فقه السيرة

Kitab sirah Nabi Muhammad ﷺ karya محمد الغزالي (w. 1416 H).

Bagian 4 dari 12 462 halaman

— Bagian 4 · أم إلى عدوّ ملّكته أمري؟! إن لم يكن بك غضب عليّ … —

Bagian 4

أم إلى عدوّ ملّكته أمري؟! إن لم يكن بك غضب عليّ فلا أبالي، غير أنّ عافيتك هي أوسع لي..!!. أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا

والاخرة، أن يحلّ عليّ غضبك، أو أن ينزل بي سخطك، لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوّة إلا بك ... » . وتحرّكت عاطفة القرابة في قلوب ابني ربيعة، فدعوا غلاما لهما نصرانيا، يدعى (عدّاسا) وقالا له: خذ قطفا من العنب، واذهب به إلى الرجل. فلما وضعه بين يدي رسول الله ﷺ مد يده إليه قائلا: «باسم الله» ثم أكل. فقال عدّاس: إنّ هذا الكلام ما يقوله أهل هذه البلدة! فقال له النبي ﷺ: «من أيّ البلاد أنت؟» قال: أنا نصراني من نينوى، فقال رسول الله ﷺ: «أمن قرية الرّجل الصّالح يونس بن متّى؟» قال له: وما يدريك ما يونس؟ قال رسول الله ﷺ: «ذلك أخي، كان نبيّا وأنا نبيّ» . فأكبّ عدّاس على يدي رسول الله ﷺ ورجليه يقبلهما. فقال ابنا ربيعة أحدهما للاخر: أمّا غلامك فقد أفسده عليك! فلمّا جاء عدّاس قالا له: ويحك ما هذا؟ قال: ما في الأرض خير من هذا الرجل «١» . فحاول الرجلان توهين أمر محمد، وتمسيك الرجل بدينه القديم، كأنّما عزّ عليهما أن يخرج محمد ﷺ من الطائف بأيّ كسب.

[في جوار المطعم بن عدي] : وقفل الرسول ﵊ عائدا إلى مكة، إلى البلد الذي لفظ خيرة أهله، فهاجر بعضهم إلى الحبشة، وأكره الباقي على معاناة العذاب الواصب، أو الفرار إلى شعف الجبال. وقال زيد بن حارثة: كيف تدخل عليهم وقد أخرجوك؟. فقال الرسول ﵊: «يا زيد، إنّ الله جاعل لما ترى فرجا ... » .

ة العذاب الواصب، أو الفرار إلى شعف الجبال. وقال زيد بن حارثة: كيف تدخل عليهم وقد أخرجوك؟. فقال الرسول ﵊: «يا زيد، إنّ الله جاعل لما ترى فرجا ... » .

ولا بدّ أنّ أخبار ثقيف قد سبقته إلى قريش، ومن ثمّ رأى رسول الله ﷺ ألا يدخل مكة حتى يستوثق لنفسه ودعوته، فبعث إلى (المطعم بن عدي) يعرض عليه أن يجيره حتّى يبلّغ رسالة ربّه! فقبل (المطعم) واستنهض أبناءه، فحملوا أسلحتهم، ووقفوا عند أركان البيت الحرام، وتسنّم المطعم ناقته، ثم نادى: يا معشر قريش! قد أجرت محمدا، فلا يهجه أحد منكم! فلما انتهى رسول الله ﷺ إلى الكعبة صلّى ركعتين، ثم انصرف إلى بيته، ومطعم وأهله يحرسونه بأسلحتهم «١» .... وقيل: إنّ أبا جهل سأل مطعما: أمجير أم متابع- مسلم-؟ قال: بل مجير، قال: قد أجرنا من أجرت ... !. وحفظ رسول الله ﷺ للمطعم هذا الصنيع، فقال يوم أسرى بدر: لو كان المطعم حيّا لتركت له هؤلاء النّتنى. كان المطعم- كأبي طالب- على دين أجداده، وكان كذلك مثله في المروءة والنجدة، وقد أراد أبو جهل أن يتهكّم بنبيّ يحتاج إلى جوار، وكأنّه يتساءل: لم لم تنزل كوكبة من الملائكة لحفظه؟!. ولذلك قال- لما راه-: هذا نبيّكم يا بني عبد مناف؟!. فرد عليه عتبة بن ربيعة: وما ينكر أن يكون منا نبي وملك؟!. فلما أخبر رسول الله ﷺ بسؤال أبي جهل وردّ عتبة قال: «أما أنت يا عتبة فما حميت لله، وإنّما حميت لنفسك- وذلك أنه قالها عصبية لا إيمانا-. وأما أنت يا أبا جهل، فو الله لا يأتي عليك غير بعيد حتى تضحك قليلا وتبكي كثيرا. وأما أنتم يا معشر قريش، فو الله لا يأتي عليكم غير كثير، حتى تدخلوا فيما تنكرون» «٢» .

وفي هذا التعليق ما يدلّ على ثقة الرسول ﵊ من المستقبل مهما اكتنفه- في الحاضر- من الالام. عاد الرسول ﷺ إلى مكة ليستأنف خطته الأولى في عرض الإسلام وإبلاغ رسالة الله. وبينا هو ماض في جهاده، إذ وقعت له قصة الإسراء والمعراج ...

الإسراء والمعراج يقصد بالإسراء الرحلة العجيبة التي بدأت من المسجد الحرام بمكة إلى المسجد الأقصى بالقدس، ويقصد بالمعراج ما عقب هذه الرحلة من ارتفاع في طباق السموات حتى الوصول إلى مستوى تنقطع عنده علوم الخلائق، ولا يعرف كنهه أحد، ثم الأوبة- بعد ذلك- إلى المسجد الحرام بمكة. وقد أشار القران الكريم إلى كلتا الرحلتين في سورتين مختلفتين، وذكر قصة الإسراء وحكمته بقوله: سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١) [الإسراء] . وذكر قصة المعراج وثمرته بقوله: وَلَقَدْ رَآهُ يعني: جبريل نَزْلَةً أُخْرى (١٣) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى (١٤) عِنْدَها جَنَّةُ الْمَأْوى (١٥) إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ ما يَغْشى (١٦) ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى (١٧) لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى (١٨) [النجم] . فتعليل الإسراء- كما نصّت الاية- أنّ الله يريد أن يري عبده بعض آياته. ثم أوضحت ايات المعراج أنّ الرسول ﵊ شهد- بالفعل- بعض هذه الايات الكبرى. وقد اختلف العلماء من قديم: أكان هذا السّرى الخارق بالروح واحده، أم بالروح والجسد جميعا؟ والجمهور على القول الأخير. وللدكتور هيكل رأي غريب، فقد اعتبره استجماعا ذهنيا ونفسيا لواحدة الوجود من الأزل إلى الأبد، في فترة من فترات التألّق النفساني الفذّ، الذي اختص به بشر نقيّ جليل مثل محمد ﷺ، وفي إبّان هذا التألّق، الذي استعالى به على كلّ شيء استعرض حقائق الدين والدنيا، وشاهد صور الثواب والعقاب ... إلخ.

ي اختص به بشر نقيّ جليل مثل محمد ﷺ، وفي إبّان هذا التألّق، الذي استعالى به على كلّ شيء استعرض حقائق الدين والدنيا، وشاهد صور الثواب والعقاب ... إلخ.

فالإسراء حقّ.. وهو- عنده- روحيّ لا مادي، ولكنه في اليقظة لا في المنام، فليس رؤيا صادقة كما يرى البعض، بل هو حقيقة واقعة على النحو الذي صوّره، ثم قال فيه بعدئذ: «وليس يستطيع هذا السمو إلا قوة فوق ما تعرف الطبائع الإنسانية» . والحق أن الحدود بين القوى الروحية والقوى المادية أخذت تضمحلّ وتزول، وأن ما يراه الإنسان ميسورا في عالم الروح ليس بمستوعر في عالم المادة. وأحسب أنه بعد ما مزّق العلم من أستار عن أسرار الوجود؛ فإنّ أمر المادة أضحى كأمر الروح، لا يعرف مداه إلا قيوم السموات والأرض. وإنّ الإنسان ليقف مشدوها، عند ما يعلم أنّ الذرة تمثل في داخلها نظام المجموعة الشمسية الدوّارة في الفلك، وأنها- وهي هباءة تافهة- تكمن فيها حرارة هائلة عند ما أطلقت أحرقت الأخضر واليابس. إنّ الرسول ﷺ أسري به وعرج؛ كيف؟ هل ركب الة تسير بأقصى من سرعة الصوت كما اخترع الناس أخيرا؟. لقد امتطى البراق، وهو كائن يضع خطوه عند أقصى طرفه، كأنّه يمشي بسرعة الضوء، وكلمة (براق) يشير اشتقاقها إلى البرق، أي أنّ قوة الكهرباء سخّرت في هذه الرحلة. لكنّ الجسم- في حالته المعتادة- يتعذّر عليه التنقّل في الافاق بسرعة البرق الخاطف، لا بدّ من إعداد خاصّ، يحصّن أجهزته ومسامّه لهذا السفر البعيد. وأحسب أنّ ما روي عن شقّ الصدر، وغسل القلب وحشوه، إنّما هو رمز هذا الإعداد المحتوم.. وقصة الإسراء مشحونة بهذه الرموز، ذات الدلالة التي تدقّ على السّذّج. إنّ الإسراء والمعراج وقعا للرسول ﵊ بشخصه في طور بلغت الروح فيه قمة الإشراق، وخفّت فيه كثافة الجسد حتى تفصّى من أغلب القوانين التي تحكمه. واستكناه حقيقة هذه الرحلة، وتتبّع مراحلها بالوصف الدقيق، مرتبط بإدراك العقل الإنساني لحقيقة المادة والروح، وما أودع الله فيهما من قوى وخصائص.

تحكمه. واستكناه حقيقة هذه الرحلة، وتتبّع مراحلها بالوصف الدقيق، مرتبط بإدراك العقل الإنساني لحقيقة المادة والروح، وما أودع الله فيهما من قوى وخصائص.

ولذلك سنتجاوز هذا البحث «١» إلى ما هو أيسر وأجدى، أي إلى تسجيل المعالم المتصلة بالإسلام باعتباره رسالة عامة وتشاريع محددة. وقصة الإسراء والمعراج تهمّنا من هذه الناحية. ألم تر أنّ (علم النفس) لم يستبحر وينطلق إلا يوم تحرّر من البحث في الروح والخبط في مدلولها؟!.

[لماذا المسجد الأقصى ؟] : لماذا كانت الرحلة إلى بيت المقدس، ولم تبدأ من المسجد الحرام إلى سدرة المنتهى مباشرة؟. إنّ هذا يرجع بنا إلى تاريخ قديم، فقد ظلّت النبوّات دهورا طوالا وهي وقف على بني إسرائيل، وظلّ بيت المقدس مهبط الوحي، ومشرق أنواره على الأرض، وقصبة الوطن المحبب إلى شعب الله المختار «٢» . فلما أهدر اليهود كرامة الوحي، وأسقطوا أحكام السماء، حلّت بهم لعنة الله، وتقرّر تحويل النبوة عنهم إلى الأبد! ومن ثمّ كان مجيء الرسالة إلى محمد ﷺ؛ انتقالا بالقيادة الروحية في العالم من أمة إلى أمة، ومن بلد إلى بلد، ومن ذرية إسرائيل إلى ذرية إسماعيل. وقد كان غضب اليهود مشتعلا لهذا التحوّل، مما دعاهم إلى المسارعة بإنكاره: بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِما أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْياً أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ فَباؤُ بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ [البقرة: ٩٠] . لكنّ إرادة الله مضت، وحمّلت الأمة الجديدة رسالتها، وورث النبيّ العربيّ تعاليم إبراهيم وإسماعيل ويعقوب، وقام يكافح لنشرها، وجمع الناس عليها، فكان من وصل الحاضر بالماضي، وإدماج الكلّ في حقيقة واحدة أن يعتبر

المسجد الأقصى ثالث الحرمين في الاسلام، وأن ينتقل إليه الرسول ﷺ في إسرائه، فيكون هذا الانتقال احتراما للإيمان الذي درج- قديما- في رحابه.. ثم يجمع الله المرسلين السابقين من حملة الهداية في هذه الأرض وما حولها؛ ليستقبلوا صاحب الرسالة الخاتمة، إنّ النبوات يصدّق بعضها بعضا، ويمهّد السابق منها للّاحق، وقد أخذ الله الميثاق على أنبياء بني إسرائيل بذلك: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي قالُوا أَقْرَرْنا قالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٨١) [ال عمران] . وفي السنة الصحيحة أن الرسول ﷺ صلّى بإخوانه الأنبياء ركعتين في المسجد الأقصى، فكانت هذه الإمامة إقرارا مبينا بأنّ الإسلام كلمة الله الأخيرة إلى خلقه، أخذت تمامها على يد محمد ﷺ بعد أن وطّأ لها العباد الصالحون من رسل الله الأولين. والكشف عن منزلة محمد ﷺ ودينه ليس مدحا يساق في حفل تكريم، بل هو بيان حقيقة مقرّرة في عالم الهداية منذ تولّت السماء إرشاد الأرض، ولكنه جاء في إبّانه المناسب. فإنّ جهاد الدعوة الذي حمله محمد ﷺ على كواهله، عرّضه لعواصف عاتية من البغضاء والافتراء، ومزّق شمل أتباعه، فما ذاقوا- مذ آمنوا به- راحة الركون إلى الأهل والمال، وكان اخر العهد بمشاق الدعوة، طرد (ثقيف) له، ثم دخوله البلد الحرام في جوار مشرك، إنّ هوانه على الناس- منذ دعاهم إلى الله- جعله يجأر إلى ربّ الناس شاكيا راجيا. فمن تطمين الله له، ومن نعمائه عليه: أن يهيّئ له هذه الرحلة السماوية؛ لتمسّ فؤاده المعنّى ببرد الراحة، وليشعر أنه بعين الله مذ قام يواحده ويعبده، ويعلّم البشر توحيده وعبادته. كان يقول: «إن لم يكن بك غضب عليّ فلا أبالي» «١» ، فالليلة علم أنّ حظّه من رضوان الله جزيل، وأن مكانته بين المصطفين الأخيار موطّدة مقدمة. إنّ الإسراء والمعراج يقعان قريبا من منتصف فترة الرسالة التي مكثت ثلاثة

لم أنّ حظّه من رضوان الله جزيل، وأن مكانته بين المصطفين الأخيار موطّدة مقدمة. إنّ الإسراء والمعراج يقعان قريبا من منتصف فترة الرسالة التي مكثت ثلاثة

وعشرين عاما، وبذلك كانا علاجا مسح متاعب الماضي، ووضع بذور النجاح للمستقبل. إنّ رؤية طرف من ايات الله الكبرى في ملكوت السموات والأرض له أثره الحاسم في توهين كيد الكافرين، وتصغير جموعهم، ومعرفة عقباهم. وقد عرف محمّد ﷺ في هذه الرحلة أنّ رسالته ستنساح في الأرض، وتتوطّن الأودية الخصبة في النيل والفرات، وتنتزع هذه البقاع من مجوسية الفرس وتثليث الروم. بل إنّ أهل هذه الأودية سيكونون حملة الإسلام جيلا في أعقاب جيل؛ وهذا معنى رؤية النيل والفرات في الجنة، وليس أنّ مياه النهرين تنبع من الجنة كما يظن السذّج والبله. لقد روى الترمذيّ مثلا أنّ رسول الله ﷺ قال: «إذا أعطي أحدكم الريحان فلا يردّه، فإنّه خرج من الجنة» «١» ؛ فهل ذلك يدلّ على أنّ الريحان من الجنة، ونحن نقطف أزهاره من الحقول والحدائق؟!.

حكمة الإسراء: ذلك والله ﷿ يتيح لرسله فرص الاطّلاع على المظاهر الكبرى لقدرته، حتى يملأ قلوبهم ثقة فيه، واستنادا إليه، إذ يواجهون قوى الكفار المتألّبة، ويهاجمون سلطانهم القائم. فقبل أن يرسل الله موسى شاء أن يريه عجائب قدرته، فأمره أن يلقي عصاه، قال: أَلْقِها يا مُوسى فَأَلْقاها فَإِذا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعى (٢٠) قالَ خُذْها وَلا تَخَفْ

رسل الله موسى شاء أن يريه عجائب قدرته، فأمره أن يلقي عصاه، قال: أَلْقِها يا مُوسى فَأَلْقاها فَإِذا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعى (٢٠) قالَ خُذْها وَلا تَخَفْ

سَنُعِيدُها سِيرَتَهَا الْأُولى (٢١) وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلى جَناحِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرى (٢٢) لِنُرِيَكَ مِنْ آياتِنَا الْكُبْرى (٢٣) [طه] . فلمّا ملأ قلبه إعجابا بمشاهد هذه الايات الكبرى، قال له بعد: اذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى (١٧) ... [النازعات] . وقد علمت أنّ ثمرة الإسراء والمعراج إطلاع الله نبيّه على هذه الايات الكبرى، وربّما تقول: إنّ ذلك حدث بعد الإرسال إليه بقريب من اثني عشر عاما، على عكس ما وقع لموسى! وهذا حق، وسرّه ما أسلفنا بيانه من أنّ الخوارق في سير المرسلين الأولين قصد بها قهر الأمم على الاقتناع بصدق النبوة؛ فهي تدعيم لجانبهم أمام اتّهام الخصوم لهم بالادّعاء، وسيرة محمد ﷺ فوق هذا المستوى. فقد تكفّل القران الكريم بإقناع أولي النهى من أول يوم، وجاءت الخوارق في طريق الرسول ﷺ ضربا من التكريم لشخصه، والإيناس له، غير معكرة، ولا معطلة للمنهج العقلي العادي الذي اشترعه القران «١» . وقد اقترح المشركون على النبي ﷺ أن يرقى في السماء، فجاء الجواب من عند الله: قُلْ سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَراً رَسُولًا [الإسراء: ٦٣] . فلمّا رقي في السماء بعد، لم يذكر قط أن ذلك ردّ على التحدي، أو إجابة على الاقتراح السابق؛ بل كان الأمر- كما قلنا- محض تكريم، ومزيد إعلام من الله لعبده.

إكمال البناء: وفي قصّة الإسراء والمعراج تلمح أواصر القربى بين الأنبياء كافة، وهذا المعنى من أصول الإسلام: آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا غُفْرانَكَ رَبَّنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٢٨٥) [البقرة] . والتحيات المتبادلة بين النبي ﷺ وإخوته السابقين توثّق هذه الاصرة.

ففي كلّ سماء أحلّ الله فيها أحد رسله، كان النبي ﷺ يستقبل فيها بهذه الكلمة: مرحبا بالأخ الصالح، والنبيّ الصالح!. والخلاف بين الأنبياء وهم صنعته الأمم الجائرة عن السبيل السويّ، أو بالأحرى صنعه الكهان والمتاجرون بالأديان. أمّا محمّد ﷺ فقد أظهر أنّه مرسل لتكملة البناء الذي تعهّده من سبقوه، ومنع الزلازل من تصديعه، قال رسول الله ﷺ: «مثلي ومثل الأنبياء قبلي كمثل رجل بنى بيتا، فأحسنه، وأجمله، إلّا موضع لبنة من زاوية من زواياه، فجعل الناس يطوفون به، ويعجبون له! ويقولون: هلّا وضعت هذه اللبنة؟! فأنا تلك اللبنة، وأنا خاتم النبيين» «١» . والأديان المعتمدة على الوحي السماوي معروفة، وليس منها- بداهة- ما اصطنعه الناس لأنفسهم من أوثان وطقوس كالبرهمية، والبوذية، وغيرهما. وليس منها كذلك ما ابتدع- أخيرا- من نحل احتضنها الاستعمار الغربي، وكثر الأنصار حولها؛ ليشدّد الخناق على مقاتل الشرق، ويعوق المسلمين الأحرار عن حطم قيوده، وإنقاذ عبيده، وذلك كالبهائية والقاديانية. ومن الممكن- لو خلصت النيّات ونشد الحق- أن توضع أسس عادلة لواحدة دينية تقوم على احترام المبادئ المشتركة «٢» ، وإبعاد الهوى عن استغلال الفروق الاخرى، إلى أن تزول على الزمن، أو تنكسر حدتها. والإسلام الذي يعدّ تعاليمه امتدادا للنبوات الأولى، ولبنة مضافة إلى بنائها العتيد أول من يرحب بهذا الاتجاه ويزكيه.

أن تزول على الزمن، أو تنكسر حدتها. والإسلام الذي يعدّ تعاليمه امتدادا للنبوات الأولى، ولبنة مضافة إلى بنائها العتيد أول من يرحب بهذا الاتجاه ويزكيه.

سلامة الفطرة: وفي ليلة الإسراء والمعراج تأكّدت الصفة الأولى لهذا الدين، وهي أنه دين الفطرة. ففي الحديث: «.. ثم أتيت بإناء من خمر وإناء من لبن، فأخذت اللبن فقال: هي الفطرة التي أنت عليها وأمتك» «١» . إنّ سلامة الفطرة لبّ الإسلام، ويستحيل أن تفتح أبواب السماء لرجل فاسد السريرة، عليل القلب، إنّ الفطرة الرديئة كالعين الحمئة، لا تسيل إلا قذرا وسوادا. ربّما أخفي هذا السواد الكرية وراء ألوان زاهية، ومظاهر مزوّقة، بيد أنّ ما ينطلي على الناس، لا يخدع به ربّ الناس ... !!. ويوم تكون العبادات- نفسها- ستارا لفطرة فاسدة، فإنّ هذه العبادات الخبيثة، تعتبر أنزل رتبة من المعاصي الفاجرة. والناس كلّما تقدّمت بهم الحضارات، أمعنوا في التكلّف والمصانعة، وقيّدوا أنفسهم بعبادات وتقاليد قاسية. وأكثر هذه التكلّفات حجب تطمس وهج الفطرة «٢» ، وتعكّر نقاوتها وطلاقتها. وليس أبغض إلى الله من أن تفترى هذه القيود باسم الدين، وأن تترك النفوس في سجونها مغلولة كئيبة.

