— Bagian 3 · في غار حراء —
Bagian 3
في غار حراء أخذت سنّ محمد ﷺ تصعد نحو الأربعين، وكانت تأمّلاته الماضية قد وسّعت الشقة العقلية بينه وبين قومه، فأمست نظرته إليهم نظرة عالم الفلك- في عصرنا- إلى جماعة يؤمنون بأن الأرض محمولة على قرن ثور، أو نظرة عالم الذرة إلى جماعة يتراشقون بالحجارة إذا تحاربوا، ويتنقلون بالمطايا إذا سافروا ... ذلك من الناحية الفكرية، أمّا من الناحية النفسية؛ فإنّ الإلحاد الذي شاع في الجاهلية، وجعل أهلها يقسمون بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت، هذا الإلحاد المغرق الطامس غزا نفوس الأخيار بالقلق البالغ؛ إلى أين تصير هذه القلة الحائرة؟ لئن كان الوجود- أولا واخرا- هذه الأعمار المستنفدة على ظهر الأرض ... إنّ الفناء خير وأجدى!!. أما من بصيص نور خلال هذا الظلام المخيّم؟ وكان محمّد ﷺ يهجر مكة كلّ عام ليقضي شهر رمضان في غار حراء، وهو غار على مسافة بضعة أميال من القرية الصّاخبة، في رأس جبل من هذه الجبال المشرفة على مكة، والتي ينقطع عندها لغو الناس وحديثهم الباطل، ويبدأ السكون الشامل المستغرق ... في هذه القمة السامقة المنزوية كان محمد ﷺ يأخذ زاد الليالي الطوال، ثم ينقطع عن العالمين متّجها بفؤاده المشوق إلى ربّ العالمين!. ... وفي هذا الغار المهيب المحجّب، كانت نفس كبيرة تطلّ من عليائها على ما تموج به الدنيا من فتن ومغارم، واعتداء وانكسار، ثم تتلوّى حسرة وحيرة؛ لأنها لا تدري من ذلك مخرجا، ولا تعرف له علاجا!!. في هذا الغار النائي كانت عين نفّاذة محصية تستعرض تراث الهداة الأولين من رسل الله، فتجده كالمنجم المعتم؛ لا يستخلص منه المعدن النفيس إلا بعد
علاجا!!. في هذا الغار النائي كانت عين نفّاذة محصية تستعرض تراث الهداة الأولين من رسل الله، فتجده كالمنجم المعتم؛ لا يستخلص منه المعدن النفيس إلا بعد
جهد جهيد، وقد يختلط التراب بالتبر فما يستطيع بشر فصله عنه. في غار حراء كان محمد ﵊ يتعبّد، ويصقل قلبه، وينقي روحه، ويقترب من الحق جهده، ويبتعد عن الباطل وسعه، حتى وصل من الصفاء إلى مرتبة عالية؛ انعكست فيها أشعة الغيوب على صفحته المجلوّة، فأمسى لا يرى رؤيا إلا جاءت كفلق الصبح. في هذا الغار اتصل محمد ﷺ بالملأ الأعلى. ومن قبله شهد بطن الصحراء أخا لمحمد ﵊، يخرج من مصر فارّا مستوحشا، ويجتاز القفار متلمّسا الأمن والسكينة والهدى، لنفسه وقومه، فبرقت له من شاطئ الوادي الأيمن نار مؤنسة، فلمّا تيمّمها، إذا بالنّداء الأقدس يغمر مسامعه ويتخلل مشاعره: إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي (١٤) [طه] . إن شعلة من هذه النار اجتازت القرون؛ لتتّقد مرة أخرى في جوانب الغار الذي حوى رجلا يتحنّث ويتطهّر، نائيا بجسمه وروحه عن أرجاس الجاهلية ومساوئها، لكنّ الشعلة لم تكن نارا تستدرج الناظر، بل كانت نورا ينبسط بين يدي وحي مبارك، يسطع على القلب العاني بالإلهام والهداية، والتثبيت والعناية، وإذا بمحمد ﷺ يصغي في دهشة وانبهار إلى صوت الملك، يقول له: «اقرأ ... » فيجيب مستفسرا: «ما أنا بقارئ» ، ويتكرر الطلب والرد لتنساب بعده الايات الأولى من القران العزيز: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ (٥) [العلق] «١» .
الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ (٥) [العلق] «١» .
ورقة بن نوفل إنّ محمدا ﷺ بشر مثلنا، لكنّ الوجود لا يعرف تفاوتا بين أفراد جنس واحد كما يعرف ذلك في جنس الإنسان، إن بعضهم أرقى من الأفلاك الزاهرة! وبعضهم الاخر لا يساوي بعرة ... وإن كان الكلّ بشرا!!. وذاك التفاوت واقع بين من لم يؤيّدوا بوحي، فكيف إذا اصطفي إنسان ما، وزيدت أطوار كماله المعتاد طورا اخر، تومض فيه أشعة التسديد والتوفيق والإرشاد والإمداد؟!. إنّ الوحي روح يفد على المختارين بحياة جديدة، وهمّة جديدة، ورسالة جديدة: يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ (٢) [النحل] . إن الجنين بعد نفخ الروح فيه ينشئه الله خلقا اخر، يغاير الأطوار الستة الأولى التي مرّ بها، سلالة الطين، فالنطفة، فالعلقة، فالمضغة، فالعظام، فالجسم المكسوّ باللحم.. والأنبياء بعد اتّصال الوحي بهم، وسريان روحه الجديدة في أرواحهم، يتحوّلون بشرا اخرين، لا يدانيهم غيرهم أبدا في مجادة وإشراق. وهذا التغيّر الملحوظ سرّ تذكير الله لمحمد ﵊ بالقدرة التي خلقت الإنسان من علق، إنّ القدرة التي خلقت هذا الإنسان العجيب من علقة طفيلية، هي التي ستنساق بنعمة الله إلى جعل محمد ﷺ بشرا رسولا، يقرأ بعد ما كان أمّيا. وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ وَلكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢) صِراطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ [الشورى] .
عن عائشة أم المؤمنين ﵂: أنها قالت: «أول ما بدئ به رسول الله ﷺ من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبّب إليه الخلاء، فكان يخلو بغار حراء يتحنّث فيه- وهو التعبّد- الليالي ذوات العدد قبل أن يرجع إلى أهله يتزوّد لذلك، ثم يرجع إلى خديجة فيتزوّد لمثلها، حتى فجأه الحقّ وهو في غار حراء، فجاءه الملك فقال: اقرأ، قال: «ما أنا بقارئ» ؛ قال: «فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال: اقرأ، قلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني، فقال: اقرأ، قلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني الثالثة حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني، فقال: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) ... » إلخ. فرجع بها رسول الله ﷺ ترجف بوادره! حتى دخل على خديجة بنت خويلد، فقال: «زمّلوني، زمّلوني» فزمّلوه، حتى ذهب عنه الروع، ثم قال لخديجة: «أي خديجة، ما لي؟» وأخبرها الخبر، ثم قال: «لقد خشيت على نفسي» ... قالت له خديجة: كلا، أبشر فو الله لا يخزيك الله أبدا، إنك لتصل الرحم وتصدق الحديث، وتحمل الكلّ، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحقّ. فانطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل- وهو ابن عمّ خديجة- وكان امرأ تنصّر في الجاهلية، وكان يكتب الكتاب العبرانيّ، فيكتب من الإنجيل بالعبرانية ما شاء الله أن يكتب، وكان شيخا كبيرا قد عمي، فقالت له خديجة: أي ابن عم: اسمع من ابن أخيك، فقال له ورقة: يا بن أخي! ما ترى؟ فأخبره رسول الله ﷺ خبر ما رأى، فقال له ورقة: هذا الناموس الذي نزّل الله على موسى، يا ليتني فيها جذعا، ليتني أكون حيّا إذ يخرجك قومك، فقال رسول الله ﷺ: «أو مخرجيّ هم؟» قال: نعم! لم يأت رجل قطّ بمثل ما جئت به إلا عودي، وإن يدركني يومك حيّا أنصرك نصرا مؤزّرا. ثم لم يلبث ورقة أن توفي وفتر الوحي «١» . لكأنّ الأربعين عاما السابقة يوم واحد، وبدأ الوحي صبيحة يوم جديد!! إنّ
ن يدركني يومك حيّا أنصرك نصرا مؤزّرا. ثم لم يلبث ورقة أن توفي وفتر الوحي «١» . لكأنّ الأربعين عاما السابقة يوم واحد، وبدأ الوحي صبيحة يوم جديد!! إنّ
العقل الجوّاب الباحث المستفسر أخذ يشيم أنوار الحق. والصدر المحرج المثقل بالتشاؤم والارتباك، أخذ يحسّ برد اليقين، وفسحة الأمل، والنقلة الطارئة بعيدة المدى ... إنّها النبوة. ألا ما أجلّ هذا الفضل المقبل، وما أعظم ما يواجه محمدا ﷺ فيه من شؤون وشجون..!!. لذلك سرعان ما تراجعت إليه نفسه، وكان موقف زوجه خديجة منه من أشرف المواقف التي تحمد لامرأة في الأوّلين والاخرين، طمأنته حين قلق، وأراحته حين جهد، وذكرته بما فيه فضائل مؤكدة له: أنّ الأبرار أمثاله لا يخذلون أبدأ، وأنّ الله إذا طبع رجلا على المكارم الجزلة والمناقب السمحة؛ فلكيما يجعله أهل إعزازه وإحسانه، وبهذا الرأي الراجح، والقلب الصالح؛ استحقت خديجة أن يحيّيها ربّ العالمين، فيرسل إليها بالسّلام مع الروح الأمين «١» ...
٣
جهاد الدّعوة (في مكة)
[محمد ﷺ يحمل أعباء الدعوة إلى الله] تقلّصت ظلال الحيرة، وثبتت أعلام الحقيقة، وعرف محمد ﵊ معرفة اليقين أنّه أضحى نبيّا لله الكبير المتعال، وأنّ ما جاءه سفير الوحي ينقل إليه خبر السماء.. إلا أنّ الروعة التي انتابته من هذه الصلة بين إنسان وملك، تركت في نفسه أثرا من الجهد، كأنّما كان يعالج عملا مرهقا صعبا. ولا عجب! فقد ظلّ يعاني من التنزيل شدّة أمدا طويلا، وشاء الله أن يفتر الوحي بعد ابتدائه على النحو الذي أسلفنا، حتى يكون تشوّف الرسول ﷺ، وارتقابه لمجيئه؛ سببا في ثباته واحتماله عند ما يعود، ومع ذلك فإنّ الطاقة البشرية ناءت أمام وطأته. جاء جبريل ﵇ للمرة الثانية، قال جابر بن عبد الله ﵄: سمعت رسول الله ﷺ يحدّث عن فترة الوحي، فقال لي في حديثه: «فبينا أنا أمشي، سمعت صوتا من السماء، فرفعت رأسي، فإذا الملك الذي جاءني بحراء جالسا على كرسيّ بين السماء والأرض، ففزعت منه حتى هويت على الأرض، فجئت إلى أهلي، فقلت: زمّلوني، زمّلوني، فدثّروني ... » . فأنزل الله ﷿:
ذي جاءني بحراء جالسا على كرسيّ بين السماء والأرض، ففزعت منه حتى هويت على الأرض، فجئت إلى أهلي، فقلت: زمّلوني، زمّلوني، فدثّروني ... » . فأنزل الله ﷿: يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣) وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ (٤) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (٥) [المدثر] «١» . كانت هذه الأوامر المتتابعة القاطعة إيذانا للرسول ﷺ بأنّ الماضي قد انتهى بمنامه وهدوئه وسلامه، وأنّه أمام عمل جديد يستدعي اليقظة والتشمير، والإنذار والإعذار، فليحمل الرسالة، وليوجه الناس، وليأنس بالوحي، وليقو على عنائه، فإنه مصدر رسالته ومدد دعوته. والوحي إلهام ينضح على القلب بمراد الله في صورة واضحة لا تحتمل الريبة، وله مراتب شتّى بعضها أيسر من بعض؛ فعن عمر ﵁: «كان
رسول الله ﷺ إذا نزل عليه الوحي، يسمع عند وجهه دويّ كدوي النحل» «١» . وكان أحيانا يأتي في مثل صلصة الجرس- وكان أشدّه عليه- فيلتبس به الملك، حتى إنّ جبينه ليتفصّد عرقا في اليوم الشديد البرد «٢» ، وحتى إنّ راحلته لتبرك به على الأرض إذا كان راكبها «٣» ، ولقد جاءه الوحي مرة كذلك وفخذه إلى فخذ زيد بن ثابت، فثقلت عليه حتى كادت ترضّها «٤» ، وقد يأتي أيسر من ذلك وأخفّ. وربما قيل: لماذا كانت أوائل الوحي بهذه المثابة من الشدة؟ ولماذا لم يبدأ نزول القران إلهاما في منام، أو إلهاما في يقظة على نحو ما قال رسول الله ﷺ: «إن روح القدس نفث في روعي أنه لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها، فاتقوا الله، وأجملوا في الطلب ... » «٥» ؟ أو ليس هذا أبعد عن دواعي الفزع والإعياء؟.
والجواب: أن نزول القران اتخذ هذه الطريقة أول الأمر، ونزل الملك به في هذا المظهر «١» ؛ قطعا لكل شبهة، في أنه ألفاظ ومعاني من عند الله، وأنّ محمدا ﷺ حمّله تحميلا بعد أن اصطفي له، واختصّ به، فهو ليس افتعال عابد منقطع تخيّل فخال، ولا صناعة فيلسوف ماهر يجيد سوق الأدلة، وتنميق المقال، إنما هو كلام الأحد، الحق الكبير المتعال: إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى (٤) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى (٥) ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوى (٦) وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلى (٧) ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى (٨) فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى (٩) فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى (١٠) ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى (١١) أَفَتُمارُونَهُ عَلى ما يَرى (١٢) [النجم] .
إلام يدعو الناس ؟ شرع محمّد ﷺ يكلّم الناس في الإسلام، ويعرض عليهم الأخذ بهذا الدين الذي أرسله الله به. وسور القران الذي نزل بمكة تبيّن العقائد والأعمال التي كلّف الله بها عباده، وأوصى رسوله ﷺ أن يتعهّد قيامها ونماءها، وأول ذلك:
دين الذي أرسله الله به. وسور القران الذي نزل بمكة تبيّن العقائد والأعمال التي كلّف الله بها عباده، وأوصى رسوله ﷺ أن يتعهّد قيامها ونماءها، وأول ذلك:
١- الواحدانية المطلقة: فالإنسان ليس عبدا لكائن في الأرض، أو عنصر في السماء، لأنّ كل شيء في السماء والأرض عبد الله، يعنو لجلاله، ويذلّ في ساحته، ويخضع لحكمه، وليس هناك شركاء ولا شفعاء ولا وسطاء، ومن حقّ كلّ امرئ أن يهرع إلى ربّه رأسا، غير مستصحب معه خلقا اخر، كبر أو حقر، وحقّ على كلّ امرئ أن ينكر من أقاموا أنفسهم، أو أقامهم غيرهم زلفى إلى الله، وأن ينزل بهم إلى مكانهم المحدود؛ إن كانوا بشرا، أو حجارة، أو ما سوى ذلك، ويجب أن تبنى جميع الصلات الفردية والجماعية على أساس تفرّد الله في ملكوته بهذه الواحدانية التامة. ونتيجة هذه العقيدة أن الحجارة التي يعبدها العرب، أصبحت لا تزيد عن الحجارة التي تبنى بها البيوت، أو ترصف بها الطّرق، وأنّ البشر الذين ألّهوا في ديانات أخرى صحّحت أوضاعهم، فعرفوا على أنهم عبيد لمن خلقهم ورزقهم، يتقدّمون عنده بالطاعة، ويتأخّرون بالمعصية، ولا شأن لهم في خلق أو رزق.
٢- الدار الاخرة: فهناك يوم لا شكّ في قدومه، يلقى الناس فيه ربّهم، فيحاسبهم حسابا دقيقا على حياتهم الأولى: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨) [الزلزلة] ؛ فإمّا نعيم ضاحك، يمرح فيه الأخيار ويستريحون، وإما جحيم مشؤومة، يشقى فيها الأشرار ويكتئبون ...
والنظر إلى الدّار الاخرة في كلّ عمل يأتيه المرء أو يذره من أصول السلوك الصحيح في الإسلام، فكما أنّ راكب القطار موقن بأنه سينزل في محطّ قادم، فكذلك المسلم يعلم أن الأيام الجارية به ستقف- حتما- لترده إلى مولاه، حيث يلقى جزاء العمر، ويجني ما غرست يداه..
ب القطار موقن بأنه سينزل في محطّ قادم، فكذلك المسلم يعلم أن الأيام الجارية به ستقف- حتما- لترده إلى مولاه، حيث يلقى جزاء العمر، ويجني ما غرست يداه..
٣- تزكية النفس: وذلك بلزوم عبادات معينة شرعها الله ﷿، وترك أمور أخرى حذرا من مغبّتها: قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلا تَقْرَبُوا الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (١٥١) وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها وَإِذا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (١٥٢) وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٥٣) [الأنعام] . قال أكثم بن صيفيّ: «إن ما جاء به محمد ﵊ لو لم يكن دينا لكان في خلق الناس حسنا» .
هِ ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٥٣) [الأنعام] . قال أكثم بن صيفيّ: «إن ما جاء به محمد ﵊ لو لم يكن دينا لكان في خلق الناس حسنا» .
٤- حفظ كيان الجماعة المسلمة: باعتبارها واحدة متماسكة تقوم على الأخوة والتعاون، وذلك يقتضي نصرة المظلوم، وإعطاء المحروم، وتقوية الضعيف. وفي سورة (المدثر) - وهي أول سورة أمر الرسول ﷺ فيها بالبلاغ- تقرأ قول الله ﵎: كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (٣٨) إِلَّا أَصْحابَ الْيَمِينِ (٣٩) فِي جَنَّاتٍ يَتَساءَلُونَ (٤٠) عَنِ الْمُجْرِمِينَ (٤١) ما سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (٤٤) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخائِضِينَ (٤٥) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (٤٦) حَتَّى أَتانَا الْيَقِينُ (٤٧) فَما تَنْفَعُهُمْ شَفاعَةُ الشَّافِعِينَ (٤٨) [المدثر] . وكان أبو بكر لا يرى مستضعفا يعذّب من المسلمين، إلا بذل جهده وماله في سبيل فكّ إساره، وإنقاذه ممّا به، وذلك حقّ الفرد على الجماعة.
الرعيل الأوّل أخذت الدعاية للإسلام تنتشر في مكة، وتعمل عملها في أصحاب الأفئدة الكبيرة، فسرعان ما يطرحون جاهليتهم الأولى، ويخفّون إلى اعتناق الدين الجديد، وكانت ايات القران تنزل على القلوب التي استودعت بذور الإيمان، كما ينزل الوابل على التربة الخصبة: فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ [الحج: ٥] . كان أصحاب العقائد يتجمّعون- في تؤدة- حول عقائدهم، ويلتفّون- في حبّ وإعجاب- حول إمامهم، ويشرحون- في حذر- أصول فكرتهم. والإيمان قوة ساحرة، إذا استمكنت من شعاب القلب، وتغلغلت في أعماقه، تكاد تجعل المستحيل ممكنا. ولقد رأينا شبابا وشيوخا يلتقون عند فكرة من الفكر، ويحلّونها من أنفسهم محلّ العقائد الراسخة، ومع أنها فكرة مادية بحتة، إلا أنّهم يجعلون من حياتهم وقود حركتها، ويتحمّلون أقبح الأذى في سبيل نصرتها. وفي السجون- الان- رجال تخرّجوا من جامعات الغرب، يقضون شطرا من أعمارهم مع القتلة وتجّار المخدّرات ... ! ويرون ذلك بعض الجهد الواجب لإنجاح مبادئهم، ودفعها إلى الأمام، فكيف إذا كان الإيمان الذي ظهر في صدر الإسلام إيمانا بالله ربّ السموات والأرض، وإيمانا بالدار الاخرة حيث ينفلت الإنسان من هذه الدنيا لتستقبله في جوار الله الحدائق الغنّاء، والقصور الزهر، من تحتها الأنهار الجارية، والنعيم المقيم؟ ... إنّ الرعيل الأوّل أخذ يتكوّن ويتزايد على الأيام. ومن الطبيعي أن يعرض الرسول ﷺ أولا- الإسلام على ألصق الناس به من ال بيته وأصدقائه، وهؤلاء لم تخالجهم ريبة قطّ في عظمة محمد ﵊، وجلال نفسه، وصدق خبره، فلا جرم أنهم السابقون إلى مؤازرته واتّباعه.
على ألصق الناس به من ال بيته وأصدقائه، وهؤلاء لم تخالجهم ريبة قطّ في عظمة محمد ﵊، وجلال نفسه، وصدق خبره، فلا جرم أنهم السابقون إلى مؤازرته واتّباعه.
امنت به زوجته (خديجة) ، ومولاه (زيد بن حارثة) ، وابن عمه (علي بن أبي طالب) - وكان صبيّا يحيا في كفالة الرّسول ﷺ، وصديقه الحميم أبو بكر، ثم نشط أبو بكر في الدعوة إلى الإسلام، فأدخل فيه أهل ثقته ومودته: عثمان بن عفان، وطلحة بن عبيد الله، وسعد بن أبي وقاص، وامن القسّ ورقة بن نوفل. وقد روي «١» أنّ الرسول ﷺ راه في المنام- بعد مماته- في هيئة حسنة تشهد بكرامته عند الله، وأسلم الزبير بن العوام، وأبو ذر الغفاري، وعمرو بن عبسة، وخالد بن سعيد بن العاص، وفشا الإسلام في مكة بين من نوّر الله قلوبهم؛ مع أن الإعلام به كان يقع في استخفاء، ودون مظاهرة من التحمّس المكشوف، أو التحدي السافر ... وترامت هذه الأنباء إلى قريش فلم تعرها اهتماما، ولعلّها حسبت محمدا ﵊ أحد أولئك الديّانين الذين يتكلّمون في الألوهية وحقوقها، كما صنع أمية بن أبي الصلت، وقس بن ساعدة، وزيد بن عمرو بن نفيل وأشباههم، إلا أنّها توجّست خيفة من ذيوع خبره، وامتداد أثره، وأخذت ترقب على الأيام مصيره ودعوته. واستمرّ هذا الطور السّرّي للدعوة ثلاث سنين، ثم نزل الوحي يكلف الرسول ﷺ بمعالنة قومه، ومجابهة باطلهم، ومهاجمة أصنامهم جهارا.
على الأيام مصيره ودعوته. واستمرّ هذا الطور السّرّي للدعوة ثلاث سنين، ثم نزل الوحي يكلف الرسول ﷺ بمعالنة قومه، ومجابهة باطلهم، ومهاجمة أصنامهم جهارا.
إظهار الدعوة قال ابن عباس ﵄: لما نزلت الاية وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤) [الشعراء] ، صعد النبي ﷺ على الصّفا، فجعل ينادي: «يا بني فهر، يا بني عدي» لبطون قريش- حتى اجتمعوا، فجعل الذي لم يستطع أن يخرج، يرسل رسولا لينظر ما هو؟ فجاء أبو لهب وقريش، فقال النبي ﷺ: «أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلا بالوادي تريد أن تغير عليكم أكنتم مصدّقي؟» قالوا: ما جرّبنا عليك كذبا. قال: «فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد!!» ، فقال أبو لهب: تبّا لك سائر اليوم! ألهذا جمعتنا؟! فنزل قوله تعالى: تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (١) ... [المسد] «١» . وعن أبي هريرة ﵁ قال: قام رسول الله ﷺ، حين أنزل الله عليه: وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤) [الشعراء] فقال: «يا معشر قريش! اشتروا أنفسكم لا أغني عنكم من الله شيئا، يا بني عبد المطلب! لا أغني عنكم من الله شيئا، يا عباس بن عبد المطلب! لا أغني عنك من الله شيئا، يا صفية عمة رسول الله! لا أغني عنك من الله شيئا، يا فاطمة بنت رسول الله سليني ما شئت من مالي، لا أغني عنك من الله شيئا» «٢» . هذه الصيحة العالية هي غاية البلاغ، فقد فاصل الرسول ﵊ قومه على دعوته، وأوضح لأقرب الناس إليه أن التّصديق بهذه الرسالة هو حياة الصلة بينه وبينهم، وأن عصبيّة القرابة التي يقوم عليها العرب ذابت في حرارة هذا الإنذار الاتي من عند الله. لقد كان محمد ﵊ كبير المنزلة في بلده، مرموقا بالثقة
ينه وبينهم، وأن عصبيّة القرابة التي يقوم عليها العرب ذابت في حرارة هذا الإنذار الاتي من عند الله. لقد كان محمد ﵊ كبير المنزلة في بلده، مرموقا بالثقة
والمحبة، وها هو ذا يواجه مكة بما تكره، ويتعرّض لخصام السفهاء والكبراء، وأول قوم يغامر بخسران مودّتهم هم عشيرته الأقربون، لكنّ هذه الالام تهون في سبيل الحق الذي شرح الله به صدره، فلا عليه أن يبيت بعد هذا الإنذار ومكة تموج بالغرابة والاستنكار، وتستعدّ لحسم هذه الثورة التي اندلعت بغتة، وتخشى أن تأتي على تقاليدها وموروثاتها. وبدأت قريش تسير في طريقها، طريق اللّدد، ومجانبة الصواب، ومضى محمد ﷺ كذلك في طريقه، يدعو إلى الله، ويتلطّف في عرض الإسلام، ويكشف النقاب عن مخازي الوثنية، ويسمع ويجيب، ويهاجم ويدافع.. غير أن حرصه على هداية اله الأقربين، جعله يجدّد مسعاه محاولا عرض الإسلام عليهم مرة أخرى، فإنّ منزلتهم الكبيرة في العرب تجعل كسبهم عظيم النتائج. وهم- قبل ذلك- أهله الذين يودّ لهم الخير، ويكره لهم الوقوع في مساخط الله. روى ابن الأثير: قال جعفر بن عبد الله بن أبي الحكم «١» : لما أنزل الله على رسوله: وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤) [الشعراء] ، اشتد ذلك عليه، وضاق به ذرعا، فجلس في بيته كالمريض، فأتته عمّاته يعدنه، فقال: «ما اشتكيت شيئا، ولكن الله أمرني أن أنذر عشيرتي» . فقلن له: فادعهم، ولا تدع أبا لهب فيهم، فإنه غير مجيبك، فدعاهم، فحضروا ومعهم نفر من بني المطلب بن عبد مناف، فكانوا خمسة وأربعين رجلا، فبادره أبو لهب وقال: هؤلاء هم عمومتك وبنو عمك، فتكلم ودع الصّباة! واعلم أنه ليس لقومك بالعرب قاطبة طاقة! وأنا أحق من أخذك! فحسبك بنو أبيك. وإن أقمت على ما أنت عليه فهو أيسر عليهم من أن يثب بك بطون قريش، وتمدّهم العرب، فما رأيت أحدا جاء على بني أبيه بشرّ مما جئتهم به. فسكت رسول الله ﷺ ولم يتكلّم في ذلك المجلس، ثم دعاهم ثانية، وقال: «الحمد لله، أحمده وأستعينه، وأومن به وأتوكل عليه، وأشهد ألاإله إلا الله
واحده لا شريك له» . ثم قال: «إن الرائد لا يكذب أهله، والله الذي لا إله إلا هو، إني رسول الله إليكم خاصة، وإلى الناس عامة، والله لتموتنّ كما تنامون، ولتبعثنّ كما تستيقظون، ولتحاسبنّ بما تعملون، وإنها للجنة أبدا، أو النار أبدا» . فقال أبو طالب: ما أحبّ إلينا معاونتك، وأقبلنا لنصيحتك، وأشدّ تصديقنا لحديثك!! وهؤلاء بنو أبيك مجتمعون، وإنما أنا أحدهم، غير أني أسرعهم إلى ما تحب فامض لما أمرت به، فو الله لا أزال أحوطك وأمنعك؛ غير أن نفسي لا تطاوعني على فراق دين عبد المطلب. فقال أبو لهب: هذه والله السّوءة!! خذوا على يديه قبل أن يأخذكم غيركم. فقال أبو طالب: والله لنمنعنه ما بقينا.
أبو طالب إن أبا طالب- برغم بقائه على الشرك، واستمساكه بدين الاباء- ظلّ حيّ العاطفة، ظاهر الحدب على ابن أخيه؛ وهو مدرك كل الإدراك ما سوف تجره هذه الدعوة من متاعب عليه وعلى أسرته، بيد أن إعزازه لمحمد ﷺ وتأذّيه من مواجهته بما يكره، حملاه على ضمان الحرية له، بل على التعهّد بحمايته وهو يبلّغ عن ربه!!. وأبو طالب من رجالات مكة المعدودين، كان معظّما في أهله، معظّما بين الناس، فما يجسر أحد على إخفار ذمته، واستباحة بيضته، وكان بقاؤه مع أهل مكة- محترما للأوثان- من أسباب امتداد نفوذه ورعاية حقوقه ... أمّا أبو لهب فصورة لأرباب الأسر المتهالكين على مصالحهم وسمعتهم من غير نظر إلى حق أو باطل، فأيّ عمل يعرّض مصالحه للبوار، أو يخدش ما لاسمه من منزلة يهيج ثائرته، ويدفعه لاقتراف الحماقات ... وفي طبيعة أبي لهب قسوة تغريه باقتراف الدنايا، كان أبناؤه متزوّجين ببنات محمد ﷺ، فأمرهم بفراقهنّ، فطلق عتبة وعتيبة رقية وأم كلثوم.. ولعلّ أبا لهب كان متأثّرا في هذه البغضاء المتنزّية بزوجته أم جميل بنت حرب أخت أبي سفيان، وهي امرأة سليطة، تؤزها على كراهية محمد ﷺ ودينه علل شتى، ولذلك بسطت فيه لسانها، وأطالت عليه الافتراء والدسّ. وإذا كانت أهواء الجاهلية تدفع عمّ محمد ﷺ إلى الإغلاظ معه على هذا النحو الوضيع؛ فكيف يكون مسلك الأباعد الذين يتمنّون العثار للسليم والتهمة للبريء؟!.
. وإذا كانت أهواء الجاهلية تدفع عمّ محمد ﷺ إلى الإغلاظ معه على هذا النحو الوضيع؛ فكيف يكون مسلك الأباعد الذين يتمنّون العثار للسليم والتهمة للبريء؟!. ولكن ما أبو لهب؟ وما قريش؟ وما العرب؟ وما الدنيا كلها؟ بإزاء رجل يحمل رسالة من الله الذي له ملك السموات والأرض، يريد أن يعيد بها الرّشد
لعالم فقد رشده، وأن يمحو بها الأوهام من حياة مرّغتها الأوهام في الرغام، ما تجدي وقفة جهول أو غضبة مغرور في منع هذه الرسالة الكبيرة من المضي إلى هدفها البعيد؟!. إن الطحالب العائمة لا توقف السفن الماخرة، ولئن نقم الجاهليون على المسلمين مروقهم من بين قومهم بهذه الدعوة- حتى ليسمّونهم الصّباة- فإنّ المسلمين لأشدّ نقمة عليهم؛ أن سفّهوا أنفسهم، وحقّروا عقولهم، وتشبثوا بخرافات ما أنزل الله بها من سلطان. إن الدعوة التي بدأ بها محمد ﷺ من بطن مكة لم تكن لبناء وطن صغير، بل كانت إنشاء جديدا لأجيال وأمم، تظل تتوراث الحق، وتندفع به في رحاب الأرض، إلى أن تنتهي من فوق ظهر الأرض قصة الحياة والأحياء. فماذا تصنع خصومة فرد أو قبيلة لرسالة هذا شأنها في حاضرها ومستقبلها؟! ومن أولئك الخصوم؟!: *.. متعصبون، تحجّرت عقولهم، تزيّن لهم سطوتهم البطش بمن يخالفهم: وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ يَكادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آياتِنا ... [الحج: ٧٢] . *.. أم مترفون، سرّتهم ثروتهم، يحبون الباطل؛ لأنه على أرائك وثيرة، ويكرهون الحقّ، لأنه عاطل عن الحلي والمتاع: وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقاماً وَأَحْسَنُ نَدِيًّا (٧٣) [مريم] . *.. أم متعنّتون، يحسبون هداية الرحمن عبث صبية، أو أزياء غانية، فهم يقولون: دع هذا وهات هذا: وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا أَوْ بَدِّلْهُ ... [يونس: ١٥] .
وهات هذا: وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا أَوْ بَدِّلْهُ ... [يونس: ١٥] . *.. أم مهرّجون، يتواصون بينهم بافتعال ضجّة عالية، وصياح منكر عند ما تقرأ الايات، حتى لا تسمع فتفهم فتترك أثرا في عقل نقي وقلب طيب: وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ (٢٦) [فصلت] . لو أنّ أهل مكة تردّدوا في تصديق محمد ﷺ حتى يبحثوا أمره، ويمحّصوا
رسالته، ويزنوا- على مهل- ما لديهم، وما جاء به، لما عابهم على هذا عاقل. ولكنّهم نفروا من الإسلام نفور المذنب من ساحة القضاء بعد ما انكشفت جريمته، وثبتت إدانته. وقد حزن رسول الله ﷺ لهذا الإعراض المقرون بالتكذيب والتحدّي، ومن حقّ كل رجل صدوق نبيل أن يأسف ويألم إذا ألفى نفسه مكذبا مهجورا. إلا أنّ الله واساه، فأبان له بواطن أولئك المكاذبين المتألّبين: قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (٣٣) [الأنعام] . إنّ المعتوه إذا اعترض طريقك، ووقع في عرضك بلسان حادّ، سمعت من يقول لك: هذا لا يقصد العدوان عليك، ولكنه يستجيب لنوازع الجنون في دمه، وكذلك أولئك المشركون، إن فظاظتهم وإنكارهم تمشّ مع دواعي الجحود في طباعهم، قبل أن تكون انتقاصا للرجل الذي يحدّثهم، أو طعنا في خلقه: فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ [الأنعام: ٣٣] . ومن ثمّ فعلى محمد ﷺ أن يمضي في سبيل البلاغ، وأن يجتاز ما يلقى أمامه من صعاب وعقاب، وعلى المؤمنين برسالته أن يثبتوا، وليس ثباتهم لمصلحتهم الخاصة فقط، ولا حق الإيمان عليهم وكفى، بل هو لمصلحة الأجيال المقبلة. إن البنيان الشامخ الذّرى لا يرتكز على سطح الأرض، وإنما يرتكز على دعائم غائرة في الثرى، وهي التي تحمل ثقله وترفع عمده، وقد كان أصحاب محمد ﷺ الأول- بصلابة يقينهم، وروعة استمساكهم- دعائم رسالته، وأصول امتدادها من بعد، في المشارق والمغارب.
الاضطهاد قرر المشركون ألا يألوا جهدا في محاربة الإسلام، وإيذاء الدّاخلين فيه، والتعرّض لهم بألوان النّكال والإيلام، ومنذ جهر الرسول ﷺ بالدعوة إلى الله، وعالن قومه بضلال ما ورثوه عن ابائهم؛ انفجرت مكة بمشاعر الغضب، وظلّت عشرة أعوام تعدّ المسلمين عصاة ثائرين، فزلزلت الأرض من تحت أقدامهم، واستباحت في الحرم الامن دماءهم وأموالهم وأعراضهم، وجعلت مقامهم تحمّلا للضيم، وتوقّعا للويل. صاحبت هذه السخائم المشتعلة حرب من السخرية والتحقير؛ قصد بها تخذيل المسلمين، وتوهين قواهم المعنوية؛ فرمي النبي ﷺ وصحابته بتهم هازلة، وشتائم سفيهة، وتألّفت جماعة للاستهزاء بالإسلام ورجاله على نحو ما تفعل الصحافة المعارضة عند ما تنشر عن الخصوم نكتا لاذعة، وصورا مضحكة، للحطّ من مكانتهم لدى الجماهير. وبهذين اللونين من العداوة وقع المسلمون بين شقّي الرحى. فرسولهم ينادى بالجنون: وَقالُوا يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ (٦) [الحجر] . ويوصم بالسحر والكذب: وَعَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقالَ الْكافِرُونَ هذا ساحِرٌ كَذَّابٌ (٤) [ص] . ويشيّع ويستقبل بنظرات ملتهمة ناقمة، وعواطف منفعلة هائجة: وَإِنْ يَكادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ (٥١) [القلم] . وليس حظّ سائر المسلمين بأفضل من هذه المعاملة، فهم- في غدوّهم ورواحهم- محلّ التندّر واللّمز: إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ (٢٩) وَإِذا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغامَزُونَ (٣٠)
وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ (٣١) وَإِذا رَأَوْهُمْ قالُوا إِنَّ هؤُلاءِ لَضالُّونَ (٣٢) وَما أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حافِظِينَ (٣٣) [المطففين] . وانقلبت هذه الحرب إلى تنكيل وسفك دم بالنسبة إلى المستضعفين من المؤمنين، فمن ليست له عصبية تدفع عنه لا يعصمه من الهوان والقتل شيء، بل يحبس على الالام حتى يكفر أو يموت أو يسقط إعياء.
دم بالنسبة إلى المستضعفين من المؤمنين، فمن ليست له عصبية تدفع عنه لا يعصمه من الهوان والقتل شيء، بل يحبس على الالام حتى يكفر أو يموت أو يسقط إعياء.
عمار بن ياسر ﵁: من هؤلاء عمار بن ياسر، وهو من السابقين الأولين في الإسلام، وكان مولى لبني مخزوم، أسلم وأبوه وأمه، فكان المشركون يخرجونهم إلى الأبطح إذا حميت الرمضاء، فيعذبونهم بحرّها، ومرّ بهم النبيّ ﵊ وهم يعذّبون فقال: «صبرا ال ياسر، فإن موعدكم الجنة» «١» ، فمات ياسر في العذاب، وأغلظت امرأته (سميّة) القول لأبي جهل فطعنها في قبلها بحربة في يديه، فماتت؛ وهي أول شهيدة في الإسلام، وشدّدوا العذاب على عمار بالحرّ تارة، وبوضع الصخر على صدره أخرى، وبالتغريق أخرى، وقالوا: لا نتركك حتى تسبّ محمدا، أو تقول في اللات والعزّى خيرا، ففعل، فتركوه، فأتى النبيّ ﷺ يبكي فقال: «ما وراءك؟» قال: شرّ يا رسول الله! كان الأمر كذا وكذا!! قال: «فكيف تجد قلبك؟» قال: أجده مطمئنا بالإيمان. فقال: «يا عمار إن عادوا فعد» . فأنزل الله تعالى: إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ [النحل: ١٠٦] «٢» ، وقد حضر المشاهد كلها مع رسول الله ﷺ.
بلال ﵁: ومن هؤلاء (بلال بن رباح) ، كان سيده أمية بن خلف- إذا حميت الشمس وقت الظهيرة- يقلّبه على الرمال الملتهبة ظهرا لبطن، ويأمر بالصخرة الجسيمة فتلقى على صدره، ثم يقول له: لا تزال هكذا حتى تموت، أو تكفر بمحمد، وتعبد اللات والعزى، فما يزيد بلال عن ترديد: أحد، أحد ...
طن، ويأمر بالصخرة الجسيمة فتلقى على صدره، ثم يقول له: لا تزال هكذا حتى تموت، أو تكفر بمحمد، وتعبد اللات والعزى، فما يزيد بلال عن ترديد: أحد، أحد ...
خباب ﵁: ولما اشتدّت ضراوة قريش بالمستضعفين، ذهب أحدهم- خبّاب بن الأرت- إلى رسول الله ﷺ يستنجد به، قال خباب: شكونا إلى رسول الله ﷺ وهو متوسّد بردة في ظلّ الكعبة، فقلنا: ألا تستنصر لنا؟! ألا تدعو لنا؟! فقال: «قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض فيجعل فيها، ثم يؤتى بالمنشار فيوضع على رأسه، فيجعل نصفين، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه، ما يصدّه ذلك عن دينه، والله ليتمّنّ الله تعالى هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت، فلا يخاف إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون» . ماذا عسى يفعل محمد ﷺ لأولئك البائسين؟! إنه لا يستطيع أن يبسط حمايته على أحد منهم، لأنّه لا يملك من القوة ما يدفع به عن نفسه، وقد كان في صلاته يرمى عليه- وهو ساجد- بكرش الجزور أو رحم الشاة المذبوحة، وكانت الأنجاس تلقى أمام بيته، فلا يملك إلا الصبر. إن محمدا صلوات الله وسلامه عليه لم يجمع أصحابه على مغنم عاجل أو اجل، إنه أزاح الغشاوة عن الأعين، فأبصرت الحقّ الذي حجبت عنه دهرا،
ومسح الران عن القلوب، فعرفت اليقين الذي فطرت عليه، وحرمتها الجاهلية منه، إنه وصل البشر بربهم، فربطهم بنسبهم العريق، وسببهم الوثيق، وكانوا قبلا- حيارى محسورين، إنه وازن للناس بين الخلود والفناء، فاثروا الدار الاخرة على الدار الزائلة، وخيّرهم بين أصنام حقيرة وإله عظيم، فازدروا الأوثان المنحوتة، وتوجّهوا للذي فطر السموات والأرض. حسب محمّد ﷺ أن قدّم هذا الخير الجزيل، وحسب أصحابه أن ساقته العناية لهم، فإذا أوذوا فليحتسبوا، وإذا حاربهم عبيد الرجس من الأوثان، فليلزموا ما عرفوا، والحرب القائمة بين الكفران والإيمان سينجلي غبارها يوما ما، ثم تنكشف عن شهداء وعن هلكى، وعن مؤمنين قائمين بأمر الله ومشركين مدحورين بإذن الله: وَقُلْ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنَّا عامِلُونَ (١٢١) وَانْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ (١٢٢) وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (١٢٣) [هود] . وكان رسول الله ﷺ يبثّ عناصر الثقة في قلوب رجاله، ويفيض عليهم ما أفاضه الله على فؤاده من أمل رحيب في انتصار الإسلام، وانتشار مبادئه، وزوال سلطان الطغاة أمام طلائعه المظفّرة في المشارق والمغارب، وقد اتخذ المستهزئون من هذه الثقة مادة لسخريتهم وضحكهم؛ كان الأسود بن المطّلب وجلساؤه إذا رأوا أصحاب النبي ﵊ يتغامزون بهم، ويقولون: قد جاءكم ملوك الأرض الذين سيغلبون غدا على ملك كسرى وقيصر، ثم يصفّرون ويصفقون!!. وتواصى المشركون بعد مصادرة الدعوة بهذا الأسلوب أن يمنعوا الوافدين إلى مكة من الاستماع إليها، قال الوليد بن المغيرة لرجالات قريش: إن الناس يأتونكم أيام الحج، فيسألونكم عن محمد، فتختلف فيه أقوالكم، يقول هذا: ساحر، ويقول هذا: كاهن، ويقول هذا: شاعر، ويقول هذا: مجنون، وليس يشبه واحدا مما يقولون، ولكن أصلح ما قيل فيه: ساحر؛ لأنه يفرق بين المرء وأخيه وزوجته، وقد اقتسم هؤلاء المتامرون مداخل مكة أيام الموسم، يحذّرون الناس من الداعية الخارج على قومه، وينعتونه بما تواصوا به من سحر مفرّق!.
المرء وأخيه وزوجته، وقد اقتسم هؤلاء المتامرون مداخل مكة أيام الموسم، يحذّرون الناس من الداعية الخارج على قومه، وينعتونه بما تواصوا به من سحر مفرّق!.
ولكن الرسول ﵊ كان يذهب إلى الحجيج في مجامعهم، ويحدّثهم عن الإسلام، ويطلب منهم النصرة. عن جابر بن عبد الله ﵄: كان رسول الله ﷺ يعرض نفسه بالموقف فيقول: «ألا رجل يحملني إلى قومه! فإنّ قريشا منعوني أن أبلّغ كلام ربي» «١» .
مفاوضات ظنّ المشركون أن بطشهم بالمستضعفين، ونيلهم من غيرهم سوف يصرف الناس عن الاستجابة لداعي الله، وظنّوا أن وسائل السخرية والتهكّم التي جنحوا إليها ستهدّ قوى المسلمين المعنوية، فيتوارون خجلا من دينهم، ويعودون كما كانوا إلى دين ابائهم، غير أن ظنونهم سقطت جميعا، فإنّ أحدا من المسلمين لم يرتد عن الحقّ الذي شرفه الله به، بل كان المسلمون يتزايدون! ولم تفلح طرق الاستهزاء في الصدّ عن سبيل الله، أو تشويه معالمها، إنها زادت شعور المسلمين بما تزخر به الوثنية من معرّات ومخاز، تستحق الفضيحة والاستئصال، ما تصنع سخرية الجهول بالعالم؟!. إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَما تَسْخَرُونَ (٣٨) فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ (٣٩) ... [هود] . رأت قريش أن تجرّب أسلوبا اخر تجمع فيه بين الترغيب والترهيب، فلترسل إلى محمد ﷺ تعرض عليه من الدنيا ما يشاء، ولترسل إلى عمه الذي يحميه تحذره مغبة هذا التأييد، حتى يكلّم هو الاخر محمدا أن يسكت، فلا يجرّ المتاعب على كافله ووليه. أرسلت قريش (عتبة بن ربيعة) - وهو رجل رزين هادئ- فذهب إلى رسول الله ﷺ يقول: يا بن أخي! إنك منا حيث قد علمت من المكان في النسب، وقد أتيت قومك بأمر عظيم؛ فرّقت به جماعتهم، فاسمع مني أعرض عليك أمورا لعلّك تقبل بعضها: إن كنت إنما تريد بهذا الأمر مالا، جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالا. وإن كنت تريد شرفا، سوّدناك علينا، فلا نقطع أمرا دونك.
لعلّك تقبل بعضها: إن كنت إنما تريد بهذا الأمر مالا، جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالا. وإن كنت تريد شرفا، سوّدناك علينا، فلا نقطع أمرا دونك.
وإن كنت تريد ملكا ملكناك علينا. وإن كان هذا الذي يأتيك رئيا تراه لا تستطيع ردّه عن نفسك، طلبنا لك الطب، وبذلنا فيه أموالنا حتى تبرأ. فلما فرغ من قوله، تلا رسول الله ﵊ عليه صدر سورة فصّلت: حم (١) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (٢) كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣) بَشِيراً وَنَذِيراً فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ (٤) وَقالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنا عامِلُونَ (٥) قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (٦) الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ (٧) . حتى وصل إلى قوله تعالى: ... فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ (١٣) «١» . تخيّر رسول الله ﷺ هذه الايات من الوحي المبارك، ليعرّف محدّثه حقيقة الرسالة والرسول؛ إنّ محمدا ﵊ يحمل كتابا من الخالق إلى خلقه يهداهم من ضلال، وينقذهم من خبال، وهو- قبل غيره- مكلّف بتصديقه، والعمل به، والنزول عند أحكامه، فإذا كان الله يطلب من عباده أن يستقيموا إليه ويستغفروه، فمحمد ﵊ ألهج الناس بالاستغفار، وألزمهم للاستقامة، وما يطلب ملكا، ولا مالا، ولا جاها، لقد أمكنه الله من هذا كله فعفّ عنه، وترفّع أن يمدّ يده إليه، وبسط العطاء مما سيق إليه من خيرات، فأنفق واديا من المال في ساعة من نهار، وترك الحياة غير معقّب لذريته درهما. إن عتبة- باسم قريش- يريد أن يترك محمد ﵊ الدعوة إلى الله، وإقامة العدالة بين الناس! ماذا تصير إليه الحياة لو أن صخرة من الأرض انخلعت عنها وصعدت إلى دارات الفلك تطلب من الشمس أو أي
كوكب اخر أن يقف مسيره وإشعاعه، ويحرم الوجود من ضيائه وحرارته؟!. ألا ما أغرب هذا الطلب! وما أجدر صاحبه أن يرتدّ إلى مكانته لا يعدوها! ولذلك بعد ما استمع عتبة إلى ايات القران توقظ ما كان نائما من فكره، استمع إلى الوعيد يهدر، فيحرك ما كان هاجعا من عاطفته: فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ (١٣) [فصلت] . لقد وضع عتبة يده على جنبه، وقام كأن الصواعق ستلاحقه، وعاد إلى قريش يقترح عليها أن تدع محمدا وشأنه!!. أما وفد قريش إلى أبي طالب، فقد أخذ يقول: يا أبا طالب! إن ابن أخيك قد سبّ الهتنا، وعاب ديننا، وسفّه أحلامنا، وضلّل اباءنا، فإمّا أن تكفّه عنا، وإما أن تخلّي بيننا وبينه، فإنك على مثل ما نحن عليه من خلافه، فقال لهم أبو طالب قولا جميلا، وردّهم ردّا رفيقا، فانصرفوا عنه. ومضى رسول الله ﷺ بما هو عليه، ثم استشرى الأمر بينه وبينهم، حتى تباعد الرجال فتضاغنوا، وأكثرت قريش ذكر رسول الله ﷺ، وتامروا فيه فمشوا إلى أبي طالب مرة أخرى، فقالوا: يا أبا طالب إن لك فينا سنّا وشرفا، وإنا قد استنهيناك أن تنهى ابن أخيك فلم تفعل، وإنا- والله- لا نصبر على هذا من شتم الهتنا وابائنا، وتسفيه أحلامنا حتى تكفّه عنا، أو ننازله وإياك في ذلك؛ إلى أن يهلك أحد الفريقين، ثم انصرفوا عنه. عظم على أبي طالب فراق قومه وعداوتهم له، ولم تطب نفسه بإسلام رسول الله ﷺ وخذلانه، وبعث إلى رسول الله ﷺ، فأعلمه ما قالت قريش، وقال له: أبق على نفسك وعليّ، ولا تحمّلني من الأمر ما لا أطيق، فظنّ رسول الله ﷺ أنه قد بدا لعمه رأي، وأنه خذله، وضعف عن نصرته، فقال رسول الله صلوات الله وسلامه عليه: «يا عماه، والله لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في شمالي، على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله، أو أهلك فيه؛ ما تركته» «١» .
صلوات الله وسلامه عليه: «يا عماه، والله لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في شمالي، على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله، أو أهلك فيه؛ ما تركته» «١» .
ثم بكى رسول الله ﷺ وقام، فلما ولّى ناداه عمه أبو طالب، فأقبل عليه وقال: اذهب يا بن أخي فقل ما أحببت، فو الله لا أسلمك لشيء أبدا، وأنشد: والله لن يصلوا إليك بجمعهم ... حتى أوسّد في التّراب دفينا وهكذا أخفق الإغراء والإرهاب في تعويق الدعوة، وأدركت قريش أن ما تصبوا إليه بعيد المنال، فعادت سيرتها الأولى، تصبّ جام غضبها على المؤمنين، وتبذل اخر ما في وسعها للتنكيل بهم، ومحاولة فتنهم عن دينهم. وحزن الرسول الكريم ﷺ للماسي التي تقع لأصحابه، وهو عاجز عن كفّها، فأوعز إلى من قلّ نصيره، ونبا به المقام في مكة أن يهجرها إلى الحبشة، وكان ذلك لخمس سنين من مبعثه، أو بعد سنتين من جهره بالبلاغ.
الهجرة إلى الحبشة كان الرحيل إلى الحبشة تسلّلا في الخفاء، حتى لا تستيقظ قريش للأمر فتحبطه، ولم يبدأ كذلك على نطاق واسع، بل كان الفوج الأول مكوّنا من بضع أسر، فيهم رقية ابنة النبيّ ﵊ وزوجها عثمان بن عفان، ونفر اخر من المهاجرين لم يزيدوا جميعا عن ستة عشر، وقد يمّموا شطر البحر؛ حيث قيّضت لهم الأقدار سفينتين تجاريتين أبحرتا بهم إلى الحبشة، فلما خرجت قريش في اثارهم إلى الشاطئ، كانوا قد انطلقوا امنين، ولم يمكث أولئك المهاجرون طويلا حتى ترامت إليهم الأخبار بأن المشركين هادنوا الإسلام، وتركوا أهله أحرارا، وأن الإيذاء القديم انقطع، فلا بأس عليهم إن عادوا. وتركت هذه الإشاعة أثرها في قلوب المؤمنين، فقرروا العودة إلى وطنهم، حتى إذا اقتربوا من مكة تبيّنات لهم الحقيقة المحزنة، وعرفوا أن المشركين أشد ما يكونون خصاما لله ورسوله والمؤمنين، وأن عدوانهم لم ينقطع يوما ... ويزعم بعض المغفّلين أنه وقعت هدنة حقّا بين الإسلام والوثنية، أساسها أنّ محمدا ﷺ تقرب إلى المشركين بمدح أصنامهم والاعتراف بمنزلتها! وأن هذه الهدنة الواقعة هي التي أعادت المسلمين من الحبشة ... وماذا قال محمد ﵊ في مدح الأصنام؟ يجيب هؤلاء المغفّلون بأنه قال: تلك الغرانيق العلا، وإن شفاعتهن لترتجى!!.
لواقعة هي التي أعادت المسلمين من الحبشة ... وماذا قال محمد ﵊ في مدح الأصنام؟ يجيب هؤلاء المغفّلون بأنه قال: تلك الغرانيق العلا، وإن شفاعتهن لترتجى!!. وأين وضع هذه الكلمات؟ وضعها في سورة (النجم) مقحمة وسط الايات التي جاء فيها ذكر هذه الأصنام، فأصبحت هكذا: أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى (٢٠) تلك الغرانيق العلا، وإن شفاعتهن لترتجى أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثى (٢١) تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزى (٢٢) إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْماءٌ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَما تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدى (٢٣) ... [النجم] .
ويكون معنى الكلام على هذا: خبّروني عن أصنامكم: أهي كذا وكذا؟ إن شفاعتها مرجوة، إنها أسماء لا حقائق لها، إنّها خرافات ابتدعت واتبعت، ما لكم جعلتموها إناثا ونسبتموها لله وأنتم تكرهون نسبة الإناث لكم؟! تلك قسمة جائرة!. فهل هذا كلام يصدر عن عاقل فضلا عن أن ينزل به وحي حكيم؟!. ولكن هذا السخف وجد من يكتبه وينقله!. إن محمدا ﷺ لو كذب على الله باختلاق كلام عليه، لقطع عنقه بنصّ الكتاب الذي جاء به، قال الله جل شأنه: وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ (٤٦) فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ (٤٧) [الحاقة] .
[التحذير من الإسرائيليات] : بيد أنّ كتب التاريخ والتفسير التي تركت للورّاقين والزنادقة يشحنونها المفتريات، اتسعت صفحاتها لذكر هذا اللغو القبيح؛ ومع أن زيفه وفساده لم يخفيا على عالم، إلا أنه ما كان يجوز أن يدوّن مثله ... إنك تفتح (الخازن) في تفسير القران (سورة هود) فتقرأ ما يلي: لما كثرت الأرواث في سفينة نوح، أوحى الله إليه أن اغمز ذنب الفيل، فغمزه فوقع منه خنزير وخنزيرة، ومسح على الخنزير فوقع منه الفأرة، فأقبلوا على الروث فأكلوه، فلما أفسد الفأر في السفينة، وجعل يقرضها ويقطع حبالها، أوحى الله إليه أن اضرب بين عيني الأسد، فضرب فخرج من منخره قط وقطة، فأقبلا على الفأر فأكلاه. أرأيت هذا الكلام الفارغ؟! أرأيت من قبله حديث الغرانيق؟! إن كثيرا من هذه الخرافات الصغيرة توجد في كتب شتى عندنا، ولا ندري متى تنظف هذه الكتب القديمة منها، فهي لا ريب مدخولة عليها أيام غفلة المسلمين، وغلبة الدسائس اليهودية على أفكارهم ومخطوطاتهم. والذي ورد في الصحيح: أن الرسول ﵊ قرأ سورة (النجم) في محفل يضمّ مسلمين ومشركين، وخواتيم هذه السورة قوارع تطير لها القلوب. فلما أخذ صوت الرسول ﷺ يهدر بها ويرعد بنذرها حتى وصل إلى قول الله ﷿:
ة (النجم) في محفل يضمّ مسلمين ومشركين، وخواتيم هذه السورة قوارع تطير لها القلوب. فلما أخذ صوت الرسول ﷺ يهدر بها ويرعد بنذرها حتى وصل إلى قول الله ﷿:
.. وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوى (٥٣) فَغَشَّاها ما غَشَّى (٥٤) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمارى (٥٥) هذا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولى (٥٦) أَزِفَتِ الْآزِفَةُ (٥٧) لَيْسَ لَها مِنْ دُونِ اللَّهِ كاشِفَةٌ (٥٨) أَفَمِنْ هذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ (٥٩) وَتَضْحَكُونَ وَلا تَبْكُونَ (٦٠) وَأَنْتُمْ سامِدُونَ (٦١) فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا (٦٢) [النجم] . كانت روعة الحقّ قد صدعت العناد في نفوس المستكبرين والمستهزئين، فما تمالكوا أن يخرّوا لله ساجدين، مع غيرهم من المسلمين. فلما نكسوا على رؤوسهم، وأحسوا أنّ جلال الإيمان لوى زمامهم، ندموا على ما كان منهم، وأحبّوا أن يعتذروا عنه، بأنهم ما سجدوا مع محمد ﷺ إلا لأن محمدا ﷺ عطف على أصنامهم بكلمة تقدير «١» ! (كذا) ، وليس يستغرب هذا من قوم كانوا يؤلّفون النكت للضحك من المسلمين، ولا يستحيي أحدهم- وهو ابن خال النبي ﵊ أن يقول له ساخرا: أما كلّمت اليوم من السماء يا محمد؟!. وليس أسمج من اعتذار المشركين عن سجودهم إلا تصديق هذا الاعتذار، وقد حاول المشركون أن ينشروا فريتهم هذه ليعكروا على الرسول ﵊، ويشوّشوا على الوحي، وليوهموا بأن محمدا ﷺ في بعض أحيانه مال إليهم، وهيهات، فإن الحرب التي شنّها محمد ﷺ على الوثنية لم تزدها الليالي إلا ضراما، ولم تزده من عبيدها إلا خصاما.
[الهجرة الثانية إلى الحبشة] : عاد من هاجر إلى الحبشة ليباغت بأن الاضطهاد الواقع على الإسلام أحدّ وأشدّ، فدخل بعضهم مكة مستجيرا بمن يعرف من كبرائها، وتوارى الاخرون، لكن قريشا أبت إلا أن تنكّل بالقادمين، وأن تغري سائر القبائل بمضاعفة الأذى للمسلمين، فلم ير الرسول ﷺ بدّا من أن يشير على أصحابه بالهجرة مرة أخرى
رون، لكن قريشا أبت إلا أن تنكّل بالقادمين، وأن تغري سائر القبائل بمضاعفة الأذى للمسلمين، فلم ير الرسول ﷺ بدّا من أن يشير على أصحابه بالهجرة مرة أخرى
إلى الحبشة، وكانت هذه الهجرة الثانية أشق من سابقتها، فقد تيقّظت لها قريش، وقررت إحباطها، بيد أن المسلمين كانوا أسرع، فخرج منهم في هذا الفوج ثلاثة وثمانون رجلا وتسع عشرة امرأة، ويسّر الله لهم السفر، فانحازوا إلى نجاشي الحبشة. ووجدوا عنده ما يبغون من أمان وطيب جوار وكرم وفادة. والظاهر أنّ هذا النجاشيّ كان رجلا راشدا، نظيف العقل، حسن المعرفة لله، سليم الاعتقاد في عيسى عبد الله ورسوله ﵇، وكانت مرونة فكره سرّ المعاملة الجميلة التي وفّرها لأولئك اللاجئين إلى مملكته، فارّين بدينهم من الفتن. عزّ على المشركين أن يجد المهاجرون مأمنا لأنفسهم ودينهم، وأغرتهم كراهيتهم للإسلام أن يبعثوا إلى النجاشيّ وفدا منهم، محمّلا بالهدايا والتّحف، كي يحرم المسلمين ودّه، ويطوي عنهم بشره. وكان الوفد من عمرو بن العاص، وعبد الله بن أبي ربيعة- قبل أن يسلما-. واستعان الوفد على النجاشي برجال حاشيته، بعد أن ساقوا إليهم الهدايا، وزوّدوهم بالحجج التي يطرد بها أولئك المسلمون! قالوا: إنّ ناسا من سفهائنا، فارقوا دين قومهم، ولم يدخلوا في دين الملك، وجاؤوا بدين مبتدع، لا نعرفه نحن ولا أنتم ... واتفقوا معهم أن يشيروا على النجاشي بإقصائهم. فلما فوتح النجاشي في الأمر، وأشير عليه بإبعاد القوم، رأى ألابد من تمحيص القضية، وسماع أطرافها جميعا. ثم أرسل إلى أصحاب النبي ﷺ فدعاهم، فحضروا، وقد أجمعوا على صدقه، فيما ساءه وسرّه. وكان المتكلّم عنهم جعفر بن أبي طالب، فقال لهم النجاشي: ما هذا الدين الذي فارقتم فيه قومكم، ولم تدخلوا في ديني، ولا في دين أحد من الناس؟. فقال جعفر: أيها الملك! كنّا أهل جاهلية، نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، ويأكل القويّ منا الضعيف.
حتى بعث الله إلينا رسولا منا، نعرف نسبه وصدقه، وأمانته وعفافه، فدعانا لتوحيد الله، وألانشرك به شيئا، ونخلع ما كنّا نعبد من الأصنام، وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكفّ عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش، وقول الزور، وأكل مال اليتيم، وأمرنا بالصلاة والصيام.. وعدّد عليه أمور الإسلام. قال جعفر: فامنا به، وصدقناه، وحرّمنا ما حرم علينا، وحللنا ما أحل لنا، فتعدّى علينا قومنا فعذّبونا، وفتنونا عن ديننا، ليردّونا إلى عبادة الأوثان، فلما قهرونا وظلمونا، وحالوا بيننا وبين ديننا، خرجنا إلى بلادك، واخترناك على من سواك، ورجونا ألانظلم عندك ... فقال النجاشيّ: هل معك ممّا جاء به عن الله شيء؟ قال: نعم. فقرأ عليه صدرا من سورة مريم، فبكى النجاشيّ وأساقفته، وقال النجاشيّ: «إنّ هذا والذي جاء به عيسى يخرج من مشكاة واحدة، انطلقا، والله لا أسلمهم إليكما أبدا» يخاطب عمرو بن العاص وصاحبه- فخرجا، وقال عمرو لعبد الله بن أبي ربيعة: والله لاتينّه غدا بما يبيد خضراءهم. فلما كان الغد قال للنجاشيّ: إنّ هؤلاء يقولون في عيسى ابن مريم قولا عظيما. فأرسل النجاشيّ يسألهم عن قولهم في المسيح. فقال جعفر: نقول فيه الذي جاءنا به نبينا، هو عبد الله ورسوله وروحه، وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول. فأخذ النجاشي عودا من الأرض وقال: ما عدا عيسى ما قلت قدر هذا العود «١» ، فنخرت بطارقته! فقال: وإن نخرتم! وقال للمسلمين: اذهبوا فأنتم امنون، ما أحبّ أنّ لي جبلا من ذهب، وأنني اذيت رجلا منكم! وردّ هدية قريش، وقال: ما أخذ الله الرشوة مني حتى اخذها منكم، ولا أطاع الناس فيّ حتى أطيعهم فيه «٢» ، وأقام المسلمون عنده بخير دار.
أخفقت حيلة عمرو، وعاد الوفد إلى مكة، يجرّ أذيال الخيبة، وعرفت قريش أنها لن تشبع ضغينتها على الإسلام وأهله إلا في حدود سلطانها، فعزمت أن تشفي غيظها ممن يقع تحت أيديها.
عاد الوفد إلى مكة، يجرّ أذيال الخيبة، وعرفت قريش أنها لن تشبع ضغينتها على الإسلام وأهله إلا في حدود سلطانها، فعزمت أن تشفي غيظها ممن يقع تحت أيديها.
إسلام حمزة وعمر ﵄ إنّ الأفق المتلبّد بالسحب قد يتولّد منه برق يضيء، لقد غبرت على المسلمين في مكة أيام غلاظ، اضطرت بيوتا عديدة أن تفرّ بدينها، وبقي من بقي منهم يكابد العنت من شطط المشركين وكيدهم، إلا أنّ عناصر جديدة دخلت في الإسلام جعلت قريشا تتروّى في أمرها، قبل أن تقدم على إسااتها المبيتة. أسلم حمزة بن عبد المطلب، عمّ النبي ﵊ وأخوه من الرضاع، وهو رجل أيّد جلد، قويّ الشكيمة، وسبب إسلامه الغضب لما بلغه من تهجم أبي جهل على رسول الله ﷺ تهجّما بذيئا، قالت له أمة لعبد الله بن جدعان: يا أبا عمارة! لو رأيت ما لقي ابن أخيك (محمد) من أبي الحكم بن هشام، فإنه سبه واذاه، ثم انصرف عنه، ولم يكلّمه محمد- وكانت المرأة قد شهدت هذا الحادث من مسكن قريب- فأسرع حمزة محنقا، لا يلوي على شيء، وأقبل على أبي جهل وهو في مجلسه من قومه، ثم ضرب رأسه بالقوس، فشجه شجة منكرة وقال: أتشتمه وأنا على دينه؟!. وكما يقول البعض: طلبنا العلم للدنيا، فأبى الله إلا أن يكون للدين! كان إسلام حمزة أول الأمر أنفة رجل أبى أن يهان مولاه، ثم شرح الله صدره، فاستمسك بالعروة الوثقى، واعتزّ به المسلمون أيّما اعتزاز ... أما عمر بن الخطاب فكان أول الفتانين المستهزئين بالإسلام، وكان معروفا بحدة الطبع، وقوة الشكيمة، وطالما لقي المسلمون منه ألوان الأذى. روت زوجة عامر بن ربيعة قالت: إنّا لنرحل إلى أرض الحبشة، وقد ذهب عامر لبعض حاجته؛ إذ أقبل عمر- وهو على شركه- حتى وقف عليّ، وكنا نلقى منه البلاء، فقال: أتنطلقون يا أمّ عبد الله؟ قالت: نعم والله لنخرجنّ في أرض الله، فقد اذيتمونا، وقهرتمونا، حتى يجعل الله لنا فرجا. قالت: فقال عمر: صحبكم الله، ورأيت له رقة وحزنا ... !! قالت: فلما عاد عامر أخبرته،
رجنّ في أرض الله، فقد اذيتمونا، وقهرتمونا، حتى يجعل الله لنا فرجا. قالت: فقال عمر: صحبكم الله، ورأيت له رقة وحزنا ... !! قالت: فلما عاد عامر أخبرته،
وقلت له: لو رأيت عمر ورقته وحزنه علينا ... قال: أطمعت في إسلامه؟ قلت: نعم. فقال: لا يسلم حتى يسلم حمار الخطّاب!! - لما كان يراه الرجل من شدته وغلظته على المسلمين. ولكنّ قلب المرأة كان أصدق من رأي الرجل، فإنّ غلظة عمر كانت قشرة خفيفة، تكمن وراءها ينابيع من الرّقة والعطف والسماحة. والظاهر أنّ عمر كانت تصطرع في نفسه مشاعر متناقضة: احترامه للتقاليد التي سنّها الاباء والأجداد، واسترساله مع شهوات السّكر واللهو التي ألفها ... ثم إعجابه بصلابة المسلمين، واحتمالهم البلاء في سبيل عقيدتهم، ثم الشكوك التي تساوره- كأيّ عاقل- في أنّ ما يدعو إليه الإسلام قد يكون أجلّ وأزكى من غيره، ولهذا ما إن يثور حتى يخور، ذهب ليقتل محمدا ﷺ ثم ثنته عن عزمه كلمة. ولما علم بإسلام أخته وزوجها اقتحم عليهما البيت صاخبا متوعّدا، وضرب أخته فشجّها، وأعاده منظر الدم المراق إلى صوابه، فرجحت نواحي البر والخير في نفسه، وتناول ورقة كتبت فيها بعض الايات، وتلاها، ثم قال: ما أحسن هذا الكلام وأكرمه!!. واستكان عمر للحق، فمشى إلى رسول الله ﷺ يعلن إسلامه. فلما خلصت نفسه من شوائبها، وتمحّضت للإسلام، كان مددا عظيما لجند الله، فازداد المسلمون به منعة، ووقعت في نفوس الكافرين منه حسرة. ورأت قريش أنّ أمر الإسلام ينمو ويعلو، وأنّ وسائلها الأولى في محاربته لم تمنع انتشاره، أو تنفّر أنصاره، فأعادت النظر في موقفها كلّه، لترسم خطة جديدة أقسى وأحكم، وأدق وأشمل..
المقاطعة العامة وتمخّض حقد المشركين عن عقد معاهدة تعتبر المسلمين ومن يرضى بدينهم؛ أو يعطف عليهم؛ أو يحمي أحدا منهم- حزبا واحدا دون سائر الناس، ثم اتفقوا ألا يبيعوهم، أو يبتاعوا منهم شيئا، وألا يزوجوهم، أو يتزوّجوا منهم، وكتبوا ذلك في صحيفة علّقوها في جوف الكعبة، توكيدا لنصوصها. ولا شكّ أنّ المتطرفين من ذوي النزق والحدّة، نجحوا في فرض رأيهم، وإشباع ضغنهم، فاضطر الرسول ﷺ ومن معه إلى الاحتباس في شعب بني هاشم، وانحاز إليهم بنو المطلب، كافرهم ومؤمنهم على سواء، ما عدا أبا لهب، فقد ازر قريشا في خصومتها لقومه. وضيّق الحصار على المسلمين، وانقطع عنهم العون، وقلّ الغذاء حتى بلغ بهم الجهد أقصاه، وسمع بكاء أطفالهم من وراء الشّعب، وعضتهم الأزمات العصبية، حتى رثى لحالهم الخصوم، ومع اكفهرار الجو في وجوههم، فقد تحملوا في ذات الله الويلات. ولم تفتر حدة الوثنيين في الحملة على الإسلام ورجاله، وفي تأليب العرب عليهم من كل فج. قال السهيلي: كانت الصحابة إذا قدمت عير إلى مكة، يأتي أحدهم السوق ليشتري شيئا من الطعام قوتا لعياله، فيقوم أبو لهب فيقول: يا معشر التجار! غالوا على أصحاب محمد، حتى لا يدركوا معكم شيئا، وقد علمتم مالي ووفاء ذمتي، فأنا ضامن ألاخسار عليكم. فيزيدون عليهم السلعة قيمتها أضعافا، حتى يرجع أحدهم إلى أطفاله، وهم يتضاغون من الجوع، وليس في يده شيء يطعمهم به، ويغدو التجار على أبي لهب، فيربحهم فيما اشتروا من الطعام واللباس، حتى جهد المؤمنون ومن معهم جوعا وعريا. وروى يونس عن سعد بن أبي وقاص، قال: خرجت ذات ليلة لأبول
جار على أبي لهب، فيربحهم فيما اشتروا من الطعام واللباس، حتى جهد المؤمنون ومن معهم جوعا وعريا. وروى يونس عن سعد بن أبي وقاص، قال: خرجت ذات ليلة لأبول
فسمعت قعقعة تحت البول، فإذا قطعة من جلد بعير يابسة، فأخذتها وغسلتها، ثم أحرقتها، ورضضتها، وسففتها بالماء، فقويت بها ثلاثا. فانظر كيف انتهى الحصار بالمسلمين؟! وكيف أضناهم الحرمان، وألجأهم أن يطعموا ما لا مساغ له؟!. وقد أحزنت تلك الالام بعض ذوي الرحمة من قريش، فكان أحدهم يوقر البعير زادا، ثم يضربه في اتجاه الشعب ويترك زمامه ليصل إلى المحصورين، فيخفّف شيئا مما بهم من إعياء وفاقة.. كم بقيت هذه الضائقة؟ ثلاث سنين كالحة، كان رباط الإيمان واحده هو الذي يمسك القلوب، ويصبّر على اللأواء.. ومن الطبيعي أن يستعجل المسلمون الخروج من هذه المازق، لطالما وعدوا بالنصر والتمكين، فما وجدوا إلا الرّوع والسّغب! وها هم أولاء محرجون في أرض تنكرت لهم، واقشعرّت تحت أقدامهم، ولا ريب أنّ قلوبهم امتلأت غيظا على أولئك المشركين، الذين سخروا من جميع القيم الفاضلة، وكفروا بانتصارها في الدنيا كفرهم بمجيء اليوم الاخر، ولو لم يطلب أولئك المعذّبون النصر لينقذهم من بأسائهم، لطلبوه كي يخزوا به المكذّبين ويؤدّبوا المتوقحين، بيد أنّ الوحي كان ينزل فيطالب المسلمين باليقين والثبات، دون ارتقاب لهذه النتائج المتوقعة، يجب أن يجمدوا على حقائق الإيمان التي عرفوها، وأن يستمدّوا من سموّها وصدقها ما يراغمون به الأيام والأحداث: وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلى ما يَفْعَلُونَ (٤٦) وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإِذا جاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (٤٧) [يونس] .
شَهِيدٌ عَلى ما يَفْعَلُونَ (٤٦) وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإِذا جاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (٤٧) [يونس] . وكان المشركون أيضا يتعجّلون خاتمة الصراع بينهم وبين أولئك المسلمين؛ يتعجّلون لأنّهم يضحكون منها، فما يثقون ببعث أو جزاء، ولا يظنّون أبدا أن يوما قريبا أو بعيدا سينشق فجره، فإذا مكة خالية من الأصنام، وإذا أذان التوحيد يرنّ في أرجائها، وإذا المحصورون في الشّعب هم أصحاب الأمر والنهي، والسادة الحاكمون بأمرهم اليوم أسرى يرجون العفو!! وكان يقينهم من أنّ اليوم والغد لهم يزين لهم الاستهزاء بهذا الوعد والتعريض به: وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٤٨) قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلا نَفْعاً إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذا جاءَ أَجَلُهُمْ فَلا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ (٤٩) قُلْ
أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُهُ بَياتاً أَوْ نَهاراً ماذا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ (٥٠) أَثُمَّ إِذا ما وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ آلْآنَ وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ (٥١) [يونس] . وكان الدخول في الإسلام والبقاء عليه أبعد ما يكون عن التهمة، ربما اعتنق فريق من الناس مبدأ ما- عن صدق وإقناع-، وليس يمنعهم ذلك من التماس النفع به، والتقدّم من ورائه. أما أولئك السابقون الأولون، فقد علموا أنّ فقدان المنافع وهلاك المصالح الخاصة أول ما يلقون من تضحية في سبيل عقيدتهم. ولا أحسب شيئا يربّي النفوس على التجرّد كهذا التفاني في الحق، للحق ذاته، ثم إنّ القران كان صارما في قمع المتاجرة بالعقائد، والإثراء على حسابها، والعلوّ في الأرض باسمها: مَنْ كانَ يُرِيدُ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمالَهُمْ فِيها وَهُمْ فِيها لا يُبْخَسُونَ (١٥) أُولئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ ما صَنَعُوا فِيها وَباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٦) [هود] .
بْخَسُونَ (١٥) أُولئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ ما صَنَعُوا فِيها وَباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٦) [هود] . وقد أفاد الصحابة من ذلك عفّة ونقاء وإخلاصا، لا يعرف لها في التاريخ نظير؛ فلمّا تعثّرت تيجان الملوك بأقدامهم، واستسلمت الأقطار المكتظّة بالخير لجيوشهم، كانت دوافع العقيدة وأهدافها هي التي تشغل بالهم قبل الفتح وبعده، فلم يكترثوا لذهب أو فضة.. إنّما عناهم- أولا واخرا- إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر. وفي أيام الشّعب، كان المسلمون يلقون غيرهم في موسم الحج، ولم تشغلهم الامهم عن تبليغ الدعوة، وعرضها على كل وافد؛ فإنّ الاضطهاد لا يقتل الدعوات، بل يزيد جذورها عمقا، وفروعها امتدادا؛ وقد كسب الإسلام أنصارا كثرا في هذه المرحلة، وكسب- إلى جانب ذلك- أنّ المشركين قد بدؤوا ينقسمون على أنفسهم، ويتسائلون عن صواب ما فعلوا، وشرع فريق منهم يعمل على إبطال هذه المقاطعة، ونقض الصحيفة التي تضمنتها. وأول من أبلى في ذلك بلاء حسنا هشام بن عمرو؛ فقد ساءته حال المسلمين، ورأى ما هم فيه من عناء؛ فمشى إلى زهير بن أبي أمية؛ وكان شديد
الغيرة على النبي ﷺ والمسلمين، وكانت أمه عاتكة بنت عبد المطلب، فقال: يا زهير! أرضيت أن تأكل الطعام، وتلبس الثياب، وتنكح النساء وأخوالك حيث قد علمت؟!. أما إنّي أحلف بالله: لو كانوا أخوال أبي الحكم- يعني أبا جهل- ثم دعوته إلى مثل ما دعاك إليه ما أجابك أبدا! فقال: فماذا أصنع وإنّما أنا رجل واحد؟! والله لو كان معي رجل اخر لنقضتها! فقال: قد وجدت رجلا، قال: ومن هو؟ قال: أنا، قال زهير: ابغنا ثالثا، فذهب إلى المطعم بن عدي فقال له: أرضيت أن يهلك بطنان من بني عبد مناف، وأنت شاهد ذلك موافق فيه؟! أما والله لو أمكنتموهم من هذه لتجدنّهم إلى مثلها منكم أسرع!! قال: ما أصنع؟ إنّما أنا رجل واحد. قال: قد وجدت ثانيا، قال: من هو؟ قال: أنا. قال: ابغنا ثالثا، قال: قد فعلت. قال: من هو! قال زهير بن أبي أمية. قال: ابغنا رابعا، فذهب إلى أبي البختري بن هشام؛ وقال له نحوا مما قال للمطعم. قال: وهل من أحد يعين على هذا؟ قال: نعم. قال: من هو؟ قال: أنا وزهير والمطعم، قال: ابغنا خامسا، فذهب إلى زمعة بن الأسود، فكلّمه، وذكر له قرابته، قال: وهل على هذا الأمر معين؟ قال: نعم. وسمّى له القوم. فاتعدوا (خطم الحجون) الذي بأعلى مكة، فاجتمعوا هنالك، وتعاقدوا على القيام في نقض الصحيفة، فقال زهير: أنا أبدؤكم، فلما أصبحوا غدوا إلى أنديتهم، وغدا زهير فطاف بالبيت، ثم أقبل على الناس فقال: يا أهل مكة! أنأكل الطعام، ونلبس الثياب، وبنو هاشم هلكى، لا يبتاعون، ولا يبتاع منهم؟! والله لا أقعد حتى تشقّ هذه الصحيفة القاطعة الظالمة!! قال أبو جهل: كذبت والله لا تشقّ، قال زمعة بن الأسود: أنت والله أكذب، ما رضينا بها حين كتبت! وقال أبو البختري: صدق والله زمعة، لا نرضى ما كتب فيها، وقال المطعم بن عدي: صدقتما، وكذب من قال غير ذلك!! وقال هشام بن عمرو نحوا من هذا، فقال أبو جهل: هذا أمر قضي بليل! فقام المطعم إلى الصحيفة ليشقّها، فوجد الأرضة قد أكلتها إلّا كلمة: «باسمك اللهم» . وكانت العرب تفتتح بها كتبها..
هذا، فقال أبو جهل: هذا أمر قضي بليل! فقام المطعم إلى الصحيفة ليشقّها، فوجد الأرضة قد أكلتها إلّا كلمة: «باسمك اللهم» . وكانت العرب تفتتح بها كتبها..
عام الحزن انطلق المسلمون من الشعب، يستأنفون نشاطهم القديم، بعد ما قطع الإسلام في مكة قرابة عشرة أعوام مليئة بالأحداث الضخمة، وما إن تنفس المسلمون من الشدة التي لاقوها، حتى أصيب الرسول ﷺ بوفاة زوجته خديجة، ثم بوفاة عمّه أبي طالب. أي أنه نكب في حياته الخاصة والعامة معا. إنّ خديجة من نعم الله الجليلة على محمد ﵊، فقد ازرته في أحرج الأوقات، وأعانته على إبلاغ رسالته، وشاركته مغارم الجهاد المر، وواسته بنفسها ومالها، وإنك لتحسّ قدر هذه النعمة عند ما تعلم أنّ من زوجات الأنبياء من خنّ الرسالة، وكفرن برجالهنّ، وكنّ مع المشركين من قومهن والهن حربا على الله ورسوله: ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كانَتا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبادِنا صالِحَيْنِ فَخانَتاهُما فَلَمْ يُغْنِيا عَنْهُما مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ (١٠) [التحريم] . أما خديجة فهي صدّيقة النساء، حنّت على رجلها ساعة القلق، وكانت نسمة سلام وبر، رطّبت جبينه المتصبّب من اثار الوحي، وبقيت ربع قرن معه، تحترم قبل الرسالة تأمّله وعزلته وشمائله، وتتحمّل بعد الرسالة كيد الخصوم، والام الحصار، ومتاعب الدعوة، وماتت والرسول ﷺ في الخمسين من عمره، وهي تجاوزت الخامسة والستين، وقد أخلص لذكراها طول حياته. أما أبو طالب، فإنّ المرء يحار في أمره! وبقدر ما يهتزّ إعجابا لنبله في كفالة محمد ﷺ، ثم لبطولته في الدفاع عنه حين نبّئ، وحين صدع بأمر ربه، وأنذر عشيرته الأقربين. إنّه- بقدر ذلك- يستغرب المصير الذي ختم حياته، وجعله يصرّح- قبل موته- أنّه على ملّة الأشياخ من أجداده.
بّئ، وحين صدع بأمر ربه، وأنذر عشيرته الأقربين. إنّه- بقدر ذلك- يستغرب المصير الذي ختم حياته، وجعله يصرّح- قبل موته- أنّه على ملّة الأشياخ من أجداده.
وقد حزن رسول الله ﷺ لموت أبي طالب حزنا شديدا، ألم يكن الحصن الذي تحتمي به الدعوة من هجمات الكبراء والسفهاء؟! وها قد ولّى الرجل الذي سخّر جاهه وسلطانه في الذود عن ابن أخيه وكفّ العوادي أن تناله. إن قريشا أصبحت لا تهاب في محمّد ﵊ أحدا بعده. روي أنّ رسول الله ﷺ قال: «ما نالت منّي قريش شيئا أكرهه حتى مات أبو طالب» «١» ، وذلك أنّهم تجرؤوا عليه، حتى نثر بعضهم التراب على رأسه. وعن ابن مسعود قال: بينا رسول الله ﷺ يصلّي عند البيت، وأبو جهل وأصحابه جلوس، وقد نحرت جزور بالأمس؛ فقال أبو جهل: أيّكم يقوم إلى سلا جزور بني فلان فيضعه بين كتفي محمد إذا سجد؟ فانبعث أشقى القوم فأخذه، فلما سجد النبيّ ﷺ وضعه بين كتفيه، فاستضحكوا، وجعل بعضهم يميل على بعض، وأنا قائم أنظر، لو كانت لي منعة طرحته عن ظهره، والنبيّ ﷺ ساجد ما يرفع رأسه، حتى انطلق إنسان فأخبر فاطمة، فجاءت- وهي جويرية- فطرحته عنه، ثم أقبلت عليهم تشتمهم. فلمّا قضى رسول الله ﷺ صلاته؛ رفع صوته، ثم دعا عليهم، وكان إذا دعا دعا ثلاث مرات، وإذا سأل سأل ثلاثا، ثم قال: «اللهم عليك بقريش» ثلاثا. فلمّا سمعوا، ذهب عنهم الضحك، وخافوا دعوته. ثم قال: «اللهم عليك بأبي جهل بن هشام، وعتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، والوليد بن عتبة، وأمية بن خلف، وعقبة بن أبي معيط» وذكر السابع ولم أحفظه. فو الذي بعث محمدا ﷺ بالحق، لقد رأيت الذين سمّى صرعى يوم بدر، ثم سحبوا إلى القليب، قليب بدر «٢» . لقد مضت مكة في طريق الكفر حتى أوغلت فيه، وبلغت نهايته، فهي الان تستمرئ تلويث الساجدين بالأقذار، وتتمايل- ضحكا- من منظر الأنجاس وهي
تسيل على كتفي المصلي، لم يبق في هذه القلوب مكان لذرة من الخير. والبنت- في المجتمع العربي- تعيش في كنف أبيها، وتفخر بقوته، وتأنس بحمايته. وممّا يحزّ في قلب الرجل أن يرى نفسه في وضع تدفع عنه ابنته، وتشعر بالعجز وقلّة الناصر، وقد كظم محمّد ﷺ على ألمه، وتحمّل في ذات الله ما لقي، إلا أنّه أخذ يفكّر في التوجّه برسالته إلى قرية أخرى، علّها تكون أحسن قبولا، وأقرب استجابة؛ فاستصحب معه زيد بن حارثة، وولّى وجهه شطر (ثقيف) يلتمس نصرتها..
في الطائف ذهب رسول الله ﷺ إلى الطائف حيث تقطن ثقيف، وهي تبعد عن مكة نحو الخمسين ميلا، سارها محمد ﷺ على قدميه جيئة وذهابا، فلمّا انتهى إليها قصد إلى نفر من رجالاتها، الذين ينتهي إليهم أمرها، ثم كلّمهم في الإسلام، ودعاهم إلى الله، فردوه- جميعا- ردّا منكرا، وأغلظوا له الجواب، ومكث عشرة أيام، يتردّد على منازلهم دون جدوى. فلمّا يئس الرسول ﵊ من خيرهم، قال لهم: «إذا أبيتم، فاكتموا عليّ ذلك» - كراهية أن يبلغ أهل مكة، فتزداد عداوتهم وشماتتهم- لكنّ القوم كانوا أخسّ مما ينتظر، قالوا له: اخرج من بلدنا، وحرّشوا عليه الصبيان والرعاع، فوقفوا له صفين يرمونه بالحجارة، وزيد بن حارثة يحاول- عبثا- الدفاع عنه، حتى شجّ في ذلك رأسه. وأصيب الرسول ﵊ في أقدامه، فسالت منها الدماء، واضطره المطاردون إلى أن يلجأ إلى بستان لعتبة وشيبة ابني ربيعة، حيث جلس في ظل كرمة يلتمس الراحة والأمن. وكان أصحاب البستان فيه، فصرفوا الأوباش عنه، واستوحش الرسول ﵊ لهذا الحاضر المرير، وثابت إلى نفسه ذكريات الأيّام التي عاناها مع أهل مكة، إنه يجرّ وراءه سلسلة ثقيلة من الماسي المتلاحقة، فهتف يقول: «اللهم إليك أشكو ضعف قوّتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس.. أنت أرحم الراحمين، أنت ربّ المستضعفين، وأنت ربّي.. إلى من تكلني؟! إلى بعيد يتجهّمني، أم إلى عدوّ ملّكته أمري؟! إن لم يكن بك غضب عليّ فلا أبالي، غير أنّ عافيتك هي أوسع لي..!!. أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا



