— Bagian 5 · تعالى: —
Bagian 5
تعالى: لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا [التوبة: ١٠٨] .
استقرار المدينة: رجل العقيدة يسير طوعا لها، ويجد طمأنينته حيث تقرّ عقيدته، وتلقى الرحب والسعة. والناس ينشدون سعادتهم فيما تعلّقت به هممهم، وجاشت به أمانيهم، وهم ينظرون إلى الدنيا وحظوظهم منها على ضوء ما رسب في نفوسهم من عواطف وأفكار.. فطالب الزعامة يرضى أن ينقم، وينشط أو يكسل بمقدار قربه أو بعده من أمله الحبيب. انظر المتنبي كم مدح وهجا؟ وكيف انتقل من الشام إلى مصر، ومن مصر إلى غيرها، وانظر إلى ذكره أحاديث الناس عنه وعن بغيته: يقولون لي: ما أنت في كلّ بلدة ... وما تبتغي؟ ما أبتغي جلّ أن يسمى والذي جلّ أن يسمى صرّح به في مكان اخر، فطلب أن تناط به ضيعة أو ولاية!! أي بعض ما وضعته الحظوظ في أيدي الملوك والملاك؛ وإنه ليتعجّل هذا الأمل من كافور فيقول: أبا المسك هل في الكأس فضل أناله؟ ... فإنّي أغنّي منذ حين وتشرب! والمتنبي في نظري أهل- بكفايته- للمناصب الرفيعة، ولكنّ التطلّع إلى الدنيا بهذا النزق والإلحاح، محكوم بالمشيئة التي ذكرتها الاية الكريمة: مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ.. [الإسراء: ١٨] .
ومن الناس من يتعشّق الجمال، ويجري وراء النّساء، ويجد في المتعة بهن نهمته، التي يسكن بعدها، ويستكين، ويقول: لا أرى الدّنيا على نور الضّحى ... بل أرى الدّنيا على نور العيون ومنهم من يبحث عن المال، ويقضي سحابة نهاره وشطر ليله يتتبّع الأرقام في دفاتره، يحصي ما وقع في يده، ويتربّص بما لم يقع، وربما ذهل عن طعامه ولباسه في غريزة الاقتناء التي سدّت عليه المنافذ.
هاره وشطر ليله يتتبّع الأرقام في دفاتره، يحصي ما وقع في يده، ويتربّص بما لم يقع، وربما ذهل عن طعامه ولباسه في غريزة الاقتناء التي سدّت عليه المنافذ.
[النفس العظيمة] : إلى جانب هذه الأصناف تجد فريقا اخر من البشر، لا يطيق الكفّ عن إسداء الجميل، وبذل النصيحة، ورعاية الصالح العام، وإفناء ذاته في سبيل الفضائل التي ملكت لبّه، وعمرت قلبه ... إنه يبيت مسهّدا لو فرّط في واجب ... راحته الكبرى في نشدان الكمال، وسعادته القصوى يوم يدرك منه سهما ... وأصحاب الرسالات رهناء ما تحمّلوا من أمانات ضخمة، فمغانمهم ومغارمهم وحلّهم وترحالهم، وصداقتهم وخصومتهم، ترجع كلّها إلى المعاني التي ارتبطوا بها وحيوا لأجلها ... وصاحب الرسالة العظمى محمد بن عبد الله ﷺ ضرب من نفسه المثل الفذ للمكافحين، فمنذ أخذ على عاتقه تمزيق الأسداف التي ألقت على العالم ليلا كثيفا من الشرك والخرافة؛ لم يفلح أحد في ثنيه عن عزمه، أو تعويق مسيره، أو ترضيته برغبة، أو ردعه برهبة، وفنيت أمام عينيه فوارق الزمان والمكان، فالغريب عنه إذا عرف الحقّ قريب، ووطنه إذا تنكّر للهدى فهو منه بريء، والمؤمنون به اخر الدهر هم إخوانه، وإن لم يشاهدوه. ولقد عاش في مكة ثلاثة وخمسين عاما حتى ألفها وألفته، لكنّه اليوم يخرج منها إلى وطن جديد، يرى فيه امتداد قلبه، وثمار غرسه. والرجال الذين تنبع سعادتهم من قلوبهم، ويرتبطون أمام ضمائرهم بمبادئهم، لا يكرّمون بيئة بعينها إلا أن تكون صدى لما يرون. فلا غرو إذا دخل محمد ﷺ المدينة دخول الوامق المعتزّ.. واستبشر بما اتاه الله فيها من فتح، وتوسّم من وراء هذه الهجرة بشائر الخير والنصر:
ثوى في قريش بضع عشرة حجّة ... يذكّر لو يلقى حبيبا مواتيا ويعرض في أهل المواسم نفسه ... فلم ير من يؤوي ولم ير واعيا فلمّا أتانا واستقرّت به النّوى ... وأصبح مسرورا بطيبة راضيا وأصبح لا يخشى ظلامة ظالم ... بعيد ولا يخشى من النّاس باغيا بذلنا له الأموال من جلّ مالنا ... وأنفسنا عند الوغى والتّاسيا نعادي الذي عادى من النّاس كلّهم ... جميعا، وإن كان الحبيب المصافيا ونعلم أنّ الله لا ربّ غيره ... وأنّ كتاب الله أصبح هاديا «١»
[مشكلات وحلول إيجابية] : إنّ تنظيم الهجرة واستقبال اللاجئين الفارّين بدينهم من شتى البقاع ليس بالعمل الهيّن، وفي عصرنا الحاضر تعتبر هذه الحال مشكلة تحتاج إلى الحل السريع!. ومتى خلت حياة الرجل العظيم من المشكلات؟!. وصادف إبّان الهجرة أن كانت المدينة موبوءة (بحمّى) الملاريا، فلم تمض أيام حتى مرض بها أبو بكر، وبلال. واستوخم الصحابة جوّ المهجر الذي اواهم، ثم أخذت تستيقظ غرائز الحنين إلى الوطن المفقود. وكان النبيّ ﷺ يصبّر الصحابة على احتمال الشدائد، ويطالبهم بالمزيد من الجدّ والتضحية لنصرة الإسلام، وقال: «لا يصبر على لأواء المدينة وشدّتها أحد من أمتي إلا كنت له شفيعا وشهيدا يوم القيامة، ولا يدعها أحد رغبة عنها إلا أبدل الله فيها من هو خير منه» «٢» . وهذا ضرب من جمع القلوب على المهجر الجديد، حتى تطيب به، وتنفر من مغادرته.
وم القيامة، ولا يدعها أحد رغبة عنها إلا أبدل الله فيها من هو خير منه» «٢» . وهذا ضرب من جمع القلوب على المهجر الجديد، حتى تطيب به، وتنفر من مغادرته.
وعن عائشة ﵂ قالت: لمّا قدم النبيّ ﵊ المدينة؛ وعك أبو بكر وبلال، فدخلت عليهما فقلت: يا أبت كيف تجدك؟ ويا بلال كيف تجدك؟ وكان أبو بكر إذا أخذته الحمّى يقول: كلّ امرئ مصبّح في أهله ... والموت أدنى من شراك نعله وكان بلال إذا أقلعت عنه، يرفع عقيرته ويقول: ألا ليت شعري هل أبيتنّ ليلة ... بواد، وحولي إذخر وجليل وهل أردن يوما مياه مجنّة؟ ... وهل يبدون لي شامة وطفيل؟ «١» قالت: فأخبرت رسول الله ﷺ بذلك فقال: «اللهم حبّب إلينا المدينة، كحبّنا مكة أو أشد، اللهم وصحّحها، وبارك لنا في مدّها وصاعها، وانقل حمّاها، واجعلها بالجحفة» «٢» . وعن أنس، قال رسول الله ﷺ: «اللهم اجعل بالمدينة ضعفي ما جعلت بمكّة من البركة» «٣» . وعن أبي هريرة، قال: كان رسول الله ﷺ إذا أتي بأوّل الثّمر قال: «اللهم بارك لنا في مدينتنا، وفي ثمارنا، وفي مدّنا، وفي صاعنا، بركة مع بركة، اللهم إنّ إبراهيم عبدك ونبيّك وخليلك، وإنّي عبدك ونبيّك، وإنّه دعاك لمكّة، وأنا أدعوك للمدينة بمثل ما دعاك لمكّة، ومثله معه» ثم يعطيه أصغر من يحضر من الولدان ... «٤» . بهذا التشويق والإقبال ارتفع الروح المعنوي بين المسلمين، واتّجهت القوى الفتية إلى البناء، متناسية الماضي وما يضمّ من ذكريات، إنّ الهجرة الخالصة لا تعود في هبة، ولا ترجع عن تضحية، ولا تبكي على فائت، بل هي كما قال الشاعر: إذا انصرفت نفسي عن الشّيء لم تكد ... إليه بوجه اخر الدهر تقبل
٥
أسس البناء للمجتمع الجديد
ترجع عن تضحية، ولا تبكي على فائت، بل هي كما قال الشاعر: إذا انصرفت نفسي عن الشّيء لم تكد ... إليه بوجه اخر الدهر تقبل
٥
أسس البناء للمجتمع الجديد
[دعائم المجتمع الجديد] ليست الأمة الإسلامية جماعة من الناس همّها أن تعيش بأيّ أسلوب، أو تخطّ طريقها في الحياة إلى أيّ وجهة، وما دامت تجد القوت واللذة فقد أراحت واستراحت. كلا كلا، فالمسلمون أصحاب عقيدة تحدّد صلتهم بالله، وتوضّح نظرتهم إلى الحياة، وتنظّم شؤونهم في الداخل على أنحاء خاصة، وتسوق صلاتهم بالخارج إلى غايات معينة. وفرق بين امرئ يقول لك: همّي في الدنيا أن أحيا فحسب! واخر يقول لك: إذا لم أحرس الشّرف، وأصن الحقوق، وأرض لله، وأغضب من أجله، فلا سعت بي قدم، ولا طرفت لي عين ... والمهاجرون إلى المدينة لم يتحوّلوا عن بلدهم ابتغاء ثراء أو استعلاء. والأنصار الذين استقبلوهم وناصبوا قومهم العداء، وأهدفوا أعناقهم للقاصي والداني، لم يفعلوا ذلك ليعيشوا كيفما اتفق ... إنّهم- جميعا- يريدون أن يستضيئوا بالوحي، وأن يحصلوا على رضوان الله، وأن يحقّقوا الحكمة العليا التي من أجلها خلق الناس، وقامت الحياة ... وهل الإنسان إذا جحد ربّه، واتبع هواه، إلا حيوان ذميم أو شيطان رجيم؟!. ومن هنا شغل رسول الله ﷺ أوّل مستقره- بالمدينة بوضع الدعائم التي لا بدّ منها لقيام رسالته، وتبين معالمها في الشؤون الاتية: ١- صلة الأمّة بالله. ٢- صلة الأمّة بعضها بالبعض الاخر. ٣- صلة الأمّة بالأجانب عنها، ممن لا يدينون دينها.
