من الفضة، هذا إلى جانب ستة الاف من السبي.

لة وما تملك. فخلّف في الميدان أربعة وعشرين ألفا من الإبل، وأكثر من أربعين ألفا من الغنم، وأربعة الاف أوقية من الفضة، هذا إلى جانب ستة الاف من السبي.

الغنائم: وكره رسول الله ﷺ أن يقسم على الناس هذه الغنائم، وتأنّى، يبتغي أن يرجع القوم إليه تائبين، فيحرزوا ما فقدوا. ومكث ينتظرهم بضع عشرة ليلة فلم يجئه أحد «٢» . فشرع يسكت المتطلّعين من رؤساء القبائل وأشراف مكة، وبدأ بقسمة المال، فكان المؤلفة قلوبهم أول من أعطي، بل أول من حظي بالأنصبة الجزلة. أخذ (أبو سفيان) مئة من الإبل، وأربعين أوقية من الفضة، فقال: وابني معاوية؟ فمنح مثلها لابنه معاوية، فقال: وابني يزيد؟ فمنح مثلها لابنه يزيد «٣» . وأقبل رؤساء القبائل وأولو النّهمة يتسابقون إلى أخذ ما يمكن أخذه. وشاع في الناس أنّ محمدا يعطي عطاء من لا يخشى الفقر. فازدحموا عليه يبغون المزيد من المال، وأكبّ عليه الأعراب، يقولون: يا رسول الله! اقسم علينا فيئنا، حتى اضطروه إلى شجرة فانتزعت رداءه! فقال: «أيّها الناس، ردّوا عليّ ردائي، فو الّذي نفسي بيده لو كان لكم عندي عدد شجر تهامة نعما لقسّمته عليكم، ثم ما ألفيتموني بخيلا ولا جبانا ولا كذابا» .

ل: «أيّها الناس، ردّوا عليّ ردائي، فو الّذي نفسي بيده لو كان لكم عندي عدد شجر تهامة نعما لقسّمته عليكم، ثم ما ألفيتموني بخيلا ولا جبانا ولا كذابا» .

ثم قام إلى جنب بعير، فأخذ من سنامه وبرة، فجعلها بين أصبعيه، ثم رفعها فقال: «أيها الناس! والله ما لي من فيئكم ولا هذه الوبرة إلا الخمس، والخمس مردود عليكم» «١» . إنّ أعين القوم تكاد تخرج من المحاجر تطلّعا إلى الدنيا. وهؤلاء الأعراب والطلقاء والرؤساء، ما أغنوا عن الإسلام شيئا في مازقه الأولى، بل كانوا هم العقاب الصلدة التي اعترضت مسيله، حتى تحطمت تحت معاول المؤمنين الراغبين في ثواب الاخرة المؤثرين ما عند الله. ولكنّهم اليوم- بعد ما أعلنوا إسلامهم- يبغون من الرسول ﷺ أن يفتح عليهم خزائن الدنيا؛ فحلف لهم أنه ما يستبقي منها شيئا لشخصه، ولو امتلك ملء هذه الأودية مالا لوزّعه عليهم. والحق أنّ الرسول ﷺ وسع بحلمه وكرمه مسالك بينة للطيش والجشع في سبيل تألف هؤلاء الناس، وتحبيبهم في الإسلام. ولو عاقبهم على جبنهم في (حنين) لنال منهم أيّ منال. روى الإمام أحمد «٢» أنّ (أبا طلحة) - وهو من فرسان المسلمين المعدودين- لقي زوجته (أمّ سليم) ومعها خنجر، فقال لها: ما هذا؟. قالت: إن دنا مني بعض المشركين أبعج بطنه- وذلك في معركة حنين-، فقال أبو طلحة لرسول الله ﷺ: أما تسمع ما تقول أم سليم؟ فضحك النبيّ ﷺ. فقالت أم سليم: يا رسول الله! أقتل من بعدها الطلقاء ... انهزموا بك! فقال: «إنّ الله قد كفى وأحسن يا أمّ سليم» . والعجيب أنّ هؤلاء الذين فرّوا عند الفزع، هم الذين كفروا عند الطمع. وشاء النبي ﷺ أن يلطف معهم، وينسى ماضيهم تكرما وتأليفا.

وماذا يصنع؟ إنّ في الدنيا أقواما كثيرين يقادون إلى الحق من بطونهم لا من عقولهم، فكما تهدى الدواب إلى طريقها بحزمة برسيم تظلّ تمد إليها فمها حتى تدخل حظيرتها امنة! فكذلك هذه الأصناف من البشر، تحتاج إلى فنون من الإغراء حتى تستأنس بالإيمان وتهشّ له. عن أنس بن مالك قال: كنت أمشي مع رسول الله ﷺ وعليه برد نجرانيّ غليظ الحاشية، فأدركه أعرابي، فجذبه جذبة شديدة حتى نظرت إلى صفحة عاتق رسول الله قد أثّرت به حاشية الرداء من شدة جذبته، قال: مر لي من مال الله الذي عندك! فالتفت إليه، فضحك، ثم أمر له بعطاء «١» .. إنّ هذا الأعرابي لا يعجبه المنطق الدقيق، ولا الطبع الرقيق، قدر ما يعجبه من عطاء يملأ جيوبه ويسكّن مطامعه. ومن هنا قال صفوان بن أمية: ما زال رسول الله ﷺ يعطيني من غنائم حنين وهو أبغض الخلق إليّ، حتى ما خلق الله شيئا أحبّ إليّ منه «٢» .

حكمة هذا التقسيم: وهذه السياسة البعيدة لم تفهم أول الأمر، بل أطلقت ألسنة شتى بالاعتراض، فهناك مؤمنون ظنّوا هذا الحرمان ضربا من الإعراض عنهم والإهمال لأمرهم. روى البخاريّ عن عمرو بن تغلب قال: أعطى رسول الله ﷺ قوما ومنع اخرين، فكأنهم عتبوا عليه فقال: «إنّي أعطي قوما أخاف هلعهم وجزعهم، وأكل قوما إلى ما جعل الله في قلوبهم من الخير والغنى، منهم: عمرو بن تغلب» . قال عمرو: فما أحبّ أنّ لي بكلمة رسول الله حمر النعم.. فكانت هذه التزكية تطييبا لخاطر الرجل أرجح لديه من أثمن الأموال. وكان الأنصار ممّن وقعت عليهم مغارم هذه السياسة.

ّ أنّ لي بكلمة رسول الله حمر النعم.. فكانت هذه التزكية تطييبا لخاطر الرجل أرجح لديه من أثمن الأموال. وكان الأنصار ممّن وقعت عليهم مغارم هذه السياسة.

لقد حرموا جميعا أعطية حنين، وهم الذين نودوا وقت الشدة، فطاروا يقاتلون مع رسول الله ﷺ، حتى تبدّل الفرار انتصارا، وها هم أولاء يرون أيدي الفارين تعود ملأى. أما هم.. فلم يمنحوا شيئا قط؟. عن أبي سعيد الخدري ﵁: لما أصاب رسول الله ﷺ الغنائم يوم حنين، وقسم للمتألفين من قريش وسائر العرب ما قسم، ولم يكن في الأنصار شيء منها قليل ولا كثير، وجد هذا الحيّ من الأنصار في أنفسهم، حتى قال قائلهم: لقي والله- رسول الله قومه. فمشى سعد بن عبادة إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله! إن هذا الحي من الأنصار وجدوا عليك في أنفسهم؟ قال: «فيم؟» قال: فيما كان من قسمك هذه الغنائم في قومك وفي سائر العرب، ولم يكن فيهم من ذلك شيء. قال رسول الله ﷺ: «فأين أنت من ذلك يا سعد؟» قال: ما أنا إلا امرؤ من قومي. فقال رسول الله ﷺ: «اجمع لي قومك في هذه الحظيرة، فإذا اجتمعوا فأعلمني» . فخرج سعد فصرخ فيهم، فجمعهم في تلك الحظيرة ... حتى إذا لم يبق من الأنصار أحد إلا اجتمع له أتاه، فقال: يا رسول الله! اجتمع لك هذا الحيّ من الأنصار حيث أمرتني أن أجمعهم. فخرج رسول الله ﷺ، فقام فيهم خطيبا، فحمد الله، وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: «يا معشر الأنصار! ألم اتكم ضلّالا فهداكم الله؟ وعالة فأغناكم الله؟ وأعداء فألّف الله بين قلوبكم؟» قالوا: بلى! قال رسول الله ﷺ: «ألا تجيبون يا معشر الأنصار؟!» . قالوا: وما نقول يا رسول الله، وبماذا نجيبك؟ المنّ لله ورسوله. قال: «والله لو شئتم لقلتم فصدقتم وصدّقتم: جئتنا طريدا فاويناك، وعائلا فاسيناك، وخائفا فامنّاك، ومخذولا فنصرناك ... » . فقالوا: المنّ لله ورسوله. فقال: «أوجدتم في نفوسكم- يا معشر الأنصار- في لعاعة من الدنيا تألّفت

عائلا فاسيناك، وخائفا فامنّاك، ومخذولا فنصرناك ... » . فقالوا: المنّ لله ورسوله. فقال: «أوجدتم في نفوسكم- يا معشر الأنصار- في لعاعة من الدنيا تألّفت

بها قوما أسلموا، ووكلتكم إلى ما قسم الله لكم من الإسلام!! أفلا ترضون يا معشر الأنصار أن يذهب النّاس إلى رحالهم بالشاء والبعير، وتذهبون برسول الله إلى رحالكم؟. فو الذي نفسي بيده، لو أنّ الناس سلكوا شعبا وسلكت الأنصار شعبا، لسلكت شعب الأنصار، ولولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار. اللهم ارحم الأنصار، وأبناء الأنصار، وأبناء أبناء الأنصار» . فبكى القوم حتى أخضلوا لحاهم. وقالوا: رضينا بالله ربا، ورسوله قسما، ثم انصرف.. وتفرقوا «١» ... والأنصار- في تاريخ الدعوات- مثل فريدة للرجال الذين تقوم بهم الرسالات العظمى؛ حتى إذا استوت على سوقها، وتجاوزت أيام محنتها ومؤنتها، وتدلّت ثمارها وحلا جناها، جاءت أيد غير أيديهم، فقطفت ما تشتهي، ولم تكتف بذلك! بل لطمت أيدي الغارسين حتى لا تلقط من الثمار الساقطة قليلا ولا كثيرا!!. ولا نقول ذلك تعليقا على توزيع الغنائم في هذا المقام، فقد اتضح وجه الرشد في هذه القسمة الحصيفة ... ولكنّا نذكر في مناقب الأنصار، وافتراض ترفّعهم عن الدنيا في سبيل الدين، وتأليف الناس عليه، أنّ شؤون الحكم ابتعدت عنهم، واحتازها غيرهم وهم لها أكفاء، فلم تمض ثلاثون سنة حتى كانت في أيدي الطلقاء. ولا ريبة في أنّ أولئك المتجرّدين لله سوف يلقون جزاءهم الأوفى، وأن شأن الدنيا أنزل قدرا من أن يأسى عليه رجل العقيدة. غير أننا نتساءل: أكان من مصلحة الرسالات نفسها أن تقع هذه الأثرة؟ أم كان سوء حظّ الإسلام أن يلقى هذا اللون من الحكام، فيقصى أصحاب السبق

وأولو النصرة، ويملك زمام الدين اخر الناس دخولا فيه وبصرا به؟!.

عودة وفد هوازن: وبعد توزيع الغنائم أقبل وفد هوازن مسلما، وسألوا رسول الله ﷺ أن يردّ عليهم سبيهم وثروتهم! فقال لهم: «إنّ معي من ترون، وإنّ أحبّ الحديث إليّ أصدقه، فأبناؤكم ونساؤكم أحبّ إليكم أم أموالكم؟» قالوا: ما كنّا نعدل بالأحساب شيئا. فقام رسول الله ﷺ في المسلمين، فأثنى على الله بما هو أهله، ثم قال: «أمّا بعد، فإنّ إخوانكم هؤلاء، قد جاؤوا تائبين، وإنّي قد رأيت أن أردّ إليهم سبيهم، فمن أحبّ أن يطيب ذلك فليفعل، ومن أحبّ منكم أن يكون على حظّه حتى نعطيه إياه من أول مال يفيء الله علينا فليفعل» . فقال الناس: قد طيبنا ذلك يا رسول الله، فقال لهم: «إنّا لا ندري من أذن منكم ممّن لم يأذن، فارجعوا حتى يرفع إلينا عرفاؤكم أمركم» . فرجع الناس فكلمهم عرفاؤهم، ثم عادوا إلى رسول الله ﷺ يخبرونه أنهم قد طيبوا وأذنوا «١» .

حصار الطائف: أما ثقيف فإنها- بعد أن تراجعت منهزمة في (حنين) و (أوطاس) - دخلت حصونها، وتهيّأت فيها لحصار طويل، وعرف المسلمون أنّ القوم لا يزالون على إصرارهم والبقاء على جاهليتهم، وأنّ الخسائر التي لحقت بهم لم تكسر شوكتهم ولم ترهق عزيمتهم، فقرّروا السير إليهم ومناجزتهم، وللمسلمين خبرة قديمة بهذا الأسلوب من القتال، فقد حاصروا وحوصروا، وعرفوا أنجح طرائق الهجوم والدفاع. ونهض رسول الله ﷺ بجيشه حتى اقترب من الطائف، فعسكر حولها، وأخذت ثقيف من حصونها تقذف النبال، فأصيب نفر من المسلمين، واضطر الجيش أن يؤخر مواقعه حتى لا تستهدف لقذائفهم. ويظهر أنّ النبي ﷺ لم يحرص على اقتحام الحصون واستنزال أهلها قسرا كما فعل ببني إسرائيل، لقد أمّل فيهم خيرا، وأدار المعركة حولهم في حدود

تهدف لقذائفهم. ويظهر أنّ النبي ﷺ لم يحرص على اقتحام الحصون واستنزال أهلها قسرا كما فعل ببني إسرائيل، لقد أمّل فيهم خيرا، وأدار المعركة حولهم في حدود

ضيقة، وبضحايا يسيرة، وظل يحاصرهم خمس عشرة ليلة. ثم بدا له أن يدعهم وشأنهم، وأشار على المسلمين بذلك، فرغبوا أولا في إطالة حصارها حتى تفتح عليهم، ثم نزلوا أخيرا على رأيه. وروي أنّ رسول الله ﷺ استشار نوفل بن معاوية فقال: «يا نوفل! ما ترى في المقام عليهم؟» فقال: يا رسول الله! ثعلب في جحر، إن أقمت عليه أخذته، وإن تركته لم يضرّك «١» ! فأمر النبيّ ﷺ عمر بن الخطاب: أن يؤذّن في الناس بالرحيل «٢» . فلما قفلت بهم المطايا، قالوا: يا رسول الله! أحرقتنا نبال ثقيف، فادع الله عليهم فقال: «اللهم اهد ثقيفا» «٣» !. ولم يطل بقاء ثقيف على شركها، فما هي إلا شهور قلائل حتى أرسلوا وفدهم إلى المدينة يخبر النبي ﷺ برغبتهم في الإسلام، وانفساح قلوبهم له.

إلى دار الهجرة: عاد المسلمون من الطائف إلى مكة، لا ليعاودوا المقام فيها بعد أن فتحها الله عليهم، بل لينظّموا أمورها ثم يرتحلوا إلى مهجرهم الخالد ... إن صلتهم بالمدينة أضحت من العمق والقوة بحيث لا يرجحها وطن قديم ولا ذكريات عزيزة. روي أنّ النبي ﷺ لما فتح مكة ودخلها قام على الصفا يدعو، وقد أحدقت به الأنصار فتهامسوا فيما بينهم: أترون رسول الله إذ فتح الله عليه أرضه وبلده يقيم بها؟ فلمّا فرغ من دعائه قال: «ماذا قلتم؟» قالوا: لا شيء يا رسول الله! فلم يزل بهم حتى أخبروه، فقال: «معاذ الله، المحيا محياكم، والممات مماتكم!» «٤» .

ها؟ فلمّا فرغ من دعائه قال: «ماذا قلتم؟» قالوا: لا شيء يا رسول الله! فلم يزل بهم حتى أخبروه، فقال: «معاذ الله، المحيا محياكم، والممات مماتكم!» «٤» .

ولما كان أهل مكة حدثاء عهد بالإسلام، وفقههم في أحكامه ومراميه قليل، فإنّ النبي ﷺ خلّف فيهم (معاذ بن جبل) يعلّمهم كتاب ربهم وسنة نبيهم «١» . وجعل (عتّاب بن أسيد) أميرا على مكة «٢» وعمره يومئذ عشرون سنة. وكان (عتاب) شابا ذكيا، قنوعا شجاعا، وقد تقرّر له من مال المسلمين درهم كلّ يوم، وهو مرتب الإمارة، فقرّت بذلك عينه، بل إنّه خطب الناس فقال: أيها الناس! أجاع الله كبد من جاع على درهم، فقد رزقني رسول الله درهما كل يوم، فليست بي حاجة إلى أحد. ثم قدم رسول الله ﷺ المدينة في الشهر الأخير من السنة الثامنة. لله ما أفسح المدى بين هذه الأوبة الظافرة بعد أن توّج الله هامته بالفتح المبين، وبين مقدمه إلى هذا البلد النبيل منذ ثمانية أعوام!. لقد جاءه مطاردا يبغي الأمان، غريبا مستوحشا ينشد الإيلاف والإيناس، فأكرم أهله مثواه، واووه ونصروه، واتبعوا النور الذي أنزل معه، واستخفّوا بعداوة الناس جميعا من أجله، وها هو ذا بعد ثمانية أعوام يدخل المدينة التي استقبلته مهاجرا خائفا، لتستقبله مرة أخرى وقد دانت له مكة، وألقت تحت قدميه كبرياءها وجاهليتها، فأنهضها ليعزها بالإسلام، وعفا عن خطيئاتها الأولى: ... إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ [يوسف: ٩٠] .

