فقه السيرة

Kitab sirah Nabi Muhammad ﷺ karya محمد الغزالي (w. 1416 H).

Bagian 9 dari 12 462 halaman

— Bagian 9 · كانت سيرتهم مزيجا غريبا من الحقد والكبر والدّس، … —

Bagian 9

كانت سيرتهم مزيجا غريبا من الحقد والكبر والدّس، ومع ما ألهب جلودهم من سياط كاوية في صراعهم مع المسلمين، فإنّهم لم يتحولوا عن خطتهم المريبة قيد أنملة. وجمعت عداوة الإسلام بين الأعراب البله، وأهل الكتاب اليهود، وعند ما فشلت الأحزاب في اقتحام يثرب، وجنت قريظة عقبى غدرها، لم يهدأ يهود خيبر، أو يحاولوا إصلاح شؤونهم مع المسلمين، كلا إنّهم شرعوا يصلون حبالهم بغطفان والأعراب الضاربين حولهم، ليؤلفوا ضدّ الإسلام جبهة أخرى تكيد من جديد لمحمّد ﷺ وصحبه. لكنّ المسلمين كانوا أيقاظا لهذه المؤامرات، فما إن عادوا من عمرة الحديبية اخر السنة السادسة، حتى توجّهوا في المحرم من السنة السابعة إلى خيبر لكسر شوكة بني إسرائيل بها. ولم يفت المسلمين قبل مسيرهم أن يفصموا الجبهة المؤلّفة ضدّهم من يهود وغطفان، فأوهموا غطفان أنّ الهجوم متجه إليهم، وأنّ قوة المسلمين توشك أن تلتفّ بهم، قال ابن إسحاق: بلغني أنّ غطفان لما سمعت بمنزل رسول الله ﷺ من خيبر جمعت له، ثم خرجوا ليظاهروا يهودا عليه، حتى إذا ساروا مرحلة

سمعوا خلفهم في أموالهم وأهليهم حسا، فظنّوا أنّ القوم خالفوهم إليهم، فرجعوا على أعقابهم، وأقاموا في أهليهم وأموالهم، وخلّوا بين رسول الله ﷺ وبين خيبر!!. وهكذا نجحت الخطة في عزل يهود خيبر عن حلفائهم المشركين. فلمّا أشرف رسول الله ﷺ على القرية المحصّنة، وتهيأ لمنازلة أهلها، قال لأصحابه: «قفوا» ، ثمّ تضرّع إلى الله بهذا الدعاء: «اللهمّ ربّ السموات وما أظللن، وربّ الأرضين وما أقللن، وربّ الشّياطين وما أضللن، وربّ الرّياح وما أذرين. فإنّا نسألك خير هذه القرية وخير أهلها وخير ما فيها، ونعوذ بك من شرّها وشرّ أهلها وشرّ ما فيها» » . ثم قال: «أقدموا باسم الله» «٢» . ويظهر أنّ اليهود ظنّوا- أول وهلة- أنّ زحف المسلمين صوب غطفان، فلم يعيروا الأمر التفاتا، بل أصبحوا غادين إلى حقولهم بمساحيهم ومكاتلهم، حتى فوجئوا بالمسلمين يسيرون نحوهم، فارتدوا إلى حصونهم فزعين، وهم يقولون: محمد والخميس!.

الأمر التفاتا، بل أصبحوا غادين إلى حقولهم بمساحيهم ومكاتلهم، حتى فوجئوا بالمسلمين يسيرون نحوهم، فارتدوا إلى حصونهم فزعين، وهم يقولون: محمد والخميس!. إنّ اليهود- على ما ألف المسلمون من حروبهم- لا يعتمدون على تسيير الجيوش في الفضاء الرحب، تصيب ويصاب منها.. إنّهم يكرهون اللقاء في تلك الميادين المكشوفة، وديدنهم الذي لا ينفكّون عنه هو الكفاح من وراء الجدران.

أذلك بقية من حرصهم على الحياة، وتوقّيهم الموت؟. فلما راهم النبيّ ﵊ يهرعون إلى حصونهم أراد أن يقذف في قلوبهم الرعب فصاح: «الله أكبر! هلكت خيبر، إنا إذا نزلنا بساحة قوم، فساء صباح المنذرين» «١» . والقرى الفاجرة تجرّ على نفسها الهلاك إن عاجلا وإن اجلا، روي عن رسول الله ﷺ أنه قال: «إذا شاع الزّنى والرّبا في قرية فقد أحلّت بنفسها غضب الله» «٢» . واليهود يشيع فيهم هذا الفساد المزدوج، فهم إلى اليوم دهاقين الرّبا في العالم، وهم قادة التبرّج والعهر، ونسوتهم لا يرددن يد لامس، ولا ينفي هذا أنّ فيهم فئة تعرف الخلق والعفّة، ولكنّهم قليل: وَمِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (١٥٩) [الأعراف] . والكثرة- لا القلّة- هي التي تحدد مصائر الشعوب.

[حصون اليهود تتداعى] : وشنّ المسلمون هجومهم على الحصون المشيّدة، فبدأت تتداعى تحت وطأتهم حصنا بعد حصن، ودافع اليهود عنها دفاع المستميت، فإنّ خيبر أخصب أرضهم وأمنع بقاعهم. ولما بدأ الحصار يمتدّ؛ وبنو إسرائيل إذا سقطت لهم قلعة تمسكوا بأخرى، قال رسول الله ﷺ: «لأعطينّ الراية غدا رجلا يحبّ الله ورسوله، ويحبّه الله ورسوله!» فبات الناس يذكرون أيّهم يعطاها. فلمّا أصبحوا غدوا إليه متطلّعين إلى أخذها، فنادى النبيّ ﷺ عليّ بن أبي طالب فأعطاها إياه، فقال علي: يا رسول الله! أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا؟ قال: «انفذ على رسلك حتّى تنزل بساحتهم، ثم ادعهم إلى الإسلام، وأخبرهم بما يجب عليهم من حقّ الله، فو الله لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير من أن يكون لك

ال: «انفذ على رسلك حتّى تنزل بساحتهم، ثم ادعهم إلى الإسلام، وأخبرهم بما يجب عليهم من حقّ الله، فو الله لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير من أن يكون لك

حمر النعم» «١» . وإنما ساق رسول الله ﷺ هذا النصح الرشيد، حتى يقطع تطلّع النفوس إلى المغانم المعجلة، فإنّ ثروة يهود- إذا هزموا- ضخمة، ولكنّ ثواب مقاتليهم- إذا اهتدوا- أضخم. ولو نزل القوم على أحكام الله، وتركوا الخلال الدنيئة التي عاشوا بها، وعاملوا الناس بسوئها لأراحوا واستراحوا، غير أنّهم أبوا إلا الحرب، فهاجمهم عليّ، وشدّد النكير، حتى سقط الحصن، واحتله المسلمون. وكان الشعار يوم خيبر: يا منصور! أمت أمت. وخرج من حصون اليهود فارس يدعى (مرحبا) فنادى في المسلمين: من يبارز؟ وهو ينشد: قد علمت خيبر أنّي مرحب ... شاكي السّلاح بطل مجرّب أطعن أحيانا، وحينا أضرب ... إذا اللّيوث أقبلت تحرّب فقيل: فتك به عليّ بن أبي طالب، وقيل: بل قتله محمّد بن مسلمة «٢» ، وكان محمود بن مسلمة أخوه قد ألقيت عليه في أثناء الحصار رحى فصرعته، فثأر محمد له بقتل مرحب، وبرز بعد قتل مرحب أخوه ياسر، فتصدّى له الزبير، وكانت صفية أمّ الزبير بين النسوة اللائي خرجن مع الجيش معاونات في قتال بني إسرائيل، فخشيت على ابنها أن يقتل، فقال لها النبي ﷺ: «بل ابنك يقتله إن شاء الله» ، فصرع الزبير ياسرا «٣» . وتشبّث اليهود بما بقي من حصونهم، يذودون عنها ذياد الييئس، وشدّد المسلمون عليهم الحصار، يريدون الانتهاء من هذا القتال مسرعين، فقد أجهداهم الجوع وضاق بهم المقام، وأصيب كثير منهم بعلل شتى لرداءة الجوّ ووخامة

، وشدّد المسلمون عليهم الحصار، يريدون الانتهاء من هذا القتال مسرعين، فقد أجهداهم الجوع وضاق بهم المقام، وأصيب كثير منهم بعلل شتى لرداءة الجوّ ووخامة

المستنقعات، ثم جاء إلى النبي ﷺ من أخبره أنّ اليهود لن يبالوا هذا الحصار، فإنّ لهم مشارب خفية يخرجون إليها ليلا، فيستقون ويعودون، فأمر النبيّ ﷺ بقطع مشاربهم «١» ؛ ليكرههم على القتال أو التسليم، فخرجوا واشتبكوا مع المسلمين في صراع شديد، استشهد فيه عدد من المسلمين بعد أن مهدوا الطريق لسقوط الحصن، ويسمى حصن (الزبير) وهو نهاية سلسلة من القلاع تسمى (النطاة) ، استولى المسلمون عليها جميعا بعد ما دخلوا حصون (ناعم) ، و (الصعب) ، و (الوطيح) ، و (السلالم) . وبقيت هناك سلسلة أخرى تهيأ المسلمون لمهاجمتها، فقام رسول الله ﷺ على قلعة يقال لها: (سموان) ، فقاتل عليها أشدّ القتال، وخرج منها رجل يسمى (عزولا) ، يبغي المبارزة، فهجم عليه (الحباب بن المنذر) فضربه بالسيف ضربة أطاحت يده اليمنى بنصف ذراعه، ثم وقع السيف من يده، وفرّ اليهودي راجعا، فأدركه الحباب فقطع عرقوبه. وبرز اخر، فقام إليه رجل من المسلمين، فقتله اليهودي، فلحق به (أبو دجانة) فقتله وثأر لصاحبه، ثم كبّر المسلمون وتحاملوا على الحصن، وأمامهم (أبو دجانة) ، فاقتحموه بعد لأي، ووجدوا به أثاثا وطعاما وغنما ومتاعا. وأفلت بعض المحصورين، فانضموا إلى إخوانهم بحصن (البزاة) وزحف المسلمون إليهم، وتراشق الفريقان بالنبل، فأصيب بنان النبيّ ﷺ في المعركة، ولكن المسلمين استبسلوا في الكرّ على العدوّ، حتى افتتحوا هذا الحصن الاخر، وأخذوا من فيه باليد. ثم همّ المسلمون بنصب المنجنيقات، ليهدموا الحصون الباقية على من اعتصم فيها، فأيقن اليهود بالهلكة، ولم يروا محيصا من الاستسلام، فنزل ابن أبي الحقيق، وعرض الصلح على أن يجلوا من أرض خيبر، ولهم ما حملت ركابهم، وللمسلمين سائر ما بقي، فقبل الصلح، واشترط عليهم رسول الله ﷺ ألا يكتموا ولا يغيبوا شيئا، فإن فعلوا فلا ذمّة لهم ولا عهد «٢» ، فلما ثبت على بعضهم الغدر بما تمت عليه شروط الصلح قتل. وخضعت سائر يهود، ثم جاءت تعرض على رسول الله ﷺ أن يعاملهم

بالنصف في زراعة الأرض، فقبل، ولم يجعل ذلك على الأبد مخافة عبثهم، بل قال لهم: «إن شئنا أن نخرجكم أخرجناكم» «١» .

[نماذج من الشهادة] : وحدث في إبّان المعركة أن عبدا حبشيا أسود كان يرعى لسيده اليهودي غنمه، فلما رأى أهل خيبر يحملون السلاح، ويتأهّبون للحرب سألهم: ما تريدون؟ قالوا: نقاتل هذا الذي يزعم أنه نبي، فوقع في نفس الرجل ذكر النبوة وصاحبها، فأقبل على رسول الله ﷺ وسأله: ماذا تقول؟ وإلام تدعو الناس؟ فأجابه: «أدعو إلى الإسلام، وأن تشهد ألاإله إلا الله، وأنّي رسوله، وألاتعبد غيره» . قال: فما لي إن شهدت وامنت؟ قال: «لك الجنة إن متّ على ذلك» ، فأسلم، ثم قال: يا نبي الله! إنّ هذه الغنم عندي أمانة. فقال رسول الله ﷺ: «أخرجها من عندك، وارمها بالحصباء، فإنّ الله سيؤدّي عنك أمانتك» . ففعل، فرجعت الغنم إلى صاحبها، فعلم اليهوديّ أنّ غلامه أسلم، ثم قام رسول الله ﷺ وقد تهيّأ الناس للقتال، فوعظهم، وحضّهم على الجهاد، والتحم الفريقان، فقتل العبد الأسود بين من قتل من المسلمين، وحملت جثته إلى المعسكر، فرووا أنّ رسول الله ﷺ اطّلع في الفسطاط الذي ضمّ جثمان الشهيد، ثم أقبل على أصحابه يقول: «لقد أكرم الله هذا العبد، وساقه إلى خير، رأيت عند رأسه ثنتين من الحور العين ولم يصلّ لله سجدة قط» «٢» . وفي هذه الغزاة أذن النبيّ ﷺ لمن تطوعن من النساء أن يخرجن معه. قال ابن إسحاق: شهد خيبر مع رسول الله ﷺ نساء من نساء المسلمين، فرضخ لهنّ رسول الله من الفيء- أعطاهنّ يسيرا- ولم يضرب لهنّ بسهم «٣» . وروى الإمام أحمد عن حشرج بن زياد عن جدّته أمّ أبيه قالت: خرجنا مع

اء المسلمين، فرضخ لهنّ رسول الله من الفيء- أعطاهنّ يسيرا- ولم يضرب لهنّ بسهم «٣» . وروى الإمام أحمد عن حشرج بن زياد عن جدّته أمّ أبيه قالت: خرجنا مع

رسول الله في غزاة خيبر، وأنا سادسة ستّ نسوة، قالت: فبلغ النبيّ ﷺ أنّ معه نساء، فأرسل إلينا فدعانا. قال: فرأينا في وجهه الغضب، قال: «ما أخرجكنّ؟ وبأمر من خرجتنّ؟» قلنا: خرجنا نناول السّهام، ونسقي السويق، ومعنا دواء للجرحى، ونغزل الشعر، فنعين به في سبيل الله. قال: «فانصرفن» . قالت: فلمّا فتح الله عليه خيبر، أخرج لنا سهاما كسهام الرجال. فقلت لها: يا جدّة! ما الذي أخرج لكنّ؟ قالت: تمرا «١» . ويرى ابن كثير أن الرسول ﷺ أعطاهنّ من ثمرات الأرض كالرجال، فأما أنّه أسهم لهنّ في الأرض نفسها كالرّجال فلا. وهذا حق. وفي حديث أبي داود أنّ نسوة من بني غفار قلن: يا رسول الله! قد أردنا أن نخرج معك في وجهك هذا- وهو يسير إلى خيبر- نداوي الجرحى، ونعين المسلمين ما استطعنا. فقال: «على بركة الله» «٢» .

[أحداث ما بعد المعركة] : وكانت صفية بنت حيي بن أخطب زعيم اليهود بين من أسرن من نساء خيبر، وقعت في يد أحد الصحابة، فاستردّها منه الرسول ﷺ ثم أعتقها، وبنى بها، وجعل مهرها عتقها «٣» . فلمّا اطمأنّ به المقام، أهدت له امرأة سلّام بن مشكم شاة مشويّة مسموته، وأكثرت من السمّ في ذراع الشاة، لما عرفته أنّ الرسول ﷺ يؤثرها. وقد تناول النبيّ ﷺ مضغة منها، فلاكها، ثم لفظها، وهو يقول: «إنّ هذا العظم ليخبرني أنّه مسموم» ، وكان معه (بشر بن البراء) فأساغ اللحم وازدرده. وجيء بالمرأة الجانية، فاعترفت بما صنعت، وقالت للنبيّ ﷺ: بلغت من

: «إنّ هذا العظم ليخبرني أنّه مسموم» ، وكان معه (بشر بن البراء) فأساغ اللحم وازدرده. وجيء بالمرأة الجانية، فاعترفت بما صنعت، وقالت للنبيّ ﷺ: بلغت من

قومي ما لم يخف عليك، فقلت: إن كان ملكا استرحت منه، وإن كان نبيّا فسيخبر، فتجاوز عنها النبيّ ﷺ، ثم مات (بشر) بعد ما سرى السّم في جسمه «١» ، فقيل: اقتصّ له منها، وقيل: بل أسلمت وعفا عنها. ومكث يهود خيبر يزرعون الأرض على النصف من نتاجها، إلا أنّ بغضاءهم للمسلمين حملتهم على اقتراف بعض الجرائم، فقد اغتيل رجل من الأنصار، وفدعت يدا عبد الله بن عمر أيام خلافة أبيه، فخطب عمر الناس قائلا: إنّ رسول الله ﷺ كان قد عامل يهود خيبر على أن نخرجهم إذا شئنا، وقد عدوا على عبد الله بن عمر ففدعوا يديه كما قد بلغكم، مع عدوهم على الأنصاري قبله، لا نشكّ أنهم أصحابه، ليس لنا هناك عدوّ غيرهم.. فمن كان له مال بخيبر فليلحق به، فإنّي مخرج يهود، فأخرجهم «٢» . ولا ريب أنّ الهزيمة التي أصابت بني إسرائيل في خيبر، قضت على كيانهم العسكري في الجزيرة قضاء تاما، فجاء يهود (فدك) يطلبون الأمان. وقاتل يهود وادي القرى بعد ما دعوا إلى الإسلام، وأخبرهم رسول الله ﷺ أنّهم إن أسلموا أحرزوا أموالهم، وحقنوا دماءهم، وحسابهم على الله «٣» ، فلما أبوا نشبت بين الفريقين معركة محدودة، انتهت مع الصباح بسقوط الوادي اليهودي عنوة. واستسلم يهود تيماء.

ومدّ الإسلام رواقه على هذه الأرض بعد أن ظلّت حينا من الدهر في أيدي اليهود، يعيشون عليها كما يشتهون.

بسقوط الوادي اليهودي عنوة. واستسلم يهود تيماء.

ومدّ الإسلام رواقه على هذه الأرض بعد أن ظلّت حينا من الدهر في أيدي اليهود، يعيشون عليها كما يشتهون.

[الأرض لله يورثها من يشاء] : والعظة التي نستخلصها من هذه المعارك وما أعقبها من جلاء أنّ الأرض لله يورثها من يشاء، وهو لا ينتزعها من قوم ويعطيها اخرين محاباة. كلا، ولكنّ الأمة التي تفسد على النعمة تسلبها، ثم تساق النعمة إلى من يقدّرها، ويشكر الله عليها. والأمة التي تتكبّر مع الحرية وتتبطّر، تفقد امتلاكها لنفسها وحقّها وأمرها، لتقع في إسار الاخرين فيصرّفون شؤونها كما يشتهون. وقد طبّق هذا القانون على بني إسرائيل بقسوة عند ما أهدروا أحكام التوراة وتبعوا الهوى، وطبّق بعد ذلك على المسلمين يوم سدروا في الغواية وجحدوا ما لديهم من هداية. وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى وَهِيَ ظالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ (١٠٢) [هود] . إنّ الحياة كرّ وفرّ، وإقبال وإدبار، والنظرة العجلى إلى تاريخ البشر توحي بأنّ مكان الصدارة لم يثبت لأمّة من الأمم إلّا ريثما تتهيأ أمة أخرى لانتزاعه. والدول التي سادت أشبه بلجج البحر، التي ترتفع حينا ثم لا تلبث أن تضمحل رويدا رويدا حتى تنداح على الشاطئ ضعيفة متطامنة، ولا مانع من أن تعود مرة أخرى مع المد لتبلغ الأوج، ثم تنفك عنها أسباب القوة، فتهبط مستكينة من جديد. وقد ملك بنو إسرائيل وعزّوا بقدر حكيم، ثم سلبوا الملك والعزّة بقدر كذلك، لترثهما دولة الإسلام الفتيّ الناهض، وتمّ هذا التحول لخير البشر قاطبة. لماذا تظاهرت اليهودية الوثنية ضدّ الإسلام؟ ولمصلحة من يقع هذا؟ إنّ بني إسرائيل ينظرون إلى الدنيا والدين من خلال منافعهم الخاصة، وذلك ما حدا بهم إلى مقاومة الإسلام بعنف، أمّا القدر الأعلى، فيريد أن يجعل من الأمة الجديدة رسالة تغيير شامل، لما شاع في العالم أجمع من مفاسد، ولما عرا حضارته من تعفّن وركود. فإذا وقفت حفنة من الأعراب أو حفنة من اليهود لتعترض هذا

التحول الهائل بدوافع من الحقد الرخيص أو المطامع الدنيا، فهي التي جنت على نفسها إذا غرقت في الطوفان. لو ظلّ اليهود ألف سنة أخرى في جزيرة العرب ما زادوها إلا انقساما، وما اكتسبت أقطار الأرض من بقائهم شيئا، ربّما نالت مزيدا من الحبوب والفواكه التي يتقنون زراعتها، بيد أنّها لن تظفر بهذه الزيادة إلا ومعها كفل من الفساد الذي يصدّره بنو إسرائيل إلى العالم مع معاملات الربا، وأخلاق العهر والتحلل. أما الإسلام فقد خرج من الجزيرة يوم خرج رسالة إيمان وإصلاح، ومما يحمله في طواياه من حق ونفع استحقّ الانتصار والانتشار. فلمّا جرى على أمته من أسباب البلى والخمول ما جرى على اليهود الأولين تعرضت للطرد من أوطانها، والتشرّد هنا وهناك، كما تعرّض غيرهم، حذو النّعل بالنّعل.