يام رسالته، وتبين معالمها في الشؤون الاتية: ١- صلة الأمّة بالله. ٢- صلة الأمّة بعضها بالبعض الاخر. ٣- صلة الأمّة بالأجانب عنها، ممن لا يدينون دينها.
[أولا] : المسجد: ففي الأمر الأول- وهو صلة الأمة بالله- بادر الرسول ﵊ إلى بناء المسجد؛ لتظهر فيه شعائر الإسلام، التي طالما حوربت، ولتقام فيه الصلوات، التي تربط المرء بربّ العالمين، وتنقّي القلب من أدران الأرض، ودسائس الحياة الدنيا. والمرويّ أنّ الرسول ﷺ بنى مسجده الجامع حيث بركت ناقته، في مريد لغلامين يكفلهما أسعد بن زرارة، وكان الغلامان يريدان النزول عنه لله، فأبى الرسول ﵊ إلا ابتياعه بثمنه، وكان المربد قبل أن يتّخذ مصلّى كهذه المصليات التي تنتشر في ريفنا؛ كانت تنبت فيه نخيل وشجر غرقد، ويختفي في ترابه بعض قبور للمشركين. فأمر الرسول ﷺ بالنخل فقطع، وبالقبور «١» فنبشت، وبالخرب فسوّيت، وصفّوا النخل قبلة للمسجد «٢» - والقبلة يومئذ بيت المقدس- وجعل طوله مما يلي القبلة إلى المؤخرة مئة ذراع، والجانبان مثل ذلك تقريبا، وجعلت عضادتاه من الحجارة، وحفر الأساس ثلاثة أذرع، ثم بني باللبن، واشترك الرسول ﷺ وأصحابه في حمل اللبنات والأحجار على كواهلهم. وكانوا يروّحون عن أنفسهم عناء الحمل والنّقل والبناء.. بهذا الغناء: اللهمّ لا عيش إلا عيش الاخره ... فاغفر للأنصار والمهاجره!! وقد ضاعف حماس الصحابة في العمل رؤيتهم النبيّ ﵊ يجهد كأحدهم، ويكره أن يتميّز عليهم، فارتجز بعضهم هذا البيت: لئن قعدنا والرّسول يعمل ... لذاك منّا العمل المضلّل!! وتمّ المسجد في حدود البساطة، فراشه الرمال والحصباء، وسقفه الجريد، وأعمدته الجذوع، وربما أمطرت السماء فأوحلت أرضه، وقد تفلت الكلاب إليه فتغدو وتروح. هذا البناء المتواضع الساذج، هو الذي ربّى ملائكة البشر، ومؤدبي الجبابرة، وملوك الدار الاخرة، في هذا المسجد أذن الرحمن لنبيّ يؤمّ بالقران خيرة من امن به، أن يتعهّدهم بأدب السماء من غبش الفجر إلى غسق الليل.
إنّ مكانة المسجد في المجتمع الإسلامي، تجعله مصدر التوجيه الروحي والمادي؛ فهو ساحة للعبادة، ومدرسة للعلم، وندوة للأدب، وقد ارتبطت بفريضة الصلاة وصفوفها أخلاق وتقاليد هي لباب الإسلام، لكنّ الناس- لما أعياهم بناء النفوس على الأخلاق الجليلة- استعاضوا عن ذلك ببناء المساجد السامقة، تضم مصلين أقزاما!!. أما الأسلاف الكبار فقد انصرفوا عن زخرفة المساجد وتشييدها إلى تزكية أنفسهم وتقويمها، فكانوا أمثلة صحيحة للإسلام. والمسجد الذي وجّه الرسول ﷺ همته إلى بنائه قبل أي عمل اخر بالمدينة، ليس أرضا تحتكر العبادة فوقها؛ فالأرض كلها مسجد، والمسلم لا يتقيّد في عبادته بمكان. إنّما هو رمز لما يكترث له الإسلام أعظم اكتراث، ويتشبّث به أشدّ تشبث؛ وهو وصل العباد بربهم وصلا يتجدّد مع الزمن، ويتكرّر اناء الليل والنهار، فلا قيمة لحضارة تذهل عن الإله الواحد، وتجهل اليوم الاخر، وتخلط المعروف بالمنكر!. والحضارة التي جاء بها الإسلام تذكّر أبدا بالله وبلقائه، وتمسك بالمعروف، وتبغّض في المنكر، وتقف على حدود الله. ولقد شاهد يهود المدينة ومشركوها هذا الرسول الجديد ﷺ يحتشد مع صحبه في إقامة المسجد، يمهّده للصلاة؛ فهل رأوا سيرة تريب أو مسلكا يغمز؟!. روى البيهقيّ، عن عبد الرحمن بن عوف «١» ، قال: كان أول خطبة خطبها رسول الله ﷺ بالمدينة أن قام فيهم، فحمد الله، وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: «أمّا بعد: أيها الناس! فقدّموا لأنفسكم، تعلمنّ والله ليصعقنّ أحدكم، ثم
ليدعنّ غنمه ليس لها راع، ثم ليقولنّ له ربّه- ليس له ترجمان ولا حاجب يحجبه دونه-: ألم يأتك رسولي فبلّغك؟ واتيتك مالا، وأفضلت عليك؟ فما قدّمت لنفسك؟ فينظر يمينا وشمالا فلا يرى شيئا ثم ينظر قدّامه فلا يرى غير جهنّم، فمن استطاع أن يقي نفسه من النّار ولو بشقّ تمرة فليفعل، ومن لم يجد فبكلمة طيبة، فإنّ بها تجزى الحسنة عشر أمثالها إلى سبعمئة ضعف، والسلام عليكم وعلى رسول الله» .
أن يقي نفسه من النّار ولو بشقّ تمرة فليفعل، ومن لم يجد فبكلمة طيبة، فإنّ بها تجزى الحسنة عشر أمثالها إلى سبعمئة ضعف، والسلام عليكم وعلى رسول الله» .
[ثانيا] : الأخوة: أمّا عن الأمر الثاني- وهو صلة الأمة بعضها بالبعض الاخر- فقد أقامه الرسول ﷺ على الإخاء الكامل؛ الإخاء الذي تمحى فيه كلمة «أنا» ، ويتحرّك الفرد فيه بروح الجماعة ومصلحتها وامالها، فلا يرى لنفسه كيانا دونها، ولا امتدادا إلا فيها. ومعنى هذا الإخاء أن تذوب عصبيات الجاهلية؛ فلا حمية إلا للإسلام. وأن تسقط فوارق النّسب واللون والوطن، فلا يتأخّر أحد أو يتقدّم إلا بمروءته وتقواه. وقد جعل الرسول ﷺ هذه الأخوة عقدا نافذا؛ لا لفظا فارغا، وعملا يرتبط بالدماء والأموال؛ لا تحية تثرثر بها الألسنة، ولا يقوم لها أثر. وكانت عواطف الإيثار والمواساة والمؤانسة تمتزج في هذه الأخوة، وتملأ المجتمع الجديد بأروع الأمثال. حرص الأنصار على الحفاوة بإخوانهم المهاجرين، فما نزل مهاجريّ على أنصاري إلا بقرعة!! وقدّر المهاجرون هذا البذل الخالص فما استغلّوه، ولا نالوا منه إلا بقدر ما يتوجّهون إلى العمل الحر الشريف. روى البخاريّ: أنهم لما قدموا المدينة، اخى رسول الله ﷺ بين عبد الرحمن بن عوف وسعد بن الربيع، فقال سعد لعبد الرحمن: إنّي أكثر الأنصار مالا؛ فاقسم مالي نصفين، ولي امرأتان، فانظر أعجبهما إليك، فسمّها لي أطلقها، فإذا انقضت عدّتها فتزوجها، قال عبد الرحمن: بارك الله لك في أهلك ومالك، أين سوقكم؟. فدلّوه على سوق بني قينقاع، فما انقلب إلا ومعه فضل من أقط وسمن!!.
فإذا انقضت عدّتها فتزوجها، قال عبد الرحمن: بارك الله لك في أهلك ومالك، أين سوقكم؟. فدلّوه على سوق بني قينقاع، فما انقلب إلا ومعه فضل من أقط وسمن!!.
ثم تابع الغدوّ.. ثم جاء يوما وبه أثر صفرة «١» ، فقال النبي ﷺ: «مهيم؟» «٢» قال: تزوجت، قال: «كم سقت إليها؟» ، قال: نواة من ذهب!. وإعجاب المرء بسماحة (سعد) لا يعدله إلا إعجابه بنبل (عبد الرحمن) ، هذا الذي زاحم اليهود في سوقهم، وبزّهم في ميدانهم، واستطاع- بعد أيام- أن يكسب ما يعف به نفسه، ويحصن به فرجه!! إنّ علو الهمة من خلائق الإيمان؛ وقبّح الله وجوه أقوام انتسبوا للإسلام فأكلوه، وأكلوا به، حتى أضاعوا كرامة الحق في هذا العالم. وكان رسول الله ﷺ الأخ الأكبر لهذه الجماعة المؤمنة؛ لم يتميّز عنهم بلقب إعظام خاصّ، وفي الحديث: «لو كنت متّخذا من أمّتي خليلا لاتخذته يعني: أبا بكر- خليلا، ولكنّ أخوّة الإسلام أفضل» «٣» . والإخاء الحق لا ينبت في البيئات الخسيسة، فحيث يشيع الجهل والغشّ والجبن والبخل والجشع لا يمكن أن يصحّ إخاء، أو تترعرع محبة، ولولا أن أصحاب رسول الله ﷺ جبلوا على شمائل نقية، واجتمعوا على مبادئ رضية، ما سجّلت لهم الدنيا هذا التاخي الوثيق في ذات الله. فسموّ الغاية التي التقوا عليها، وجلال الأسوة التي قادتهم إليها، نمّيا فيهم خلال الفضل والشرف، ولم يدعا مكانا لنجوم خلة رديئة. ذلك، ثم إنّ محمدا ﵊ كان إنسانا تجمّع فيه ما تفرّق في عالم الإنسان كله من أمجاد ومواهب وخيرات، فكان صورة لأعلى قمّة من الكمال يمكن أن يبلغها بشر، فلا غرو إذا كان الذين قبسوا منه، وداروا في فلكه رجالا يحيون بالنجدة والوفاء والسخاء. إنّ الحبّ كالنبع الدافق يسيل واحده، ولا يتكلّف استخراجه بالالات والأثقال، والأخوّة لا تفرض بقوانين ومراسيم، وإنّما هي أثر من تخلّص الناس من نوازع الأثرة والشح والضّعة. وقد تبودلت الأخوة بين المسلمين الأولين؛ لأنّهم ارتقوا- بالإسلام- في نواحي حياتهم كلّها، فكانوا عباد الله إخوانا، ولو كانوا عبيد أنفسهم ما أبقى بعضهم على بعض!!.
على أنّ تنويهنا بقيمة التسامي النفساني في تأسيس الإخاء، لا يمنع الحاكم من فرضه على الناس نظاما يؤخذون بحقوقه أخذا، فإذا لم يؤدّوها طوعا أدّوها كرها، وذلك كما يجبرون على العلم، والجندية، وأداء الضرائب وغير ذلك. وقد ظلّت عقود الإخاء مقدّمة على حقوق القرابة في توارث التركات إلى موقعة (بدر) ، حتى نزل قوله تعالى: وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [الأنفال: ٧٥] . فألغي التوارث بعقد الأخوة، ورجع إلى ذوي الرحم. وروى البخاري عن ابن عباس ﵄ في تفسير قوله تعالى: وَلِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ ... [النساء: ٣٣] . قال: كان المهاجرون- لما قدموا المدينة- يرث المهاجريّ الأنصاريّ دون ذوي رحمه؛ للأخوة التي اخى النبي ﵊ بينهم، فلمّا نزلت: وَلِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ ... ، نسخت ذلك، ثم قال: وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ من النصر والرفادة والنصيحة، وقد ذهب الميراث، ويوصي له. وروي في تفصيل هذا الإخاء: أنّ النبي ﷺ تاخى مع علي، وتاخى حمزة مع زيد، وأبو بكر مع خارجة، وعمر مع عتبان بن مالك ... إلخ. ومن العلماء من يشكّ في أخوّة الرسول ﵊ مع علي. ولكن ما صحّ أنّ رسول الله ﷺ جعل عليّا منه بمنزلة هارون من موسى يؤيّد هذه الرواية «١» ، وليس يخدش هذا من منزلة أبي بكر، ولا استحقاقه الصدارة.
مع علي. ولكن ما صحّ أنّ رسول الله ﷺ جعل عليّا منه بمنزلة هارون من موسى يؤيّد هذه الرواية «١» ، وليس يخدش هذا من منزلة أبي بكر، ولا استحقاقه الصدارة.
[ثالثا] : غير المسلمين: أما الأمر الثالث- وهو صلة الأمّة بالأجانب عنها الذين لا يدينون بدينها- فإنّ الرسول ﵊ قد سنّ في ذلك قوانين السماح والتجاوز، التي لم تعهد في عالم مليء بالتعصّب والتغالي، والذي يظنّ أنّ الإسلام دين لا يقبل جوار دين اخر، وأنّ المسلمين قوم لا يستريحون إلا إذا انفردوا في العالم بالبقاء والتسلّط هو رجل مخطئ بل متحامل جريء!. عند ما جاء النبيّ ﵊ إلى المدينة، وجد بها يهودا توطّنوا، ومشركين مستقرين. فلم يتّجه فكره إلى رسم سياسة للإبعاد أو المصادرة والخصام، بل قبل- عن طيب خاطر- وجود اليهود والوثنية، وعرض على الفريقين أن يعاهداهم معاهدة الند للند، على أن لهم دينهم وله دينه. ونحن نقتطف فقرات من نصوص المعاهدة، التي أبرمها مع اليهود دليلا على اتجاه الإسلام في هذا الشأن. جاء في هذه المعاهدة: «أنّ المسلمين من قريش ويثرب ومن تبعهم فلحق بهم وجاهد معهم أمة واحدة. وأنّ المؤمنين المتقين على من بغى منهم، أو ابتغى دسيعة ظلم «١» ، أو إثم، أو عدوان، أو فساد بين المؤمنين، وأن أيديهم عليه جميعا، ولو كان ولد أحدهم!!.
وأنّ المؤمنين المتقين على من بغى منهم، أو ابتغى دسيعة ظلم «١» ، أو إثم، أو عدوان، أو فساد بين المؤمنين، وأن أيديهم عليه جميعا، ولو كان ولد أحدهم!!.
وأنه لا يجير مشرك مالا لقريش ولا نفسا، ولا يحول دونه على مؤمن ... وأنه لا يحلّ لمؤمن أقرّ بما في هذه الصحيفة، وامن بالله واليوم الاخر أن ينصر محدثا «١» ولا يؤويه، وأنّه من نصره أو اواه، فإن عليه لعنة الله وغضبه يوم القيامة، ولا يؤخذ منه صرف ولا عدل. وأنّ اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين. وأنّ يهود بني عوف أمة مع المؤمنين. لليهود دينهم وللمسلمين دينهم. وأنّ ليهود بني النجار والحارث وساعدة وبني جشم وبني الأوس ... إلخ، مثل ما ليهود بني عوف. وأنّ على اليهود نفقتهم، وعلى المسلمين نفقتهم، وأن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة. وأنّ بينهم النصح والنصيحة والبر، دون الإثم. وأنّه لم يأثم امرؤ بحليفه، وأنّ النصر للمظلوم، وأنّ الجار كالنفس غير مضار ولا اثم. وأنّ الله على أتقى ما في هذه الصحيفة وأبره ... وأنّ بينهم النصر على من دهم يثرب. وأنّ من خرج امن، ومن قعد بالمدينة امن، إلا من ظلم وأثم.. وأنّ الله جار لمن بر واتقى «٢» ..» . وهذه الوثيقة تنطق برغبة المسلمين في التعاون الخالص مع يهود المدينة؛ لنشر السكينة في ربوعها، والضرب على أيدي العادين ومدبري الفتن أيا كان دينهم. وقد نصّت بوضوح على أنّ حرية الدين مكفولة. فليس هناك أدنى تفكير في محاربة طائفة أو إكراه مستضعف؛ بل تكاتفت العبارات في هذه المعاهدة على نصرة المظلوم، وحماية الجار، ورعاية الحقوق
الدين مكفولة. فليس هناك أدنى تفكير في محاربة طائفة أو إكراه مستضعف؛ بل تكاتفت العبارات في هذه المعاهدة على نصرة المظلوم، وحماية الجار، ورعاية الحقوق
الخاصّة والعامّة، واستنزل تأييد الله على أبر ما فيها وأنقاه، كما استنزل غضبه على من يخون ويغش. واتفق المسلمون واليهود على الدفاع عن يثرب إذا هاجمها عدو، وأقرت حرية الخروج من المدينة لمن يبتغي تركها، والقعود فيها لمن يحفظ حرمتها. ويلاحظ أنّ الرسول ﵊ في هذه المعاهدة أشار إلى العداوة القائمة بين المسلمين ومشركي مكة، وأعلن رفضه الحاسم لموالاتهم، وحرّم إسداء أي عون لهم، وهل ينتظر إلا هذا الموقف من قوم لا تزال جروحهم تقطر دما لبغي قريش وأحلافها عليهم؟. أكان اليهود صادقين في موافقتهم على هذا العهد؟. أغلب الظنّ أنهم لم يكونوا جادّين حين ارتضوه وقبلوا إنفاذه. وافة العهود أن يرتبط الوفاء بها بمدى المنفعة المرجوّة منها، فإذا بدا أن المعاهدة المبرمة لا تحقّق المطامع المبتغاة، قلّ التمسك بها، والتمست الفرص للتحلل منها. وقد كان اليهود يبنون عظمتهم المادية والسياسية على تفرّق العرب، قبائل متناحرة، فلمّا دخل العرب في الإسلام، وأخذت الحزازات القديمة تتلاشى، وتتابعت الأيام تؤكّد أنّ الإسلام سوف يصنع من العرب أمة واحدة.. استشعر اليهود القلق، وساورتهم الهموم، وشرعوا يفكّرون في الكيد لهذا الدين، والتربص بأتباعه. ثم إنّ اليهود في المدينة يكوّنون البيئة التي تتوافر فيها سوات التدين المصنوع، والاحتراف السمج بمبادئ السماء، وأبرز خلال هذه البيئات الحقد، والنفاق، والتمسّك بالقشور والولع بالجدل، ومن وراء ذلك قلوب خربة، ونفوس معوجّة. وربما اقتبسوا من جوارهم للعرب بعض فضائل الصحراء كالكرم والشجاعة، بيد أنّ انطواءهم العنصريّ غلب على سيرتهم، فالتصقت هذه الفضائل بنفوسهم كما تلتصق أوراق الزينة بالجدران المشوهة. وكان المتوقع أن يرحّب اليهود بالإسلام، فإذا لم يرحّبوا به فليكونوا أبطأ من الوثنيين في مخاصمته، فإنّ محمدا ﷺ يدعو إلى توحيد الله، وإصلاح العمل،
والاستعداد لحياة أرقى في الدار الاخرة، والدين الذي جاء به وقّر موسى وأعلى شأنه، ونوّه بكتابه، وطلب من اليهود أن ينفّذوا أحكامه، ويلزموا حدوده. لكنّ اليهود صمتوا- أولا- صمت المستريب، ثم بدا لهم فقرّروا المعالنة بالجحود. وهذا الترحيب المتوقّع تلمح دلائله في كثير من الايات، فإنّ عبدة الأصنام إذا أنكروا النبوة فأهل الكتاب يجب أن يشهدوا بها: وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ (٤٣) [الرعد] . وعبدة الأصنام إذا رفضوا التذكير بالله فأهل الكتاب أحق بأن يخشعوا إذا وجدوا من يذكّرهم به: وَلَقَدْ وَصَّلْنا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٥١) الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ (٥٢) [القصص] . غير أنك تدهش، إذ تجد الجرأة على الله، والنفور من أحكامه، ووصفه بما لا يليق شائعة بين اليهود، شيوعها بين المشركين!. فإذا غضب الإسلام على من ينسب إلى الله ولدا، بشرا أو حجرا، فماذا ترى فيمن يصف رب السموات والأرض بالفقر والبخل؟!. وَقالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِما قالُوا.. [المائدة: ٦٤] . لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِياءُ سَنَكْتُبُ ما قالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ (١٨١) [ال عمران] . على أنّ الإسلام يدع أولئك الجحدة في ضلالهم، فلا يستأصل كفرهم بالسيف، ويكتفي بأن يعلن دعوته، ويكشف حقيقته، ويملأ الجوّ باياته ومعالمه. فمن استراح إليها فدخل فيها؛ فبها ونعمت، وإلا فهو وشأنه، ولا يطالبه الإسلام بشيء إلا الأدب والمسالمة، وترك الحق يسير من غير عائق أو نكير. ولقد جاء رسول الله ﷺ إلى المدينة، فمدّ يده إلى اليهود مصافحا، وتحمّل الأذى مسامحا، حتى إذا راهم مجمعين على التنكيل به، ومحو دينه، استدار إليهم، وجرت بينه وبينهم من الوقائع ما سنقصّ أخباره في موضعه.
يهود مصافحا، وتحمّل الأذى مسامحا، حتى إذا راهم مجمعين على التنكيل به، ومحو دينه، استدار إليهم، وجرت بينه وبينهم من الوقائع ما سنقصّ أخباره في موضعه.
بتقوى الله والإخلاص له دعمت الناحية الروحية في هذا المجتمع الجديد. وبالإخاء الحق، تماسك بنيانه، وتوثقت أركانه. وبالعدل والمساواة، والتعاون، رسمت سياسة الأجانب، وعومل أتباع الأديان الاخرى. ومن ثمّ استقرت الأوضاع، ووجد المسلمون متسعا لتجديد قواهم، وترتيب شؤونهم.
المصطفون الأخيار إنّ المؤمنين الذين صحبوا الأنبياء، واقتربوا من حياتهم، أتيح لهم ما لم يتح لغيرهم من منابع الصفاء، ووسائل الارتقاء. إنّ مشاعرك ترقّ عند ما تسمع النغم العذب، وعواطفك تسمو عند ما تقرأ البطولة الرائعة، بل إنّ الذين يحضرون تمثيل بعض الروايات المثيرة يصبغهم جو القصة المفتعلة، فيضحكون ويبكون، ويهدؤون ويضجون.. فما ظنّك بقوم يتبعون رجلا تكلّمه السماء، ويتفجر من جوانبه الكمال، ويسكب على من حوله ايات الطهر؟ فإذا ثقلت نفوسهم عن خير، دفع بها إلى الأمام، وإذا علقت بمسالكهم شهوة، نقّاها فرد عليها سناءها، إنّ للعظماء إشعاعا يغمر البيئة التي يظهرون فيها، وكما يقترب المصباح الخامد من المصباح المشتعل فيضيء منه، تقترب النفوس المعتادة من الفرد الممتاز، فتنطوي في مجاله وتمشي في اثاره!!. وقد التفّ بمحمد ﷺ فريق من الربانيين الأتقياء، كانوا له تلاميذ مخلصين، فزكت- بصحبته- نفوسهم، وشفّت طباعهم، حتى أشرق عليها من أنوار الإلهام ما جعلها تنطق بالحكمة وفصل الخطاب. ولا تحسبنّ العقل الجبار- مهما أوتي من نفاذ- يستطيع إدراك الكمال بقوته الخاصة، فإذا لم تسدده عناية عليا، فإنه سيجوب كلّ أفق دون أن يبصر غاية، أو يهتدي طريقا، كالطيار الذي يضل في الجو عند ما يتكاثر أمام عينيه الضباب. إنه يحكم القيادة، ويضبط الالات، ويرسل أنوار مصابيحه في أحشاء الغيوم المتراكمة، فإذا لم يتلق إرشادا يحدد له مكانه وبعده وكيف يهبط.. فإنه سيظلّ يحلّق عبثا، ثم تهوي به الريح في مكان سحيق.
سل أنوار مصابيحه في أحشاء الغيوم المتراكمة، فإذا لم يتلق إرشادا يحدد له مكانه وبعده وكيف يهبط.. فإنه سيظلّ يحلّق عبثا، ثم تهوي به الريح في مكان سحيق. وكم من فلاسفة عالجوا شؤون الكون والحياة، فمنهم من ضلّ عن الحق على طول بحثه عنه، فلم يصل إليه قط، ومنهم من استغرق في الوصول إليه أعواما طوالا، ولو مشى وراء الرسل لانتهى إليه في أيام قصار، وهو في مأمن من الشرود والعثار!.
ثم إنّ الإنسان ليس عقلا فحسب، إنه- قبل ذلك- قلب ينبغي أن يسلم من الأهواء والاثام، وأن ينجو من الشقاوة والظلام، وأن يكون في حنايا صاحبه قوة تسوق إلى الخير والحب، وحاديا يهفو إلى الجمال والرحمة. والمرسلون الكرام يتعهّدون ضمائر البشر بالتعليم والتربية. وأشبه الناس بهم من اقتفى اثارهم، وأخذ في طريقهم، وأول أولئك قاطبة من صحبوهم في حياتهم، وقاسموهم أعباء دعوتهم ومغارم جهادهم. قال عبد الله بن مسعود: «من كان مستنّا فليستنّ بمن مات، فإنّ الحيّ لا تؤمن عليه الفتنة، أولئك أصحاب محمّد ﵊، كانوا أفضل هذه الأمة، أبرها قلوبا وأعمقها علما، وأقلّها تكلّفا، اختارهم الله لصحبة نبيّه، وإقامة دينه، فاعرفوا لهم فضلهم، واتبعوهم على أثرهم، وتمسّكوا بما استطعتم من أخلاقهم وسيرهم، فإنّهم كانوا على الهدى المستقيم..» . ولا شك أنّ أصحاب محمد ﷺ يرجحون أصحاب موسى وعيسى عليهما الصلاة والسلام. فإنّ تاريخهم في الإيمان والجهاد وإبلاغ الدعوة إلى الأخلاف كاملة مضبوطة غير منقوصة ولا محرّفة، لا يشبه أيّ تاريخ اخر.. ونحن نسوق هذه المقدمة بين يدي الكلام عن الأذان، وكيف شرع؟ فإنّ ميلاد هذه الشعيرة العظيمة، يحمل معه ايات بيّنة عن عظمة النفوس إذا صفت فنضحت بالحق، وسكن إليها الإلهام.
مقدمة بين يدي الكلام عن الأذان، وكيف شرع؟ فإنّ ميلاد هذه الشعيرة العظيمة، يحمل معه ايات بيّنة عن عظمة النفوس إذا صفت فنضحت بالحق، وسكن إليها الإلهام. قال ابن إسحاق: وقد كان رسول الله ﷺ حين قدم المدينة إنما يجتمع الناس إليه للصلاة لحين مواقيتها بغير دعوة، فهمّ رسول الله ﷺ أن يجعل بوقا كبوق يهود الذي يدعون به لصلاتهم، ثم كرهه، ثم أمر بالناقوس، فنحت ليضرب به للمسلمين للصلاة؛ فبينما هم على ذلك رأى عبد الله بن زيد بن ثعلبة أخو بني الحارث النداء، فأتى رسول الله ﷺ، فقال: يا رسول الله! إنه طاف بي هذه الليلة طائف، مرّ بي رجل عليه ثوبان أخضران يحمل ناقوسا في يده، فقلت: يا عبد الله، أتبيع هذا الناقوس؟ فقال: وما تصنع به؟ قال: قلت: ندعو به إلى الصلاة، قال: ألا أدلّك على خير من ذلك؟ قلت: ما هو؟ قال: تقول: الله أكبر الله أكبر، الله أكبر الله أكبر. أشهد ألاإله إلا الله، أشهد ألاإله إلا الله.
أشهد أنّ محمدا رسول الله، أشهد أنّ محمدا رسول الله. حيّ على الصلاة، حيّ على الصلاة. حيّ على الفلاح، حيّ على الفلاح. الله أكبر الله أكبر. لا إله إلا الله. فلمّا أخبر بها الرسول ﷺ قال: «إنّها لرؤيا حق إن شاء الله! فقم مع بلال فألقها عليه فليؤذّن بها، فإنه أندى صوتا منك» . فلمّا أذّن بها بلال سمعه عمر وهو في بيته، فخرج إلى رسول الله ﵊ وهو يجرّ رداءه يقول: يا نبي الله! والذي بعثك بالحق، لقد رأيت مثل الذي رأى!! فقال رسول الله ﷺ: «فلله الحمد» «١» . وفي رواية: فأمر رسول الله ﷺ بلالا فأذن به «٢» . قال الزهري: وزاد بلال في نداء صلاة الغداة: «الصلاة خير من النوم» مرتين. فأقرّها رسول الله ﷺ «٣» . وفي رواية أخرى رأى عمر في المنام: لا تجعلوا الناقوس، بل أذّنوا للصلاة، فذهب عمر إلى النبيّ ﷺ ليخبره بما رأى، وقد جاء النبيّ ﵊ الوحي بذلك.
فما راع عمر إلا بلال يؤذّن، فقال رسول الله ﷺ حين أخبره بذلك: «قد سبقك بذلك الوحي» «١» . وهذا يدلّ على أنّ الوحي قد جاء بتقرير ما راه عبد الله بن زيد. هذه الكلمات الطيبة التي ترتفع بين الحين والحين تقرع الاذان، وتوقظ القلوب، وتصيح بالناس: هلمّوا إلى الله.. وعاها في رؤيا صالحة ذهن نيّر، فأسرع بها إلى رسول الله ﷺ يرويها كما ألقيت في روعه؛ لتكون نداء المسلمين إلى الصلاة ما أقيمت على ظهر الأرض صلاة. وتجاوب النفوس مع الوحي هو غاية التألّق وقمة الحق، وهو أمارة على أنّ الهدى أصبح غريزة فيها، فهي تستقيم عليه في اليقظة والنوم، وتتّجه إليه على البديهة وبعد التروي، وكان رسول الله ﷺ يربط أصحابه بالوحي النازل عليه من السماء ربطا موثقا، يقرؤه عليهم ويقرؤونه عليه؛ لتكون هذه المدارسة إشعارا بما على الصحاب من حقوق الدعوة وتبعات الرسالة فضلا عن ضرورة الفهم والتدبر!!. عن عبد الله بن مسعود، قال رسول الله ﷺ: «اقرأ عليّ القران» !! فقلت:
إشعارا بما على الصحاب من حقوق الدعوة وتبعات الرسالة فضلا عن ضرورة الفهم والتدبر!!. عن عبد الله بن مسعود، قال رسول الله ﷺ: «اقرأ عليّ القران» !! فقلت: يا رسول الله! أقرأ عليك وعليك أنزل؟! قال: «إنّي أحبّ أن أسمعه من غيري» ! قال: فقرأت عليه سورة النساء حتى جئت إلى هذه الاية: فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً (٤١) [النساء] ، قال: «حسبك الان» فالتفتّ إليه، فإذا عيناه تذرفان «٢» .. زاد في رواية: شَهِيداً ما دُمْتُ فِيهِمْ ... [المائدة: ١١٧] . وإذا كان الاهتداء إلى ألفاظ الأذان قد ترشّحت له سريرة مصفّاة، مشغوفة بالعبادة، مشغولة بالحق، فإنّ من أصحاب محمد ﷺ كذلك من اندمجوا في معاني الإيمان، وخلصوا لمعين الرسالة؛ حتى إنّ الله أمر رسوله أن يقرأ عليهم بعض سور القران، تنويها بمكانهم عند الله، ورسوخهم في آياته.
عن أنس بن مالك، قال رسول الله ﷺ لأبيّ بن كعب: «إنّ الله أمرني أن أقرأ عليك: لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ ... [البينة: ١- ٨] ، قال أبيّ: وسمّاني؟ قال: «نعم» ، وفي رواية: الله سماني لك؟ قال: «نعم» . قال: وقد ذكرت عند ربّ العالمين؟ قال: «نعم» ، قال: فذرفت عيناه.. «١» .
١- ٨] ، قال أبيّ: وسمّاني؟ قال: «نعم» ، وفي رواية: الله سماني لك؟ قال: «نعم» . قال: وقد ذكرت عند ربّ العالمين؟ قال: «نعم» ، قال: فذرفت عيناه.. «١» .
معنى العبادة وسرّ الارتقاء الروحي والجماعي الذي أدركه صحابة محمّد ﷺ أنهم كانوا موصولين بالله على أساس صحيح، فلم يشعروا في العمل له بما يشعر به الكثيرون من عنت وتكلّف، ولا بما يعانون من شرود وحيرة. هناك طبيعتان في الإنسان غير منكورتين: الإعجاب بالعظمة، والعرفان للجميل، فعند ما ترى الة دقيقة، أو جهازا عجيبا، أو صورة رائعة، أو مقالا بليغا فإنك لا تنتهي من تبيّن حسنه حتى تنطوي جوانحك على الإعجاب بصاحبه، فإنّ الذكاء العميق والاقتدار البارز يجعلانك تهتزّ من تلقاء نفسك احتراما للرجل الذكيّ القدير!. وكذلك عند ما يسدى إليك معروف، أو تمتدّ يد إليك بنعمة إنّك تذكر هذا الصنيع لمن تطوّع به، وعلى ضخامة ما نلت من خير يلهج لسانك بالثناء، ويمتلئ فؤادك بالحمد كما قال الشاعر: أفادتكم النعماء منّي ثلاثة ... يدي، ولساني، والضّمير المحجّبا!! ورسول الإسلام ﷺ جاء يثير هاتين الطبيعتين نحو أحقّ شيء بهما، ألست تعجب بالعظمة، وتحتفي بصاحبها؟! ألست تقدّر النعمة وتشكر مسديها؟!. إنك ترمق بإجلال مخترع الطيارة، وكلّما رأيتها تشقّ الفضاء زدت إشادة بعبقريته! فما رأيك فيمن يدفع الألوف المؤلّفة من الكواكب تطير في جوّ السماء من غير توقف ولا عوج! وما رأيك فيمن خلق عقل هذا المخترع، وأودع في تلافيف مخّه الذكاء الذي وصل به إلى ما راعك واستثار إعجابك؟. أليس ربّك وربّ كلّ شيء أحقّ بأن تعرف عظمته، وتفتح عيونك على اثار قدرته ... ؟!. فإذا عرفت عظمته من عظمة الوجود الذي يحيط بك، خجلت من التهجّم عليه، ونسبة ما لا يليق إليه!! وقلت مع العارفين: رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النَّارِ [ال عمران: ١٩١] .
إنّك لو استضافك شخص كريم، ورأيت البشاشة في وجهه، والسماحة في قراه، حفظت له- ما حييت- هذه المنّة، وسعيت جهدك كي تكافئه عليها، وحدّثت من تعرف بسجايا هذا المضياف الكريم، فما رأيك فيمن تولّى أمرك بنعمائه من المهد إلى اللحد؟! فأنت لا تطعم إلا من رزقه، ولا تكسى إلا من ستره، ولا تأوي إلا إلى كنفه، ولا تنجو من شدة إلّا بإنقاذه ... !!. إنّ محمدا ﷺ وصل الناس بربهم على ومضات لطاف من تقدير العظمة ورعاية النعمة، فهم إذا انبعثوا لطاعته، كانوا مدفوعين إلى أداء هذه الطاعات بأشواق من نفوسهم، ورغبات كامنة تجيش بتوقير العظيم وحمد المنعم. والعبادة ليست طاعة القهر والسخط، ولكنّها طاعة الرضا والحب!. والعبادة ليست طاعة الجهل والغافلة، ولكنّها طاعة المعرفة والحصافة!. قد تصدر الحكومة أمرا بتسعير البضائع فيقبل التجار كارهين، أو أمرا بخفض الرواتب، فيقبل الموظفون ساخطين. وقد تشير إلى البهيمة العجماء فتنقاد إليك، لا تدري إلى مرتعها تسير أم إلى مصرعها. تلك أنواع من الطاعات بعيدة عن معنى العبادة التي شرع الله للناس، فالعبادة التي أجراها الله عن الألسنة في الاية الكريمة: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥) [الفاتحة] والتي جعلها حكمة الوجود وغاية الأحياء في قوله: وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦) [الذاريات] . تعني الخضوع المقرون بالمعرفة والمحبة، أي الناشئ عن الإعجاب بالعظمة والعرفان للجميل.. وقد اطّردت ايات القران، تبني سلوك المؤمنين على هذه العمد الراسية. فهي- إذ تعرّف الناس بالله- تريهم صحائف مشرقة من خلقه البديع، وفضله الجزيل، تمزق ما نسجته الغافلة على الأعين من جهالة وجحود.
ين على هذه العمد الراسية. فهي- إذ تعرّف الناس بالله- تريهم صحائف مشرقة من خلقه البديع، وفضله الجزيل، تمزق ما نسجته الغافلة على الأعين من جهالة وجحود. اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهارَ (٣٢) وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ (٣٣) وَآتاكُمْ مِنْ كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوها إِنَّ الْإِنْسانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (٣٤) [إبراهيم] .
إنّ الرجل لا يقوم بالعمل العظيم وهو منساق إليه بالسياط الكاوية، إنما تولد الإجادة، ويبلغ الشيء درجة الإحسان بما يقارنه من رغبة ورضا. فإذا أقبل المرء بفكره وقلبه على معتقد وهب له نفسه وحسه، وعاش يحلم به في منامه، وينشط له في يقظته، فذلك يرقى به صعدا في فهم مبدئه، وإجادة خدمته. ومن ثمّ فإنّ الإسلام لا يحفل بالإيمان النظري البحت، ولا يقبله إلا ليكون سلّما إلى ما بعده، وهو الإيمان بالعقل والعاطفة معا. لا بدّ من تلوين الوجدان في قضايا الإيمان، ليس بمسلم من يعرف الله ويكرهه، ولا قيمة لمسلم يعرف الله ووجدانه خال باهت، فلا إعجاب فيه ولا شكران، كما أنه لا غمط فيه ولا جحود. والمسلم كلّ المسلم هو الذي يعرف الله معرفة اليقين، ويضم إلى هذه المعرفة إحساسا يعترف بمجادة المجيد ونعماء المنعم، تباركت أسماؤه!. والإيمان بهذه المثابة هو الإيمان المنتج، وهو صانع العجائب، وباني الدول، ومقيم الحضارات السنية، هو الذي يجعل الفرد يستحلي التكاليف المنوطة بعنقه، فيقبل على أدائها، وكأنّها رغبات نفس لا واجبات دين.. أتظن أن رسول الله ﷺ عند ما قام يصلي حتى تورمت قدماه، كان يغالب الألم الناتج في بدنه كما يغالبه التلميذ المذنب عند ما يوقف الساعات الطوال معذبا مهانا؟. كلا.. كلا.. إنّ استعذابه للمناجاة، واستغراقه في الخشوع، أذهلاه عمّا به، وغلبا على بوادر الألم الناشئ من طول الوقوف.
يوقف الساعات الطوال معذبا مهانا؟. كلا.. كلا.. إنّ استعذابه للمناجاة، واستغراقه في الخشوع، أذهلاه عمّا به، وغلبا على بوادر الألم الناشئ من طول الوقوف. والرجل الموفور الحماس، الفائر العاطفة، قد يظل يعمل ويدأب حتى يصل في عمله ودأبه إلى درجة يصعب منالها على القاعدين الباردين. ووزن الأمور عند أصحاب الإيمان والهمم غير وزنها عند أصحاب الريبة والعجز، ألا ترى حذيفة بن اليمان عند ما انطلق يتعرّف أحوال المشركين في غزوة الخندق، في ليلة باردة قارصة الجوّ، لافحة السبرات: لا ينبح الكلب فيها غير واحدة ... حتّى يلفّ على خيشومه الذّنبا! لقد انطلق وهو يقول عن نفسه: كأنّما أسير في حمّام!!
هذه حرارة الإيمان غمرت- بدفئها- الرجل، وجعلته ينفذ في كبد الليل البارد وكأنّه سهم مسدّد. هذا الإيمان المرتكز على العواطف المتقدة، هو الذي أشعل المعارك الطاحنة، وقاد إلى النصر المظفّر، وهو الذي هدم ما تركّز قرونا طويلة من سلطان الظلم والبغي، بعد ما ظنّ أنه لن يطاح به أبدا. وأساسه ما علمت، من تغلغل الإيمان في العقل والعاطفة معا، يغذو شجرته الباسقة مزيد من معرفة الله والشعور بعظمته ونعمته. ذلكم أسلوب القران في تعريف الناس بالله؛ إنّه أسلوب يقيمهم على عبودية الحب والتفاني، لا على عبودية التحقير والهوان، عبودية الإعجاب بالعظمة، والإقرار بالإحسان، لا العبودية المبهمة التي تصادر الإرادة، وتزري بالإنسان.
ودية الحب والتفاني، لا على عبودية التحقير والهوان، عبودية الإعجاب بالعظمة، والإقرار بالإحسان، لا العبودية المبهمة التي تصادر الإرادة، وتزري بالإنسان. قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ (٥٩) أَمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ ذاتَ بَهْجَةٍ ما كانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ (٦٠) أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَراراً وَجَعَلَ خِلالَها أَنْهاراً وَجَعَلَ لَها رَواسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حاجِزاً أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٦١) أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفاءَ الْأَرْضِ أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ (٦٢) أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ تَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٣) أَمَّنْ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٦٤) [النمل] . إنّ هذا التساؤل المتواصل السريع، يفتح على النفس افاقا بعيدة من الإيمان الذكي، ويجعلها تهرع إلى الله متجرّدة، تنفر من شوائب الشرك نفور الرجال الكبار من عبث الصبية. وايات النظر والتفكير يدور- أغلبها- على هذا المحور الثابت. وربّما احتاجت النفس- في ساعات غرورها- إلى لون من أدب القمع والتوعد يكبح جماحها، وهذا لا يتنافى- ألبتة- مع الأصل الذي قرّرناه انفا، فإنّ قسوة الأب مع ولده- حينا- لا تغيّر من طبيعة الحنان فيه. والقران إذ يحرّك المواهب السامية في الإنسان- بعرض اثار القدرة العليا
عليه- قد يردف ذلك بوخزات توقظ الإحسان المخدّر؛ ليلتفت ويعقل، لا لينكمش ويجبن. قال ﵎: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً مُخْتَلِفاً أَلْوانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطاماً إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ (٢١) [الزمر] . ويقول بعد ذلك: أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٢٢) [الزمر] . وقد سلك رسول الله ﷺ المنهج نفسه في غرس الإيمان ورعاية ثماره. وكانت سيرته في الإقبال على الله درسا حيّا، يفعم الأفئدة بإجلال الله وإعظامه، والمسارعة إلى طاعته، والنفور من عصيانه. وكانت القلوب تتفتّح على هدى الله ورسوله، فما تسع بعده شيئا. عن جبير بن مطعم: سمعت النبيّ ﵊ يقرأ في المغرب بالطور، فلما بلغ الاية: أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخالِقُونَ (٣٥) أَمْ خَلَقُوا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لا يُوقِنُونَ (٣٦) أَمْ عِنْدَهُمْ خَزائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ (٣٧) [الطور] . كاد قلبي أن يطير..!! «١» . ومدّ الإيمان من فكرة في الرأس إلى عاطفة في القلب تجعل الرجل ينبض باليقين والإخلاص هو من صميم السنّة، وهو مهاد الخلال الفاضلة التي سادت المسلمين وأعلت شأنهم، وهو معنى الحديث المشهور: «ثلاث من كنّ فيه وجد بهنّ طعم الإيمان: من كان الله ورسوله أحبّ إليه ممّا سواهما، ومن أحبّ عبدا لا يحبّه إلا لله، ومن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في النّار» «٢» . ومن ذلك أيضا أن يتغلغل الإيمان بالرسالة والمغالاة بصاحبها إلى حدّ
ومن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في النّار» «٢» . ومن ذلك أيضا أن يتغلغل الإيمان بالرسالة والمغالاة بصاحبها إلى حدّ
ينسى الإنسان معه نفسه فهو- عن حب واندفاع، لا عن تكليف ورهبة- يفدي الرسالة وصاحبها بالنفس والنفيس. عن عبد الله بن هشام قال: كنّا مع النبيّ ﵊، وهو اخذ بيد عمر، فقال عمر: يا رسول الله! لأنت أحبّ إليّ من كلّ شيء إلا نفسي! فقال الرسول ﷺ: «لا- والذي نفسي بيده- حتّى أكون أحبّ إليك من نفسك» ، فقال عمر: فإنّه الان لأنت أحبّ إليّ من نفسي! فقال رسول الله ﷺ: «الان يا عمر» «١» ، أي: الان فقط تمّ إيمانك. وهذا الحديث يحتاج إلى إيضاح: إنّ الفضائل لا يجوز أن تطيش بها كفة. وقد احترم الناس خلق الوفاء في السموءل لمّا ترك ابنه يذبح، مؤثرا أن تسلم ذمته، ويرد إلى من ائتمنه وديعته. والمرء إذا ضحى بنفسه فداء شرفه، فقد أدى واجبه. ومحمد ﷺ لم يطلب من الناس أن يقدّسوا فيه صورة اللحم والدم، ولا أن يرغبوا بنفسه عن أنفسهم، ليموتوا كي يحيا، أو ليهونوا كي يعظم، أو ليفتدوا أمجاده الخاصة بأرواحهم وأموالهم، أو ليتألّه فوقهم، كما تألّه فرعون وأمثاله من الجبارين. كلّا كلّا، فمحمد ﷺ يريد من المؤمنين أن يقدّسوا فيه معنى الرسالة وأن يفتدوا فيه مثلها العالية، وأن يصونوا- في شخصه- معالم الحق المنزل، وماثر الرحمة العامة. إنّ الأنبياء لم يحيوا لأنفسهم، والمصيبة فيهم لا تنزل بهم أو بأهلهم خاصة. إنّهم يحيون للعالم كله؛ أليسوا مناط هدايته التامة، وسعادته العامة؟ فلا غرو إذ كانت تفديتهم من أصول الإيمان ومعاقد الكمال. وقد كان محمد ﷺ أهلا لأن يحبّ؛ وما تعرف الدنيا رجلا فاضت القلوب بإجلاله، وتفانى الرجال في حياطته وإكباره مثل ما يعرف ذلك لصاحب الرسالة العظمى محمد بن عبد الله ﵊.
ﷺ أهلا لأن يحبّ؛ وما تعرف الدنيا رجلا فاضت القلوب بإجلاله، وتفانى الرجال في حياطته وإكباره مثل ما يعرف ذلك لصاحب الرسالة العظمى محمد بن عبد الله ﵊.
قيادة تهوي إليها الأفئدة عن عبد الله بن سلام قال: أول ما قدم رسول الله ﷺ المدينة انجفل الناس إليه، فكنت فيمن جاءه، فلمّا تأملت وجهه، واستثبتّه علمت أنّ وجهه ليس بوجه كذّاب! قال: وكان أول ما سمعت من كلامه أن قال: «أيّها الناس! أفشوا السّلام، وأطعموا الطّعام، وصلّوا بالليل والنّاس نيام، تدخلوا الجنّة بسلام» «١» . إنّ أضواء الباطن تنضح على الوجه، فتقرأ في أساريره ايات الطّهر، وقد ذهب عبد الله يستطلع أخبار هذا الزعيم المهاجر، فنظر إليه يحاول استكشاف حقيقته، فكان أوّل ما اطمأنّ إليه بعد التثبّت من أحواله أنّ هذا ليس بكاذب، والملامح العقلية والخلقية لشخص ما لا تعرف بنظرة خاطفة، ولكنّ الطابع المادي الذي يضفي على الروح الكبير كثيرا ما يكون عنوانا صادقا على ما وراءه. على أنّ الذين عاشروا محمدا ﷺ أحبّوه إلى حد الهيام، وما يبالغون أن تندقّ أعناقهم ولا يخدش له ظفر. وما أحبّوه كذلك إلا لأنّ أنصبته من الكمال الذي يعشق عادة لم يرزق بمثلها بشر. كان ثوبان مولى رسول الله ﷺ شديد الحبّ له، قليل الصبر عنه، فأتاه ذات يوم وقد تغيّر لونه، يعرف الحزن في وجهه، فقال له رسول الله ﷺ: «ما غيّر لونك؟» فقال: يا رسول الله! ما بي مرض ولا وجع؛ غير أنّي إذا لم أرك استوحشت وحشة شديدة حتى ألقاك، ثم إنّي إذا ذكرت الاخرة أخاف ألا أراك؛ لأنّك ترفع إلى عليين مع النبيين، وإني إن دخلت الجنة كنت في منزلة
أدنى من منزلتك، وإن لم أدخلها لم أرك أبدا، فنزل قوله تعالى: وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً (٦٩) [النساء] «١» . وفي الحديث: «المرء مع من أحبّ» «٢» ، والمقصود حبّ الأسوة لا حبّ الهوس، فإنّ الرجل إذا أحبّ من هو مثله أو أعلى منه، فأساس هذا الحب تفتّح قلبه لخلال النبل التي خصوا بها، وعظمة المواهب التي ميزهم بها القدر. واثار الشجاعة والكرم لا يرحّب بها الجبان الشحيح، إنما يحييها في أصحابها من أوتي حظّا منها، وهو بسبيله إلى استكمال ما فاته من تمامها. فمن نعمة الله أن يلحق بالعظماء من يعشق فيهم جمال العظمة، ولذلك قال بعد الاية السابقة: ... ذلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفى بِاللَّهِ عَلِيماً (٧٠) [النساء] . والحقّ أنّ التابع المحبّ شخص فاضل. ففي الدنيا كثير من الأخسّاء الذين إن علوا حقّروا من دونهم، وإن دنوا كرهوا من فوقهم! فما تدري متى تخلو نفوسهم من أحاسيس البغضاء والضّعة؟. أمّا عشاق المبادئ المجرّدة، فما إن يجدوا رجلها المنشود حتى يحيطوا به، وتلمع عيونهم حبّا له، أي حبّا للمبادئ التي حييت فيه وانتصرت به. وما كان ربك ليضيّع هذا اليقين ولا أصحابه الأبرار. عن أنس قال: لمّا كان اليوم الذي دخل النبيّ ﷺ فيه المدينة أضاء منها كلّ شيء. فلمّا كان اليوم الذي مات فيه أظلم منها كلّ شيء، وما نفضنا أيدينا من دفنه حتى أنكرنا قلوبنا «٣» .
فانظر إلى بشاشة العاطفة الغامرة كيف صبغت الافاق بألوانها الزاهية، وانظر إلى حسرة الفقد كيف تخلّف سوادها الكابي على كل شيء!!. هكذا كانت دار الهجرة، لقد أحبت الله وأحبت رسوله ﷺ. فكان هذا الحبّ المكين سرّ انتصارها الرائع للإسلام، ومبعث التضحية عن طيب نفس بكل مرتخص وغال. وقوم يربطهم بقائدهم هذا الإعزاز الهائل، تندكّ أمام عزائمهم الأطواد الراسية.
ين سرّ انتصارها الرائع للإسلام، ومبعث التضحية عن طيب نفس بكل مرتخص وغال. وقوم يربطهم بقائدهم هذا الإعزاز الهائل، تندكّ أمام عزائمهم الأطواد الراسية.
[أوصافه وبعض أخلاقه ﷺ] : سأل الحسن بن علي هند بن أبي هالة عن أوصاف رسول الله ﷺ فوصف له بدنه، فكان مما قال:.. يمشي هونا، ذريع المشية- واسع الخطو-، إذا مشى كأنّما ينحطّ من صبب- يهبط بقوة- وإذا التفت التفت جميعا، خافض الطرف، نظره إلى الأرض أطول من نظره إلى السماء، جلّ نظره الملاحظة- أي لا يحدّق- يسوق أصحابه، ويبدأ من لقيه بالسلام. قلت: صف لي منطقه، قال: كان رسول الله ﷺ متواصل الأحزان، دائم الفكرة، ليست له راحة، لا يتكلّم في غير حاجة، طويل السكوت، يفتتح الكلام ويختمه بأشداقه- لا بأطراف فمه- ويتكلّم بجوامع الكلم، فصلا لا فضول فيه ولا تقصير، دمثا، ليس بالجافي ولا المهين، يعظّم النعمة وإن دقّت، لا يذم شيئا، ولم يكن يذمّ ذواقا- ما يطعم- ولا يمدحه، ولا يقام لغضبه إذا تعرّض للحقّ بشيء حتى ينتصر له، ولا يغضب لنفسه، ولا ينتصر لها- سماحة-، إذا أشار أشار بكفه كلها، وإذا تعجّب قلّبها، وإذا غضب أعرض وأشاح، وإذا فرح غضّ طرفه، جلّ ضحكه التبسّم ويفترّ عن مثل حبّ الغمام. وقال ابن أبي هالة يصف مخرجه- على الناس-: كان رسول الله ﷺ يخزن لسانه إلا عمّا يعنيه، يؤلّف أصحابه ولا يفرّقهم، يكرم كريم كل قوم، ويولّيه عليهم، ويحذر الناس، ويحترس منهم، من غير أن يطوي عن أحد منهم بشره.
ه ﷺ يخزن لسانه إلا عمّا يعنيه، يؤلّف أصحابه ولا يفرّقهم، يكرم كريم كل قوم، ويولّيه عليهم، ويحذر الناس، ويحترس منهم، من غير أن يطوي عن أحد منهم بشره.
يتفقّد أصحابه، ويسأل النّاس عما في النّاس، ويحسّن الحسن ويصوّبه، ويقبّح القبيح ويوهنه، معتدل الأمر غير مختلف، لا يغافل مخافة أن يغافلوا أو يملّوا. لكلّ حال عنده عتاد، لا يقصّر عن الحق، ولا يجاوزه إلى غيره ... الذين يلونه من الناس خيارهم، وأفضلهم عنده أعمّهم نصيحة، وأعظمهم عنده منزلة أحسنهم مواساة ومؤازرة. ثم قال- يصف مجلسه-: كان رسول الله ﷺ لا يجلس ولا يقوم إلا على ذكر، ولا يوطّن الأماكن- لا يميّز لنفسه مكانا- إذا انتهى إلى القوم جلس حيث ينتهي به المجلس، ويأمر بذلك، ويعطي كلّ جلسائه نصيبه، حتى لا يحسب جليسه أنّ أحدا أكرم عليه منه، من جالسه أو قاومه لحاجة صابره، حتى يكون هو المنصرف عنه، ومن سأله حاجة لم يرده إلا بها، أو بميسور من القول، قد وسع الناس بسطه وخلقه، فصار لهم أبا، وصاروا عنده في الحق متقاربين، يتفاضلون عنده بالتقوى، مجلسه مجلس حلم وحياء، وصبر وأمانة. لا ترفع فيه الأصوات، ولا تؤبّن فيه الحرم- لا تخشى فلتاته- يتعاطفون بالتقوى، يوقّرون الكبير، ويرحمون الصغير، ويرفدون ذا الحاجة، ويؤنسون الغريب. وقال يصف سيرته: كان دائم البشر، سهل الخلق، ليّن الجانب، ليس بفظّ ولا غليظ، ولا صخّاب، ولا فحّاش، ولا عتّاب، ولا مدّاح، يتغافل عما لا يشتهي ولا يقنط منه، قد ترك نفسه من ثلاث: الرياء، والإكثار، وما لا يعنيه، وترك النّاس من ثلاث: لا يذمّ أحدا، ولا يعيّره، ولا يطلب عورته، ولا يتكلّم إلا فيما يرجو ثوابه، إذا تكلّم أطرق جلساؤه، كأنّما على رؤوسهم الطير، وإذا سكت تكلّموا، لا يتنازعون عنده الحديث، من تكلّم عنده أنصتوا له حتى يفرغ، حديثهم حديث أولهم، يضحك مما يضحكون منه، ويعجب مما يعجبون منه، ويصبر للغريب على الجفوة في المنطق ويقول: «إذا رأيتم صاحب الحاجة يطلبها فأرفدوه. ولا يطلب الثناء إلّا من مكافئ» «١» .
هذه خطوط قصار لما يراه الناس من مظاهر الكمال في سيرة النبي (المحمد) ﷺ. أما حقيقة ما بني عليه هذا الرسول الكريم ﷺ من أمجاد وشمائل فأمر لا يدرك كنهه، ومعرفة العظماء لا يطيقها كلّ أحد، فكيف بعظيم خلائقه القران؟ إنّ الأمة التي أخرجت للناس في المدينة بلغت الأوج، كانت تعمل وتجاهد لله واحده، وتسعى إلى غايتها المرموقة في جذل وثّقه، التفّت حول نبيّها التفاف التلامذة بالمعلم، والجند بالقائد، والأبناء بالوالد الحنون، وتساندت فيما بينها بالأخوة المتبادلة المتناصرة، فهم نفس واحدة في أجسام متعددة، ولبنات مشدودة في بناء متسق صلب، وأدارت علاقاتها بالاخرين على العدل والبر، فليس يظلم في جوارهم بريء، أو يحرم من ألطافهم عان. وبرغم ما وقع عليها من بغي قديم، فقد جعلت الإسلام يجبّ ما قبله. فمن تطهر من جاهليته، وتاب إلى ربه، فلا نظر إلى ماضيه، بل ينضمّ إلى الأمة المسلمة عضوا كريما فيها، تغفر سيئاته ليستقبل- بصالح عمله- كتابه الجديد، أما الذين بقوا يكفرون ويصدّون، فلا بد من الإعداد لهم، حتى تخلص الأرض من كفرهم وصدهم: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً (١٦٨) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أَبَداً وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً (١٦٩) [النساء] . كانت هذه الأمة تكدح لله، وتصل مساءها بصباحها في عبادته، وقد حزمت أمرها على واحد من اثنين: إمّا أن تحيا لله، وإمّا أن تموت فيه!. ولو ذهبت توازن بين المسلمين يومئذ وبين سائر العالم، لرأيت عناصر الغلب والامتياز تتجمّع- لديهم- صاعدة، على حين تفور- في كيان الملل
إمّا أن تموت فيه!. ولو ذهبت توازن بين المسلمين يومئذ وبين سائر العالم، لرأيت عناصر الغلب والامتياز تتجمّع- لديهم- صاعدة، على حين تفور- في كيان الملل
الاخرى- زلازل حاطمة؛ فلا غرو إذا صاروا بعد سنين معدودات دولة فتية، تقضي لربها ولنفسها ما تشاء. ثمّ إنّ الشرائع المفصّلة أخذت تنزل في المدينة منظّمة أحوال المسلمين الخاصة والعامة، ومبيّنة قواعد الحلال والحرام على تدرّج، إلى أن وصلت إلى وضعها الأخير كما سجلها تاريخ التشريع. فقامت الحدود، وفرضت الزكاة والصيام، وزيدت ركعات الصلاة لأول العهد بيثرب. عن عائشة: فرضت الصلاة أوّل ما فرضت ركعتين، فأقرّت صلاة السّفر، وزيد في صلاة الحضر «١» . ومما يذكر أن النبي ﷺ بنى بالسيدة عائشة في غضون السنة الأولى للهجرة، وكان قد عقد عليها قبل الهجرة «٢» . وسنتحدّث عن تعدّد الزواج، وزوجات الرسول ﷺ في موضع اخر.
(٦)
الكفاح الدّامي
[مرحلة الإعداد للجهاد] دخل الإسلام المدينة وأحزاب الكفر تطارده من كل ناحية، فأوى المسلمون إلى مهجرهم كما يأوي الجنديّ إلى قلعته الشامخة، وأخذوا يستعدّون حتى لا تقتحم عليهم من أقطارها، وهم تعلّموا من السنين الغبر التي مرت عليهم في مكة أنّ الضعف مدرجة إلى الهوان، مزلقة إلى الفتنة، والمرء لا يقدّر العافية حق قدرها إلا بعد الإبلال من المرض، ولا يعرف قيمة الغنى إلا عند التخلص من ذلّ الحاجة. ومن أولى من المهاجرين والأنصار بالإفادة من عبر الماضي؟. ذلك نبيّهم تعقّبه القتلة ألف ميل ليغتالوه، وذلك سواد المهاجرين نهب مالهم، وسلبت دورهم، وشرّدوا من البلد الحرام. إنّ «حالة الحرب» قائمة يقينا بين طغاة مكة وبين المسلمين في وطنهم الجديد، ومن السفه تحميل المسلمين أوزار هذا الخصام. على أنّ العداوة للنبي ﷺ وصحبه تجاوزت قريشا إلى غيرهم من مشركي الجزيرة الضالة، ولن تذهب الفروض بنا بعيدا، فإنّ عبدة الأصنام من أهل المدينة نفسها شرعوا يجاهرون بخصومتهم للإسلام، وانضمّ إلى هؤلاء وأولئك اليهود الذين أوجسوا خيفة من انتشار هذا الدين واندحار الوثنية العربية أمامه.
أهل المدينة نفسها شرعوا يجاهرون بخصومتهم للإسلام، وانضمّ إلى هؤلاء وأولئك اليهود الذين أوجسوا خيفة من انتشار هذا الدين واندحار الوثنية العربية أمامه. فما بدّ- إذا- من التأهّب لكلّ طارئ، والتربّص بكلّ هاجم، وتجهيز القوة التي تؤدّب المجرمين يوم يتطاولون. والقتال الذي شرعه الإسلام وخاض معاركه الرسول ﵊ وصحابته هو أشرف أنواع الجهاد، وقد بيّنا في كتبنا الاخرى «١» بالاستدلال العلمي والاستقراء التاريخي؛ أنّ الحروب التي اشتبك فيها الإسلام- على عهد الرسول ﷺ وخلفائه- كانت فريضة لحماية الحق، وردّ المظالم، وقمع العدوان، وكسر الجبابرة.
أما تخرّص المستشرقين والحقدة على الإسلام من أهل الأديان الاخرى، والادّعاء بأن المسلمين جنحوا إلى القوة حيث لا مبرر لها، فذلك كلّه لغو طائش، وهو جزء من الحملة المدبّرة لمحو الإسلام من الأرض، واستبقاء أهله عبيدا للصليبية والصهيونية وما إليهما. وما من أيام القتال فيهنّ أوجب على المسلمين من أيام يهدّد فيها الإسلام واله بالفناء، وتتألّب عليه شتّى القوى، بل يصطلح ضدّه الخصوم الألداء، محاولين سحقه إلى الأبد. وقد وقع ذلك في صدر الإسلام قبل الهجرة وبعدها، ووقع في هذه الأيام، فسقطت أوطان الإسلام في أيدي لصوص الأرض، ثم رسمت أخبث السياسات للذهاب به رويدا رويدا. فكيف تستغرب الدعوة إلى التسلّح، والإهابة بأهل النجدة أن يوطّنوا أنفسهم على التضحية في سبيل الله. كيف تستنكر صناعة الموت في أمة يتواثب حولها الجزّارون من كلّ فجّ؟ كلّا، كلّا. وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لا يُعْجِزُونَ (٥٩) وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ (٦٠) وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦١) وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ [الأنفال] .
جْنَحْ لَها وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦١) وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ [الأنفال] .
[تمارين ومناورات ومعارك] : وتمشيا مع توجيه الوحي، وسياسة الواقع، وحفاظا على حق الله وحق الحياة؛ درّب النبيّ ﷺ رجاله على فنون الحرب، واشترك معهم في التمارين والمناورات والمعارك، وعدّ السعي في هذه الميادين خطوات إلى أجلّ القرب وأقدس العبادات، لعلّه بذلك يفل شوكة الكفر، ويكسر عن المسلمين أذاه: فَقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْساً وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا (٨٤) [النساء] . عن عقبة بن عامر، قال: سمعت رسول الله ﷺ وهو على المنبر يقول:
«وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ [الأنفال: ٦٠] ، ألا إنّ القوة الرّمي، ألا إنّ القوة الرّمي، ألا إنّ القوة الرّمي» «١» . والحديث ينوّه بما لإصابة الأهداف من أثر حاسم في كسب المعارك. والرمي أعمّ من أن يكون بالسهم أو بالرصاص أو بالقنابل. وعن فقيم اللخمي، قال: قلت لعقبة بن عامر: تختلف بين هذين الغرضين تتردّد بينهما- وأنت شيخ كبير يشقّ عليك؟ قال عقبة: لولا كلام سمعته من رسول الله ﷺ لم أعانه، قال: وما ذاك؟ قال: سمعته يقول: «من تعلّم الرّمي ثمّ تركه، فليس منّا!» «٢» . فانظر كيف يبقى الشيوخ المسنّون على دربتهم في إصابة الهدف، ومهارة اليد، ونشاط الحركة، إنّ الإسلام يفترض المقدرة على القتال، فيوجبها على الشباب والشيوخ جميعا. وعن أبي نجيح السّلميّ، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من بلغ بسهم، فهو له درجة في الجنّة» ، فبلغت يومئذ عشرة أسهم، وسمعته يقول: «من رمى بسهم في سبيل الله، فهو عدل رقبة محرّرة» «٣» . وعن عقبة بن عامر: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنّ الله ﷿ ليدخل بالسّهم الواحد ثلاثة نفر الجنّة: ١- صانعه يحتسب في عمله الخير، ٢- والرّامي به، ٣- ومنبله، الممدّ به، فارموا واركبوا. وأن ترموا أحبّ إليّ من أن تركبوا، كلّ لهو باطل، ليس من اللهو محمودا إلا ثلاثة: ١- تأديب الرّجل فرسه، تركبوا، كلّ لهو باطل، ليس من اللهو محمودا إلا ثلاثة: ١- تأديب الرّجل فرسه،
ركبوا، كلّ لهو باطل، ليس من اللهو محمودا إلا ثلاثة: ١- تأديب الرّجل فرسه، تركبوا، كلّ لهو باطل، ليس من اللهو محمودا إلا ثلاثة: ١- تأديب الرّجل فرسه،
٢- وملاعبته أهله، ٣- ورميه بقوسه، فإنهنّ من الحقّ، ومن ترك الرّمي بعد ما علمه رغبة عنه، فإنّها نعمة تركها أو كفرها» «١» . وعن ابن عمر: «الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة، الأجر والغنيمة» «٢» . وهذا ترغيب من رسول الله ﵊ في تعليم الفروسية، وإبراز لون معيّن من ألوان القتال، لا يحطّ من قيمة الألوان الاخرى، أو يؤخّر منزلتها. ألا ترى كيف حضّ النبيّ ﷺ على تعلّم القتال في البحر فقال: «غزوة في البحر خير من عشر غزوات في البرّ، ومن أجاز البحر فكأنما أجاز الأودية كلّها، والمائد فيه- الذي يصيبه الدّوار والقيء- كالمتشحّط في دمه» «٣» . والدول تحتاج إلى الكتائب في البر، والأساطيل في البحر والجو، وكلّ سلاح عون لأخيه في إدراك النصر، وأسبق الجند إلى رضوان الله أعظمهم نيلا من العدو، وأرعاهم لذمام أمته وشرف عقيدته، سواء مشى، أم رمى، أم أبحر، أم طار.
سرايا فلمّا استقرّ أمر المسلمين، أخذوا يرسلون سراياهم المسلّحة تجوس خلال الصحراء المجاورة، وتخترق طريق القوافل المارة بين مكة والشام، وتستطلع أحوال القبائل الضاربة هنا وهناك: ١- ففي رمضان من السنة الأولى التقى (حمزة بن عبد المطلب) في ثلاثين من المسلمين، بأبي جهل يقود قافلة لقريش، ومعه ثلاثمئة راكب، وقد حجز بينهما مجديّ بن عمرو الجهني فلم يقع قتال. ٢- وفي شوال من السنة نفسها، سار (عبيدة بن الحارث) في ستين راكبا إلى وادي رابغ، فالتقى بمئتي مشرك، على رأسهم أبو سفيان، وقد ترامى الفريقان بالنبل، ولم يقع قتال. ٣- وفي ذي القعدة خرج (سعد بن أبي وقاص) في نحو عشرين رجلا يعترض عيرا لقريش ففاتته. ٤- وفي صفر من السنة الثانية خرج الرسول ﷺ بنفسه بعد أن استخلف سعد بن عبادة على المدينة، وسار حتى بلغ ودّان يريد قريشا وبني ضمرة، فلم يلق قريشا، وعقد حلفا مع بني ضمرة.
سنة الثانية خرج الرسول ﷺ بنفسه بعد أن استخلف سعد بن عبادة على المدينة، وسار حتى بلغ ودّان يريد قريشا وبني ضمرة، فلم يلق قريشا، وعقد حلفا مع بني ضمرة. ٥- وفي ربيع الأول من السنة نفسها خرج الرسول ﷺ على رأس مئتين من المهاجرين والأنصار إلى (بواط) معترضا عيرا لقريش يقودها أمية بن خلف، ومعه مئة من المشركين ففاتته. ٦- وفي جمادى خرج إلى العشيرة من بطن (ينبع) ، وأقام شهرا صالح فيه بني مدلج. ٧- ثم أغار كرز بن جابر الفهري على المدينة واستاق سرحها، فخرج النبيّ ﷺ في طلبه حتى بلغ وادي سفوان قريبا من (بدر) ، فلم يدركه، ويسمّي المؤرّخون هذه (غزوة بدر الأولى) .
[حكمة بعث السرايا] : والحكمة في توجيه هذه السرايا على ذلك النحو المتتابع تتلخّص في أمرين: أولهما: إشعار مشركي يثرب ويهودها وأعراب البادية الضاربين حولها بأن المسلمين أقوياء، وأنهم تخلّصوا من ضعفهم القديم؛ ذلك الضعف الذي مكّن قريشا في مكة من مصادرة عقائدهم وحرياتهم، واغتصاب دورهم وأموالهم، ومن حق المسلمين أن يعنوا بهذه المظاهرات العسكرية على ضالة شأنها، فإن المتربّصين بالإسلام في المدينة كثر، ولن يصدّهم عن النيل منه إلّا الخوف واحده؛ وهذا تفسير قوله تعالى: تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ [الأنفال: ٦٠] . والصنف الأخير هم المنافقون الذين يبطنون البغضاء للإسلام وأهله، ولا يمنعهم من إعلان السخط عليه إلا الجبن وسوء المغبة، أمّا الأوّلون فهم المشركون ولصوص الصحراء وأشباههم ممن لا يبالون- لولا هذه السرايا- الهجوم على المدينة واستباحة حماها. وقد كان من الجائز أن تتكرّر حادثة (كرز بن جابر) السابقة، ويتجرّأ البدو على تهديد المدينة حينا بعد حين؛ غير أنّ هذه السرايا الزاحفة قتلت نيات الطمع وحفظت هيبة المسلمين.
أن تتكرّر حادثة (كرز بن جابر) السابقة، ويتجرّأ البدو على تهديد المدينة حينا بعد حين؛ غير أنّ هذه السرايا الزاحفة قتلت نيات الطمع وحفظت هيبة المسلمين. والأمر الاخر: - في حكمة بعث السرايا- إنذار قريش عقبى طيشها؛ فقد حاربت الإسلام، ولا تزال تحاربه، ونكّلت بالمسلمين في مكة، ثم ظلت ماضية في غيّها، لا تسمح لأحد من أهل مكة أن يدخل في دين الله، ولا تسمح لهذا الدين أن يجد قرارا في بقعة أخرى من الأرض، فأحبّ الرسول ﷺ أن يشعر حكام مكة بأن هذه الخطة الجائرة ستلحق بهم الأضرار الفادحة، وأنه قد مضى إلى غير عودة- ذلك العصر الذي كانوا يعتدون فيه على المؤمنين وهم بمأمن من القصاص. والمستشرقون الأوروبيون ينظرون إلى هذه السرايا كأنها ضرب من قطع الطريق، وهذه النظرة صورة للحقد الذي يعمي عن الحقائق، ويتيح للهوى أن يتكلّم ويحكم كيف يشاء.
وقد ذكّرني هذا الاستشراق المغرض بما حكوه عند قمع الإنكليز لثورة الأهلين في إفريقية الوسطى- مستعمرة كينية- وهم يطلبون الحرية لوطنهم ويحاولون إجلاء الأجانب عنه. قال جندي إنكليزي لاخر- يصف هؤلاء الإفريقيين-: إنهم وحوش، تصوّر أنّ أحدهم عضّني وأنا أقتله!!!. إن هذه الأضحوكة صورة من تفكير المستشرقين في إنصاف أهل مكة والنعي على الإسلام وأهله.
سرية عبد الله بن جحش: وفي رجب من السنة الثانية بعث رسول الله ﷺ (عبد الله بن جحش) في رهط من المهاجرين، وكتب له كتابا، وأمره ألا ينظر فيه إلا بعد يومين من مسيره. فإذا نظر فيه، ووعى ما كلّفه الرسول ﷺ به مضى في تنفيذه غير مستكره أحدا من أصحابه، فسار عبد الله، ثم قرأ الكتاب بعد يومين، فإذا فيه: امض حتى تنزل (نخلة) بين مكة والطائف، فترصّد بها قريشا، وتعلّم لنا من أخبارهم. فقال عبد الله: سمعا وطاعة، وأطلع أصحابه على كتاب الرسول ﷺ، قائلا: إنه نهاني أن أستكره أحدا منكم، فمن كان يريد الشهادة، ويرغب فيها، فلينطلق معي، ومن كره ذلك فليرجع.. فلم يتخلّف منهم أحد، غير أنّ البعير الذي كان يعتقبه (سعد بن أبي وقاص) و (عتبة بن غزوان) ، ندّ منهما، فشغلا بطلبه، ومضى عبد الله برفاقه حتى نزل أرض (نخلة) ، فمرّت عير قريش، فهاجمها عبد الله ومن معه، فقتل في هذه المعركة (عمرو بن الحضرمي) ، وأسر اثنان من المشركين، وعاد عبد الله بن جحش بالقافلة والأسيرين إلى المدينة. ويظهر أن هذا القتال وقع في اخر رجب، أي في الشهر الحرام. فلمّا قدمت السرية على رسول الله ﷺ قال: «ما أمرتكم بقتال في الشّهر الحرام» ، ووقف التصرف في العير والأسيرين. ووجد المشركون فيما حدث فرصة لاتهام المسلمين بأنهم قد أحلوا ما حرم الله، وكثر في ذلك القيل والقال، حتى نزل الوحي حاسما هذه الأقاويل ومؤيدا مسلك عبد الله تجاه المشركين:
حدث فرصة لاتهام المسلمين بأنهم قد أحلوا ما حرم الله، وكثر في ذلك القيل والقال، حتى نزل الوحي حاسما هذه الأقاويل ومؤيدا مسلك عبد الله تجاه المشركين:
يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَإِخْراجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ [البقرة: ٢١٧] «١» . إنّ الضجة التي افتعلها المشركون لإثارة الريبة في سيرة المقاتلين المسلمين لا مساغ لها، فإنّ الحرمات المقدسة قد انتهكت كلّها في محاربة الإسلام، واضطهاد أهله! فما الذي أعاد لهذه الحرمات قداستها فجأة، فأصبح انتهاكها معرّة وشناعة؟. ألم يكن المسلمون مقيمين بالبلد الحرام حين تقرّر قتل نبيّهم، وسلب أموالهم؟. لكنّ بعض الناس يرفع القوانين إلى السماء عند ما تكون في مصلحته. فإذا رأى هذه المصلحة مهددة بما ينتقضها هدم القوانين والدساتير جميعا. فالقانون المرعي- عنده في الحقيقة- هو مقتضيات هذه المصلحة الخاصة فحسب. وقد أوضح الله ﷿ أنّ المشركين لن يحجزهم شهر حرام أو بلد حرام عن المضي في خطتهم الأصيلة، وهي سحق المسلمين؛ حتى لا تقوم لدينهم قائمة فقال: وَلا يَزالُونَ يُقاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطاعُوا [البقرة: ٢١٧] . ثم حذّر المسلمين من الهزيمة أمام هذه القوى الباغية والتفريط في الإيمان الذي شرّفهم الله به، وناط سعادتهم في الدنيا والاخرة بالبقاء عليه فقال:



