— Bagian 8 · الصخرة ضربة صدعتها، وتطاير منها شرر أضاء خلل هذا… —
Bagian 8
الصخرة ضربة صدعتها، وتطاير منها شرر أضاء خلل هذا الجو الداكن، وكبّر رسول الله ﵊ تكبير فتح، وكبّر المسلمون. ثم ضربها الثانية فكذلك، ثم الثالثة فكذلك.
تفتتت الصخرة تحت ضربات الرجل الأيّد الجلد الموصول بالسماء، الراسخ على الأرض، ونظر النبي ﷺ إلى صحبه وقد أشرق على نفسه الكبيرة شعاع من الثقة الغامرة والأمل الحلو، فقال- يحدّث صحبه عن السنا المنقدح بين حديد المعول واحدة الصخرة-: «لقد أضاء لي في الأولى قصور الحيرة ومدائن كسرى، كأنّها أنياب الكلاب، وأخبرني جبريل أنّ أمّتي ظاهرة عليها، وفي الثانية أضاء القصود الحمر من أرض الرّوم كأنّها أنياب الكلاب، وأخبرني أنّ أمتي ظاهرة عليها، وأضاء لي في الثالثة قصور صنعاء، كأنّها أنياب الكلاب، وأخبرني جبريل أنّ أمتي ظاهرة عليها فأبشروا» ، فاستبشر المسلمون، وقالوا: الحمد لله موعود صادق «١» . فلما انسابت الأحزاب حول المدينة، وضيّقوا عليها الخناق لم تطر نفوس المسلمين شعاعا، بل جابهوا الحاضر المرّ وهم موطدو الأمل في غد كريم: وَلَمَّا رَأَ الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزابَ قالُوا هذا ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَما زادَهُمْ إِلَّا إِيماناً وَتَسْلِيماً (٢٢) [الأحزاب] . أما الواهنون والمرتابون ومرضى القلوب فقد تندّروا بأحاديث الفتح، وظنوها أماني المغرورين، وقالوا عن رسول الله ﷺ: يخبركم أنه يبصر من يثرب قصور الحيرة ومدائن كسرى، وأنتم تحفرون الخندق لا تستطيعون أن تبرزوا. وفيهم قال الله تعالى: وَإِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً (١٢) [الأحزاب] . إنّ معركة الأحزاب لم تكن معركة خسائر بل معركة أعصاب. فقتلى الفريقين من المؤمنين والكفار يعدون على الأصابع، ومع تلك الحقيقة فهي من أحسن المعارك في تاريخ الإسلام؛ إذ إن مصير هذه الرسالة
ر بل معركة أعصاب. فقتلى الفريقين من المؤمنين والكفار يعدون على الأصابع، ومع تلك الحقيقة فهي من أحسن المعارك في تاريخ الإسلام؛ إذ إن مصير هذه الرسالة
العظمى كان فيها أشبه بمصير رجل يمشي على حافة قمة سامقة، أو حبل ممدود، فلو اختلّ توازنه لحظة؛ وفقد السيطرة على موقفه؛ لهوى من مرتفعه إلى واد سحيق، ممزّق الأعضاء، ممزّع الأشلاء! ولقد أمسى المسلمون وأصبحوا فإذا هم كالجزيرة المنقطعة وسط طوفان يتهددها بالغرق ليلا أو نهارا. وبين الحين والحين يتطلع المدافعون هل اقتحمت خطوطهم في ناحية ما من منطقة الدفاع؟ وكان المشركون يدورون حول المدينة غضابا يتحسّسون نقطة لينحدروا منها فينفسوا عن حنقهم المكتوم، ويقطّعوا أوصال هذا الدين الثائر. وعرف المسلمون ما يتربّص بهم وراء هذا الحصار، فقرروا أن يرابطوا في مكانهم ينضحون بالنبل كل مقترب، ويتحمّلون لأواء هذه الحراسة التي تنتظم السهل والجبل، وتتسع ثغورها يوما بعد يوم، وهم كما وصف الله تعالى: إِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (١٠) هُنالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزالًا شَدِيداً (١١) [الأحزاب] . وكره فوارس من قريش أن يقفوا حول المدينة على هذا النحو، فإنّ فرض الحصار وترقّب نتائجه ليس من شيمهم، فخرج عمرو بن عبد ودّ، وعكرمة بن أبي جهل، وضرار بن الخطاب، وأقبلوا تعنق بهم خيلهم، حتى وقفوا على حافة الخندق، فلما رأوه قالوا: والله إنّ هذه لمكيدة ما كانت العرب تكيدها. ثم تيمموا مكانا ضيقا من الخندق، وضربوا خيلهم فاقتحمته، وأحس المسلمون الخطر المقترب؛ فأسرع فرسانهم يسدّون هذه الثغرة يقودهم علي بن أبي طالب. وقال علي لعمرو بن عبد ود- وهو فارس شجاع معلم-: يا عمرو إنك عاهدت الله لا يدعوك رجل من قريش إلى إحدى خلتين إلا أخذتها منه. قال: أجل، فقال علي:
ي طالب. وقال علي لعمرو بن عبد ود- وهو فارس شجاع معلم-: يا عمرو إنك عاهدت الله لا يدعوك رجل من قريش إلى إحدى خلتين إلا أخذتها منه. قال: أجل، فقال علي: فإني أدعوك إلى الله وإلى رسوله وإلى الإسلام! قال عمرو: لا حاجة لي بذلك، قال علي: فإني أدعوك إلى النزال، فأجاب عمرو: ولم يا بن أخي؟ فو الله ما أحبّ أن أقتلك استصغارا لشأنه- قال علي: لكنّي والله أحبّ أن أقتلك! فحمي عمرو، واقتحم عن فرسه، فعقره، وضرب وجهه، ثم أقبل على علي، فتنازلا وتجاولا، فقتله علي، وخرجت خيل المشركين من الخندق منهزمة حتى اقتحمته هاربة. وكان الأولاد في البيوت يرقبون جهاد المدافعين، وحركاتهم السريعة لصد العدوان في مظانه، فعن عبد الله بن الزبير قال: جعلت يوم الخندق مع النساء
والصبيان في الأطم، ومعي عمر بن أبي سلمة، فجعل يطأطئ لي، فأصعد على ظهره فأنظر. قال: فنظرت إلى أبي وهو يحمل مرة هنا ومرة هاهنا، فما يرتفع له شيء إلا أتاه، فلمّا أمسى وجاءنا إلى الأطم قلت: يا أبت، رأيتك اليوم وما تصنع، قال: رأيتني يا بني؟! قلت: نعم. قال الزبير- مدللا ولده-: فدى لك أبي وأمي. في هذه الاونة العصيبة جاءت الأخبار أنّ بني قريظة نقضوا معاهدتهم مع رسول الله ﷺ وانضمّوا إلى كتائب الأحزاب التي تحدق بالمدينة. وذلك أن حيي بن أخطب- أحد النفر الذين حرّضوا قريشا وسائر العرب على حرب الإسلام- جاء إلى كعب بن أسد- سيد بني قريظة- وقرع عليه بابه، وكان كعب عند قدوم الأحزاب قد أغلق أبوابه، ومنع حصونه، وقرر أن يوفي بالعهد الذي بينه وبين المسلمين، فلا يعين عليهم خصما- وليته بقي على هذا العزم- إلا أنّ حييا لزم الباب وهو يصرخ بكعب: ويحك افتح لي، فقال له كعب: إنّك امرؤ مشؤوم، وإنّي قد عاهدت محمّدا فلست بناقض ما بيني وبينه، ولم أر منه إلا وفاء وصدقا! قال حيي: ويحك افتح لي أكلمك، قال: ما أنا بفاعل، فقال حيي: والله إن أغلقت بابك دوني إلا خوفا على جشيشتك أن اكل معك منها!. فأحفظ الرجل ففتح له.. ودخل حيي يقول: ويحك يا كعب، جئتك بعز الدهر وبحر طامّ! قال: وما ذاك؟ قال: جئتك بقريش على سادتها وقادتها، حتى أنزلتهم بمجتمع الأسيال من (رومة) . وبغطفان على سادتها وقادتها حتى أنزلتهم إلى جانب (أحد) قد عاقدوني وعاهدوني على ألايبرحوا حتى يستأصلوا محمدا ومن معه. قال كعب: جئتني- والله- بذلّ الدهر، وبجهام قد هراق ماؤه، فهو يرعد ويبرق، وليس فيه شيء، دعني وما أنا عليه، فإنّي لم أر من محمد إلا وفاء وصدقا!!. وتدخل اخرون فقالوا: إذا لم تنصروا محمدا كما يقضي الميثاق- فدعوه وعدوّه. بيد أنّ حييا استطاع أن يقنع سائر اليهود بوجهة نظره، وأن يزيّن لهم الغدر
ا!!. وتدخل اخرون فقالوا: إذا لم تنصروا محمدا كما يقضي الميثاق- فدعوه وعدوّه. بيد أنّ حييا استطاع أن يقنع سائر اليهود بوجهة نظره، وأن يزيّن لهم الغدر
في هذه الساعة الحرجة، وأن يضمّهم إلى المشركين في قتالهم الذي أعلنوه، وجعلوا الغاية منه ألا يبرحوا حتى يستأصلوا محمّدا ومن معه، ومضيّا في هذه الخطة الجائرة الخسيسة أحضرت بنو قريظة الصحيفة التي كتب فيها الميثاق فمزّقتها، فلما بعث النبي ﵊ رجاله ليستجلوا موقف بني قريظة بإزاء عدوان الأحزاب قالوا: من رسول الله؟ لا عهد بيننا وبين محمد!. وحاول سعد بن معاذ أن يذكّرهم بعقدهم فتصامّوا عنه. فلمّا خوّفهم عقبى الغدر، وذكر لهم مصير بني النضير، قالوا له: أكلت ذكر أبيك. وتبيّن أنّ حرص بني قريظة الأول على التزام العهد كان خوفا من عواقب الغدر فقط، فلما ظنت أن المسلمين أحيط بهم من كل جانب، وأنّها لن تؤاخذ على خيانة، أسفرت عن خيانتها، وانضمت إلى المشركين المهاجمين. ووجم المسلمون حين عادت رسلهم تحمل هذه الأنباء المقلقة، وربت مشاعر الكره في صدورهم لأولئك اليهود؛ حتى لأصبحوا أشوه أمام أعينهم من عبّاد الأصنام، ووعوا أتم الوعي أن بني إسرائيل أقدموا على قرارهم هذا وهم يعلمون معناه وعقباه، يعلمون أنه محاولة متعمدة للإجهاز على هذه الأمة ودينها، وتسليمها إلى من يقتل رجالها، ويسترق نساءها، ويبيع ذراريها في الأسواق. وتقنّع الرسول ﵊ بثوبه حين أتاه غدر بني قريظة، فاضطجع، ومكث طويلا، حتى اشتدّ على الناس البلاء، ثم غلبته روح الأمل، فنهض يقول: «أبشروا بفتح الله ونصره» ! وفكر في أن يردّ عن المدينة بعض القبائل التي فرضت الحصار لقاء ثلث الثمار يبذله لها ويتقي به شرها، وكاد يصل في مفاوضاته مع قواد غطفان إلى هذا الحل. ولكن سادة الأوس والخزرج عزّ عليهم أن يرضوا به، وقدّروا للنبي ﵊ شفقته عليهم، وألمه لاجتماع العرب ضدّهم؛ بيد أنهم قالوا: ما لنا بهذا من حاجة، والله لا نعطيهم إلا السيف، حتى يحكم الله بيننا وبينهم، وطال الحصار. قال موسى بن عقبة: وأحاط المشركون بالمسلمين، حتى جعلوهم في مثل الحصن من كتائبهم، فحاصروهم قريبا من عشرين ليلة، وأخذوا بكلّ ناحية حتى
هم، وطال الحصار. قال موسى بن عقبة: وأحاط المشركون بالمسلمين، حتى جعلوهم في مثل الحصن من كتائبهم، فحاصروهم قريبا من عشرين ليلة، وأخذوا بكلّ ناحية حتى
لا يدرى أثمّ هم أم لا؟ - هل احتلوا البلد أم لا؟ - قال: ووجهوا نحو مكان رسول الله ﷺ كتيبة غليظة، فقاتلها المسلمون يوما إلى الليل، فلما حانت صلاة العصر دنت الكتيبة- من المكان- فلم يقدر النبيّ ﵊ ولا أحد من أصحابه أن يصلّوا الصلاة على نحو ما أرادوا. وانكفأت الكتيبة المشركة مع الليل، فزعموا أن رسول الله ﷺ قال: «شغلونا عن صلاة العصر ملأ الله بطونهم وقلوبهم نارا» «١» . فلما اشتد البلاء نافق ناس كثير، وتكلموا بكلام قبيح. ورأى رسول الله ما بالناس من البلاء والكرب، فجعل يبشّرهم ويقول: «والّذي نفسي بيده ليفرجنّ عنكم ما ترون من الشّدّة! وإنّي لأرجو أن أطوف بالبيت العتيق امنا، وأن يدفع الله إليّ مفاتيح الكعبة! وليهلكنّ الله كسرى وقيصر، ولتنفقنّ كنوزهما في سبيل الله» «٢» . ووقع ثقل المقاومة على أصحاب الإيمان الراسخ والنجدة الرائعة، كان عليهم أن يكبتوا مظاهر القلق التي انبعثت وتكاثرت في النفوس الخوّارة الهلوع، وأن يشيعوا موجة من الإقدام والشجاعة تغلب أو توقف نزعات الجبن والتردد التي بدت هنا وهنالك، وطبائع النفوس تتفاوت تفاوتا كبيرا لدى الأزمات العضوض. منها الهشّ الذي سرعان ما يذوب، ويحمله التيار معه كما تحمل المياه الغثاء والأوحال. ومنها الصلب الذي تمر به العواصف المجتاحة، فتنكسر حدّتها على متنه وتتحول رغوة خفيفة وزبدا. أجل! من الناس من يهجم على الشدائد ليأخذها قبل أن تأخذه، وعلى لسانه قول الشاعر: تأخّرت أستبقي الحياة فلم أجد ... لنفسي حياة مثل أن أتقدّما ومنهم من إذا مسّه الفزع طاش لبه، فولّى الأدبار، وكلّما هاجه طلب الحياة وحبّ البقاء أوغل في الفرار.
وقد نعى القران الكريم على هذا الصنف الجزوع موقفه في معركة الأحزاب فقال: قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذاً لا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا (١٦) قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرادَ بِكُمْ سُوءاً أَوْ أَرادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً (١٧) [الأحزاب] . وعند ما حاولت قريش اقتحام الخندق، وعند ما حاولت احتلال موقع النبي ﷺ وعند ما عجمت عود المرابطين تبحث عن نقطة رخوة؛ لتثب منها إلى قلب المدينة، كان أولئك المؤمنون الراسخون سراعا إلى داعي الفداء، يجيئون من كل صوب، ليستيقن العدوّ أنّ دون مرامه الأهوال. روى ابن إسحاق أنّ عائشة أم المؤمنين كانت في حصن بني حارثة يوم الخندق، وكان من أحرز حصون المدينة، وكانت أمّ سعد بن معاذ معها في الحصن. قالت عائشة: وذلك قبل أن يضرب علينا الحجاب. فمرّ (سعد) وعليه درع مقلصة خرجت منها ذراعه كلها، وفي يده حربته يرقل بها ويقول: لبّث قليلا يشهد الهيجا حمل «١» ... لا بأس بالموت إذا حان الأجل فقالت له أمه: الحق يا بنيّ فقد- والله- أخرت.. فقالت عائشة: فقلت لها: يا أم سعد! والله لوددت أنّ درع سعد كانت أسبغ مما هي. قالت: وخفت عليه حيث أصاب السهم منه، فرمي سعد بن معاذ بسهم قطع منه الأكحل. ويظهر أنّ جراحة (سعد) كانت شديدة، وليس سعد بالرجل الذي يهاب المنايا، ولكنّه عميق الرغبة في متابعة الجهاد، حتى يستقرّ أمر الإسلام وتنكس راية خصومه. فدعا الله قائلا: اللهم إن كنت أبقيت من حرب قريش شيئا فأبقني لها، فإنّه لا قوم أحبّ إلي أن أجاهداهم من قوم اذوا رسولك، وكذّبوه وأخرجوه، وإن كنت وضعت الحرب بيننا وبينهم، فاجعلها لي شهادة، ولا تمتني حتى تقرّ عيني من بني قريظة.
وم أحبّ إلي أن أجاهداهم من قوم اذوا رسولك، وكذّبوه وأخرجوه، وإن كنت وضعت الحرب بيننا وبينهم، فاجعلها لي شهادة، ولا تمتني حتى تقرّ عيني من بني قريظة.
ودعوة سعد الأخيرة تصوّر مبلغ ما انطوت عليه قلوب المسلمين من غيظ لخيانة يهود، وتمزيقها المعاهدة القائمة. ومسلك بني إسرائيل بإزاء المعاهدات التي أمضوها قديما وحديثا يجعلنا نجزم بأنّ القوم لا يدعون خستهم أبدا، وأنهم يرعون المواثيق ما بقيت هذه المواثيق متمشية مع أطماعهم ومكاسبهم وشهواتهم، فإذا أوقفت تطلّعهم الحرام نبذوها نبذ النواة، ولو تركت الحمير نهيقها، والأفاعي لدغها، ما ترك اليهود نقضهم للعهود. وقد نبّه القران إلى هذه الخصلة الشنعاء في بني إسرائيل، وأشار إلى أنّها أحالتهم حيوانات لا أناسي، فقال: إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (٥٥) الَّذِينَ عاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لا يَتَّقُونَ (٥٦) [الأنفال] . ونقل سعد إلى خيمة بالمسجد لتقوم على تمريضه إحدى المؤمنات الماهرات. وجاء المسلمون إلى رسول الله ﷺ يسألونه: هل من شيء نقوله؟ فقد بلغت القلوب الحناجر! قال: «نعم؛ اللهمّ استر عوراتنا، وامن روعاتنا» «١» . وعن عبد الله بن أوفى: دعا رسول الله ﷺ على الأحزاب فقال: «اللهم منزل الكتاب، سريع الحساب، اهزم الأحزاب، اللهم اهزمهم، وانصرنا عليهم» » . والله ﵎ لا يقبل الدعاء من متواكل كسول، وما يستمع لشيء استماعه لهتاف مجتهد أن يبارك له سعيه أو دعاء صابر أن يجمّل له العاقبة. وقد أفرغ المسلمون جهداهم في الدفاع عن رسالتهم ومدينتهم حتى لم يبق في طوق البشر مدّخر، فبقي أن تتدخل العناية العليا لتقمع صعر الظالم وتقيم جانب المظلوم. ومن ثمّ أخذ سير المعركة يتطور على نحو لا يدرك الناس كنهه. وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ وَما هِيَ إِلَّا ذِكْرى لِلْبَشَرِ [المدثر: ٣١] .
من ثمّ أخذ سير المعركة يتطور على نحو لا يدرك الناس كنهه. وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ وَما هِيَ إِلَّا ذِكْرى لِلْبَشَرِ [المدثر: ٣١] .
ضاق الأعراب النازلون بالعراء ذرعا لهذا المقام الغريب، لقد خيّموا حول أطراف يثرب أياما لا تؤذن بدايتها بانتهاء، وهم لم يجيئوا ليستنفدوا قواهم أمام خندق صعب الاجتياز، وجبال رابط المسلمون أمامها، واستقتلوا دون أن يقترب أحد منها.. ثم إنّ الجوّ اغبرت أرجاؤه، وترادفت أنواؤه، وهبّت الرياح نكباء موحشة الصفير، تكاد في هبوبها تطوي الخيام المبعثرة، وتطير بها في الافاق!. والصلة بين أولئك الحلفاء لا تغري بدوام الثقة، إنّ غطفان وقبائل نجد أقبلت يحدوها السلب والنهب، وهي قد قبلت العودة من حيث أتت عند ما أغريت ببعض ثمار المدينة لولا أن المسلمين كبر عليهم أن يطعموهم منها رهبا. وماذا صنعت بنو قريظة؟ نقضت الموثق، ونكصت عن الهجوم منتظرة من العرب أن يقوموا هم به!. إنّ يهوديا خرج يطوف بحصن للمسلمين، فنزلت إليه صفية بنت عبد المطلب فقتلته، ولا غرو، فهي أخت حمزة!. وتلفّت أبو سفيان يمنة ويسرة، يتطلّب عونا على ما يبغي فلا يرى مأمنا، مما أوقع الوهن في قلبه وفي صفوف قريش معه. وكان رسول الله ﷺ يعرف هذا التصدّع الخفي في صفوف الأحزاب؟ فاجتهد أن يبرزه، ويوسّع شقته، ويستغله لجانبه، فلما جاء (نعيم بن مسعود) مسلما، أوصاه أن يكتم إسلامه وردّه على المشركين يوقع بينهم، وقال له: «إنما أنت فينا رجل واحد، فخذّل عنا إن استطعت، فإنّ الحرب خدعة» . فخرج (نعيم) حتى أتى بني قريظة- وكان لهم نديما في الجاهلية- فقال: يا بني قريظة! قد عرفتم ودّي إياكم، وخاصة ما بيني وبينكم، قالوا: صدقت، لست عندنا بمتّهم، فقال لهم: إن قريشا وغطفان ليسوا كأنتم، البلد بلدكم، فيه أموالكم وأبناؤكم ونساؤكم، لا تقدرون على أن تحوّلوا منه إلى غيره، وإنّ قريشا وغطفان قد جاؤوا لحرب محمد وأصحابه، وقد ظاهرتموهم عليه، وبلدهم وأموالهم ونساؤهم بغيره، فليسوا كأنتم، فإن رأوا نهزة أصابوها، وإن كان غير ذلك لحقوا ببلادهم، وخلّوا بينكم وبين الرجل ببلدكم، ولا طاقة لكم به إن خلا
بكم، فلا تقاتلوا مع القوم حتى تأخذوا منهم رهنا من أشرافهم، يكونون بأيديكم، ثقة لكم على أن تقاتلوا معهم محمدا حتى تناجزوه. فقالوا له: لقد أشرت بالرأي. ثم خرج حتى أتى قريشا فقال لأبي سفيان ومن معه: قد عرفتم ودّي لكم وفراقي محمدا، وإنّه قد بلغني أمر رأيت عليّ حقا أن أبلغكموه نصحا لكم، فاكتموا عنّي، فقالوا: نفعل، قال: تعلموا أنّ معشر يهود قد ندموا على ما صنعوا فيما بينهم وبين محمّد، وقد أرسلوا إليه: إنّا قد ندمنا على ما فعلنا، فهل يرضيك أن نأخذ لك من القبيلتين- قريش وغطفان- رجالا من أشرافهم فنعطيكهم، فتضرب أعناقهم؟ ثم نكون معك على من بقي منهم، حتّى نستأصلهم؟ فأرسل إليهم: أن نعم. فإن بعثت إليكم يهود يلتمسون منكم رهنا من رجالكم، فلا تدفعوا إليهم منكم رجلا واحدا. ثم خرج حتى أتى غطفان، فقال: يا معشر غطفان إنكم أصلي وعشيرتي وأحبّ الناس إليّ، ولا أراكم تتهمونني، قالوا: صدقت، ما أنت عندنا بمتهم، قال: فاكتموا عني، قالوا: نفعل، ثم قال لهم مثل ما قال لقريش، وحذّرهم مثل ما حذّرهم. فلما كانت ليلة السبت من شوال سنة خمس، كان من صنع الله لرسوله أن أرسل أبو سفيان ورؤوس غطفان إلى بني قريظة عكرمة بن أبي جهل في نفر من قريش وغطفان، فقالوا لهم: إنا لسنا بدار مقام، قد هلك الخفّ والحافر، فاغدوا للقتال حتى نناجز محمدا، ونفرغ مما بيننا وبينه، فأرسلوا إليهم: أنّ اليوم يوم السبت، وهو يوم لا نعمل فيه شيئا، وقد كان أحدث فيه بعضنا حدثا، فأصابه ما لم يخف عليكم، ولسنا مع ذلك بالذين نقاتل معكم محمدا حتى تعطونا رهنا من رجالكم، يكونون بأيدينا ثقة لنا، حتى نناجز محمدا، فإنا نخشى- إن ضرستكم الحرب واشتدّ عليكم القتال- أن تنشمروا إلى بلادكم، وتتركونا والرجل في بلدنا، ولا طاقة لنا بذلك منه. فلما رجعت إليهم الرسل بما قالت بنو قريظة، قالت قريش وغطفان: والله إن الذي حدثكم نعيم بن مسعود لحقّ، فأرسلوا إلى بني قريظة: إنا والله لا ندفع إليكم رجلا واحدا من رجالنا، فإن كنتم تريدون القتال فاخرجوا فقاتلوا، فقال بنو قريظة- حين انتهت الرسل إليهم بهذا-: إنّ الذي ذكر لكم نعيم لحق، ما يريد
إليكم رجلا واحدا من رجالنا، فإن كنتم تريدون القتال فاخرجوا فقاتلوا، فقال بنو قريظة- حين انتهت الرسل إليهم بهذا-: إنّ الذي ذكر لكم نعيم لحق، ما يريد
القوم أن يقاتلوا، فإن رأوا فرصة انتهزوها، وإن كان غير ذلك انشمروا إلى بلادهم «١» . وهكذا أفلح المسلمون في فصم عرى التحالف بين الأحزاب المجتمعة عليهم، فما مضت أسابيع ثلاثة على ذلك الحصار المضروب حتى دبّ القنوط والتخاذل في صفوف المهاجمين؛ على حين بقيت جبهة المدافعين سليمة لم تثلم. وفي ليلة شاتية عاتية لفحت سبراتها الوجوه والجلود، وأقعدت الرّجال في أماكنهم ينشدون الدفء، ويفرّون من القرّ المتساقط على الصخور والرمال، اتجهت نيات القوم إلى اتخاذ قرار حاسم في هذا القتال الفاشل!. وكأنّما كان زئير الرياح الهوج سوطا يلهب المهاجمين، حتى لا يتوانوا في الخلاص من هذا الموقف، ونظر رسول الله ﷺ من وراء أسوار المدينة، وحوله أصحابه جاثمون في مكامنهم يرمقون الأفق بحذر، ويرقبون الغيب بأمل، والظلام البارد الثقيل يرين على كلّ شيء في الصحراء المترامية. قال حذيفة بن اليمان: رأيتنا ليلة الأحزاب ونحن صافون قعود، وأبو سفيان ومن معه فوقنا، وبنو قريظة أسفل منّا، نخافهم على ذرارينا، وما أتت علينا ليلة قط أشدّ ظلمة ولا أشدّ ريحا منها، تطن في رياحها أصوات أمثال الصواعق، وما يتستطيع أحدنا أن يرى إصبعه من قتامها السائد، ولم يكن عليّ جنّة من العدو ولا من البرد إلا مرط لامرأتي، لا يجاوز ركبتي، فأتاني الرسول ﷺ وأنا جاث على الأرض فقال: «من هذا؟» فقلت: حذيفة، فقال: «حذيفة؟» فتقاصرت في موضعي وأنا أقول: بلى يا رسول الله- كراهية أن أقوم! - فندبني لما يريد، وقال: «إنّه كائن في القوم خبر فأتني به» . فخرجت، وأنا أشدّ الناس فزعا وأشدهم قرّا، فدعا لي بخير، فمضيت لشأني كأنّما أمشي في حمّام- إنّها حرارة الإيمان، وحماسة الطاعة جعلت الرجل يغلب بعاطفته المتقدة قسوة الجو.
لناس فزعا وأشدهم قرّا، فدعا لي بخير، فمضيت لشأني كأنّما أمشي في حمّام- إنّها حرارة الإيمان، وحماسة الطاعة جعلت الرجل يغلب بعاطفته المتقدة قسوة الجو.
قال حذيفة: وأوصاني الرسول ﷺ حين ولّيت- ألّا أحدث في القوم حدثا حتى اتيه، فلما دنوت من معسكر القوم، نظرت ضوء نار توقد، وإذا رجل أدهم ضخم يمد يديه إلى النار مستدفئا، ويمسح خاصرته، ويقول: الرحيل الرحيل، ولم أكن أعرف أبا سفيان قبل ذلك، فوضعت سهما في كبد قوسي وأردت أن أرميه، ثم ذكرت وصاة رسول الله ﷺ فأمسكت، ولو رميته لأصبته. وأحسست عصف الريح في جنبات المعسكر، لا تقرّ قدرا ولا نارا ولا بناء، ثم قال أبو سفيان: يا معشر قريش إنّكم والله ما أصبحتم بدار مقام، قد هلك الكراع والخفّ، وأخلفتنا بنو قريظة، وبلغنا عنهم الذي نكره، ولقينا من شدة الريح ما ترون، ما تطمئن لنا قدر، ولا تقوم لنا نار، ولا يستمسك لنا بناء، فارتحلوا فإنّي مرتحل، ثم قام إلى جمله وهو معقول، فجلس عليه، ثم ضربه فوثب به على ثلاث، فو الله ما أطلق عقاله إلا وهو قائم ... «١» . ورجع حذيفة إلى النبيّ ﷺ يقصّ عليه ما رأى ... وطلع النهار فإذا ظاهر المدينة خلاء.. ارتحلت الأحزاب، وانفكّ الحصار، وعاد الأمن، ونجح الإيمان في المحنة!. وهتف رسول الله ﷺ يقول: «لا إله إلّا الله واحده، صدق وعده، ونصر عبده، وأعزّ جنده، وهزم الأحزاب واحده، فلا شيء بعده..!» «٢» .
رجعت الطمأنينة إلى النفوس، وظهرت خيبة الأحزاب بعد ما أقبلت من كل فجّ لتجتاح يثرب، وظهرت صلابة المسلمين في مواجهة الأزمات المرهقة. ولذلك قال رسول الله ﷺ بعد هذه النتيجة الباهرة-: «الان نغزوهم ولا يغزوننا ... » «١» .
مع بني قريظة انفضت حشود الأحزاب حول المدينة، وعادت المطيّ بها من حيث أتت تذرع رحاب الصحراء، وليست تحمل معها إلا الفشل والخيبة، وبقي يهود بني قريظة واحدهم، أو بقوا وبقيت غدرتهم، التي فضحت طواياهم، فأصبحوا وأمسوا أشبه بالمجرم الذي ثبتت إدانته، فهو يرقب- بوجه كالح- قصاص العدالة منه. وكانت مشاعر التغيّظ في أفئدة المسلمين نحو أولئك اليهود قد بلغت ذروتها، إنّهم هم الذين استخرجوا العرب استخراجا، واستقدموهم إلى دار الهجرة ليجتاحوها من أقطارها، ويستأصلوا المسلمين فيها. إن جراحات المسلمين لطردهم من ديارهم، ومطاردتهم في عقيدتهم، واستباحة أموالهم ودمائهم لكلّ ناهب ومغتال، لمّا تندمل بعد، بل لن تندمل أبدا، فكيف ساغ لأولئك الخونة من بني إسرائيل أن يرسموا بأنفسهم الخطة لإهلاك الإسلام وأبنائه على هذا النحو الذليل؟. ثم ما الذي يجعل بني قريظة خاصة- وهم لم يروا في جوار محمد ﷺ إلا البر والوفاء- يستديرون بأسلحتهم منضمين إلى أعداء الإسلام، كي يشركوهم في قتل المسلمين وسلبهم؟. وها قد دخل في حصونهم حيي بن أخطب رأس العصابة التي طافت بمكة ونجد، تحرّض الأحزاب على الله ورسوله، وتزعم أنّ الوثنية أفضل من التوحيد!!. لذلك، ما إن وثق المسلمون من منصرف الأحزاب عن المدينة حتى أمر رسول الله ﷺ مؤذّنا فأذّن في الناس: «من كان سامعا مطيعا فلا يصلينّ العصر إلا في بني قريظة» «١» .
إن وثق المسلمون من منصرف الأحزاب عن المدينة حتى أمر رسول الله ﷺ مؤذّنا فأذّن في الناس: «من كان سامعا مطيعا فلا يصلينّ العصر إلا في بني قريظة» «١» .
والأذان للقتال في هذه الضحوة المشرقة بالظفر والنجاة قرع مسامع المسلمين نديّا جليا، فهم في غمرة من الشعور بتأييد الله وملائكته لهم، أين هم اليوم مما كانوا عليه بالأمس القريب؟ إنّهم مدينون بحياتهم وكرامتهم للعناية العليا واحدها ... أمّا خصومهم، فإنّ قوى الكون المسخّر بإذن الله هي التي فضّت جموعهم وفلّت حدودهم. فلا غرو إذا قال رسول الله ﷺ للمؤمنين- محدّثا عن الرّوح الأمين-: «ما وضعت الملائكة السّلاح بعد.. إنّ الله يأمرك يا محمّد بالمسير إلى بني قريظة، فإنّي عامد إليهم فمزلزل بهم» «١» . وقد صدع الرسول ﷺ بالأمر، وشدّد على المسلمين أن يسارعوا في إنفاذه. روى البيهقي أنّ رسول الله ﷺ قال لأصحابه: «عزمت عليكم ألاتصلّوا العصر حتى تأتوا بني قريظة» ، فغربت الشمس قبل أن يأتوهم، فقالت طائفة من المسلمين: إنّ رسول الله لم يرد أن تدعوا الصلاة، فصلّوا. وقالت طائفة: والله إنا لفي عزيمة رسول الله، وما علينا من إثم، فصلّت طائفة إيمانا واحتسابا، وتركت طائفة إيمانا واحتسابا، ولم يعنّف رسول الله واحدا من الفريقين «٢» . وذلك يمثّل احترام الإسلام لاختلاف وجهات النظر ما دامت عن اجتهاد بريء سليم، والنّاس غالبا أحد رجلين: رجل يقف عند حدود النصوص الظاهرة لا يعدوها، ورجل يتبيّن حكمتها ويستكشف غايتها، ثم يتصرّف في نطاق ما وعى من حكمتها وغايتها، ولو خالف الظاهر القريب. وكلا الفريقين يشفع له إيمانه واحتسابه؛ سواء أصاب الحق أو ندّ عنه. ومن العلماء من أهدر الوقت المعيّن للصلاة بعذر القتال، وذلك مذهب البخاري وغيره، وهذا- عندي- أدنى إلى الصواب. فإنّ ترتيب الواجبات المنوطة بأعناق العباد من أهمّ ما يحدّد رسالة المسلم في الحياة، بل إنّه لا يفهم دينه فهما صحيحا إلا إذا فقه هذا الترتيب المطلوب.
فإنّ ترتيب الواجبات المنوطة بأعناق العباد من أهمّ ما يحدّد رسالة المسلم في الحياة، بل إنّه لا يفهم دينه فهما صحيحا إلا إذا فقه هذا الترتيب المطلوب.
إنّ الإسلام تعاليم وأعمال شتى، فيها الفرائض وفيها النوافل. ولا بدّ أن نعلم أنّ الله لا يقبل نافلة حتى تؤدّى الفريضة، فالرجل الذي يستكثر من أعمال التطوع في الوقت الذي يهمل فيه فرائض لازمة رجل ضالّ. والفرائض المطلوبة لحفظ الإيمان كالأغذية المطلوبة لحفظ الجسم. وكما أنّ الجسم لا يقوم بالمواد النشوية واحدها، أو الزلالية واحدها، بل لا بد من استكمال جمل منوعة من الغذاء، وإلا تعرض الجسم لعلل قد تنهكه أو تقتله؛ فكذلك الدين؛ إنه لا قيام له في كيان الفرد أو في صفوف الجماعة إلّا بجملة من الفرائض الملونة، تصون حياته، وتضمن عافيته ونماءه. وعلى المسلم أن يقسّم وقته، وأن ينظّمه على هذه الفرائض المطلوبة، فلا يشغله واجب عن واجب، وبالأحرى لا تشغله نافلة عن واجب!. وقد رأى رسول الله ﷺ أن مباغتة بني قريظة قبل أن يستكملوا عدتهم ويقوّوا حصونهم، هو الواجب الأول في تلك الساعة، فلا ينبغي أن ينشغل المسلم عنه ولو بالصلاة. فحدود وقت الصلاة تذوب أمام ضرورات القتال. وتستطيع- على ضوء هذا الإرشاد النبوي- أن تحكم على مسالك المسلمين اليوم؛ إنّ المدرس الذي ينشغل عن تعليم تلامذته، والتاجر الذي ينشغل عن تثمير ثروته، والموظّف الذي ينشغل عن أداء عمله، لا يقبل الله من أحدهم عذرا أبدا في تضييع هذه الفرائض، ولو كان أحدهم قد عاقه عن واجبه أنه صلّى مئة ركعة، أو قرأ ألف اية، أو عدّ أسماء الله الحسنى سبعين ألف مرة، كما يفعل جهّال المتصوفة؛ ذلك أنّه انشغال عن الفرائض المطلوبة بنوافل لم تطلب، وتعطيل لأمة يستحيل أن تنهض إلا إذا أجهدت نفسها في محاربة جهلها وفقرها وفوضاها. والجهاد العام فريضة لا يغضّ من قدرها شيء، ولا يزاحمها على وقتها عبادة كما رأيت.
[علي بن أبي طالب ﵁ يحمل راية المسلمين] : حمل راية المسلمين إلى حصون قريظة عليّ بن أبي طالب، واستبق المسلمون يحتشدون حولها، حتى إذا اقترب الجيش من منازل اليهود كان القوم
لا يزالون على غوايتهم، فقد نظروا إلى المسلمين ثم سبّوا رسول الله ونساءه سبّا قبيحا. فرأى عليّ أن يصرف النبيّ ﷺ بعيدا عن أولئك السفهاء، فاعترض طريقة وهو مقبل قائلا: يا رسول الله! لا عليك أن تدنو من هؤلاء الأخابث، فقال: «لم؟ أظنّك سمعت لي منهم أذى؟» قال: نعم يا رسول الله! قال: «لو رأوني لم يقولوا من ذلك شيئا» . فلما دنا من حصونهم قال: «يا إخوان القردة، هل أخزاكم الله وأنزل بكم نقمته؟» «١» قالوا: يا أبا القاسم! ما كنت جهولا. هذه خلال اليهود، يسفهون إذا أمنوا، ويقتلون إذا قدروا، ويذكّرون الناس بالمثل العليا إذا وجلوا؛ ليستفيدوا منها واحدهم لا لشيء اخر. أما العهود، فهي اخر شيء في الحياة يقفون عنده. على أنّ سفاهتهم لم تغنهم، فقد أحكم المسلمون الحصار عليهم، وأمسكوا بخناقهم فاستيقن القوم أنّ الاستسلام لا محيص عنه، وامتلأت قلوبهم باليأس والفزع. قال (كعب) سيد بني قريظة: يا معشر يهود! قد نزل بكم من الأمر ما ترون، وإنّي عارض عليكم خلالا ثلاثا، فخذوا أيها شئتم، قالوا: وما هي؟. قال نتابع هذا الرجل ونصدّقه، فو الله لقد تبيّن لكم أنّه لنبيّ مرسل، وأنه للّذي تجدونه في كتابكم، فتأمنون به على دمائكم وأموالكم وأبنائكم ونسائكم. قالوا: لا نفارق حكم التوارة أبدا، ولا نستبدل به غيره. قال: فإذا أبيتم عليّ فهلمّ فلنقتل أبناءنا ونساءنا، ثم نخرج إلى محمّد وأصحابه رجالا مصلتين السيوف، لم نترك وراءنا ثقلا حتى يحكم الله بيننا وبين محمد وأصحابه، فإن نهلك، نهلك ولم نترك وراءنا نسلا نخشى عليه، وإن نظهر، فلعمري لنجدنّ النساء والأبناء. قالوا: نقتل هؤلاء المساكين؟ فما خير العيش بعدهم. قال: فإن أبيتم عليّ هذه، فإن الليلة ليلة السبت، وإنّه عسى أن يكون
ر، فلعمري لنجدنّ النساء والأبناء. قالوا: نقتل هؤلاء المساكين؟ فما خير العيش بعدهم. قال: فإن أبيتم عليّ هذه، فإن الليلة ليلة السبت، وإنّه عسى أن يكون
محمد وأصحابه قد أمنونا فيها، فانزلوا لعلّنا نصيب منهم غرّة. قالوا: نفسد سبتنا علينا، ونحدث فيه ما لم يحدث من كان قبلنا. قال: ما بات رجل منكم منذ ولدته أمه ليلة من الدهر حازما. وحاول بنو قريظة أن يظفروا بصلح كالذي ناله إخوانهم بنو النضير من قبل، بيد أنّ المسلمين أبوا عليهم إلا أن يستسلموا دون قيد أو شرط، فإنّ ما أسلف هؤلاء من جرم بيّن وغدر شائن أحفظ عليهم الصدور، فلم يبق فيها مكان لسماح، وتمحض الموقف للعدل المجرد، يقرّ الأمور في نصابها كيف يشاء. واستقدم اليهود- وهم محصورون- أبا لبابة بن عبد المنذر يستشيرونه: أينزلون على حكم محمد؟ فقال لهم: نعم، وأشار إلى حلقه، كأن ينبههم إلى أنه الذبح؟ ثم أدرك- لفوره- أنّه خان رسول الله ﷺ؛ فمضى هائما على وجهه، حتى أتى مسجد المدينة، فربط نفسه في سارية فيه، وحلف ألا يفك منها حتى يتوب الله عليه. وقد قبل الله منه ندمه، ونزلت فيه بعد أيام الاية: وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٠٢) [التوبة] . واستمرّ الحصار خمسا وعشرين ليلة، سمح المسلمون في أثنائها لليهود الذين رفضوا الغدر بالرسول ﵊ أيام الأحزاب أن يخرجوا، فجزوهم عن وفائهم خيرا، وخلّوا سبيلهم ينطلقون حيث يبغون. ثم قرّروا أن يهجموا على الحصون المغلقة ويقتحموها عنوة. فصاح عليّ: يا كتيبة الإيمان- ومعه الزبير بن العوام- والله لأذوقنّ ما ذاق حمزة أو لأفتحنّ حصنهم، فقال بنو قريظة: يا محمد ننزل على حكم سعد بن معاذ. فاستنزلوا من حصنهم، وسيقوا إلى محبسهم، حتى جيء بسعد بن معاذ ليقضي في حلفائه بما يرى.
لأفتحنّ حصنهم، فقال بنو قريظة: يا محمد ننزل على حكم سعد بن معاذ. فاستنزلوا من حصنهم، وسيقوا إلى محبسهم، حتى جيء بسعد بن معاذ ليقضي في حلفائه بما يرى. وكان (سعد) سيد الأوس، وهم حلفاء بني قريظة في الجاهلية، وقد توقّع يهود أنّ هذه الصلة تنفعهم، وتوقّع الأوس أيضا من رجلهم أن يتساهل مع أصدقائهم الأقدمين، فلما استقدمه الرّسول ﵊ ليصدر حكمه، جاء من الخيمة التي يمرّض فيها إثر إصابته بسهام الأحزاب، واكتنفه قومه يقولون له: يا أبا عمرو! أحسن في مواليك ...
لكن سعدا لم ينس- في ضجيج الرّجاء الموجّه إليه- أنّ الإسلام وأبناءه، والمدينة وثمارها وحرثها ونسلها وحرماتها، لم ينج من وطأة الأحزاب الهاجمين إلا بأعجوبة خارقة، وأنّ بني قريظة هؤلاء ومن اووهم، كانوا المحرّضين والشركاء المقبوحين في هذه الحرب التي أعلنت لاستئصال التوحيد الحق واجتياح أهله. ولم ينس سعد كيف نقضت بنو قريظة عهدها، واستقبلته بالألفاظ البذيئة عند ما ذهب يناشدهم الوفاء! ألم يقل لهم يومئذ: أخشى عليكم مثل يوم بني النضير أو أمرّ منه؟ فكان ردّهم عليه: أكلت ذكر أبيك!!. لذلك ما لبث سعد أن صاح بقومه- وقد أكثروا عليه الرجاء-: قد ان لسعد ألّا تأخذه في الله لومة لائم.
[نزول بني قريظة على حكم سعد] : وحكم سعد أن يقتل الرجال، وتسبى الذرية، وتقسّم الأموال، وأقرّ النبي ﷺ هذا القضاء الحازم قائلا لسعد: «لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبع سموات» «١» . وحفرت الخنادق بسوق المدينة لتنفيذ هذا الحكم، وسيق إليها مقاتلة اليهود أرسالا- طائفة بعد أخرى-؛ ليدفعوا ثمن خيانتهم وغدرهم. قال اليهود لسيدهم كعب وهم يساقون لمصارعهم: ما تراه يصنع بنا؟ فقال: أفي كلّ موطن لا تعقلون؟ ألا ترون الداعي لا ينزع، وأنّه من ذهب به منكم لا يرجع؟ هو- والله- القتل. أجل! هو القتل! وإنّما تقع تبعات الحكم به على من تعرّض له بسوء صنيعه، وبما أسلف من نيّات خبيثة لم يسعفها الحظ فتحقق، ولو قد تحققت لكان ألوف المسلمين هلكى تحت أقدام الأحزاب المنسابة من كل ناحية، يحرضهم ويؤازرهم أولئك اليهود. وربّما كانت مغامرات نفر من طلاب الزعامة سببا في هذه الكارثة التي
حلّت ببني قريظة، ولو أنّ حييّ بن أخطب وأضرابه سكنوا في جوار الإسلام، وعاشوا على ما أوتوا من مغانم، ما تعرّضوا ولا تعرّض قومهم لهذا القصاص الخطير. لكنّ الشعوب تدفع من دمها ثمنا فادحا لأخطاء قادتها. وفي عصرنا هذا دفع الروس والألمان وغيرهم من الشعوب أثمانا باهظة لأثرة الساسة المخدوعين. ولذلك ينعى القران على أولئك الرؤساء مطامعهم ومظالمهم التي يحملها غيرهم قبلهم: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دارَ الْبَوارِ (٢٨) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها وَبِئْسَ الْقَرارُ (٢٩) [إبراهيم] . لقد جيء بحييّ ليلقى جزاءه، وحييّ- كما علمت- جرثومة هذه الفتن. فنظر إلى رسول الله ﷺ ثم قال: أما والله ما لمت نفسي في عداوتك، ولكن من يخذل الله يخذل، ثم أقبل على الناس فقال: أيها الناس! لا بأس بأمر الله، كتاب وقدر، وملحمة كتبها الله على بني إسرائيل، ثم جلس فضربت عنقه!. وفي ذلك يقول الشاعر: لعمرك ما لام ابن أخطب نفسه ... ولكنّه من يخذل الله يخذل لجاهد حتّى أبلغ النّفس عذرها ... وقلقل يبغي العزّ كلّ مقلقل والحقّ أنّ من مشركي قريش ومن رجال يهود أناسا واجهوا الموت بثبات. ولن تعدم المبادئ الباطلة والنحل الهازلة أتباعا يفتدونها بالأرواح والأموال، غير أن شيئا من هذا لا يجعل الباطل حقا ولا الجور عدلا. إن موقف اليهود من الإسلام بالأمس هو موقفهم من المسلمين اليوم. فألوف من إخواننا ذبحهم اليهود في صمت وهم يحتلون فلسطين. والغريب أن اليهود تركوا من نصب لهم المجازر في أقطار أوربة، وجبنوا عن مواجهتهم بشرّ!! واستضعفوا المسلمين الذين لم يسيئوا إليهم من اثني عشر قرنا، فنكلوا بهم على النحو المخزي الفاضح، الذي لا يزال قائما في فلسطين ... تشهده وتؤيده وتسانده دول الغرب.
لمسلمين الذين لم يسيئوا إليهم من اثني عشر قرنا، فنكلوا بهم على النحو المخزي الفاضح، الذي لا يزال قائما في فلسطين ... تشهده وتؤيده وتسانده دول الغرب.