موقف المنافقين: وكان حقيقا بالذين خالجتهم الريبة في رسالة محمد ﷺ أن يتوسّموا في هذه الايات البيّنات ما يقربهم من دينه، ويغريهم بالتصديق ونبذ الجفوة والعناد. إلّا أنّ النفوس الخسيسة تزداد شرا وجحودا كلّما ازداد خصومها نجاحا وصعودا. فما تظنه سبب إقبالها قد يكون سبب انتكاسها. لذلك لا يستغرب أن يرجع رسول الله ﷺ إلى المدينة، فيجد قلوب المنافقين لا تزال مطوية على دخلها، تبتسم للفاتح العائد، وهي تودّ لو لم تر شبحه، يستوي في ذلك رؤساء العشائر الذين وهى سلطانهم أمام انتشار الإسلام، وسواد الأعراب الذين يمرحون في البادية كالسوائم الغافل، لا يكادون يفقهون حديثا. وثمّ أمر اخر زاد في غواية المنافقين وتربّصهم الشر بالإسلام ونبي الإسلام، ذلك هو عرفانهم بالخصومة التي نشبت بين المسلمين والرومان، وإدراكهم لما تحمله في أطوائها من خطورة وعنف. فالعرب ينظرون إلى دولة الروم نظرة أهل إفريقية اليوم إلى أوروبة وأمريكة، إنّها قوة لا تنال ولا تناوش. ولئن كان الرومان بهذه المثابة المرهوبة فإنّ محمدا- كما عرف القوم من سيرته- لا يوجل من سلطان على ظهر الأرض، وقد مضى برسالته يذيب ما اعترضه من عوائق، فمحا الوثنية، وأجلى اليهودية، وقاوم بطش الروم مقاومة الواثق المعتد. والمنافقون مسرورون بهذه الخصومة الجديدة، يحسبون أنّ مقبرة الإسلام ستحفر فيها. لذلك لما أعلن النبي ﷺ في المدينة أنّه منطلق إلى (تبوك) تجمّع رهط من المنافقين فقال بعضهم لبعض- مشيرين إلى المسلمين-: أتحسبون جلاد بني الأصفر كقتال العرب بعضهم بعضا؟. والله لكأنّا بكم غدا مقرّنين في الحبال ... إرجافا وترهيبا للمؤمنين!!.

م لبعض- مشيرين إلى المسلمين-: أتحسبون جلاد بني الأصفر كقتال العرب بعضهم بعضا؟. والله لكأنّا بكم غدا مقرّنين في الحبال ... إرجافا وترهيبا للمؤمنين!!.

غزوة تبوك عزم النبي ﷺ أن يرسي العلائق بين الإسلام والنصرانية على دعائم مكينة. وهو لا يقبل مساومة في ترك دعاته أحرارا يعرضون دينهم على الناس، فإن راقهم دخلوه، وإن ساءهم تركوه. يجب أن تتاح الفرص المعقولة لإفهام الجماهير ما تدعى إليه. أما أن تقطع أعناق الدعاة، وتقام الأسوار الكثيفة في وجوههم، فهذا ما يقاومه الإسلام بالقوة. ثم إنّ الرومان في الشام والعراق ومصر وغيرها من البلدان قوم غزاة، لا تربطهم بأهل البلاد الأولين إلا صلات القهر الماديّ والأدبيّ. فالذي يعترض على زحف الإسلام إلى الشمال يجب أن يسأل نفسه قبل ذلك: لم سكت عن زحف الرومان إلى الجنوب؟ وعن الطريقة التي يباشرون بها حكم هذه الأقطار المغلوبة على أمرها؟. والمقارنة المنصفة تجعل ما يطلبه النبي ﷺ شيئا لا غبار عليه. دعوا العقائد المختلفة تبين عن نفسها، وتجذب الشعوب إليها، أو تصرفهم عنها ... لكنّ هذا الطلب قوبل بالردّ المسلّح. فلا دولة الروم تفتح أبواب المصيدة عن الفرائس التي تضطرب داخل جدرانها، ولا كنيسة الروم ترحّب بهذا الجو الجديد. قلنا في كتابنا (التعصب والتسامح بين المسيحية والإسلام) في صدد غزوة تبوك: « ... والكنيسة لا تطيق أن يعيش بجانبها رأي يخالف في الفروع التافهة، فكيف تسمح بالبقاء لدين ينكر سلطة رجالها؟ لأنه لا يرى بين العباد وربهم وسائط، وينكر عقيدة الفداء التي ترتكز عليها؛ لأنه يا بني الجزاء على عمل الإنسان واحده.

مح بالبقاء لدين ينكر سلطة رجالها؟ لأنه لا يرى بين العباد وربهم وسائط، وينكر عقيدة الفداء التي ترتكز عليها؛ لأنه يا بني الجزاء على عمل الإنسان واحده.

فليس للإنسان إلا ما سعى، وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى [الأنعام: ١٦٤] . ثم هو ينكر مبدأ الشركة في الألوهية، فليس للعالم إلا رب واحد، يخضع له عيسى وأمه. لذلك رأى الروم أن يعيدوا الكرّة، فيضربوا الإسلام في شمال الجزيرة ضربة تردّه من حيث جاء، وتوصد عليه أبواب الحدود، فلا يستطيع التسرّب منها ... وتضمن الكنيسة بعدئذ انفرادها بالضمير البشري، حتى إذا قرعت أجراسها لم يشب رنينها صدى لمؤذن يهتف بتكبير الله وتوحيده، ويدعو للصلاة والفلاح. وترامت إلى النبي ﷺ في المدينة أنباء هذا الإعداد الماكر، وتاريخ النصرانية- منذ تولّت الحكم- يؤكّد نية العدوان لدى رجال الكهنوت. فلم ير النبي ﷺ بدّا من استنفار المسلمين لملاقاة هذا العدوان المبيت. والتهيؤ لملاقاة الروم جاء في أيام قيظ وقحط. والسير إليهم يتطلّب جهدا مضنيا ونفقة كبيرة. وقتال الروم ليس صداما مع قبيلة محدودة العدد والعدّة، بل هو كفاح مرير مع دولة تبسط سلطانها على جملة قارّات، وتملك موارد ثرّة من الرجال والأموال. على أنّ أصحاب العقيدة لا ينكصون أمام الصعاب، والسكوت على تحدي النصارى لهذا الدين ورغبتهم الملحة في القضاء عليه يعتبر انتحارا وبوارا، فليتحامل المسلمون على أنفسهم إذا وليواجهوا مستقبلهم بما يفرض من تضحيات وتفديات. وللظروف العصيبة التي اكتنفت إعداد هذا الجيش سمّي جيش العسرة. والايات التي أنزلها الله في كتابه- متعلقة بغزوة العسرة- هي أطول ما نزل في قتال بين المسلمين وخصومهم. وقد بدأت باستنهاض الهمم لردّ هجوم المسيحية على الإسلام، وإفهام المسلمين مغبة تقصيرهم في أداء هذه الفريضة، وإشعارهم بأن الله لا يقبل ذرة من تفريط في حماية دينه ونصرة نبيّه، وإنّ التراجع أمام الصعوبات الحائلة- دون قتال الروم- يعتبر مزلقة إلى الردة والنفاق: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكُمْ إِذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى

الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الْآخِرَةِ فَما مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ (٣٨) إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذاباً أَلِيماً وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئاً وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٩) [التوبة] . ومضت الايات تتحدّث في صرامة وعنف، ففضحت المنافقين، وكشفت عن المترددين. وأهانت طلاب الدّعة والراحة، الذين اثروا ظلّ القعود في بيوتهم وحقولهم على حرّ الصحراء، ووعثاء السفر، ومتاعب الجلاد: فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجاهِدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقالُوا لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كانُوا يَفْقَهُونَ (٨١) [التوبة] . وأنباء جيش العسرة تفيض بها صفحات طوال من سورة التوبة. ولعلّ من البيّن في أسلوب القران وهو يصف هذا الجهاد، أنه لم تأخذه هوادة في التنويه بمن اشتركوا فيه، والتنديد بمن تخلّفوا عنه، ولا عجب، فتحديد موقف الإسلام من النصرانية، هو بتّ في مستقبل الدين كلّه إلى الأبد. فإما ثبت المسلمون أمام لدد الكنيسة المتعصبة، وإمّا أحرقتهم نارها فلم يبق لدينهم أثر؛ وكان لهذا الحزم أطيب النتائج، فخرج المسلمون في تعبئة لم يخرجوا من قبل في مثلها، وانطلقوا صوب الشمال حيث تربض جيوش الروم ... » «١» .

[دعوة إلى البذل والعطاء] : وتجلت- في هذا الإعداد- طوايا النفوس، ومقدار ما استودعت من قبل من إخلاص وسماحة ونشاط، فهناك أغنياء أخرجوا ثرواتهم لتجهيز الجيش، وإمداده بحاجته من الرواحل والسلاح والخيل، منهم عثمان بن عفان الذي سبق في بذله سبقا بعيدا، حتى إنّ الرسول ﷺ عجب من كثرة ما أنفق، وقال: «اللهمّ ارض عن عثمان، فإنّي عنه راض» «٢» .

لسلاح والخيل، منهم عثمان بن عفان الذي سبق في بذله سبقا بعيدا، حتى إنّ الرسول ﷺ عجب من كثرة ما أنفق، وقال: «اللهمّ ارض عن عثمان، فإنّي عنه راض» «٢» .

ومنهم الفقراء الذين شاقهم الجود بأنفسهم في سبيل الله، ثم أعجزتهم الوسائل التي تبلّغهم الميدان، فسحّت أعينهم الدمع لهذا الحرمان. روي عن (علبة بن زيد) أنه قام من الليل يصلّي، فتهجّد ما شاء الله، ثم بكى، وقال: اللهم إنك أمرت بالجهاد، ورغّبت فيه، ثم لم تجعل عندي ما أتقوّى به، ولم تجعل في يد رسولك ما يحملني عليه.. وإنّي أتصدق على كلّ مسلم بكلّ مظلمة أصابني فيها في مال أو جسد أو عرض. وأصبح الرجل- على عادته- مع الناس، فقال رسول الله ﷺ: «أين المتصدّق هذه الليلة؟» فلم يقم أحد، ثم قال: «أين المتصدّق؟ فليقم» ، فقام إليه فأخبره. فقال رسول الله ﷺ: «أبشر، فو الّذي نفسي بيده! لقد كتبت في الزّكاة المتقبّلة» «١» . وهناك أهل الريبة الذين يلتمسون للفرار الأعذار، وتقعد بهم كراهيتهم للإسلام عن إسداء أي عون له، فهيهات أن يعدوا للخروج عدة، أو يتمنوا للخارجين عودا. ومن أسخف الأعذار التي تمحّلها أولئك القاعدون المنافقون ما قاله الجدّ بن قيس للنبي ﷺ وقد عرض عليه الجهاد-: يا رسول الله! أو تأذن لي ولا تفتني؟ فو الله لقد عرف قومي أنه ما من رجل بأشد عجبا بالنساء مني، وإني أخشى إن رأيت نساء بني الأصفر (الروم) ألا أصبر. فأعرض عنه رسول الله ﷺ «٢» وفيه نزلت الاية: وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ (٤٩) [التوبة] .

لاية: وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ (٤٩) [التوبة] .

وهناك الذين فترت- أول الأمر- هممهم، فلما جدّ الرحيل وانطلق الجيش أحسوا خطر التخلف على إيمانهم فنهضوا يدركون ما يوشك أن يفوتهم، منهم (أبو خيثمة) عاد يوما إلى أهله- بعد مسير النبي ﷺ وصحبه- وكان اليوم قائظا، فوجد امرأتيه كلتيهما، قد أعدتا له الطعام الشهيّ والماء البارد الرّويّ، ووجد مسكنه مبللا رطبا، وسط بستانه الذي أخذ بسره الأحمر ينضج ويسودّ. فاستيقظ ضمير الرّجل، وقال: رسول الله في الشمس والريح والحرّ، وأبو خيثمة في ظلّ بارد، وطعام مهيأ، وامرأة حسناء في ماله مقيم؟ والله ما هذا بالنّصف!. ثم قال: والله لا أدخل عريش واحدة منكما حتى ألحق برسول الله، فهيئا لي زادا، ففعلتا، ثم قدّم ناضحه فارتحله. وأسرع الرجل المؤمن يطلب رسول الله ﷺ حتى أدركه حين نزل تبوك.

[مصاعب وصبر وعزيمة] : وعانى الجيش الذاهب إلى تبوك مصاعب ثقيلة؛ روى الإمام أحمد في تفسير قول الله ﷿: لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي ساعَةِ الْعُسْرَةِ [التوبة: ١١٧] ؛ قال: خرجوا في غزوة (تبوك) الرجلان والثلاثة على بعير واحد، وخرجوا في حرّ شديد، وأصابهم عطش، حتى جعلوا ينحرون إبلهم لينفضوا أكراشها، ويشربوا ماءها، فكان ذلك عسرة في الماء، وعسرة في النفقة، وعسرة في الظهر. وعن عبد الله بن عباس: أنه قيل لعمر بن الخطاب: حدثنا عن شأن ساعة العسرة، فقال عمر: خرجنا إلى تبوك في قيظ شديد، فنزلنا منزلا وأصابنا فيه عطش، حتى ظننا أنّ رقابنا ستنقطع، حتى إنّ الرجل لينحر بعيره، فيعتصر فرثه فيشربه، ثم يجعل ما بقي على كبده، فقال أبو بكر الصديق ﵁: يا رسول الله! إنّ الله عوّدك في الدعاء خيرا فادع الله لنا! فقال: «أو تحب ذلك؟» قال: نعم، فرفع رسول الله يديه إلى السماء، فلم يرجعهما حتى قالت السماء- أي اذنت بمطر- فأطلت، ثم سكبت فملؤوا ما معهم، ثم ذهبنا ننظر، فلم نجدها جاوزت العسكر «١» .

قال ابن إسحاق: وكان في الجيش رجل منافق، فقالوا: ويحك هل بعد هذا من شيء؟ فقال: سحابة مارة!. وفي الطريق مرّ المسلمون بالديار التي كانت ثمود تسكنها، وهي أطلال هامدة، واثار بقيت تذكّر بغضب الله على من كذّبوا رسله، وتعجّلوا عقابه، فقال رسول الله ﷺ: «لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم إلا أن تكونوا باكين أن يصيبكم ما أصابهم» «١» . والظاهر أنّ النبيّ ﷺ يريد ألا يغافل المسلمون عن مواطن العظة، وألا يستهينوا بما خلا قبلهم من مثلات، فإنّ المرء لو قيّض له أن يزور السجون، ويشهد مثلا غرفة الإعدام؛ فليس يليق أن ينظر إلى حبل المشنقة وهو شارد أو ضاحك، لا أقلّ من بعض الأسى لأحوال المجرمين ومصارعهم!. وروى أحمد عن جابر: لما مرّ النبي ﷺ بالحجر، قال: «لا تسألوا الايات خوارق العادات- فقد سألها قوم صالح، فبعث الله لهم ناقة، فكانت ترد من هذا الفجّ، وتصدر من هذا الفجّ، فعتوا عن أمر ربّهم فعقروها، وكانت تشرب ماءهم يوما ويشربون لبنها يوما، فأخذتهم صيحة أهمد الله بها من تحت أديم السّماء منهم» «٢» .

والنهي عن سؤال الايات عود بالناس إلى الأحوال المألوفة؛ إذ لا جدوى في الخروج عليها، وخير للسائلين أن يبذلوا طاقتهم في أداء ما يكلّفون به، وأن يرققوا قلوبهم حتى تلين لأمر الله. فإن من قبلهم شهد العجائب، ثم أغرتهم قسوة القلب بازدرائها، فحاقت بهم اللعنة.

ذلوا طاقتهم في أداء ما يكلّفون به، وأن يرققوا قلوبهم حتى تلين لأمر الله. فإن من قبلهم شهد العجائب، ثم أغرتهم قسوة القلب بازدرائها، فحاقت بهم اللعنة.

[تحقيق أهداف الغزوة] : وبلغ المسلمون (تبوك) فلم يجدوا بها كيدا، أو يواجهوا عدوا، ولا بدّ أن الروم اثروا الاختفاء داخل حدودهم عن ملاقاة هذه القوة الفتية. وصالح النبي ﷺ متنصرة العرب الضاربين في هذه الأرجاء، فدخل في عهده أهل (أيلة) و (أذرح) و (تيماء) و (دومة الجندل) ، وأيقنت القبائل التي تعمل لحساب الرومان أن اعتمادها على سادتها الأقدمين قد فات أوانه. وغزوة تبوك تشبه غزوة الأحزاب، فإنّ بلاء المسلمين أولها كان شديدا، ثم جاء ختامها طمأنينة وعزة، ومكث الرسول ﷺ هنالك بضعة عشر يوما، يمد بصره وراء الصحراء، حيث اختفى الرومان، يرقب منهم حركة، فلمّا رأى القوم قابعين مستكينين، قرر أن يقفل عائدا إلى المدينة موفورا منصورا. وقدم رسول الله ﷺ المدينة، ولاحت له معالمها من بعيد. فقال: «هذه طابة! وهذا (أحد) جبل يحبّنا ونحبّه «١» !» وتسامع الناس بمقدمه، فخرج النساء والصبيان والولائد يقلن: طلع البدر علينا ... من ثنيّات الوداع وجب الشّكر علينا ... ما دعا لله داع لقد قوبل جيش العسرة في مرجعه هذا بحفاوة بالغة. إنّه أكبر جيش خرج مع رسول الله ﷺ، إذ وصل تعداده نحو الثلاثين ألفا، ولم ينس النبي ﷺ في ذهابه وإيابه أصحاب القلوب الكبيرة، الذين صعب عليهم أن يجاهدوا معه، فتخلّفوا راغمين، والعبرات تملأ عيونهم. عن أنس بن مالك: أنّ رسول الله ﷺ رجع من غزوة تبوك، فدنا من

المدينة فقال: «إنّ بالمدينة أقواما ما سرتم مسيرا، ولا قطعتم واديا إلا كانوا معكم» !! فقالوا: يا رسول الله! وهم بالمدينة؟ قال: «وهم بالمدينة، حبسهم العذر» » . بهذه المواساة الرقيقة كرّم النبي ﷺ الرجال الذين شيّعوه بقلوبهم وهو ينطلق إلى الروم، فأصلح بالهم، وأزاح هما ثقيلا عن أفئدتهم. أمّا المنافقون من مؤمّلي الشر ودعاة الهزيمة، والأعراب الذين اعتبروا الإسلام نكبة حلّت بهم؛ فهم يتربّصون الدوائر بأهله! أما هؤلاء وأولئك فأمامهم عناء طويل.

لمنافقون من مؤمّلي الشر ودعاة الهزيمة، والأعراب الذين اعتبروا الإسلام نكبة حلّت بهم؛ فهم يتربّصون الدوائر بأهله! أما هؤلاء وأولئك فأمامهم عناء طويل.

المخلّفون «٢» : ولما دخل رسول الله ﷺ المدينة بدأ بالمسجد، فصلّى فيه ركعتين، ثم جلس للناس، فجاء المخلّفون، فطفقوا يعتذرون إليه ويحلفون له، وكانوا بضعة وثمانين رجلا، فقبل منهم رسول الله ﷺ علانيتهم، وبايعهم، واستغفر لهم، ووكل سرائرهم إلى الله. وجاءه (كعب بن مالك) فلمّا سلّم عليه تبسّم تبسّم المغضب؛ ثم قال له: «تعال» . قال: فجئت أمشي حتى جلست بين يديه، فقال لي: «ما خلّفك؟ ألم تكن قد ابتعت ظهرك؟» . فقلت: بلى والله، إنّي لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا، لرأيت أن سأخرج من سخطه بعذر، ولقد أعطيت جدلا، ولكني والله لقد علمت إن حدثتك اليوم حديث كذب ترضى به عليّ ليوشكنّ الله أن يسخطك عليّ، ولئن حدثتك حديث صدق تجد عليّ فيه، إنّي لأرجو فيه عفو الله عنّي. والله ما كان لي من عذر، والله ما كنت قطّ أقوى ولا أيسر منّي حين تخلفت عنك!. فقال رسول الله ﷺ: «أمّا هذا فقد صدق، فقم حتى يقضي الله فيك» . فقمت. وثار رجال من بني سلمة، فاتبعوني يؤنبونني، فقالوا لي: والله ما علمناك كنت أذنبت ذنبا قبل هذا. ولقد عجزت ألاتكون اعتذرت إلى رسول الله ﷺ

بما اعتذر إليه المخلّفون، فقد كان كافيك ذنبك استغفار رسول الله ﷺ لك. قال: فو الله ما زالوا يؤنّبونني حتى أردت أن أرجع فأكذّب نفسي. ثم قلت لهم: هل لقي هذا معي أحد؟ قالوا: نعم رجلان قالا مثل ما قلت، فقيل لهما مثل الذي قيل لك، فقلت: من هما؟ قالوا: مرارة بن الربيع العامري، وهلال بن أمية الواقفي، فذكروا لي رجلين صالحين شهدا بدرا، فيهما أسوة!!. فمضيت حين ذكروهما لي. ونهى رسول الله ﷺ المسلمين عن كلامنا- أيّها الثلاثة- من بين من تخلّف عنه. فاجتنبنا الناس، وتغيّروا لنا حتى تنكّرت لي الأرض، فما هي بالتي أعرف! فلبثنا على ذلك خمسين ليلة، فأمّا صاحباي فاستكانا، وقعدا في بيوتهما يبكيان. وأما أنا فكنت أشبّ القوم وأجلدهم، فكنت أخرج أشهد الصلاة مع المسلمين، وأطوف في الأسواق، ولا يكلّمني أحد، واتي رسول الله ﷺ فأسلّم عليه وهو في مجلسه بعد الصلاة، فأقول في نفسي: هل حرّك شفتيه برد السلام أم لا؟ ثم أصلي قريبا منه، فأسارقه النظر، فإذا أقبلت على صلاتي أقبل إليّ، وإذا التفتّ نحوه أعرض عني. حتى إذا طال عليّ ذلك من جفوة المسلمين مشيت حتى تسورت جدار حائط أبي قتادة- وهو ابن عمّي وأحبّ الناس إليّ- فسلمت عليه، فو الله ما رد عليّ السلام! فقلت: يا أبا قتادة أنشدك الله، هل تعلمني أحبّ الله ورسوله؟ فسكت. فعدت له، فنشدته فسكت، فعدت له فنشدته، فقال: الله ورسوله أعلم! ففاضت عيناي، وتوليت حتى تسورت الجدار. فبينا أنا أمشي بسوق المدينة، وإذا نبطي من أنباط الشام، ممن قدم بالطعام يبيعه بالمدينة يقول: من يدلّ على كعب بن مالك؟ فطفق الناس يشيرون له حتى إذا جاءني دفع إليّ كتابا من ملك غسان، فإذا فيه: أما بعد: فإنّه بلغني أنّ صاحبك قد جفاك، ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة، فالحق بنا نواسك. فقلت لمّا قرأتها: وهذا أيضا من البلاء، فتيممت بها التنور فسجّرتها. حتى إذا مضت أربعون ليلة من الخمسين إذا رسول رسول الله ﷺ يأتيني فقال: إن رسول الله ﷺ يأمرك أن تعتزل امرأتك، فقلت: أطلقها أم ماذا؟ قال: لا، ولكن اعتزلها ولا تقربها.

بعون ليلة من الخمسين إذا رسول رسول الله ﷺ يأتيني فقال: إن رسول الله ﷺ يأمرك أن تعتزل امرأتك، فقلت: أطلقها أم ماذا؟ قال: لا، ولكن اعتزلها ولا تقربها.

وأرسل إلى صاحبيّ مثل ذلك، فقلت لامرأتي: الحقي بأهلك، فكوني عندهم حتى يقضي الله في هذا الأمر. فجاءت امرأة هلال بن أمية، فقالت: يا رسول الله! إن هلال بن أمية شيخ ضائع ليس له خادم، فهل تكره أن أخدمه؟ قال: «لا، ولكن لا يقربك» ، قالت: إنه- والله- ما به حركة إلى شيء. والله ما زال يبكي منذ كان من أمره ما كان إلى يومه هذا. قال كعب: قال لي بعض أهلي: لو استأذنت رسول الله ﷺ في امرأتك كما أذن لامرأة هلال بن أمية أن تخدمه؟ فقلت: والله لا أستأذن فيها رسول الله ﷺ، وما يدريني ما يقول رسول الله ﷺ إذا استأذنته فيها وأنا رجل شاب، ولبثت بعد ذلك عشر ليال، حتى كملت لنا خمسون ليلة من حين نهى رسول الله ﷺ عن كلامنا. فلما صليت صلاة الفجر صبح خمسين ليلة على سطح بيت من بيوتنا، وبينا أنا جالس على الحال التي ذكر الله تعالى، قد ضاقت عليّ نفسي، وضاقت عليّ الأرض بما رحبت، سمعت صوت صارخ أوفى على جبل سلع بأعلى صوته: يا كعب بن مالك، أبشر!. فخررت ساجدا، وعرفت أن قد جاء فرج من الله. واذن رسول الله ﷺ الناس بتوبة الله علينا حين صلّى الفجر، فذهب الناس يبشروننا، وذهب قبل صاحبيّ مبشرون. وأركض إليّ رجل فرسا، وسعى ساع من أسلم فأوفى على ذروة الجبل، وكان الصوت أسرع من الفرس. فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني، نزعت له ثوبيّ فكسوته إياهما ببشراه، والله ما أملك غيرهما، واستعرت ثوبين فلبستهما، فانطلقت إلى رسول الله ﷺ، فتلقاني الناس فوجا فوجا يهنئونني بالتوبة، يقولون: ليهنك توبة الله عليك. قال كعب: حتى دخلت المسجد، فإذا رسول الله ﷺ جالس، وحوله الناس فقام إليّ طلحة بن عبيد الله يهرول حتى صافحني وهنأني، والله ما قام إليّ رجل من المهاجرين غيره، ولست أنساها لطلحة. فلما سلمت على رسول الله ﷺ قال- وهو يبرق وجهه من السرور-:

د الله يهرول حتى صافحني وهنأني، والله ما قام إليّ رجل من المهاجرين غيره، ولست أنساها لطلحة. فلما سلمت على رسول الله ﷺ قال- وهو يبرق وجهه من السرور-:

«أبشر بخير يوم مرّ عليك منذ ولدتك أمّك» ، قال: قلت: أهو من عندك يا رسول الله أم من عند الله؟ قال: «لا، بل من عند الله» . وكان رسول الله ﷺ إذا سرّ استنار وجهه، حتى كأنّه قطعة قمر، وكنا نعرف ذلك منه. فلما جلست بين يديه قلت: يا رسول الله، إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله وإلى رسوله، فقال: «أمسك عليك بعض مالك، فهو خير لك» . قلت: فإني أمسك سهمي الذي بخيبر. فقلت: يا رسول الله إن الله إنما نجّاني بالصدق، وإن من توبتي أن لا أحدّث إلا صدقا ما بقيت، فو الله ما أعلم أحدا من المسلمين أبلاه الله في صدق الحديث منذ ذكرت لرسول الله ﷺ إلى يومي هذا ما أبلاني، والله ما تعمدت بعد ذلك إلى يومي هذا كذبا، وإني لأرجو أن يحفظني الله فيما بقيت، فأنزل الله تعالى على رسوله: لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ ... إلى قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (١١٩) [التوبة: ١١٧- ١١٩] . فو الله ما أنعم الله عليّ نعمة قط- بعد أن هداني للإسلام- أعظم في نفسي من صدقي لرسول الله ﷺ ألاأكون كذبته، فأهلك كما هلك الذين كذبوا، فإن الله قال للذين كذبوا حين أنزل الوحي شر ما قال لأحد، قال: سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ ... إلى قوله: فَإِنَّ اللَّهَ لا يَرْضى عَنِ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ [التوبة: ٩٥- ٩٦] . قال كعب: وكان تخلّفنا- أيها الثلاثة- عن أمر أولئك الذين قبل منهم رسول الله ﷺ حين حلفوا له، فبايعهم واستغفر لهم، وأرجأ أمرنا حتى قضى الله فيه، فبذلك قال الله: وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا [التوبة: ١١٨] . وليس الذي ذكر الله مما خلّفنا عن الغزو، وإنّما هو تخليفه إيّانا وإرجاؤه أمرنا عمّن حلف له واعتذر إليه فقبل منه «١» .

مسجد الضّرار: سلك النبي ﷺ مع الذين يتظاهرون بالإسلام طريق الملاينة والإغضاء، يقبل منهم أعذارهم- وهي مختلفة- ويتكرم عن فضحهم وهم يتفلّتون من قيود السمع والطاعة، فإذا تلبّس أحدهم بخيانة تهدر دمه رغب في التجاوز عنه حتى لا يقال: إن محمدا يقتل أصحابه وما هم في صحبته من شيء، ولكن هكذا سيقول الناس. ولو أنّ هؤلاء المنافقين كانوا على قليل من الخير لأسرهم هذا الحلم وانخلعوا من خداعهم الصغير، وأقبلوا على الإسلام طيبين خالصين؛ بيد أنّ هذا الأسلوب العالي في معاملتهم لم يزدهم على الله ورسوله إلا جرأة، فزاد افتياتهم وربت شرورهم، ولم يبق بدّ من كشف خبثهم، وإشعار جمهور الأمة بما تنطوي عليه نفوسهم وأعمالهم. وقد نزلت الايات أخيرا تندّد بما فعل ويفعل أولئك المنافقون، وتمزّق الأستار التي يتوارون خلفها، وكانت ألاعيبهم قبل (تبوك) وبعدها هي النهاية الحاسمة للسماحة التي مرحوا في سعتها طويلا، ولم يقدّروها حقّ قدرها. فأمر النبي ﷺ أن يعلن على الناس ذبذبتهم ونكوصهم، وكلّف ألّا يقبل منهم وألّا يصلّي عليهم، بل عرّف أنّ استغفاره لهم لن يجاب، ثم طولب المسلمون كافّة أن يقطعوهم. ومن أعجب ما تفتقت عنه حيل المنافقين أن يبنوا مسجدا يلتقون فيه واحدهم، ويمكرون فيه بالإسلام تحت ستار التجمع على العبادة، وقد ذهبوا للرسول ﷺ قبل رحيله إلى تبوك يقولون له: بنينا مسجدا لذي العلّة والحاجة والليلة المطيرة ونحبّ أن تأتينا فتصلي لنا فيه؟ فاعتذر لهم بأنه على جناح سفر وحال شغل. وقال: «لو قدمنا- إن شاء الله- أتيناكم؛ فصلّينا لكم فيه» «١» . فلمّا اب النبي ﷺ بجيشه، وتحرج موقف المنافقين، وانكشفت خباياهم، أرسل اثنين من أصحابه إلى هذا المسجد، وأمرهم أن يحرّقوه ويهدموه.

صلّينا لكم فيه» «١» . فلمّا اب النبي ﷺ بجيشه، وتحرج موقف المنافقين، وانكشفت خباياهم، أرسل اثنين من أصحابه إلى هذا المسجد، وأمرهم أن يحرّقوه ويهدموه.

وجاء الصاحبان إلى المسجد يحملان الشعل الحارقة، وأخذا يأتيان عليه، وفيه أهله الذين فروا مذعورين لمرأى اللهب، يدمّر اخر ما شاد النفاق من حيل. ونزل قوله تعالى: وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِراراً وَكُفْراً وَتَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصاداً لِمَنْ حارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنا إِلَّا الْحُسْنى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (١٠٧) لا تَقُمْ فِيهِ أَبَداً لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ ... [التوبة] .

طليعة الوفود استغرق المسير إلى تبوك والماب منها أياما طوالا، فقد خرج المسلمون إليها في رجب، وعادوا في رمضان، ليؤدّوا ما عليهم من فريضة الصيام، ولم يلبثوا طويلا حتى جاءت البشريات بأنّ وفد ثقيف قدم إلى المدينة ليفاوض رسول الله ﷺ على الدخول في الإسلام؛ لقد استجاب الله دعوة نبيّه لأهل الطائف أن يسلس قيادهم للحق فيأتوا طائعين، وكان أهل الطائف- بعد أن انفضّ الحصار المضروب عليهم- قد أخذو يتروّون في شأنهم ومصيرهم، إلا أنّ جمهورهم لما يزل على ولائه للأصنام وصدوده عن الإسلام. وحاول رئيسهم (عروة بن مسعود) أن يتحدّث إليهم في نبذ هذه الجاهلية، وعروة فيهم سيد مطاع محبوب، غير أنّ نخوة الامتناع استبدّت بهم، فلما أظهر الرجل دخوله في الإسلام ودعاهم إلى ذلك، رموه بالنبل فقتلوه.. ولم ييئس العقلاء من رشد قومهم، ولم تستطع ثقيف كذلك تجاهل ما حولها، فإنّ دولة الأصنام تدبر في كل مكان، وأمر الإسلام يعلو يوما بعد يوم. فاجتمع عمرو بن أمية ب (عبد ياليل بن عمرو) وقال له: إنّه قد نزل بنا أمر ليست معه هجرة «١» ، إنه قد كان أمر هذا الرجل ما رأيت، وقد أسلمت العرب كلها، وليست لكم بحربهم طاقة، فانظروا في أمركم. ورأت ثقيف أن تبعث وفدها إلى رسول الله ﷺ ليصل إلى وضع تقرّ به، وتألف الوفد من ممثلين لعشائر ثقيف كلّها، حتى يلتزموا ما يصل إليه من شروط.

روا في أمركم. ورأت ثقيف أن تبعث وفدها إلى رسول الله ﷺ ليصل إلى وضع تقرّ به، وتألف الوفد من ممثلين لعشائر ثقيف كلّها، حتى يلتزموا ما يصل إليه من شروط. وجادل الوفد رسول الله ﷺ جدالا طويلا يبغي أن يظفر منه بإقرار لبعض ماثر الجاهلية، ورسول الله ﷺ يأبى أشدّ الإباء، وطلبوا منه أن يدع (اللات) ثلاث سنين ثم يهدمها، ثم ساوموه على سنتين، ثم سنة، ثم شهر واحد بعد مقدمهم، والنبي ﷺ يأبى إلا هدمها دون توقيت أمد معين.

فلما يئسوا سألوه ألا يكسروا أوثانهم بأيديهم، أجابهم إلى ذلك بإرسال من يكسرها لهم. وسألوه أن يضع عنهم الصلاة! فقال رسول الله ﷺ: «لا خير في دين بلا صلاة» «١» . وعاد الوفد إلى الطائف، ومعه المغيرة بن شعبة وأبو سفيان بن حرب، ليهدما اللات، وكان هدم اللات يوما مشهودا، فإنّ نسوة ثقيف خرجن حاسرات الرؤوس، يبكين ويصرخن، وهن يرين الفؤوس تهدم إلههن، وطالما خشعن له، وذبحن حوله، وسقن له النذور. ويروى أنّ المغيرة كلّما هوى بالفأس على بنيان الصنم قال أبو سفيان: واها لك! اها لك! تأسفا، ولعلّه كان يسخر، أو يواسي نساء ثقيف ... ولا مراء في أنّ استسلام ثقيف، ثم دخولها الإسلام يعدّ كسبا كبيرا، وفتحا جديدا، فلم يبق قبيل عزيز الجانب في الجزيرة إلا وقد دان لله ورسوله ﷺ. أما القبائل التي لما تزل على جاهليتها، فهي أوزاع، توشك أن تستبين الحق وتستريح له، إنّ الليل المضروب عليها لن يطول سواده، بل إنّ تباشير الفجر قد خالطته هنا وهناك حتى لم يبق لظلمته مكان تتشبث به. قال ابن إسحاق: لما افتتح رسول الله ﷺ مكة، وفرغ من تبوك، وأسلمت ثقيف وبايعت، ضربت إليه وفود العرب من كلّ وجه. وإنّما كانت العرب تربّص بالإسلام أمر هذا الحي من قريش، وذلك أن قريشا كانوا إمام الناس وهاديهم، وأهل البيت الحرام، وصريح ولد إسماعيل وقادة العرب، لا ينكرون ذلك- وكانت قريش هي التي نصبت لحرب رسول الله ﷺ وخلافه. فلما افتتحت مكة ودانت له قريش ودوّخها الإسلام، عرفت العرب أنّها لا

طاقة لهم بحرب رسول الله ﷺ ولا عداوته، فدخلوا في دين الله أفواجا يضربون إليه من كلّ وجه. يقول ﷾ لنبيّه: إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْواجاً (٢) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كانَ تَوَّاباً (٣) [النصر] . بعد كمّ من السنين بلغ النبيّ ﷺ هذه المرحلة؟ بعد اثنتين وعشرين سنة من الدعاية الحثيثة، والتذكير الدائم، وتحمّل الأذى، وكفاح العدوان.. فإن كانت هناك بقايا من الغافلين لا تزال تضرع للأصنام، وتحيا على الفوضى، فإنّ فطامها عن هذه الرذائل لا ينكره ذو لب أو مروءة، ومن ثمّ اتجه الإسلام إلى ضرورة تطهير الجزيرة كلّها من عبادة الأوثان، وإشعار المشركين بأنّ أمامهم مهلة محدودة للتخلص من أدرانها.. ثم تعريفهم كذلك بأن الأصنام التي كانوا يقدّسونها حول الكعبة قد أزيلت، فأصبحت الكعبة قبلة مسجد يؤمه المواحدون، وليست مطاف جهّال يتبركون بالحجارة، وأن تقاليد العري التي شاعت في الجاهلية، وجعلت المطاف يزدحم بالسّوات المكشوفة قد نبذها الإسلام، فلن يسمح في عهده بالتبذل القديم. وأقبل موسم الحج في السنة التاسعة والمشركون على ما ألفوا، إنهم يؤمون البيت العتيق، ولا يتعظون من مصير الأصنام التي تكسرت! أين الالهة التي قضوا أعمارهم ينحنون لها، ويتوسّلون بها؟ لقد هشمت وديست! ومع ذلك فإن عبّادها لبثوا مشركين.. وقد تكون في نفوسهم حسرات لخلو الكعبة منها. إنّ من حقّ المسلمين أن يضعوا حدّا لهذه المهازل، وأن يزيحوا عن كرامة البشر هذا الهوان.

ادها لبثوا مشركين.. وقد تكون في نفوسهم حسرات لخلو الكعبة منها. إنّ من حقّ المسلمين أن يضعوا حدّا لهذه المهازل، وأن يزيحوا عن كرامة البشر هذا الهوان.

حج أبي بكر بالناس بعث رسول الله ﷺ أبا بكر أميرا على الحج، ليقيم بالمسلمين المناسك، فخرج من المدينة يسوق البدن أمامه مولّيا وجهه شطر المسجد الحرام، ونزل الوحي بسورة براءة بعد انصراف أبي بكر ووفد الحجيج، فأشير على رسول الله ﷺ أن يبعث بالايات إليه ليقرأها على أهل الموسم كافّة. ورأى رسول الله ﷺ أن يرسل بها عليّ بن أبي طالب قائلا: «لا يؤدّي عنّي إلا رجل من أهل بيتي» «١» ، وذلك من رسول الله ﷺ تمشّ مع عادة العرب في عهود الدماء والأموال. ألا ترى أنه قبل هجرته وكل إلى عليّ ردّ الأمانات إلى أهل مكة؟ إنّ أواصر القربى تقتضي التكافل التامّ في هذه الشؤون، فكأنّ الرسول ﷺ أدّى بيده ما أداه علي ﵁ عنه، وكأنّه قال بلسانه في الموسم ما سيقرؤه عليّ بين الناس. ورعاية هذا الإفهام ليست فريضة، بل هي من النبي ﷺ زيادة حيطة وإعذار. قال ابن إسحاق: ثم دعا عليّ بن أبي طالب فقال له: «اخرج بهذه القصّة من صدر براءة، وأذّن في النّاس يوم النّحر إذا اجتمعوا بمنى: أنّه لا يدخل الجنّة كافر، ولا يحجّ بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، ومن كان له عند رسول الله ﷺ عهد فهو إلى مدّته» . فخرج عليّ يمتطي العضباء- ناقة رسول الله ﷺ حتى أدرك أبا بكر بالطريق. فلما راه أبو بكر سأله: أأمير أم مأمور؟ قال: بل مأمور، ثم مضيا «٢» .

إلى مدّته» . فخرج عليّ يمتطي العضباء- ناقة رسول الله ﷺ حتى أدرك أبا بكر بالطريق. فلما راه أبو بكر سأله: أأمير أم مأمور؟ قال: بل مأمور، ثم مضيا «٢» .

أبو بكر- كما كلّفه رسول الله ﷺ يقيم للناس المناسك، وعليّ يؤذن في الناس بما أمر به، ويقرأ على العرب صدر السورة التي فصلت في أمرهم، وأجهزت على الوثنية في بلادهم. وكان هناك مؤذّنون اخرون بثّهم أبو بكر في المجامع الكبيرة، يعينون عليا على إبلاغ رسالته، ويصيحون هنا وهناك: لا يحجّ بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان. وعن زيد بن يثيع: سألنا عليا: بأيّ شيء بعثت في الحجة؟ قال: بعثت بأربع: لا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة، ولا يطوف بالبيت عريان، ولا يجتمع مسلم وكافر في المسجد الحرام بعد عامه هذا، ومن كان بينه وبين النبيّ ﷺ عهد فعهده إلى مدّته، ومن لم يكن له عهد فأجله إلى أربعة أشهر «١» . وقد تكلّمنا في موضع اخر عن مكانة المعاهدات في الإسلام «٢» ، وشرحنا ما تضمنه صدر سورة التوبة من أحكام. وليعلم من يشاء أنّ تشريع قانون بمحو الوثنية كتشريع قانون بمحو الأمية عمل إنساني نبيل، وأن اعتراضا عليه لا يصدر من رجل يؤثر الخير للأمم، ويتمنّى لها السمو والكرامة!. وبحسب الإسلام أنّه ظلّ اثنين وعشرين عاما يحارب الخرافة بالتعليم والتربية كلّما أتيحت له فرص لنشر المعرفة وغرس الأدب، وبالقصاص والقتال كلّما وقف في طريقه الجهّال والضلّال يبطلون سعيه أو يصدّون عنه. وقد منح الإسلام الوثنية أول الأمر حق الحياة، وترك من يرتد عنه يرجع إليها إذا شاء، ولم يفعل ذلك إعزازا لها، إنما هو حسن ظنّ بعقل الإنسان وضميره ... فقلّ من يسفهون أنفسهم، ويتركون الله العظيم إلى صورة من حجر أو خشب أو طعام. فلمّا تبين أن الوثنيين يستخفون بكل شيء، وأنهم يستغلون الحق الممنوح لهم في الفتنة والعدوان والقتل ... لم يبق لتركهم من حكمة.

إنّ الكلب العقور لا يترك طليقا، فإذا أفلت من قيده فأهدر دمه، فمن السّفه اعتبار ما حدث جريمة قتل. والذين يظنون أو يحلو لهم الظنّ بأنّ الإسلام عند ما طارد الوثنية خنق حريّة الرأي هم أشخاص واهمون أو مغرضون. وعلى هدى التجارب والمصائب التي عاناها المسلمون طوال اثنين وعشرين عاما تعرف سرّ الغضب الذي اشتغل اخر الأمر، ولم نزل الوحي يعالن المشركين بالقطيعة، ويرفض منهم كلّ اعتذار؟ ثم يسرد ما أسلفوا من سيئات على أنه خليقة فيهم لم ينفكوا عنها يوما، ولا يرجى أن ينفكوا عنها أبدا. ومن ثمّ فلا مكان لأصنامهم بعد المهلة المضروبة لهم: بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١) فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكافِرِينَ (٢) وَأَذانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذابٍ أَلِيمٍ (٣) [التوبة] . ومن قبل هذا النذير المخوف ومن بعده كانت أفواج الوافدين تنطلق صوب المدينة تبايع رسول الله ﷺ على أن تخلع رداء الجاهلية، وتدخل في الدين الحق. وهذه الوفود المقبلة، عرفت- خلال السنين السابقة- طرفا يسيرا عن الإسلام. فقد شاع في أرجاء الجزيرة كلّها نبأ الرسالة الجديدة، وما تضمنته من عقائد، وما تفرضه على أتباعها من تعاليم. وتتبع المحبون والمبغضون كفاحها الموصول في طلب الحياة، ومبلغ ما بذلت وبذل أعداؤها حتى انتهت الأمور بهذا الختام المبين. ونحن نعلم أنّ الحزب الذي يبدأ نشاطه بأنصار قلائل يتضاعف الإقبال عليه عند ما تلمع له وقفات مشرفة، ويتاح له نصر كبير. فكيف إذا اختفى خصومه وتألّقت نجومه؟.

نعلم أنّ الحزب الذي يبدأ نشاطه بأنصار قلائل يتضاعف الإقبال عليه عند ما تلمع له وقفات مشرفة، ويتاح له نصر كبير. فكيف إذا اختفى خصومه وتألّقت نجومه؟.

فلا جرم أنّ المدينة تتدفق عليها سيول الراغبين في اعتناق هذا الدين، أو الراغبين في مسالمته، ورسم سياسة تقوم على التعاون معه. ولسنا بسبيل إحصاء هذه الوفود القادمة من المشرق والمغرب. لكنّنا نسوق مثلين لوفدين: أحدهما وثني أقبل يبغي الإسلام، والاخر نصرانيّ جاء يستطلع النبأ، ويفاوض ويعاهد بعد جدال ولجاجة.

وفد للأميين، ووفد لأهل الكتاب أرسلت قبيلة سعد بن بكر (ضمام بن ثعلبة) وافدا إلى رسول الله ﷺ. فامتطى (ضمام) بعيره حتى دخل المدينة، فأناخه على باب المسجد، ثم عقله، ثم دخل المسجد ورسول الله ﷺ جالس في أصحابه. وكان (ضمام) رجلا جلدا، أشعر، ذا غديرتين، فأقبل حتى وقف على رسول الله ﷺ في أصحابه. فقال: أيكم ابن عبد المطلب؟. فقال رسول الله ﷺ: «أنا ابن عبد المطّلب» . قال: أمحمد؟ قال: «نعم» . قال: يا بن عبد المطلب! إنّي سائلك، ومغلظ عليك في المسألة، فلا تجدنّ في نفسك. قال ﷺ: «لا أجد في نفسي، فسل عمّا بدا لك» . قال: أنشدك الله إلهك وإله من كان قبلك، وإله من هو كائن بعدك. الله بعثك إلينا رسولا؟. قال ﷺ: «اللهمّ نعم» . قال: فأنشدك الله إلهك وإله من كان قبلك، وإله من هو كائن بعدك. الله أمرك أن تأمرنا أن نعبده واحده، ولا نشرك به شيئا، وأن نخلع هذه الأنداد التي كان اباؤنا يعبدون معه؟. قال ﷺ: «اللهم نعم» . وفي رواية أنه قال: يا محمد أتانا رسولك، فزعم لنا أنّك تزعم أنّ الله أرسلك؟. قال ﷺ: «صدق» . قال: فمن خلق السماء؟

نا يعبدون معه؟. قال ﷺ: «اللهم نعم» . وفي رواية أنه قال: يا محمد أتانا رسولك، فزعم لنا أنّك تزعم أنّ الله أرسلك؟. قال ﷺ: «صدق» . قال: فمن خلق السماء؟

قال ﷺ: «الله» . قال: فمن خلق الأرض؟ قال ﷺ: «الله» . قال: فمن نصب هذه الجبال وجعل فيها ما جعل؟ قال ﷺ: «الله» . قال: فبالذي خلق السماء وخلق الأرض ونصب هذه الجبال الله أرسلك؟ قال ﷺ: «نعم» . قال ضمام: وزعم رسولك أنّ علينا خمس صلوات في يومنا وليلتنا. قال ﷺ: «صدق» . قال: فبالذي أرسلك، الله أمرك بهذا؟ قال ﷺ: «نعم» . ثم جعل يذكر فرائض الإسلام وشرائعه على هذا النحو، حتى إذا فرغ قال: فإنّي أشهد ألاإله إلا الله، وأشهد أنّ محمدا رسول الله، وسأؤدي هذه الفرائض وأجتنب ما نهيتني عنه. ثم لا أزيد ولا أنقص، وانصرف إلى بعيره راجعا. فقال رسول الله ﷺ: «إن صدق ذو العقيصتين «١» دخل الجنّة» «٢» . فأتى ضمام بعيره، فأطلق عقاله، ثم خرج حتى قدم على قومه، فاجتمعوا إليه، فكان أوّل ما تكلّم به أن قال: بئست اللات والعزّى!! قالوا: مه يا ضمام! اتق البرص، اتق الجذام، اتق الجنون.. قال: ويلكم، إنّهما- والله- لا يضرّان ولا ينفعان. إنّ الله قد بعث رسولا، وأنزل عليه كتابا، استنقذكم به مما كنتم فيه، وإنّي أشهد ألاإله إلا الله واحده لا شريك له، وأنّ محمدا عبده ورسوله، وقد جئتكم من عنده بما أمركم به ونهاكم عنه. قال: فو الله ما أمسى في الحيّ من ذلك اليوم رجل ولا امرأة إلا مسلما «٣» .

ذلك وفد يمثّل بساطة الأمّيين في منطقهم وسلامة طويتهم في جدلهم وتساؤلهم، وخلو أذهانهم من العقد التي تعترض الحقّ في مسيله السمح. ولا نكران في أنّ جهاد الدعوة القديم له أثره في الوصول إلى هذه النتائج السريعة. وهذا طبيعي؛ فإنّ تغيير دين ليس كتجديد زي، وضمام بن ثعلبة كان يستحضر في ذهنه وهو يسأل النبي ﷺ، ثم وهو يخطب قومه أنّ هذه الرسالة الجديدة مرّت بأطوار شتّى من المحن والفتن، كشفت عن صدقها وسلامة جوهرها، فليس إيمانه وإيمان قومه وليد ساعة من كلام. ذاك وفد الأميين، وهو مثل لوفود أخرى كبرت أو صغرت أمّت المدينة، لترى هذا النبي وتبايعه، ثم تؤوب إلى قومها حاملة الهدى والخير. أما أهل الكتاب فإنّ قلة منهم شرحت صدرا بالحق، وسارعت إلى اعتناقه ومؤازرته، والكثرة الباقية اختلفت عداوتها له شدة وفتورا. أبى اليهود إلا إبادة الإسلام، فوقعوا في شرور نيتهم، وباد سلطانهم العسكري والسياسي قبل أن يدركوا هذه الغاية. وقبلهم الإسلام في دولته القائمة أفرادا يبقون على ديانتهم ما أحبوا، ولا يمكّنون من تجمع على عدوان ودس. وذلك حقه لا ريب!!. ولم تصادر الحقوق الشخصية ليهودي تحت سلطان الإسلام، وحسبك أن النبي ﷺ نفسه- لكي يقترض من يهودي- ارتهنه درعه «١» .. وما فكّر قط في إحراجه بما يملك من سلطان بعيد. وكان النصارى أخف خصومة حيث ابتعدوا عن سلطان الكنيسة فأسلم بعضهم عن طواعية وإعجاب بما في الإسلام من سهولة واستقامة، وبقي الاخرون على ما ورثوا.

بعيد. وكان النصارى أخف خصومة حيث ابتعدوا عن سلطان الكنيسة فأسلم بعضهم عن طواعية وإعجاب بما في الإسلام من سهولة واستقامة، وبقي الاخرون على ما ورثوا.

وسارت العلاقة بين الدينين في مجراها الذي أبنّا عنه انفا، حتى تحولت إلى حرب طاحنة بين المسلمين والرومان. وكانت النصرانية- مع تفوّق الرومان السياسي والعسكري- تسود شمال الجزيرة وجنوبها. فرأى المسلمون- وهم في حرب مع دولة الروم- أن يحدّدوا موقفهم مع نصارى الجنوب، خصوصا وأنّ الروم كانوا يغدقون العطايا على مبشريهم هناك، ويبنون لهم الكنائس، ويبسطون عليهم الكرامات، ويشجّعونهم على المضي في تنصير القبائل المتوطنة بهذه الأرجاء. فأرسل النبيّ ﷺ إلى أهل (نجران) كتابا جاء فيه: «باسم إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب، أما بعد: فإنّي أدعوكم إلى عبادة الله من عبادة العباد ... وأدعوكم إلى ولاية الله من ولاية العباد. فإن أبيتم فالجزية، فإن أبيتم فقد اذنتكم بحرب، والسّلام» «١» . فأرسلت نجران- وهي كعبة النصرانية جنوبا- وفدها إلى المدينة ليقابل رسول الله ﷺ ويتفاهم معه، ووافى الوفد المدينة بعد العصر ودخل المسجد. فكان أول ما صنع أن اتجه إلى بيت المقدس يصلّي لله على ما تقضي به طقوس المسيحية، وأراد الناس منعهم، فقال رسول الله ﷺ: «دعوهم» «٢» ... حتى انتهوا من عبادتهم ... وراهم النبي ﷺ قد لبسوا لملاقاته أردية الكهنوت الفاخرة، وتحلّوا بخواتم الذّهب، وجاؤوا يخبّون في الحرير، وتبدو لهم- بين القلانس والطيالس- سيماء التكلّف الشديد. فأبى أن يتحدّث معهم، حتى يرجعوا إلى ملابس سفرهم، ويدعوا هذه الزينة «٣» .

وا يخبّون في الحرير، وتبدو لهم- بين القلانس والطيالس- سيماء التكلّف الشديد. فأبى أن يتحدّث معهم، حتى يرجعوا إلى ملابس سفرهم، ويدعوا هذه الزينة «٣» .

والغريب أنّ بعضهم سأل النبيّ ﷺ: أتريد منا يا محمد أن نعبدك كما يعبد عيسى ابن مريم وإلى ذلك تدعونا؟. فقال رسول الله ﷺ: «معاذ الله أن أعبد غير الله أو امر بعبادة غيره، ما بذلك بعثني ولا أمرني» «١» . وأنزل الله ﷿ في ذلك: ما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِباداً لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتابَ وَبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩) وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْباباً أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (٨٠) [ال عمران] . وعرض النبي ﷺ على أحبار نجران وسائر الوفد أن يسلموا، فقالوا له: أسلمنا قبلك، قال: «كذبتم، يمنعكم من الإسلام دعاؤكم لله ولدا، وعبادتكم الصليب، وأكلكم الخنزير» . فجادلوه في عيسى، وقالوا: من أبوه «٢» ؟ فروي أنّ النبي ﷺ ردّ عليهم قائلا: «ألستم تعلمون أنّ الله حيّ لا يموت، وأن عيسى يأتي عليه الفناء؟» . قالوا: بلى. قال ﷺ: «ألستم تعلمون أنّ ربّنا قيّم على كلّ شيء، يكلؤه ويحفظه ويرزقه؟» . قالوا: بلى. قال ﷺ: «فهل يملك عيسى من ذلك شيئا؟» . قالوا: لا. قال ﷺ: «ألستم تعلمون أنّ الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء؟» . قالوا: بلى.

Bagian 10 dari 12