عودة مهاجري الحبشة ووافق فتح (خيبر) قدوم (جعفر بن أبي طالب) ومن معه من المهاجرين إلى الحبشة. وقد سرّ رسول الله ﷺ أيّما سرور لمجيء هؤلاء الصحابة الكرام. إنّهم خرجوا من مكة فارّين بدينهم من الفتّان، واليوم يعودون وأمر الإسلام يعلو، وسلطانه يمتدّ شمالي الجزيرة وجنوبيها، فلا خوف من غشم أو ظلم. وعند ما حلوا بالمدينة قال رسول الله ﷺ مبتهجا: «والله ما أدري بأيّهما أفرح؟! بفتح خيبر أم بقدوم جعفر «١» ؟!» . وجعفر وإخوانه مكثوا في الحبشة بضعة عشر عاما، نزل خلالها قران كثير، ودارت معارك شتّى مع الكفار، وتقلّب المسلمون قبل الهجرة العامة وبعدها في أطوار متباينة، حتى ظنّ البعض أنّ مهاجري الحبشة- وقد فاتهم هذا كله- أنزل قدرا من غيرهم، فعن أبي موسى الأشعري: «.. كان أناس يقولون لنا: سبقناكم بالهجرة، ودخلت أسماء بنت عميس على حفصة زوج النبي ﷺ زائرة- وكانت هاجرت إلى النجاشي فيمن هاجر- فدخل عمر على حفصة وأسماء عندها، فقال حين رأى أسماء: من هذه؟ قالت: أسماء بنت عميس. قال عمر: الحبشية هذه؟ البحرية هذه؟ قالت أسماء: نعم! قال عمر: سبقناكم بالهجرة، فنحن أحقّ برسول الله ﷺ منكم! فغضبت وقالت: كلا والله! كنتم مع رسول الله ﷺ يطعم جائعكم، ويعظ جاهلكم. وكنّا في أرض البعداء البغضاء بالحبشة! وذلك في الله

نحن أحقّ برسول الله ﷺ منكم! فغضبت وقالت: كلا والله! كنتم مع رسول الله ﷺ يطعم جائعكم، ويعظ جاهلكم. وكنّا في أرض البعداء البغضاء بالحبشة! وذلك في الله

وفي رسول الله، وايم الله لا أطعم طعاما ولا أشرب شرابا حتى أذكر ما قلت لرسول الله وأسأله، وو الله لا أكذب ولا أزيغ ولا أزيد عليه. فلمّا جاءت النبيّ ﷺ قالت: يا نبي الله! إنّ عمر قال كذا وكذا، قال: «فما قلت له؟» قالت: كذا وكذا. قال: «ليس بأحقّ بي منكم، وله ولأصحابه هجرة واحدة، ولكم أنتم- أهل السفينة- هجرتان «١» » . ولم يمض كبير وقت على أولئك العائدين، حتى اكتسبوا ما فاتهم من علم بالقران والسنّة، وانتظموا في مواكب الجهاد مع من سبقوهم بإحسان. وقد أشركهم النبي ﷺ في مغانم خيبر «٢» مع أهل الحديبية «٣» ولم يقسم لأحد غيرهم معهم. فإنّ الله جعل خيبر مكافأة سخية لمن ساروا إلى مكة، وبايعوا على الموت تحت شجرة الرضوان.

تأديب الأعراب أما عبدة الأصنام من البدو، فإنّ المسلمين شرعوا يتعقبونهم مذ خلصوا من مشكلات اليهود، وقد أشرنا إلى أنّ شمل هؤلاء الأعراب انتكث بعد الموادعة التي تمّت في الحديبية بين قريش والمسلمين، كانوا أمس يحاصرون دار الإسلام أحزابا متحدة، لكن الحال تبدّلت اليوم؛ تمزّق بنو إسرائيل، وانسحب أهل مكة، وأمكن للمسلمين أن ينفردوا بأولئك القوم قبيلة إثر قبيلة، ولن يعجز المسلمون عن حسم شرورهم ووقف فوضاهم. إنّ البدو جنس جاف غليظ، ولن ننسى أنهم حتى القرن الأخير كانوا يستمرئون الفتك بقوافل الحجاج، وقد يذبحون الحاجّ لدراهم معدودة. وعلمهم بشؤون الدنيا وحقوق الاخرة يعيي المدرسين، وقد بذل الإسلام جهودا جبارة في رفع مستواهم المادي والأدبي، إلا أنّ اغتيال الدعاة من القراء المربين جعل الإسلام يظاهر رجاله هؤلاء بالقوة التي تمنع الشغب، وتقطع دابر الفساد. وكان بث السرايا في فيافي (نجد) من أهمّ ما شغل المسلمين بعد ما رجعوا من خيبر في صفر من السنة السابعة، حتى شدّوا الرحال إلى مكة لعمرة القضاء، كما نصّ على موعدها في عهد الحديبية.

نجد) من أهمّ ما شغل المسلمين بعد ما رجعوا من خيبر في صفر من السنة السابعة، حتى شدّوا الرحال إلى مكة لعمرة القضاء، كما نصّ على موعدها في عهد الحديبية. ولا يعنينا كثيرا أن نتبع هذه السرايا في مسيرها، فهي- وإن وطدت هيبة المسلمين العسكرية- أقرب إلى فرق الشرطة منها إلى الجيوش المعبأة. والهدف الأكبر من بعثها توطيد الأمن، ومنع الغارات على المدينة، وتمكين الدعاة إلى الله من أن يجوبوا الافاق بتعاليم الرسالة دون غدر أو خيانة. إن أحوال هذه القبائل قريبة الشبه بأحوال قرانا في عهد الإقطاع القريب، كان العمدة يملك ألف صوت ناخب في قريته، فالحديث عن الحرية السياسية في هذا الجوّ (حديث خرافة) . كذلك كان رؤساء القبائل الأولون، تلتفّ حولهم

عشائرهم وبطونهم ليتناصروا في الحرب والسلم على ما يهوى السادة. فإذا كثر في أولئك الحاكمين من يوصف بالأحمق المطاع، وإذا اشتغل أولئك الحمقى بالكرّ والفرّ على نحو ما قال دريد بن الصمة: يغار علينا واترين فيشتفى ... بنا إن أصبنا، أو نغير على وتر! قسمنا بذاك الدّهر شطرين بيننا ... فما ينقضي إلّا ونحن على شطر! أفترى أنّ الدّعاة يسيرون عزّلا في هذه البيئة التي تخطف الأموال والعقائد؟. إنّ العمل على توطيد الأمن شيء غير إكراه الناس على الإيمان، هدف الأول إقصاء الضغط والفتنة عن المجتمع، حتى إذا امن فرد في قبيل لم يجد من يصبّ عليه سوط عذاب. أما الاخر فيريد بالسوط أن يحمل الناس على عقيدة معينة. والسرايا التي كان الرسول ﵊ يسيّرها إلى كلّ فج كانت تحمل معها كلام الله لتقرأ منه: قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّما أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٤٩) فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٥٠) وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آياتِنا مُعاجِزِينَ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ (٥١) [الحج] . فالسعي لمعاجزة الايات أمر خطير، ولو كانت معاجزة باللسان ما اكترث لها أحد، فهيهات أن تغلب الخرافة الحقّ في معرض جدل حر، إنّها معاجزة بالسوط والقهر: وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ يَكادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آياتِنا ... [الحج: ٧٢] . فإذا تأهّب التالي حتى لا يروح ضحيّة هذا السّطو، فهو يؤدي واجبه، وإذا سخّرت القوة لتطهير الحياة من أسباب هذا السطو، فأيّ غبار على هذا العمل؟. وقد مضى المسلمون في نشر الدعوة داخل جزيرة العرب على ذلك الأساس العادل، ومنذ أمضوا عهد الحديبية، وهم دائبون على البلاغ والتبصرة، ولذلك نجحوا نجاحا ملحوظا في هذا المضمار، فدخلت قبائل كثيرة في عهداهم، على حين انصرفت جموع الأعراب عن قريش، فلم يدخل في عهداهم أحد،

البلاغ والتبصرة، ولذلك نجحوا نجاحا ملحوظا في هذا المضمار، فدخلت قبائل كثيرة في عهداهم، على حين انصرفت جموع الأعراب عن قريش، فلم يدخل في عهداهم أحد،

وسير الأمور في هذا الاتجاه كان التمهيد الفعّال لغلبة الإسلام، ثم لفتح مكة نفسها فيما بعد. والدعوة إلى الإسلام داخل الجزيرة لم تشغل النبيّ ﷺ عن حقّ اخر من حقوق الله عليه، وهو إعلام الناس كافة بما اتاه الله من بينات. فليرفع السراج إلى أعلى لتصل أشعته الهادية إلى مواطن أبعد، مواطن غرقت في الظلام دهرا: وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ أَإِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرى قُلْ لا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ [الأنعام: ١٩] . فليتجه إلى المجوس وإلى النصارى، يدعوهم إلى توحيد الله والإسلام له والخضوع لأحكامه.

مكاتبة الملوك والأمراء كان الفرس يحتلون أجزاء كبيرة من جنوب الجزيرة، وكان الرومان يحتلون أجزاء أخرى من شمالها، وقد انتشرت ديانة المحتلّين في الأقاليم التي أخضعوها لنفوذهم، ومن العبث إرجاع هذا الانتشار للحرية العقلية المحضة، وعلى أية حال فإنّ المجوسية سادت الأقاليم التابعة لفارس، والنصرانية سادت الأقاليم التابعة للرومان، وكان أمراء هذه الأقاليم يعيّنون من قبل الدول الحاكمة، وينصاعون لأوامرها. وقد رأى النبي ﷺ أن يرسل بكتبه إلى رؤساء الدول الكبرى، وإلى أمراء الولايات المحتلة على سواء، يدعوهم إلى الله، ويعرض عليهم الإسلام. روى مسلم عن أنس ﵁: أن رسول الله ﷺ كتب إلى كسرى وقيصر وإلى النجاشي- وهو غير الذي صلّى عليه- وإلى كل جبّار؛ يدعوهم إلى الله ﷿.

ه، ويعرض عليهم الإسلام. روى مسلم عن أنس ﵁: أن رسول الله ﷺ كتب إلى كسرى وقيصر وإلى النجاشي- وهو غير الذي صلّى عليه- وإلى كل جبّار؛ يدعوهم إلى الله ﷿.

[كتابه إلى قيصر ملك الروم] : بعث رسول الله ﷺ (دحية بن خليفة) بكتابه إلى قيصر الروم، وليس الوصول إلى قيصر بدعوة غريبة على مسامعه أمرا سهلا، فكيف وهي- في نظر الرومان- من أعرابي ساذج ينتمي إلى قوم تحت سلطانهم!!. وتقديرا لهذه الأوضاع اختار النبي ﷺ لتلك المهمة من يقوم بها إيمانا واحتسابا غير مبال بعواقبها عليه ولا نتائجها عند من يدعوه. فعن ابن عباس ﵄: أن رسول الله ﷺ قال: «من ينطلق بصحيفتي هذه إلى قيصر، وله الجنّة؟» فقال رجل: وإن لم يقبل؟ قال: «وإن لم يقبل!» فأخذ دحية الكتاب، وسافر به إلى أرض الروم، فوافق هرقل وهو مقبل على بيت المقدس، يزوره عقب انتصاره على الفرس قربى إلى الله. وتناول قيصر الكتاب، فقرأ فيه: «بسم الله الرّحمن الرّحيم. من محمّد

رسول الله إلى هرقل عظيم الرّوم، سلام على من اتّبع الهدى، أمّا بعد: فإنّي أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم تسلم، يؤتك الله أجرك مرّتين، فإن تولّيت فإنّ عليك إثم الأريسيين: ويا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ [ال عمران: ٦٤] » «١» . وقد هاجت حاشية هرقل لاكتراث القيصر بهذه الرسالة، وازدادوا هياجا عند ما عرض عليهم- لا ندري جادا أم هازلا- أن يعتنقوا هذا الدّين!. وهرقل- في نظرنا- رجل سياسيّ، وأمر الدين لا يعنيه إلا بقدر ما يدعم ملكه، وينمّي قوته، وقد تولّى شؤون الدولة في وقت كانت الخلافات الكنسيّة حول طبيعة المسيح تغلي غليان المرجل، وتثير في الأمة انقسامات مخيفة، وقد حاول التقريب بين وجهات النظر المتباينة، وجمع الكنائس المتخاصمة على مذهب واحد فعجز، وتمرّد عليه اليعاقبة وغيرهم في مصر والشام.

أمة انقسامات مخيفة، وقد حاول التقريب بين وجهات النظر المتباينة، وجمع الكنائس المتخاصمة على مذهب واحد فعجز، وتمرّد عليه اليعاقبة وغيرهم في مصر والشام. فالكلام في الإلهيات ليس غريبا عليه، والتقريب بين وجهات النظر لمصلحة الدولة- ديدنه، ولعلّه في أعماق قلبه يحسّ سخف أولئك المختلفين جميعا. وربّما تألقت في نفسه لوقت محدود فكرة الخروج من عقيدة التثليث إلى بساطة التوحيد ثم انطفأت؛ لما ستجرّه على الدولة من خلاف أشقّ في وهمه، وأمر المملكة- عنده- أهمّ من أي شيء اخر. وشاءت لباقة قيصر السياسي أن يستدعي دحية، وأن يحاول إيهامه بأنّه مسلم! ثم أعطاه قدرا من الدنانير.. وصرفه!. وعاد دحية إلى رسول الله ﷺ بالنبأ، فقال النبي ﷺ: «كذب عدوّ الله، ليس بمسلم» ، وأمر بالدنانير فقسمت على المحتاجين «٢» .

[ردّ ملك غسان] : أما الولايات العربية التابعة للرومان، فإن النبي ﷺ أرسل إلى أمرائها يعرض عليهم الإسلام، فكانت إجاباتهم أخشن وأقسى من ردّ القيصر نفسه!. قرأ أمير دمشق خطاب الرسول ﷺ له: «بسم الله الرّحمن الرّحيم. من محمّد رسول الله إلى الحارث بن أبي شمر، سلام على من اتّبع الهدى وامن بالله وصدّق، وإنّي أدعوك أن تؤمن بالله واحده لا شريك له، يبقى ملكك» «١» . فلمّا قرأه رمى به الأرض، وقال: من ينزع ملكي منّي؟ وأخذ يعدّ العدّة لقتال المسلمين. والحارث ليس بالملك الأصيل حتى يشمخ بملكه على هذا النحو، إنه مولّى من قبل الرومان الغالبين؛ ليخدم أهواءهم، ويمشي في ركابهم، فهو كنفر من ملوك الشرق في عصرنا هذا، صنعهم المستعمرون ليكونوا حبالا تنجرّ بها الأمم المستضعفة وراء غاصبيها. والهدية التي ردّها هي الأمل الوحيد لجعله حاكما شريفا لو أنّه قبلها وأشاعها. وبعث النبي ﷺ إلى أمير بصرى- من ولايات الروم- مثل ما بعث به إلى أمير دمشق، وحمل الكتاب الحارث بن عمير الأزدي، فاعترضه في الطريق شرحبيل بن عمرو الغسّانيّ وسأله: أأنت من رسل محمّد؟ قال: نعم، فأمر به شرحبيل فقتل. وترامت هذه الأخبار إلى المسلمين في المدينة، فجرحت كرامتهم، وأبانت لهم أنّ علائقهم بالرومان لن تندفع في طريق العدل والاحترام إلا بعد جهود شاقة.

[ردّ المقوقس ملك القبط] : وردّ (المقوقس) على النبيّ ﷺ ردّا حسنا، فلم يؤمن به، ولم يتهجّم عليه، ولمّا تسلّم كتابه من حاطب بن أبي بلتعة قال له: ما منعه إن كان نبيا أن يدعو على من خالفه وأخرجه من بلده؟ فقال حاطب: ما منع عيسى- وقد أخذه قومه

عليه، ولمّا تسلّم كتابه من حاطب بن أبي بلتعة قال له: ما منعه إن كان نبيا أن يدعو على من خالفه وأخرجه من بلده؟ فقال حاطب: ما منع عيسى- وقد أخذه قومه

ليقتلوه- أن يدعو الله عليهم فيهلكهم؟ فقال المقوقس: أحسنت. أنت حكيم جاء من عند حكيم!!. وكتب إلى رسول الله ﷺ يقول: «لمحمّد بن عبد الله من المقوقس عظيم القبط سلام عليكم، أمّا بعد: فقد قرأت كتابك، وفهمت ما ذكرت فيه وتدعو إليه؛ وقد علمت أنّ نبيا قد بقي، وكنت أظنّ أنّه يخرج بالشّام، وقد أكرمت رسولك وبعثت لك بجاريتين لهما مكان عظيم في القبط، وبثياب، وأهديت لك بغلة تركبها» . وماذا يفعل محمّد رسول الله ﷺ بهذا؟ لقد قبل الهدية تقديرا للعاطفة التي أملت بها، وإن كان يرى أنّ الإيمان بالله واحده أفضل ما يهدى إليه وخير ما ينتظره ويهش له. وجدير بنا أن نذكر كلام حاطب للمقوقس؛ حتى يعرف القارئ أنّ هذه البعوث بلغت حدّا من الفقه والحصافة يستحقّ الإعجاب البالغ. قال حاطب: إنّ هذا النبيّ دعا الناس، فكان أشدّهم عليه قريش، وأعداهم له اليهود، وأقربهم منه النصارى، ولعمري ما بشارة موسى بعيسى إلا كبشارة عيسى بمحمّد، وما دعاؤنا إياك إلى القران، إلا كدعائك أهل التوراة إلى الإنجيل. وكلّ نبي أدرك قوما فهم أمته، فحقّ عليهم أن يطيعوه، وأنت ممّن أدرك هذا النبيّ، ولسنا ننهاك عن دين المسيح، ولكننا نأمرك به. وكان أثر هذه الدعوة الحارة الخطاب الذي سقناه انفا.

[ردّ فعل كسرى ملك فارس] : تلك مثل لرسائله إلى رجالات النصرانية ومواقفهم منها. وقد ساق النبي ﷺ كذلك مبعوثيه إلى رؤساء المجوسية، يدعونهم إلى الله، ويحدّثونهم عن الدين الذي لو تبعوه نقلهم من الغي إلى الرشاد. وقد تفاوتت ردودهم، بين العنف واللطف، والإيمان والكفر. كتب رسول الله ﷺ إلى (كسرى أبرويز) ملك فارس، يقول: «بسم الله الرّحمن الرّحيم. من محمّد رسول الله إلى كسرى عظيم فارس. سلام على من اتّبع الهدى، وامن بالله ورسوله، وشهد ألاإله إلا الله واحده لا شريك له، وأنّ محمّدا

رّحمن الرّحيم. من محمّد رسول الله إلى كسرى عظيم فارس. سلام على من اتّبع الهدى، وامن بالله ورسوله، وشهد ألاإله إلا الله واحده لا شريك له، وأنّ محمّدا

عبده ورسوله. أدعوك بدعاية الله، فإنّي أنا رسول الله إلى النّاس كافّة لينذر من كان حيا ويحقّ القول على الكافرين. أسلم تسلم، فإن أبيت فعليك إثم المجوس» «١» . ومزق كسرى الكتاب وهو محنق. ولعلّه حسب الجرأة على مكانته السامية بعض ما رماه به القدر من مصائب، فقد هزمه الروم هزيمة منكرة، وها قد جاء العرب يعلّمونه ما لم يكن يعلم. وأصدر كسرى أمره إلى والي اليمن- وكانت لمّا تزل في حكمه- يأمره أن يرسل اثنين من رجاله الأشداء ليأتيا إليه بالرّجل الذي تجرأ على مكاتبته. و (أبرويز) هذا رجل أحمق، ومنصبه يضفي عليه لقب ملك الملوك، والوثنية السياسية إذا ظاهرتها وثنية دينية أمست ظلمات بعضها فوق بعض، وقد غلب على الرجل السفه في تصريفه شؤون الدولة وحكمه على الأشخاص والأشياء، حتى ضاق قومه أنفسهم به، بل ضاق به أقرب الناس إليه وهو ابنه (شيرويه) فوثب عليه فقتله. ويروى أن النبيّ ﷺ لما بلغه ما صنع كسرى أبرويز بكتابه قال: «مزّق الله ملكه» «٢» . والطريف أن والي اليمن لما صدر إليه أمر كسرى سارع إلى تنفيذه، فأرسل اثنين من لدنه إلى المدينة، يعرضان على النبي ﵊ أن ينطلق معهما ليسأل عما فعل..!!. ونظر النبيّ ﷺ إلى الرجلين، فوجدهما من ذلك النوع الذي تربيه الملوك في القصور، كما تربي النسوة في بلادنا الديكة الرومية.. مناظر فارهة، وبواطن تافهة. فلمّا رأى شواربهما مفتولة، وخدودهما محلوقة، أشاح عنهما وقال «٣» :

«ويحكما! من أمركما بهذا؟» قالا: أمرنا ربّنا!! يعنيان كسرى.. إن تأليه الملوك ضلال قديم، وبعد أن انتشر الإسلام ذهبت حقيقة التأليه، ثم عادت الان اثاره وخصائصه، فالملك يلقّب صاحب جلالة، ولا يسأل عمّا يفعل، ويبطل شرائع الله ليقيم شرائع الهوى، ويمتد هو وبطانته لتنكمش أمامهما أمته. ولما سمع النبيّ ﵊ كلام الرجلين أمرهما أن يعودوا من حيث أتيا إلى والي اليمن، وقال: «أخبروه أنّ ربّي قد قتل ربّه الليلة» . وكان رسول الله ﷺ قد علم قبلهما بمصرع كسرى. وقد وقع الإسلام في قلب والي اليمن ورجاله بعد هذه القصة، وانتشر انتشارا عظيما في الجنوب بين الطائفتين جميعا من نصارى ومجوس.

[ردّ أمير البحرين] : وأرسل النبيّ ﵊ إلى أمير البحرين كتابا يدعوه فيه إلى الإسلام، ونبذ المجوسية، حمله إليه العلاء بن الحضرميّ «١» وكان (المنذر بن ساوى) أمير البحرين رشيدا موفقا، فرحّب بالدعوة، وانشرح صدره لقبولها. وقد أبلغ العلاء في ترغيبه وإبراز محاسن الإسلام له: فمما قاله: «.. يا منذر! إنّك عظيم العقل في الدنيا، فلا تصغرنّ عن الاخرة، إنّ هذه المجوسية شرّ دين.. ليس فيها تكرّم العرب، ولا علم أهل الكتاب، ينكحون ما يستحيى من نكاحه، ويأكلون ما يتنزّه عن أكله، ويعبدون في الدنيا نارا تأكلهم يوم القيامة ... ولست بعديم عقل ولا رأي، فانظر: هل ينبغي لمن لا يكذب في الدنيا ألّا نصدقه؟ ولمن لا يخون ألّا نأمنه؟ ولمن لا يخلف ألّا نثق به؟.

تأكلهم يوم القيامة ... ولست بعديم عقل ولا رأي، فانظر: هل ينبغي لمن لا يكذب في الدنيا ألّا نصدقه؟ ولمن لا يخون ألّا نأمنه؟ ولمن لا يخلف ألّا نثق به؟.

هذا هو النبي الأمي الذي- والله- لا يستطيع ذو عقل أن يقول: ليت ما أمر به نهى عنه، أو ما نهى عنه أمر به! أو ليته زاد في عفوه، أو نقص من عقابه؛ إذ كلّ ذلك منه على أمنية أهل العقل، وفكر أهل النظر ... » . وقد أسلم (المنذر) ، وعرض على قومه الإسلام، فمنهم من أعجبه فدخل فيه، ومنهم من كرهه وبقي على مجوسيته أو على يهوديته، فلما استشار رسول الله ﷺ ما يفعل بإزائهم كتب له: «.. من أقام على يهودية أو مجوسية فعليه الجزية» «١» . إنّ توسيع ميدان الدعوة بحيث تشمل المعروف المعمور من أرض الله يومئذ أمر يثير التأمّل، لقد كان العرب يستكثرون النبوّة على واحد منهم، ويوسعونه جحودا وكنودا!: وَإِذا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُواً أَهذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا (٤١) [الفرقان] . فما يكون شأن الروم والعجم، وهم يرون العرب دونهم منزلة وحضارة، وثقافة وسياسة! ألا يكونون أسرع إلى السخرية وأدنى إلى الكفران؟!. بيد أن أصحاب الرسالات لا ينظرون إلى الأمور على ضوء الحاضر الضيق المنكور، فإنّ ثقتهم العميقة في سيادة فكرتهم، وامتداد نطاقها تصغّر العقبات المفروضة في الطريق، وتجعلها- ولو كانت الشم الرواسي- هباء منثورا. ولو انحصر (كارل ماركس) في حدود مذهبه- وهو فكرة مطاردة تصل بذويها إلى السجون- لأصابه الشلل، وقضى عليه وعلى أفكاره، لكنّه مضى في سبيله، وهو على أمل بالغ أن تقوم بتوجيهها دول كبرى، فإن كان هذا شأن الماديين من أصحاب الأفكار الضالّة؛ فلا جرم أنّ المرسلين المؤيّدين بالوحي يكاتبون الملوك والأمراء، وهم موقنون بأنّ ما لديهم من حق سيعلو ما عداه، وذلك ما كان يجول في نفس الرسول الكريم ﷺ وهو يعالج هداية الأعراب الشاردين في الصحراء، طورا باللين، وطورا بالشدة، ثم هو- في الوقت نفسه- ينصح لقادة الشعوب الاخرى أن يفكّروا في هذا الدين الجديد، وأن يعتنقوه وافرين.

ب الشاردين في الصحراء، طورا باللين، وطورا بالشدة، ثم هو- في الوقت نفسه- ينصح لقادة الشعوب الاخرى أن يفكّروا في هذا الدين الجديد، وأن يعتنقوه وافرين.

إن الخرافة التي أفسدت عقل بدويّ تترّب إهابه وثيابه رياح (نجد) هي بعينها الخرافة التي تفسد فكر كسرى عاهل الفرس العظيم. ما الفارق بين الحمّى تصيب ملكا أو تصيب صعلوكا؟ إنّ الطبيب يصف لها على الحالين- دواء واحدا، ويتخذ ضد عدواها حصانات واحدة!. وقد أراد النبيّ ﷺ أن يشفي الكبار والصغار من أمراض نفوسهم، وأن يناولهم جميعا الدواء الذي يصحّون به: وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَساراً (٨٢) [الإسراء] . فلا غرو إذا جمع في مصحّه بين الأحمر والأسود، والسادة والعبيد. أجل، قد يكون أولئك الملوك محجّبين وراء أسوار مشيدة، وحولهم من الأتباع والجند والأبهة والرياش ما يبهر العين، لكن أي عين تنبهر لهذه المظاهر؟ إنّ الطبيب المعالج لا يعنيه من مريضه إلا جسده الشاحب العليل، والأنبياء لا يرون في القوم إلا أنهم جهّال يجب أن يتعلّموا، سفهاء يجب أن يسترشدوا، وأنّ ما حولهم من الدنيا يجعل تبعتهم أخطر، وجزاءهم على الهدى والضلال أضخم. على أنّ هذه القوى المسخّرة في حماية الباطل لن يطول أمدها إلا كما يطول الليل على المؤرق، ثم تطلع الشمس، ويمحو الله بالاية المبصرة سدول الظلام. ولذلك قال النبي ﷺ لرسل والي اليمن حين جاؤوه: «أخبراه أنّ ديني وسلطاني سيبلغ ما بلغ كسرى، وينتهي إلى الخفّ والحافر، وقولا له: إن أسلمت أعطيتك ما تحت يديك، وملكتك على قومك» «١» . إنّه- وهو في المدينة- يولّي ويعزل، عن حق لا عن غرور، أليس موصولا بمالك الملك، مبعوثا من رب السموات والأرض؟!. ومن الطبيعي أن يعرف مشركو العرب أنباء هذه البعوث النبوية، وأن يرقبوا نتائجها عن كثب، وقد استبشروا أول الأمر حين بلغهم صنيع كسرى بن هرمز، وقال بعضهم لبعض: كفيتم الرجل، فقد نصب له كسرى ملك الملوك! وشاعت هذه القالة في مكة والطائف.

ثم مرت الأيام، وطاح كسرى، وبقي الإسلام يغزو الأفئدة والبلاد.. وجاءت الأنباء أنّ بعوث محمد ﷺ في بعض الأرجاء أمكنها نشر الإسلام، وتثبيت هدايته، حتى دخلت فيه اليمن وعمان والبحرين، فارتد استبشار المشركين خذلانا، وفكرت قبائل شتى في الانقياد لحكمه، خصوصا ورقعة الكفر تنكمش يوما بعد يوم أمام موجات الوحي الجارف، وإن بقيت أخرى مصرّة على جاهليتها: بَلْ مَتَّعْنا هؤُلاءِ وَآباءَهُمْ حَتَّى طالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ أَفَلا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها أَفَهُمُ الْغالِبُونَ (٤٤) قُلْ إِنَّما أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ وَلا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعاءَ إِذا ما يُنْذَرُونَ (٤٥) [الأنبياء] .

عمرة القضاء أوشكت السنة السابعة أن تنقضي، وحقّ للمسلمين أن يعودوا إلى مكة ليؤدّوا مناسك العمرة، التي حرموا من أدائها قبلا، لقد تأخّروا عاما وهم كارهون، لكنّ مكاسبهم للدعوة في هذه الفترة أربت على الأماني، وها هم أولاء يسوقون الهدي إلى الحرم مرة أخرى، ويجرّون وراءهم أذيال نصر عريض. وأحبّ أهل مكة أن يعزّوا أنفسهم وهم يجلون عنها- وفق الاتفاق المبرم- ليدخلها النبي ﷺ وصحابته معتمرين، فأشاعوا أن المسلمين يعانون عسرة وجهدا. قال ابن عباس: صفّوا له عند (دار الندوة) لينظروا إليه وإلى أصحابه، فلمّا دخل رسول الله ﷺ المسجد اضطبع بردائه، وأخرج عضده اليمنى ثم قال: «رحم الله امرأ أراهم اليوم من نفسه قوّة» «١» ، ثم استلم الركن وأخذ يهرول، ويهرول أصحابه معه حتى واراه البيت عنهم. والتّطواف بهذه السرعة إظهار لبأس المسلمين، وتكذيب لإشاعات الضعف، وقد مضت السّنّة به بعد ذلك.

ركن وأخذ يهرول، ويهرول أصحابه معه حتى واراه البيت عنهم. والتّطواف بهذه السرعة إظهار لبأس المسلمين، وتكذيب لإشاعات الضعف، وقد مضت السّنّة به بعد ذلك.

وروي «١» : أن رسول الله ﷺ لما دخل مكة كان عبد الله بن رواحة اخذا بخطام ناقته، وهو ينشد: خلّوا بني الكفّار عن سبيله ... خلّوا فكلّ الخير في رسوله! يا ربّ إنّي مؤمن بقيله ... أعرف حقّ الله في قبوله وأقام الرسول ﷺ ثلاثة أيام، جاء في نهايتها نفر من قريش يذكّرونه بانقضاء الأجل المضروب، ويقولون له: اخرج عنّا، فقال لهم الرسول ﷺ: «لو تركتموني فأعرست بين أظهركم، وصنعنا لكم طعاما، فحضرتموه؟» «٢» . قالوا: لا حاجة لنا في طعامك، فاخرج عنا. وكان العبّاس عمّ رسول الله ﷺ قد زوّجه من ميمونة بنت الحارث، خالة عبد الله بن عباس، فعقد عليها في مكة، وبنى بها في سرف، وفي هذه العمرة نزل قوله تعالى: لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخافُونَ فَعَلِمَ ما لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذلِكَ فَتْحاً قَرِيباً (٢٧) [الفتح] .

ُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخافُونَ فَعَلِمَ ما لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذلِكَ فَتْحاً قَرِيباً (٢٧) [الفتح] .

غزوة مؤنة عزّ على المسلمين مصرع رسولهم إلى أمير بصرى، والطريقة الشائنة التي عومل بها، فقد أوثق شرحبيل بن عمرو رباطه، ثم قدّمه فضرب عنقه، ولم يقتل أحد غيره من بعوث الرسول ﷺ الكثيرة إلى الافاق، والرّسل لا يقتلون، لذلك كان وقع هذه الإهانة شديدا على المسلمين، فعزموا على الاقتصاص لرجلهم، وعلى زلزلة الوالي الأثيم الذي صنع ما صنع لحساب الرومان. وتجهّز المسلمون في جيش يعتبر بالنسبة لهم كبيرا، إذ بلغت عدّته ثلاثة الاف، وخرج أهل المدينة يودّعون الجيش الزاحف، وهم يقولون: صحبكم الله بالسلامة ودفع عنكم، وردكم إلينا صالحين، فقال عبد الله بن رواحة يردّ على هذا الوداع: لكنّني أسأل الرّحمن مغفرة ... وضربة ذات فرع تقذف الزّبدا! أو طعنة بيدي حرّان مجهزة ... بحربة تنفذ الأحشاء والكبدا! حتّى يقال- إذا مرّوا على جدثي- ... يا أرشد الله من غاز وقد رشدا! ورتب النبيّ ﷺ قادة الجيش، فجعل الأمير زيد بن حارثة، وقال: «إن أصيب فجعفر بن أبي طالب، فإن أصيب جعفر، فعبد الله بن رواحة» «١» . وانطلق الجيش إلى مشارف الشام. إلا أنّ أخباره سبقته إلى الروم، ولا بدّ أن تهاويل كثيرة أحاطت بسمعة المسلمين وطاقاتهم الحربية، مما جعل القوم يستعدون للقتال بجيش كثيف. فلمّا وصل المسلمون إلى (معان) عرفوا أنّ في انتظارهم مئة ألف من الروم، ومئة ألف أخرى من نصارى العرب. والهجوم على جيش تلك عدته مجازفة مخوفة، فأقام المسلمون ليلتين

مسلمون إلى (معان) عرفوا أنّ في انتظارهم مئة ألف من الروم، ومئة ألف أخرى من نصارى العرب. والهجوم على جيش تلك عدته مجازفة مخوفة، فأقام المسلمون ليلتين

ب (معان) يتدبّرون أمرهم، وقال نفر منهم: نكتب إلى رسول الله، نخبره بعدد عدونا، فإمّا أن يمدنا بالرجال، وإما أن يأمرنا بأمره فنمضي له، ولم يرق لعبد الله بن رواحة فشجّع الناس قائلا: يا قوم! والله إنّ التي تكرهون للّتي خرجتم تطلبون الشهادة! - وما نقاتل النّاس بعدد ولا قوّة ولا كثرة، ما نقاتلهم إلا بهذا الدّين الذي أكرمنا الله به، فانطلقوا، فإنّما هي إحدى الحسنيين: إما ظهور وإما شهادة. وكان لهذه الكلمة الملتهبة أثرها، فاختفت من صفوف المسلمين مشاعر التردد وقرروا القتال مهما كانت النتائج. وابن رواحة شاعر حادّ العاطفة، وقد أحسّ منذ خروجه أن الاستشهاد مقبل عليه، فهو يتهيأ له بقلبه ولسانه، وقد تكون العسكرية في تصرف غير ما أوحى به، غير أنّ المسلمين ما إن سمعوا حديث الفداء والموت في سبيل الله حتى جاشت بأنفسهم محبة الاخرة، ثم ذكروا أنهم نصروا في معارك سابقة باستعداد أقل من عدوهم، فأقدموا مطمئنين. عن أبي هريرة قال: شهدت مؤتة، فلمّا دنا المشركون رأينا ما لا قبل لأحد به من العدّة والسّلاح، والكراع، والديباج، والحرير، والذهب، فبرق بصري!! فقال لي ثابت بن أقرم: يا أبا هريرة! كأنّك ترى جموعا كثيرة؟ قلت: نعم- وأبو هريرة ممّن أسلموا بعد الحديبية- فقال له ثابت: إنّك لم تشهد بدرا معنا، إنّا لم ننصر بالكثرة. والتقى الجمعان، وعبث أن ننتظر من ثلاثة الاف بطل أن يصاولوا في ميدان مكشوف فيالق تربو عليهم سبعين ضعفا. قاتل زيد بن حارثة براية رسول الله ﷺ حتى شاط في رماح القوم. وتلقّف الراية جعفر بن أبي طالب، فأقبل على الروم يجالدهم بعنف. روى أبو داود حديث شاهد عيان يقول: لكأنّي أنظر إلى جعفر حين اقتحم على فرس له شقراء ثم عقرها، ثم قاتل القوم حتى قتل، وهو ينشد: يا حبّذا الجنّة واقترابها! ... طيّبة، وباردا شرابها! والرّوم روم قد دنا عذابها ... كافرة بعيدة أنسابها! عليّ إن لاقيتها ضرابها!

قيل: إنّ رجلا من الروم ضربه ضربة قطعه نصفين. وقيل: أخذ اللواء بيمينه فقطعت، فأخذه بشماله فقطعت، فاحتضنه بعضديه حتى قتل، وقد رزق جعفر هذه الشهادة وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة. فلما قتل حمل عبد الله بن رواحة الراية، ثم تقدّم بها وهو على فرسه، فلمّا أحسّ دقّة الموقف، وشدة الضغط، عراه بعض التردد، ثم أقنع نفسه بورود المصير الذي ذاق صاحباه، فأقبل على الساحة المضطرمة وهو يقول: يا نفس إن لا تقتلي تموتي! ... هذا حمام الموت قد صليت! وما تمنّيت فقد أعطيت! ... إن تفعلي فعلهما هديت! ثم أقدم، وجاءه ابن عم له بقطعة لحم فناولها إياه وهو يقول: شدّ بها صلبك، فإنك قد لقيت في أيامك هذه ما لقيت، فما كاد يقطع منها مضغة حتى سمع الحطمة في ناحية من الجبهة استعرت بها الحرب، فقال لنفسه: وأنت في الدنيا؟ ورمى بالطعام من يده.. ثم انتضى سيفه، وتقدّم حتى قتل. وأخذ الراية التي تداولتها أيدي الأمراء الثلاثة ثابت بن أقرم، وصاح: يا معشر المسلمين! اصطلحوا على رجل منكم! قالوا: أنت. قال: ما أنا بفاعل! فاصطلح الناس على (خالد بن الوليد) ، وثابت أبى القيادة لا نكوصا عن الموت، بل شعورا بوجود الأكفأ منه في الجماعة، وحملانه الراية خشية أن تسقط من ايات الجرأة في هذا الموقف العصيب. وليت كلّ امرئ يعرف أقدار الناس، ينزلهم منازلهم التي يستحقونها، فلا يكلف أمته أن تحمل عجزه وأثرته. وأخذ الراية (خالد) فشرع يقاتل ويحتال للخلوص بالجيش من هذا المأزق المتضايق، وقتال الانسحاب شاقّ مرهق، خصوصا وخالد لا يريد إشعار الروم بهذه الخطة. روى البخاري عن خالد: اندقّت في يدي يوم (مؤتة) تسعة أسياف، وما ثبت في يدي إلا صفيحة يمانية. ودخل الليل على المتحاربين، فكان هدنة مؤقتة، فلما طلع الصبح كان خالد قد أعاد تنظيم قواته القليلة، فجعل المقدمة ساقة والميمنة ميسرة. وجعل هدفه مناوشة الرومان بحيث يلحق بهم أفدح الخسائر، دون أن يعرّض كتلة الجيش لالتحام عام، وقد أفلحت هذه الخطة في إنقاذ الالاف القليلة

الميمنة ميسرة. وجعل هدفه مناوشة الرومان بحيث يلحق بهم أفدح الخسائر، دون أن يعرّض كتلة الجيش لالتحام عام، وقد أفلحت هذه الخطة في إنقاذ الالاف القليلة

التي معه، وإنقاذ سمعة المسلمين في أول معركة لهم مع الدولة الكبرى. والعجيب أنّ الرومان أعياهم هذا القتال، وأصيبوا فيه بخسائر كبيرة؛ بل إنّ بعض فرقهم انكشف، وولّى مهزوما. واكتفى خالد بهذه النتيجة، واثر الانصراف بمن معه. عن أنس بن مالك أنّ رسول الله ﷺ نعى زيدا وجعفرا وابن رواحة للناس قبل أن يأتيه خبرهم، فقال: «أخذ الراية زيد فأصيب، ثم أخذها جعفر فأصيب، ثم أخذها ابن رواحة فأصيب- وعيناه تذرفان- قال: ثم أخذ الراية سيف من سيوف الله حتى فتح الله عليهم» «١» . وروى ابن إسحاق «٢» ، عن رسول الله ﷺ: «لقد رفعوا إلى الجنة- فيما يرى النائم- على سرر من ذهب، فرأيت في سرير عبد الله بن رواحة ازورارا عن سريري صاحبيه، فقلت: ممّ هذا؟ فقيل لي: مضيا، وتردّد عبد الله بعض التردد، ثم مضى» .

[التربية الجهادية للمجتمع المسلم] : والدلالة التي تعلو على الريب في هذه المعركة أن شجاعة المسلمين وبسالتهم بلغتا حدّا لم تعرفه أمة معاصرة، وقد أكسبهم هذا الروح العالي إقداما حقّر أمامهم كبرياء الأمم التي عاشت مع التاريخ دهرا تصول وتجول لا يقفها شيء. إن الاستهتار بالخطر والطيران إلى الموت ليسا فروسية احتكرها الرجال المقاتلون واحدهم، بل هي قوة غامرة قاهرة، تعدّت الرجال إلى الأطفال، فأصبحت الأمة كلها أمة كفاح غال عزيز، وحسبك أن جيش (مؤتة) لما عاد إلى المدينة قابله الصبية بصيحات الاستنكار يقولون: يا فرّار!، فررتم في سبيل الله؟ إنّ أولئك الصغار الأغرار يرون انسحاب خالد ومن معه فرارا، يقابل بحثو التراب. أيّ جيل قويّ نابه هذا الجيل الذي صنعه الإيمان بالحق؟! أيّ نجاح بلغته رسالة الإسلام في صياغة أولئك الأطفال العظام؟ من اباؤهم؟ من أمهاتهم؟ كيف كان الاباء يربون؟ وكيف كانت الأمهات يدللن؟.

إن مسلمة اليوم بحاجة ماسّة إلى أن تعرف هذه الدروس.

اغة أولئك الأطفال العظام؟ من اباؤهم؟ من أمهاتهم؟ كيف كان الاباء يربون؟ وكيف كانت الأمهات يدللن؟.

إن مسلمة اليوم بحاجة ماسّة إلى أن تعرف هذه الدروس.

[مكانة القادة الثلاثة في الجنة] : تحدث النبي ﷺ عن قادة الجيش الذين قتلوا، فقال لأصحابه: «ما يسرّهم أنّهم عندنا» «١» . أجل، إنّ الجوار الذي صاروا إليه أحبّ لنفوسهم، وأقرّ لعيونهم من الدنيا وما فيها ومن فيها. أما أسرهم ففي كفالة الله، وهو نعم المولى ونعم النصير. عن عبد الله بن جعفر- ابن الشهيد- جاءنا النبيّ ﷺ بعد ثلاث من موت جعفر فقال: «لا تبكوا على أخي بعد اليوم، وادعوا لي بني أخي» . قال عبد الله: فجيء بنا كأننا أفراخ، فقال: «ادعوا إليّ الحلّاق» ، فجيء بالحلّاق، فحلق رؤوسنا، ثم قال الرسول ﵊ مداعبا-: «أمّا محمّد فشبيه عمنا أبي طالب، وأمّا عبد الله فشبيه خلقي وخلقي» ، ثم أخذ بيدي فأشالها، وقال: «اللهمّ اخلف جعفرا في أهله، وبارك لعبد الله في صفقة يمينه» . قالها ثلاث مرات. قال عبد الله: وجاءت أمّنا فذكرت له يتمنا، وجعلت تحزّنه، فقال لها النبي ﷺ: «العيلة تخافين عليهم وأنا وليّهم في الدّنيا والاخرة؟!» «٢» . ولم ير المسلمون في نتائج (مؤتة) ما يسكن ثائرتهم، فإن القبائل المنتصرة بالشمال استظهرت بالرومان على مقاتلتهم، واستطاعت بذلك النجاة من عدوانها على الحارث بن عمير، ولا بدّ من قذف الرعب في قلوبها، وإشعارها بأنّ بعوث الإسلام لا تلقى هذا الهوان. وهكذا اتجه نشاط المسلمين العسكري إلى ميدان جديد بعيد.

ذات السلاسل كانت (مؤتة) في جمادى الأولى من السنة الثامنة، ولم يلبث المسلمون طويلا بعدها حتى عادوا إلى مشارف الشام؛ يلاحقون خصومهم قبل أن يستريحوا، فخرج (عمرو بن العاص) ليؤدّب القبائل الضاربة هناك إلا أنه خشي من كثرة عدوه، فأرسل إلى النبيّ ﷺ يطلب مددا، وانحاز إلى ماء يسمّى السلاسل حتى يجيئه العون. وبعث رسول الله ﷺ جيشا من المهاجرين الأولين- فيهم أبو بكر وعمر- يقوده أبو عبيدة بن الجراح. ووصّاه رسول الله ﷺ حين وجّهه لنجدة (عمرو) فقال: لا تختلفا «١» . فلما وصل أبو عبيدة قال له عمرو: إنما جئت مددا لي، فقال له أبو عبيدة: لا، ولكني على ما أنا عليه وأنت على ما أنت عليه! فقال عمرو: أنت مدد لي! - وكان أبو عبيدة رجلا لينا سهلا، هينا عليه أمر الدنيا- فقال: يا عمرو! إن رسول الله ﷺ قال لي: «لا تختلفا» ، وإنك إن عصيتني أطعتك! قال عمرو: فإني أمير عليك، وإنما أنت مدد لي. قال: فدونك، فصلّى عمرو بالناس، وتولى قيادهم جميعا. وأخذ عمرو يطارد القبائل الموالية للروم، فتوغّل في بلاد بليّ وعذرة وبلقين وطيّئ. وكلما انتهى إلى موضع قيل له: كان هنا (جمع) فلما سمعوا بك تفرّقوا! وظفر مرة بواحد من هذه الجموع فاقتتلوا، وحمل عليهم المسلمون فهزموا، وأعجزوهم هربا في البلاد. ومع أنّ عمرا دوّخ أولئك الأعراب، وشتّت شملهم؛ إلا أنّه لم يلقهم في معركة حاسمة، وعلى أية حال فإنّ سمعة المسلمين انزاح عنها غبار كثير بهذه الغزوة.

[فقه عمرو] : وحدث أنّ عمرو بن العاص احتلم في ليلة باردة، وخشي على نفسه إن اغتسل أن يعتلّ، فتيمم، وصلّى بالنّاس، وكأنّ بعض الصحابة شكّ في هذا الصنيع من عمرو، فذهب إلى النبي ﷺ يقول له: إن عمرا صلّى بنا وهو جنب! فقال الرسول ﷺ: «يا عمرو! صليت بأصحابك وأنت جنب؟» . فأخبره بالذي منعه من الاغتسال. لقد خاف على نفسه قسوة البرد، والله يقول: وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُمْ رَحِيماً [النساء: ٢٩] . فضحك الرسول ﷺ ولم يقل شيئا «١» . وفقه عمرو في هذه المسألة صحيح، فإنّ التيمّم يجوز إذا كان استعمال الماء مظنة الضرر.

َ بِكُمْ رَحِيماً [النساء: ٢٩] . فضحك الرسول ﷺ ولم يقل شيئا «١» . وفقه عمرو في هذه المسألة صحيح، فإنّ التيمّم يجوز إذا كان استعمال الماء مظنة الضرر.

الفتح الأعظم شغل المسلمون بعد عهد الحديبية بنشر الدعوة، وعرض تعاليم الإسلام على كل ذي عقل، وكان وفاؤهم لقريش أمرا مقررا فيما أحبوا وفيما كرهوا. ورأى الناس من ذلك الايات البينات!!. لكنّ قريشا ظلّت على جمودها القديم في إدارة سياستها، غير واعية للأحداث الخطيرة التي غيّرت مجرى الأحوال في الجزيرة العربية، وتوشك أن تغيره في العالم كله. وقد جرها فقدان هذا الوعي إلى حماقة كبيرة، أصبح بعدها عهد الحديبية لغوا، وذلك أنها مع حلفائها من بني بكر هاجموا خزاعة- وهي مع المسلمين في حلف واحد- وقاتلوهم، فأصابوا منهم رجالا، وانحازت خزاعة إلى الحرم إذ لم تكن متأهبة لحرب، فتبعهم بنو بكر يقتلونهم، وقريش تمدّهم بالسلاح، وتعينهم على البغي. وأحسّ نفر من بني بكر أنّهم دخلوا الحرم- حيث لا يجوز قتال- فقالوا لرئيسهم نوفل بن معاوية: إنّا قد دخلنا الحرم، إلهك إلهك. فقال نوفل: لا إله اليوم يا بني بكر.. أصيبوا ثأركم..!!. وفزعت خزاعة لما حلّ بها، فبعثت إلى رسول الله ﷺ (عمرو بن سالم) يقصّ عليه نبأها، فلمّا قدم المدينة وقف على النبي ﷺ وهو جالس في المسجد بين ظهراني الناس يقول: يا ربّ إنّي ناشد محمّدا ... حلف أبينا وأبيه الأتلدا قد كنتم ولدا وكنّا والدا ... ثمّت أسلمنا فلم ننزع يدا فانصر هداك الله نصرا أعتدا ... وادع عباد الله يأتوا مددا فيهم رسول الله قد تجرّدا ... أبيض مثل البدر يسمو صعدا إن سيم خسفا وجهه تربّدا ... في فيلق كالبحر يجري مزيدا

إنّ قريشا أخلفوك الموعدا ... ونقضوا ميثاقك المؤكّدا وجعلوا لي في كداء رصدا ... وزعموا أن لست أدعو أحدا وهم أذلّ وأقلّ عددا ... هم بيّتونا بالوتير هجّدا وقتلونا ركّعا وسجّدا فقال رسول الله ﷺ: «نصرت يا عمرو بن سالم» «١» ..

دا ... وزعموا أن لست أدعو أحدا وهم أذلّ وأقلّ عددا ... هم بيّتونا بالوتير هجّدا وقتلونا ركّعا وسجّدا فقال رسول الله ﷺ: «نصرت يا عمرو بن سالم» «١» ..

[أبو سفيان يحاول إصلاح ما أفسده قومه] : وأحست قريش- بعد فوات الأوان- خطأها، فخرج أبو سفيان إلى المدينة يصلح ما أفسده قومه، ويحاول أن يعيد للعقد المهدر حرمته!. وبلغ المدينة، فذهب إلى ابنته أمّ حبيبة، وأراد أن يجلس على الفراش؛ فطوته دونه. فقال: يا بنية! ما أدري، أرغبت بي عن هذا الفراش أم رغبت به عنّي؟!. فقالت: بل هو فراش رسول الله ﷺ وأنت مشرك نجس! قال: والله! لقد أصابك بعدي شرّ! ثم خرج حتى أتى رسول الله ﷺ فكلّمه، فلم يرد عليه شيئا «٢» . واستشفع أبو سفيان بأبي بكر ليحدّث النبي ﷺ في هذا الشأن فرفض، فتركه إلى عمر، فقال عمر: أنا أشفع لكم عند رسول الله! والله لو لم أجد إلا الذّرّ لجاهدتكم به. فتركهما إلى عليّ فردّ عليه: والله يا أبا سفيان لقد عزم رسول الله على أمر ما نستطيع أن نكلّمه فيه، ثم نصحه أن يعود من حيث جاء.. فقفل أبو سفيان إلى قومه، يخبرهم بما لقي من صدود. وأمر النبيّ ﷺ النّاس أن يتجهزوا، وأعلمهم أنه سائر إلى مكة، وأوصاهم بالجد والبدار. وقال: «اللهمّ خذ العيون والأخبار عن قريش حتى نبغتها

في بلادها» «١» !. واستمع المسلمون لأمر نبيّهم، فمضوا يعبّئون قواهم للّقاء المنتظر، وهم مدركون أنّ الساعة الفاصلة مع أهل مكة قد دنت.

[إنه شهد بدرا ..] : ووقع في هذه الفترة الدقيقة حادث مستغرب؛ فإنّ رجلا من أهل السابقة في جهاد المشركين تطوّع بإرسال كتاب إلى قريش يخبرهم فيه أن محمدا ﷺ سائر إليهم بجيشه. وقد رأيت أنّ المسلمين حراص على إخفاء خطة الغزو، أليس مما يقرّب نجاحهم ويخفف خسائرهم؟ ولعلّه يدفع قريشا إلى التسليم دون أن تسفك الدماء عبثا. وما معنى الكتابة إليهم إلا التحريض على حرب الله ورسوله ﷺ، والاستكثار من أسباب المقاومة؟. عن علي بن أبي طالب: بعثني رسول الله ﷺ أنا والزبير والمقداد فقال: «انطلقوا حتّى تأتوا روضة (خاخ) ، فإنّ بها ظعينة معها كتاب، فخذوه منها» . فانطلقنا تعادى بنا خيلنا، حتى أتينا الروضة، فإذا نحن بالظعينة. فقلنا: أخرجي الكتاب. فقالت: ما معي! فقلنا: لتخرجنّ الكتاب أو لنلقينّ الثياب! فأخرجته من عقاصها، فأتينا به رسول الله ﷺ. فإذا فيه: من حاطب بن أبي بلتعة إلى ناس بمكّة من المشركين يخبرهم ببعض أمر رسول الله. فقال: «يا حاطب، ما هذا؟!» فقال: يا رسول الله! لا تعجل عليّ، إنّي كنت امرأ ملصقا في قريش- كنت حليفا لها، ولم أكن من صميمها- وكان من معك من المهاجرين لهم قرابات يحمون بها أهليهم وأموالهم، فأحببت إذ فاتني ذلك من النسب فيهم- أن أتخذ عندهم يدا يحمون بها قرابتي، ولم أفعله ارتدادا عن ديني، ولا رضا بالكفر بعد الإسلام. فقال رسول الله ﷺ: «أما إنّه قد صدقكم» ! فقال عمر: يا رسول الله! دعني أضرب عنق هذا المنافق! فقال: «إنه شهد بدرا، وما يدريك؟ .. لعلّ الله

بعد الإسلام. فقال رسول الله ﷺ: «أما إنّه قد صدقكم» ! فقال عمر: يا رسول الله! دعني أضرب عنق هذا المنافق! فقال: «إنه شهد بدرا، وما يدريك؟ .. لعلّ الله

قد اطّلع على من شهد بدرا فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم؟!» . ونزل قول الله ﵎: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِما جاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهاداً فِي سَبِيلِي وَابْتِغاءَ مَرْضاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِما أَخْفَيْتُمْ وَما أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ (١) [الممتحنة] «١» . إن حاطبا خرج عن جادّة الصواب بهذا العمل. وما كان له أن يوادّ المشركين، وهم الذين تبجّحوا بالكفران، وتظاهروا على العدوان، وصنعوا بالمسلمين ما حاطب أعلم به من غيره. لكنّ الإنسان الكبير تعرض له فترات يصغر فيها، والله أبرّ بعباده من أن يؤاخذهم بسورات الضعف التي تعرو نورهم فيخبو، وسعيهم فيكبوا. وقد استكشف النبيّ ﷺ خبيئة حاطب، فعرف أنّه لم يكذبه في اعتذاره، إنّهم مقبلون على معركة كبيرة، قد ينهزمون فيها، فتقوم العصبيات القديمة بحماية الأقارب الشاردين، ويبقى حاطب لا حمى له، فليتخذ تلك اليد عند قريش حيطة للمستقبل. ذلك ما فكر فيه حاطب، وهو خطأ، فإنّ المشركين لم يذكروا في عداوة الإسلام رحما ولا أهلا، وما ينبغي- ولو دارت علينا الدوائر- أن نبقي لهم ودّا، وقد خاصمناهم في ذات الله، وأخذ علينا العهد أن نبذل في حربهم أنفسنا وأموالنا ... ولو جاز اتخاذ يد عندهم فكيف يتوسّل لذلك بعمل يعدّ خيانة كبيرة فادحة الإضرار بالإسلام وأهله؟!. على أنّ حاطبا شفع له ماضيه الكريم، فجبرت عثرته، وأمر النبي ﷺ المسلمين أن يذكروا الرجل بأفضل ما فيه، وبهذا التقدير السمح علّمنا الإسلام ألا ننسى الحسنات والفضائل لمن يخطئون حينا بعد أن أصابوا طويلا.

[إسلام العباس ﵁] : سرى القلق في ربوع مكة عقب أوبة أبي سفيان، ورأى العباس بن

الإسلام ألا ننسى الحسنات والفضائل لمن يخطئون حينا بعد أن أصابوا طويلا.

[إسلام العباس ﵁] : سرى القلق في ربوع مكة عقب أوبة أبي سفيان، ورأى العباس بن

عبد المطلب أن يسلم هو وعياله، وأن يهجروا مكة إلى المدينة، فقابلوا رسول الله ﷺ في الطريق مقبلا بجيشه على مكة، وخرج كذلك أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، وعبد الله بن أبي أمية، فلقيا النبي ﷺ بالأبواء- وهما ابن عمه وابن عمّته- وكانا من أشدّ الناس إيذاء له بمكة، فأعرض عنهما لما ذكر من مساءتهما. لكنّ عليّ بن أبي طالب أشار إلى ابن عمه أبي سفيان بوسيلة يترضّى بها رسول الله ﷺ. قال له: ائته من قبل وجهه، وقل ما قال إخوة يوسف: تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا وَإِنْ كُنَّا لَخاطِئِينَ [يوسف: ٩١] فإنه لا يرضى أن يكون أحد أحسن منه جوابا. ففعل ذلك أبو سفيان، فقال له رسول الله ﷺ: لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ [يوسف: ٩٢] . وأنشده أبو سفيان أبياتا جاء فيها: لعمرك إنّي حين أحمل راية ... لتغلب خيل اللّات خيل محمّد لكالمدلج الحيران أظلم ليله ... فهذا أواني حين أهدى فأهتدي هداني هاد غير نفسي ودلّني ... على الله من طرّدته كلّ مطرد فضرب الرسول ﷺ على صدره وهو يقول له: «أنت طردتني كلّ مطرد» «١» .

[تعمية أخبار الجيش] : وسار الجيش يطوي الوهاد والنجاد مسرعا إلى مكة حتى بلغ «مرّ الظهران» قريبا منها في العشاء، فنزل الجيش، ونصبت الخيام، وأوقدت النيران في معسكر يضمّ عشرة الاف، حتى أضاء منها الوادي، وأهل مكة في عماية من أمرهم، لا يدرون عن القضاء النازل بهم شيئا ... وعزّ على العباس أن تجتاح مكة في أعقاب قتال تتنافى فيه، ولا يغنيها فتيلا. فخرج يبحث عن وسيلة تقنع قريشا بمسالمة النبي ﷺ وتدخلها في أمانه. وصادف ذلك أن ثلاثة من كبراء مكة خرجوا يتعرّفون الأخبار، ويتسمعون ما يقال، فلمّا اقتربوا من الوادي راعهم ما به.

قال أبو سفيان زعيم مكة: ما رأيت كالليلة نيرانا قطّ ولا عسكرا!!. فقال بديل بن ورقاء: هذه- والله- خزاعة، حمشتها الحرب. فردّ أبو سفيان: خزاعة أقلّ وأذلّ من أن تكون هذه نيرانها وعسكرها. وكان المسلمون على خطتهم المرسومة، يبثون العيون حولهم، حتى يأخذوا قريشا على غرّة، فلا ترى من التسليم بدّا، فعثرت خيالتهم على رجال قريش أولئك، ومعهم حكيم بن حزام، فأخذتهم، وعادت بهم مسرعة إلى رسول الله ﷺ، ولحق العباس بالأسرى وهو يعلن أنّهم في جواره، فلما دخلوا على النبي ﷺ حادثهم عامّة الليل، فانشرحت صدورهم بالإسلام، وإن كان أبو سفيان قد تأخّر إسلامه حتى طلع الصبح ... ثم سألوه الأمان لقريش، فقال رسول الله ﷺ: «من دخل دار أبي سفيان فهو امن، ومن دخل المسجد فهو امن، ومن أغلق بابه فهو امن» «١» . وإنما أعطى رسول الله ﷺ أبا سفيان هذه الميزة إرضاء لعاطفة الفخر في نفسه، وقد أرضاه بما لا يضرّ أحدا، ولا يكلّف جهدا، ولا عليه أن يتحبّب إلى نفس بمثل هذا الثمن الميسور. وأراد رسول الله ﷺ أن يستوثق من سير الأمور بعيدا عن الحرب والضرب، فضمّ إلى ذلك المسلك مع أبي سفيان أن أوصى العبّاس باحتجازه في مضيق الوادي، حتى يستعرض القوى الزاحفة كلّها، فلا تبقى في نفسه أثارة لمقاومة، وهو سيد مكة المتبوع، قال العباس: فخرجت بأبي سفيان حتى حبسته بمضيق الوادي، حيث أمرني رسول الله ﷺ، ومرّت القبائل على راياتها، كلّما مرت قبيلة قال: يا عباس! من هؤلاء؟ فأقول: سليم! فيقول: ما لي ولسليم؟ ثم تمرّ به القبيلة، فيقول: يا عباس! من هؤلاء؟ فأقول: مزينة!

فيقول: ما لي ولمزينة؟! ... حتى نفذت القبائل، ما تمرّ به قبيلة إلا سألني عنها، فإذا أخبرته قال: ما لي ولبني فلان؟. حتى مرّ رسول الله ﷺ في كتيبته الخضراء، وفيها المهاجرون والأنصار، لا يرى منهم إلا الحدق من الحديد، فقال: سبحان الله! يا عباس! من هؤلاء؟. قلت: هذا رسول الله ﷺ في المهاجرين والأنصار. قال: ما لأحد بهؤلاء من قبل ولا طاقة! والله با أبا الفضل لقد أصبح ملك ابن أخيك الغداة عظيما!!. قال العباس: يا أبا سفيان، إنّها النبوة. قال: فنعم إذن «١» .

ما لأحد بهؤلاء من قبل ولا طاقة! والله با أبا الفضل لقد أصبح ملك ابن أخيك الغداة عظيما!!. قال العباس: يا أبا سفيان، إنّها النبوة. قال: فنعم إذن «١» .

[دعوة أبي سفيان إلى الاستسلام] : ودخل أبو سفيان مكة مبهورا مذعورا، وهو يحسّ أنّ من ورائه إعصارا، إذا انطلق اجتاح ما أمامه، فما يقف دونه شيء، ورأى أهل مكة الجيش الفاتح يقبل من بعيد رويدا رويدا، فاجتمعوا على سادتهم، ينتظرون الأوامر بالقتال، فإذا بصوت أبي سفيان ينطلق عاليا واضحا: يا معشر قريش! هذا محمد جاءكم فيما لا قبل لكم به، فمن دخل دار أبي سفيان فهو امن، وشدهت امرأته هند بنت عتبة وهي تسمع من زوجها هذا الكلام، فوثبت إليه، وأخذت بشاربه تلويه وصاحت: اقتلوا الحميت الدسم الأحمش- أي هذا الزقّ المنتفخ- قبّحت من طليعة قوم. ولم يكترث أبو سفيان لسباب امرأته فعاود تحذيره: ويلكم لا تغرنّكم هذه من أنفسكم، فإنّه قد جاءكم ما لا قبل لكم به. فمن دخل دار أبي سفيان فهو امن. قالوا: قاتلك الله؟ وما تغني عنّا دارك؟ قال: ومن أغلق عليه بابه فهو امن، ومن دخل المسجد فهو امن، فتفرّق الناس إلى دورهم وإلى المسجد. وأصبحت (أم القرى) وقد قيّد الرعب حركاتها، واسترخت تجاه القدر المنساق إليها، فاختفى الرجال وراء الأبواب الموصدة، أو اجتمعوا في المسجد الحرام يرقبون مصيرهم وهم واجمون.

وقد قيّد الرعب حركاتها، واسترخت تجاه القدر المنساق إليها، فاختفى الرجال وراء الأبواب الموصدة، أو اجتمعوا في المسجد الحرام يرقبون مصيرهم وهم واجمون.

على حين كان الجيش الزاحف يتقدّم ورسول الله ﷺ على ناقته تتوج هامته عمامة دسماء، ورأسه خفيض من شدة التخشّع لله، لقد انحنى على رحله، وبدا عليه التواضع الجمّ، حتى كاد عثنونه «١» يمسّ واسطة الرحل «٢» . إنّ الموكب الفخم المهيب الذي ينساب به حثيثا إلى جوف الحرم، والفيلق الدارع الذي يحفّ به ينتظر إشارة منه، فلا يبقى بمكة شيء امن، إنّ هذا الفتح المبين ليذكّره بماض طويل الفصول كيف خرج مطاردا؟ وكيف يعود اليوم منصورا مؤيدا..! وأيّ كرامة عظمى حفّه الله بها في هذا الصباح الميمون! وكلّما استشعر هذه النعماء ازداد لله على راحلته خشوعا وانحناء ويبدو أنّ هناك عواطف أخرى كانت تجيش في بعض الصدور. فإنّ (سعد بن عبادة) زعيم الخزرج ذكر ما فعل أهل مكة، وما فرّطوا في جنب الله، ثم شعر بزمام القوة في يده فصاح: اليوم يوم الملحمة.. اليوم تستحلّ الحرمة، اليوم أذلّ الله قريشا. وبلغت هذه الكلمة مسامع الرسول ﷺ فقال: «بل اليوم يوم تعظّم فيه الكعبة «٣» . اليوم يوم أعزّ الله فيه قريشا» ، وأمر أن ينزع اللواء من سعد، ويدفع إلى ابنه مخافة أن تكون لسعد صولة في الناس.

[دخول جيش المسلمين مكة] : وسار رسول الله ﷺ فدخل مكة من أعلاها «٤» . وأمر قادة جيشه ألا يقاتلوا

إلا من قاتلهم «١» فدخلت سائر الفرق من أنحاء مكة الاخرى. ودخل (خالد بن الوليد) من أسفل مكة. وكان هناك نفر من قريش غاظهم هذا التسليم، فتجمّعوا عند (الخندمة) يقودهم (عكرمة بن أبي جهل) و (سهيل بن عمرو) و (صفوان بن أمية) ، إلا أنّ الحقيقة الكبيرة صدمت غرورهم فبددته، فإن خالدا حصدهم حصدا، حتى لاذ القوم بالفرار، ومن طريف ما وقع أنّ (حماس بن خالد) من قبيلة بني بكر، كان قد أعدّ سلاحا لمقاتلة المسلمين، وكانت امرأته إذا رأته يصلحه ويتعهده تسأله: لماذا تعدّ ما أرى؟ فيقول: لمحمد وأصحابه، وقالت امرأته له يوما: والله ما أرى أنّه يقوم لمحمد وصحبه شيء! فقال: إنّي والله لأرجو أن أخدمك بعضهم ... ثم قال: إن يقبلوا اليوم فما علي علّه ... هذا سلاح كامل وألّه «٢» وذو غرارين سريع السّله فلما جاء يوم الفتح ناوش حماس هذا شيئا من قتال مع رجال عكرمة. ثم أحسّ بالمشركين يتطايرون من حوله أمام جيش خالد، فخرج منهزما حتى بلغ بيته فقال لامرأته: أغلقي عليّ الباب..!. فقالت المرأة لفارسها المعلم: فأين ما كنت تقول؟ فقال- يعتذر- لها: إنّك لو شهدت يوم الخندمه ... إذ فرّ صفوان وفرّ عكرمه وأبو يزيد قائم كالمؤتمه «٣» ... واستقبلتهم بالسيوف المسلمه يقطعن كلّ ساعد وجمجمه ... ضربا فلا تسمع إلا غمغمه لهم نهيت «٤» خلفنا وهمهمه ... لم تنطقي باللّوم أدنى كلمه!! وسكنت مكة، واستسلم سادتها وأتباعها، وعلت كلمة الله في جنباتها، ثم نهض رسول الله إلى البيت العتيق فطوّف به، وأخذ يكسّر الأصنام المصفوفة حوله، ويضربها بقوسه ظهرا لبطن، فتقع على الأرض مهشمة متناثرة. كانت هذه الحجارة- قبل ساعة- الهة مقدسة، وهي- الان- جصّ وتراب

وأنقاض، يهدمها نبيّ التوحيد وهو يقول: جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً ... [الإسراء: ٨١] «١» .

، وهي- الان- جصّ وتراب

وأنقاض، يهدمها نبيّ التوحيد وهو يقول: جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً ... [الإسراء: ٨١] «١» .

[مشاهد بعد الفتح] : ثم أمر بالكعبة ففتحت، فرأى الصّور تملؤها، وفيها صورتان لإبراهيم وإسماعيل يستقسمان بالأزلام! فقال- ساخطا على المشركين-: «قاتلهم الله، والله ما استقسما بها قطّ» «٢» ، ومحا ذلك كلّه «٣» . حتى إذا طهّر المسجد من الأوثان، أقبل على قريش، وهم صفوف صفوف، يرقبون قضاءه فيهم، فأمسك بعضادتي الباب- باب الكعبة- وهم تحته، فقال: «لا إله إلا الله واحده، صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب واحده» . ثم قال: «يا معشر قريش! ما ترون أنّي فاعل بكم؟» . قالوا: خيرا، أخ كريم وابن أخ كريم! قال: «فإنّي أقول لكم ما قال يوسف لإخوته: لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ، اذهبوا فأنتم الطلقاء» «٤» . وعند ما كان رسول الله ﷺ بالمسجد يجهز على الوثنية في عاصمتها الكبرى، اقترب منه (فضالة بن عمير) يريد أن يجد له فرصة ليقتله. فنظر إليه النبيّ ﷺ نظرة عرف بها طويته إلا أنّه في غمرة النصر الذي أكرمه الله به، لم يجد في نفسه على الرجل، بل استدعاه ثم سأله: «ماذا كنت تحدّث به نفسك؟» .

Bagian 9 dari 12