وفي طرد الأحزاب ودحر بني قريظة نزلت الايات: وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنالُوا خَيْراً وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ وَكانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزاً (٢٥) وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ صَياصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقاً تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقاً (٢٦) وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيارَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ وَأَرْضاً لَمْ تَطَؤُها وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً (٢٧) [الأحزاب] . فقد المسلمون في هذا الصراع مع المشركين أولا، ومع أهل الكتاب ثانيا، عددا يسيرا من رجالهم منهم سعد بن معاذ؛ أجاب الله دعوته، فمات شهيدا من جراحته التي أصابته يوم الأحزاب، بعد أن شفى الله غيظه من يهود بني قريظة، وبعد أن تبين فشل قريش في هجومها على المدينة، وانقلابها لتغزى في عقر دارها، لا لتغزو الاخرين.
ته يوم الأحزاب، بعد أن شفى الله غيظه من يهود بني قريظة، وبعد أن تبين فشل قريش في هجومها على المدينة، وانقلابها لتغزى في عقر دارها، لا لتغزو الاخرين.
[قتل أبي رافع بن أبي الحقيق] : ولم تنته الخصومة بين المسلمين واليهود بانهزام قريظة وانكسار شوكتها، فإنّ بعض مؤلبي الأحزاب على الإسلام فرّ إلى خيبر، لائذا بحصونها، مستظهرا بإخوانه فيها، مثل أبي رافع بن أبي الحقيق، وهو شريك حييّ في التطواف بالقبائل يستجلبها إلى يثرب، بغية الإتيان على الإسلام وأهله، وليس يؤمن لليهود شرّ ما بقيت لهم قدرة على فعله، وقد صوّر حديث الرسول ﷺ نقمة اليهود على الإسلام بقوله: «ما خلا يهودي بمسلم إلا همّ بقتله» «١» ، ولا نعرف لهذه النقمة الدفينة علّة إلّا انحراف أصحابها عن الجادة، ومن حق المسلمين أن يحذروها، وألايدعوا لها بقية تنمو على الزمن. لذلك خرج من المدينة خمسة من الخزرج ذاهبين إلى خيبر، بغيتهم القضاء على أبي رافع، وإلقاء الذعر في قلوب شيعته، وقد أمّر الرسول ﷺ عليهم عبد الله بن عتيك، ونهاهم أن يقتلوا وليدا أو امرأة ... «٢» . وقدم المغامرون أرض خيبر، وانتهوا إلى دار ابن أبي الحقيق وقد أظلّهم المساء. قال عبد الله بن عتيك لصحبه- عند ما دنوا من الحصن-: امكثوا أنتم
... «٢» . وقدم المغامرون أرض خيبر، وانتهوا إلى دار ابن أبي الحقيق وقد أظلّهم المساء. قال عبد الله بن عتيك لصحبه- عند ما دنوا من الحصن-: امكثوا أنتم
حتى أنطلق أنا فأنظر. قال: فاحتلت لأدخل الحصن، فإذا الخدم فقدوا حمارا لهم، فخرجوا بقبس يطلبونه!!، فخشيت أن أعرف، فغطيت رأسي، وجلست كأنّي أقضي حاجة. فقال البواب- بعد ما استرجعوا حاجتهم-: من أراد أن يدخل فليدخل قبل أن أغلقه، فدخلت واختبأت في مربط الدواب عند باب الحصن. وتعشّى أبو رافع وصحبه، وأخذوا يسمرون حتى ذهبت ساعة من الليل، ثم انصرف عنه جلساؤه قافلين إلى بيوتهم، وهدأت الأصوات فما أسمع حركة، وخرجت، وأنا أعرف أين وضع البوّاب مفاتيح الحصن، فأخذتها، وفتحت الباب حتى إذا أحسّ بي القوم انطلقت على مهل. ثم عمدت إلى أبواب غرفهم فغلقتها من ظاهر. ثم صعدت إلى أبي رافع- حيث يبيت في العلالي- فإذا البيت مظلم قد أطفئ سراجه، فلم أدر أين الرّجل؟ فقلت: يا أبا رافع! قال: من هذا؟ فعمدت نحو الصوت فضربته، فصاح، ولم تغن الضربة شيئا. وجئت كأني أغيثه فقلت: مالك يا أبا رافع؟ - وغيّرت صوتي- قال: لأمّك الويل، دخل عليّ رجل فضربني بالسيف! فعمدت إليه فضربته ضربة ثانية، فصاح وقام أهله، فجئت مرة أخرى إليه وهو مستلق على ظهره، فأجهزت عليه، ثم خرجت دهشا حتى أتيت السّلّم أريد أن أنزل، فسقطت منه فانخلعت رجلي، فعصبتها، وأتيت أصحابي أحجل. وعاد القوم إلى المدينة، يبشّرون من وراءهم أنهم أزاحوا من طريق الدعوة عقبة كأداء. تضعضع الكفر بعد هذه الوقعات الغليظة، ورست أصول الإسلام، واطمأنت دولته، فما انتهت السنة الخامسة للهجرة حتى أصبح المسلمون قوة تفرض نفسها، وتذيق المعاندين بأسها، واستيقنت قريش وأحلافها أنّ ردّ المسلمين إلى عبادة الأوثان ضرب من المستحيل، كما استيقن اليهود أنّ خصامهم الخبيث للدين الجديد والرسالة الخاتمة لم يزدهم إلا خبالا. ولم تقع بعد غزوة الأحزاب هذا العام إلى أخريات السنة السادسة- أي إلى عمرة الحديبية- أحداث ذات بال.
حاولت هذيل أن تجمع للإغارة على المدينة، فقتل قائدها خالد بن سفيان، فقعدت. وهجم لصوص الأعراب على المدينة ويقودهم عيينة بن حصن في خيل لغطفان، واستاقوا إبلها، ثم ولّوا بها هاربين، غير أنّ سلمة بن الأكوع صرخ بأهل المدينة منذرا، وتبع المغيرين واحده، يرميهم بالنبل، ويسترد منهم اللقاح المنهوبة، حتى أدركه فرسان المسلمين، فلما راهم المشركون فرّوا بعد ما قتل بعضهم، وتركوا ما معهم. ويروي البخاري أنّ ذلك كان بعد الحديبية لا قبلها، ولعلّه أصح. وفي هذه الفترة تزوّج النبي ﷺ بأمّ حبيبة بنت أبي سفيان، وكانت مهاجرة مع زوجها بالحبشة، فارتدّ صاحبها وهلك، وبقيت واحدها. فرأى النبيّ ﷺ إعزازا للسيدة التي تركت أباها- وهو زعيم مكة- واثرت الهجرة إلى الله على البقاء في كنفه- أن يتزوّجها، فأرسل إلى النجاشيّ مهرها، ووكله عنها في العقد عليها. وتزوّج كذلك زينب بنت جحش، وسنتكلّم عن تفاصيل ذلك في الباب الذي نفرده بعد لتعدد الزوجات، وزوجات الرسول ﷺ كذلك، ويقال: إنّ الإسلام وقع في قلب «عمرو بن العاص» في هذه الأيام. فقد أثاره ما يلقاه محمد من ظفر، وقال لبعض صحبه: إنّي أرى أمر محمّد يعلو الأمور علوا منكرا، ثم اقترح عليهم أن يلحقوا بالحبشة، ويرقبوا نتائج الصراع بين المسلمين وقومهم!!. فلما ذهب إلى الحبشة ورأى إكرام نجاشيّها للرسول ﷺ ومن ينتمي إليه، مال إلى الدخول في دين الله. ولكنه كتم ما بقلبه حتى اقترب فتح مكة، والتقى بخالد بن الوليد، وكان خالد قد أجمع أمره على الإسلام، وانتوى الذهاب إلى النبي ﷺ في مهجره ليتبعه، قال له عمرو: أين يا أبا سليمان؟ قال: والله لقد استقام الميسم- وضح الطريق- وإن الرجل لنبيّ، أذهب- والله- فأسلم، فحتى متى؟!. وسرّ عمرا أن يجد صاحبا كخالد، فصارحه بما في نفسه، وانطلق الرجلان إلى يثرب مسلمين مهاجرين.
وقصة إسلامهما- كما قلنا- قبيل الفتح، فإنّ خالدا كان في عمرة الحديبية قائدا لجيش قريش، هي تصدّ المسلمين عن زيارة البيت العتيق.
(٧)
طور جديد
اجرين.
وقصة إسلامهما- كما قلنا- قبيل الفتح، فإنّ خالدا كان في عمرة الحديبية قائدا لجيش قريش، هي تصدّ المسلمين عن زيارة البيت العتيق.
(٧)
طور جديد
عمرة الحديبية جاء تفكير المسلمين في زيارة المسجد الحرام بداية لمرحلة متميزة في تاريخ دعوتهم، أليسوا يعالنون بعزمهم على دخول مكة، وهم الذين طردوا منها بالأمس وحوربوا، حيث استقرّ بهم النوى؟ وظلّت حالة الحرب قائمة بينهم وبين قريش، لم تسفر عن نتيجة حاسمة؟ فكيف ينوون العمرة في هذه الظروف ... ؟. والجواب أنّ النبيّ ﷺ أراد بهذا النسك المنشود إقرار حقّ المسلمين في أداء عبادتهم، وإفهام المشركين أنّ المسجد الحرام ليس ملكا لقبيل يحتكر القيام عليه ويمكنه الصدّ عنه، فهو ميراث الخليل إبراهيم، والحج إليه واجب على كلّ من بلغه أذان أبي الأنبياء من قرون: وَإِذْ بَوَّأْنا لِإِبْراهِيمَ مَكانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (٢٦) وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجالًا وَعَلى كُلِّ ضامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (٢٧) [الحج] . ومن ثمّ فليس يجوز لأهل مكة أن يحجبوا المسلمين عنه، ولئن استطاعوا قديما إقصاءهم، إنهم- بعد ما وقع من قتال- لن يصرّوا على خطئهم القديم. وإحرام النبي ﷺ وصحبه بالعمرة فحسب- وهم يريدون دخول مكة- اية على الرغبة العميقة في السلم، وعلى الرغبة في نسيان الخصومات السابقة، وتأسيس علائق أهدأ وأرقّ. ومتى يحدث هذا؟ بعد أن استفرغت قريش جهدها في إيذاء المسلمين، وبعد ما بدا فشلها الذريع في ذلك. لقد استمرّت بضع سنين تقاتل وتبذل من دمها ومالها لتهزم الإسلام، فلم ترجع اخر الأمر إلا بالخسائر الفادحة، والأزمات العضوض، على حين رسخت أقدام المسلمين، وعلت راياتهم، وانكمش عدوّهم، وها هم أولاء يخرجون إلى مكة عبّادا مخبتين، لا غزاة منتقمين. أجل إنهم لا يبغون إلا أن ينالوا مثل ما لغيرهم من حق الاعتمار والحج،
اتهم، وانكمش عدوّهم، وها هم أولاء يخرجون إلى مكة عبّادا مخبتين، لا غزاة منتقمين. أجل إنهم لا يبغون إلا أن ينالوا مثل ما لغيرهم من حق الاعتمار والحج،
ولا يسوغ أن يحرموا من ذلك أبدا. وبذلك القصد السمح المهذب، استنفر رسول الله ﷺ جمهور المسلمين وأعراب البوادي، واذنهم أنه يريد العمرة ولا يريد قتالا، وساق أمامه الهدي الذي سيذبح ليطعمه فقراء مكة، الفقراء الذين حشدوا لاستئصاله يوم الأحزاب ... أكان الكافرون برسالة محمد ﵊ يفقهون هذه النية ويقدّرون مكانة صاحبها؟. لا ... إنهم بقوا على العهد بهم من فساد الضمير ونية السوء. فالأعراب المنتشرون حول يثرب ومن على شاكلتهم من المنافقين، عرفوا أنّ أهل مكة سوف يقاتلون محمدا ﵊ أمرّ قتال، وأنه إذا أبى إلا زيارة البيت- كما أعلن- فلن تدعه قريش حتى تهلكه أو تهلك هي دون إبلاغه مأربه ... فهي عمرة محفوفة بالأخطار في نظرهم، والفرار منها أجدى!!. ولو فرض أن الرسول ﵊ نجح في مقصده هذا، فالاعتذار إليه بعد عودته سهل: سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرابِ شَغَلَتْنا أَمْوالُنا وَأَهْلُونا فَاسْتَغْفِرْ لَنا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً إِنْ أَرادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرادَ بِكُمْ نَفْعاً بَلْ كانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً (١١) بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلى أَهْلِيهِمْ أَبَداً وَزُيِّنَ ذلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْماً بُوراً (١٢) [الفتح] . وخرج المؤمنون الواثقون مع رسول الله ﵊ وعددهم قريب من ألف وأربعمئة، وذلك في ذي القعدة من السنة السادسة للهجرة. وساروا ملبّين يطوون الطريق إلى البيت العتيق، فلمّا بلغوا (عسفان) - على مرحلتين من مكة- جاء الخبر إلى المسلمين أنّ قريشا خرجت عن بكرة أبيها، قد أقسمت ألّا يدخل بلدهم مسلم، وأنّ جيشهم استعدّ للنضال، يقود خيله خالد بن الوليد.