فرض الصلاة: وفي المعراج شرعت الصلوات الخمس، شرعت في السماء؛ لتكون معراجا يرقى بالناس كلّما تدلّت بهم شهوات النفوس وأعراض الدنيا. والصلوات التي شرع الله غير الصلوات التي يؤدّيها- الان- كثير من الناس.

ي السماء؛ لتكون معراجا يرقى بالناس كلّما تدلّت بهم شهوات النفوس وأعراض الدنيا. والصلوات التي شرع الله غير الصلوات التي يؤدّيها- الان- كثير من الناس.

وعلامة صدق الصلاة أن تعصم صاحبها من الدنايا، وأن تخجله من البقاء عليها إن ألمّ بشيء منها. فإذا كانت الصلاة- مع تكرارها- لا ترفع صاحبها إلى هذه الدرجة؛ فهي صلاة كاذبة. «الصلاة طهور» «١» ، كما جاء في السنّة: إلا أنّها طهور للإنسان الحيّ، لا للجثة العفنة. إنّ التطهير يزيل ما يعلق بالقلب الحيّ من غبار عارض، والأعراض التي تلحق المرء في الحياة فتصدئ قلبه كثيرة، ومطهّراتها أكثر!. وفي الحديث: «فتنة الرّجل في أهله وماله وولده ونفسه وجاره، يكفّرها الصيام، والصّلاة، والصدقة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» «٢» . أمّا أصحاب القلوب الميتة فالصلاة لا تجديهم فتيلا.. ولن يزالوا كذلك حتى تحيا قلوبهم أو يواريها الثرى..

[صور شتى لأجزية الصالحين والطالحين] : وقد رويت سنن أن رسول الله ﷺ رأى في هذه الرحلة صورا شتى لأجزية الصالحين والطالحين، وتناقلت كتب السيرة رواية هذه الصور الجليلة على أنّها وقعت ليلة الإسراء والمعراج. والحقّ أنّ ذلك كان رؤيا منام في ليلة أخرى من الليالي المعتادة، كما ثبت ذلك في الصحاح «٣» .

ة هذه الصور الجليلة على أنّها وقعت ليلة الإسراء والمعراج. والحقّ أنّ ذلك كان رؤيا منام في ليلة أخرى من الليالي المعتادة، كما ثبت ذلك في الصحاح «٣» .

قريش والإسراء: فلمّا كانت صبيحة هذه الليلة المشهودة حدّث رسول الله ﷺ الناس بما تمّ له، وما شهد من ايات ربّه الكبرى. والذين كذّبوا أن يقع وحي على الأرض أتراهم يصدّقون به في السماء؟!. لقد طاروا يجمع بعضهم بعضا؛ ليسمعوا هذه الأعجوبة، فيزدادوا إنكارا لرسالة محمد ﷺ، وريبة من أمره، وتحدّاه بعضهم أن يصف بيت المقدس، إن كان راه هذه الليلة حقا!. عن جابر ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: «لمّا كذّبتني قريش، قمت في الحجر، فجلّى الله لي بيت المقدس، فطفقت أخبرهم عن آياته، وأنا أنظر إليه» !! «١» . ويقول الدكتور هيكل: «أحسبك لو سألت الذين يقولون بالإسراء بالروح في هذا؛ لما رأوا فيه عجبا، بعد الذي عرف العلم في وقتنا الحاضر من إمكان التنويم المغناطيسي للتحدّث عن أشياء واقعة في جهات نائية ... فما بالك بروح يجمع واحدة الحياة الروحية في الكون كله؟! ويستطيع- بما وهب الله له من قوة- أن يتّصل بسر الحياة من أزل الكون إلى أبده!» . ونحن لا نعلّق كبير اهتمام لمعرفة الطريق التي تمّ بها الإسراء والمعراج، كلا الأمرين حق ترك ثماره في نفس الرسول ﷺ، فاستراح إلى حمد الخالق، وقلّ اكتراثه لذمّ الهمل من الجاحدين والجاهلين، ثم نشط إلى متابعة الدعوة، موقنا أنّ كلّ يوم يمرّ بها هو خطوة إلى النصر القريب.. ويزعم بعض الكتّاب أنّ فريقا من المسلمين ارتدّ عقب الإسراء والمعراج

إنكارا لهما، بل يزيد الدكتور هيكل أنّ المسلمين تضعضعوا على أثر انتشار القصة على الأفواه، واستبعاد المشركين لوقوعها، وهذا كلّه خطأ، فلا الاثار التاريخية تدلّ «١» عليه، ولا الاستنتاج الحصيف ينتهي به، ولا ندري كيف يقال هذا؟!.

[عرض الإسلام على القبائل] : مضى رسول الله ﷺ على نهجه القديم، ينذر بالوحي كلّ من يلقى، ويخوض- بدعوته- المجامع، ويغشى المواسم، ويتبع الحجيج في منازلهم، ويغبّر قدميه إلى أسواق (عكاظ) و (مجنة) و (ذي المجاز) داعيا الناس إلى نبذ الأوثان، والاستماع إلى هدي القران، وكان يسأل عن منازل القبائل قبيلة قبيلة، ويعرض عليهم نفسه ليؤمنوا به، ويتابعوه ويمنعوه ... وكان عمّه أبو لهب يمشي وراءه ويقول: لا تطيعوه، فإنّه صابئ كذّاب!. فيكون جواب القبائل: أسرتك وعشيرتك أعلم بك! ثم يردّونه أقبح الردّ. ومن القبائل التي أتاها الرسول ﵊ ودعاها إلى الله فأبت الاستجابة له: (فزارة) ، و (غسان) ، و (مرة) ، و (حنيفة) ، و (سليم) ، و (عبس) ، و (بنو النضر) ، و (كندة) ، و (كلب) ، و (عذرة) ، و (الحضارمة) ، و (بنو عامر بن صعصعة) ، و (محارب بن حفصة) ... إلخ. ما وجد في هؤلاء قلبا مفتوحا، ولا صدرا مشروحا، بل كان الراحلون والمقيمون يتواصون بالبعد عنه، ويشيرون إليه بالأصابع. وكان الرجل يجيء من الافاق البعيدة، فيزوده قومه بهذه الوصاة: احذر غلام قريش لا يفتنك!!. مع ذلك فإنّ الرسول ﵊ في هذا الجو القابض- لم يخامر اليأس قلبه، واستمرّ مثابرا في جهاد الدعوة، حتى تأذّن الحقّ- أخيرا- بالفرج.

(٤)

الهجرة العامّة مقدّماتها ونتائجها (العهد المدني)

[تمهيد]

لم يخامر اليأس قلبه، واستمرّ مثابرا في جهاد الدعوة، حتى تأذّن الحقّ- أخيرا- بالفرج.

(٤)

الهجرة العامّة مقدّماتها ونتائجها (العهد المدني)

[تمهيد]

[التحول الجديد] : حرم مشركو مكة الخير كله منذ جحدوا الرسالة، وقعدوا بكلّ صراط يوعدون، ويصدّون عن سبيل الله من امن به، ويبغونها عوجا. ولئن نجحت دعايتهم الكاذبة في منع قبائل كثيرة من دخول الإسلام، فإنّ الحق لا بدّ أن يعلو، وأن يثوب إليه المضلّلون والمخدوعون، على شرط أن يظل أهله أوفياء له، حراصا عليه، صابرين محتسبين. وقد قيّض الله للإسلام من استنقذه من البيئة التي صادرته، فأنس بعد وحشة، واستوطن بعد غربة، وشق طريقه في الحياة، بعد أن زالت الجلامد الصلدة الملقاة في مجراه. وبدأ هذا التحول على أيدي الوفود القادمة من (يثرب) إلى مكة في موسم الحج ...

[بشارة اليهود بالنبي الجديد وكفرهم به] : كان أهل يثرب «١» يمتازون عن سائر العرب بجوارهم لليهود، وإلفهم عقيدة

التوحيد، وربما حاورهم اليهود في شؤون الأديان، ونعوا عليهم عبادة الأوثان، فإذا اشتدّ الجدل وطالت اللّجاجة، قال لهم اليهود: يوشك أن يبعث الله نبيا فنتبعه؛ ونقتلكم معه قتل عاد وإرم ... !!. والغريب أنّ اليهود كانوا أول من كفر بهذا النبي يوم ظهر فيهم واقترب منهم، ولذلك ندّد القران بمسلكهم المتناقض: وَلَمَّا جاءَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ [البقرة: ٨٩] . أما العرب الأميون الذي هدّدوا بمبعثه، فقد فتحوا مسامعهم له!. فعند ما وافى الموسم، وقدمت قبائل (يثرب) ، ورأوا الرسول ﷺ يدعو الناس إلى الله، فقال بعضهم لبعض: تعلمون- والله يا قوم- أن هذا الذي توعدكم به يهود، فلا يسبقنّكم إليه.. وأخذ ذكر الإسلام يشيع في المدينة رويدا رويدا؛ فإن لم يستقبل بترحيب لم يستقبل بالسباب والحراب. إنّ عناصر النفور والمقاومة التي عهدها في مكة تحوّلت- هنا- إلى عناصر احترام وإقبال، ولم تمض ثلاثة أعوام على تسامع الأنصار الجدد بالإسلام حتى أصبحوا كهفه الحصين، وموئله القريب.

التي عهدها في مكة تحوّلت- هنا- إلى عناصر احترام وإقبال، ولم تمض ثلاثة أعوام على تسامع الأنصار الجدد بالإسلام حتى أصبحوا كهفه الحصين، وموئله القريب.

فروق بين البلدين عاشت مكة في بحبوحة من الحياة أمدا طويلا، امنة مطمئنة، يأتيها رزقها رغدا من كل مكان، وترجع هذه السعة إلى عاملين: ١- مهارة أهلها التجارية. ٢- ومكانة الحرم الدينية. كلا الأمرين أدرّ عليها أخلاف الخير، فأثرت حتى بطرت، وشبعت حتى أتخمت، ثم عراها ما يعرو كل جماعة تواتيها الحظوظ ويصبغها الترف من: تكبّر، وقسوة، وجحود، فلما ظهر فيها الإسلام، ودعا محمد ﷺ إلى الحق، ردت يده في فمه، وأحدقت به وبمن معه، وملكها العناد من أول يوم، وأعلنت أنّ مركزها- عاصمة للوثنية، ومجمعا للأصنام، ومثابة للحجيج- سيزول إن هي استمعت إلى هذا الدين، وأمكنته من البقاء. وحاول الرسول ﵊ جاهدا- أن يقنع أهل مكة بأن قبولهم للحق لن يحرمهم ذرة من الخير الذي متّعوا به، فأبى الظالمون إلا كفورا: وَقالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبى إِلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقاً مِنْ لَدُنَّا وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٥٧) [القصص] . ومن هنا اشتبك سادة مكة في حرب مع الإسلام، اعتبروها دفعا عن كيانهم المادي، ووضعهم الاقتصادي، إلى جانب ما هنالك من عوامل أخرى، وهذه الحروب معروفة النتائج: وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَها فَتِلْكَ مَساكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوارِثِينَ (٥٨) [القصص] . أما الأمر في (يثرب) فكان على النقيض، إنّ الشحناء المتأصّلة بين أهليها استنزفت دماءهم، وقطعت شملهم، وشغلت بعضهم ببعض، حتى أوصلتهم الحروب الدائمة إلى درك أسف له العقلاء، وتمنّوا الإنقاذ منه. كان (الأوس)

و (الخزرج) - وهم في الأصل قرابة واحدة- يعانون في (يثرب) اصار هذا الخصام العنيف، ويورثونه أبناءهم؛ حتى يشبوا- وهم في مهادهم- أعداء! والذي وضع جرثومة هذا الشقاق هم اليهود.

صنع اليهود واليهود الذين استقرّوا في المدينة وأرباضها هبطوا صحراء الجزيرة فارّين بدينهم من الاضطهاد الصليبي الذي عمل- من قديم- على تنصيرهم أو إفنائهم؛ ذلك لأنّ رأي اليهود في عيسى وأمه شنيع. والنصارى يعتقدون أنّ اليهود هم قتلة عيسى، والموعزون بصلبه!!. ولا شك أن اليهود شعب نشيط، وأنهم- حيث حلّوا- يبذلون جهودا مذكورة للسيطرة على زمام التوجيه المالي، ولا يبالون بأساليب الختل والمكر لبلوغ أهدافهم، وقد ألفوا أنفسهم قلّة بين أصحاب البلاد، وخشوا أن يفنوا إذا اشتبكوا معهم في صراع سافر؛ فاحتالوا حتى زرعوا الضغائن بين الأقرباء، وما زالوا بها حتى اتت ثمرها المرّ، فأخذ العرب يأكل بعضهم بعضا في سلسلة متصلة من المعارك التي لا مبرر لها، على حين قوي اليهود وتكاثروا، ونمت ثرواتهم، واستحكمت حصونهم، وخيف سطوهم. وقبل الهجرة ببضع سنين وقعت بين الأوس والخزرج معركة (بعاث) كان النصر فيها للخزرج، ثم عاد للأوس، وبلغ من حدة الخصام بين الفريقين أن كليهما فكر في استئصال الاخر وإبادة خضرائه، لولا أن تدخّل أولو النّهى بالنصح، أن يبقوا على أنفسهم وإخوانهم، فجوارهم أفضل من جوار الثعالب يعني اليهود-!. وهذه الفتن المتلاحقة جعلت أهل المدينة عند ما ترامت إليهم أنباء الإسلام يؤملون من ورائه الخير، من يدري؟! لعلّه يجدّد حياتهم، فيعيد السلام إلى صفوفهم، ويهب لهم حياة روحية ترجح بكفتهم على اليهود ... قال ابن إسحاق: فلما أراد الله إظهار دينه، وإعزاز نبيّه، وإنجاز موعده له خرج رسول الله ﷺ في الموسم الذي لقيه فيه النفر من الأنصار، فعرض نفسه على قبائل العرب، كما كان يصنع في كل موسم، فبينما هو عند العقبة لقي رهطا

موعده له خرج رسول الله ﷺ في الموسم الذي لقيه فيه النفر من الأنصار، فعرض نفسه على قبائل العرب، كما كان يصنع في كل موسم، فبينما هو عند العقبة لقي رهطا

من الخزرج أراد الله بهم خيرا، فحدثني عاصم بن عمر بن قتادة عن أشياخ من قومه قالوا: لما لقيهم رسول الله ﷺ قال لهم: «من أنتم؟» قالوا: نفر من الخزرج، قال: «من موالي يهود؟» قالوا: نعم، قال: «أفلا تجلسون أكلمكم؟» قالوا: بلى! فجلسوا معه فدعاهم إلى الله، وعرض عليهم الإسلام، وتلا عليهم القران ... قال: فأجابوه فيما دعاهم إليه بأن صدّقوه، وقبلوا منه ما عرض عليهم من الإسلام، وقالوا له: إنا قد تركنا قومنا، ولا قوم بينهم من العداوة والشر ما بينهم، وعسى أن يجمعهم الله بك، فسنقدم عليهم فندعوهم إلى أمرك، ونعرض عليهم الذي أجبناك إليه من هذا الدين، فإن يجمعهم الله عليك فلا رجل أعزّ منك!! ثم انصرفوا راجعين إلى بلادهم، قد آمنوا وصدقوا «١» . كان أولئك النفر طليعة الدعاية الموفقة للإسلام في يثرب، وقد أثمرات جهودهم على عجل، فلم تبق دار إلّا دخلها الإسلام. حتى إذا استدار العام، وأقبل موسم الحج، خرج من المدينة اثنا عشر رجلا من الذين أسلموا- فيهم الستة الذين كلّمهم النبي ﷺ في الموسم السابق- وعزموا على الاجتماع برسول الله ﷺ ليوثقوا معه إسلامهم.

رج من المدينة اثنا عشر رجلا من الذين أسلموا- فيهم الستة الذين كلّمهم النبي ﷺ في الموسم السابق- وعزموا على الاجتماع برسول الله ﷺ ليوثقوا معه إسلامهم.

بيعة العقبة الأولى وقد لقيهم النبي ﷺ بالعقبة، وعقد معهم بيعة على الإيمان بالله واحده، والاستمساك بفضائل الأعمال، والبعد عن مناكرها. عن عبادة بن الصامت قال: بايعنا رسول الله ﷺ ليلة العقبة الأولى: «أن لا نشرك بالله شيئا، ولا نسرق، ولا نزني، ولا نقتل أولادنا، ولا نأتي ببهتان نفتريه بين أيدينا وأرجلنا، ولا نعصيه في معروف» . قال: «فإن وفّيتم فلكم الجنة، وإن غشيتم «١» من ذلك شيئا، فأخذتم بحدّه في الدنيا فهو كفارة له، وإن سترتم عليه إلى يوم القيامة، فأمركم إلى الله؛ إن شاء عذّب، وإن شاء غفر» «٢» . هذا ما كان محمد ﷺ يدعو إليه، وكانت الجاهلية تنكره عليه. أيكره هذه العهود إلا مجرم يحبّ للناس الريبة، ويودّ للأرض الفساد؟!. أتمّ وفد الأنصار هذه البيعة، ثم قفل عائدا إلى (يثرب) ، فرأى النبي ﷺ أنّ يبعث معهم أحد الثقات من رجاله، ليتعهّد نماء الإسلام في المدينة، ويقرأ على أهلها القران، ويفقههم في الدين، ووقع اختياره على (مصعب بن عمير) ﵁ «٣» ليكون هذا المعلّم الأمين. ونجح مصعب ﵁ أيّما نجاح في نشر الإسلام، وجمع الناس عليه، واستطاع أن يتخطّى الصعاب التي توجد- دائما- في طريق كل نازح غريب، يحاول أن ينقل الناس من مورثات ألفوها إلى نظام جديد، يشمل الحاضر والمستقبل، ويعم الإيمان والعمل، والخلق والسلوك ...

وجد- دائما- في طريق كل نازح غريب، يحاول أن ينقل الناس من مورثات ألفوها إلى نظام جديد، يشمل الحاضر والمستقبل، ويعم الإيمان والعمل، والخلق والسلوك ...

ولا تحسبنّ مصعبا ﵁ كأولئك المرتزقة من المبشرين، الذي دسّهم الاستعمار الغربي بين يدي زحفه على الشرق، فترى الواحد منهم يقبع تحت سرير مريض ليقول له: هذه القارورة تقدمها لك العذراء! وهذا الرغيف يهديه إليك المسيح!. وربّما فتح مدرسة ظاهرها الثقافة المجرّدة، أو ملجأ ظاهره البرّ الخالص، ثم لوى زمام الناشئة من حيث لا يدرون، ومال بهم حيث يريد..!!. هذا ضرب من التلصّص الروحي يتوارى تحت اسم الدعوة إلى الدين، والذين يمثّلون هذه المساخر يجدون الجرأة على عملهم من الدول التي تبعث بهم، فإذا رأيت إصرارهم ومغامراتهم فلا تنس القوى التي تساند ظهورهم في البر والبحر والجو. أما مصعب ﵁ فكان من ورائه نبيّ مضطهد، ورسالة معتبرة ضد القانون السائد، وما كان يملك من وسائل الإغراء ما يطمع طلاب الدنيا ونهّازي الفرص، كل ما لديه ثروة من الكياسة والفطنة، قبسها من محمد ﷺ، وإخلاص لله، جعله يضحّي بمال أسرته وجاهها في سبيل عقيدته.. ثم هذا القران الذي يتأنّق في تلاوته، ويتخيّر من روائعه ما يغزو به الألباب، فإذا الأفئدة ترقّ له، وتنفتح للدين الجديد. وعاد مصعب ﵁ إلى رسول الله ﷺ بمكة قبيل الموسم الحافل، يخبره بما لقي الإسلام من قبول حسن في يثرب، ويبشّره بأنّ جموعا غفيرة دخلت فيه عن اقتناع مسّ شغافهم، وبصر أنار أفكارهم، وسوف يرى من وفودهم بهذا الموسم ما تقر به العين.

بيعة العقبة الكبرى إنّ الرجال الذين اعتنقوا الإسلام عرفوا- دون شك- تاريخه القريب، والصعاب الهائلة التي لقيها، وحزّ في نفوسهم أن يستضعف إخوانهم في مكة، وأن يخرج نبيّهم وهو يدعو إلى الله فلا يجيبه إلا اثم أو كفور!!. ولذلك تساءلوا- وهم خارجون من المدينة قاصدين البيت العتيق- حتى متى نترك رسول الله ﷺ يطوّف، ويطرد في جبال مكة ويخاف؟!. لقد بلغ الإيمان أوجه في هذه القلوب الفتية، وان لها أن تنفّس عن حماسها، وأن تفكّ هذا الحصار الخانق المضروب حول الدعوة والداعية. قال جابر بن عبد الله: فرحل إليه منا سبعون رجلا حتى قدموا عليه في الموسم، فواعدناه شعب العقبة، فاجتمعنا عندها من رجل ورجلين، حتى توافينا، فقلنا: يا رسول الله، علام نبايعك؟ قال ﷺ: «تبايعوني على السمع والطاعة في النشاط والكسل، والنفقة في العسر واليسر، وعلى الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وأن تقوموا في الله لا تخافون لومة لائم، وعلى أن تنصروني، فتمنعوني إذا قدمت عليكم- مما تمنعون منه أنفسكم وأزواجكم وأبناءكم، ولكم الجنة» . قال: فقمنا إليه، وأخذ بيده (أسعد بن زرارة) ، وهو أصغر السبعين بعدي، فقال: رويدا يا أهل يثرب! فإنّا لم نضرب إليه أكباد الإبل وإلا نحن نعلم أنّه رسول الله، وإنّ إخراجه اليوم مناوأة للعرب كافة، وقتل خياركم، وأن تعضّكم السيوف. فإما أنتم قوم تصبرون على ذلك فخذوه وأجركم على الله، وإما أنتم قوم تخافون من أنفسكم خيفة فذروه، فبيّنوا ذلك، فهو أعذر لكم عند الله!. فقالوا: يا أسعد! أمط عنا يدك، فو الله لا نذر هذه البيعة، ولا نستقيلها، فقمنا إليه رجلا رجلا فبايعناه «١» .

روه، فبيّنوا ذلك، فهو أعذر لكم عند الله!. فقالوا: يا أسعد! أمط عنا يدك، فو الله لا نذر هذه البيعة، ولا نستقيلها، فقمنا إليه رجلا رجلا فبايعناه «١» .

وعن كعب بن مالك: نمنا تلك الليلة- ليلة العقبة- مع قومنا في رحالنا، حتى إذا مضى ثلث الليل، خرجنا من رحالنا لميعاد رسول الله ﷺ، نتسلّل تسلّل القطا مستخفين، حتى اجتمعنا في الشّعب عند العقبة، ونحن ثلاثة وسبعون رجلا، ومعنا امرأتان من نسائنا: نسيبة بنت كعب، وأسماء بنت عمرو بن عدي. فلما اجتمعنا في الشّعب ننتظر رسول الله ﷺ، جاءنا ومعه العباس بن عبد المطلب، وهو يومئذ على دين قومه، إلا أنّه أحبّ أن يحضر أمر ابن أخيه، ويستوثق له، فلمّا جلس كان أول متكلّم، قال: يا معشر الخزرج «١» ! إنّ محمدا منا حيث قد علمتم، وقد منعناه من قومنا ممن هو على مثل رأينا فيه، فهو في عزّة من قومه، ومنعة في بلده، وإنّه قد أبى إلا الانحياز إليكم واللحوق بكم، فإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه، ومانعوه ممن خالفه، فأنتم وما تحملتم من ذلك!! وإن كنتم ترون أنكم مسلموه وخاذلوه بعد الخروج إليكم، فمن الان فدعوه، فإنّه في عزة ومنعة من قومه وبلده ... قال كعب: فقلنا له: قد سمعنا ما قلت، فتكلّم يا رسول الله! فخذ لنفسك وربك ما أحببت، فتكلّم رسول الله ﷺ فتلا القران، ودعا إلى الله، ورغّب في الإسلام، ثم قال: «أبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم» . قال كعب: فأخذ البراء بن معرور بيده، وقال: نعم، فوالذي بعثك بالحق لنمنعنّك مما نمنع أزرنا، فبايعنا يا رسول الله، فنحن- والله- أبناء الحروب، ورثناها كابرا عن كابر، فاعترض هذا القول- والبراء يكلم رسول الله ﷺ أبو الهيثم بن التيهان، فقال: يا رسول الله! إنّ بيننا وبين الرجال- يعني: اليهود- حبالا وإنّا قاطعوها، فهل عسيت إن فعلنا ذلك ثم أظهرك الله أن ترجع إلى قومك، وتدعنا؟ قال: فتبسّم رسول الله ﷺ، ثم قال: «بل الدم الدم، والهدم الهدم، أنا منكم وأنتم مني، أحارب من حاربتم وأسالم من سالمتم» .

الله أن ترجع إلى قومك، وتدعنا؟ قال: فتبسّم رسول الله ﷺ، ثم قال: «بل الدم الدم، والهدم الهدم، أنا منكم وأنتم مني، أحارب من حاربتم وأسالم من سالمتم» .

وأمرهم رسول الله ﷺ أن يخرجوا منهم اثني عشر نقيبا، يكونون على قومهم بما فيهم، فأخرجوا منهم النقباء، تسعة من (الخزرج) ، وثلاثة من (الأوس) «١» ، فقال لهم رسول الله ﵊: «أنتم على قومكم بما فيهم كفلاء ككفالة الحواريين لعيسى ابن مريم وأنا كفيل على قومي» . تلكم بيعة العقبة، وما أبرم فيها من مواثيق، وما دار فيها من محاورات ... إنّ روح اليقين والفداء والاستبسال سادت هذا الجمع، وتمشّت في كلّ كلمة قيلت، وبدا أنّ العواطف الفائرة ليست واحدها التي توجّه الحديث، أو تملي العهود، كلا، فإنّ حساب المستقبل روجع مع حساب اليوم، والمغارم المتوقعة نظر إليها قبل المغانم الموهومة. مغانم؟! أين موضوع المغانم في هذه البيعة؟! لقد قام الأمر كلّه على التجرّد المحض، والبذل الخالص. هؤلاء السبعون مثل لانتشار الإسلام، عن طريق الفكر الحرّ والاقتناع الخالص ... فقد جاؤوا من يثرب مؤمنين أشدّ الإيمان، وملبّين داعي التضحية، مع أنّ معرفتهم بالنبي ﷺ كانت لمحة عابرة؛ غبرت عليها الأيام، وكان الظن بها أن تزول. لكننا لا يجوز أن ننسى مصدر هذه الطاقة المتأجّجة من الشجاعة والثقة؛ إنّه القران!! لئن كان الأنصار قبل بيعتهم الكبرى لم يصحبوا الرسول ﷺ إلا لماما؛ فإن الوحي المشعّ من السماء أضاء لهم الطريق، وأوضح الغاية. لقد نزل بمكة قريب من نصف القران، سال على ألسنة الحفّاظ، وتداولته صحائف السفرة، الكرام البررة، والقران النازل بمكة صوّر جزاء الاخرة رأي

العين، فأنت توشك أن تمدّ يدك تقطف من أثمار الجنة، ويستطيع الأعرابيّ المتعشّق للحق أن ينتقل في لحظة فداء من رمضاء الجزيرة إلى أنهار النعيم والرحيق المختوم!. وحكى القران أخبار الأوّلين، وكيف أخلص المؤمنون لله، فنجوا مع رسلهم، وكيف طغى الكفار، وأسكرهم الإمهال، فتعنّتوا وتجبّروا، ثم حلّ العدل الإلهي، فذهب الظالمون بددا، وتركوا وراءهم دنيا مدبرة، ودورا خربة: فأدبروا ووجوه الأرض تلعنهم ... كباطل من جلال الحقّ منهزم..!! ثم إنّ الرسول ﷺ جعل من هذا الإيمان بالحقّ رباطا، يعقد من تلقاء نفسه صلة الحب والتناصر بين أشتاب المؤمنين في المشرق والمغرب. فالمسلم في المدينة- وإن لم ير أخاه المستضعف في مكة- يحنو عليه، ويتعصّب له، ويغضب من ظالمه، ويقاتل دونه، وذلك ما استقدم الأنصار من يثرب؛ تجيش في حناياهم مشاعر الولاء لمن أحبوهم بالغيب في ذات الله. عن أبي مالك الأشعري: أنّ رسول الله ﷺ قال: «يا أيها الناس! اسمعوا واعقلوا، واعلموا أنّ لله عبادا ليسوا بأنبياء ولا شهداء، يغبطهم النبيّون والشهداء على منازلهم، وقربهم من الله» . فجثا رجل من الأعراب من قاصية النّاس، وألوى بيده إلى النبيّ ﷺ، فقال: يا رسول الله! ناس من الناس، ليسوا بأنبياء ولا شهداء، يغبطهم الأنبياء والشهداء على مجالسهم وقربهم من الله؟! انعتهم لنا، جلّهم لنا- يعني: صفهم لنا- فسرّ وجه النبي ﷺ بسؤال الأعرابي، وقال: «هم ناس من أفناء الناس، ونوازع القبائل، لم تصل بينهم أرحام متقاربة، تحابّوا في الله، وتصافوا، يضع الله لهم يوم القيامة منابر من نور، فيجلسون عليها، فيجعل وجوههم نورا، وثيابهم نورا، يفزع الناس يوم القيامة ولا يفزعون، وهم أولياء الله، لا خوف عليهم ولا هم يحزنون» «١» .

منابر من نور، فيجلسون عليها، فيجعل وجوههم نورا، وثيابهم نورا، يفزع الناس يوم القيامة ولا يفزعون، وهم أولياء الله، لا خوف عليهم ولا هم يحزنون» «١» .

الإيمان بالله، والحبّ فيه، والأخوة على دينه، والتناصر باسمه، ذلك كلّه كان يتدافع في النفوس المجتمعة في ظلام الليل بجوار مكة السادرة في غيّها، يتدافع ليعلن أنّ أنصار الله سوف يحمون رسوله ﷺ كما يحمون أعراضهم، وسوف يمنعونه بأرواحهم، فلا يخلص إليه أذى وهم أحياء. إن مشركي مكة حسبوا أنهم حصروا الإسلام في نطاق لا يعدوه، وأرهقوا المسلمين حتى شغلوهم بأنفسهم، فناموا نومة المجرم الذي اغترف الإثم وأمن القصاص: حسّنت ظنّك بالأيّام إذ حسنت ... ولم تخف سوء ما يأتي به القدر وسالمتك الليالي فاغتررت بها ... وعند صفو الليالي يحدث الكدر أجل، ففي هذه الليلة تحالف جند الحق أن يقصموا ظهر الوثنية، وأن ينتهوا بالجاهلية ورجالها إلى الفناء. واستمع شيطان من المشركين كان يجول في مضارب الخيام ومنازل الحجيج إلى الضجة المنبعثة قريبا من العقبة، واستطاع أن يقف على جلية الخبر، فصرخ ينذر أهل مكة: «إنّ محمدا والصّباة معه قد اجتمعوا على حربكم..» !!. وكان صوته جهيرا يوقظ النيام. وشعر المبايعون كأنّ ائتمارهم بالمشركين قد انكشف، فلم يكترثوا للنتائج. وقال العباس بن عبادة بن نضلة: يا رسول الله! والذي بعثك بالحق، إن شئت لنميلنّ على أهل (منى) غدا بأسيافنا، فقال رسول الله ﷺ: «لم نؤمر بذلك، ولكن ارجعوا إلى رحالكم» . قال كعب: فلما أصبحنا غدت علينا جلّة قريش، حتى جاؤونا في منازلنا، فقالوا: يا معشر الخزرج! إنّه قد بلغنا أنكم جئتم إلى صاحبنا هذا تستخرجونه من بين أظهرنا، وتبايعونه على حربنا، وإنه- والله- ما من حيّ من العرب أبغض أن تنشب الحرب بيننا وبينهم منكم، قال: فانبعث من هناك من مشركي قومنا يحلفون: ما كان من هذا شيء وما علمناه، وصدقوا لم يعلموا، قال كعب: وبعضنا ينظر إلى بعض «١» .

حرب بيننا وبينهم منكم، قال: فانبعث من هناك من مشركي قومنا يحلفون: ما كان من هذا شيء وما علمناه، وصدقوا لم يعلموا، قال كعب: وبعضنا ينظر إلى بعض «١» .

بيد أنّ القرائن تجمّعت على أنّ ما قيل حقّ، فخرجت قريش تطلب الأنصار ففاتوهم، ولم يدركوا غير سعد بن عبادة. فعادوا به مغلولة يداه إلى عنقه، وأخذوا يجذبونه من شعره، ويلكزونه، فأنقذه منهم جبير بن مطعم، والحارث بن حرب، إذ كان (سعد) يجير لهما قوافلهما المارة بالمدينة.

طلائع الهجرة إنّ نجاح الإسلام في تأسيس وطن له وسط صحراء تموج بالكفر والجهالة، هو أخطر كسب حصل عليه منذ بدأت الدعوة له، وقد تنادى المسلمون من كل مكان: هلمّوا إلى يثرب.. فلم تكن الهجرة تخلّصا فقط من الفتنة والاستهزاء، بل كانت تعاونا عاما على إقامة مجتمع جديد في بلد امن. وأصبح فرضا على كلّ مسلم قادر أن يسهم في بناء هذا الوطن الجديد، وأنّ يبذل جهده في تحصينه، ورفع شأنه، وأصبح ترك المدينة- بعد الهجرة إليها- نكوصا عن تكاليف الحق، وعن نصر الله ورسوله ﷺ، فالحياة بها دين، لأنّ قيام الدين يعتمد على إعزازها. وفي عصرنا هذا أعجب اليهود بأنفسهم، وعانق بعضهم بعضا مهنّئا؛ لأنهم استطاعوا تأسيس وطن قوميّ لهم، بعد أن عاشوا- مشرّدين- قرونا طوالا. ونحن لا ننكر جهد اليهود في إقامة هذا الوطن، ولا حماس المهاجرين من كلّ فجّ للعيش به، ومحاولة إحيائه وإعلائه. ولكن ما أبعد البون بين ما صنع اليهود اليوم- أو بتعبير أدق: ما صنع لليهود اليوم- وبين ما صنع الإسلام وبنوه لأنفسهم، يوم هاجروا إلى يثرب نجاة بدعوتهم، وإقامة لدولتهم.

بون بين ما صنع اليهود اليوم- أو بتعبير أدق: ما صنع لليهود اليوم- وبين ما صنع الإسلام وبنوه لأنفسهم، يوم هاجروا إلى يثرب نجاة بدعوتهم، وإقامة لدولتهم. إنّ اليهود جاؤوا على حين فرقة من العرب، وغفلة وضعف، وحاكوا مؤامراتهم في ميدان السياسة الغربية الناقمة على الإسلام وأهله، فإذا بالعالم كلّه يهجم على فلسطين بالمال والسلاح، والنساء والدهاء، فلم يستطع مليون عربي حصرتهم الخيانات في مازق ضيقة أن يصنعوا شيئا، فهاموا على وجوههم في الأرض، نتيجة اتفاق أمريكة، وروسية، وإنكلترة، وفرنسة و.. ملوك العرب؛ على خذلان أولئك العرب التعساء، وبذلك قام الوطن القومي لليهود، وبثّت الدعاية لتشجيع الهجرة إليه، وإسداء العون له من دهاقين السياسة والمال في أنحاء الدنيا!!.

أين هذا الحضيض من رجال أخلصوا لله طواياهم، وترفّعت عن المارب هممهم، وذهلوا عن المتاع المبذول، والأمان المتاح، واستهوتهم المثل العليا واحدها في عالم يعجّ بالصّمّ البكم، وربطوا مستقبلهم بمستقبل الرسالة المبرّأة التي اعتنقوها، وتبعوا صاحبها المتجرّد المكافح، وهو لا يني يقول: قُلْ هذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحانَ اللَّهِ وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٨) [يوسف] . إنّ المدينة الفاضلة التي تعشّقها الفلاسفة، وتخيلوا فيها الكمال، وجاءت في سطور الكتب دون ما صنع المهاجرون الأولون، وأثبتوا به أنّ الإيمان الناضج يحيل البشر إلى خلائق تباهي الملائكة سناء ونضارة. إنّ المسلمين- بإذن رسول الله ﷺ هرعوا من مكة وغيرها إلى (يثرب) يحدوهم اليقين، وترفع رؤوسهم الثقة. ليست الهجرة انتقال موظّف من بلد قريب إلى بلد ناء، ولا ارتحال طالب قوت من أرض مجدبة إلى أرض مخصبة.. إنها إكراه رجل امن في سربه، ممتدّ الجذور في مكانه، على إهدار مصالحه، وتضحية أمواله، والنجاة بشخصه فحسب، وإشعاره- وهو يصفّي مركزه- بأنه مستباح منهوب، قد يهلك في أوائل الطريق أو نهايتها، وبأنّه يسير نحو مستقبل مبهم، ولا يدري ما يتمخّض عنه من قلاقل وأحزان، ولو كان الأمر مغامرة فرد بنفسه لقيل: مغامر طيّاش، فكيف وهو ينطلق في طول البلاد وعرضها، يحمل أهله وولده؟! وكيف وهو بذلك رضيّ الضمير، وضّاء الوجه؟!. إنّه الإيمان، الذي يزن الجبال ولا يطيش! وإيمان بمن؟! بالله الذي له ما في السموات وما في الأرض، وله الحمد في الأولى والاخرة، وهو الحكيم الخبير. هذه الصّعاب لا يطيقها إلا مؤمن، أما الهيّاب الخوّار القلق، فما يستطيع شيئا من ذلك، إنّه من أولئك الذين قال الله فيهم: وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيارِكُمْ ما فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ [النساء: ٦٦] . أما الرجال الذين التقوا بمحمد ﷺ في مكة، وقبسوا منه أنوار الهدى، وتواصوا بالحقّ والصبر، فإنهم نفروا خفافا ساعة قيل لهم: هاجروا إلى حيث تعزّون الإسلام، وتؤمّنون مستقبله.

تقوا بمحمد ﷺ في مكة، وقبسوا منه أنوار الهدى، وتواصوا بالحقّ والصبر، فإنهم نفروا خفافا ساعة قيل لهم: هاجروا إلى حيث تعزّون الإسلام، وتؤمّنون مستقبله.

ونظر المشركون، فإذا ديار ب (مكة) كانت عامرة بأهلها قد أقفرت، ومحالّ مؤنسة قد أمحلت. مر عتبة، والعبّاس، وأبو جهل على دار بني جحش بعد ما غلّقت، فقد هاجر ربّ الدار، وزوجه، وأخوه أبو أحمد- وكان رجلا ضرير البصر-، ونظر عتبة إلى الدار تخفق أبوابها يبابا، ليس بها ساكن! فلما راها تصفر الريح في جنباتها قال: وكلّ دار وإن طالت سلامتها ... يوما، ستدركها النّكباء والحوب ثم قال: أصبحت الدار خلاء من أهلها، فقال أبو جهل للعباس: هذا من عمل ابن أخيك، فرّق جماعتنا، وشتّت أمرنا، وقطع بيننا.. وأبو جهل بهذا الكلام تبرز فيه طبائع الطغاة كاملة؛ فهم يجرمون ويرمون الوزر على أكتاف غيرهم، ويقهرون المستضعفين، فإذا أبوا الاستكانة، فإباؤههم علّة المشكلات ومصدر القلاقل..!!. وكان من أول المهاجرين: أبو سلمة، وزوجه، وابنه، فلما أجمع على الخروج قال له أصهاره: هذه نفسك غلبتنا عليها، أرأيت صاحبتنا هذه؟ علام نتركك تسير بها في البلاد؟! وأخذوا منه زوجته. فغضب ال أبي سلمة لرجلهم، وقالوا: لا نترك ابننا معها إذ نزعتموها من صاحبنا، وتجاذبوا الغلام بينهم، فخلعوا يده، وذهبوا به، وانطلق أبو سلمة واحده إلى المدينة، فكانت أم سلمة بعد ذهاب زوجها، وضياع ابنها- تخرج كلّ غداة بالأبطح، تبكي حتى تمسي، نحو سنة، فرقّ لها أحد ذويها وقال: ألا تخرجون هذه المسكينة؟! فرّقتم بينها وبين زوجها وولدها، فقالوا لها: الحقي بزوجك إن شئت، فاسترجعت ابنها من عصبته، وهاجرت إلى المدينة.. ولما أراد (صهيب) الهجرة، قال له كفار قريش: أتيتنا صعلوكا حقيرا، فكثر مالك عندنا، وبلغت الذي بلغت، ثم تريد أن تخرج بمالك ونفسك، والله لا يكون ذلك، فقال لهم صهيب: أرأيتم إن جعلت لكم مالي، أتخلّون سبيلي؟ قالوا: نعم، قال: فإنّي قد جعلت لكم مالي، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال: ربح صهيب «١» !.

يكون ذلك، فقال لهم صهيب: أرأيتم إن جعلت لكم مالي، أتخلّون سبيلي؟ قالوا: نعم، قال: فإنّي قد جعلت لكم مالي، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال: ربح صهيب «١» !.

وهكذا أخذ المهاجرون يتركون مكة زرافات وواحدانا، حتى كادت مكة تخلو من المسلمين، وشعرت قريش بأنّ الإسلام أضحت له دار يأرز إليها، وحصن يحتمي به، وتوجّست خيفة من عواقب هذه المرحلة الخطيرة في دعوة محمد ﷺ، وهاجت في دمائها غرائز السّبع المفترس، حين يخاف على حياته. إن محمدا ﷺ لا يزال في مكة، وهو- لا بدّ- مدرك أصحابه اليوم أو غدا، فلتعجل به قبل أن يستدير إليها ...

في دار الندوة واجتمع طواغيت مكة في دار الندوة؛ ليتخذوا قرارا حاسما في هذا الأمر. فرأى بعضهم أن توضع القيود في يد محمد ﷺ، ويشد وثاقه، ويرمى به في السجن، لا يصله منه إلا الطعام، ويترك على ذلك حتى يموت.. ورأى اخر أن ينفى من مكة، فلا يدخلها، وتنفض قريش يديها من أمره. وقد استبعد هذان الاقتراحان لعدم جدواهما، واستقرّ الرأي على الاقتراح الذي أبداه أبو جهل؛ قال أبو جهل: أرى أن تأخذوا من كل بطن من قريش شابا نسيبا وسطا فتيا، ثم نعطي كلّ فتى سيفا صارما، ثم يضربونه- جميعا- ضربة رجل واحد، فإذا قتلوه تفرّق دمه في القبائل كلّها، ولا أظنّ بني هاشم يقوون على حرب قريش كافة، فإذ لم يبق أمامهم إلا الدية أديناها. ورضي المؤتمرون بهذا الحلّ للمشكلة التي حيّرتهم، وانصرفوا ليقوموا على إنفاذه، وقد أشار القران إلى تدبير هذه الجريمة بقوله: وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ (٣٠) [الأنفال] . إنّ هذا الحكم لم يتخذ في مجلس سر، بل في اجتماع عام. ومن الطبيعي أن يعلم به رسول الله ﷺ وأن يعرف حقيقة وضعه في مكة، إنهم لا ينتظرون به إلا موعد التنفيذ، ثم يقدّمه الطغام قربانا للأصنام!!. على أنّ رسول الله ﷺ لم يكن ليوعز إلى أصحابه بالهجرة ويتخلّف عنهم. لقد رسم الخطة التي يذهب بها إلى (يثرب) حين ندب المسلمين للهجرة إليها. روى الزهريّ عن عروة، عن عائشة، قالت: قال رسول الله ﷺ وهو يومئذ بمكة- للمسلمين: «قد أريت دار هجرتكم؛ أريت سبخة ذات نخل بين لابتين» «١» ،

فهاجر من هاجر قبل المدينة حين ذكر ذلك رسول الله ﷺ، ورجع «١» إلى المدينة من كان هاجر إلى أرض الحبشة من المسلمين.

أريت سبخة ذات نخل بين لابتين» «١» ،

فهاجر من هاجر قبل المدينة حين ذكر ذلك رسول الله ﷺ، ورجع «١» إلى المدينة من كان هاجر إلى أرض الحبشة من المسلمين.

هجرة الرسول ﷺ حين عزم رسول الله ﷺ على ترك مكة إلى المدينة؛ ألقى الوحي الكريم في قلبه وعلى لسانه هذا الدعاء الجميل: وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطاناً نَصِيراً (٨٠) [الإسراء] «١» . ولا نعرف بشرا أحقّ بنصر الله، وأجدر بتأييده، مثل هذا الرسول ﷺ؛ الذي لاقى في جنب الله ما لاقى، ومع ذلك فإنّ استحقاق التأييد الأعلى لا يعني التفريط قيد أنملة في استجماع أسبابه، وتوفير وسائله. ومن ثمّ فإنّ رسول الله ﷺ أحكم خطّة هجرته، وأعدّ لكلّ فرض عدته، ولم يدع في حسبانه مكانا للحظوظ العمياء. وشأن المؤمن مع الأسباب المعتادة؛ أن يقوم بها كأنّها كلّ شيء في النجاح، ثم يتوكّل- بعد ذلك- على الله؛ لأنّ كلّ شيء لا قيام له إلا بالله. فإذا استفرغ المرء جهوده في أداء واجبه، فأخفق بعد ذلك، فإنّ الله لا يلومه على هزيمة بلي بها، وقلّما يحدث ذلك، إلا عن قدر قاهر يعذر المرء فيه!!. وكثيرا ما يرتّب الإنسان مقدّمات النصر ترتيبا حسنا، ثم يجيء عون أعلى يجعل هذا النصر مضاعف الثمار. كالسفينة التي يشقّ عباب الماء بهاربّان ماهر، فإذا التيار يساعدها، والريح تهبّ إلى وجهتها، فلا تمكث غير بعيد، حتى تنتهي إلى غايتها في أقصر من وقتها المقرر.

نة التي يشقّ عباب الماء بهاربّان ماهر، فإذا التيار يساعدها، والريح تهبّ إلى وجهتها، فلا تمكث غير بعيد، حتى تنتهي إلى غايتها في أقصر من وقتها المقرر.

وهجرة رسول الله ﷺ من مكة إلى المدينة جرت على هذا الغرار، فقد استبقى رسول الله ﷺ معه عليّا وأبا بكر، وأذن لسائر المؤمنين بتقدّمه إلى المدينة. فأما أبو بكر ﵁ فإن الرسول ﷺ قال له حين استأذنه ليهاجر: «لا تعجل، لعلّ الله أن يجعل لك صاحبا» «١» . وأحسّ أبو بكر ﵁ كأنّ الرسول ﷺ يعني نفسه بهذا الرد!. فابتاع راحلتين فحبسهما في داره، يعلفهما إعدادا لذلك. وأما عليّ ﵁ فإنّ الرسول ﷺ هيأه لدور خاص، يؤديه في هذه المغامرة المحفوفة بالأخطار!. قال ابن إسحاق: فحدّثني من لا أتّهم عن عروة بن الزبير، عن عائشة، أنها قالت: كان لا يخطئ رسول الله ﷺ أن يأتي بيت أبي بكر أحد طرفي النهار: إما بكرة، وإما عشيا، حتى إذا كان اليوم الذي أذن الله فيه لرسوله في الهجرة والخروج من مكة من بين ظهري قومه، أتانا رسول الله ﷺ بالهاجرة، في ساعة كان لا يأتي فيها، قالت: فلمّا راه أبو بكر، قال: ما جاء رسول الله ﷺ في هذه الساعة إلا لأمر حدث، فلمّا دخل، تأخّر له أبو بكر عن سريره، فجلس رسول الله ﷺ، وليس عند رسول الله أحد إلا أنا وأختي أسماء، فقال رسول الله ﷺ: «أخرج عني من عندك» ، قال: يا رسول الله! إنما هما ابنتاي، وما ذاك- فداك أبي وأمي-؟. قال: «إنّ الله أذن لي بالخروج والهجرة» ، فقال أبو بكر: الصحبة يا رسول الله؟ قال: «الصحبة» . قالت عائشة: فو الله ما شعرت قطّ قبل ذلك اليوم أنّ أحدا يبكي من الفرح حتى رأيت أبا بكر يومئذ يبكي!!.

ثم قال: يا نبيّ الله إنّ هاتين الراحلتين كنت أعددتهما لهذا، فاستأجرا عبد الله بن أريقط- وهو مشرك! - يدلّهما على الطريق، ودفعا إليه راحلتيهما، فكانتا عنده يرعاهما لميعادهما «١» .. قال ابن إسحاق: ولم يعلم- فيما يلغني- بخروج رسول الله ﷺ أحد حين خرج- يقصد: نوى الخروج- إلا علي وأبو بكر واله ﵄. أما علي ﵁ فإنّ رسول الله ﷺ أمره أن يتخلّف حتى يؤدّي عنه الودائع التي كانت عنده للناس، وكان رسول الله ﷺ ليس بمكة أحد عنده شيء يخشى عليه إلا وضعه عنده، لما يعلم من صدقه وأمانته.

درس في سياسة الأمور: ويلاحظ أنّ النبي ﵊ كتم أسرار مسيره، فلم يطلع عليها إلا من لهم صلة ماسّة، ولم يتوسّع في إطلاعهم إلا بقدر العمل المنوط بهم. وقد استأجر دليلا خبيرا بطريق الصحراء؛ ليستعين بخبرته على مغالبة المطاردين، ونظر في هذا الاختيار إلى الكفاية واحدها، فإذا اكتملت في أحد ولو مشركا- استخدمه وانتفع بموهبته. ومع هذه المرونة في وضع الخطة، فإنّ النبيّ ﵊ أصرّ أن يدفع ثمن راحلته، وأبى أن يتطوّع أبو بكر به، لأن البذل في هذه الهجرة ضرب من العبادة ينبغي الحرص عليه، وتستبعد النيابة فيه. واتّفق الرسول ﵊ مع أبي بكر على تفاصيل الخروج، وتخيّروا الغار الذي يأوون إليه، تخيّروه جنوبا في اتجاه اليمن، لتضليل المطاردين، وحدّدوا الأشخاص الذين يتّصلون بهم في أثناء اللّجأ إليه، ومهمة كل شخص.

ثم عاد الرسول ﵊ إلى بيته، فوجد قريشا بدأت تضرب الحصار حوله، وبعثت بالفتيان الذين وكل إليهم اغتيال محمد ﵊، وتفريق دمه بين القبائل!!. وأوعز الرسول ﵊ إلى علي بن أبي طالب ﵁ في هذه الليلة الرهيبة أن يرتدي برده الذي ينام فيه، وأن يتسجّى به على سريره، وفي هجعة من الليل، وغفلة من الحرس، نسل الرسول ﵊ من بيته إلى دار أبي بكر، ثم خرج الرجلان من خوخة في ظهرها إلى غار ثور ... إلى الغار الذي استودعته العناية مصير الرسالة الخاتمة، ومستقبل حضارة كاملة، وتركته في حراسة الصمت والوحشة والانقطاع..

ن خوخة في ظهرها إلى غار ثور ... إلى الغار الذي استودعته العناية مصير الرسالة الخاتمة، ومستقبل حضارة كاملة، وتركته في حراسة الصمت والوحشة والانقطاع..

في الغار: وسارت الأمور على ما قدّرا، وكان أبو بكر قد أمر ابنه عبد الله أن يتسمّع لهما ما يقول الناس فيهما، ثم يأتيهما إذا أمسى بما يكون في ذلك من أخبار، وأمر عامر بن فهيرة مولاه أن يرعى غنمه نهاره، ثم يريحها عليهما إذا أمسى في الغار، فكان عبد الله بن أبي بكر في قريش يسمع ما يأتمرون به، وما يقولون في شأن رسول الله ﷺ وأبي بكر، ثم يأتيهما إذا أمسى فيقصّ عليهما ما علم، وكان عامر في رعيان أهل مكة، فإذا أمسى أراح عليهما غنم أبي بكر، فاحتلبا، وذبحا، فإذا غدا عبد الله من عندهما إلى مكة، أتبع عامر بن فهيرة أثره بالغنم يعفّي عليه.. وتلك هي الحيطة البالغة كما تفرضها الضرورات المعتادة على أي إنسان.. وانطلق مشركو مكة في اثار المهاجرين يرصدون الطرق، ويفتّشون كلّ مهرب، وراحوا ينقّبون في جبال مكة، وكهوفها، حتى وصلوا- في دأبهم- قريبا من غار ثور، وأنصت الرسول ﷺ وصاحبه إلى أقدام المطاردين، تخفق إلى جوارهم، فأخذ الروع أبا بكر، وهمس يحدّث رسول الله ﷺ: لو نظر أحدهم تحت قدمه لرانا، فقال الرسول ﵊: «يا أبا بكر! ما ظنّك باثنين الله ثالثهما» «١» .

إلى جوارهم، فأخذ الروع أبا بكر، وهمس يحدّث رسول الله ﷺ: لو نظر أحدهم تحت قدمه لرانا، فقال الرسول ﵊: «يا أبا بكر! ما ظنّك باثنين الله ثالثهما» «١» .

ويظهر أنّ المطاردين داخلهم القنوط من العثور عليهما في هذا الفج، فتراكضوا عائدين، وروى أحمد «١» : «أنّ المشركين اقتفوا الأثر، حتى إذا بلغوا الجبل- جبل ثور- اختلط عليهم، فصعدوا الجبل، مرّوا بالغار، فرأوا على بابه نسج العنكبوت، فقالوا: لو دخل ها هنا أحد لم يكن نسج العنكبوت على بابه، فمكث فيه ثلاث ليال» . ورواية أحمد حسنة، وإن لم ترد بها السنن الصحاح، ولم يرد كذلك ذكر لحمائم باضت على فم الغار أو غير ذلك. قال تعالى في ذكر الهجرة: إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٤٠) [التوبة] . والجنود التي يخذل بها الباطل، وينصر بها الحق، ليست مقصورة على نوع معين من السلاح، ولا صورة خاصة من الخوارق، إنّها أعم من أن تكون مادية أو معنوية، وإذا كانت مادية فإنّ خطرها لا يتمثّل في ضخامتها، فقد تفتك جرثومة لا تراها العين بجيش ذي لجب: وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ [المدثر: ٣١] . ومن صنع الله لنبيّه أن تعمى عنه عيون عداته، وهو منهم على مد الطرف، ولم يكن ذلك محاباة من القدر لقوم فرّطوا في استكمال أسباب النجاة، بل هو مكافأة من القدر لقوم لم يدعوا وسيلة من وسائل الحذر إلا اتخذوها، وكم من خطة يضعها أصحابها، فيبلغون بها نهاية الإتقان تمرّ بها فترات عصيبة لأمور فوق

الإرادة، أو وراء الحسبان ثم تستقر أخيرا وفق مقتضيات الحكمة العليا وفي حدود قوله تعالى: وَاللَّهُ غالِبٌ عَلى أَمْرِهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ [يوسف: ٢١] .

في الطريق إلى المدينة: مرّت ثلاث ليال على مبيت الرسول ﵊ في الغار، وخمد حماس المشركين في الطّلب، وتأهّب المهاجران لاستئناف رحلتهما الصعبة. وجاء عبد الله بن أريقط في موعده، ومعه رواحله، قد أعلفها لاستقبال سفر بعيد، وتزوّد الركب، ثم سار على اسم الله. غير أنّ قريشا ساءها أن تخفق في استرجاع محمد ﵊ وصاحبه، فجعلت دية كلّ واحد منهما جائزة لمن يجيء بهما أحياء أو أمواتا؛ ومئتان أو مئة من الإبل في الصحراء ثروة تغري بركوب المخاطر وتحمّل المشاق. وقد قدّر رسول الله ﷺ أنّ المشركين لن يألوا جهدا في الإساءة إليه، فالتزم في سيره جانب المحاذرة، وأعانتهم مهارة الدليل على سلوك دروب لم تعتدها القوافل، ثم أطلق الزمام للرّواحل فمضت تصل النهار بالليل: رمى بصدور العيس منخرق الصّبا ... فلم يدر خلق بعدها أين يمّما؟ فلما مرّوا بحيّ بني مدلج مصعدين، بصر بهم رجل من الحيّ، فقال: لقد رأيت انفا أسودة بالساحل، ما أظنّها إلا محمدا وأصحابه، ففطن إلى الأمر سراقة بن مالك، ورغب أن تكون الجائزة له خاصة، فقال: بل هم فلان وفلان قد خرجوا لحاجة لهم.. ومكث قليلا، ثم قام، فدخل خباءه، وقال لخادمه: اخرج بالفرس من وراء الخباء، وموعدك خلف الأكمة. قال سراقة: فأخذت رمحي وخرجت من ظهر البيت، وأنا أخطّ بزجّه الأرض، حتى أتيت فرسي، فركبتها، فدفعتها ففرّت بي، حتى دنوت منهم، فعثرت بي فرسي، فخررت عنها! فقمت.. وامتطى سراقة فرسه مرة أخرى، وزجرها، فانطلقت حتى قرب من الرسول ﵊ وصاحبه، وكان أبو بكر يكثر الالتفات يتبيّن هذا العدوّ الجسور، فلما دنا عرفه، فقال لرسول الله ﷺ وكان ماضيا إلى غايته-: هذا

فانطلقت حتى قرب من الرسول ﵊ وصاحبه، وكان أبو بكر يكثر الالتفات يتبيّن هذا العدوّ الجسور، فلما دنا عرفه، فقال لرسول الله ﷺ وكان ماضيا إلى غايته-: هذا

سراقة بن مالك قد رهقنا! وما أتمّ كلامه حتى هوت الفرس مرة أخرى ملقية سراقة من على ظهرها، فقام معفّرا ينادي بالأمان!!. وقع في نفس سراقة أنّ الرسول ﵊ حقّ فاعتذر إليه، وسأله أن يدعو الله له، وعرض عليهما الزاد والمتاع، فقالا: لا حاجة لنا، ولكن عمّ عنا الطلب «١» ، فقال: قد كفيتم، ثم رجع، فوجد الناس جادّين في البحث عن محمد ﵊ وصاحبه، فجعل لا يلقى أحدا من الطّلب إلا ردّه وهو يقول: كفيتم هذا الوجه!. أصبح أول النهار جاهدا عليهما، وأمسى اخره حارسا لهما ... !!.

دعاء: إنّ أسفار الصحراء توهي العمالقة الامنين؛ فكيف بركب مهدر الدم، مستباح الحق؟!. ما يحسّ هذه المتاعب إلا من صلي نارها، لقد برزنا لوهج الظهيرة يوما، فكادت الأشعة البيضاء المنعكسة على الرمال تخطف أبصارنا، فعدنا مغمضين، نستبقي من عيوننا ما خفنا ضياعه. وعند ما تصبح وتمسي وسط وهاد ونجاد لا تنتهي حتى تبدأ، تخال العالم كلّه مهامه مغبّرة الأرجاء، داكنة الأرض والسماء. وجرت عادة المسافرين أن يأووا في القيلولة إلى أي ظلّ في بطاح ينتعل كل شيء فيها ظله، حتى إذا جنحت الشمس للمغيب، تحرّكت المطايا اللاغبة، تغالب الجفاف والكرى. وللعرب طاقة على احتما لهذا الشظف مع قلّة الزاد والري. وقد مر بك أن الرسول ﷺ وهو طفل- قطع هذه الطريق، ذهب مع أمه لزيارة قبر أبيه، ثم عاد واحده!. وإنه الان ليقطعها، وقد بلغ الثالثة والخمسين، لا لزيارة أبويه اللذين ماتا

لرسول ﷺ وهو طفل- قطع هذه الطريق، ذهب مع أمه لزيارة قبر أبيه، ثم عاد واحده!. وإنه الان ليقطعها، وقد بلغ الثالثة والخمسين، لا لزيارة أبويه اللذين ماتا

بالمدينة؛ بل لرعاية رسالته، التي تشبثت بأرض يثرب جذورها، بعد ما تبرّمت مكة بها وبصاحبها وبمن حوله ... إنّه أرسخ أهل الأرض يقينا بأنّ الله ناصره ومظهر دينه، بيد أنّه أسيف للفظاظة التي قوبل بها، وللجحد الذي لاحقه من بدء رسالته حتى اضطرّه إلى الهجرة على هذا النحو العنيف، ها هو ذا يخرج من مكة، وقد أعلن سادتها عن الجوائز المغرية لمن يغتاله ... روى أبو نعيم «١» : أنّ رسول الله ﷺ لما خرج من مكة مهاجرا إلى الله، قال: «الحمد لله الذي خلقني ولم أك شيئا، اللهم أعنّي على هول الدّنيا، وبوائق الدّهر، ومصائب الليالي والأيام، اللهم اصحبني في سفري، واخلفني في أهلي، وبارك لي فيما رزقتني، ولك فذلّلني، وعلى صالح خلقي فقوّمني، وإليك ربّ فحببني، وإلى النّاس فلا تكلني، رب المستضعفين وأنت ربي، أعوذ بوجهك الكريم الذي أشرقت له السموات والأرض، وكشفت به الظلمات، وصلح عليه أمر الأولين والاخرين أن تحلّ علي غضبك، وتنزل بي سخطك، وأعوذ بك من زوال نعمتك، وفجأة نقمتك، وتحوّل عافيتك، وجميع سخطك، لك العتبى عندي خير ما استطعت، ولا حول ولا قوّة إلا بك» .

[خبر الهجرة ينتشر في جوانب الصحراء] : ومما يلفت النظر أنّ انطلاق الرسول ﷺ من مكة شاع في جوانب الصحراء، وكأنّ أسلاك البرق طيّرته إلى أقصى البقاع، فعلم به البدو والحضر على طول الطريق حتى يثرب، بل إنّ المحال التي عرّج بها وصل نبؤها إلى أهل مكة، بعد أن انصرف عنها. والنّاس يعجبون بقصص البطولة، وتستثيرهم ألوان التحدي، وهم يتناقلون الأخبار السيالة على الألسن، فيضفون عليها ثياب الأساطير، وقد سرّت قلوب كثيرة بغلب محمد ﵊ على من تبعوه، وترجمت عواطفها هذه شعرا يتغنى به، ولا يعرف قائله!! ..

من ذلك ما روي عن أسماء «١» بنت أبي بكر، قالت: مكثنا ثلاث ليال ما ندري أين وجه رسول الله ﷺ، حتى أقبل رجل من أسفل مكة يتغنّى بأبيات من الشّعر: جزى الله ربّ النّاس خير جزائه ... رفيقين حلّا خيمتي أمّ معبد هما نزلا بالبرّ ثمّ تروّحا..! ... فأفلح من أمسى رفيق محمّد ليهن بني كعب مكان فتاتهم ... ومقعدها للمؤمنين بمرصد قالت أسماء: فلمّا سمعنا قوله عرفنا حيث توجّه رسول الله ﷺ، وأنّ وجهه إلى المدينة!. من القائل؟ تذكر الرواية أنّه من الجن! وتلك عادة العرب في نسبة شعرها، فلكلّ شاعر عندهم شيطان..! «٢» . والرّاجح أنّ الأبيات المذكورة من إنشاد مؤمن يكتم إيمانه بمكة، ويتسمّع أخبار المهاجرين، فيبدي فرحته بما يلقون من توفيق، ويجد متنفسا لمشاعره المتوارية في هذا الغناء المرسل. والأبيات تشير إلى واقعة عرضت للرسول ﵊ في أثناء رحلته، فقد مرّ على منازل خزاعة، ودخل خيمة أمّ معبد، فاستراح بها قليلا، وشرب من لبن شاتها.

الوصول إلى المدينة وكذلك ترامت أخبار المهاجر العظيم وصاحبه إلى المدينة، فكان أهلها يخرجون كلّ صباح يمدّون أبصارهم إلى الأفق البعيد، ويتشوّفون إلى مقدمه بلهفة؛ فإذا اشتدّ عليهم الحرّ عادوا إلى بيوتهم، يتواعدون الغد، وملء جوانحهم الترقّب، والقلق، والرجاء. وفي اليوم الثاني عشر من ربيع الأول لثلاث عشرة سنة من البعثة، برز الأنصار على عادتهم منذ سمعوا بمخرج الرسول ﵊ إليهم، ووقفوا بظاهر المدينة ينتظرون طلعته، ويودّون رؤيته، فلما حميت الظهيرة، وكادوا ييئسون من مجيئه، وينقلبون إلى بيوتهم؛ صعد رجل من اليهود على أطم من اطامهم لبعض شأنه، فرأى الرسول ﵊ وصحبه يتقاذفهم السراب، وتدنو بهم الرواحل رويدا رويدا إلى المدينة، إلى وطن الإسلام الجديد، فصرخ اليهودي بأعلى صوته: يا بني قيلة، هذا صاحبكم قد جاء، هذا جدّكم الذي تنتظرون ... فأسرع الأنصار إلى السلاح، يستقبلون به رسولهم ﷺ، وسمع التكبير يرجّ أنحاء المدينة، ولبست (يثرب) حلّة العيد ومباهجه.

قد جاء، هذا جدّكم الذي تنتظرون ... فأسرع الأنصار إلى السلاح، يستقبلون به رسولهم ﷺ، وسمع التكبير يرجّ أنحاء المدينة، ولبست (يثرب) حلّة العيد ومباهجه. قال البراء: أول من قدم علينا من أصحاب رسول الله ﷺ مصعب بن عمير، وابن أمّ مكتوم، فجعلا يقرئان الناس القران، ثم جاء عمار، وبلال، وسعد، ثمّ جاء عمر بن الخطاب في عشرين راكبا، ثم جاء رسول الله ﷺ، فما رأيت الناس فرحوا بشيء كفرحهم به، حتى رأيت النساء والصبيان والإماء يقولون: هذا رسول الله قد جاء «١» . يا عجبا لنقائض الحياة واختلاف الناس! إنّ الذي شهرت مكة سلاحها

لتقتله، ولم ترجع عنه إلا مقهورة؛ استقبلته المدينة وهي جذلانة طروب، وتنافس رجالها يعرضون عليه المنعة والعدة والعدد ... ومن الطريف أنّ كثيرا من أهل المدينة لم يكن رأى رسول الله ﷺ، فلمّا قدم الركب لم يعرفوه من أبي بكر لأول وهلة، حتى إنّ العواتق كنّ يتراءينه فوق البيوت يقلن: أيهم هو؟. ونزل النبيّ ﷺ في بني عمرو بن عوف، فأقام فيهم أربع عشرة ليلة، أسس خلالها مسجد قباء، وهو أول مسجد أسّس في الإسلام، وفيه نزل قوله تعالى: لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا [التوبة: ١٠٨] .

Bagian 4 dari 12