— Bagian 7 · اتل، فقتل اليمان والد الصحابي المعروف حذيفة، وصر… —
Bagian 7
اتل، فقتل اليمان والد الصحابي المعروف حذيفة، وصرخ حذيفة: أبي أبي! دون جدوى. ولمّا تجمّعت فلول المسلمين بعد هذا الكرّ والفرّ، كان الإعياء قد نال منهم
أيّ منال، لولا أنّ الله قذف في قلوبهم السكينة، وأعاد إليهم- بعد هذا الزلزال- الأمل والثقة، فسكنوا حول رسول الله ﷺ يرقبون ما يجدّ، وداعب الكرى أجفان البعض من طول التعب والسهر، فإذا أغفى وسقط من يده السيف، عاودته اليقظة، فتأهب للعراك من جديد! وهذا من نعمة الله على القوم: ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعاساً يَغْشى طائِفَةً مِنْكُمْ [ال عمران: ١٥٤] . ولم تكن قريش أقلّ من المسلمين معاناة لأهوال ذلك اليوم العصيب. فقد تعبت جدّ التعب في الجولة الأولى، فلما أديل لها، وطمعت أن تجعل المعركة حاسمة قاصمة وجدت المسلمين أصلب عودا؛ دون إفنائهم صعاب لا تستطيع احتمالها، فاكتفت مما ظفرت بالإياب. وظنّ المسلمون- لأول وهلة- أن قريشا تنسحب لتهاجم المدينة نفسها، فقال النبي ﵊ لعلي بن أبي طالب: «اخرج في اثار القوم فانظر ماذا يصنعون؟ فإن هم جنّبوا الخيل وامتطوا الإبل فإنّهم يريدون مكّة، وإن ركبوا الخيل وساقوا الإبل، فهم يريدون المدينة؛ فو الذي نفسي بيده لئن أرادوها لأسيرنّ إليهم، ثم لأناجزنّهم فيها» . قال علي: فخرجت في اثارهم، فرأيتهم جنّبوا الخيل وامتطوا الإبل، واتجهوا إلى مكة «١» . قال ابن إسحاق: ثم إنّ أبا سفيان حين أراد الانصراف أشرف على الجبل، ثم صرخ بأعلى صوته: أنعمت، إنّ الحرب سجال، يوم بيوم بدر، اعل هبل!. فقال رسول الله ﷺ لعمر: «قم يا عمر فأجبه، فقل: الله أعلى وأجلّ، لا سواء، قتلانا في الجنّة وقتلاكم في النّار» . فقال له أبو سفيان: هلم إليّ يا عمر. فقال رسول الله ﷺ لعمر: «ائته فانظر ما شأنه» ، فجاءه. فقال له أبو سفيان: أنشدك الله يا عمر أقتلنا محمّدا؟ فقال عمر: اللهم لا، وإنّه ليسمع كلامك الان، قال: أنت عندي أصدق من ابن قميئة- وهو الذي زعم أنّه قتل النبيّ ﷺ.
ثم نادى أبو سفيان: إنه قد كان في قتلاكم مثلة، والله ما رضيت ولا سخطت، وما نهيت ولا أمرت «١» . ولما انصرف أبو سفيان نادى: إن موعدكم بدر العام المقبل، فقال رسول الله ﷺ لرجل من أصحابه: «قل: نعم هو بيننا وبينك موعد» «٢» .
عبر المحنة: موقعة أحد فياضة بالعظات الغوالي والدروس القيّمة، وقد نزلت في أدوارها وحوادثها ونتائجها ايات طوال، وكان لها في نفس الرسول ﵊ أثر عميق، ظلّ يذكره إلى قبيل وفاته، كانت امتحانا ثقيل الوطأة، محّض السرائر، ومزّق النقاب عن مخبوئها، فامتاز النفاق عن الإيمان، بل تميّزت مراتب الإيمان نفسه، فعرف الذين ركلوا الدنيا بنعالهم فلم يعرّجوا على مطمع من مطامعها، والذين مالوا إليها بعض الميل، فنشأ عن أطماعهم التافهة ما ينشأ عن الشرر المستصغر من حرائق مروّعة. بدأت المعركة بانسحاب ابن أبي، وهو عمل ينطوي على استهانة بمستقبل الإسلام وغدر به في أحرج الظروف، وتلك أبرز خسائس النفاق. والدعوات- إبّان امتدادها وانتصارها- تغري الكثيرين بالانضواء تحت لوائها، فيختلط المخلص بالمغرض، والأصيل بالدخيل. وهذا الاختلاط مضرّ أكبر الضرر بسير الرسالات الكبيرة وإنتاجها. ومن مصلحتها الأولى أن تصاب برجّات عنيفة، تعزل خبثها عنها، وقد اقتضت حكمة الله أن يقع هذا التمحيص في أحد:
أكبر الضرر بسير الرسالات الكبيرة وإنتاجها. ومن مصلحتها الأولى أن تصاب برجّات عنيفة، تعزل خبثها عنها، وقد اقتضت حكمة الله أن يقع هذا التمحيص في أحد:
ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلى ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَما كانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ [ال عمران: ١٧٩] . فالجبن والنكوص هما اللذان كشفا عن طوية المنافقين، فافتضحوا أمام أنفسهم وأمام الناس قبل أن تعلن عن نفاقهم السماء. فإذا تجاوزت السفوح التي يدبّ عليها أولئك المنافقون، وثبت إلى ذرا شامخة للإيمان البعيد الغور، النقيّ العنصر، يتمثل في مرحلة الهجوم المظفر الذي ابتدأ به القتال، ثم في مرحلة الدفاع النبيل الهائل الذي حمل المسلمون عبئه عند ما ارتدت الكرة للمشركين، ورجحت كفتهم. إن الرجال الذين يكتبون التاريخ بدمائهم، ويوجّهون زمامه بعزماتهم؛ هم الذين صلوا هذه الحرب، وحافظوا بها مصير الإسلام في الأرض. روي أن (خيثمة) قتل ابنه في معركة بدر فجاء إلى رسول الله ﷺ يقول: لقد أخطأتني وقعة بدر، وكنت- والله- عليها حريصا حتى ساهمت ابني في الخروج، فخرج- في القرعة- سهمه، فرزق الشهادة، وقد رأيت البارحة ابني في النوم في أحسن صورة، يسرح في ثمار الجنة وأنهارها، يقول: الحق بنا ترافقنا في الجنة، فقد وجدت ما وعدني ربي حقا!!. ثم قال: وقد أصبحت يا رسول الله مشتاقا إلى مرافقته، وقد كبرت سنّي، ورقّ عظمي، وأحببت لقاء ربّي؛ فادع الله يا رسول الله أن يرزقني الشهادة ومرافقة ابني خيثمة في الجنة، فدعا رسول الله ﵊ له، فقتل ب (أحد) شهيدا «١» .
[من بطولات الصحابة وتضحياتهم] : وكان (عمرو بن الجموح) أعرج شديد العرج، وكان له أربعة أبناء شباب يغزون مع رسول الله ﷺ، فلما توجّه إلى (أحد) أراد أن يخرج معه، فقال له بنوه: إنّ الله قد جعل لك رخصة، فلو قعدت ونحن نكفيك، وقد وضع الله عنك الجهاد. فأتى عمرو رسول الله ﷺ، فقال: إنّ بنيّ هؤلاء يمنعونني أن أجاهد معك،
ل له بنوه: إنّ الله قد جعل لك رخصة، فلو قعدت ونحن نكفيك، وقد وضع الله عنك الجهاد. فأتى عمرو رسول الله ﷺ، فقال: إنّ بنيّ هؤلاء يمنعونني أن أجاهد معك،
وو الله إنّي لأرجو أن أستشهد فأطأ بعرجتي هذه في الجنة!! فقال له رسول الله ﷺ: «أمّا أنت فقد وضع الله عنك الجهاد» . وقال لبنيه: «وما عليكم أن تدعوه لعلّ الله ﷿ أن يرزقه الشهادة» ، فخرج مع رسول الله ﷺ، فقتل يوم أحد شهيدا «١» . وقال نعيم «٢» بن مالك: يا نبيّ الله لا تحرمنا الجنّة- وذلك قبل نشوب القتال- فو الذي نفسي بيده لأدخلنها!! فقال له رسول الله ﷺ: «بم؟» قال: بأنّي أحبّ الله ورسوله، ولا أفرّ يوم الزّحف، فقال له رسول الله ﷺ: «صدقت» واستشهد يومئذ. وقال عبد الله بن جحش في ذلك اليوم: اللهم إنّي أقسم عليك أن ألقى العدوّ غدا فيقتلوني، ثم يبقروا بطني، ويجدعوا أنفي وأذني، ثم تسألني: فيم ذلك؟ فأقول: فيك «٣» !. هذه صورة للرجولة الفارعة التي اصطدم بها الكفر أول المعركة واخرها، فماد أمامها، واضطربت من تحت أقدامه الأرض، فما ربح شيئا في بداية القتال، ولا انتفع بما ربح اخره. وهذا اللون من البطولة مدفون تحت جدران التاريخ الإسلامي القائم إلى اليوم، وما يقوم للإسلام صرح، ولا ينكفّ عنه طغيان إلا بهذه القوى المذخورة المضغوطة في أفئدة الصدّيقين والشهداء.
من سرّ هذا الإلهام؟ من مشرق هذا الضياء؟ من مبعث هذا الاقتدار؟ إنه محمد ﷺ! إنه هو الذي ربّى ذلكم الجيل الفذّ، ومن قلبه الكبير أترعت هذه القلوب تفانيا في الله، وإيثارا لما عنده.
هذا الضياء؟ من مبعث هذا الاقتدار؟ إنه محمد ﷺ! إنه هو الذي ربّى ذلكم الجيل الفذّ، ومن قلبه الكبير أترعت هذه القلوب تفانيا في الله، وإيثارا لما عنده.
[إصابة النبي ﷺ] : وقد أصيب هذا النبي الجليل ﷺ في (أحد) أصيب في بدنه؛ إذ دخلت حلقات المغفر في وجهه، فأكبّ عليه أبو عبيدة يعالج انتزاعها بفمه، فما خلصت من لحمه حتى سقطت معها ثنيتاه «١» ، ونزف الدم- غزارة- من جراحته، كلّما سكب عليه الماء ازداد دفقا، فما استمسك حتى أحرقت قطعة من حصير فألصقت به «٢» . وكسرت كذلك رباعيته «٣» ، وكسرت البيضة «٤» على رأسه؛ ومع ذلك فقد ظل متقد الذهن، يوجه أصحابه إلى الخير حتى انتهت المعركة. ثم أصيب في أهله، فقتل حمزة بحربة انغرزت في أحشائه، وجاءت (هند) امرأة أبي سفيان، فاستخرجت كبده من بطنه، ولاكتها بفمها، ثم لفظتها لانفجار المرارة. وقد كان رسول الله ﷺ يعز حمزة، ويحبه أشد الحب، فلما رأى شناعة المثلة في جسمه تألم أشد الألم، وقال: «لن أصاب بمثلك أبدا، ما وقفت قط موقفا أغيظ إليّ من هذا» «٥» بيد أن التسليم لله لم يلبث أن مسح هذه الأحزان العارضة، وعاد رسول الله ﷺ يتفقد أصحابه، ويخفّف ما نزل بهم، ويسكب من
إيمانه على نفوسهم ما يملؤها عزاء ورضا عن الله واستكانة لقضائه. روى الإمام أحمد «١» : لما كان يوم أحد، وانكفأ المشركون قال رسول الله ﷺ: «استووا حتى أثني على ربّي ﷿» ، فصاروا خلفه صفوفا، فقال: «اللهم! لك الحمد كلّه. اللهم! لا قابض لما بسطت ولا باسط لما قبضت، ولا هادي لمن أضللت، ولا مضلّ لمن هديت، ولا معطي لما منعت، ولا مانع لما أعطيت؛ ولا مقرّب لما باعدت، ولا مبعّد لما قرّبت. اللهم! ابسط علينا من بركاتك ورحمتك وفضلك ورزقك. اللهم! إنّي أسألك النعيم المقيم، الذي لا يحول ولا يزول. اللهم! إنّي أسألك العون يوم العيلة، والأمن يوم الخوف. اللهم! إنّي عائذ بك من شرّ ما أعطيتنا وشرّ ما منعتنا. اللهمّ! حبّب إلينا الإيمان، وزيّنه في قلوبنا، وكرّه إلينا الكفر والفسوق والعصيان، واجعلنا من الرّاشدين. اللهم! توفنا مسلمين، وأحينا مسلمين، وألحقنا بالصالحين، غير خزايا ولا مفتونين. اللهم! قاتل الكفرة الذين يكذّبون رسلك، ويصدون عن سبيلك، واجعل عليهم رجزك وعذابك. اللهم! قاتل الكفرة الذين أوتوا الكتاب، إله الحقّ» .
[دروس وعبر] : ترفق القران الكريم وهو يعقّب على ما أصاب المسلمين في (أحد) على عكس ما نزل في بدر من ايات، ولا غرو؛ فحساب المنتصر على أخطائه أشدّ من حساب المنكسر.
: ترفق القران الكريم وهو يعقّب على ما أصاب المسلمين في (أحد) على عكس ما نزل في بدر من ايات، ولا غرو؛ فحساب المنتصر على أخطائه أشدّ من حساب المنكسر.
في المرة الأولى قال: تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٦٧) لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيما أَخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (٦٨) [الأنفال] . أما في أحد فقال: مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ [ال عمران: ١٥٢] . حسب المخطئين ما لحقهم من أوضار الهزيمة، وفي القصاص العاجل درس يذكّر المخطئ بسوء ما وقع فيه. وقد اتجهت الايات إلى مزج العتاب الرقيق بالدرس النافع وتطهير المؤمنين، حتى لا يتحوّل انكسارهم في الميدان إلى قنوط يفلّ قواهم، وحسرة تشل إنتاجهم: قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (١٣٧) هذا بَيانٌ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٨) وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣٩) [ال عمران] . ثم مضى الوحي يعلّم المسلمين ما جهلوا من سنن الدين والحياة، أو يذكّرهم بما نسوا من ذلك، فبيّن أنّ المؤمن- مهما عظمت بالله صلته- فلا ينبغي أن يغترّ به، أو يحسب الدنيا دانت له، أو يظنّ قوانينها الثابتة طوع يديه. كلا، كلا؛ فالحذر البالغ والعمل الدائم هما عدتا المسلم لبلوغ أهدافه المرسومة، ويوم يحسب المسلم أنّ الأيام كلها كتبت له، وأنّ شيئا منها لن يكون عليه، وأنّ أمجاد الدارين تنال دون بذل التكاليف الباهظة، فقد سار في طريق الفشل الذريع. إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ [ال عمران: ١٤٠] . أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ (١٤٢) [ال عمران] .
: ١٤٠] . أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ (١٤٢) [ال عمران] . وأولو الألباب يستحيون أن يطلبوا السلعة الغالية بالثّمن التافه، وهم يبدون استعدادهم للتضحية بأنفسهم لقاء ما ينشدون؛ بيد أن الاستعداد أيام الأمن يجب ألا يزول أيّام الروع.
إنّ الإنسان- في عافيته- قد يتصوّر الأمور سهلة مبسّطة، وقد يتأدّى به ذلك إلى المجازفة والخداع. فليحذر المؤمن هذا الموقف، وليستمع إلى تأنيب الله لمن تمنّوا الموت ثم حادوا عنه لما جاء: وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (١٤٣) [ال عمران] . ثم عاتب الله ﷿ من أسقط في أيديهم، وانكسرت همتهم، لمّا أشيع أن الرسول ﵊ مات، ما كذلك يسلك أصحاب العقائد! إنهم أتباع مبادئ لا أتباع أشخاص. ولو افترض أنّ الرسول ﷺ قتل وهو ينافح عن دين الله، فحقّ على أصحابه أن يثبتوا في مستنقع الموت، وأن يردوا المصير نفسه الذي ورده قائدهم، لا أن ينهاروا ويتخاذلوا. إنّ عمل محمّد ﵊ ينحصر في إضاءة الجوانب المعتمة من فكر الإنسان وضميره، فإذا أدى رسالته ومضى، فهل يسوغ للمستنير أن يعود إلى ظلماته فلا يخرج منها!. لقد جمع محمد ﷺ الناس حوله على أنّه عبد الله ورسوله، والذين ارتبطوا به عرفوه إماما لهم في الحق، وصلة لهم بالله. فإذا مات عبد الله، ظلّت الصلة الكبرى بالحيّ الذي لا يموت باقية نامية: وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ (١٤٤) [ال عمران] . وقد استطرد النّظم الكريم يبصّر المؤمنين بمواطن العبرة فيما نالهم، ويعلّمهم كيف يتقون في المستقبل هذه المازق، وينتهز هذه الكبوة العارضة ليعزل عن جماعة المسلمين من خالطوهم على دخل، وعاشروهم على نفاق.
لعبرة فيما نالهم، ويعلّمهم كيف يتقون في المستقبل هذه المازق، وينتهز هذه الكبوة العارضة ليعزل عن جماعة المسلمين من خالطوهم على دخل، وعاشروهم على نفاق. ولئن أفادت وقعة (بدر) في خذل الكافرين، إن وقعة (أحد) أفادت مثلها في فضح المنافقين، ورب ضارة نافعة، وربما صحّت الأجسام بالعلل. ولعلّ ما ترتّب على عصيان الأوامر في هذه الموقعة درس عميق يتعلّم منه
المسلمون قيمة الطاعة، فالجماعة التي لا يحكمها أمر واحد، أو التي تغلب على أفرادها وطوائفها النزعات الفردية النافرة لا تنجح في صدام، بل لا تشرّف نفسها في حرب أو سلام. والأمم كلّها- مؤمنها وكافرها- تعرف هذه الحقيقة، ولذلك قامت الجندية على الطاعة التامة، وعند ما تشتبك أمة في حرب، تجعل أحزابها جبهة واحدة، وأهواءها رغبة واحدة، وتخمد كلّ تمرّد أو شذوذ ينجم في صفوفها. وإحسان الجندية كإحسان القيادة. فكما أنّ إصدار الأوامر يحتاج إلى حكمة، فإن إنفاذها يحتاج إلى كبح وكبت، ولكن عقبى الطاعة في هذه الشؤون تعود على الجماعة بالخير الجزيل. وأسرع الناس إلى الشغب والتمرد من أقصوا عن الرئاسة وهم إليها طامحون. وكان عبد الله بن أبيّ مثلا لهذه الفئة، التي تضحّي بمستقبل الأمة في سبيل أطماعها الخاصة. أمّا الرماة الذين عصوا الأوامر بلزوم أماكنهم مهما كانت أطوار القتال فقد مرّت بهم فترة ضعف وذهول، تيقظت- خلالها- بقية في أنفسهم من حبّ الدنيا، والإقبال على عرضها الزائل، فكان إثر ذلك ما كان!. ولذلك لما دهش المسلمون للكارثة التي قلبت عليهم الأمور، بيّن الله لهم أنهم هم مصدرها، فما أخلفهم موعدا، ولا ظلمهم حقا. أَوَلَمَّا أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْها قُلْتُمْ أَنَّى هذا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٦٥) [ال عمران] . إن الإسلام يشترط لكمال العمل وقبوله الإيمان، والاحتساب، والتجرّد.
شهداء أحد: أخذت قريش طريقها إلى مكة وقد استخفّها النّصر الذي أحرزته. إنها طارت به على عجل، كأنّها غير واثقة مما نالت بعد الهزيمة التي حاقت بها أول القتال!!. وأقبل المسلمون يتحسّسون مصابهم في الرجال، ويجهّزون القتلى لمضاجعهم التي يبرزون منها للقاء الله يوم ينفخ في الصور.
لهزيمة التي حاقت بها أول القتال!!. وأقبل المسلمون يتحسّسون مصابهم في الرجال، ويجهّزون القتلى لمضاجعهم التي يبرزون منها للقاء الله يوم ينفخ في الصور.
روى ابن إسحاق «١» أنّ رسول الله ﷺ قال: «من رجل ينظر لي ما فعل سعد بن الرّبيع؟ أفي الأحياء هو أم في الأموات؟» فقال رجل من الأنصار: أنا. فنظر، فوجده جريحا في القتلى، وبه رمق، فقال له: إنّ رسول الله ﷺ أمرني أن أنظر، أفي الأحياء أنت أم في الأموات؟ فقال: أنا في الأموات، فأبلغ رسول الله ﷺ سلامي! وقل له: إنّ سعد بن الربيع يقول لك: جزاك الله عنّا خير ما جزى نبيّا عن أمته! وأبلغ قومك عني السلام وقل لهم إنّ سعد بن الربيع يقول لكم: إنه لا عذر لكم عند الله إن خلص إلى نبيّكم وفيكم عين تطرف ... !. قال: ثم لم أبرح حتّى مات، وجئت النبيّ ﵊ فأخبرته خبره. وأمر رسول الله ﷺ بدفن الشهداء حيث قتلوا، ورفض أن ينقلوا إلى مقابر أسرهم. قال جابر بن عبد الله: لمّا كان يوم أحد جاءت عمّتي بأبي لتدفنه في مقابرنا، فنادى منادي رسول الله ﷺ: «ردّوا القتلى إلى مضاجعهم» «٢» . وكان رسول الله ﷺ يجمع بين الرجلين من قتلى أحد في ثوب واحد، ثم
مّتي بأبي لتدفنه في مقابرنا، فنادى منادي رسول الله ﷺ: «ردّوا القتلى إلى مضاجعهم» «٢» . وكان رسول الله ﷺ يجمع بين الرجلين من قتلى أحد في ثوب واحد، ثم
يقول: «أيّهم أكثر أخذا للقران؟» فإذا أشير إلى أحدهما قدّمه في اللحد، وقال: «أنا شهيد على هؤلاء يوم القيامة!» وأمر بدفنهم بدمائهم، ولم يصلّ عليهم، ولم يغسّلهم.. «١» . ولما انصرف عنهم قال: «أنا شهيد على هؤلاء، إنّه ما من جريح يجرح في سبيل الله إلا والله يبعثه يوم القيامة يدمى جرحه، اللون لون دم، والرّيح ريح مسك» «٢» . إنّ معركة أحد تركت اثارا غائرة في نفس النبيّ ﵊ ظلت تلازمه إلى اخر عهده بالدنيا. في هذا الجبل الداكن الجاثم حول يثرب أودع محمد ﷺ أعزّ الناس عليه، وأقربهم إلى قلبه، فالصفوة النقية التي حملت أعباء الدعوة، وعادت في سبيل الله الأقربين والأبعدين، واغتربت بعقائدها قبل الهجرة وبعدها، وأنفقت وقاتلت، وصبرت وصابرت، هذه الصفوة اختطّ لها القدر مثواها الأخير في هذا الجبل الأشم، فتوسّدت ثراه راضية مرضية، وكان رسول الله يتذكّر سير أولئك الأبطال ومصائرهم فيقول: «أحد جبل يحبّنا ونحبّه» «٣» . فلمّا حانت وفاته، جعل اخر عهده بذكريات البطولة أن يزور قتلى أحد وأن يدعو الله لهم، وأن يعظ الناس بهم!!. عن عقبة بن عامر، قال: صلّى رسول الله ﷺ على قتلى أحد بعد ثماني
سنين كالمودّع للأحياء والأموات، ثم طلع المنبر، فقال: «إنّي بين أيديكم فرط، وأنا عليكم شهيد، وإنّ موعدكم الحوض، وإني لأنظر إليه من مقامي هذا. وإنّي لست أخشى عليكم أن تشركوا، ولكن أخشى عليكم الدّنيا أن تنافسوها!» . قال عقبة: فكان اخر نظرة نظرتها إلى رسول الله «١» .
لأنظر إليه من مقامي هذا. وإنّي لست أخشى عليكم أن تشركوا، ولكن أخشى عليكم الدّنيا أن تنافسوها!» . قال عقبة: فكان اخر نظرة نظرتها إلى رسول الله «١» .
[حمراء الأسد] : على أنّ المسلمين دفنوا موجدتهم في أفئدتهم، ولم يستسلموا لأحزان المصاب الذي حلّ بهم، وكان تكاثر خصومهم حولهم سببا في أن يقاوموا عوامل الخور، وأن يبدوا للناس بقية من قوة تردّ عنهم كيد المتربّصين، على نحو ما قال الشاعر: وتجلّدي للشامتين أريهم ... أنّي لريب الدّهر لا أتضعضع وقد كانت الهزيمة في أحد فرصة انتهزها المنافقون واليهود، وكل ذي غمر على محمّد ﵊ ودينه وأصحابه، ففارت المدينة كالمرجل المتّقد، وكشف عن عداوته من كان قبلا يواريها، وتحدّث الكافرون بالإسلام عن خذلان السماء للنبيّ المرسل من عند الله. فرأى الرسول ﷺ أن يعيد تنظيم رجاله على عجل، وأن يتحامل الجريح مع السليم على تكوين جيش جديد، يخرج في أعقاب قريش ليطاردها، ويمنع ما قد يجد من تكرار عدوانها!!. كانت معركة أحد في يوم السبت لخمسة عشر من شوال، وكان خروج هذا الجيش في الأحد لستة عشر منه. وسار رسول الله ﷺ والمسلمون معه حتى بلغوا (حمراء الأسد) «٢» ، واقتربوا من جيش أبي سفيان، وكان رجال قريش- بعد أن ضمّهم الفضاء الرحب قد عادوا إلى التفكير فيما حدث، وأخذوا يتلاومون، يقول بعضهم لبعض: لم تصنعوا شيئا، أصبتم شوكة القوم، ثم تركتموهم ولم تبتروهم، وقد بقيت منهم رؤوس يجمعون لكم!.
إلا أنّ هذا التفكير تزلزل إثر ما عرفت قريش أنّ المسلمين عبّؤوا قواهم، وخرجوا يستأنفون القتال. وحار المشركون في أمرهم: أيعودون لحرب لا يأمنون مغبتها، وربما أفقدتهم ثمار النصر الذي أحرزوه؟ أم يمضون- لتوهم- إلى مكة؟ وفي هذه الحال يتحسن مركز المسلمين، وتخفّ مرارة الهزيمة التي لحقتهم. وقد رأى أبو سفيان أن يغنم الأوبة الرابحة، وأن يبعث إلى المسلمين من يقذف بالرعب في قلوبهم، ويخبرهم أن قريشا عادت لاستئصال شأفتهم بعد أن تبيّن لها خطؤها في تركهم. وعسكر المسلمون ب (حمراء الأسد) ثم جاءهم دسيس أبي سفيان يغريهم بالعودة إلى يثرب نجاة بأنفسهم من كرّة المشركين عليهم، وهم لا يقدرون على ملاقاتهم!. بيد أنّ المسلمين قبلوا التحدّي، وظلوا في معسكرهم يوقدون النار طيلة ثلاث ليال، في انتظار قريش التي ترجّح لديها أنّ النجاة بنفسها أولى، فعادت إلى مكة، وعاد المسلمون إلى المدينة ليدخلوها مرة أخرى، أرفع رؤوسا، وأعزّ جانبا. وفي هذه المظاهرة الناجحة، وفيمن اشتركوا فيها على ألم الجراح وإرهاق التعب، وفي ثباتهم على التثبيط واطمئنانهم إلى جانب الله، نزلت الايات الكريمة: الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ ما أَصابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٧٢) الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزادَهُمْ إِيماناً وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (١٧٣) فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ (١٧٤) [ال عمران] .
اثار أحد: انتقض على الإسلام كثير ممن هادنه أو داهنه. وبرغم مظهر البأس الذي أبداه المسلمون في مطاردة المشركين حتى (حمراء الأسد) ؛ فإنّ هزيمة (أحد) كانت أبعد غورا مما يظنون. لقد جرّأت عليهم أعراب البادية، وفتحت لهم أبواب الأمل في الإغارة على المدينة، وانتهاب خيرها.
مراء الأسد) ؛ فإنّ هزيمة (أحد) كانت أبعد غورا مما يظنون. لقد جرّأت عليهم أعراب البادية، وفتحت لهم أبواب الأمل في الإغارة على المدينة، وانتهاب خيرها.
كما أنّ اليهود عالنوا بسخريتهم، وتركوا وساوس الغش تلحّ عليهم، وتكدّر سيرتهم مع المسلمين. ومن أصعب الأمور قياد الأمم عقب الهزائم الكبيرة، وقياد الدعوات بعد الانكسارات الخطيرة، وإن كان الرجال يستسهلون الصعب، ويصابرون الأيام حتى يجتازوا الأزمات. وقد جاءت السّنة الرابعة للهجرة والمسلمون لمّا يداووا جراحاتهم في (أحد) ؛ إلّا أنّ الأحداث لا تنتظر، فقد أخذ البدو يتحرّكون نحو المدينة، يحسبون أنّ ما فيها أصبح غنيمة باردة، وأول من تهيّأ لغزو المدينة بنو أسد، فسارع رسول الله ﷺ إلى بعث أبي سلمة على رأس مئة وخمسين رجلا؛ ليبغت القوم في ديارهم قبل أن يقوموا بغارتهم «١» . ولم يلق أبو سلمة عناء في تشتيت أعدائه واستياق نعمهم أمامه، حتى عاد إلى المدينة مظفرا، وأبو سلمة يعدّ من خيرة القادة الذين صحبوا رسول الله ﷺ وسبقوا إلى الإيمان والجهاد معه، وقد عاد من هذه الغزاة مجهودا؛ إذ نغر عليه جرحه الذي أصابه في أحد، فلم يلبث حتى مات. وحاول خالد بن سفيان الهذلي أن يحشد الجموع لحرب المسلمين، فأرسل إليه النبي ﷺ عبد الله بن أنيس فقتله «٢» وهو يجتهد في تأليب القبائل للهجوم على المدينة. وثارت هذيل لرجلها بأن أعانت على تسليم أسرى المسلمين إلى أهل مكة في غزوة الرّجيع.
له بن أنيس فقتله «٢» وهو يجتهد في تأليب القبائل للهجوم على المدينة. وثارت هذيل لرجلها بأن أعانت على تسليم أسرى المسلمين إلى أهل مكة في غزوة الرّجيع.
[قصة الرجيع] : وأصل قصّة الرّجيع هذه، أن وفدا من قبائل عضل والقارة، قدم على رسول الله يذكر أنّ أنباء الإسلام وصلت إليهم، وأنهم يحتاجون إلى رجال يعلمونهم الدين، ويقرئونهم القران، فأرسل النبي ﷺ معهم رهطا من الدعاة يرأسهم عاصم بن ثابت، فانطلق الجميع حتى إذا كانوا بين عسفان ومكة قريبا من مياه هذيل شعر الدعاة بأنّ أصحابهم غدروا بهم، واستصرخوا هذيلا عليهم. وفزع الدعاة إلى أسلحتهم يقاتلون الغادرين ومن أعانهم من قبيلة هذيل، وماذا يجدي قتال نفر يعدّون على الأصابع لنحو مئة من الرماة وراءهم قومهم يشدّون أزرهم؟ لذلك لم يلبث عاصم وصحبه أن قتلوا. واستسلم للأسر منهم ثلاثة نفر: خبيب، وزيد بن الدثنة، وعبد الله بن طارق، فاسترقهم الهذليون وخرجوا بهم إلى مكة ليبيعوهم بها، ومعنى بيعهم بمكة تسليمهم للقتلة المتربصين؛ فإن أولئك النفر من الرجال الذي قاتلوا مع رسول الله ﷺ في بدر وأحد، ولأهل مكة لديهم ترات، يودّون الاشتفاء منها، وقد حاول عبد الله الإفلات من هذا المصير فقتل، وأما (خبيب) و (زيد) فأخذهما رجال قريش ليقتلوهما، أخذا بثأرهم القديم. فأما زيد فابتاعه صفوان بن أمية؛ ليقتله بأبيه، ولما خرجوا به من الحرم، اجتمع حوله رهط من قريش- فيهم أبو سفيان بن حرب- فقال له أبو سفيان حين قدّم ليقتل-: أنشدك بالله يا زيد أتحب أنّ محمدا الان عندنا مكانك تضرب عنقه، وأنّك في أهلك؟ فقال: والله ما أحبّ أنّ محمدا الان في مكانه الذي هو فيه تصيبه شوكة تؤذيه، وإني جالس في أهلي. فقال أبو سفيان: ما رأيت من الناس أحدا يحبّ أحدا كحبّ أصحاب محمّد محمدا. ثم قتل زيد. وأما خبيب فقد اشتراه عقبة بن الحارث، ليقتله بأبيه، فلما خرجوا بخبيب من الحرم ليصلبوه قال لهم: إن رأيتم أن تدعوني حتى أركع ركعتين فافعلوا، قالوا: دونك فاركع. فركع ركعتين أتمهما وأحسنهما، ثم أقبل على القوم فقال:
ا بخبيب من الحرم ليصلبوه قال لهم: إن رأيتم أن تدعوني حتى أركع ركعتين فافعلوا، قالوا: دونك فاركع. فركع ركعتين أتمهما وأحسنهما، ثم أقبل على القوم فقال: أما والله لولا أن تظنّوا أنّي إنما طوّلت جزعا من القتل لاستكثرت من الصّلاة، فكان خبيب أول من سنّ هاتين الركعتين عند القتل ثم رفعوه على خشبة.
فلما أوثقوه قال: اللهم إنا قد بلّغنا رسالة رسولك، فبلّغه الغداة ما يصنع بنا. ثم قال: اللهم أحصهم عددا، واقتلهم بددا، ولا تغادر منهم أحدا «١» ، واستقبل الموت وهو ينشد: ولست أبالي حين أقتل مسلما ... على أيّ جنب كان في الله مصرعي وذلك في ذات الإله وإن يشأ ... يبارك على أوصال شلو ممزّع حزن المسلمون لفقدانهم عاصما وصحبه، ولمصرع أسيريهم على هذا النحو الفاجع، فقد خسروا فريقا من الدعاة الأكفاء الشجعان يحتاج إليهم الإسلام في هذه الفترة من تاريخه، ثم إنّ اصطياد الرجال بهذه الطريقة زاد المسلمين توجّسا وقلقا؛ إذ إن ذلك المسلك دل على مبلغ طماعية العرب في أهل الإيمان، واستهتارهم بأرواحهم، وجرأتهم على النيل منهم دون تخوّف أو محاذرة قصاص!.
[شهداء القرّاء في بئر معونة] : ومع أن هذه الواقعة توجب على المسلمين أن يتبصّروا قبل بعث أيّ وفد لنشر الإسلام بين القبائل البعيدة والمجاهل المريبة، إلا أن ضرورة بثّ الدعوة مهما فدحت الخسائر- جعلت النبي ﷺ ينظر إلى هذه التضحيات على أنّها أمر لا بدّ منه؛ كالتاجر الذي يتحمّل المغارم الثقيلة حينا من الدهر، لأنّ الانسحاب من السوق- بغية تجنّبها- قضاء عليه، فهو يبقى متجمّلا حتى تهبّ الريح من جديد رخاء تعوّض ما فقد، وذلك سرّ استجابة الرسول ﷺ لأبي براء عامر بن مالك الملقّب بملاعب الأسنّة حين عرض عليه أن يرسل وفدا من الدعاة ينشرون الإسلام بين قبائل نجد. وقد أبدى النبيّ ﷺ خشيته من أن يصاب رجاله بسوء وسط قبائل ضارية لا يؤمن ذمامها، فقال أبو براء: أنا لهم جار «٢» !!.
لدعاة ينشرون الإسلام بين قبائل نجد. وقد أبدى النبيّ ﷺ خشيته من أن يصاب رجاله بسوء وسط قبائل ضارية لا يؤمن ذمامها، فقال أبو براء: أنا لهم جار «٢» !!.
وخرج الدعاة من المدينة، حتى بلغوا (بئر معونة) وكانوا سبعين من خيار المسلمين، يعرفون بالقرّاء، يحتطبون بالنهار، ويصلّون بالليل، ويحيون على هذا النّسق الرتيب من جهاد للحياة ورغبة في الاخرة. فلما أمرهم الرسول بالمسير لإبلاغ رسالات الله خرجوا، وما كانوا يعرفون أنهم- جميعا- يحثّون الخطا إلى مصارعهم في أرض انتشر الغادرون في فجاجها. وحينما انتهى القرّاء إلى (بئر معونة) بعثوا أحدهم- حرام بن ملحان- إلى (عامر بن الطفيل) رأس الكفر في هذه البقاع، فأعطاه كتاب النبي ﷺ الذي يدعوه فيه إلى الإسلام، فلم ينظر عامر في الكتاب، وأمر رجلا من أتباعه أن يغدر بحامل الرسالة، فما شعر حرام إلا وطعنة نجلاء تخترق ظهره، وتنفذ من صدره، وكأنّ هذه الشهادة المفاجئة لاقت رجلا يتمنّاها من قديم، فقد صاح حرام على إثر ذلك: فزت وربّ الكعبة!. ومضى عامر في غشمه، فاستصرخ أعوانه، ليواصلوا العدوان على سائر القوم، فانضمت إليه قبائل رعل وذكوان والقارة؛ فهجم بهم عامر على القرّاء الوادعين. ورأى هؤلاء الموت مقبلا عليهم من كلّ صوب، فهرعوا إلى سيوفهم، يدفعون عن أنفسهم دون جدوى؛ إذ استطاع الأعراب الهمج أن يغشوهم في رحالهم، وأن يستأصلوهم عن اخرهم. وكان في سرح القرّاء اثنان لم يشهدا هذه المأساة، منهم (عمرو بن أمية الضمري) ولم يعرفا النبأ المحزن إلا من أفواج الطير المتوحّشة تنطلق نحو المعسكر، محوّمة حول الجثث الملقاة على الرمل الأعفر، طاعمة مما تستطيع اختطافه بأظافرها ومناقرها. قالا: والله إنّ لهذه الطير لشأنا، فأقبلا لينظرا، فإذا القوم مضرّجون في دمائهم، وإذا الخيل التي أصابتهم واقفة! قال زميل عمرو له: ماذا ترى؟ قال عمرو: أرى أن نلحق برسول الله ﷺ نقصّ عليه الخبر، لكنّ زميله كره هذا الرأي، وكان له بين من استشهدوا صديق حميم يدعى المنذر؛ لذلك
عمرو له: ماذا ترى؟ قال عمرو: أرى أن نلحق برسول الله ﷺ نقصّ عليه الخبر، لكنّ زميله كره هذا الرأي، وكان له بين من استشهدوا صديق حميم يدعى المنذر؛ لذلك
أجاب عمرو بن أمية قائلا: ما كنت لأرغب بنفسي عن موطن قتل فيه المنذر! وما كنت لأبقى حتى أقصّ خبره على الرجال! وهجم على الأعراب يقاتلهم حتى قتل، وأخذ عمرو أسيرا فأعتقه عامر بن الطفيل كبير الغادرين عن رقبة زعم أنها على أمه!.
[المصاب الفادح] : ورجع عمرو إلى النبي ﷺ حاملا معه أنباء المصاب الفادح، مصرع سبعين من أفاضل المسلمين، تذكّر نكبتهم الكبيرة بنكبة أحد إلا أنّ هؤلاء ذهبوا في قتال واضح؛ وأولئك ذهبوا في غدرة شائنة. إنّ هذه النازلة ملأت قلوب المسلمين غيظا، وهم لم يضيقوا بخسائرهم فحسب، بل الذي أحرج مشاعرهم في هذه الحادثة أنّها كشفت عما تخبئه الوثنية في ضميرها من غلّ كامن على الإسلام وأهله، غلّ عصف بكل مبادئ الشرف والوفاء، وأباح لكل غادر أن يلحق الأذى بالمؤمنين متى شاء وكيف شاء. وفي طريق عمرو إلى المدينة لقي رجلين ظنّهما من بني عامر، فقتلهما ثأرا لأصحابه، ثم تبيّن أنهما من بني كلاب، وأنّهما معاهدين للمسلمين. ولمّا قدم عمرو على الرسول ﵊ وأخبره الخبر، قال النبي ﷺ للناس: «إنّ أصحابكم أصيبوا، وإنّهم قد سألوا ربّهم فقالوا: ربّنا أخبر عنّا إخواننا بما رضينا عنك ورضيت عنّا» «١» . ثم قال النبي ﷺ لعمرو: «لقد قتلت قتيلين لأدينّهما» «٢» ، وانشغل بجمع دياتهما من المسلمين وحلفائهم اليهود!.
[استعادة هيبة المسلمين] : إنّ نجاح الإسلام في ترسيخ أقدامه بالجزيرة أحفظ قلوبا كثيرة، ولا ريب أنّ تأميل المسلمين في المستقبل، وارتقابهم المزيد في الفتح زاد ضغن
الضاغنين، وقد كان الناقمون والمتربّصون يصفون المسلمين بالغرور: إِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هؤُلاءِ دِينُهُمْ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٤٩) [الأنفال] ، غير أنّ هذه الكراهية اختفت أمدا بعد انتصار (بدر) بل لعلّ هذا النصر أغرى جمهورا من الضعاف والمترددين بالانضواء تحت علم الدّين الجديد. فلما تقلّبت الليالي بالمسلمين، ولحقتهم الهزائم، انفجر الحقد المكبوت، ونهض خصوم الإسلام يناوشونه في كل مكان. وقد قلنا: إنّ النبي ﷺ أدرك هذه الحال بعد (أحد) فبذل جهده ليستعيد هيبة المسلمين، ويوطّد ما اضطرب من مكانتهم، ولذلك اشتدّ الصراع بين الجانبين: المشركون يظنّون الفرصة سانحة لإتباع (أحد) بمثلها أو أشدّ، والمسلمون يرون محوها إلى الأبد. على أنّ الخسائر تلاحقت بالمسلمين في الرجيع وبئر معونة كما مر بك، ودخل الإيمان في محنة بعد أخرى، ومع هذه البأساء لم يفقد الرجال الواثقون صلتهم بربهم، واطمئنانهم إلى غدهم، وشرعوا يردّون الضربة بمثلها، فلمّا تحرّك اليهود في هذه الاونة العصيبة ليغتالوا رسول الله ﷺ لم يتوان في إنزال العقوبة الرادعة بهم.
طمئنانهم إلى غدهم، وشرعوا يردّون الضربة بمثلها، فلمّا تحرّك اليهود في هذه الاونة العصيبة ليغتالوا رسول الله ﷺ لم يتوان في إنزال العقوبة الرادعة بهم.
إجلاء بني النضير وتفصيل ذاك الغدر أنّ النبيّ ﵊ ذهب إلى منازل بني النضير ليستعين بهم في دية القتيلين اللذين قتلهما (عمرو بن أمية) مرجعه من بئر معونة، فلما فاوضهم الرسول ﷺ في الأمر، أظهروا الرضا بمعونته، فجلس إلى جنب جدار من بيوتهم، ينتظر وفاءهم بما وعدوا، لكنّ يهود خلا بعضهم إلى بعض، ثم قالوا: إنّكم لن تجدوا الرجل على مثل حاله هذه- خلوّ بال واطمئنان نفس- فمن رجل يعلو ظهر هذا البيت، فيلقي عليه صخرة، ويريحنا منه!. وحين أوشك اليهود على إنفاذ مكيدتهم ألهم رسول الله ﷺ الخطر المدبّر له، فنهض- عجلا- من جوار البيت الذي جلس إلى جنب جداره، وقفل راجعا إلى المدينة. وشعر أصحاب النبيّ ﷺ بمغيبه، فقاموا في طلبه، فإذا رجل مقبل من المدينة، يخبرهم أنّه راه يدخلها، فأسرعوا يلحقون به، فلما انتهوا إليه، أخبرهم بما كادت له يهود، وقد عرف- بعد- أنّ عمرو بن جحّاش هو الذي أراد قتل النبي ﷺ بإلقاء الرحى عليه، ولم ينج الشقيّ من عواقب جرمه، ولا نجا قومه، فإنّ رسول الله ﷺ ما لبث أن استدعى محمد بن مسلمة، وقال له: «اذهب إلى بني النّضير فمرهم أن يخرجوا من المدينة، ولا يساكنوني بها، وقد أجّلتهم عشرا فمن وجدت بعد ذلك ضربت عنقه» «١» .
ستدعى محمد بن مسلمة، وقال له: «اذهب إلى بني النّضير فمرهم أن يخرجوا من المدينة، ولا يساكنوني بها، وقد أجّلتهم عشرا فمن وجدت بعد ذلك ضربت عنقه» «١» .
ولم يجد يهود مناصا من الخروج، فأخذو يتجهّزون للرحيل، بيد أنّ منافقي المدينة، وعلى رأسهم عبد الله بن أبي أرسلوا إليهم: أن اثبتوا، ونحن ننصركم على محمّد وصحبه! فعادت لليهود ثقتهم، واستقرّ رأيهم على المناوأة، وأرسلوا للنبي ﷺ يقولون له: لن نخرج، فافعل ما بدا لك، ثم احتموا بحصونهم، واستعدّوا للقتال، وزادهم إصرارا على المقاومة ما ترامى إليهم من أنّ ابن أبيّ أعدّ ألفي مقاتل لنصرتهم. ونهض النبي ﷺ لمناجزة القوم، وتحدّى من ينضمّ إليهم من قبائل اليهود الاخرى، أو من مشركي العرب، وفرض الحصار على مساكن بني النضير، وأمر بتقطيع نخلهم «١» ، ثم جدّ الجدّ، ورأى اليهود الموت، ووقع الرعب في قلوب أعوانهم، فلم يحاول أحد أن يسوق لهم خيرا، أو يدفع عنهم شرا، مع أنّ اشتباك المسلمين بخصومهم في هذه الفترة المحرجة من تاريخهم لم يكن مأمون العواقب، وقد رأيت كلب العرب عليهم، وفتكهم الشنيع ببعوثهم، ثم إنّ يهود بني النضير كانوا على درجة من القوة تجعل استسلامهم بعيد الاحتمال، وتجعل فرض القتال معهم محفوفا بالمكاره؛ إلا أنّ الحال التي جدّت بعد مأساة (بئر معونة) وما قبلها، زادت حساسية المسلمين بجرائم الاغتيال والغدر، التي أخذوا يتعرّضون لها جماعات وأفرادا، وضاعفت نقمتهم على مقترفيها، ومن ثمّ قرروا أن يقاتلوا بني النضير بعد همهم باغتيال رسول الله ﷺ مهما تكن النتائج. وقد جاءت النتيجة في مصلحتهم بأسرع مما يتصورون، فاندحر اليهود، ونزلوا على حكم المنتصر، الذي أذن لهم بالجلاء عن ديارهم، ولهم ما حملت إبلهم من أموال ما عدا السلاح! «٢» . وفي هذه المعركة نزلت سورة الحشر بأكملها، فوصفت طرد اليهود في صدرها بقول الله ﷿:
م بالجلاء عن ديارهم، ولهم ما حملت إبلهم من أموال ما عدا السلاح! «٢» . وفي هذه المعركة نزلت سورة الحشر بأكملها، فوصفت طرد اليهود في صدرها بقول الله ﷿: هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ دِيارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ ما ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ
يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ (٢) [الحشر] . ثم فضح القران مسلك منافقي المدينة، الذين حاولوا إعانة يهود في غدرها وحربها، وحرّضوها على مقاتلة المسلمين بما وعدوها من أمداد وعتاد فقال: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَداً أَبَداً وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (١١) لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لا يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ (١٢) [الحشر] . وبهذا النصر الذي أحرزه المسلمون دون تضحيات، توطد سلطانهم في المدينة، وتخاذل المنافقون عن الجهر بكيدهم، وأمكن رسول الله ﷺ أن يتفرّغ لقمع الأعراب الذين اذوا المسلمين بعد أحد وتواثبوا على بعوث الدعاة يقتلون رجالها في نذلة وكفران.
[الثأر لأصحاب الرجيع وبئر معونة] : وتأديبا لأولئك الغادرين خرج النبيّ ﵊ يجوس فيافي نجد، ويطلب ثأر أصحابه الذين قتلوا في (الرجيع) و (بئر معونة) ، ويلقي بذور الخوف في أفئدة أولئك البدو القساة، حتى لا يعاودوا مناكرهم التي ارتكبوها مع المسلمين. وقام النبي ﷺ تحقيقا لهذا الغرض- بغزوات شتى، أرهبت القبائل المغيرة، وخلطت بمشاعرها الرعب ... فأضحى الأعراب الذين مردوا على النهب والسطو لا يسمعون بمقدم المسلمين إلا حذروا، وتمنّعوا في رؤوس الجبال بعد ما قطعوا الطرق على الدعوة ردحا من الزمن، وفي مقدمة هؤلاء: بنو لحيان، وبنو محارب، وبنو ثعلبة من غطفان. فلمّا خضد المسلمون شوكتهم، وكفكفوا شرّهم، أخذوا يتجهّزون لملاقاة عدوهم الأكبر، فقد استدار العام وحضر الموعد المضروب مع قريش. وحقّ لمحمد ﷺ وصحبه أن يخرجوا ليواجهوا أبا سفيان وقومه، وأن يديروا رحى الحرب كرة أخرى، حتى يستقرّ الأمر لأهدى الفريقين وأجدرهما بالبقاء.
روب مع قريش. وحقّ لمحمد ﷺ وصحبه أن يخرجوا ليواجهوا أبا سفيان وقومه، وأن يديروا رحى الحرب كرة أخرى، حتى يستقرّ الأمر لأهدى الفريقين وأجدرهما بالبقاء.
بدر الاخرة لم ينشط أبو سفيان للوفاء بالميعاد الذي ضربه عند منصرفه من «أحد» بل خرج من مكة متثاقلا، يفكّر في عقبى القتال مع المسلمين، وهو- بعد- لمّا يتخذ لهذا القتال أهبته التي يودها. إن قومه هزموا في (بدر) على كثرة عددهم ووفرة عدتهم، واستخلصوا النصر في (أحد) بعد جهد فاشل. ولولا الخطأ الذي وقع فيه جيش التوحيد ما ظفرت قريش بهذه الغرّة؛ لذلك ما كاد أبو سفيان يقترب من (الظهران) حتى بدا له في الرجوع فصاح بقومه: يا معشر قريش! إنّه لا يصلحكم إلا عام خصيب، ترعون فيه الشجر، وتشربون فيه اللبن، وإن عامكم هذا عام جدب، وإني راجع فارجعوا ... وهكذا انسحبت قريش من المعركة المنتظرة. أما المسلمون فإنهم نفروا لملاقاة المشركين على استعداد وحماسة، حتى وصلوا إلى ماء (بدر) فعسكروا حوله، يعلنون وفاءهم بكلمتهم، وتأهبهم للحرب الموعودة، وظلوا ثمانية أيام يرتقبون مقدم أهل مكة، ويمسحون عن سمعتهم اخر ما تركت هزيمة (أحد) من غبار ... وكان ذلك في شعبان من السنة الرابعة من الهجرة.
لموعودة، وظلوا ثمانية أيام يرتقبون مقدم أهل مكة، ويمسحون عن سمعتهم اخر ما تركت هزيمة (أحد) من غبار ... وكان ذلك في شعبان من السنة الرابعة من الهجرة.
دومة الجندل وانتقل زمام المفاجأة إلى أيدي المسلمين بعد أن نكصت قريش عن مواجهتهم، فالتفتوا إلى الشمال بعد أن توطدت مهابتهم في الجنوب. وشمال الجزيرة يجاور سلطان الروم القديم، والعرب الضاربون هناك لا يخشون بأس أحد بعد القيصر. وقيصر نفسه لا يتوقع أن تنبت في الجزيرة قوة تناوئه أو تتجاهله. وجاءت الأخبار إلى المدينة أنّ القبائل حول دومة الجندل- قريبا من الشام- تقطع الطريق هناك، وتنهب ما يمر بها، وقد بلغ بها الطيش حدّا فكرت معه أن تهاجم المدينة، وأن جمعا كبيرا احتشد بها للاندفاع في هذه الغارة!!. فخرج رسول الله ﷺ في ألف من المسلمين، يكمن بهم نهارا ويسير ليلا حتى يفاجئ أعداءه وهم غارّون. والمسافة بين يثرب و (دومة الجندل) خمس عشرة ليلة، قطعها المسلمون بمعونة دليل ماهر، فلمّا بلغوا مضارب خصومهم اجتاحوها مباغتين، ففرت الجموع المتأهبة للسطو، وأصاب المسلمون سوائمهم ورعاءهم، وكانت لبني تميم. أما أهل الدومة ففروا في كل وجه، فلما نزل المسلمون بساحتهم لم يجدوا أحدا، وأقام الرسول ﵊ عدة أيام يبعث السرايا، ويبثّ رجاله هنا وهناك فلم يثبت للقائم هارب. وعاد المسلمون إلى المدينة، وكان توجههم لعرب الشمال في ربيع الأول من السنة الخامسة.
دة أيام يبعث السرايا، ويبثّ رجاله هنا وهناك فلم يثبت للقائم هارب. وعاد المسلمون إلى المدينة، وكان توجههم لعرب الشمال في ربيع الأول من السنة الخامسة.
غزوة بني المصطلق عند ما كان الإسلام دعوة تغالب النظام السائد كانت مخاصمته تتخذ طريق الجهرة والتهجم دون مبالاة، فلما استقرّ له الأمر، وتوفّرت لأبنائه أسباب القوة، سلكت عداوته المسارب التي تسلكها الغرائز المكبوتة، فأمسى الكيد له يقوم على المكر والدس إلى جانب الوسائل الاخرى التي يعالن بها الأقوياء. وائتمار الضعفاء في جنح الظلام لا يقلّ خطورة عن نكاية الأقوياء في ميادين الصدام،؛ بل إنّ المرء قد يألم لإشاعة ملفقة أكثر مما يألم لطعنة مواجهة. وفي الحروب الفاجرة تستخدم جميع الوسائل التي تصيب العدو؛ وإن كان بعضها يستحيي من استخدامه الرجل الشريف!. وقد لجأ المنافقون في المدينة إلى مناوأة النبي ﷺ ودعوته بأسلوب تظهر فيه خسة النفس الإنسانية عند ما يستبد بها الحقد، ويغلب عليها الضعف، أسلوب اللمز والتعريض حينا، والإفك حينا اخر. وكلّما توطدت سلطة المسلمين، ورسخت مكانتهم، ازداد خصومهم المنافقون ضغنا عليهم، وتربصا بهم، وقد حاولوا تأييد اليهود عند ما تأذّنهم الرسول ﷺ بالجلاء، فلما لم يوقف مدّ الإسلام شيء، ولم تهدّه هزيمة، وأخذت القبائل العادية تختفي واحدة تلو أخرى، التحق أولئك المنافقون بصفوف المسلمين ولم تنكشف نياتهم السوء إلا من فلتات الألسنة ومزالق الطباع، فكانت سيرتهم تلك مثار فتن شداد، تأذى منها رسول الله ﷺ والمؤمنون شيئا غير قليل. وظهر ذلك جليا في غزوة (بني المصطلق) . فإن الأنباء أتت الرسول ﵊ بأن هذه القبيلة تجمع له وتستعد لقتاله، وأن سيدها الحارث بن أبي ضرار قد استكمل عدته لهذا المسير، فسارع رسول الله ﷺ بالمسلمين ليطفئ الفتنة قبل اندلاعها. وخرج مع الرسول ﵊ هذه المرة جمع من المنافقين،
الذين لم يعتادوا الخروج قبلا، ولعلّ ثقتهم بانتصار محمد ﵊ أغرتهم بالذهاب معه ابتغاء الدنيا لا انتصارا لدين. وانتهى المسلمون إلى ماء يسمى (المريسيع) اجتمع لديه بنو المصطلق، فأمر رسول الله ﷺ عمر بن الخطاب أن يعرض الإسلام على القوم، فنادى عمر فيهم: قولوا: لا إله إلا الله؛ تمنعوا بها أنفسكم وأموالكم، فأبوا، وترامى الفريقان بالنبل. ثم أمر النبي ﷺ صحابته فحملوا عليهم حملة رجل واحد، فلم يفلت من المشركين أحد، إذ وقعوا جميعا أسرى بعد ما قتل منهم عشرة أشخاص، ولم يستشهد من المسلمين إلا رجل واحد قتل خطأ، وسقطت القبيلة بما تملك في أيدي المسلمين «١» . ورأى رسول الله ﷺ أن يعامل المهزومين بالإحسان، فلما جاء الحارث قائد القبيلة المنكسرة يطلب ابنته التي وقعت في الأسر ردّها عليه، ثم خطبها منه، وتزوجها «٢» ، فاستحيى الناس أن يسترقّوا أصهار رسول الله ﷺ، فأطلقوا من بأيديهم من الأسرى، فكانت جويرية بنت الحارث من أيمن الناس على أهلها، فقد أعتق في زواجها مئة أهل بيت من بني المصطلق!!. على أنّ هذا النصر الميسّر شابه من أعمال المنافقين ما عكّر صفوه، وأنسى
حارث من أيمن الناس على أهلها، فقد أعتق في زواجها مئة أهل بيت من بني المصطلق!!. على أنّ هذا النصر الميسّر شابه من أعمال المنافقين ما عكّر صفوه، وأنسى
المسلمين حلاوته، فإنّ خادما لعمر كان يسقي له من ماء المريسيع ازدحم مع مولى لبني عوف من الخزرج، وكادا يقتتلان على الورود- شأن الخدم الطائشين-، فصاح الأول: يا للمهاجرين! وصاح الاخر: يا للأنصار! واستمع إلى صياح الأتباع عبد الله بن أبي- وكان في رهط من قومه- فرأى الفرصة سانحة لإثارة حفائظهم، وإحياء ما أماته الإسلام من نعرات الجاهلية، فقال: أو قد فعلوها؟ نافرونا وكاثرونا في بلادنا، أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجنّ الأعزّ منها الأذل، ثم أقبل على قومه- ولم تزل له فيهم بقية وجاهة- يلومهم ويحرّضهم على التنكّر للرسول ﵊ وصحبه، فذهب (زيد بن أرقم) إلى النبي ﷺ يقصّ عليه الخبر، وأسرع ابن أبي إلى رسول الله يبرئ نفسه، وينفي ما قاله!!. ورأى الحاضرون أن يقبلوا كلام ابن أبي؛ رعاية لمنزلته، وقالوا: لعلّ الغلام- يعنون زيد بن أرقم- أوهم، ولم يحفظ ما قيل. على أنّ الحقيقة لم تفت النبيّ ﷺ، فأحزنه ما وقع، ووجد خير علاج له شغل الناس عنه، حتى يعفّي على اثاره، فأصدر أمره بالارتحال في ساعة ما كان يروح في مثلها، ومشى بالناس سائر اليوم حتى أمسوا، وطيلة الليل حتى أصبحوا، وصدر يومهم الجديد حتى اذتهم الشمس، ثم نزل بهم. فما إن وجدوا مسّ الأرض حتى وقعوا نياما! وتابع الرّسول ﵊ رواحه حتى عاد إلى المدينة. ونزلت سورة المنافقين وفيها تصديق ما روى زيد بن أرقم: يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ (٨) [المنافقون] «١» . لم يدر بخاطر أحد أنّ هذه الأوبة المتعجّلة سوف تتمخّض عن أكذوبة دنيئة يحيك أطرافها (عبد الله بن أبي) ثم يرمي بها بين الناس، فتسير مسير الوباء الفاتك. إنّ هذا الرجل حلف كاذبا بعد أن أنكر مقالته الثابتة، ولو أنّ الجبان ذهب يطلب النجاة من عقباها، لكان ذلك أجدى عليه، لكنّه لم يزدد- على السماح
الفاتك. إنّ هذا الرجل حلف كاذبا بعد أن أنكر مقالته الثابتة، ولو أنّ الجبان ذهب يطلب النجاة من عقباها، لكان ذلك أجدى عليه، لكنّه لم يزدد- على السماح
الذي قوبل به- إلا خسّة وخصاما، والبون بعيد بين أصناف الرجال، الذين عادوا الإسلام ورسوله. لقد كان (أبو جهل) خصما لدودا لكلّ من دخل هذا الدين، وكان طاغية عنيدا لا تنتهي لجاجته، إلا أنه كان كالضبع المفترس، لا يحسن الالتواء والوقيعة، حمل السيف في وضح النهار، وما زال يقاتل به حتى صرع. أمّا عبد الله بن أبي فقد اختفى كالعقرب الخائنة، ثم شرع يلسع الغافلين، قبع هذا المنافق في جنح الظلام وبدأ ينفث الإشاعات المريبة. وتدلّى- في غوايته- إلى حضيض بعيد، فلم يبال أن يتهجّم على الأعراض المصونة، وأن ينسج حولها مفتريات يندى لها جبين الحرائر العفيفات. في عودة الرسول ﷺ من غزوة بني المصطلق إلى المدينة، نبت حديث الإفك وشاع، واجتهد خصوم الله ورسوله أن ينقلوا شرره في كل مكان قاصدين- من وراء هذا الأسلوب الجديد في حرب الإسلام- أن يدمّروا على الرسول ﷺ بيته، وأن يسقطوا مكانة أقرب الرّجال لديه، وأن يدعوا جمهور المسلمين- بعد ذلك- يضطرب في عماية من الأسى والغم!!. وللوصول إلى هذه الغاية استباح ابن أبي لنفسه أن يرمي بالفحشاء سيدة لمّا تجاوز مرحلة الطفولة البريئة، لا تعرف الشرّ، ولا تهمّ بمنكر، ولا تحسن الحياة إلا في فلك النبوة العالي، وهي التي تربّت في حجر صدّيق، وأعدت لصحبة نبي في الدنيا والاخرة. وتلقّف العامة هذا الحديث الغريب، وهم في غمرة الدهشة، لا يدرون مبلغ الخطر الكامن في قبوله ونقله. وإليك سردا لهذا (الحديث) المفتعل على لسان السيدة التي تعرّضت له وبرّئت منه.
حديث الإفك قالت السيدة عائشة: كان رسول الله ﷺ إذا أراد سفرا أقرع بين نسائه، فأيتهنّ خرج سهمها خرج بها معه، فلمّا كانت غزوة (بني المصطلق) خرج سهمي عليهنّ، فارتحلت معه. قالت: وكان النساء إذ ذاك يأكلن العلق، لم يهجهنّ اللحم فيثقلن، وكنت إذا رجّل لي بعيري جلست في هودجي، ثم يأتي القوم فيحملونني، يأخذون بأسفل الهودج فيرفعونه، ثم يضعونه على ظهر البعير ويشدّونه بالحبال وبعدئذ ينطلقون. قالت: فلمّا فرغ رسول الله ﷺ من سفره ذاك توجّه قافلا، حتى إذا كان قريبا من المدينة، نزل منزلا، فبات فيه بعض الليل، ثم أذّن مؤذّن في الناس بالرحيل، فتهيؤوا لذلك، وخرجت لبعض حاجتي وفي عنقي عقد لي، فلما فرغت انسلّ من عنقي ولا أدري، ورجعت إلى الرحل، فالتمست عقدي، فلم أجده، وقد أخذ الناس في الرحيل، فعدت إلى مكاني الذي ذهبت إليه، فالتمسته حتى وجدته. وجاء القوم الذين كانوا يرحّلون لي البعير- وقد كانوا فرغوا من رحلته- فأخذوا الهودج يظنون أنّي فيه كما كنت أصنع، فاحتملوه، فشدّوه على البعير، ولم يشكّوا أني به، ثم أخذوا برأس البعير وانطلقوا!!. ورجعت إلى المعسكر وما فيه داع ولا مجيب، لقد انطلق الناس! قالت: فتلفّفت بجلبابي، ثم اضطجعت في مكاني، وعرفت أنّي لو افتقدت لرجع الناس إليّ، فو الله إنّي لمضطجعة، إذ مرّ بي (صفوان بن المعطّل السّلمي) وكان قد تخلّف لبعض حاجته، فلم يبت مع الناس، فرأى سوادي، فأقبل حتّى وقف عليّ وقد كان يراني قبل أن يضرب علينا الحجاب- فلمّا راني قال: إنّا لله وإنّا إليه راجعون، ظعينة رسول الله! - وأنا متلفّفة في ثيابي!! - ما خلّفك يرحمك الله؟ قالت: فما كلمته، ثم قرّب إليّ البعير فقال: اركبي، واستأخر عنّي، قالت:
إليه راجعون، ظعينة رسول الله! - وأنا متلفّفة في ثيابي!! - ما خلّفك يرحمك الله؟ قالت: فما كلمته، ثم قرّب إليّ البعير فقال: اركبي، واستأخر عنّي، قالت:
فركبت، وأخذ برأس البعير منطلقا يطلب النّاس، فو الله ما أدركنا الناس، وما افتقدت حتى أصبحت ونزلوا، فلمّا اطمأنوا طلع الرجل يقود بي البعير، فقال أهل الإفك ما قالوا وارتجّ العسكر، وو الله ما أعلم بشيء من ذلك. ثم قدمنا المدينة، فلم ألبث أن اشتكيت شكوى شديدة؛ وليس يبلغني من ذلك شيء، وقد انتهى الحديث إلى رسول الله وإلى أبويّ؛ وهم لا يذكرون لي منه كثيرا ولا قليلا؛ إلّا أنّي قد أنكرت من رسول الله ﷺ بعض لطفه بي في شكواي هذه. فأنكرت ذلك منه، كان إذا دخل علي وعندي أمي تمرّضني، قال: «كيف تيكم؟» لا يزيد على ذلك. قالت: حتى وجدت في نفسي- غضبت- فقلت: يا رسول الله- حين رأيت ما رأيت من جفائه لي-، لو أذنت لي فانتقلت إلى أمّي؟ قال: «لا عليك» . قالت: فانقلبت إلى أمّي ولا علم لي بشيء مما كان، حتى نقهت من وجعي بعد بضع وعشرين ليلة، وكنّا قوما عربا، لا نتخذ في بيوتنا هذه الكنف، التي تتخذها الأعاجم، نعافها ونكرهها، إنّما كنّا نخرج في فسح المدينة، وكانت النساء يخرجن كلّ ليلة في حوائجهن، فخرجت ليلة لبعض حاجتي، ومعي أمّ مسطح، فو الله إنّها لتمشي معي إذ عثرت في مرطها، فقالت: تعس مسطح؟ فقلت: بئس- لعمر الله- ما قلت لرجل من المهاجرين شهد بدرا!. قالت: أوما بلغك الخبر يا بنت أبي بكر؟ قلت: وما الخبر! فأخبرتني بالذي كان من أهل الإفك. قلت: أو قد كان هذا؟!. قالت: نعم. والله لقد كان!. قالت عائشة: فو الله ما قدرت على أن أقضي حاجتي، ورجعت، فو الله ما زلت أبكي، حتى ظننت أنّ البكاء سيصدع كبدي، وقلت لأمي: يغفر الله لك، تحدّث الناس بما تحدّثوا به، ولا تذكرين لي من ذلك شيئا؟ قالت: أي بنية، خفّفي عنك فو الله لقلّ ما كانت امرأة حسناء عند رجل يحبّها، ولها ضرائر، إلا كثّرن وكثّر الناس عليها.
ثوا به، ولا تذكرين لي من ذلك شيئا؟ قالت: أي بنية، خفّفي عنك فو الله لقلّ ما كانت امرأة حسناء عند رجل يحبّها، ولها ضرائر، إلا كثّرن وكثّر الناس عليها. قالت: وقد قام رسول الله ﷺ فخطبهم- ولا أعلم بذلك- فحمد الله، وأثنى عليه ثم قال: «أيها الناس! ما بال رجال يؤذونني في أهلي، ويقولون عليهم غير الحقّ؟! والله ما علمت عليهم إلا خيرا، ويقولون ذلك لرجل- والله- ما علمت منه إلا خيرا، ولا يدخل بيتا من بيوتي إلا وهو معي!» .
قالت: وكان كبر ذلك عند (عبد الله بن أبي) في رجال من الخزرج، مع الذي قال (مسطح) و (حمنة بنت جحش) وذلك أنّ أختها زينب بنت جحش كانت عند رسول الله ﷺ ولم تكن امرأة من نسائه تناصيني في المنزلة عنده غيرها، فأما زينب فعصمها الله بدينها فلم تقل إلا خيرا، وأما (حمنة) فأشاعت من ذلك ما أشاعت، تضارّني بأختها. فلما قال رسول الله ﷺ تلك المقالة، قال أسيد بن حضير: يا رسول الله! إن يكونوا من (الأوس) نكفكهم، وإن يكونوا من إخواننا (الخزرج) فمرنا أمرك، فو الله إنّهم لأهل أن تضرب أعناقهم، فقام (سعد بن عبادة) - وكان قبل ذلك يرى رجلا صالحا- فقال: كذبت لعمر الله، ما تضرب أعناقهم، إنك ما قلت هذه المقالة إلا وقد عرفت أنّهم من الخزرج؛ ولو كانوا من قومك ما قلت هذا. فقال أسيد: كذبت لعمر الله، ولكنّك منافق تجادل عن المنافقين. وتساور الناس حتى كاد يكون بين هذين الحيين شرّ، ونزل رسول الله ﷺ فدخل عليّ، ودعا (عليّ بن أبي طالب) و (أسامة بن زيد) فاستشارهما، فأما (أسامة) فأثنى خيرا، ثم قال: يا رسول الله! أهلك، وما نعلم منهم إلا خيرا. وهذا الكذب والباطل!. وأما (عليّ) فقال: يا رسول الله! إنّ النساء لكثير، وإنك لقادر على أن تستخلف، وسل الجارية فإنّها تصدقك. فدعا رسول الله ﷺ (بريرة) يسألها، وقام إليها عليّ، فضربها ضربا شديدا وهو يقول: اصدقي رسول الله! فتقول: والله ما أعلم إلا خيرا، وما كنت أعيب على عائشة، إلا أنّي كنت أعجن عجيني، فامرها أن تحفظه، فتنام عنه فتأتي الشاة وتأكله!!. قلت: ثم دخل عليّ رسول الله، وعندي أبواي، وعندي امرأة من الأنصار وأنا أبكي وهي تبكي، فجلس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال:
فتنام عنه فتأتي الشاة وتأكله!!. قلت: ثم دخل عليّ رسول الله، وعندي أبواي، وعندي امرأة من الأنصار وأنا أبكي وهي تبكي، فجلس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: «يا عائشة! إنّه قد كان ما بلغك من قول النّاس، فاتقي الله، وإن كنت قد قارفت سوا مما يقول الناس، فتوبي إلى الله، فإنّ الله يقبل التوبة عن عباده» . قالت: فو الله، إن هو إلا أن قال لي ذلك حتى قلص دمعي، فما أحسّ منه شيئا، وانتظرت أبواي أن يجيبا عني فلم يتكلّما!.
قالت عائشة: وايم الله لأنا كنت أحقر في نفسي وأصغر شأنا من أن ينزّل الله فيّ قرانا، لكنّي كنت أرجو أن يرى النبيّ عليه والصلاة والسلام في نومه شيئا يكذّب الله به عنّي؛ لما يعلم من براءتي؛ أمّا قرانا ينزل فيّ، فو الله، لنفسي كانت أحقر عندي من ذلك. قالت: فلمّا لم أر أبويّ يتكلّمان قلت لهما: ألا تجيبان رسول الله، فقالا: والله لا ندري بما نجيبه، قالت: والله ما أعلم أهل بيت دخل عليهم ما دخل على ال أبي بكر في تلك الأيام. ثم قالت: فلمّا استعجما عليّ استعبرت فبكيت، ثم قلت: والله لا أتوب إلى الله مما ذكرت أبدا، والله إنّي لأعلم لئن أقررت بما يقول النّاس- والله يعلم أنّي بريئة- لأقولنّ ما لم يكن، ولئن أنا أنكرت ما يقولون لا تصدّقونني. قالت: ثم التمست اسم يعقوب فما أذكره، فقلت: أقول ما قال أبو يوسف: فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ [يوسف: ١٨] . فو الله ما برح رسول الله مجلسه حتى تغشّاه من الله ما كان يتغشّاه، فسجّي بثوبه، ووضعت وسادة تحت رأسه، فأما أنا حين رأيت من ذلك ما رأيت، فو الله ما فزعت وما باليت، وقد عرفت أنّي بريئة، وأنّ الله غير ظالمي، وأما أبواي فو الذي نفس عائشة بيده ما سرّي عن رسول الله حتى ظننت لتخرجنّ أنفسهما فرقا أن يأتي من الله تحقيق ما قال الناس، ثم سرّي عن رسول الله فجلس، وإنّه ليتحدّر من وجهه مثل الجمان في يوم شات، فجعل يمسح العرق عن وجهه، ويقول: «أبشري يا عائشة! قد أنزل الله ﷿ براءتك» . فقلت: الحمد لله، ثم خرج إلى الناس فخطبهم وتلا عليهم الايات: إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ (١١) [النور] «١» . والغريب أنّ الحدّ أقيم على من ثبتت عليهم تهمة القذف، وهم (حسان بن ثابت) و (مسطح) و (حمنة) ، أما (عبد الله بن أبي) مدبّر الحملة وجرثومتها الخفية، فإنّه كان أحذر من أن يقع تحت طائلة العقاب، لقد أوقع غيره ثم أفلت بنفسه ...
و (مسطح) و (حمنة) ، أما (عبد الله بن أبي) مدبّر الحملة وجرثومتها الخفية، فإنّه كان أحذر من أن يقع تحت طائلة العقاب، لقد أوقع غيره ثم أفلت بنفسه ...
وكتّاب السيرة على أنّ (حديث الإفك) و (غزوة بني المصطلق) كانا بعد الخندق، لكننا تابعنا (ابن القيم) في اعتبارها من حوادث السنة الخامسة قبل هجوم الأحزاب على المدينة، والتحقيق يساند (ابن القيم) ومتابعيه. فستعلم أنّ (سعد بن معاذ) قتل في معركة الأحزاب؛ مع أنّ لسعد في غزوة بني المصطلق شأنا يذكر؛ إذ إنّ الرسول ﵊ اشتكى إليه «١» عمل ابن أبيّ، ولا يتفق أن يستشهد سعد بن معاذ في غزوة الخندق، ثم يحضر بعد ذلك في بني المصطلق، لو صحّ أنها وقعت في السنة السادسة.
غزوة الأحزاب أيقنت طوائف الكفّار أنها لن تستطيع مغالبة الإسلام إذا حاربته كلّ طائفة مفردة، وأنّها ربما تبلغ أملها إذا رمت الإسلام كتلة واحدة، وكان زعماء يهود في جزيرة العرب أبصر من غيرهم بهذه الحقيقة، فأجمعوا أمرهم على تأليب العرب ضد الإسلام، وحشدهم في جيش كثيف ينازل محمدا ﷺ وصحبه في معركة حاسمة. وذهب نفر من قادة اليهود إلى قريش يستنفرونهم لحرب رسول الله ﷺ، وقالوا: إنا سنكون معكم عليه حتى نستأصله، وكانت قريش قد أخلفت عدتها مع النبي ﷺ عاما، وهي لا بدّ خارجة لقتال المسلمين؛ إنقاذا لسمعتها، وبرا بكلمتها، وها هم أولاء رجالات يهود يحالفونهم على ما يبغون؛ فلا مكان لتوجّس أو خلاف. والغريب أن أحبار التوراة أكّدوا لعبدة الأوثان في مكة أنّ قتال محمد ﷺ حق، واستئصاله أرضى لله! لأنّ دين قريش أفضل من دينه! وتقاليد الجاهلية أفضل من تعاليم القران! وسرّت قريش بما سمعت، وزادها إصرارا على العدوان، فواعدت اليهود أن تكون معها في الزحف على المدينة. وترك زعماء اليهود قريشا إلى أعراب (غطفان) فعقدوا معهم حلفا مشابها لما تمّ مع أهل مكة، ودخل في هذا الحلف عدد من القبائل الناقمة على الدين الجديد.
ينة. وترك زعماء اليهود قريشا إلى أعراب (غطفان) فعقدوا معهم حلفا مشابها لما تمّ مع أهل مكة، ودخل في هذا الحلف عدد من القبائل الناقمة على الدين الجديد. وبذلك نجح ساسة اليهود وقادتهم في تأليب أحزاب الكفر على النبي ﷺ ودعوته، وعرف المسلمون مبلغ الخطر المحدق بهم، فرسموا- على عجل- الخطة التي يدفعون بها عن دعوتهم ودولتهم، وكانت خطة فريدة لم تسمع العرب قبلا- بمثلها، وهم الذين لا يعرفون إلا قتال الميادين المكشوفة. أما هذه المرة فإنّ المسلمين حفروا خندقا عميقا يحيط بالمدينة من ناحية السهل، ويفصل بين المغيرين والمدافعين. وأقبلت الأحزاب في جمع لا قبل للمسلمين بردّه.
قريش في عشرة الاف من رجالها ومن تبعهم من (كنانة) و (تهامة) و (غطفان) في طليعة قبائل (نجد) . وبرز المسلمون بعد ما جعلوا نساءهم وذراريهم فوق الاطام الحصينة من يثرب، ثم انتشروا على حدود مدينتهم، مسندين ظهورهم إلى جبل سلع، ومرابطين على شاطئ الخندق الذي احتفروه بعد جهود مضنية، وبلغت عدتهم في هذه المعركة نحو ثلاثة الاف مقاتل. علم رسول الله ﷺ أنّ الالتحام مع هذه الجيوش الضخمة في ساحة ممهدة ليس طريق النصر؛ فما عسى أن تصنع قلة مؤمنة مكافحة مع هذا السيل الدافق؟!. لذلك لجأ إلى هذه المكيدة، ويروى أن الذي أشار بها (سلمان الفارسي) وتقدم النبي ﷺ رجاله لإحكامها وإنجازها، فأخذ يحفر بيده، ويحمل الأتربة والأحجار على عاتقه، وتأسّى به الرجال الكبار، ممن لم يألفوا هذا العمل قط، فشهدت يثرب منظرا عجيبا، وجوها ناصعة تتألّف منها فرق شتى تضرب بالفؤوس، وتحمل المكاتل، وتتعرّى من لباسها وزينتها لتلبس حلالا من نسج الغبار المتراكم والعرق واللغوب. قال البراء بن عازب: كان رسول الله ﷺ ينقل التراب يوم الخندق حتى اغبرّ بطنه وهو يقول: والله لولا الله ما اهتدينا ... ولا تصدّقنا ولا صلّينا فأنزلن سكينة علينا ... وثبّت الأقدام إن لاقينا إنّ الألى قد بغوا علينا ... إذا أرادوا فتنة أبينا «١»
لولا الله ما اهتدينا ... ولا تصدّقنا ولا صلّينا فأنزلن سكينة علينا ... وثبّت الأقدام إن لاقينا إنّ الألى قد بغوا علينا ... إذا أرادوا فتنة أبينا «١» وهذا الغناء من شعر عبد الله بن رواحة، كان المشتغلون في الخندق يزيحون التعب عن أعصابهم بالاستماع إلى نغمه، وترديد الكلمات الأخيرة من مقاطعه، وكان رسول الله ﷺ يمدّ صوته بها معهم، فيقول: لاقينا، أبينا «٢» ، مما يعيد إلى أذهاننا صور (الفعلة) الذين يحفرون الترع بالريف، أو يبنون القصور بالمدن.
إنّ الدفاع عن الإسلام ومخافة الفتنة لو انتصر المشركون جعلت الرسول ﷺ وصحابته يعالجون هذا العمل الثقيل ونفوسهم راضية مغتبطة مع ما يلقون فيه من عناء وصعوبة. ولا تحسبنّ عمل رسول الله ﷺ في تعميق الخندق وقذف أتربته من قبيل التمثيل الذي يحسنه بعض الزعماء في عصرنا، كلا، كلا. إنّ الرجولة الكادحة الجادّة في أنبل صورها كانت تقتبس من مسلك الرسول ﷺ في هذه المعركة. يقول البراء: لقد وارى عني التراب جلدة بطنه، وكان كثير الشعر «١» . أجل إنه استغرق في العمل مع أصحابه؛ فالرجولة الصادقة لا تعرف التمثيل. وكان الفصل شتاء، والجوّ باردا، وهناك أزمة في الأقوات تعانيها المدينة التي توشك أن تتعرّض لحصار عنيف، وليس هناك أقتل لروح المقاومة من اليأس، فلو تعرّض المحصور لسوراته المقبضة فمزالق الاستسلام الذليل أمامه تنجرّ به إلى الحضيض، لذلك اجتهد النبيّ ﷺ في تدعيم القوى المعنوية لرجاله، حتى يوقنوا بأنّ الضائقة التي تواجههم سحابة صيف عن قليل تقشع. ثم يستأنف الإسلام مسيره بعد، فيدخل الناس فيه أفواجا، وتندكّ أمامه معاقل الظلم، فلا يصدر عنها كيد ولا تخشى منها فتنة. ومن إحكام السياسة أن يقارن هذا الأمل الواسع مراحل الجهد المضني. قال عمرو بن عوف: كنت أنا، وسلمان، وحذيفة، والنعمان بن مقرّن، وستة من الأنصار في أربعين ذراعا- من الأرض التي كلّفوا بحفرها- فحفرنا حتى وصلنا إلى صخرة بيضاء كسرت حديدنا، وشقّت علينا، فذهب سلمان إلى رسول الله ﷺ يخبره عن هذه الصخرة التي اعترضت عملهم، وأعجزت معاولهم. فجاء النبي ﵊ وأخذ من سلمان المعول، ثم ضرب الصخرة ضربة صدعتها، وتطاير منها شرر أضاء خلل هذا الجو الداكن، وكبّر رسول الله ﵊ تكبير فتح، وكبّر المسلمون. ثم ضربها الثانية فكذلك، ثم الثالثة فكذلك.