حلتين من مكة- جاء الخبر إلى المسلمين أنّ قريشا خرجت عن بكرة أبيها، قد أقسمت ألّا يدخل بلدهم مسلم، وأنّ جيشهم استعدّ للنضال، يقود خيله خالد بن الوليد. وبدأ شبح الحرب أمام الأعين يملأ هذه البقاع المحرمة بالدماء والأشلاء، والمسلمون لم يجيئوا لهذا، وما كان لأهل مكة أن يلجئوهم إليه. فقال رسول الله ﷺ: «يا ويح قريش لقد أكلتهم الحرب، ماذا عليهم لو خلّوا بيني وبين سائر العرب، فإن هم أصابوني كان ذلك الذي أرادوا! وإن أظهرني الله عليهم دخلوا في الإسلام وافرين، وإن لم يفعلوا قاتلوا وبهم قوة، فما تظنّ قريش؟ فو الله
لا أزال أجاهد على الّذي بعثني الله به حتى يظهره الله أو تنفرد هذه السالفة» . يعني: الموت- «١» .
[عدم الرغبة في القتال] : ومضيّا مع الرغبة عن القتال، وتخليصا للنسك المقصود من شائبة تحدّ سأل رسول الله ﵊: «من رجل يخرج بنا على طريق غير طريقهم الّتي هم بها؟» «٢» . فجاء رجل من أسلم، فسلك بهم طريقا وعرا أجرد شقّ على المسلمين اجتيازه، ثم أفضى بهم إلى أرض سهلة عند منقطع الوادي، انثنى المسلمون عندها يمينا ليهبطوا عند الحديبية أسفل مكة!. ولم تخف هذه الحركة عن فرسان قريش، فتراكضوا راجعين إلى مكة كي يحولوا بين المسلمين ودخولها.
[مفاوضات] : ومضى النبي ﵊ بأصحابه في وجهتهم المحددة، فإذا بناقته تبرك ولا تجاوز مكانها! ودهش النّاس لما عراها فقالوا: خلأت القصواء! فقال النبيّ ﷺ: «ما خلأت، وما هو لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل عن مكّة! لا تدعوني قريش اليوم إلى خطة يسألونني فيها صلة الرّحم إلا أعطيتهم إيّاها» ، ثم أمر الناس أن يحلّوا حيث انتهى بالناقة المسير «٣» . ونزل المسلمون كما أمروا، ينتظرون من الغد القريب أن تفتح لهم أبواب مكة فيطوفوا ويسعوا، ثم يعودوا وافرين رابحين، إنّهم واثقون من إدراك بغيتهم،
ر «٣» . ونزل المسلمون كما أمروا، ينتظرون من الغد القريب أن تفتح لهم أبواب مكة فيطوفوا ويسعوا، ثم يعودوا وافرين رابحين، إنّهم واثقون من إدراك بغيتهم،
ولماذا يشكّون، وقد سمعوا من رسول الله ﷺ بشريات كثيرة بأنهم سيدخلون المسجد الحرام امنين، محلّقين رؤوسهم ومقصّرين؟. أما قريش فقد ذعرت لهذا الزحف المباغت، وفكّرت جادّة في إبعاده عن مكة مهما كلّفها من مغارم، وذلك أنّها نظرت إلى الأمر من زاوية ضيقة، فرأت أنّ مهابتها ستنزع من أفئدة الناس قاطبة إذا دخل المسلمون بلدهم على هذا النحو بعد ما وقع من حروب طاحنة. غير أنّ قريشا تعرف حروجة موقفها إن نشب قتال جديد. فحجّتها فيه أمام نفسها وأمام أحلافها داحضة، وقد ينتهي بكارثة تودي بكيانها كلّه، ولهذا سيّرت الوسطاء يفاوضون محمّدا ﷺ، علّهم ينتهون معه إلى مخلص من هذه الورطة!!. وكان أول من جاءه (بديل بن ورقاء) في رجال من خزاعة، فكلّموه وسألوه: ما الذي جاء به؟ فأخبرهم أنه لم يأت يريد حربا، وإنما جاء زائرا للبيت ومعظّما حرمته. فرجعوا إلى قريش يقولون: يا معشر قريش! إنّكم تعجلون على محمد، إن محمدا لم يأت لقتال، وإنّما جاء زائرا لهذا البيت. فاتّهموهم وجبّهوهم، وقالوا: وإن كان جاء لا يريد قتالا ... فو الله لا يدخلها علينا عنوة أبدا، ولا تحدّث بذلك عنا العرب؟. ثم بعثت قريش (مكرز بن حفص) فعاد بما عاد به بديل الخزاعي. ثم بعثوا سيّد الأحابيش (الحليس بن علقمة) فلمّا راه رسول الله ﷺ قال: «إنّ هذا من قوم يتألّهون، فابعثوا الهدي في وجهه حتّى يراه» «١» . فلمّا رأى الهدي يسيل عليه من عرض الوادي، عاد إلى قريش قبل أن يصل إلى رسول الله ﷺ إعظاما لما شاهد، فقال لهم ذلك، فأجابوه: اجلس إنّما أنت أعرابيّ لا علم لك، فاستشاط الحليس وصاح: يا معشر قريش! والله ما على هذا حالفناكم، ولا على هذا عاقدناكم، أيصدّ عن بيت الله من جاء معظّما له؟ والذي نفس الحليس بيده، لتخلّنّ بين محمّد وبين ما جاء له، أو لأنفرنّ بالأحابيش نفرة رجل واحد.. فقالوا: مه، كفّ عنا يا حليس حتى نأخذ لأنفسنا ما نرضى به.
لذي نفس الحليس بيده، لتخلّنّ بين محمّد وبين ما جاء له، أو لأنفرنّ بالأحابيش نفرة رجل واحد.. فقالوا: مه، كفّ عنا يا حليس حتى نأخذ لأنفسنا ما نرضى به.
ثم بعثوا إلى رسول الله ﷺ (عروة بن مسعود) ، وكره عروة أن يعود من مفاوضة المسلمين فيسمعه رجال قريش ما يسوءه فقال: يا معشر قريش! إنّي قد رأيت ما يلقى منكم من بعثتموه إلى محمد من التعنيف وسوء اللفظ، وقد عرفتم أنّكم والد وأني ولد، وقد سمعت بالذي نابكم، فجمعت من أطاعني من قومي، ثم جئتكم حتى اسيتكم بنفسي. قالوا: صدقت ما أنت عندنا بمتّهم. فخرج حتى أتى رسول الله ﷺ، فجلس بين يديه، ثم قال: يا محمد! أجمعت أوشاب الناس، ثم جئت إلى بيضتك لتفضّها- إلى قومك لتجتاحهم-؟ إنّها قريش خرجت معها العوذ المطافيل- يقصد النساء والأطفال- قد لبسوا جلود النمور، يعاهدون الله لا تدخلها عليهم أبدا، وايم الله، لكأنّي بهؤلاء قد انكشفوا عنك غدا!!. وكان أبو بكر خلف رسول الله ﷺ يسمع، فلمّا وصل في حديثه إلى التعريض بالمسلمين قال له هازئا: امصص بظر اللات! أنحن ننكشف عنه؟!. فقال عروة: من هذا يا محمد؟ قال: «هذا ابن أبي قحافة» ! فردّ عروة على أبي بكر يقول: أما والله لولا يد كانت لك عندي لكافأتك بها، ولكن هذه بهذه. وعاود عروة حديثه مع رسول الله ﷺ، وجعل يتناول لحيته وهو يكلّمه- كأنّه ينبهه إلى خطورة ما سيقع بقومه- إلا أنّ المغيرة بن شعبة كان يقرع يده كلّما فعل ذلك، وهو يقول: اكفف يدك عن وجه رسول الله قبل ألاتصل إليك، فقال عروة له: ويحك ما أفظّك وأغلظك!! ثم سأل النبيّ: من هذا يا محمد؟. فأجاب الرسول ﷺ وهو يبتسم: «هذا ابن أخيك المغيرة بن شعبة!!» فقال عروة للمغيرة: أي غدر، هل غسلت سوءتك إلا بالأمس «١» ؟!. وقد ردّ النبيّ ﵊ على عروة بما يقطع اللجاجة وينفي الشبهة: (إنّه لا يبغي حربا، وإنما يريد أن يزور البيت كما يزوره غيره، فلا يلقى صادّا ولا رادّا) . ورجع عروة ينوّه بإجلال الصحابة لرسول الله ﷺ، ويقول: إني والله ما رأيت ملكا في قومه قطّ مثل محمد في أصحابه، لقد رأيت قوما لا يسلمونه لشيء أبدا، فروا رأيكم «٢» .
[محاولات للاعتداء] : إنّ الرجال الذين تكلموا باسم قريش في هذه المفاوضات لم تنهض لهم حجة، بل إنهم عادوا إلى أهل مكة وهم أميل إلى ملاينة المسلمين، وتمكينهم من أداء نسكهم، ولم يلحف بعضهم في التصريح بذلك إلا لما لمسه من كبرياء قريش وعزوفها عن الحق بعد ما تبيّن. إنّ النزق استبدّ بهم، وأطاش ألبابهم، فقرّروا ألّا يدخل المسلمون البلد الحرام، وليكن ما يكون.. وبقي المسلمون في أماكنهم، يلتمسون للمشكلة حلولا أخرى أفضل من اقتحام مكة في هجوم عام، وحاول فريق من السفهاء أن يشعل المعركة، لكنّ المسلمين لزموا الهدوء وملكوا أعصابهم. فعن ابن عباس أن قريشا بعثوا أربعين رجلا منهم أو خمسين، وأمروهم أن يطيفوا بعسكر رسول الله ﷺ ليصيبوا لهم من أصحابه أحدا، فأخذوا، وأتي بهم إلى النبي ﵊، فعفا عنهم، وخلّى سبيلهم، وكانوا رموا في العسكر بالحجارة والنبل «١» . وفي فظاظة قريش وسماحة المسلمين نزل قوله ﷿: إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوى وَكانُوا أَحَقَّ بِها وَأَهْلَها وَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً (٢٦) [الفتح] . ومن السكينة التي تنزلت على المسلمين أنّ رسل قريش كانت تغدو على رسول الله ﷺ وتروح فلا يعترضها أحد، أما رسل المسلمين إلى قريش فقد تعرّضت للهلاك، كاد خراش بن أمية الخزاعي يقتل، لولا أن أنقذه الأحابيش، فرجع وقد عقر جمله، وكان النبي ﵊ أرسله ليبلّغ أهل مكة حقيقة مجيئه، وأنّه يريد العبادة لا الحرب.. والرسل لا تقتل، بيد أنّ غليان قريش أفقدها الوعي.
يش، فرجع وقد عقر جمله، وكان النبي ﵊ أرسله ليبلّغ أهل مكة حقيقة مجيئه، وأنّه يريد العبادة لا الحرب.. والرسل لا تقتل، بيد أنّ غليان قريش أفقدها الوعي.
والرّجل إذا فقد وعيه لا يبالي أن ينتحر، وقد انحرف كبراء مكة عن الصراط السوي، ولم يكترثوا للمصير القائم الذي ينتظرهم إذا ركبوا رؤوسهم، فلو اصطدم المسلمون بهم ما قامت لهم قائمة، ولأصيبت حرمات مكة في صميمها. وَلَوْ قاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبارَ ثُمَّ لا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً (٢٢) سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا (٢٣) [الفتح] . لكنّ رسول الله ﷺ كره أن تجري الأمور على هذا النحو، ورأى أن يعيد محاولاته لإقناع أهل مكة، بتركه يزور البيت ثم يعود لشأنه. فدعا «١» عمر بن الخطاب ليذهب إلى القوم يحدّثهم بما خرج المسلمون فيه، فقال عمر: يا رسول الله! ليس بمكة أحد من بني عدي يغضب لي إن أوذيت، فأرسل عثمان بن عفان، فإنّ عشيرته لا تزال بمكة، وإنه مبلّغ عنك ما أردت. ودخل (عثمان) مكة في جوار قريبه (أبان بن سعيد بن العاص) واستطاع أن يبلغ رسالته كاملة، وأن يفهم من لقيه الحقيقة الكريمة التي جاء المسلمون قاطبة بها، فكان الردّ الذي حظي به عثمان: إن شئت أن تطوف بالبيت فطف. فقال: ما كنت لأفعل حتّى يطوف به رسول الله ﷺ!!. ومما يذكر هنا أنّ مكة لم تخل من رجال مؤمنين ونساء مؤمنات. كانت قلوبهم معلّقة بالمسلمين المحجوزين خارج مكة. لقد انتشر الإسلام سرا في بيوت كثيرة، طالما تشوّقت إلى اليوم الذي تستطيع فيه أن تظهر إيمانها، وتتخلّص من سطوة الكفر عليها. ويظهر أنّ عثمان اتصل بأولئك النفر المؤمن، وبشّرهم بقرب الفتح، فرأت قريش أنّ عثمان قد عدا الحدود المعهودة، وأمرت باحتباسه عندها، وشاع- لدى المسلمين- أنّ عثمان قتل.
[بيعة الرضوان] : وحين بلغت هذه الشائعة مسامع النبي ﵊ قال: لا نبرح حتى نناجز القوم «٢» .
ة، وأمرت باحتباسه عندها، وشاع- لدى المسلمين- أنّ عثمان قتل.
[بيعة الرضوان] : وحين بلغت هذه الشائعة مسامع النبي ﵊ قال: لا نبرح حتى نناجز القوم «٢» .
ودعا الناس إلى مبايعته، وكان تحت شجرة متشابكة الغصون، فهرع أصحابه إليه يبايعونه على الموت، أو على ألايفروا. حدّث جابر بن عبد الله بعد ما كفّ بصره قال: قال لنا رسول الله ﷺ يوم الحديبية: «أنتم خير أهل الأرض» ، وكنّا ألفا وأربعمئة، ولو كنت أبصر اليوم لأريتكم مكان الشجرة «١» . وروي عن جابر: أنّ عبد الحاطب جاء يشكوه إلى رسول الله ﷺ ويقول: ليدخلنّ حاطب النار، فقال له الرسول ﷺ: «كذبت، لا يدخلها، شهد بدرا والحديبية «٢» » ، وتسمّى هذه البيعة (بيعة الرضوان) إشارة لقول الله في أصحابها: لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ ما فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً (١٨) [الفتح] . وقد قطعت الشجرة ونسي مكانها، وذلك خير، فلو بقيت لضربت عليها قبة وشدّت إليها الرحال، فإنّ الرعاع سراع التعلق بالمواد والاثار التي تقطعهم عن الله. عن طارق بن عبد الرحمن: انطلقت حاجّا، فمررت بقوم يصلّون، فقلت: ما هذا المسجد؟ قالوا: هذه الشجرة حيث بايع النبيّ ﵊ بيعة الرضوان. فأتيت سعيد بن المسيّب فأخبرته، فقال سعيد: حدثني أبي أنّه كان فيمن بايع رسول الله ﷺ تحت الشجرة، قال: فلمّا كان العام المقبل نسيناها، فلم نقدر عليها، ثم قال سعيد: إنّ أصحاب محمد لم يعلموها! وعلمتموها أنتم؟! فأنتم أعلم!. وعند أخذ البيعة من المسلمين ضرب رسول الله ﷺ بإحدى يديه على الاخرى وقال: «هذه لعثمان» «٣» . على أنّ عثمان لم يطل احتباسه، فإنّ قريشا جزعت أن تصيبه بأذى وهو من سرواتها بمكان، وسارعت إلى بعث (سهيل بن عمرو) ليعقد مع محمّد صلحا. ولم يكن يعنيها في هذا الصلح إلا أن يرجع المسلمون هذا العام، على أن
يعودوا بعد إذا شاؤوا، وذلك إبقاء على مكانة قريش في العرب!!.
[شروط صلح الحديبية] : واستقبل رسول الله ﷺ مفاوض قريش وهو أرغب ما يكون في موادعة القوم، وإن كان قادرا على تحكيم السّيف، وإنزال خصومه على منطقه الذي اثروه مذ صدّوه عن البيت، وتكلّم (سهيل) فأطال، وعرض الشروط التي يتمّ في نطاقها الصلح، ووافق عليها النبيّ ﷺ، ولم يبق إلا أن تسجّل في وثيقة يمضيها الفريقان. وحدثت في معسكر المسلمين دهشة عامة للطريقة التي سلكها رسول الله ﷺ مع أوليائه ومع أعدائه. فأمّا مع أعدائه، فقد ذهب في ملاينتهم إلى حدود بعيدة، وأولى به أن يقسو عليهم. وأما مع أصحابه- فإنّه على غير ما ألفوا منه- لم يستشرهم في هذا الاتفاق المقترح. مع أنّه في شؤون الحرب والسلم التي سلفت كان يرجع إليهم، وربما نزل على رأيهم وهو له كاره، لكنّه اليوم ينفرد بالعمل، ويقرّ ما يكرهون على غير ضرورة ملجئة.. وقد شرحنا في غير هذا المكان «١» موقف النبي ﵊ في عمرة الحديبية خاصّة، وأبنّا أنّ تقدير الأمور لم يترك للنظر المعتاد، بل كان للإلهام الأعلى توجيهه الصائب. إنّ الله الذي عقل الناقة أن تتابع سيرها لا يأذن لهذه الكتائب أن توالي زحفها، وتشرع رماحها، وقد تحرز نصرا أقلّ على الإسلام- في جدواه- من سلم مبارك النتائج. قال الزهري: فلما التأم الأمر، ولم يبق إلا الكتاب، وثب عمر بن الخطاب فأتى أبا بكر فقال: يا أبا بكر! أليس برسول الله؟ قال: بلى. قال: أولسنا بالمسلمين؟ قال: بلى. قال: أوليسوا بالمشركين!. قال: بلى. قال: فعلام نعطي الدنيّة في ديننا؟!.
فقال: يا أبا بكر! أليس برسول الله؟ قال: بلى. قال: أولسنا بالمسلمين؟ قال: بلى. قال: أوليسوا بالمشركين!. قال: بلى. قال: فعلام نعطي الدنيّة في ديننا؟!.
قال أبو بكر: يا عمر! الزم غرزه- أمره- فإنّي أشهد أنّه رسول الله. قال عمر: وأنا أشهد أنه رسول الله!. ثم أتى رسول الله ﷺ فقال: ألست برسول الله! قال: «بلى» . قال: أولسنا بالمسلمين! قال: «بلى» . قال: أوليسوا بالمشركين؟ قال: «بلى» . قال: فعلام نعطي الدنيّة في ديننا؟!. قال: «أنا عبد الله ورسوله، ولن أخالف أمره، ولن يضيّعني» «١» . ثم دعا رسول الله ﷺ عليّ بن أبي طالب، فقال: «اكتب بسم الله الرّحمن الرّحيم» . فقال سهيل: لا أعرف هذا، ولكن اكتب: باسمك اللهم، فقال رسول الله ﷺ: «اكتب باسمك اللهمّ» ، فكتبها، ثم قال: «اكتب: هذا ما صالح عليه محمّد رسول الله سهيل بن عمرو» . فقال سهيل: لو شهدت أنك رسول الله لم أقاتلك، ولكن اكتب اسمك واسم أبيك! فقال رسول الله ﷺ: «اكتب: هذا ما صالح عليه محمّد بن عبد الله سهيل بن عمرو» : اصطلحا على وضع الحرب عن النّاس عشر سنين، يأمن فيها النّاس، ويكفّ بعضهم عن بعض، على أنه من أتى محمّدا من قريش بغير إذن وليّه ردّه عليهم، ومن جاء قريشا ممّن مع محمّد لم يردوه عليه!. وإنّ بيننا عيبة مكفوفة- صدورا منطوية على ما فيها من خير- وأنّه لا إسلال ولا إغلال- لا سرقة ولا خيانة- وأنّه من أحبّ أن يدخل في عقد محمّد وعهده دخل فيه، ومن أحبّ أن يدخل في عقد قريش وعهداهم دخل فيه. وأنّك ترجع عنّا عامك هذا، فلا تدخل علينا مكة، وأنّه إذا كان عام قابل خرجنا عنك، فدخلتها بأصحابك، فأقمت بها ثلاثا معك سلاح الراكب السيوف في القرب لا تدخلها بغيرها. فبينا رسول الله ﷺ يكتب الكتاب، إذ جاء ابن المفاوض عن قريش نفسه! .. جاء أبو جندل بن سهيل بن عمرو يريد الالتحاق بالمسلمين، فقد دخل في دين الله، ولقي العذاب من أهله، وها هو ذا يرسف في الحديد، وتثقل به قيوده.
ش نفسه! .. جاء أبو جندل بن سهيل بن عمرو يريد الالتحاق بالمسلمين، فقد دخل في دين الله، ولقي العذاب من أهله، وها هو ذا يرسف في الحديد، وتثقل به قيوده.
ما كان المسلمون يشكّون في دخول مكة؛ فإنّ الرسول ﷺ قصّ عليهم رؤيا أنّه دخلها، وطوّف بالبيت العتيق فيها، فلمّا رأوا ما رأوا من شروط الهدنة، وأمر الصلح والعودة، وتعنّت سهيل مع النبي ﷺ، وافتياته على شخصه، دخل عليهم من ذلك كلّه أمر عظيم، حتى كادوا يهلكون! ثم جاءت قصة أبي جندل فزادت الطين بلّة. ورأى سهيل ابنه، فقام إليه يضرب وجهه، وأخذ بتلبيبه، ثم قال: يا محمد! قد لجّت القضية بيني وبينك قبل أن يأتيك هذا!! قال: «صدقت» . فجعل سهيل ينتر ابنه بتلبيبه ويجرّه ليردّه إلى قريش، وجعل أبو جندل يصرخ بأعلى صوته: يا معشر المسلمين! أردّ إلى المشركين يفتنونني في ديني!. فزاد ذلك النّاس إلى ما بهم!. وقال رسول الله ﷺ: «يا أبا جندل! اصبر واحتسب، فإنّ الله جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجا ومخرجا، إنا قد عقدنا بيننا وبين القوم صلحا، وأعطيناهم على ذلك وأعطونا عهد الله، وإنّا لا نغدر بهم» . ونفذت القضية، وأعلنت خزاعة دخولها في عقد المسلمين، وأعلنت بنو بكر دخولها في عقد قريش، ومضت شروط الهدنة «١» ..!.
[ردة فعل المسلمين على الشروط] : والنظرة الأولى لهذه الشروط تدل على أنها مجحفة بحقوق المسلمين، مرضية لكبرياء قريش وحميتها الجاهلية، وقد تساءل أصحاب رسول الله ﷺ مستنكرين: لماذا يردون إلى قريش من جاء منهم مسلما، ولا تردّ قريش من جاءها من المسلمين مرتدّا؟. وفسّر رسول الله ﷺ هذا الشرط بأنّ من ذهب إليهم كافرا فلا ردّه الله، وقد وقي المسلمون خبثه، أما المستضعفون من المسلمين، فستعيى قريش بأمرهم، كما عجزت عن سابقيهم، وستكون العقبى لهم. ألم يكن النبي ﷺ ومن معه مستضعفين؟ ثم نصرهم الله، وخذل قريشا أمامهم؟!.
ثم هاجت في نفوس المسلمين مرة أخرى خيبة الأمل، لقد حدّثوا أنهم داخلون في المسجد الحرام، وها هم أولاء قد ارتدوا عنه، لكنّ رسول الله ﷺ بيّن أنهم عائدون إلى دخوله كما وعدوا، فهو لم يذكر لهم أنّهم سيطوفون به هذا العام. وعرا المسلمين وجوم ثقيل لهذه النهاية الكئيبة، وزاغت نظراتهم لما ركبهم من الحرج المفاجئ، فلمّا فرغ الرسول ﷺ من قضية الكتاب، قال لهم: «قوموا فانحروا ثمّ احلقوا» - ليتحللوا من عمرتهم، ويعودوا إلى المدينة- فلم يقم منهم رجل! حتى قال ذلك ثلاث مرات! فلمّا لم يقم منهم أحد دخل على أم سلمة، فذكر لها ما لقي من النّاس، فقالت أم سلمة: يا رسول الله! أتحبّ ذلك؟ اخرج، ثمّ لا تكلّم أحدا منهم كلمة حتى تنحر بدنك، وتدعو حالقك فيحلقك. فخرج، فلم يكلّم أحدا منهم حتى فعل ذلك. فلمّا رأى المسلمون ما صنع النبي ﷺ زاح عنهم الذهول، وأحسوا خطر المعصية لأمره، فقاموا- عجلين- ينحرون هداهم، ويحلق بعضهم بعضا، حتى كاد بعضهم يقتل الاخر لفرط الغمّ «١» .
[أحداث ما بعد الحديبية] : ليت نيات الخير والشر تؤتي ثمارها الحلوة والمرة بالسرعة التي ظهرت في عهد الحديبية الانف، إنّه لم تمر أيام طوال على إبرامه حتى كان تشدد المشركين فيه وبالا عليهم، فأخذوا يتشكون من النصوص التي فرضوها أو فرضتها حميتهم الغليظة. ونظر المسلمون كذلك مبهورين إلى عواقب التسامح البعيد الذي أبداه النبي ﷺ، فوجدوا من بركاته ما ألهج ألسنتهم بالحمد!. لقد انفرط عقد الكفار في الجزيرة منذ تمّ هذا العقد، فإنّ قريشا كانت تعتبر رأس الكفر وحاملة لواء التمرد والتحدي للدين الجديد، وعند ما شاع نبأ تعاهدها مع المسلمين خمدت فتن المنافقين الذين يعملون لها، وتبعثرت القبائل الوثنية في أنحاء الجزيرة؛ وخصوصا لأنّ قريشا جمدت على سياستها النفعية واهتمت
تعاهدها مع المسلمين خمدت فتن المنافقين الذين يعملون لها، وتبعثرت القبائل الوثنية في أنحاء الجزيرة؛ وخصوصا لأنّ قريشا جمدت على سياستها النفعية واهتمت
بشؤونها التجارية، فلم تجتهد في ضمّ أحلاف لها، في الوقت الذي اتسع فيه نشاط المسلمين الثقافي والسياسي والعسكري، ونجحت دعايتهم في تألف قبائل غفيرة، وإدخالها في الإسلام. وكثيرون من المؤرّخين يعدّ صلح الحديبية فتحا، بل إنّ الزهري يقول فيه: ما فتح في الإسلام فتح قبله كان أعظم منه، إنما كان القتال حيث التقى الناس، فلما كانت الهدنة، ووضعت الحرب أوزارها، وأمن الناس بعضهم بعضا، والتقوا فتفاوضوا في الحديث والمنازعة، لم يكلّم أحد بالإسلام يعقل شيئا إلا دخل فيه، ولقد دخل في تيناك السنتين- بعد الحديبية- مثل ما كان في الإسلام قبل ذلك أو أكثر. قال ابن هشام: والدليل على قول الزهري أنّ رسول الله ﷺ خرج إلى الحديبية في ألف وأربعمئة، ثم خرج عام فتح مكة- بعد ذلك بسنتين- في عشرة الاف. أما المسلمون المعذّبون في مكة، فقد فرّ منهم أبو بصير عبيد بن أسيد، وهاجر إلى المدينة يبغي المقام فيها مع المسلمين، فأرسلت قريش وراءه اثنين من رجالها يرجعان به إليها تنفيذا لنصوص المعاهدة، فقال رسول الله ﷺ: «يا أبا بصير! إنّا قد أعطينا هؤلاء القوم ما قد علمت، ولا يصلح لنا في ديننا الغدر! وإنّ الله جاعل لك ومن معك من المستضعفين فرجا ومخرجا، فانطلق إلى قومك» . وحزن أبو بصير، وقال: يا رسول الله! أتردني إلى المشركين ليفتنونني في ديني؟ فلم يزد النبي عن تكرار رجائه في الفرج القريب. ثم أرسل أبا بصير مع القرشيّين، ليعودوا جميعا إلى مكة «١» . ورفض أبو بصير أن يستسلم لهذا المصير، فاحتال أثناء الطريق على سيف أحد الحارسين، وقتله به، ففرّ الاخر مذعورا، وقفل راجعا إلى المدينة يخبر رسول الله ﷺ بما وقع لصاحبه، وإذا أبو بصير يطلع متوشّحا السيف، يقول: يا رسول الله! وفّت ذمتك، وأدّى الله عنك، أسلمتني بيد القوم وامتنعت بديني أن أفتن فيه أو يعبث بي.
وقع لصاحبه، وإذا أبو بصير يطلع متوشّحا السيف، يقول: يا رسول الله! وفّت ذمتك، وأدّى الله عنك، أسلمتني بيد القوم وامتنعت بديني أن أفتن فيه أو يعبث بي.
فقال الرسول ﵊: «ويل أمّه، مسعر حرب لو كان معه رجال» «١» . وأدرك أبو بصير أنّه لا مقام له في المدينة، ولا مأمن له في مكة، فانطلق إلى ساحل البحر، في ناحية تدعى العيص، وشرع يهدّد قوافل قريش المارة بطريق الساحل، وسمع المسلمون بمكة عن مقامه، وعن كلمة الرسول ﷺ فيه: «مسعر حرب لو كان معه رجال» . فتلاحقوا بأبي بصير، يشدّون أزره، حتى اجتمع إليه قريب من سبعين ثائرا، فيهم أبو جندل بن سهيل بن عمرو. وألّف أولئك المعذّبون الناقمون جيشا، ضيّق الخناق على قريش، فلا يظفر بأحد منهم إلا قتله، ولا تمرّ بهم عير إلا اقتطعوها. وإذا قريش ترسل إلى رسول الله ﷺ تناشده الرّحم أن يؤوي إليه هؤلاء فلا حاجة لها بهم. وبذلك نزلت قريش عن الشرط الذي أملته تعنتا، وقبله المسلمون كارهين. وقصة أبي بصير وأبي جندل وإخوانهما لها دلالة مثيرة، فهي قصة العقيدة المكافحة في لؤم من الأعداء، ووحشة من الأصحاب! وهي توضّح أنّ الإيمان بالله أخذ طريقه إلى قلوب أولئك النفر مجرّدا من كل شيء إلا سلامة جوهره. إنّهم قد فقدوا الأمداد الروحية التي تجيئهم من مخالطة الرسول ﷺ، والإصغاء إليه، وهو يتلو وينصح، بيد أنهم عوّضوا عنها من الاتصال بكتابه والاقتباس من ادابه، فكانوا- في اهتدائهم للحق، وإبائهم للضيم، وإيثارهم للمغامرة- مثلا حسنى للإسلام المكافح العزيز. ولم يعد أبو بصير إلى رسول الله ﷺ، ذلك أن الإذن بالمقام معه جاء وهو يحتضر، وروى موسى بن عقبة أنّ رجال أبي بصير صادروا قافلة كان فيها أبو العاص بن الربيع صهر النبي ﷺ وهو لما يدخل الإسلام بعد- وأسروا من فيها ما عدا أبا العاص- لمكانته- فذهب أبو العاص إلى زينب امرأته، وشكا لها ما وقع لأصحابه، وما ضاع لهم من أموال، وحدّثت زينب رسول الله ﷺ في ذلك، فقام رسول الله ﷺ فخطب النّاس قائلا: «إنّا صاهرنا أناسا، وصاهرنا أبا العاص، فنعم الصّهر وجدناه، وإنّه أقبل من الشام في أصحاب له من قريش، فأخذهم أبو
جندل وأبو بصير، وأخذوا ما كان معهم؛ وإنّ زينب بنت رسول الله سألتني أن أجيرهم، فهل أنتم مجيرون أبا العاص وأصحابه؟» فقال المسلمون: نعم «١» . وبلغ هذا الحوار أبا جندل، فأفرجوا عن الأسرى، وردّوا عليهم كلّ شيء أخذ منهم حتى العقال. ثم جاء كتاب رسول الله ﷺ إلى أبي بصير ليترك مكانه، ويرجع حيث يحبّ، وكان أبو بصير يجود بأنفاسه الأخيرة، فمات والكتاب على صدره، ودفنه أبو جندل. أمّا أبو العاص بن الربيع فارتحل ببضائع قريش حتى قدم مكة، فأدى إلى الناس أموالهم حتى إذا فرغ قال: يا معشر قريش! هل بقي لأحد منكم عندي مال لم أردّه عليه؟ قالوا: لا، فجزاك الله خيرا، قد وجدناك وفيا كريما. قال: والله ما منعني أن أسلم قبل أن أقدم عليكم إلا أن تظنّوا أنّي أسلمت لأذهب بأموالكم، فإنّي أشهد ألاإله إلا الله، وأنّ محمّدا عبده ورسوله. وعاد إلى المدينة، فردّ عليه رسول الله امرأته زينب «٢» ، وكان اختلاف الدين قد فرّق بينهما، ولم ينشئ في ذلك عقدا جديدا. وقد أبى المسلمون عقيب صلح الحديبية أن يردّوا النسوة المهاجرات بدينهنّ إلى أوليائهنّ، إما لأنّهم فهموا أن المعاهدة خاصة بالرجال فحسب، أو لأنهم خشوا على النساء اللاتي أسلمن أن يضعفن أمام التعذيب والإهانة، وهنّ لا يستطعن مضطربا في الأرض وردّا للكيد، كما فعل أبو جندل وأبو بصير وأضرابهما.
لأنهم خشوا على النساء اللاتي أسلمن أن يضعفن أمام التعذيب والإهانة، وهنّ لا يستطعن مضطربا في الأرض وردّا للكيد، كما فعل أبو جندل وأبو بصير وأضرابهما.
وأيّا ما كان الأمر؛ فإنّ احتجاز من أسلم من النساء تمّ بتعليم القران، وكلف المسلمون أن يدفعوا لأزواجهنّ المشركين عوضا يستعينون به على زواج اخر إذا لم يشاؤوا الدخول في الإسلام، والعودة إلى أزواجهم الأوليات. قال الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا جاءَكُمُ الْمُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ [الممتحنة: ١٠] . والاية تشير- بجانب ما فيها من أحكام- إلى ما كانت تستمتاع به المرأة من استقلال فكريّ، وكيان أدبيّ محترم. ولو حدث ذلك اليوم لتساءل فريق كبير من المسلمين: من الذي يمتحن؟ أهو رجل أم امرأة، وإن كان رجلا، فهل يكون شابا أو شيخا؟ وهل تمتحن المرأة مباشرة أو من وراء حجاب؟.
مع اليهود مرة أخرى (يهود خيبر) بقي أمام المسلمين فريقان من الخصوم الألداء: أعراب البادية الذين يسيحون في عرض الصحراء، كالإبل السائمة، لا يعقلون شيئا، فإذا لاح مغنم طاروا وراءه، وقلّما يلفتهم حديث الإيمان بالله واليوم الاخر. وبنو إسرائيل الذين ظنوا النبوة حكرا عليهم، فهم لا يفتؤون يجبّهون المسلمين، ويكذّبون محمدا ﷺ ويجحدون رسالته، وقد أغرتهم القشور التي ورثوها من التوراة، فجادلوا المسلمين جدالا طويلا، وحرصوا أشد الحرص ألّا يعترفوا بهم، ثم ذهبوا إلى حدّ التأليب عليهم كما رأيت، فكانت سيرتهم مزيجا غريبا من الحقد والكبر والدّس، ومع ما ألهب جلودهم من سياط كاوية في صراعهم مع المسلمين، فإنّهم لم يتحولوا عن خطتهم المريبة قيد أنملة.



