فقه السيرة

Kitab sirah Nabi Muhammad ﷺ karya محمد الغزالي (w. 1416 H).

Bagian 6 dari 12 462 halaman

— Bagian 6 · ٢١٧] . —

Bagian 6

٢١٧] . ثم حذّر المسلمين من الهزيمة أمام هذه القوى الباغية والتفريط في الإيمان الذي شرّفهم الله به، وناط سعادتهم في الدنيا والاخرة بالبقاء عليه فقال:

وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كافِرٌ فَأُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ [البقرة: ٢١٧] . وزكّى القران عمل (عبد الله) وصحبه، فقد نفّذوا أوامر الرسول ﷺ بأمانة وشجاعة، وتوغّلوا في أرض العدو مسافات شاسعة، متعرضين للقتل في سبيل الله، متطوعين لذلك من غير مكره أو محرج. فكيف يجزون على هذا بالتقريع والتخويف؟ قال الله فيهم: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢١٨) [البقرة] . والقران الذي نزل في فعال هذه السرية لم يدع مجالا للهوادة مع المشركين المعتدين؛ مما كان له أثره البعيد لدى المسلمين وخصومهم. فبعد أن كان أغلب المكتتبين في السرايا السابقة من المهاجرين، أخذت البعوث الخارجة تتألّف من المهاجرين والأنصار معا. وزاد الشعور بأنّ الكفاح المرتقب قد يطول مداه، وتكثر تبعاته، ولكنّه كفاح مستحبّ، مقرون بالخير العاجل والاجل. وأدركت مكة أنها مؤاخذة بما جدّ أو يجدّ من سيئاتها، وأنّ تجارتها مع الشام أمست تحت رحمة المسلمين. وهكذا اتسعت الهوة، وزادت بين الفريقين الجفوة. وكأن هذه الأحداث الشداد هي المقدمة لما أعدّه القدر بعد شهر واحد من وقوعها، عند ما جمع رجالات مكة وخيرة أهل المدينة على موعد غير منظور في (بدر) .

معركة بدر ترامت الأنباء إلى (يثرب) أنّ قافلة ضخمة لقريش تهبط من مشارف الشام عائدة إلى مكة، تحمل لأهلها الثروة الطائلة؛ ألف بعير موقرة بالأموال يقودها أبو سفيان بن حرب مع رجال لا يزيدون عن الثلاثين أو الأربعين!. إن الضربة التي تنزل بأهل مكة- لو فقدوا هذه الثروة- موجعة حقا، وفيها عوض كامل لما لحق المسلمين من خسائر في أثناء هجرتهم الأخيرة، لذلك قال الرسول ﵊ لأصحابه: «هذه عير قريش فيها أموالهم، فاخرجوا إليها، لعلّ الله ينفلكموها» «١» . لم يعزم الرسول ﷺ على أحد بالخروج، ولم يستحثّ متخلّفا، بل ترك الأمر للرغبة المطلقة ثم سار- بعد- بمن أمكنه الخروج. وكان الذين صحبوا الرسول ﷺ هذه المرة يحسبون أن مضيّهم في هذا الوجه لن يعدوا ما ألفوا في السرايا الماضية، ولم يدر بخلد واحد منهم أنه مقبل على يوم من أخطر أيّام الإسلام! ولو علموا لاتخذوا أهبتهم كاملة، ولما سمح لمسلم أن يبقى في المدينة لحظة؛ لذلك فترت الهمم عند ما وردت أخبار أخرى بأنّ القافلة المطلوبة غيّرت طريقها، واستطاع قائدها (أبو سفيان) أن ينجو من الخطر المحدق به، بعد أن أرسل إلى أهل مكة يستنفرهم لحماية أموالهم، ويستثير حميتهم للخروج في تعبئة ترد كل هجوم. وغالب النبيّ ﷺ هذا الفتور العارض، وحذّر صحابته من عقبى العود السريع إلى المدينة إن فاتهم مال مكة وخرج إليهم رجالها!. وأصرّ على ضرورة تعقّب المشركين كيف كانوا. وذلك قوله تعالى: كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ

ا!. وأصرّ على ضرورة تعقّب المشركين كيف كانوا. وذلك قوله تعالى: كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ

لَكارِهُونَ (٥) يُجادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ ما تَبَيَّنَ كَأَنَّما يُساقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ (٦) [الأنفال] . والذين كرهوا لقاء قريش ما كانوا ليهابوا الموت، ولكنّهم لم يعرفوا الحكمة في خوض معركة مباغتة دون إتقان ما ينبغي لها من عدة وعدد، بيد أنّ رسول الله ﷺ وزن الظروف الملابسة للأمر كله، فوجد الإقدام خيرا من الإحجام، ومن ثمّ قرر أن يمضي، فإنّ الحكمة من توجيه هذه البعوث المسلحة تضيع سدى لو عاد على هذا النحو. وقد اختفت- على عجل- مشاعر التردّد، وانطلق الجميع خفافا إلى غايتهم. والمسير بإزاء طريق القوافل إلى (بدر) ليس سفرا قاصدا، أو نزهة لطيفة، فالمسافة بين (المدينة) و (بدر) تربو على (١٦٠) كيلو مترا، ولم يكن مع الرسول ﷺ وصحبه غير سبعين بعيرا يعتقبونها. روى أحمد «١» عن عبد الله بن مسعود، قال: «كنّا يوم بدر، كلّ ثلاثة على بعير- أيّ يتعاقبون-. وكان أبو لبابة وعلي بن أبي طالب زميلي رسول الله ﷺ، قال: فكانت عقبة رسول الله ﷺ، فقالا له: نحن نمشي عنك- ليظلّ راكبا- فقال: «ما أنتما بأقوى منّي على المشي، ولا أنا بأغنى عن الأجر منكما» !!. وبثّ المسلمون عيونهم يتعرّفون أخبار قريش: أين القافلة، وأين الرجال الذين قدموا لحمايتها؟.

[فرار أبي سفيان بالقافلة، واستصراخه أهل مكة] : حين أحسّ أبو سفيان الخطر على قافلته، بعث (ضمضم بن عمرو الغفاري) إلى مكة يستصرخ أهلها، حتى يسارعوا إلى استنقاذ أموالهم. واستطاع (ضمضم) هذا إزعاج البلدة قاطبة؛ فقد وقف على بعيره بعد أن جدع أنفه، وحوّل رحله، وشقّ قميصه، يصيح: يا معشر قريش! اللطيمة اللطيمة! أموالكم مع أبي سفيان عرض لها محمّد وأصحابه، لا أرى أن تدركوها، الغوث الغوث!.

جدع أنفه، وحوّل رحله، وشقّ قميصه، يصيح: يا معشر قريش! اللطيمة اللطيمة! أموالكم مع أبي سفيان عرض لها محمّد وأصحابه، لا أرى أن تدركوها، الغوث الغوث!.

فتجهّز الناس جميعا، فهم إما خارج وإما باعث مكانه رجلا، وانطلق سواد مكة وهو يغلي، يمتطي الصعب والذلول، فكانوا تسعمئة وخمسين مقاتلا، معهم مئتا فرس يقودونها، ومعهم القيان يضربن بالدفوف، ويغنين بهجاء المسلمين. وولوا وجوههم إلى الشمال، ليدركوا القافلة المارّة تجاه يثرب هابطة إليهم. لكنّ أبا سفيان لم يستنم في انتظار النجدة المقبلة، بل بذل أقصى ما لديه من حذر ودهاء لمخاتلة المسلمين، والإفلات من قبضتهم، وقد كاد يسقط بالعير جمعاء في أيديهم وهم يشتدون في مسيرهم نحو بدر، غير أنّ الحظّ أسعفه!. روي أنه لقي مجديّ بن عمرو فسأله: هل أحسست أحدا؟ فقال: ما رأيت أحدا أنكره؛ إلا أنّي رأيت راكبين أناخا إلى هذا التل، ثم استقيا في شنّ لهما، ثم انطلقا، فأتى أبو سفيان مناخهما، وتناول بعرات من فضلات الراحلتين، ثم فتّها فإذا النوى، فقال: هذه- والله- علائف يثرب! وأدرك أنّ الرجلين من أصحاب محمّد، وأنّ جيشه هنا قريب. فرجع إلى العير يضرب وجهها عن الطريق شاردا نحو الساحل، تاركا بدرا إلى يساره ... فنجا. ورأى أبو سفيان أنه أحرز القافلة، فأرسل إلى قريش يقول: إنّما خرجتم لتمنعوا عيركم ورجالكم وأموالكم، وقد نجّاها الله، فارجعوا. فقال أبو جهل: والله لا نرجع حتى نرد بدرا، فنقيم ثلاثا، ننحر الجزور، ونطعم الطعام، ونسقى الخمر، وتعزف علينا القيان، وتسمع بنا العرب وبسيرنا وجمعنا، فلا يزالون يهابوننا أبدا. وهذا الذي عالن به أبو جهل هو ما كان يحاذره الرسول ﵊، فإن تدعيم مكانة قريش، وامتداد سطوتها في هذه البقاع- بعد أن فعلت بالمسلمين ما فعلت- يعتبر كارثة للإسلام ووقفا لنفوذه، وهل كانت السرايا تخرج من المدينة إلا لإعلاء كلمة الله، وتوهين كلمة الشرك، وإظهار عبدة الأصنام بمظهر الذي لا يملك نفعا ولا ضرا؟. لذلك لم يلتفت الرسول ﷺ لفرار القافلة التفاته لضرورة التجول المسلح في هذه الأنحاء، إبرازا لهذه المعاني القوية، وتمكينا لصداها في القلوب.

[استشارة النبي ﷺ لأصحابه] : ومضت قريش في مسيرها مستجيبة لرأي (أبي جهل) ، حتى نزلت بالعدوة القصوى من وادي بدر، وكان المسلمون قد انتهوا من رحيلهم المضني إلى العدوة الدنيا. وهكذا اقترب كلا الفريقين من الاخر، وهو لا يدري ما وراء هذا اللقاء الرهيب. وهبط الليل، فأرسل النبيّ ﷺ عليا والزبير وسعدا يتحسّسون الأحوال، ويلتمسون الأخبار، فأصابوا غلامين لقريش كانا يمدّانهم بالماء، فأتوا بهما، وسألوهما- ورسول الله ﷺ قائم يصلي- فقالا: نحن سقاة قريش بعثونا نسقيهم من الماء. فكره القوم هذا الخبر، ورجوا أن يكونا لأبي سفيان- لا تزال في نفوسهم بقايا أمل في الاستيلاء على القافلة! - فضربوهما ضربا موجعا، حتى اضطر الغلامان أن يقولا: نحن لأبي سفيان! فتركوهما؛ وركع رسول الله ﷺ وسجد سجدتيه وسلم وقال: «إذا صدقاكم ضربتموهما، وإذا كذباكم تركتموهما!! صدقا والله إنّهما لقريش» . ثم قال للغلامين: «أخبراني عن قريش» ، قالا: هم وراء هذا الكثيب الذي ترى بالعدوة القصوى، فقال لهما: «كم القوم؟» قالا: كثير، قال: «ما عدتهم؟» قالا: لا ندري، قال: «كم ينحرون كلّ يوم؟» قالا: يوما تسعا، ويوما عشرا، فقال رسول الله ﷺ: «القوم ما بين التسعمئة إلى الألف» ، ثم قال لهما: «فمن فيهم من أشراف قريش؟» قالا: عتبة وشيبة ابنا ربيعة، وأبو البختريّ بن هشام، وحكيم بن حزام، ونوفل بن خويلد، والحارث بن عامر، وطعيمة بن عدي، والنضر بن الحارث، وزمعة بن الأسود، وعمرو بن هشام، وأمية بن خلف ... إلخ. فأقبل رسول الله ﷺ على الناس فقال: «هذه مكّة قد ألقت إليكم أفلاذ كبدها» «١» .

والنضر بن الحارث، وزمعة بن الأسود، وعمرو بن هشام، وأمية بن خلف ... إلخ. فأقبل رسول الله ﷺ على الناس فقال: «هذه مكّة قد ألقت إليكم أفلاذ كبدها» «١» .

وانكشف وجه الجد في الأمر؛ إنّ اللقاء المرتقب سوف يكون مرّ المذاق، لقد أقبلت قريش تخبّ في خيلائها، تريد أن تعمل العمل الذي يرويه القصيد، وتذرع المطايا به البطاح، وتحسم به صراع خمسة عشر عاما مع الإسلام؛ لتنفرد بعدها- الوثنية بالحكم النافذ. ونظر الرسول ﷺ حوله، فوجد أولئك المؤمنين بين مهاجر باع في سبيل الله نفسه وماله، وأنصاري ربط مصيره وحاضره بهذا الدين، الذي افتداه، واوى أصحابه؛ فأحبّ أن يشعر القوم بحقيقة الموقف، حتى يبصروا- على ضوئه- ما يفعلون. إنّ المرء قد تفجؤه أحداث عابرة- وهو ماض في طريقه- يحتاج في مواجهتها لأن يستجمع مواهبه، وأن يستحضر تجاربه، وأن يقف أمامها حادّ الانتباه، مرهف الأعصاب، وهذه الامتحانات المباغتة أدقّ في الحكم على الناس، وأدلّ على قيمهم من الامتحانات التي يعرفون ميعادها، ويتقدّمون إليها واثقين مستعدين، والمسلمون الذين خرجوا لأمر يسير، ما لبثوا أن ألفوا أنفسهم أمام امتحان شاقّ، تيقظت له مشاعرهم، فشرعوا يقلّبون- على عجل- تكاليفه ونتائجه، وثار منطق اليقين القديم، فأهاج القوم إلى الخطة الفذة التي لا محيص عنها لمؤمن. استشار رسول الله ﷺ الناس، فقام أبو بكر الصديق، فقال وأحسن، ثم قام عمر بن الخطاب فقال وأحسن، ثم قام المقداد بن عمرو فقال: يا رسول الله! امض لما أراك الله فنحن معك، والله لا نقول لك ما قال بنو إسرائيل لموسى: اذهب أنت وربّك فقاتلا، إنا ههنا قاعدون، ولكن اذهب أنت وربّك فقاتلا إنّا معكما مقاتلون، فو الذي بعثك بالحقّ؛ لو سرت بنا إلى برك الغماد لجالدنا معك من دونه حتّى تبلغه!!. فقال له الرسول ﷺ خيرا ودعا له. ثم قال: «أشيروا عليّ أيها الناس» ، وإنّما يريد الأنصار، وذلك أنّهم كانوا عدد الناس، وأنّهم حين بايعوه بالعقبة، قالوا: يا رسول الله! إنا براء من ذمامك حتى تصل إلى ديارنا، فإذا وصلت إلينا، فأنت في ذمتنا، نمنعك مما نمنع منه أبناءنا ونساءنا.

هم حين بايعوه بالعقبة، قالوا: يا رسول الله! إنا براء من ذمامك حتى تصل إلى ديارنا، فإذا وصلت إلينا، فأنت في ذمتنا، نمنعك مما نمنع منه أبناءنا ونساءنا. فكان رسول الله ﷺ يتخوّف ألّا تكون الأنصار ترى عليها نصره إلا ممّن

دهمه بالمدينة، فلما قال ذلك قال له سعد بن معاذ: والله لكأنّك تريدنا يا رسول الله! قال: «أجل» ، فقال: قد امنا بك وصدقناك، وشهدنا أنّ ما جئت به هو الحقّ، وأعطيناك على ذلك مواثيقنا على السّمع والطاعة لك، فامض يا رسول الله لما أردت، فنحن معك، فو الذي بعثك بالحقّ لو استعرضت بنا البحر فخضته لخضناه معك، ما تخلّف منا رجل واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدونا غدا؛ إنّا لصبر في الحرب، صدق عند اللقاء، لعلّ الله يريك منّا ما تقرّ به عينك، فسر على بركة الله. وفي رواية: لعلّك أن تكون خرجت لأمر، وأحدث الله إليك غيره، فانظر الذي أحدث الله إليك فامض، فصل حبال من شئت، واقطع حبال من شئت، وعاد من شئت، وسالم من شئت، وخذ من أموالنا ما شئت، وأعطنا ما شئت، وما أخذت منّا كان أحبّ إلينا مما تركت. فسرّ رسول الله ﷺ بقول (سعد) ، ونشّطه، ثم قال: «سيروا وأبشروا، فإنّ الله قد وعدني إحدى الطائفتين، والله لكأنّي أنظر إلى مصارع القوم» «١» .

[دعاء النبي ﷺ بالنصر] : تأهّب المسلمون لخوض المعركة، وعسكروا في أدنى ماء من بدر. فجاء الحباب بن المنذر إلى رسول الله ﷺ فقال: أرأيت هذا المنزل،

أمنزلا أنزلكه الله، ليس لنا أن نتقدّمه ولا نتأخّر عنه، أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ قال: «بل هو الرأي والحرب والمكيدة» ، قال: يا رسول الله! فإنّ هذا ليس بمنزل، امض بالناس حتى نأتي أدنى ماء من القوم فنعسكر فيه، ثم نغوّر ما وراءه من الابار، ثم نبني عليه حوضا، فنملأه ماء، ثم نقاتل القوم، فنشرب ولا يشربون، فقال رسول الله ﷺ: «لقد أشرت بالرأي» ، ثم أمر بإنفاذه، فلم يجئ نصف الليل حتّى تحوّلوا كما رأى الحباب، وامتلكوا مواقع الماء «١» . وقضى المسلمون ليلا هادئ الأنفاس منير الافاق، غمرت الثقة قلوبهم وأخذوا من الراحة قسطهم، وتساقط عليهم مطر خفيف رطّب حولهم الجو وجعل نسائم الصباح تهب عليهم فتنعش صدورهم وتجدد أملهم، وكان الرمل تحت أقدامهم دهسا فتلبد وتماسك، وجعل حركتهم عليه ميسّرة. إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطانِ وَلِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدامَ (١١) [الأنفال] . وكان رسول الله ﷺ يتفقّد الرجال، وينظّم الصفوف، ويسدي النصائح، ويذكّر بالله والدار الاخرة. ثم يعود إلى عريش هيّئ له، فيستغرق في الدعاء الخاشع، ويستغيث بأمداد الرحمن. ووقف أبو بكر إلى جوار الرسول ﵊، وهو يكثر الابتهال والتضرّع، ويقول فيما يدعو به: «اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد بعدها في الأرض» ، وجعل يهتف بربه ﷿ ويقول: «اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم نصرك!» ويرفع يديه إلى السماء حتى سقط رداؤه عن منكبيه. وجعل أبو بكر يلتزمه من وراءه، ويسوّي عليه رداءه ويقول- مشفقا عليه من كثرة الابتهال-: يا رسول الله! بعض مناشدتك ربّك، فإنّه سينجز لك ما وعدك «٢» .

ه. وجعل أبو بكر يلتزمه من وراءه، ويسوّي عليه رداءه ويقول- مشفقا عليه من كثرة الابتهال-: يا رسول الله! بعض مناشدتك ربّك، فإنّه سينجز لك ما وعدك «٢» .

[بداية المعركة] : وتزاحف الجمعان، وبدأ الهجوم من قبل المشركين، إذ هجم الأسود بن عبد الأسد على الحوض الذي بناه المسلمون قائلا: أعاهد الله لأشربنّ من حوضهم أو لأهدمنّه، أو لأموتنّ دونه، فتصدّى له حمزة بن عبد المطلب، فضربه ضربة أطارت نصف ساقه، ومع ذلك حبا إلى الحوض يبغي اقتحامه، وتبعه حمزة يقاتله حتى قتله فيه!. وبرز من المشركين عتبة وشيبة ابنا ربيعة، والوليد بن عتبة، فخرج للقائهم فتية من الأنصار، فنادوا: يا محمد! أخرج إلينا أكفاءنا من قومنا، - وقيل: إنّ الرسول ﵊ نفسه هو الذي استرجع أولئك الأنصار رغبة منه أن تكون عشيرته أول من يواجه العدوّ في مثل هذا الموقف- فقال: «قم يا عبيدة بن الحارث، قم يا حمزة، قم يا عليّ» ، فبارز عبيدة عتبة، وبارز حمزة شيبة، وبارز عليّ الوليد. فأما حمزة فلم يمهل شيبة أن قتله، وكذلك فعل علي مع خصمه، وأما عبيدة وعتبة فقد جرح كلاهما الاخر، فكرّ حمزة وعلي بأسيافهما على عتبة فأجهزا عليه، واحتملا صاحبهما «١» ، فجاؤوا به إلى رسول الله ﷺ، فأفرشه الرسول قدمه، فوضع خدّه على قدمه الشريف، وقال: يا رسول الله! لو راني أبو طالب لعلم أنّي أحقّ بقوله: ونسلمه حتى نصرّع دونه ... ونذهل عن أبنائنا والحلائل ثم أسلم الروح «٢» .. واستشاط الكفّار غضبا للبداية السيئة التي صادفتهم، فأمطروا المسلمين وابلا من سهامهم، ثم حمي الوطيس، وتهاوت السيوف، وتصايح المسلمون:

أسلم الروح «٢» .. واستشاط الكفّار غضبا للبداية السيئة التي صادفتهم، فأمطروا المسلمين وابلا من سهامهم، ثم حمي الوطيس، وتهاوت السيوف، وتصايح المسلمون:

أحد أحد، وأمرهم الرسول ﷺ أن يكسروا هجمات المشركين؛ وهم مرابطون في مواقعهم وقال: «إن اكتنفكم القوم فانضحوهم عنكم بالنّبل، ولا تحملوا عليهم حتى تؤذنوا» «١» . فلما اتسع نطاق المعركة، واقتربت من قمتها، كان المسلمون قد استنفدوا جهد أعدائهم، وألحقوا بهم خسائر جسيمة. والنبي ﷺ في عريشه يدعو الله، ويرقب بطولة رجاله وجلدهم. قال ابن إسحاق «٢» : خفق النبي ﵊ خفقة في العريش ثم انتبه فقال: «أبشر يا أبا بكر! أتاك نصر الله؛ فهذا جبريل اخذ بعنان فرسه يقوده على ثناياه النّقع!!» . لقد انعقد الغبار فوق رؤوس المقاتلين، وهم بين كرّ وفرّ، جند الحق يستبسلون لنصرة الرحمن، وجند الباطل قد ملكهم الغرور، فأغراهم أن يغالبوا القدر. فلا عجب إذا نزلت ملائكة الخير، تنفث في قلوب المسلمين روح اليقين، وتحضّهم على الثبات والإقدام. وخرج رسول الله ﷺ من مكانه إلى الناس، فحرّضهم قائلا: «والذي نفس محمّد بيده، لا يقاتلهم اليوم رجل فيقتل صابرا محتسبا، مقبلا غير مدبر؛ إلا أدخله الله الجنّة» . إنّ التأميل في الاخرة هو بضاعة الأنبياء، وهل لأصحاب العقائد وفداة الحق من راحة إلا هناك؟. وعمل هذا التحريض عمله في القلوب المؤمنة. روى أحمد «٣» : أنّ المشركين لما دنوا، قال رسول الله ﷺ لأصحابه:

«قوموا إلى جنة عرضها السموات والأرض» ! فقال عمير بن الحمام الأنصاري: يا رسول الله! جنة عرضها السموات والأرض؟ قال: «نعم» . قال: بخ بخ، فقال رسول الله ﷺ: «وما يحملك على قول: بخ بخ؟» قال: لا والله يا رسول الله! إلّا رجاء أن أكون من أهلها! قال: «فإنّك من أهلها» .. فأخرج تمرات من قرنه فجعل يأكل منهنّ، ثم قال: لئن أنا حييت حتى اكل تمراتي هذه إنّها حياة طويلة، فرمى ما كان معه من التمر، ثم قاتلهم وهو يقول: ركضا إلى الله بغير زاد ... إلّا التّقى وعمل المعاد والصّبر في الله على الجهاد ... وكلّ زاد عرضة النّفاد غير التّقى والبرّ والرشاد فما زال حتى قتل!. ووهت صفوف المشركين تحت مطارق هذا الإيمان الزاهد في متاع الحياة الدنيا، وراعهم محمّد ﵊ وقد نزل بنفسه إلى الميدان يقاتل أشدّ القتال، ومعه أصحابه، يشتدون نحو عدوهم لا يبالون شيئا، فانكسرت قريش، وأخذها الفزع. وصاح النبيّ ﵊ وهو يرى كبرياء الكفر تمرّغ في التراب-: «شاهت الوجوه ... » «١» . فانهزمت قريش.. وذلك قول الله في كتابه: إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنانٍ (١٢) ذلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (١٣) ذلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكافِرِينَ عَذابَ النَّارِ (١٤) [الأنفال] .

[مقتل أبي جهل] : وحاول (أبو جهل) أن يوقف سيل الهزيمة النازل بقومه، فأقبل يصرخ بهم

فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكافِرِينَ عَذابَ النَّارِ (١٤) [الأنفال] .

[مقتل أبي جهل] : وحاول (أبو جهل) أن يوقف سيل الهزيمة النازل بقومه، فأقبل يصرخ بهم

وغشاوة الغرور ضاربة على عينيه: واللات والعزّى، لا نرجع حتى نفرّقهم في الجبال، خذوهم أخذا. وماذا تفعل صيحات الطيش بإزاء الحقائق المكتسحة؟! لكنّ أبا جهل والحق يقال-: كان تمثالا للعناد إلى اخر رمق، والطمس المنسوج على بصيرته جزء من كيانه، لا ينفك عنه أبدا؛ لذلك أقبل يقاتل في شراسة وغضب وهو يقول: ما تنقم الحرب الشّموس منّي؟ ... بازل عامين حديث سنّي لمثل هذا ولدتني أمّي وأحاطت به فلول المشركين يقولون: أبو الحكم لا يخلص إليه، فكان بينهم وسط غابة ملتفّة. بيد أنّ هذه الغابة لم تلبث أن تهاوت جذعا جذعا أمام حماس المؤمنين، الذين اشتدّ بأسهم، وأغرتهم بشائر الفوز، وساد هتافهم الموقعة، وهم يقولون: أحد أحد!. قال عبد الرحمن بن عوف: إنّي لفي الصفّ يوم بدر، إذ التفتّ، فإذا عن يميني وعن يساري فتيان حديثا السن، فكأنّي لم امن بمكانهما، إذ قال لي أحدهما سرا من صاحبه: يا عمّ، أرني أبا جهل، فقلت: يا بن أخي! ما تصنع به؟ قال: عاهدت الله إن رأيته أن أقتله، أو أموت دونه! وقال لي الاخر سرّا من صاحبه مثله. قال: فما سرّني أنّني بين رجلين مكانهما. فأشرت لهما إليه، فشدّا عليه مثل الصّقرين، فضرباه حتى قتلاه، وهما ابنا عفراء «١» . ويظهر أنهما تركاه بين الحياة والموت، وقد استشهد البطلان في هذه الواقعة، ووقف رسول الله ﷺ على مصرعهما يدعو لهما ويذكر صنيعهما «٢» .

ابنا عفراء «١» . ويظهر أنهما تركاه بين الحياة والموت، وقد استشهد البطلان في هذه الواقعة، ووقف رسول الله ﷺ على مصرعهما يدعو لهما ويذكر صنيعهما «٢» .

أما أبو جهل فقد سقط مكانه يلفظ أنفاسه، وتفرّق المشركون بعده بددا، وتركوا سيقانهم للريح تبعثرهم في فجاج الصحراء، كما تبعثر كثيبا من الرمل المنهار. ومرّ عبد الله بن مسعود بالقتلى، فوجد أبا جهل فيهم لا يزال به رمق، فجثم على صدره يبغي الإجهاز عليه، وتحرّك أبو جهل يسأل: لمن الدائرة اليوم؟ فقال عبد الله: لله ورسوله، ثم استتلى عبد الله: هل أخزاك الله يا عدو الله؟! قال له: وبماذا أخزاني؟! هل أعمد من رجل قتله قومه؟! وتفرّس في عبد الله، ثم قال له: ألست رويعينا بمكة؟!. فجعل عبد الله يهوي عليه بسيفه حتى خمد «١» . ولقي مثل هذا المصير الفاجع سبعون صنديدا من رؤوس الكفر بمكة، دارت عليهم كؤوس الردى فتجرّعوها صاغرين، وسقط في الأسر سبعون كذلك، وفرّ بقية التسعمئة والخمسين يروون لمن خلفهم أنّ الظلم مرتعه وخيم، وأن البطر يجر في أعقابه الخزي والعار.

[بشاشة الفوز تضحك للمؤمنين] : وفتح المسلمون عيونهم على بشاشة الفوز تضحك لهم خلال الأرض والسماء. إنّ هذا الظفر المتاح رد عليهم الحياة والأمل والكرامة، وخلّصهم من أغلال ثقال: وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢٣) [ال عمران] . وكانت عدة من استشهد منهم أربعة عشر رجلا، استأثرت بهم رحمة الله، فذهبوا إلى عليّين. ثبت عن أنس بن مالك: أن حارثة بن سراقة قتل يوم بدر، وكان في

النظّارة، أصابه سهم طائش فقتله، فجاءت أمه فقالت: يا رسول الله! أخبرني عن حارثة؟ فإن كان في الجنة صبرت، وإلا فليرينّ الله ما أصنع- تعني من النياحة- وكانت لم تحرّم بعد!! فقال لها الرسول ﷺ: «ويحك أهبلت؟ إنّها جنان ثمان، وإنّ ابنك أصاب الفردوس الأعلى ... » «١» . فإذا كان هذا جزاء النظّارة الذين اختطفتهم سهام طائشة، فكيف بمن خاض إلى المنايا الغمرات الصعاب؟!. في هذه المعركة التقى الاباء بالأبناء، والإخوة بالإخوة، خالفت بينهم المبادئ، ففصلت بينهم السيوف، وفي عصرنا هذا قاتل الشيوعيون مواطنيهم، ومزّقوا أغلى الأواصر الإنسانية في سبيل ما يعتقدون؛ فلا عجب إذا رأيت الابن المؤمن يغاضب أباه الملحد، ويخاصمه في ذات الله!! والقتال الذي دار ب (بدر) سجّل صورا من هذا النوع الحاد: كان أبو بكر مع رسول الله ﷺ، وكان ابنه عبد الرحمن يقاتله مع أبي جهل، وكان عتبة بن ربيعة أول من بارز المسلمين، وكان ولده أبو حذيفة من خيار أصحاب النبي ﷺ، فلما سحبت جثّة عتبة لترمى في القليب نظر الرسول ﷺ إلى أبي حذيفة فإذا هو كثيب، قد تغيّر لونه، فقال له: «يا أبا حذيفة! لعلّك قد دخلك من شأن أبيك شيء؟» فقال: لا والله يا رسول الله! ما شككت في أبي ولا في مصرعه، ولكنّي كنت أعرف من أبي رأيا وحلما وفضلا، فكنت أرجو أن يهديه ذلك إلى الإسلام، فلمّا رأيت ما أصابه، وذكرت ما مات عليه من الكفر بعد الذي كنت أرجو له أحزنني ذلك!. فدعا له رسول الله ﷺ بخير، وقال له خيرا.. «٢» . وأمر رسول الله ﷺ بقتلى المشركين فطرحوا في القليب، وروي أنه قال عند مراهم: «بئس عشيرة النبيّ كنتم لنبيّكم؛ كذّبتموني وصدّقني النّاس، وأخرجتموني واواني النّاس، وقاتلتموني ونصرني النّاس» «٣» .

القليب، وروي أنه قال عند مراهم: «بئس عشيرة النبيّ كنتم لنبيّكم؛ كذّبتموني وصدّقني النّاس، وأخرجتموني واواني النّاس، وقاتلتموني ونصرني النّاس» «٣» .

فلما ووريت جثثهم، وأهيل التراب على رفاتهم، انصرف الناس وهم يشعرون أنّ أئمة الكفر قد استراح الدين والدنيا من شرورهم؛ إلا أنّ النبي ﷺ استعاد ماضيه الطويل في جهاد أولئك القوم، كم عالج مغاليقهم، وحاول هدايتهم؟! وكم ناشدهم الله، وخوّفهم عصيانه، وتلا عليهم قرانه؟! وهم- على طول التذكير- يتبجّحون، وبالله وآياته ورسوله يستهزئون، فخرج «١» النبي ﷺ في جوف الليل حتى بلغ القليب المطويّ على أهله، وسمعه الصحابة يقول: «يا أهل القليب! يا عتبة بن ربيعة! يا شيبة بن ربيعة! يا أمية بن خلف! يا أبا جهل بن هشام! هل وجدتم ما وعد ربّكم حقّا؟ فإنّي وجدت ما وعدني ربّي حقا» !. فقال المسلمون: يا رسول الله! أتنادي قوما جيّفوا؟! قال: «ما أنتم بأسمع لما أقول منهم! ولكنّهم لا يستطيعون أن يجيبوني «٢» » . كانت واقعة بدر في السابع عشر من رمضان لسنتين من الهجرة، وقد أقام رسول الله ﷺ ببدر ثلاثا، ثم قفل عائدا إلى المدينة يسوق أمامه الأسرى

والغنائم، ورأى قبل دخولها أن يعجّل البشرى إلى المسلمين المقيمين فيها؛ لأنهم لا يدرون مما حدث شيئا. فأرسل عبد الله بن رواحة وزيد بن حارثة مبشّرين، يؤذنان الناس بالنصر العظيم. قال أسامة بن زيد: فأتانا الخبر حين سوينا التراب على رقية بنت رسول الله ﷺ، وكان زوجها عثمان بن عفان قد احتبس عندها يمرّضها بأمره ﷺ، وضرب رسول الله ﷺ له بسهمه وأجره في بدر «١» .

خبر حين سوينا التراب على رقية بنت رسول الله ﷺ، وكان زوجها عثمان بن عفان قد احتبس عندها يمرّضها بأمره ﷺ، وضرب رسول الله ﷺ له بسهمه وأجره في بدر «١» .

محاسبة وعتاب (في الغنائم) : برغم ما سجّله التاريخ من تجمّل ومواساة بين الأنصار والمهاجرين، فإنّ متاعب العيلة ومشكلات الفقر تمشّت خلال المجتمع الجديد؛ إن سترها التعفف حينا أبرزتها الحاجة حينا اخر، والأزمات التي تصاحب تكوين دولة من العدم وسط أمم تكيد لها، وتتربّص بها الدوائر، يجب أن تتوقع، وأن توطّن النفوس على احتمالها، وألا تكون حدّة الشعور بها سببا في ضعف السيرة وعجز الهمة.. وقد اخذ الله المسلمين- قبل معركة بدر وبعدها- بأمور بدرت منهم يحبّ لهم أن يتنزّهوا عنها، مهما بلغ من شدة الدوافع والمبررات لارتكابها. فهم يوم خرجوا من يثرب لملاقاة مشركي مكة تعلّقت أمانيهم بإحراز العير وما تحمل من ذخائر ونفائس. حقا إنهم أخرجوا من ديارهم وأموالهم، وضحّوا في سبيل الله بأنفسهم وأولادهم ... فليمضوا في طريق الفداء إلى المرحلة الأخيرة، ومهما عضّهم الفقر بنابه، فليكن التنكيل بالكافرين أرجح في ميزانهم من الاستيلاء على الغنيمة: وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّها لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ وَيَقْطَعَ دابِرَ الْكافِرِينَ (٧) [الأنفال] . ومن هذا القبيل تسابقهم بعد النصر إلى حيازة الغنائم، ومحاولة كل فريق الاستئثار بها.

عن عبادة بن الصامت، قال: خرجنا مع النبي ﷺ فشهدت معه بدرا، فالتقى الناس، فهزم الله العدوّ، فانطلقت طائفة في اثارهم يطاردون ويقتلون، وأكبت طائفة على المغنم، يحوزونه، ويجمعونه، وأحدقت طائفة برسول الله ﷺ لا يصيب العدو منه غرّة، حتى إذا كان الليل، وفاء النّاس بعضهم إلى بعض، قال الذين جمعوا الغنائم: نحن حويناها، وليس لأحد فيها نصيب، وقال الذين خرجوا في طلب العدوّ: لستم أحقّ بها منّا، نحن نحينا منها العدو وهزمناه، وقال الذين أحدقوا برسول الله: خفنا أن يصيب العدو منه غرة، فاشتغلنا به، فأنزل الله تعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ قُلِ الْأَنْفالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١) [الأنفال] . فقسمها رسول الله ﷺ بين المسلمين «١» . هذا التنازع المؤسف إثر البأساء الشاملة التي لحقت بالمهاجرين والأنصار على السواء، وقد نظر رسول الله ﷺ إلى مظاهر البؤس على أصحابه وهم خارجون إلى بدر؛ فرثى لحالهم، وتألّم لما بهم، وسأل الله أن يكشف كرباتهم. فعن عبد الله بن عمرو «٢» ، قال: خرج رسول الله يوم (بدر) في ثلاثمئة وخمسة عشر رجلا من أصحابه، فلما انتهى إليها، قال: «اللهم إنّهم جياع فأشبعهم، اللهم إنّهم حفاة فاحملهم، اللهم إنّهم عراة فاكسهم» . ففتح الله له يوم بدر، فانقلبوا حين انقلبوا، وما منهم رجل إلا قد رجع بحمل أو حملين، واكتسوا وشبعوا. إنّ الجوع والعري عند ما يطول أمدهما يتركان في النفوس ندوبا سيئة،

م بدر، فانقلبوا حين انقلبوا، وما منهم رجل إلا قد رجع بحمل أو حملين، واكتسوا وشبعوا. إنّ الجوع والعري عند ما يطول أمدهما يتركان في النفوس ندوبا سيئة،

ويدفعان الأفكار في مجرى ضيق كالح، على أنّ هذه الأزمات إن أخرجت العامة، وأهاجتهم إلى طلب الغذاء والكساء لأنفسهم وذراريهم بحرص ومجاهرة، فإن المؤمنين الكبار ينبغي أن يتماسكوا، وأن يكتموا أحاسيس الفاقة الملحّة فلا يتنازعوا على شيء. وذلك الأدب هو ما أخذ الله به المسلمين، وافتتح به السورة التي تحدثت عن القتال في بدر. ذلك أنّ الخاصة من الرجال هم قدوة غيرهم، فإذا ساءت أخلاقهم للضوائق العارضة، واضطرب مسلكهم فسيكون سواد الشعب إلى مزالق الفوضى أسرع. وقد رأينا (الألمان) في الحرب العالمية الأولى و (الإنكليز) في الحرب العالمية الثانية شدّد عليهم الحصار، حتى هزلت الأجسام، واصفرّت الوجوه، وما صابرت الجماهير هذه المجاعات إلا وراء قادتها المصابرين المتجمّلين.

[في الأسرى] : ومما حاسب الله عليه المسلمين حسابا شديدا موقفهم بإزاء الأسرى، فإنّ الرغبة في استبقائهم للانتفاع من ثرواتهم غلبت الاراء الاخرى بضرورة الاقتصاص من ماثمهم السابقة، حتى يكونوا نكالا لما بين أيديهم وما خلفهم وموعظة للمتقين. استشار رسول الله ﷺ أبا بكر وعمر وعليا، فقال أبو بكر: يا رسول الله! هؤلاء بنو العمّ والعشيرة والإخوان، وإنّي أرى أن تأخذ منهم الفدية، فيكون ما أخذناه قوة لنا على الكفار، وعسى أن يهداهم الله فيكونوا لنا عضدا. فقال رسول الله ﷺ: «ما ترى يا بن الخطاب؟» قال: قلت: والله! ما أرى ما رأى أبو بكر، ولكن أرى أن تمكّنني من فلان- قريب لعمر- فأضرب عنقه، وتمكّن عليا من عقيل بن أبي طالب فيضرب عنقه، وتمكّن حمزة من فلان- أخيه- فيضرب عنقه، حتى يعلم الله أنّه ليست في قلوبنا هوادة للمشركين، وهؤلاء صناديدهم وأئمتهم وقادتهم. فهوي رسول الله ﷺ ما قال أبو بكر، ولم يهو ما قلت، وأخذ منهم الفداء، فلمّا كان من الغد قال عمر: فغدوت إلى النبي ﵊ وأبي بكر وهما يبكيان! فقلت: يا رسول الله! أخبرني ماذا يبكيك أنت وصاحبك؟ فإن وجدت بكاء بكيت، وإن لم أجد بكاء تباكيت لبكائكما! فقال رسول الله ﷺ:

نبي ﵊ وأبي بكر وهما يبكيان! فقلت: يا رسول الله! أخبرني ماذا يبكيك أنت وصاحبك؟ فإن وجدت بكاء بكيت، وإن لم أجد بكاء تباكيت لبكائكما! فقال رسول الله ﷺ:

«للذي عرض عليّ أصحابك من أخذهم الفداء، قد عرض عليّ عذابكم أدنى من هذه الشجرة» - لشجرة قريبة-. وأنزل الله تعالى: ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٦٧) لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيما أَخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (٦٨) [الأنفال] «١» . إن الوقوع في الأسر لا يعني صدور عفو عام عن الجرائم التي اقترفها الأسرى أيّام حريتهم، وهؤلاء الطغمة من كبراء مكة لهم ماض شنيع في إيذاء الله ورسوله، وقد أبطرتهم منازلهم، فساقوا عامة أهل مكة إلى حرب ما كان لها من داع، فكيف يتركون بعد أن استمكنت الأيدي من خناقهم؟. أذلك لأنّ لهم ثروة يفتدون بها؟ ما كان يليق أن ينظر المؤمنون إلى هذه الأعراض التافهة متناسين ما فرط من أولئك الكفّار في جنب الله. إنهم مجرمو حرب- بالاصطلاح الحديث- لا أسرى حرب، وقد ندّد القران بخيانتهم لقومهم بعد كفرهم بنعمة الله عليهم فقال: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دارَ الْبَوارِ (٢٨) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها وَبِئْسَ الْقَرارُ (٢٩) [إبراهيم] . وهناك نصوص توصي برعاية الأسرى وإطعامهم، وتشرع القوانين الرحيمة في معاملتهم، وهذا ينطبق على جماهير الأسرى من الأتباع والعامة. أمّا الذين تاجروا بالحروب لإشباع مطامعهم الخاصة، فيجب استئصال شأفتهم، وذلك هو الإثخان في الأرض. إنّ الحياة كما تتقدّم بالرجال الأخيار، فإنّها تتأخر بالعناصر الخبيثة؛ وإذا كان من حقّ الشجرة لكي تنمو أن تقلّم؛ فمن حقّ الحياة لكي تصلح أن تنقّى من السفهاء والعتاة والاثمين. ولن يقوم عوض أبدا عن هذا الحق، ولو كان القناطير المقنطرة من الذهب، وقد أسمع الله نبيه ﷺ وصحابته هذا الدرس، حتى إذا وعوه وتدبّروه عفا عنهم، ثم أباح لهم- من رحمته بهم- الانتفاع بما أخذوا من فداء فقال:

فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالًا طَيِّباً وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٦٩) [الأنفال] .

في أعقاب بدر: شده العرب قاطبة للنصر الحاسم الذي ناله المسلمون في بدر، بل إنّ أهل مكة استنكروا الخبر أوّل ما جاءهم، وحسبوه هذيان مجنون، فلمّا استبان صدقه صعق نفر منهم، فهلك لتوّه، وماج بعضهم في بعض من هول المصاب، لا يدري ما يفعل. وكما استبعد أهل مكة الهزيمة على أنفسهم حتى جوبهوا بعارها، استبعد مشركو المدينة ويهودها ما قرع اذانهم من بشريات الفوز، وذهب بعضهم إلى حد اتهام المسلمين بأن ما يذاع من نصرهم محض اختلاق، وظلّوا يكابرون حتى رأوا الأسرى مقرّنين في الأصفاد، فسقط في أيديهم. وقد اختلفت مسالك الأحزاب الكافرة بإزاء المسلمين بعد هذا الغلب الذي مكن للإسلام وأهله، وجعل سلطانهم مهيبا في المدينة وما حولها، ومدّ نفوذهم على طريق القوافل في شمال الجزيرة، فأصبح لا يمرّ بها أحد إلا بإذنهم. فأما أهل مكة فقد انطووا على أنفسهم يداوون جراحهم، ويستعيدون قواهم، ويستعدّون لنيل ثأرهم، ويعلنون أنّ يوم الانتقام قريب، ولم تزدهم الهزيمة إلا كرها للإسلام، ونقمة على محمّد ﷺ وصحبه، واضطهادا لمن يدخل في دينه، فكان من ينشرح صدره للإسلام يختفي به أو يعيش ذليلا مستضعفا. ذلك في مكة حيث كانت الدولة للكفر. أما في المدينة حيث المسلمون كثرة مكينة ظاهرة، فقد اتخذت العداوة للإسلام طريقة الدس والنفاق والمخاتلة، فأسلم فريق من المشركين واليهود ظاهرا، وقلوبهم تغلي حقدا وكفرا، وعلى رأس هؤلاء عبد الله بن أبيّ. روى أسامة بن زيد قال: كان رسول الله ﷺ وأصحابه يعفون عن المشركين وأهل الكتاب- كما أمرهم الله تعالى- ويصبرون على الأذى: وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ [البقرة: ١٠٩] . فكان النبي ﷺ يتأوّل من العفو ما أمره الله به، حتى أذن فيهم بالقتل «١» .

قُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ [البقرة: ١٠٩] . فكان النبي ﷺ يتأوّل من العفو ما أمره الله به، حتى أذن فيهم بالقتل «١» .

فلما غزا بدرا، وقتل الله من قتل من صناديد قريش، وقفل رسول الله ﵊ وأصحابه منصورين غانمين معهم أساراهم، قال عبد الله بن أبيّ ومن معه من المشركين عبدة الأوثان: هذا أمر قد توجّه (أي: استمر، فلا مطمع في إزالته) فبايعوا رسول الله ﷺ على الإسلام فأسلموا.. على أنّ هذا الخداع لاذ به فريق من الكفار في الوقت الذي عالن فيه فريق اخر من اليهود بسخطهم على محمد ﷺ، وألمهم للهزيمة التي أصابت قريشا في (بدر) ؛ بل إن كعب بن الأشرف- من رجالات اليهود- أرسل القصائد في رثاء قتلاهم والمطالبة بثأرهم!. ولقد اتسعت شقة العداوة بين المسلمين واليهود إثر هذا الموقف النابي. ثم حاول اليهود أن يحقّروا من شأن النصر الذي حظي به الإسلام، مما مهّد للأحداث العنيفة التي وقعت بعد، ودفع اليهود ثمنها من دمهم أفرادا وجماعات. أما البدو الضاربون حول المدينة، وعلى طرق القوافل فهم قوم همل، لا يهمّهم شيء من قضايا الكفر والإيمان، إنّما يهمّهم اكتساب القوت من أي وجه، والحصول عليه ولو عن طريق السلب والنهب، وتاريخهم الحديث مع قوافل الحجاج شاهد صدق على أنهم لا يرعون حرمة، ولا يخشون إلا القوة، ولولا بطش السعوديين بهم ما أمن طريق الحجّ قط! وقد سبق لهم استياق نعم المدينة، وما ورثوه من جاهلية طامسة، جعل قلوبهم مع مشركي الجزيرة، وقد ذعروا لانتصار المسلمين في بدر، وأخذت جموعهم تحتشد تبغي انتهاز فرصة للإغارة على المدينة، ولكنّ الرسول ﷺ نهض إلى جموعهم، فشتتها، ولم يلق في إرهابهم متاعب ذات بال.

ر المسلمين في بدر، وأخذت جموعهم تحتشد تبغي انتهاز فرصة للإغارة على المدينة، ولكنّ الرسول ﷺ نهض إلى جموعهم، فشتتها، ولم يلق في إرهابهم متاعب ذات بال.

بدء الصراع بين اليهود والمسلمين لم تحدّث المسلمين أنفسهم بنقض عهود اليهود، ولا فكّروا في طردهم من أرض الجزيرة، بل على العكس توقّع المسلمون منهم أن يكونوا عونا لهم في حرب الوثنية المخرّفة، وتدعيم عقيدة التوحيد، ورجا المسلمون أن يصدّق اليهود محمدا ﷺ فيما يثبته لله من تنزيه ومجد، وأن تكون صلتهم بالكتب القديمة، وألفتهم لأحاديث المرسلين سببا في إقناع العرب الأميين بأن الرسالات السماوية حقّ، والإيمان بها واجب. وهذه المشاعر الحسنة تتمشّى مع القران النازل يومئذ يؤسسها ويؤكدها: وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ (٤٣) [الرعد] . وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَفْرَحُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمِنَ الْأَحْزابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ قُلْ إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلا أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُوا وَإِلَيْهِ مَآبِ (٣٦) [الرعد] . بيد أن اليهود كانوا عند أسوأ الظن، فلم تمض أيام على اختلاطهم بالمسلمين في المدينة حتى شرعوا يحرجون صدورهم، ويعينون عليهم، ولو أنّهم كذّبوا بمحمد ﷺ كما كذبوا بعيسى ﵇ من قبل، واعتقدوا أن ما وراء توراتهم باطل، واكتفوا بأداء عبادتهم في بيعهم، وحبسوا في أفواههم المطاعن على أنبياء الله ... لتركهم المسلمون وشأنهم يكفرون إلى قيام الساعة، دون حرب أو ضرب. أمّا أن يجتهد المسلمون في بناء دولتهم، فيجتهد هؤلاء في نقضها، أمّا أن يصطدم الإسلام بالشرك، فينضمّ بنو إسرائيل بعواطفهم وألسنتهم ودعاياتهم ضد محمد ﷺ وصحبه.. فهذا ما لا يستساغ. وفي فرحة المسلمين بانتصارهم في بدر، لم يستحي أولئك اليهود أن يقولوا لرسول الله ﵊: «لا يغرنّك أنّك لقيت قوما لا علم لهم بالحرب، فأصبت منهم فرصة، أما والله لئن حاربناك لتعلمنّ أنّا نحن النّاس!!» .

وقد نزل الوحي ينذر هؤلاء بسوء المنقلب: قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهادُ (١٢) قَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتا فِئَةٌ تُقاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرى كافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشاءُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ (١٣) [ال عمران] . والاية الأخيرة تذكير بما وقع في بدر.

طرد يهود بني قينقاع: وأول من كشف عن ضغنه، وهزأ بالإسلام وأهله يهود بني قينقاع، المقيمين داخل المدينة نفسها، وكظم المسلمون غيظهم، وانتظروا ما تتمخّض عنه الليالي من مكر اليهود. وسعى هؤلاء إلى حتفهم بظلفهم، فقد حدث أنّ امرأة عربية قدمت بجلب لها «١» ، فباعته بسوق بني قينقاع، وجلست إلى صائغ هناك، فاجتمع حولها نفر من اليهود، يريدونها على كشف وجهها فأبت، فعمد الصائغ إلى طرف ثوبها وهي غافلة، فعقده إلى ظهرها. فلما قامت انكشفت سوءتها، وضحك اليهود منها، وصاحت المرأة، فوثب رجل من المسلمين على الصائغ فقتله، فشدّت اليهود على المسلم فقتلوه، وهكذا طارت الشرارة، ووقعت الحرب بين المسلمين وبني قينقاع. وكان ذلك في منتصف شوال في السنة الثانية من الهجرة. لجأ اليهود إلى حصونهم يقاتلون فيها، ففرض الرسول ﷺ عليهم الحصار، وأحكمه خمس عشرة ليلة، حتى اضطروا إلى التسليم، ورضوا بما يصنعه رسول الله ﷺ في رقابهم ونسائهم وذريتهم، فلمّا أمكن الله منهم، جاء عبد الله بن أبي فقال: يا محمد! أحسن في مواليّ- وكانوا حلفاء الخزرج- فأبطأ عليه رسول الله ﷺ، فكرّر ابن أبيّ مقالته: أحسن في مواليّ، فأعرض عنه الرسول ﷺ. فأدخل يده في جيب درعه، فتغيّر لون النبي ﷺ وقال له: «أرسلني» ، وغضب حتى رأوا لوجهه ظللا، ثم أعاد أمره وهو مغضب: «أرسلني ويحك» ! قال ابن أبي: لا والله لا أرسلك حتى تحسن في مواليّ، أربعمئة حاسر

وقال له: «أرسلني» ، وغضب حتى رأوا لوجهه ظللا، ثم أعاد أمره وهو مغضب: «أرسلني ويحك» ! قال ابن أبي: لا والله لا أرسلك حتى تحسن في مواليّ، أربعمئة حاسر

وثلاثمئة دارع قد منعوني من الأحمر والأسود تحصدهم في غداة واحدة؟ إنّي والله امرؤ أخشى الدوائر، فقال رسول الله ﷺ: «هم لك «١» على أن يخرجوا من المدينة، ولا يجاورونا بها» . فرحلوا إلى (أذرعات) «٢» بالشام ولم يبقوا هناك طويلا حتى هلك أكثرهم. أما كان خيرا لهم أن يؤدوا حقوق الجوار، ويعرفوا قيم العهود، ويبقوا في المدينة امنين موفورين؟ لقد تعجّلوا الشرّ فباؤوا به ... وفي حوار عبد الله بن أبيّ مع الرسول ﵊ نزل قوله تعالى: فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشى أَنْ تُصِيبَنا دائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلى ما أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نادِمِينَ (٥٢) [المائدة] «٣» .

[سر نقمة اليهود على الإسلام والمسلمين] : ويحسن أن نتأمل في سيرة هؤلاء اليهود، وسرّ نقمتهم الشديدة على الإسلام ونبيّه ﷺ وتحيزهم المعيب إلى الوثنية في نضال الإسلام معها. أصحيح أنّ نزاع اليهودية والإسلام كان سياسيا لا دينيا؟ وأنّ الانفراد بالسلطان في الجزيرة العربية هو مبعث هذا الخصام الحادّ؟. إنّ التغلغل في فهم العواطف والمشاعر الإنسانية يفسّر كثيرا من المواقف الغامضة، لقد رأينا المسلمين في مكة يتحمسون للنصرانية في صراعها مع المجوسية، ويحزنون لانكسار الروم أمام الفرس، مع أنّ الإسلام لم يكن قد اتصل بعد بالنصارى اتصالا يبرر هذا الحماس، لكنه الشعور الطبيعي الوحيد الذي ينتظر من الرجل المخلص لدينه، فالمسلمون أصحاب كتاب يدعو إلى التوحيد، والنصارى- وإن اضطرب فهمهم لمعنى التوحيد وشابوا الحقّ بالخرافة- فهم- على كل حال- أهل كتاب، ويعتبرون أعلى مرتبة من عبدة النار؛ فالرغبة

عو إلى التوحيد، والنصارى- وإن اضطرب فهمهم لمعنى التوحيد وشابوا الحقّ بالخرافة- فهم- على كل حال- أهل كتاب، ويعتبرون أعلى مرتبة من عبدة النار؛ فالرغبة

في انتصارهم على الوثنية الصريحة الشرك ضرب من الوفاء للإسلام نفسه! ومن الاحترام للحقيقة التي معك أن تقترب مما يقرب منها، وأن تبتعد عن كل ما يبعد عنها. وقد كان المشركون من أهل مكة منطقيين مع أنفسهم حين رحبوا بانتصار الفرس، وعدّوه رمزا لغلبة الوثنية في كلّ صورها على أديان السماء جملة ... فما معنى أن يغضب اليهود المواحدون- كما يزعمون- من انتصار الإسلام على الشرك؟ وبم يفسّر حنوهم على القتلى من عبدة الأصنام، وسعيهم الحثيث لتغليب كفة الوثنية العربية على هذا الدين الجديد؟!. إنّ التفسير الوحيد لهذا الموقف أنّ اليهود انقطعت صلاتهم بمعنى الدين، وأنّ سلوكهم العام لا يرتبط بما لديهم من تراث سماوي، وأنّهم لا يكترثون بما يقترب من عقيدة التوحيد أو أحكام التوراة، لأنّ هذه وتلك مؤخّرة أمام شهواتهم الغالبة وأثرتهم اللازبة، ومن ثمّ شكك القران الكريم في قيمة الإيمان الذي يدّعيه القوم: وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِما أَنْزَلَ اللَّهُ قالُوا نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا وَيَكْفُرُونَ بِما وَراءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِما مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِياءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٩١) وَلَقَدْ جاءَكُمْ مُوسى بِالْبَيِّناتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظالِمُونَ (٩٢) [البقرة] . والظاهر أن طوائف اليهود التي عاشت بين العرب كانت عصابات من المرتزقة، اتخذت الدين عنوانا لمطامع اقتصادية بعيدة المدى، فلمّا توهّمت أنّ هذه المطامع مهدّدة بالزوال ظهر الكفر المخبوء، فإذا هو كفر بالله وسائر المرسلين. ولم يعرف أولئك شرفا في حرب الإسلام، ولم يقفهم حد أو عهد في الكيد له، فلم يكن بدّ من إجلائهم وتنظيف الأرض منهم.

وء، فإذا هو كفر بالله وسائر المرسلين. ولم يعرف أولئك شرفا في حرب الإسلام، ولم يقفهم حد أو عهد في الكيد له، فلم يكن بدّ من إجلائهم وتنظيف الأرض منهم.

مقتل كعب بن الأشرف: وقد تعقّب المسلمون كلّ غادر بعهده، مجاهر بحرب الله ورسوله، مؤيّد لقريش ورأيها، مظهر للعطف والأسف على ما أصابها.. تعقّب المسلمون هؤلاء الطّغام من زعماء اليهود وسراتهم بالقتل والإرهاب.

ومن أولئك الذين نفّذ فيهم العقاب (كعب بن الأشرف) ؛ فإنّ كعبا هذا سافر إلى مكة- من المدينة- يواسي مشركيها المهزومين في بدر، ويحرّضهم على إدراك ثأرهم من محمد ﷺ وصحابته، وهو الذي سأله أبو سفيان: أناشدك الله، أديننا أحبّ إلى الله أم دين محمد وأصحابه؟ وأيّنا أهدى إلى ربك وأقرب إلى الحق؟ إننا نطعم الجزور الكوماء، ونسقي اللبن على الماء، ونطعم ما هبّت الشمال!. قال له كعب: أنتم أهدى منه سبيلا!!. فأنزل الله على رسوله: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هؤُلاءِ أَهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا (٥١) [النساء] . وعاد كعب إلى المدينة سافر العداوة، بعيد الجراءة، حتى إنّه صاغ قصائد الغزل في بعض النّساء المسلمات.. وليس بعد ذلك صبر، فأهدر المسلمون دمه. وبعث إليه النبي ﷺ من استنزله من حصنه ليلقى جزاءه الحق. ذهب إليه (محمد بن مسلمة) و (أبو نائلة) بعد ما استأذنا الرسول ﵊ أن يقولا فيه ما يطمئن اليهودي إلى تبرّمهما بالإسلام، أتاه محمد بن مسلمة، فقال له: إنّ هذا الرجل قد سألنا صدقة، وإنه قد عنّانا، وإنّي قد أتيتك أستسلفك!!. قال كعب: والله لتملّنه! قال: إنا قد اتبعناه فلا نحب أن ندعه حتى ننظر إلى أي شيء يصير شأنه، وقد أردنا أن تسلفنا. قال: نعم، ارهنوني، قال: أيّ شيء تريد؟ قال: ارهنوني نساءكم! قال: كيف نرهنك نساءنا وأنت أجمل العرب؟. قال: فترهنوني أبناءكم، قال: يسب ابن أحدنا فيقال: رهن في وسق أو وسقين من تمر!! ولكن نرهنك السلاح. وصنع أبو نائلة ما صنع محمد بن مسلمة؛ قال لليهودي: كان قدوم هذا الرجل علينا بلاء! عادتنا العرب، ورمتنا عن قوس واحدة، وقطعت علينا السبيل، حتى ضاع العيال، وجهدت الأنفس، وأصبحنا قد جهدنا وجهد عيالنا، ودار الحوار على نحو ما دار مع ابن مسلمة، ورضي كعب- أخيرا- أن يسلفهم نظير ارتهان أسلحتهم. وإلى هذا قصدوا، فإنّ كعبا لن ينكر السّلاح معهم وهو الذي طلبه منهم. وفي ليلة مقمرة انطلقوا إلى حصنه ليتمّوا ما تواعدوا عليه، فقالت امرأته

ان أسلحتهم. وإلى هذا قصدوا، فإنّ كعبا لن ينكر السّلاح معهم وهو الذي طلبه منهم. وفي ليلة مقمرة انطلقوا إلى حصنه ليتمّوا ما تواعدوا عليه، فقالت امرأته

وقد سمعت النداء: أسمع صوتا كأنه يقطر منه الدم، قال كعب: لو دعي الفتى لطعنة لأجاب، فنزل متوشّحا تنفح منه رائحة الطيب، واستدرجه القوم في الحديث والسير، ثم زعم أبو نائلة أنّه يريد أن يشمّ الطيب من شعره، فسرّح فيه يده وهو يقول: ما رأيت كالليلة طيبا أعطر، وزهي كعب بما سمع! وعاد أبو نائلة فوضع يديه في شعر اليهودي حتى إذا استمكن من فوديه قال لصحبه: دونكم عدو الله، فاختلفت عليه أسيافهم «١» ، دخلت في بدنه الأسلحة التي طلبها رهانا بدل النساء والأبناء.. وصاح كعب صيحة لم يبق معها حصن إلا وقد وقدت عليه النار استجلاء للخبر، فلما طلع الصباح علمت يهود بمصرع جبّارها، فدبّ الرّعب في القلوب العنيدة، وأسرعت الأفاعي إلى جحورها تختبئ فيها. لقد أجدت العصا حين أعيت الصيحة وبطل المقال، ولزم اليهود حدودهم فلم يتجرؤوا على المسلمين بسبّ، وظهر كأنّهم لن يمالئوا على الله ورسوله مشركا بعد اليوم. وهكذا تفرّغ الرسول ﵊ إلى حين- لمواجهة الأعراب المشركين.

دودهم فلم يتجرؤوا على المسلمين بسبّ، وظهر كأنّهم لن يمالئوا على الله ورسوله مشركا بعد اليوم. وهكذا تفرّغ الرسول ﵊ إلى حين- لمواجهة الأعراب المشركين.

مناوشات مع قريش لم يغترّ المسلمون بالنصر الذي نالوه في (بدر) ، ولم يفتروا عن مراقبة خصومهم والإعداد لهم، وقد علموا علم اليقين أنّ مكة لن تني عن الانتقام لنفسها، ولن تستكين للكارثة التي حلّت بها. ورأى أبو سفيان- حفظا لمكانة قومه، وإبرازا لما لديهم من قوة- أن يتعجّل عملا قليل المغارم ظاهر الأثر، فقرّر أن يفاجئ المدينة بغارة خاطفة يعود عقيبها وقد رد لقريش بعض سمعتها، وألحق بالمسلمين ما يستطيع من خسائر. ثم إنّ أبا سفيان كان نذر ألا يمسّ رأسه ماء من جنابة حتى يغزو محمدا ﷺ، وينبغي أن يبر في قسمه. فخرج في مئتي راكب حتى وصل إلى مساكن بني النضير في جنح الليل بأطراف المدينة-، ونزل على (سلّام بن مشكم) من سادة اليهود، فتعرّف منه أخبار المسلمين، وتدارسا أجدى الطرق لإيذائهم والإفلات من قواهم. واهتدى أبو سفيان إلى العمل الذي وفّى به يمينه، وحقق به غايته، فهجم برجاله على ناحية يقال لها: العريض، وحرقوا أسوارا من نخيل بها، ووجدوا رجلا من الأنصار وحليفا له في حرث لهما فقتلوهما، ثم لاذوا بالفرار عائدين إلى مكة. وشعر المسلمون بما حدث، فانطلقوا وراء أبي سفيان ورجاله يطاردونهم ويبتغون الإيقاع بهم، وأحس المشركون بالطلب، فجدّوا في الهرب، والمسلمون يقطعون الصحراء خلفهم راغبين في اللحاق بهم، فلمّا أحسّ أبو سفيان بالخطر أخذ يتخفّف من الأزواد التي يحملها حتى تمكّن من النجاة، وعثر المسلمون في طريق المطاردة على هذه المؤن وأكثرها من السويق، فسمّوا هذه المناوشة الطريفة غزوة السويق!.

ولم تنل قريش من هذه الغارة الفاشلة شيئا يرفع رأسها، ففكّرت أن تتجنّب الصدام بالمسلمين حتى تحين الفرصة المواتية، ولكن أنى لها ذلك وتجارتهم تمرّ في الغدو والرواح بالمدينة؟. قال صفوان بن أمية لقريش: «إنّ محمدا وصحبه عوّروا علينا متجرنا، فما ندري كيف نصنع بأصحابه، هم لا يبرحون الساحل، وأهل الساحل قد وادعوهم، ودخل عامتهم معه، فما ندري أين نسلك؟! وإن أقمنا في دارنا هذه أكلنا رؤوس أموالنا، فلم يكن لها من بقاء، وإنما حياتنا بمكة على التجارة إلى الشام في الصيف وإلى الحبشة في الشتاء» ، فقال له الأسود بن المطلب: تنكّب الطريق على الساحل، وخذ طريق العراق، ودلّه على فرات بن حيّان من بني بكر بن وائل، ليكون رائدهم في هذه الرحلة. وخرجت عير قريش يقودها صفوان بن أمية اخذة الطريق الجديدة، إلا أن نعيم بن مسعود قدم المدينة يحمل أنباء هذه القافلة وخطّة سيرها، واجتمع في مجلس شرب- قبل تحريم الخمر- بسليط بن النعمان، فباح له بسرها، فأسرع سليط إلى النبي ﷺ يروي له القصة، فبعث النبي لوقته (زيد بن حارثة) في مئة راكب يعترضون القافلة، فلقيها زيد عند ماء يقال له: (القردة) ، فاستولى عليها، وكانت تحمل مقادير كبيرة من الفضة، وفرّ المشركون مذعورين، فلم يقع في الأسر غير فرات بن حيان، فلمّا جيء به إلى المدينة دخل في الإسلام. ولقد حزنت مكة لهذه النكبة الجديدة، وزادها ذلك إصرارا على المطالبة بثأرها، والتهيؤ للقاء المسلمين في تعبئة كاملة، فكان ذلك وما سبقه من أحداث التمهيد القوي لمعركة (أحد) في السنة الثالثة للهجرة.

[بين بدر وأحد] : ولا يفوتنا إذ نتابع النشاط العسكري للإسلام في سنتيه الأوليين بالمدينة، أن نذكر بعض الشؤون الهامة الاخرى، فقد توفي خنيس بن حذافة السهمي زوج حفصة بنت عمر بن الخطاب، وهو رجل صالح ممن شهدوا بدرا، فلما تأيّمت منه، أراد أبوها أن يتخير لها زوجا، قال عمر: فلقيت عثمان بن عفان فعرضت عليه حفصة، فقلت: إن شئت أنكحتك حفصة بنت عمر!! فقال: سأنظر في أمري! فلبث ليالي ثم لقيته فعرضت عليه، فقال: قد بدا لي ألا أتزوّج.

ت عثمان بن عفان فعرضت عليه حفصة، فقلت: إن شئت أنكحتك حفصة بنت عمر!! فقال: سأنظر في أمري! فلبث ليالي ثم لقيته فعرضت عليه، فقال: قد بدا لي ألا أتزوّج.

قال عمر: فلقيت أبا بكر فقلت له: إن شئت أنكحتك حفصة بنت عمر، فصمت ولم يرجع إليّ شيئا! فكنت عليه أوجد منّي على عثمان. فلبثت ليالي، فخطبها منّي رسول الله ﷺ فأنكحتها إياه، فلقيني أبو بكر فقال: لعلّك وجدت عليّ حين عرضت عليّ حفصة، فلم أرجع إليك شيئا؟ فقلت: نعم، فقال: فإنه لم يمنعني أن أرجع إليك فيما عرضت عليّ إلا أني كنت علمت أنّ رسول الله ﷺ قد ذكرها، فلم أكن لأفشي سرّ رسول الله ﷺ، ولو تركها لقبلتها «١» . واتجاه الرسول ﷺ إلى مصاهرة عمر بعد مصاهرة أبي بكر، ثم تزويجه ابنته فاطمة لعلي بن أبي طالب، وتزويجه ابنته أم كلثوم لعثمان- بعد وفاة رقيّة- يشير إلى أن النبي ﵊ يبغي من وراء ذلك توثيق الصلات بالرجال الأربعة الذين عرف بلاؤهم وفداؤهم للإسلام، في الأزمات التي مرت به، وشاء الله أن يجتازها بسلام. وفي السنة الثانية للهجرة فرض صيام رمضان، وزكاة الفطر، وبيّنات أنصبة الزكاة الاخرى، ومن أجلّ ما وقع في هذه السنة تحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة المطهرة، وقد كان هذا الانتقال مثار تغيّظ اليهود واستنكارهم الشديد. كانوا- قبله- يؤمّلون في متابعة الرّسول ﵊ لهم! ولعلّ أساس موادعتهم له ظنهم الإفادة منه، واستغلال أنصاره! فلمّا تميّز الإسلام بقبلته الجديدة امتلأت نفوسهم باليأس، ودفعتهم خيبة الرجاء إلى تشديد الحملة على الإسلام وتبييت السوء له. وقد أحبط القران حرب الجدل التي شنها اليهود إثر تغيير القبلة: سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النَّاسِ ما وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٤٢) [البقرة] . وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ ... [البقرة: ١١٥] . لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ... [البقرة: ١٧٧] .

الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ... [البقرة: ١٧٧] . إنّ الله ربّ الأزمنة والأمكنة جميعا، وتوجيه أمة إلى قبلة معينة لا يعني

انحصارا في إحاطته، أو قصورا في ربوبيته. لقد كانت عودة المسلمين إلى الكعبة رجوعا إلى الأصل الذي بناه أبو الأنبياء إبراهيم ﵇، وفي العودة إلى الأصل تنزه عن الانحرافات التي حدثت بعد من الذراري الضالّين، وخصوصا بني إسرائيل.

معركة أحد لم يهدأ بال قريش مذ غشيها في «بدر» ما غشيها، وكان ما جدّ من الحوادث بعد لا يزيد أحقادها إلا ضراما، فلما استدارت السنة، كانت مكة قد استكملت عدتها، واجتمع إليها أحلافها من المشركين، وانضمّ إليهم كلّ ناقم على الإسلام وأهله. فخرج الجيش الثائر في عدد يربو على ثلاثة الاف. ورأى أبو سفيان- قائده- أن يستصحب النساء معه، حتى يكون ذلك أبلغ في استماتة الرجال دون أن تصاب حرماتهم وأعراضهم؟ وكانت الترات القديمة والغيظ الكامن يشعل البغضاء في القلوب، ويشفّ عما سوف يقع من قتال مرير. وفي أوائل شوال من السنة الثالثة وصل الجيش الزاحف إلى المدينة، فنزل قريبا من جبل «أحد» وأرسل خيله ترعى زروعها الممتدة هناك. واجتمع المسلمون حول رسول الله ﷺ يتدبّرون أمرهم. أيخرجون لمقاتلة العدو في العراء أم يستدرجونه إلى أزقة المدينة، حتى إذا دخلها قاتله الرجال في الطرق، وقاتلته النساء من فوق أسطح البيوت؟. وكان رسول الله ﷺ يميل إلى الرأي الأخير، وأيّده فيه رجال من أولي النظر والروية، وقال عبد الله بن أبي: هذا هو الرأي، لكنّ الرجال الذين لم يشهدوا بدرا تحمّسوا للخروج، وقالوا: كنا نتمنّى هذا اليوم، وندعو الله، فقد ساقه إلينا وقرب المسير! وظاهرهم الشباب الطامح في الاستشهاد، وبدا أنّ كثرة المسلمين تميل إلى البروز لملاقاة العدو، فدخل الرسول ﷺ بيته وخرج منه لابسا عدته متهيئا للقتال. وشعر القوم أنّهم استكرهوا الرسول ﷺ على رأيهم، وأظهروا الرغبة في النزول على رأيه. بيد أنّ النبيّ ﷺ وجد غضاضة من الاضطراب بين شتى الاراء، فقال: «ما ينبغي لنبيّ لبس لأمته أن يضعها، حتّى يحكم الله بينه

هروا الرغبة في النزول على رأيه. بيد أنّ النبيّ ﷺ وجد غضاضة من الاضطراب بين شتى الاراء، فقال: «ما ينبغي لنبيّ لبس لأمته أن يضعها، حتّى يحكم الله بينه

وبين عدوّه» «١» . وقال: «قد دعوتكم إلى هذا الحديث فأبيتم إلا الخروج، فعليكم بتقوى الله، والصبر عند البأس، وانظروا ما أمركم الله به فافعلوه» «٢» . ثم خرج في ألف رجل حتى نزل ب (أحد) ؛ إلا أنّ عبد الله بن أبي انسحب في الطريق بثلث الناس قائلا: ما ندري علام نقتل أنفسنا؟ ومحتجا بأنّ الرسول ﷺ ترك رأيه وأطاع غيره. فتبعهم عبد الله بن عمرو- والد جابر بن عبد الله- ينصحهم بالثبات، ويؤنّبهم على العودة، ويذكّرهم بواجب الدفاع عن المدينة ضد المغيرين إذا لم يكن لهم إيمان بالله واليوم الاخر وثّقه بالإسلام ورسوله. فأبى (ابن أبيّ) الاستماع إليه، وفيه وفيمن انسحب معه نزلت الاية: وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا قاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتالًا لَاتَّبَعْناكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمانِ [ال عمران: ١٦٧] . عسكر المسلمون بالشّعب من (أحد) في عدوة الوادي، جاعلين ظهرهم إلى الجبل، ورسم النبيّ ﷺ الخطة لكسب المعركة، فجاءت محكمة رائعة؛ وزّع الرماة على أماكنهم وأمّر عليهم عبد الله بن جبير- وكانوا خمسين رجلا- وقال: «انضحوا الخيل عنّا بالنبل، لا يأتونا من خلفنا!! إن كانت الدائرة لنا أو علينا فالزموا أماكنكم، لا نؤتينّ من قبلكم» «٣» !! وفي رواية قال لهم: «احموا ظهورنا، إن رأيتمونا نقتل فلا تنصرونا، وإن رأيتمونا نغنم فلا تشركونا!» .

علينا فالزموا أماكنكم، لا نؤتينّ من قبلكم» «٣» !! وفي رواية قال لهم: «احموا ظهورنا، إن رأيتمونا نقتل فلا تنصرونا، وإن رأيتمونا نغنم فلا تشركونا!» .

واطمأنّ رسول الله ﷺ إلى أنّ فرقة الرماة قد أمّنت بهذه الأوامر المشددة مؤخرة جيشه، فأقبل يتعهّد مقدمته، وأمر ألا ينشب قتال إلا بإذنه. وظاهر هو نفسه بين درعين «١» ، وأخذ يتخيّر الرجال أولي النجدة والبأس، ليكونوا طليعة المؤمنين حين يلتحم الجمعان. إن عدد المسلمين على الربع من المشركين، ولن يعوّض هذا التفاوت إلا الأشخاص الذين يوزنون بالألوف وهم احاد. روى ثابت «٢» عن النبي ﷺ أنه أمسك يوم «أحد» بسيف ثم قال: «من يأخذ هذا السّيف بحقّه؟» فأحجم القوم، فقال أبو دجانة: أنا اخذه بحقه، فأخذه ففلق به هام المشركين. قال ابن إسحاق: كان أبو دجانة رجلا شجاعا يختال عند الحرب، وكانت له عصابة حمراء إذا اعتصب بها علم أنّه سيقاتل حتى الموت، فلما أخذ السيف من يد رسول الله ﷺ تعصّب وخرج يقول: أنا الذي عاهدني خليلي ... ونحن بالسّفح لدى النّخيل ألّا أقوم الدّهر في الكيول ... أضرب بسيف الله والرسول ويعني بعدم قيامه في الكيول: ألا يقاتل في مؤخرة الصفوف، بل يظلّ أبدا في المقدمة. ثم تدانت الفئتان، وأذن النبي ﷺ لرجاله أن يجالدوا العدو، وبدأت مراحل القتال الأولى تثير الغرابة. كأن ثلاثة الاف مشرك يواجهون ثلاثين ألف مسلم، لا بضع مئات قلائل! وظهر المسلمون في أعلى صور الشجاعة واليقين. خرج حنظلة بن أبي عامر من بيته حين سمع هواتف الحرب، وكان حديث عهد بعرس، فانخلع من أحضان زوجته، وهرع إلى ساحة الوغى حتى لا يفوته الجهاد!. إن حادي التضحية كان أملك لنفسه وأملأ لحسه من داعي اللذة، فاستشهد البطل وهو جنب!!.

وسادت روح الإيمان المحض صفوف المجاهدين، فانطلقوا خلال جنود الشرك انطلاق الفيضان تقطّعت أمامه السدود. وقف طلحة بن أبي طلحة العبدري حامل لواء قريش يتحدّى، داعيا إلى البراز، فوثب إليه الزبير بن العوام حتى صار معه على جمله، ثم اقتحم به الأرض فألقاه عنه وذبحه بسيفه!!. أقبل أبو دجانة معلما بعصابته الحمراء، لا يلقى مشركا إلا قتله، وكان أحد المشركين قد شغل نفسه بالإجهاز على جرحى المسلمين في المعركة. قال كعب بن مالك: وإذا رجل من المسلمين ينتظره وعليه لأمته، فمضيت حتى كنت من ورائه، ثم قمت أقدّر المسلم والكافر ببصري، فإذا الكافر أفضلهما عدة وهيئة، فلم أزل أنتظرهما حتى التقيا فضرب المسلم الكافر على حبل عاتقه ضربة بالسيف فبلغت وركه، وتفرّق فرقتين!! ثم كشف المسلم عن وجهه وقال: كيف ترى يا كعب؟ أنا أبو دجانة ... وقاتل حمزة بن عبد المطلب قتال الليوث المهتاجة، وصمد لحملة اللواء من بني عبد الدار، فاقتنص أرواحهم فردا فردا!!. قال (وحشي) غلام جبير بن مطعم: قال لي جبير: إن قتلت حمزة عمّ محمد فأنت عتيق، قال: فخرجت مع الناس، وكنت رجلا حبشيا أقذف بالحربة قذف الحبشة، قلّما أخطئ بها شيئا، فلمّا التقى الناس، فخرجت أنظر حمزة وأتبصّره حتى رأيته كأنّه الجمل الأورق، يهدّ الناس بسيفه هدّا، ما يقوم له شيء!! فو الله إنّي لأتهيّأ له أريده وأستتر منه بشجرة أو بحجر ليدنو مني؛ إذ تقدمني إليه سباع بن عبد العزّى، فلمّا راه حمزة قال: هلمّ إليّ يا ابن مقطّعة البظور؟ قال: فضربه ضربة كأنما اختطفت رأسه. فهززت حربتي، حتى إذا رضيت عنها دفعتها عليه، فوقعت في ثنته- أحشائه- حتى خرجت من بين رجليه، وذهب لينوء نحوي فغلب، وتركته وإياها حتى مات، ثم أتيته فأخذت حربتي، ورجعت إلى المعسكر فقعدت فيه، إذ لم تكن لي بغيره حاجة، وإنما قتلته لأعتق. ومع الخسارة الفادحة التي نالت المسلمين بقتل حمزة، فإنّ جيشهم القليل ظلّ مسيطرا على الموقف كلّه، وحمل لواء المسلمين في هذا القتال (مصعب بن عمير) الداعية العظيم، فلما استشهد، حمل اللواء عليّ بن أبي طالب، واستبق

القليل ظلّ مسيطرا على الموقف كلّه، وحمل لواء المسلمين في هذا القتال (مصعب بن عمير) الداعية العظيم، فلما استشهد، حمل اللواء عليّ بن أبي طالب، واستبق

المهاجرون والأنصار في ميدان الشرف، وأخذ اللواء الإسلاميّ يتقدم خطوة خطوة، وشعار المسلمين في هذا الالتحام: «أمت، أمت» . وكانت نسوة قريش دائبات على استنهاض رجالهم، يضربن بالدّفوف، ويحرّضن على القتال، تقودهنّ هند بنت عتبة زوجة أبي سفيان. فكانت تقول- حاثّة بني عبد الدار على إبقاء لواء مكة مرفوعا-: ويها بني عبد الدّار ... ويها حماة الأدبار ضربا بكلّ بتّار!! وتؤزّ قومها على القتال منشدة: إن تقبلوا نعانق ... ونفرش النّمارق أو تدبروا نفارق ... فراق غير وامق وقد بذلت قريش أقصى جهدها لتحطّم عنفوان المسلمين، لكنها أحست العجز، وانكسرت همّتها أمام ثبات المسلمين وإقدامهم. قال ابن إسحاق: ثم أنزل الله نصره، وصدق وعده، فحسّوهم بالسيوف حتى كشفوهم عن المعسكر، وكانت الهزيمة لا شكّ فيها. روى عبد الله بن الزبير عن أبيه قال: والله لقد رأيتني أنظر إلى خدم سوق هند بنت عتبة وصواحبها مشمّرات هوارب، ما دون أخذهنّ قليل ولا كثير!!. قد يجد المرء نفسه في حفل يموج بالأنوار، وتنتشر في أجوائه الأشعة المبصرة، ثم يقع خلل مفاجئ يقطع التيار، فإذا المصابيح تعتم، ثم يسود المكان ظلام موحش سقيم!!. إن هذا مثل للتحول المستنكر الذي قلب سير الحوادث في معركة أحد. لحظة يسيرة من لحظات الضعف الإنساني عرضت لفريق من الجند، فأوقعت الارتباك في صفوف الجيش كلّه، فضاعت في ساعة نزق كلّ المكاسب التي أحرزتها الشجاعة النادرة والتضحية البالغة!. لقد علمت كيف شدّد الرسول ﵊ على الرماة أن يلزموا أماكنهم صيانة لمؤخرة المسلمين، وأوصاهم ألا يبرحوها أبدا، ولو رأوا الجيش تتخطفه الطير؟ غير أنّ أثارة من حبّ الدنيا عصفت بهذه الوصاة في ساعة غفلة؟

موا أماكنهم صيانة لمؤخرة المسلمين، وأوصاهم ألا يبرحوها أبدا، ولو رأوا الجيش تتخطفه الطير؟ غير أنّ أثارة من حبّ الدنيا عصفت بهذه الوصاة في ساعة غفلة؟

فما أن رأى الرماة الهزيمة حلّت بقريش، النساء يهمن في الجبل، والرجال يولّون الأدبار، والغنائم التي خلّفها ثلاثة الاف مشرك تزحم الوادي ... حتى غادروا مواقعهم هابطين إلى الميدان، يبغون انتهاب أنصبتهم من الأسلاب والأموال!. وكان فرسان المشركين بقيادة خالد بن الوليد محصورين، لا يجدون ثغرة ينفذون منها إلى قلب المسلمين، إلى أن حلّت الهزيمة، فلما رأى خالد أنّ مؤخرة المسلمين انكشفت، فلم يبق عليها حارس، اهتبل الفرصة على عجل، فاستدار بالخيل، وأحدق بخصومه منحدرا عليهم من حيث لا يحتسبون. ورأى الفارّون من قريش بوادر هذا التغير الطارئ، فتراجعوا، حتى إنّ امرأة تدعى عمرة بنت علقمة الحارثية هي التي رفعت لواء قريش من التراب، بعد أن سقط وصرع حملته، وثاب المشركون إلى رايتهم وخيالتهم فأحيط الصحابة من الأمام والخلف، ووقعوا بين شقي الرحى.. على أنّ الرجال الأحرار لا يصادون بسهولة، إنهم شدهوا لما حدث. ولكنّهم أخذوا يقاتلون بحرارة، وإن كان هدفهم هذه المرة أن ينجوا فحسب! أن يبصروا طريقا يخلّصهم من هذا المأزق العضوض!. واستشهد كثير وهم يحاولون شقّ طريقهم، واستطاع المشركون أن يخلصوا قريبا من النبي ﷺ، فرماه أحدهم بحجر كسر أنفه ورباعيته وشجّه في وجهه، فأثقله، وتفجّر منه الدم «١» . وشاع أنّ محمدا ﷺ قتل، فتفرّق المسلمون، ودخل بعضهم المدينة، وانطلقت طائفة فوق الجبل، واختلطت على الصحابة أحوالهم، فما يدرون كيف يفعلون.. إلا أن النبي ﷺ جعل يصيح بالمؤمنين: «إليّ عباد الله، إليّ عباد الله» ! فاجتمع إليه نحو ثلاثين رجلا، غير أنّ المشركين بصروا بهم فهاجموهم! ووقف طلحة بن عبيد الله، وسهل بن حنيف، إلى جوار الرسول ﵊، فأصيب طلحة بسهم في يده فشلّها.

وأقبل أبي بن خلف الجمحيّ على النبي ﵊ وكان قد حلف أن يقتله- وأيقن أنّ الفرصة سانحة، فجاء يقول: يا كذّاب أين تفر! وحمل على الرسول ﷺ بسيفه. فقال النبي ﷺ: «بل أنا قاتله إن شاء الله» ، وطعنه في جيب درعه طعنة وقع منها يخور خوار الثور، فلم يلبث إلا يوما أو بعض يوم حتى مات «١» . ومضى النبيّ ﷺ يدعو المسلمين إليه، واستطاع- بالرجال القلائل الذين معه- أن يصعد فوق الجبل، فانحازت إليه الطائفة التي اعتصمت بالصخرة وقت الفرار. وفرح النبي ﵊ أن وجد بقية من رجاله يمتنع بهم، وعاد لهؤلاء صوابهم إذ وجدوا الرسول حيا وهم يحسبونه مات. ويبدو أن إشاعة قتل النبي ﷺ سرت على أفواه كثيرة، فقد مرّ أنس بن النضر بقوم من المسلمين ألقوا أيديهم، وانكسرت نفوسهم، فقال: ما تنتظرون؟. قالوا: قتل رسول الله ﷺ! فقال: وما تصنعون بالحياة بعده؟. قوموا فموتوا على ما مات عليه ... ثم استقبل المشركين، فما زال يقاتلهم حتى قتل ... ولم تتوان قريش من جانبها في مهاجمة الرسول ﷺ ومن انحاز إليه من أصحابه بغية الإجهاز عليه وعليهم، ومرّت ساعة عصيبة من أحرج الساعات في تاريخ الدنيا، وفرسان المشركين ورماتهم يحملون- بعناد وإلحاح- لتحقيق أمنيتهم، فقتل بين يدي النبي ﷺ خلق كثير، وهم ينافحون دونه، جالدهم طلحة حتى أجهضهم عنه، ثم سقط بين حي وميت، وترّس عليه أبو دجانة بظهره، فكان النبل يقع فيه وهو لا يتحرك. روى مسلم: أنّ رسول الله ﷺ أفرد يوم أحد في سبعة من الأنصار ورجلين من قريش، فلما أرهقه المشركون قال: «من يردّهم عنّي وله الجنّة؟» فتقدّم رجل

لا يتحرك. روى مسلم: أنّ رسول الله ﷺ أفرد يوم أحد في سبعة من الأنصار ورجلين من قريش، فلما أرهقه المشركون قال: «من يردّهم عنّي وله الجنّة؟» فتقدّم رجل

من الأنصار، فقاتل حتى قتل! ثم رهقوه، فقال: «من يردّهم عنّي وله الجنّة» فلم يزل كذلك حتى قتل السبعة، فقال رسول الله ﷺ: «ما أنصفنا أصحابنا» يعني من فرّوا وتركوه. وتركت هذه الاستماتة أثرها، ففترت حدّة قريش في محاولة قتل الرسول ﷺ وثاب إليه أصحابه من كلّ ناحية، وأخذوا يلمّون شملهم، ويزيلون شعثهم. وأمر النبي ﷺ صحبه أن ينزلوا قريشا من القمة التي احتلوها في الجبل قائلا: ليس لهم أن يعلونا، فحصبوهم بالحجارة حتى أجلوهم عنها «١» . إن الإفلات من عواقب هذا الانكسار الشنيع عمل لا يقل- في خطره- عن الانتصار الأول، وقد اتجه عزم الرسول ﷺ إلى بذل كل جهد ممكن في سبيل مقاومة قريش، حتى لا تظفر بشيء غنيمة باردة، بل حتى تثقل بها مغارمها، فلا تطمع في مزيد من إيذاء المسلمين، فكان ينثل السهام من كنانته، ويعطيها سعد بن أبي وقاص ويقول: «ارم فداك أبي وأمي» «٢» . وكان أبو طلحة الأنصاري راميا ماهرا في إصابة الهدف، قاتل دون رسول الله ﷺ، فكان إذا رمى رفع رسول الله ﷺ شخصه ينظر أين يقع سهمه، ويرفع أبو طلحة صدره قائلا: هكذا بأبي أنت وأمي، لا يصيبك سهم، نحري دون نحرك «٣» ، ويقول: إني جلد يا رسول الله، فوجهني في حوائجك، ومرني بما شئت!! وقد نجح الرماة حول رسول الله ﷺ في ردّ المشركين الذين حاولوا صعود الجبل، وبذلك أمكن المسلمين الشاردين أن يلحقوا بالنبي ﷺ ومن معه. إلا أنّهم جاؤوا وكأنما خرجوا من عماية حتى إنّ بعضهم- من فرط الغيظ والذهول- قاتل أمامه لا يدري من يقاتل، فقتل اليمان والد الصحابي المعروف حذيفة، وصرخ حذيفة: أبي أبي! دون جدوى. ولمّا تجمّعت فلول المسلمين بعد هذا الكرّ والفرّ، كان الإعياء قد نال منهم

Bagian 6 dari 12