معجزات النبي من البداية والنهاية

Kitab sirah Nabi Muhammad ﷺ karya ابن كثير (w. 774 H). Tahqiq: السيد إبراهيم.

Bagian 14 dari 17 448 halaman

— Bagian 14 · سُبْحَانَ مَنْ أَصْبَحَتْ مَشِيئَتُهُ ... جَارِي… —

Bagian 14

سُبْحَانَ مَنْ أَصْبَحَتْ مَشِيئَتُهُ ... جَارِيَةً فِي الْوَرَى بِمِقْدَارِ أَغْرَقَ بَغْدَادَ بِالْمِيَاهِ كَمَا ... أَحْرَقَ أَرْضَ الحجاز بالنار

حديث آخر [إخباره عن القوم الذين يخرجون آخر الزمان وفي أيديهم مثل أذناب البقر] قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ، ثَنَا أَفْلَحُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ، شَيْخٌ مِنْ أَهْلِ قبا مِنَ الْأَنْصَارِ، حَدَّثَنِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَافِعٍ مَوْلَى أَمِّ سَلَمَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: إِنْ طَالَتْ بِكُمْ مُدَّةٌ أَوْشَكَ أن تروا قَوْمًا يَغْدُونَ فِي سَخَطِ اللَّهِ وَيَرُوحُونَ فِي لَعْنَتِهِ، فِي أَيْدِيهِمْ مِثْلُ أَذْنَابِ الْبَقَرِ «١» . وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نمير عن زيد ابن الخباب عَنْ أَفْلَحَ بْنِ سَعِيدٍ بِهِ، وَرَوَى مُسْلِمٌ أَيْضًا عَنْ زُهَيْرِ بْنِ حَرْبٍ عَنْ جَرِيرٍ عَنْ سُهَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ ﷺ: صِنْفَانِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ لَمْ أَرَهُمَا بَعْدُ، قَوْمٌ مَعَهُمْ سِيَاطٌ كأذناب البقر يضربون الناس، ونساء كاسيات عاريات مائلات مميلات رؤوسهن كَأَسْنِمَةِ الْبُخْتِ «٢» الْمَائِلَةِ لَا يَدْخُلْنَ الْجَنَّةَ، وَلَا يَجِدْنَ رِيحَهَا، وَإِنَّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ كَذَا وَكَذَا، وَهَذَانِ الصِّنْفَانِ وَهُمَا الْجَلَّادُونَ الَّذِينَ يسمون بالرجالة، والجناندارية، كَثِيرُونَ فِي زَمَانِنَا هَذَا وَمِنْ قَبْلِهِ وَقَبْلِ قَبْلِهِ بِدَهْرٍ، وَالنِّسَاءُ الْكَاسِيَاتُ الْعَارِيَاتُ أَيْ عَلَيْهِنَّ لبس لا يوارى سَوْآتِهِنَّ، بَلْ هُوَ زِيَادَةٌ فِي الْعَوْرَةِ، وَإِبْدَاءٌ لِلزِّينَةِ. مَائِلَاتٌ فِي مَشْيِهِنَّ مُمِيلَاتٌ غَيْرَهُنَّ إِلَيْهِنَّ، وَقَدْ عَمَّ الْبَلَاءُ بِهِنَّ فِي زَمَانِنَا هَذَا، ومن قبله أيضا، وهذا

ِلزِّينَةِ. مَائِلَاتٌ فِي مَشْيِهِنَّ مُمِيلَاتٌ غَيْرَهُنَّ إِلَيْهِنَّ، وَقَدْ عَمَّ الْبَلَاءُ بِهِنَّ فِي زَمَانِنَا هَذَا، ومن قبله أيضا، وهذا

مِنْ أَكْبَرِ دَلَالَاتِ النُّبُوَّةِ إِذْ وَقَعَ الْأَمْرُ فِي الْخَارِجِ طِبْقَ مَا أَخْبَرَ بِهِ ﵇، وَقَدْ تَقَدَّمَ حَدِيثُ جَابِرٍ: أَمَا إِنَّهَا سَتَكُونُ لَكُمْ أَنْمَاطٌ، وَذُكِرَ تَمَامُ الْحَدِيثِ فِي وُقُوعِ ذَلِكَ وَاحْتِجَاجِ امْرَأَتِهِ عَلَيْهِ بِهَذَا.

حديث آخر [إخباره عن اتساع الدنيا على أمته] رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ عَبْدِ الصَّمَدِ بْنِ عَبْدِ الْوَارِثِ عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدَ، وَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِهِ عَنْ أَبِي حَرْبِ بْنِ أَبِي الْأَسْوَدِ الدُّؤَلِيِّ عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عَمْرٍو الْبَصْرِيِّ أَنَّهُ قَدِمَ الْمَدِينَةَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَبَيْنَمَا هُوَ يُصَلِّي إِذْ أَتَاهُ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَحْرَقَ بُطُونَنَا التَّمْرُ وتحرقت عنا الحيف، قَالَ: فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: لقد رأيتنى وصاحبى وَمَا لَنَا طَعَامٌ غَيْرَ الْبَرِيرِ «١» حَتَّى أَتَيْنَا إِخْوَانَنَا مِنَ الْأَنْصَارِ فَآسَوْنَا مِنْ طَعَامِهِمْ وَكَانَ طَعَامِهِمُ التَّمْرُ، وَالَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لو قدرت لكم على الخبز والتمر لَأَطْعَمْتُكُمُوهُ، وَسَيَأْتِي عَلَيْكُمْ زَمَانٌ أَوْ مَنْ أَدْرَكَهُ مِنْكُمْ يَلْبَسُونَ مِثْلَ أَسْتَارِ الْكَعْبَةِ، وَيُغْدَى وَيُرَاحُ عَلَيْكُمْ بِالْجِفَانِ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنْحَنُ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ أَمِ الْيَوْمَ؟ قَالَ: بَلْ أَنْتُمُ الْيَوْمَ خَيْرٌ، أَنْتُمُ الْيَوْمَ إِخْوَانٌ، وَأَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ «٢» . وَقَدْ رَوَى سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي موسى بحلس قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إذا مشت أمتى المطيطا «٣» وَخَدَمَتْهُمْ فَارِسُ وَالرُّومُ، سَلَّطَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ.

أَبِي موسى بحلس قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إذا مشت أمتى المطيطا «٣» وَخَدَمَتْهُمْ فَارِسُ وَالرُّومُ، سَلَّطَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ. وَقَدْ أَسْنَدَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُوسَى بْنِ عُبَيْدَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ.

حديث آخر [أخباره عن مجددي الدين] قَالَ أَبُو دَاوُدَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ الْمَهْرِيُّ، ثنا ابن وهب، ثنا سعيد ابن أبى أيوب عن شراحيل بن ريد الْمَعَافِرِيِّ عَنْ أَبِي عَلْقَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فلما أَعْلَمُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: إِنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ عَلَى رَأْسِ كُلِّ مِائَةِ سَنَةٍ مَنْ يُجَدِّدُ لَهَا أَمْرَ دينها. قال أبو داود: عبد الرحمن بن شريح الاسكندرانى لم يحدثه شَرَاحِيلُ، تَفَرَّدَ بِهِ أَبُو دَاوُدَ، وَقَدْ ذَكَرَ كُلُّ طَائِفَةٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ فِي رَأْسِ كُلِّ مِائَةِ سَنَةٍ عَالِمًا مِنْ عُلَمَائِهِمْ يُنَزِّلُونَ هَذَا الحديث عليه. وقال طائفة من العلماء هل الصَّحِيحُ أَنَّ الْحَدِيثَ يَشْمَلُ كُلَّ فَرْدٍ فَرْدٍ مِنْ آحَادِ الْعُلَمَاءِ مِنْ هَذِهِ الْأَعْصَارِ مِمَّنْ يَقُومُ بِفَرْضِ الْكِفَايَةِ فِي أَدَاءِ الْعِلْمِ عَمَّنْ أَدْرَكَ مِنَ السَّلَفِ إِلَى مَنْ يُدْرِكُهُ مِنَ الْخَلَفِ كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ مِنْ طُرُقٍ مُرْسَلَةٍ وَغَيْرِ مُرْسَلَةٍ: يَحْمِلُ هَذَا الْعِلْمَ مِنْ كُلِّ خَلَفٍ عُدُولُهُ يَنْفُونَ عَنْهُ تَحْرِيفَ الْغَالِينَ، وَانْتِحَالَ الْمُبْطِلِينَ، وَهَذَا مَوْجُودٌ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ إِلَى زَمَانِنَا هَذَا، وَنَحْنُ فِي الْقَرْنِ الثَّامِنِ، والله المسئول أن يحتم لَنَا بِخَيْرٍ وَأَنْ يَجْعَلَنَا مِنْ عِبَادِهِ الصَّالِحِينَ، وَمِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ آمِينَ آمِينَ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ. وَسَيَأْتِي الْحَدِيثُ الْمُخَرَّجُ مِنَ الصَّحِيحِ: لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ وَلَا مَنْ خَالَفَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَذَلِكَ. وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ وَهُمْ بِالشَّامِ وَقَدْ قَالَ كَثِيرٌ مِنْ عُلَمَاءِ السَّلَفِ: إِنَّهُمْ أَهْلُ الْحَدِيثِ وَهَذَا أَيْضًا مِنْ دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ فَإِنَّ أَهْلَ الحديث بالشام أكثر من

قَالَ كَثِيرٌ مِنْ عُلَمَاءِ السَّلَفِ: إِنَّهُمْ أَهْلُ الْحَدِيثِ وَهَذَا أَيْضًا مِنْ دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ فَإِنَّ أَهْلَ الحديث بالشام أكثر من

سَائِرِ أَقَالِيمِ الْإِسْلَامِ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ، وَلَا سِيَّمَا بِمَدِينَةِ دِمَشْقَ حَمَاهَا اللَّهُ وَصَانَهَا، كَمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي سَنَذْكُرُهُ أَنَّهَا تَكُونُ مَعْقِلَ الْمُسْلِمِينَ عِنْدَ وُقُوعِ الْفِتَنِ. وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنِ النَّوَّاسِ بْنِ سَمْعَانَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَخْبَرَ عَنْ عِيسَى بن مَرْيَمَ أَنَّهُ يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ عَلَى الْمَنَارَةِ الْبَيْضَاءِ شَرْقِيَّ دِمَشْقَ وَلَعَلَّ أَصْلَ لَفْظِ الْحَدِيثِ عَلَى الْمَنَارَةِ الْبَيْضَاءِ الشَّرْقِيَّةِ بِدِمَشْقَ وَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّهُ كَذَلِكَ فِي بَعْضِ الْأَجْزَاءِ وَلَمْ أَقِفْ عَلَيْهِ إِلَى الْآنَ وَاللَّهُ الْمُيَسِّرُ. وَقَدْ جُدِّدَتْ هَذِهِ الْمَنَارَةُ الْبَيْضَاءُ الشَّرْقِيَّةُ بِجَامِعِ دِمَشْقَ بَعْدَ ما أحرقها النصارى من أيامنا هذه بعد سنة أربعين وسبعمائة فأقاموها مِنْ أَمْوَالِ النَّصَارَى مُقَاصَّةً عَلَى مَا فَعَلُوا مِنَ الْعُدْوَانِ وَفِي هَذَا حِكْمَةٌ عَظِيمَةٌ وَهُوَ أَنْ يَنْزِلَ عَلَى هَذِهِ الْمَبْنِيَّةِ مِنْ أَمْوَالِهِمْ عيسى بن مَرْيَمَ نَبِيُّ اللَّهِ فَيُكَذِّبَهُمْ فِيمَا افْتَرَوْهُ عَلَيْهِ مِنَ الْكَذِبِ عَلَيْهِ وَعَلَى اللَّهِ وَيَكْسِرَ الصَّلِيبَ وَيَقْتُلَ الْخِنْزِيرَ وَيَضَعَ الْجِزْيَةَ أَيْ يَتْرُكُهَا وَلَا يَقْبَلُ مِنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَلَا مِنْ غَيْرِهِمْ إِلَّا الْإِسْلَامَ، يَعْنِي أَوْ يَقْتُلُهُ وَقَدْ أَخْبَرَ بِهَذَا عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَرَّرَهُ عَلَيْهِ وَسَوَّغَهُ لَهُ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ دَائِمًا إِلَى يَوْمِ الدِّينِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ.

لَهُ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ دَائِمًا إِلَى يَوْمِ الدِّينِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ.

باب معجزات النبي ﷺ تفوق معجزات الأنبياء السابقين البينة عَلَى ذِكْرِ مُعْجِزَاتٍ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مماثلة لمعجزات جماعة من الأنبياء قبله، وأعلى منها، خارجة عَمَّا اخْتَصَّ بِهِ مِنَ الْمُعْجِزَاتِ الْعَظِيمَةِ الَّتِي لم يكن لِأَحَدٍ قَبْلَهُ مِنْهُمْ ﵈. فَمِنْ ذَلِكَ الْقُرْآنَ الْعَظِيمَ الَّذِي لَا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ، فَإِنَّهُ مُعْجِزَةٌ مُسْتَمِرَّةٌ عَلَى الْآبَادِ، ولا يخفى برهانها، ولا يتفحص مثلها، وَقَدْ تَحَدَّى بِهِ الثَّقَلَيْنِ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِهِ أَوْ بِعَشْرِ سُوَرٍ أَوْ بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ، فَعَجَزُوا عَنْ ذَلِكَ كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيرُ ذَلِكَ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْمُعْجِزَاتِ. وَقَدْ سَبَقَ الْحَدِيثُ الْمُتَّفَقُ عَلَى إِخْرَاجِهِ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ بن سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: مَا مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا وَقَدْ أُوتِيَ مِنَ الْآيَاتِ مَا آمَنَ عَلَى مِثْلِهِ الْبَشَرُ، وَإِنَّمَا كَانَ الَّذِي أوتيت وحيا أو حاه الله إلى، فأرجوا أَنْ أَكُونَ أَكْثَرَهُمْ تَابِعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ.

ا آمَنَ عَلَى مِثْلِهِ الْبَشَرُ، وَإِنَّمَا كَانَ الَّذِي أوتيت وحيا أو حاه الله إلى، فأرجوا أَنْ أَكُونَ أَكْثَرَهُمْ تَابِعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَالْمَعْنَى أن كل نبى أوتى من خوارق المعجزات مَا يَقْتَضِي إِيمَانَ مَنْ رَأَى ذَلِكَ مِنْ أولى البصائر والنهى، لامن أَهْلِ الْعِنَادِ وَالشَّقَاءِ، وَإِنَّمَا كَانَ الَّذِي أُوتِيتُهُ، أَيْ جُلُّهُ وَأَعْظَمُهُ وَأَبْهَرُهُ، الْقُرْآنُ الَّذِي أَوْحَاهُ الله الىّ، فَإِنَّهُ لَا يَبِيدُ وَلَا يَذْهَبُ كَمَا ذَهَبَتْ مُعْجِزَاتُ الْأَنْبِيَاءِ وَانْقَضَتْ بِانْقِضَاءِ أَيَّامِهِمْ، فَلَا تُشَاهَدُ، بل يخبر عنها بالتواتر والآحاد، بخلاف القرآن العظيم الذى أوحاه الله إليه فَإِنَّهُ مُعْجِزَةٌ مُتَوَاتِرَةٌ عَنْهُ، مُسْتَمِرَّةٌ دَائِمَةُ الْبَقَاءِ بَعْدَهُ، مَسْمُوعَةٌ لِكُلٍّ مَنْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شهيد.

وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْخَصَائِصِ ذِكْرُ مَا اخْتُصَّ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ بقية إخوانه من الأنبياء ﵈، كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ قَبْلِي، نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ، وَجُعِلَتْ لِيَ الأرض مسجدا وطهورا، فأينما رَجُلٍ مِنْ أُمَّتِي أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ فَلْيُصَلِّ، وَأُحِلَّتْ لِيَ الْغَنَائِمُ وَلَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي، وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ، وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ، وبعثت إِلَى النَّاسِ عَامَّةً، وَقَدْ تَكَلَّمْنَا عَلَى ذَلِكَ وَمَا شَاكَلَهُ فِيمَا سَلَفَ بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ. وَقَدْ ذَكَرَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ أَنَّ كُلَّ مُعْجِزَةٍ (لِنَبِيٍّ) مِنَ الأنبياء فهى مُعْجِزَةٌ لِخَاتَمِهِمْ مُحَمَّدٍ ﷺ وَذَلِكَ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمْ بَشَّرَ بِمَبْعَثِهِ، وَأَمَرَ بِمُتَابَعَتِهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي قالُوا أَقْرَرْنا قالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٨١) فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ (٨٢) «١» . وَقَدْ ذَكَرَ الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضى الله عنهما أَنَّهُ قَالَ: مَا بَعَثَ اللَّهُ نَبِيًّا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ إِلَّا أَخَذَ عَلَيْهِ الْعَهْدَ وَالْمِيثَاقَ لَئِنْ بُعِثَ مُحَمَّدٌ وَهُوَ حَيٌّ لِيُؤْمِنَنَّ بِهِ وَلَيَتَّبِعَنَّهُ وَلَيَنْصُرُنَّهُ. وَذَكَرَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ أَنَّ كَرَامَاتِ الْأَوْلِيَاءِ مُعْجِزَاتٌ لِلْأَنْبِيَاءِ؛ لِأَنَّ الْوَلِيَّ إِنَّمَا نَالَ ذَلِكَ بِبَرَكَةِ مُتَابَعَتِهِ لِنَبِيِّهِ، وَثَوَابِ إِيمَانِهِ.

َاتِ الْأَوْلِيَاءِ مُعْجِزَاتٌ لِلْأَنْبِيَاءِ؛ لِأَنَّ الْوَلِيَّ إِنَّمَا نَالَ ذَلِكَ بِبَرَكَةِ مُتَابَعَتِهِ لِنَبِيِّهِ، وَثَوَابِ إِيمَانِهِ. وَالْمَقْصُودُ أَنَّهُ كَانَ الْبَاعِثَ لِي عَلَى عَقْدِ هَذَا الْبَابِ أَنِّي وَقَفْتُ عَلَى مُوَلَّدٍ اخْتَصَرَهُ مِنْ سِيرَةِ الْإِمَامِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ يسار وغيرهما شَيْخُنَا الْإِمَامُ الْعَلَّامَةُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ كَمَالُ الدِّينِ أَبُو الْمَعَالِي مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الْأَنْصَارِيُّ السِّمَاكِيُّ، نسبه إلى أبى دجانة الأنصارى سماك بن حرب بن حرشة الأوسى،

رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، شَيْخُ الشَّافِعِيَّةِ فِي زَمَانِهِ بلا مدافعة، المعروف بابن الزملكانى عليه رحمة الله، وَقَدْ ذَكَرَ فِي أَوَاخِرِهِ شَيْئًا مِنْ فَضَائِلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَعَقَدَ فَصْلًا فِي هَذَا الْبَابِ فَأَوْرَدَ فِيهِ أَشْيَاءَ حسنة، ونبه على فوائد جمة، وفوائد مُهِمَّةٍ، وَتَرَكَ أَشْيَاءَ أُخْرَى حَسَنَةً، ذَكَرَهَا غَيْرُهُ مِنَ الْأَئِمَّةِ الْمُتَقَدِّمِينَ، وَلَمْ أَرَهُ اسْتَوْعَبَ الْكَلَامَ إِلَى آخِرِهِ، فَإِمَّا أَنَّهُ قَدْ سَقَطَ مِنْ خَطِّهِ، أَوْ أَنَّهُ لَمْ يُكْمِلْ تَصْنِيفَهُ، فَسَأَلَنِي بَعْضُ أَهْلِهِ مِنْ أَصْحَابِنَا مِمَّنْ تَتَأَكَّدُ إِجَابَتُهُ، وتكرر ذلك منه، فى تكميله وتبويبه وَتَرْتِيبِهِ، وَتَهْذِيبِهِ، وَالزِّيَادَةِ عَلَيْهِ وَالْإِضَافَةِ إِلَيْهِ، فَاسْتَخَرْتُ اللَّهَ حِينًا مِنَ الدَّهْرِ، ثُمَّ نَشِطْتُ لِذَلِكَ ابْتِغَاءَ الثَّوَابِ وَالْأَجْرِ. وَقَدْ كُنْتُ سَمِعْتُ مِنْ شيخنا الإمام العلامة الْحَافِظِ، أَبِي الْحَجَّاجِ الْمِزِّيِّ تَغَمَّدَهُ اللَّهُ بِرَحْمَتِهِ، أَنَّ أَوَّلَ مَنْ تَكَلَّمَ فِي هَذَا المقام الإمام أبو عبد الله محمد ابن إدريس الشافعى رضى الله عنه.

الْمِزِّيِّ تَغَمَّدَهُ اللَّهُ بِرَحْمَتِهِ، أَنَّ أَوَّلَ مَنْ تَكَلَّمَ فِي هَذَا المقام الإمام أبو عبد الله محمد ابن إدريس الشافعى رضى الله عنه. وَقَدْ رَوَى الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَيْهَقِيُّ ﵀ فى كتابه دلائل بالنبوة، عَنْ شَيْخِهِ الْحَاكِمِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، أَخْبَرَنِي أَبُو أَحْمَدَ بْنُ أَبِي الْحَسَنِ، أَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي حَاتِمٍ الرَّازِيُّ عَنْ أَبِيهِ، قال عمر ابن سوار: قال الشافعى: مثل مَا أَعْطَى اللَّهُ نَبِيًّا مَا أَعْطَى مُحَمَّدًا ﷺ، فَقُلْتُ: أَعْطَى عِيسَى إِحْيَاءَ الْمَوْتَى، فَقَالَ: أَعْطَى مُحَمَّدًا ﷺ الْجِذْعَ الَّذِي كَانَ يَخْطُبُ إِلَى جنبه حين بنى لَهُ الْمِنْبَرُ حَنَّ الْجِذْعُ حَتَّى سُمِعَ صَوْتُهُ، فهذا أكبر من ذلك، هَذَا لَفْظُهُ ﵁، وَالْمُرَادُ مِنْ إيراد ما نذكره فى هذا الباب، والبينة على مَا أَعْطَى اللَّهُ أَنْبِيَاءَهُ ﵈ مِنَ الْآيَاتِ الْبَيِّنَاتِ، وَالْخَوَارِقِ الْقَاطِعَاتِ، وَالْحُجَجِ الْوَاضِحَاتِ، وَأَنَّ الله جَمَعَ لِعَبْدِهِ وَرَسُولِهِ سَيِّدِ الْأَنْبِيَاءِ وَخَاتَمِهِمْ مِنْ جَمِيعِ أَنْوَاعِ الْمَحَاسِنِ وَالْآيَاتِ مَعَ مَا اخْتَصَّهُ اللَّهُ بِهِ مِمَّا لَمَّ يُؤْتِ أَحَدًا قَبْلَهُ، كما ذكرنا فى خصائصه وشمائله ﷺ. وَوَقَفْتُ عَلَى فَصْلٍ مَلِيحٍ فِي هَذَا الْمَعْنَى، فِي كِتَابِ دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ لِلْحَافِظِ أَبِي نُعَيْمٍ، أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَصْبَهَانِيِّ، وَهُوَ كِتَابٌ حَافِلٌ فِي ثَلَاثِ

مُجَلَّدَاتٍ، عَقَدَ فِيهِ فَصْلًا فِي هَذَا الْمَعْنَى، وَكَذَا ذَكَرَ ذَلِكَ الْفَقِيهُ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الله بن حامد، في كتابه دلائل النبوة، وَهُوَ كِتَابٌ كَبِيرٌ جَلِيلٌ حَافِلٌ، مُشْتَمِلٌ عَلَى فرائد نَفِيسَةٍ، وَكَذَا الصَّرْصَرِيُّ الشَّاعِرُ يُورِدُ فِي بَعْضِ قصائده أشياء من ذلك كما سيأتى، وها أنا أذكر بعو الله مجامع ما ذكرنا من هذه الأماكن المتفرقة بأوجز عبارة، وأقصر إِشَارَةٍ، وَبِاللَّهِ الْمُسْتَعَانُ، وَعَلَيْهِ التُّكْلَانُ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الحكيم.

الْقَوْلُ فِيمَا أُوتِيَ نُوحٌ ﵇ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: فَدَعا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ (١٠) فَفَتَحْنا أَبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ (١١) وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً فَالْتَقَى الْماءُ عَلى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ (١٢) وَحَمَلْناهُ عَلى ذاتِ أَلْواحٍ وَدُسُرٍ (١٣) تَجْرِي بِأَعْيُنِنا جَزاءً لِمَنْ كانَ كُفِرَ (١٤) وَلَقَدْ تَرَكْناها آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (١٥) «١» . وَقَدْ ذَكَرْتُ الْقِصَّةَ مَبْسُوطَةً فِي أَوَّلِ هَذَا الْكِتَابِ وَكَيْفَ دَعَا عَلَى قَوْمِهِ فَنَجَّاهُ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَهُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَلَمْ يَهْلَكْ مِنْهُمْ أَحَدٌ، وَأَغْرَقَ مَنْ خَالَفَهُ مِنَ الْكَافِرِينَ فَلَمْ يسلم منهم أحد حتى ولا ولده.

َمَنِ اتَّبَعَهُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَلَمْ يَهْلَكْ مِنْهُمْ أَحَدٌ، وَأَغْرَقَ مَنْ خَالَفَهُ مِنَ الْكَافِرِينَ فَلَمْ يسلم منهم أحد حتى ولا ولده. قَالَ شَيْخُنَا الْعَلَّامَةُ أَبُو الْمَعَالِي مُحَمَّدُ بْنُ على الأنصارى الزَّمْلَكَانِيِّ، وَمِنْ خَطِّهِ نَقَلْتُ: وَبَيَانُ أَنَّ كُلَّ معجزة لنبى فلنبينا أمثالها، إذا تم يَسْتَدْعِي كَلَامًا طَوِيلًا، وَتَفْصِيلًا لَا يَسَعُهُ مُجَلَّدَاتٌ عَدِيدَةٌ، وَلَكِنْ نُنَبَّهُ بِالْبَعْضِ عَلَى الْبَعْضِ، فَلْنَذْكُرْ جَلَائِلَ مُعْجِزَاتِ الْأَنْبِيَاءِ ﵈، فَمِنْهَا نَجَاةُ نُوحٍ فِي السَّفِينَةِ بِالْمُؤْمِنِينَ، وَلَا شَكَّ أَنَّ حَمْلَ الْمَاءِ لِلنَّاسِ مِنْ غَيْرِ سَفِينَةٍ أَعْظَمُ مِنَ السُّلُوكِ عَلَيْهِ فِي السَّفِينَةِ، وَقَدْ مَشَى كَثِيرٌ مِنَ الْأَوْلِيَاءِ عَلَى مَتْنِ الْمَاءِ، وَفِي قصة العلاء بن زياد، صَاحِبَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ما يدل على ذلك. روى مِنْجَابٍ قَالَ: غَزَوْنَا مَعَ الْعَلَاءِ بْنِ الْحَضْرَمِيِّ دَارِينَ، فَدَعَا بِثَلَاثِ دَعَوَاتٍ فَاسْتُجِيبَتْ لَهُ، فَنَزَلْنَا منزلا فطلب الماء فلم يجده، فقام وصلى رَكْعَتَيْنِ وَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنَّا عَبِيدُكَ وَفِي سَبِيلِكِ، نُقَاتِلُ عَدُوَّكَ، اللَّهُمَّ اسْقِنَا غَيْثًا نَتَوَضَّأُ بِهِ وَنَشْرَبُ، وَلَا يَكُونُ لِأَحَدٍ فِيهِ نَصِيبٌ غَيْرَنَا، فَسِرْنَا قَلِيلًا فَإِذَا نَحْنُ بِمَاءٍ حِينَ أَقْلَعَتِ السَّمَاءُ عَنْهُ، فَتَوَضَّأْنَا مِنْهُ وَتَزَوَّدْنَا، وَمَلَأْتُ إِدَاوَتِي وَتَرَكْتُهَا مَكَانَهَا حَتَّى أَنْظُرَ هَلِ اسْتُجِيبَ لَهُ أَمْ لَا، فَسِرْنَا قَلِيلًا ثُمَّ قُلْتُ لِأَصْحَابِي:

َّدْنَا، وَمَلَأْتُ إِدَاوَتِي وَتَرَكْتُهَا مَكَانَهَا حَتَّى أَنْظُرَ هَلِ اسْتُجِيبَ لَهُ أَمْ لَا، فَسِرْنَا قَلِيلًا ثُمَّ قُلْتُ لِأَصْحَابِي:

نسيت إدواتى، فَرَجَعْتُ إِلَى ذَلِكَ الْمَكَانِ فَكَأَنَّهُ لَمْ يُصِبْهُ مَاءٌ قَطُّ، ثُمَّ سِرْنَا حَتَّى أَتَيْنَا دَارِينَ والبحر بيننا وبينهم، فقال: يا على يا حكيم، إنا عبيدك وفى سبيلك، نقاتل عدوك، فَاجْعَلْ لَنَا إِلَيْهِمْ سَبِيلًا، فَدَخَلْنَا الْبَحْرَ فَلَمْ يبلغ الماء ليودنا، وَمَشَيْنَا عَلَى مَتْنِ الْمَاءِ وَلَمْ يَبْتَلَّ لَنَا شىء، وذكر بقية القصة، فَهَذَا أَبْلَغُ مِنْ رُكُوبِ السَّفِينَةِ، فَإِنَّ حَمْلَ الماء للسفينة معتاد، وأبلغ من قلق الْبَحْرِ لِمُوسَى، فَإِنَّ هُنَاكَ انْحَسَرَ الْمَاءُ حَتَّى مَشَوْا عَلَى الْأَرْضِ، فَالْمُعْجِزُ انْحِسَارُ الْمَاءِ، وَهَا هُنَا صَارَ الْمَاءُ جَسَدًا يَمْشُونَ عَلَيْهِ كَالْأَرْضِ، وَإِنَّمَا هَذَا مَنْسُوبٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَبَرَكَتِهِ، انْتَهَى مَا ذَكَرَهُ بِحُرُوفِهِ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِنُوحٍ ﵇. وَهَذِهِ الْقِصَّةُ الَّتِي سَاقَهَا شَيْخُنَا ذَكَرَهَا الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَيْهَقِيُّ فِي كِتَابِهِ الدَّلَائِلِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي الدُّنْيَا عَنْ أَبِي كُرَيْبٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ فُضَيْلٍ عَنِ الصَّلْتِ بْنِ مَطَرٍ الْعِجْلِيِّ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ ابْنِ أُخْتِ سَهْمٍ عَنْ سَهْمِ بْنِ مِنْجَابٍ قَالَ: غَزَوْنَا مَعَ الْعَلَاءِ بْنِ الْحَضْرَمِيِّ فَذَكَرَهُ. وَقَدْ ذَكَرَهَا الْبُخَارِيُّ فِي التَّارِيخِ الْكَبِيرِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ. ورواها الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّهُ كَانَ مَعَ الْعَلَاءِ وَشَاهَدَ ذَلِكَ.

ّ فِي التَّارِيخِ الْكَبِيرِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ. ورواها الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّهُ كَانَ مَعَ الْعَلَاءِ وَشَاهَدَ ذَلِكَ. وَسَاقَهَا الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ عِيسَى بْنِ يُونُسَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ عَوْنٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: أَدْرَكْتُ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ ثَلَاثًا لَوْ كَانَتْ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ لَمَا تقاسمها الْأُمَمُ، قُلْنَا: مَا هُنَّ يَا أَبَا حَمْزَةَ؟ قَالَ: كُنَّا فِي الصُّفَّةِ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَتَتْهُ امْرَأَةٌ مُهَاجِرَةٌ وَمَعَهَا ابْنٌ لَهَا قَدْ بَلَغَ، فَأَضَافَ الْمَرْأَةَ إِلَى النِّسَاءِ، وَأَضَافَ ابْنَهَا إِلَيْنَا، فَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ أَصَابَهُ وَبَاءُ الْمَدِينَةِ فَمَرِضَ أَيَّامًا ثُمَّ قُبِضَ، فَغَمَّضَهُ النَّبِيُّ ﷺ وَأَمَرَ بِجِهَازِهِ، فَلَمَّا أَرَدْنَا أَنْ نُغَسِّلَهُ قَالَ: يَا أَنَسُ ائْتِ أُمَّهُ، فَأَعْلِمْهَا فَأَعْلَمْتُهَا، قَالَ: فَجَاءَتْ حَتَّى جَلَسَتْ عِنْدَ قَدَمَيْهِ، فَأَخَذَتْ بِهِمَا ثم قالت: اللهم إني أسلمت لك طوعا، وخلعت الأوثان، فلا تحملنى من

هذه المصيبة مالا طاقة لى بحمله، قال: فو الله مَا انْقَضَى كَلَامُهَا حَتَّى حَرَّكَ قَدَمَيْهِ وَأَلْقَى الثَّوْبَ عَنْ وَجْهِهِ، وَعَاشَ حَتَّى قَبَضَ اللَّهُ رَسُولَهُ ﷺ، وَحَتَّى هَلَكَتْ أُمُّهُ، قَالَ أَنَسٌ: ثُمَّ جَهَّزَ عُمَرُ بْنُ الخطاب جيشا واستعمل عليهم العلاء بن الحضرمي، قال أنس: وكنت في غزاته، فأتينا مغازينا فوجدنا القوم قد بدروا بنا فعفوا آثار الماء، والحر شديد، فجدنا الْعَطَشُ وَدَوَابَّنَا، وَذَلِكَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ، فَلَمَّا مَالَتِ الشَّمْسُ لِغُرُوبِهَا صَلَّى بِنَا رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ مَدَّ يَدَهُ إِلَى السَّمَاءِ وَمَا نَرَى فِي السَّمَاءِ شيئا، قال: فو الله مَا حَطَّ يَدَهُ حَتَّى بَعَثَ اللَّهُ رِيحًا وَأَنْشَأَ سَحَابًا وَأَفْرَغَتْ حَتَّى مَلَأَتِ الْغُدُرَ وَالشِّعَابَ، فَشَرِبْنَا وَسَقَيْنَا رِكَابَنَا وَاسْتَقَيْنَا، قَالَ: ثُمَّ أَتَيْنَا عَدُوَّنَا وَقَدْ جَاوَزَ خَلِيجًا فِي الْبَحْرِ إِلَى جَزِيرَةٍ، فَوَقَفَ عَلَى الْخَلِيجِ وَقَالَ: يَا عَلِيُّ يَا عَظِيمُ، يَا حَلِيمُ يَا كَرِيمُ، ثُمَّ قَالَ: أَجِيزُوا بِسْمِ اللَّهِ، قَالَ: فَأَجَزْنَا مَا يَبُلُّ الْمَاءُ حَوَافِرَ دَوَابِّنَا، فَلَمْ نَلْبَثْ إِلَّا يسيرا فأصبنا العدو عليه، فَقَتَلْنَا وَأَسَرْنَا وَسَبَيْنَا، ثُمَّ أَتَيْنَا الْخَلِيجَ، فَقَالَ مِثْلَ مَقَالَتِهِ، فَأَجَزْنَا مَا يَبُلُّ الْمَاءُ حَوَافِرَ دوابنا.

عليه، فَقَتَلْنَا وَأَسَرْنَا وَسَبَيْنَا، ثُمَّ أَتَيْنَا الْخَلِيجَ، فَقَالَ مِثْلَ مَقَالَتِهِ، فَأَجَزْنَا مَا يَبُلُّ الْمَاءُ حَوَافِرَ دوابنا. ثُمَّ ذَكَرَ مَوْتَ الْعَلَاءِ وَدَفْنَهُمْ إِيَّاهُ فِي أَرْضٍ لَا تَقْبَلُ الْمَوْتَى، ثُمَّ إِنَّهُمْ حَفَرُوا عليه لِيَنْقُلُوهُ مِنْهَا إِلَى غَيْرِهَا فَلَمْ يَجِدُوهُ ثَمَّ، وَإِذَا اللَّحْدُ يَتَلَأْلَأُ نُورًا، فَأَعَادُوا التُّرَابَ عَلَيْهِ ثم ارتحلوا، فهذا السياق أتم، فيه قصة المرأة التى أحيى اللَّهُ لَهَا وَلَدَهَا بِدُعَائِهَا، وَسَنُنَبِّهُ عَلَى ذَلِكَ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِمُعْجِزَاتِ الْمَسِيحِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مَعَ مَا يُشَابِهُهَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، كَمَا سَنُشِيرُ إِلَى قِصَّةِ الْعَلَاءِ هَذِهِ مَعَ ما سنورده معها ههنا، فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِمُعْجِزَاتِ مُوسَى ﵇، فِي قِصَّةِ فَلْقِ الْبَحْرِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ، وَقَدْ أَرْشَدَ إِلَى ذَلِكَ شَيْخُنَا فِي عُيُونِ كَلَامِهِ.

قِصَّةٌ أُخْرَى تُشْبِهُ قِصَّةَ الْعَلَاءِ بْنِ الْحَضْرَمِيِّ [قصة اقتحام أبي عبيدة الثقفي دجلة] رَوَى الْبَيْهَقِيُّ فِي الدَّلَائِلِ- وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ أيضا- من طريق سليمان ابن مروان الأعمش عن بعض أصحابه، قال: انهينا إِلَى دِجْلَةَ وَهِيَ مَادَّةٌ وَالْأَعَاجِمُ خَلْفَهَا، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ: بِسْمِ اللَّهِ، ثُمَّ اقْتَحَمَ فرسه فَارْتَفَعَ عَلَى الْمَاءِ، فَقَالَ النَّاسُ: بِسْمِ اللَّهِ، ثُمَّ اقْتَحَمُوا فَارْتَفَعُوا عَلَى الْمَاءِ، فَنَظَرَ إِلَيْهِمُ الْأَعَاجِمُ، وَقَالُوا: دِيوَانُ، دِيوَانُ، أَيْ مَجَانِينُ، ثُمَّ ذَهَبُوا عَلَى وُجُوهِهِمْ، قَالَ فَمَا فَقَدَ النَّاسُ إلا قدحا كان معلقا بعذبة سرج، فلما خَرَجُوا أَصَابُوا الْغَنَائِمَ وَاقْتَسَمُوا، فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَقُولُ: مَنْ يُبَادِلُ صَفْرَاءَ بِبَيْضَاءَ؟.

إلا قدحا كان معلقا بعذبة سرج، فلما خَرَجُوا أَصَابُوا الْغَنَائِمَ وَاقْتَسَمُوا، فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَقُولُ: مَنْ يُبَادِلُ صَفْرَاءَ بِبَيْضَاءَ؟. وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي السِّيرَةِ الْعُمَرِيَّةِ وَأَيَّامِهَا، وَفِي التَّفْسِيرِ أَيْضًا: أَنَّ أول من اقتحم دجلة يومئذ أبو عبيدة النفيعى أَمِيرُ الْجُيُوشِ فِي أَيَّامِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁، وَأَنَّهُ نَظَرَ إِلَى دِجْلَةَ فَتَلَا قَوْلَهُ تَعَالَى: وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتاباً مُؤَجَّلًا «١» ثُمَّ سَمَّى اللَّهَ تَعَالَى وَاقْتَحَمَ بِفَرَسِهِ الْمَاءَ وَاقْتَحَمَ الْجَيْشُ وَرَاءَهُ، وَلَمَّا نَظَرَ إِلَيْهِمُ الْأَعَاجِمُ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ جَعَلُوا يَقُولُونَ: دِيوَانُ دِيوَانُ، أَيْ مَجَانِينُ مَجَانِينُ، ثُمَّ وَلَّوْا مُدَبِّرِينَ فَقَتَلَهُمُ الْمُسْلِمُونَ وَغَنِمُوا مِنْهُمْ مَغَانِمَ كَثِيرَةً.

قِصَّةٌ أُخْرَى شَبِيهَةٌ بذلك [قصة اقتحام أبي مسلم الخولاني دجلة] وروى الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي النَّضْرِ عَنْ سُلَيْمَانَ بن المغيرة أن أبا مسلم الخولاني جاء إِلَى دِجْلَةَ وَهِيَ تَرْمِي الْخَشَبَ مِنْ مَدِّهَا فمشى على الماء والتفت

إِلَى أَصْحَابِهِ، وَقَالَ: هَلْ تَفْقِدُونَ مِنْ مَتَاعِكُمْ شَيْئًا فَنَدْعُوَ اللَّهَ تَعَالَى؟ ثُمَّ قَالَ: هَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ، قُلْتُ: وَقَدْ ذَكَرَ الْحَافِظُ الْكَبِيرُ أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ عَسَاكِرَ، فِي تَرْجَمَةِ أَبِي عبد الله ابن أيوب الخولانى هذه القصة بأبسط من هذه مِنْ طَرِيقِ بَقِيَّةَ بْنِ الْوَلِيدِ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ زِيَادٍ عَنْ أَبِي مُسْلِمٍ الْخَوْلَانِيِّ أَنَّهُ كَانَ إِذَا غَزَا أَرْضَ الرُّومِ فَمَرُّوا بِنَهَرٍ قَالَ: أَجِيزُوا بِسْمِ اللَّهِ، قَالَ: وَيَمُرُّ بَيْنَ أيديهم فيمرون على الماء فما يَبْلُغْ مِنَ الدَّوَابِّ إِلَّا إِلَى الرُّكَبِ، أَوْ فى بَعْضِ ذَلِكَ، أَوْ قَرِيبًا مِنْ ذَلِكَ، قَالَ: وإذا جَازُوا قَالَ لِلنَّاسِ: هَلْ ذَهَبَ لَكُمْ شَيْءٌ؟ من ذهب له شىء فأنا ضامن، قال: فألقى مخلاة عمدا، فلما جاوزوا قَالَ الرَّجُلُ: مِخْلَاتِي وَقَعَتْ فِي النَّهْرِ، قَالَ لَهُ: اتْبَعْنِي، فَإِذَا الْمِخْلَاةُ قَدْ تَعَلَّقَتْ بِبَعْضِ أَعْوَادِ النَّهْرِ، فَقَالَ: خُذْهَا.

ُلُ: مِخْلَاتِي وَقَعَتْ فِي النَّهْرِ، قَالَ لَهُ: اتْبَعْنِي، فَإِذَا الْمِخْلَاةُ قَدْ تَعَلَّقَتْ بِبَعْضِ أَعْوَادِ النَّهْرِ، فَقَالَ: خُذْهَا. وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو داود من طريق الأعرابى عنه عن عمرو ابن عُثْمَانَ عَنْ بَقِيَّةَ بِهِ، ثُمَّ قَالَ أَبُو دَاوُدَ: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ ابن الْمُغِيرَةَ عَنْ حُمَيْدٍ أَنَّ أَبَا مُسْلِمٍ الْخَوْلَانِيَّ أَتَى عَلَى دِجْلَةَ وَهِيَ تَرْمِي بِالْخَشَبِ مِنْ مَدِّهَا فَوَقَفَ عَلَيْهَا ثُمَّ حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَذَكَرَ مَسِيرَ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْبَحْرِ، ثُمَّ لَهَزَ دَابَّتَهُ فَخَاضَتِ الْمَاءَ وَتَبِعَهُ النَّاسُ حَتَّى قَطَعُوا، ثُمَّ قَالَ: هَلْ فَقَدْتُمْ شَيْئًا مِنْ مَتَاعِكُمْ فَأَدْعُوَ اللَّهَ أَنْ يَرُدَّهُ عَلَيَّ؟، وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ عَسَاكِرَ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ بْنِ رَشِيدٍ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ الْعَدَوِيِّ: حَدَّثَنِي ابْنُ عَمِّي أَخِي أَبِي قَالَ: خَرَجْتُ مَعَ أَبِي مُسْلِمٍ فِي جَيْشٍ فَأَتَيْنَا عَلَى نَهْرٍ عَجَاجٍ مُنْكَرٍ، فَقُلْنَا لِأَهْلِ الْقَرْيَةِ: أَيْنَ الْمَخَاضَةُ؟ فَقَالُوا: مَا كَانَتْ هاهنا مخاضة وَلَكِنَّ الْمَخَاضَةَ أَسْفَلَ مِنْكُمْ عَلَى لَيْلَتَيْنِ، فَقَالَ أبو مسلم: اللهم أجزت بنى إسرائيل البحر، وإنا عبيدك وَفِي سَبِيلِكَ، فَأَجِزْنَا هَذَا النَّهْرَ الْيَوْمَ، ثُمَّ قَالَ: اعْبُرُوا بِسْمِ اللَّهِ، قَالَ ابْنُ عَمِّي: وأنا على فرس فقلت: لأدفعنه أول الناس خلف فرسه، قال: فو الله مَا بَلَغَ الْمَاءُ بُطُونَ الْخَيْلِ حَتَّى عَبَرَ الناس كلهم، ثم وقف

الَ ابْنُ عَمِّي: وأنا على فرس فقلت: لأدفعنه أول الناس خلف فرسه، قال: فو الله مَا بَلَغَ الْمَاءُ بُطُونَ الْخَيْلِ حَتَّى عَبَرَ الناس كلهم، ثم وقف

وقال: يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ، هَلْ ذَهَبَ لِأَحَدٍ مِنْكُمْ شىء فأدعو الله تعالى يرده؟. فهذه الكرامات لهؤلاء الأولياء، هى معجزات لرسول اللَّهِ ﷺ كَمَا تَقَدَّمَ تقريره؛ لأنهم إنما نالوها بِبَرَكَةِ مُتَابَعَتِهِ، وَيُمْنِ سِفَارَتِهِ، إِذْ فِيهَا حُجَّةٌ فى الدين، أكيدة للمسلمين، وهى مشابهة نُوحٍ ﵇ فِي مَسِيرِهِ فَوْقَ الْمَاءِ بِالسَّفِينَةِ الَّتِي أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِعَمَلِهَا، وَمُعْجِزَةِ مُوسَى ﵇ فِي فَلْقِ الْبَحْرِ، وَهَذِهِ فِيهَا مَا هُوَ أَعْجَبُ مِنْ ذَلِكَ، مِنْ جِهَةِ مَسِيرِهِمْ عَلَى مَتْنِ الْمَاءِ مِنْ غَيْرِ حائل، وَمِنْ جِهَةِ أَنَّهُ مَاءٌ جَارٍ وَالسَّيْرُ عَلَيْهِ أَعْجَبُ مِنَ السَّيْرِ عَلَى الْمَاءِ الْقَارِّ الَّذِي يُجَازُ، وَإِنْ كَانَ مَاءُ الطُّوفَانِ أَطَمَّ وَأَعْظَمَ، فَهَذِهِ خَارِقٌ، وَالْخَارِقُ لَا فَرْقَ بَيْنَ قَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ، فَإِنَّ مَنْ سَلَكَ عَلَى وَجْهِ الْمَاءِ الْخِضَمِّ الْجَارِي الْعَجَاجِ فَلَمْ يَبْتَلَّ مِنْهُ نِعَالُ خُيُولِهِمْ، أَوْ لَمْ يَصِلْ إِلَى بُطُونِهَا، فَلَا فَرْقَ فِي الْخَارِقِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ قَامَةً أَوْ أَلْفَ قَامَةٍ، أَوْ أَنْ يَكُونَ نَهْرًا أَوْ بَحْرًا، بَلْ كَوْنُهُ نَهْرًا عَجَاجًا كَالْبَرْقِ الخاطف والسيل الجارى، أعظم وأغرب، وكذلك بالنسبة إلى فلق الْبَحْرِ، وَهُوَ جَانِبُ بَحْرِ الْقُلْزُمِ، حَتَّى صَارَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ، أَيِ الْجَبَلِ الْكَبِيرِ، فَانْحَازَ الْمَاءُ يَمِينًا وَشِمَالًا حَتَّى بَدَتْ أَرْضُ البحر، وأرسل الله عليها الريح حتى أيبسها، وَمَشَتِ الْخُيُولُ عَلَيْهَا بِلَا انْزِعَاجٍ، حَتَّى جَاوَزُوا عَنْ آخِرِهِمْ،

َالًا حَتَّى بَدَتْ أَرْضُ البحر، وأرسل الله عليها الريح حتى أيبسها، وَمَشَتِ الْخُيُولُ عَلَيْهَا بِلَا انْزِعَاجٍ، حَتَّى جَاوَزُوا عَنْ آخِرِهِمْ، وَأَقْبَلَ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ (٧٨) وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَما هَدى (٧٩) «١» وذلك أنهم لما توسطوه وهموا بِالْخُرُوجِ مِنْهُ، أَمَرَ اللَّهُ الْبَحْرَ فَارْتَطَمَ عَلَيْهِمْ فَغَرِقُوا عَنْ آخِرِهِمْ، فَلَمْ يُفْلِتْ مِنْهُمْ أَحَدٌ، كَمَا لَمْ يُفْقَدْ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَاحِدٌ، ففى ذلك آية عظيمة بل آيات معدودات، كَمَا بَسَطْنَا ذَلِكَ فِي التَّفْسِيرِ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ. وَالْمَقْصُودُ أَنَّ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ قِصَّةِ العلاء بن الحضرمى، وأبى عبد الله الثَّقَفِيِّ، وَأَبِي مُسْلِمٍ الْخَوْلَانِيِّ، مِنْ مَسِيرِهِمْ عَلَى تيار الماء الجارى، فلم

يُفْقَدْ مِنْهُمْ أَحَدٌ، وَلَمْ يَفْقِدُوا شَيْئًا مِنْ أَمْتِعَتِهِمْ، هَذَا وَهُمْ أَوْلِيَاءُ، مِنْهُمْ صَحَابِيٌّ وَتَابِعِيَّانِ فما الظن لو (كان) الاحتياج إِلَى ذَلِكَ بِحَضْرَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سَيِّدِ الْأَنْبِيَاءِ وَخَاتَمِهِمْ، وَأَعْلَاهُمْ مَنْزِلَةً لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ، وَإِمَامِهِمْ لَيْلَتَئِذٍ بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ الَّذِي هو محل ولايتهم، ودار بدايتهم، وخطبيهم يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَأَعْلَاهُمْ مَنْزِلَةً فِي الْجَنَّةِ، وَأَوَّلِ شافع فى الحشر، وفى الخروج من النار، وفى دخول الْجَنَّةَ، وَفِي رَفْعِ الدَّرَجَاتِ بِهَا، كَمَا بَسَطْنَا أَقْسَامَ الشَّفَاعَةِ وَأَنْوَاعَهَا، فِي آخِرِ الْكِتَابِ فِي أَهْوَالِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَبِاللَّهِ الْمُسْتَعَانُ. وَسَنَذْكُرُ فِي الْمُعْجِزَاتِ الْمُوسَوِيَّةِ مَا وَرَدَ مِنَ الْمُعْجِزَاتِ الْمُحَمَّدِيَّةِ، مما هُوَ أَظْهَرُ وَأَبْهَرُ مِنْهَا وَنَحْنُ الْآنُ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِمُعْجِزَاتِ نُوحٍ ﵇، وَلَمْ يَذْكُرْ شَيْخُنَا سِوَى مَا تَقَدَّمَ.

ِيَّةِ، مما هُوَ أَظْهَرُ وَأَبْهَرُ مِنْهَا وَنَحْنُ الْآنُ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِمُعْجِزَاتِ نُوحٍ ﵇، وَلَمْ يَذْكُرْ شَيْخُنَا سِوَى مَا تَقَدَّمَ. وَأَمَّا الْحَافِظُ أَبُو نُعَيْمٍ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَصْبَهَانِيُّ، فَإِنَّهُ قَالَ فِي آخِرِ كِتَابِهِ فِي دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ، وَهُوَ فِي مُجَلَّدَاتٍ ثَلَاثٍ: الْفَصْلُ الثَّالِثُ وَالثَّلَاثُونَ فى ذكر موازنة الأنبياء فى فضائلهم، بفضائل نبينا، وما قبلة مَا أُوتُوا مِنَ الْآيَاتِ بِمَا أُوتِيَ، إِذْ أُوتِيَ مَا أُوتُوا وَشِبْهَهُ وَنَظِيرَهُ، فَكَانَ أَوَّلَ الرُّسُلِ نُوحٌ ﵇، وَآيَتُهُ الَّتِي أُوتِيَ شِفَاءُ غَيْظِهِ، وَإِجَابَةُ دَعْوَتِهِ،. فِي تَعْجِيلِ نِقْمَةِ اللَّهِ لِمُكَذِّبِيهِ، حَتَّى هَلَكَ مَنْ عَلَى بَسِيطِ الْأَرْضِ مِنْ صَامِتٍ وَنَاطِقٍ، إِلَّا مَنْ آمَنَ به ودخل معه فى سَفِينَتَهُ، وَلَعَمْرِي إِنَّهَا آيَةٌ جَلِيلَةٌ، وَافَقَتْ سَابِقَ قدر الله وما قد علمه فى هلاكهم، وَكَذَلِكَ نَبِيُّنَا ﷺ لَمَّا كَذَّبَهُ قَوْمُهُ وَبَالَغُوا فِي أَذِيَّتِهِ، وَالِاسْتِهَانَةِ بِمَنْزِلَتِهِ من الله ﷿، حتى ألقى السفيه عُقْبَةُ بْنُ أَبِي مُعَيْطٍ سَلَا الْجَزُورِ عَلَى ظَهْرِهِ وَهُوَ سَاجِدٌ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِالْمَلَأِ مِنْ قُرَيْشٍ «١» . ثُمَّ سَاقَ الْحَدِيثَ عَنِ ابْنِ مسعود كما تقدم. كما ذِكْرُنَا لَهُ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ فِي وضع الملأ من قريش على

ْ قُرَيْشٍ «١» . ثُمَّ سَاقَ الْحَدِيثَ عَنِ ابْنِ مسعود كما تقدم. كما ذِكْرُنَا لَهُ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ فِي وضع الملأ من قريش على

ظَهَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ سَاجِدٌ عِنْدَ الْكَعْبَةِ سَلَا تِلْكَ الْجَزُورِ، واستضحاكهم من ذلك، حتى أن بَعْضُهُمْ يَمِيلُ عَلَى بَعْضٍ مِنْ شِدَّةِ الضَّحِكِ، ولم يزل على ظهره حتى جاءت ابنته فاطمة ﵍ فطرحته عن ظهره، ثم أقبلت عليهم تسبهم، فَلَمَّا سَارَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنْ صَلَاتِهِ رَفَعَ يَدَيْهِ فَقَالَ: اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِالْمَلَأِ مِنْ قُرَيْشٍ، ثُمَّ سَمَّى فَقَالَ: اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بأبى جهل وَعُتْبَةَ وَشَيْبَةَ وَالْوَلِيدِ بْنِ عُتْبَةَ وَأُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ وَعُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ وَعُمَارَةَ بْنِ الوليد، قال عبد الله بن مسعود: فو الذى بَعَثَهُ بِالْحَقِّ لَقَدْ رَأَيْتُهُمْ صَرْعَى يَوْمَ بَدْرٍ، ثُمَّ سُحِبُوا إِلَى الْقَلِيبِ قَلِيبِ بَدْرٍ، وَكَذَلِكَ لما أقبلت قريش يوم بدر فى عددها وعديدها، فَحِينَ عَايَنَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ رَافِعًا يَدَيْهِ: اللَّهُمَّ هَذِهِ قُرَيْشٌ جاءتك بفخرها وخيلائها، تجادل وتكذب رسولك، اللهم أصبهم الْغَدَاةَ، فَقُتِلَ مِنْ سَرَاتِهِمْ سَبْعُونَ وَأُسِرَ مِنْ أشرافهم سبعون، ولو شاء الله لا ستأصلهم عن آخرهم، ولكن من حلم وَشَرَفِ نَبِيِّهِ أَبْقَى مِنْهُمْ مَنْ سَبَقَ فِي قدره أن سيؤمن به وبرسول الله ﷺ، وَقَدْ دَعَا عَلَى عُتْبَةَ بْنِ أَبِي لَهَبٍ أَنْ يُسَلِّطَ عَلَيْهِ كَلْبَهُ بِالشَّامِ، فَقَتَلَهُ الْأَسَدُ عِنْدَ وَادِي الزَّرْقَاءِ قِبَلَ مَدِينَةِ بُصْرَى، وَكَمْ له من مثلها ونظيرها، كسبع يوسف فقحطوا حتى أكلوا العكبر، وهو الدم بالوتر، وأكلوا العظام وكل شئ، ثم توصلوا إلى تراحمه وَشَفَقَتِهِ وَرَأْفَتِهِ، فَدَعَا لَهُمْ، فَفَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَسُقُوُا الْغَيْثَ بِبَرَكَةِ دُعَائِهِ.

ا العظام وكل شئ، ثم توصلوا إلى تراحمه وَشَفَقَتِهِ وَرَأْفَتِهِ، فَدَعَا لَهُمْ، فَفَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَسُقُوُا الْغَيْثَ بِبَرَكَةِ دُعَائِهِ. وَقَالَ الْإِمَامُ الْفَقِيهُ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَامِدٍ فِي كتاب دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ- وَهُوَ كِتَابٌ حَافِلٌ-: ذِكْرُ مَا أُوتِيَ نُوحٌ ﵇ مِنَ الْفَضَائِلِ، وَبَيَانُ مَا أُوتِيَ مُحَمَّدٌ ﷺ مما يضاهى فضائله ويزيد عليها، إِنَّ قَوْمَ نُوحٍ لَمَّا بَلَغُوا مِنْ أَذِيَّتِهِ وَالِاسْتِخْفَافِ بِهِ، وَتَرْكِ الْإِيمَانِ بِمَا جَاءَهُمْ بِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ دَعَا عَلَيْهِمْ فَقَالَ: رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً (٢٦) «١» فَاسْتَجَابَ اللَّهُ دَعَوْتَهُ، وَغَرَّقَ قَوْمَهُ، حَتَّى لَمَّ يسلم شئ من الحيوانات والدواب إلا من

ركب السفينة، وكان ذَلِكَ فَضِيلَةً أُوتِيَهَا، إِذْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُهُ، وَشُفِيَ صَدْرُهُ بِإِهْلَاكِ قَوْمِهِ، قُلْنَا: وَقَدْ أُوتِيَ مُحَمَّدٌ ﷺ مِثْلَهُ حِينَ نَالَهُ مِنْ قُرَيْشٍ مَا نَالَهُ مِنَ التَّكْذِيبِ وَالِاسْتِخْفَافِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْهِ مَلِكَ الْجِبَالِ وَأَمَرَهُ بِطَاعَتِهِ فِيمَا يَأْمُرُهُ بِهِ مِنْ إِهْلَاكِ قَوْمِهِ، فَاخْتَارَ الصَّبْرَ عَلَى أَذِيَّتِهِمْ، وَالِابْتِهَالَ فِي الدُّعَاءِ لَهُمْ بالهداية، قلت: وهذا أحسن. وَقَدْ تَقَدَّمَ الْحَدِيثُ بِذَلِكَ عَنْ عَائِشَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فِي قِصَّةِ ذَهَابِهِ إِلَى الطَّائِفِ، فَدَعَاهُمْ فَآذَوْهُ فَرَجَعَ وَهُوَ مَهْمُومٌ، فَلَمَّا كَانَ عِنْدَ قَرْنِ الثَّعَالِبِ نَادَاهُ مَلَكُ الْجِبَالِ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ إِنَّ رَبَّكَ قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ وَمَا رَدُّوا عَلَيْكَ، وَقَدْ أَرْسَلَنِي إِلَيْكَ لِأَفْعَلَ مَا تَأْمُرُنِي بِهِ، فَإِنْ شِئْتَ أَطْبَقْتُ عَلَيْهِمُ الْأَخْشَبَيْنِ- يَعْنِي جبلى مكة اللذين يكتنفانها جنوبا وشمالا، أبو قبيس وزر، فَقَالَ: بَلْ أَسَتَأْنِي بِهِمْ لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُخْرِجَ مِنْ أَصْلَابِهِمْ مَنْ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا. وَقَدْ ذَكَرَ الْحَافِظُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي مُقَابَلَةِ قَوْلِهِ تَعَالَى: فَدَعا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ (١٠) فَفَتَحْنا أَبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ (١١) وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً فَالْتَقَى الْماءُ عَلى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ (١٢) ٢ أَحَادِيثَ الِاسْتِسْقَاءِ عَنْ أَنَسٍ وَغَيْرِهِ. كَمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُنَا لِذَلِكَ فِي دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ قَرِيبًا أَنَّهُ ﷺ سَأَلَهُ ذَلِكَ الْأَعْرَابِيُّ أن يدعوا اللَّهَ لَهُمْ، لِمَا بِهِمْ مِنَ الْجَدْبِ وَالْجُوعِ، فَرَفَعَ يَدَيْهِ فَقَالَ: اللَّهُمَّ اسْقِنَا، اللَّهُمَّ اسْقِنَا، فما نزل عن المنبر حتى رؤى المطر يتحادر على لحيته الكريمة ﷺ، فَاسْتَحْضَرَ مَنِ اسْتَحْضَرَ مِنَ الصَّحَابَةِ ﵃ قَوْلَ عَمِّهِ أَبِي طَالِبٍ فِيهِ:

ا، فما نزل عن المنبر حتى رؤى المطر يتحادر على لحيته الكريمة ﷺ، فَاسْتَحْضَرَ مَنِ اسْتَحْضَرَ مِنَ الصَّحَابَةِ ﵃ قَوْلَ عَمِّهِ أَبِي طَالِبٍ فِيهِ: وَأَبْيَضَ يُسْتَسْقَى الْغَمَامُ بِوَجْهِهِ ... ثِمَالَ الْيَتَامَى عِصْمَةً للأرامل

يَلُوذُ بِهِ الْهُلَّاكُ مِنْ آلِ هَاشِمٍ ... فَهُمْ عِنْدَهُ فِي نِعْمَةٍ وَفَوَاضِلِ وَكَذَلِكَ اسْتَسْقَى فِي غَيْرِ مَا مَوْضِعٍ لِلْجَدْبِ وَالْعَطَشِ فَيُجَابُ كَمَا يريد على قدر الحاجة المائية، ولا أزيد ولا أنقص، وهكذا وقع أَبْلَغُ فِي الْمُعْجِزَةِ، وَأَيْضًا فَإِنَّ هَذَا مَاءُ رَحْمَةٍ وَنِعْمَةٍ، وَمَاءُ الطُّوفَانِ مَاءُ غَضَبٍ وَنِقْمَةٍ، وَأَيْضًا فَإِنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ كَانَ يَسْتَسْقِي بِالْعَبَّاسِ عَمِّ النَّبِيِّ ﷺ فَيُسْقَوْنَ، وَكَذَلِكَ مَا زَالَ الْمُسْلِمُونَ فِي غَالِبِ الْأَزْمَانِ وَالْبُلْدَانِ، يَسْتَسْقُونَ فَيُجَابُونَ فيسقون، و (غيرهم) لا يجابون غالبا ولا يسقون وَلِلَّهِ الْحَمْدُ. قَالَ أَبُو نُعَيْمٍ: وَلَبِثَ نُوحٌ فِي قَوْمِهِ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا، فبلغ جميع من آمن رجال وَنِسَاءً، الَّذِينَ رَكِبُوا مَعَهُ سَفِينَتَهُ، دُونَ مِائَةِ نفس، وآمن بنبينا- فِي مُدَّةِ عِشْرِينَ سَنَةً-، النَّاسُ شَرْقًا وَغَرْبًا، وَدَانَتْ لَهُ جَبَابِرَةُ الْأَرْضِ وَمُلُوكُهَا، وَخَافَتْ زَوَالَ مُلْكِهِمْ، كَكِسْرَى وَقَيْصَرَ، وَأَسْلَمَ النَّجَاشِيُّ وَالْأَقْيَالُ رَغْبَةً فِي دِينِ اللَّهِ، وَالْتَزَمَ مَنْ لَمْ يُؤْمِنْ به من عظماء الأرض الجزية، والأيادة عن صغار، أهل نجران، وهجر، وأيلة وأنذر دُومَةَ، فَذَلُّوا لَهُ مُنْقَادِينَ، لِمَا أَيَّدَهُ اللَّهُ مِنَ الرُّعْبِ الَّذِي يَسِيرُ بَيْنَ يَدَيْهِ شَهْرًا، وَفَتَحَ الْفُتُوحَ، وَدَخَلَ النَّاسُ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْواجاً (٢) «١» .

فْوَاجًا كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْواجاً (٢) «١» . قُلْتُ: مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَدْ فَتَحَ اللَّهُ لَهُ الْمَدِينَةَ وَخَيْبَرَ وَمَكَّةَ وَأَكْثَرَ الْيَمَنِ وَحَضْرَمَوْتَ، وَتُوُفِّيَ عَنْ مِائَةِ أَلْفِ صَحَابِيٍّ أَوْ يَزِيدُونَ، وَقَدْ كَتَبَ فِي آخِرِ حَيَاتِهِ الْكَرِيمَةِ إِلَى سَائِرِ مُلُوكِ الْأَرْضِ يَدْعُوهُمْ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، فَمِنْهُمْ مَنْ أَجَابَ وَمِنْهُمْ مَنْ صَانَعَ وَدَارَى عَنْ نَفْسِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ تَكَبَّرَ فَخَابَ وَخَسِرَ، كَمَا فَعَلَ كِسْرَى بن هرمز حين عتى وَبَغَى وَتَكَبَّرَ، فَمُزِّقَ مُلْكُهُ، وَتَفَرَّقَ جُنْدُهُ شَذَرَ مَذَرَ، ثُمَّ فَتَحَ خُلَفَاؤُهُ مِنْ بَعْدِهِ، أَبُو بَكْرٍ ثُمَّ عُمَرُ ثُمَّ عُثْمَانُ ثُمَّ على

التَّالِي عَلَى الْأَثَرِ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا، مِنَ الْبَحْرِ الْغَرْبِيِّ إِلَى الْبَحْرِ الشَّرْقِيِّ، كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: زويت لِيَ الْأَرْضَ فَرَأَيْتُ مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا، وَسَيَبْلُغُ مُلْكُ أُمَّتِي مَا زُوِيَ لِي مِنْهَا «١» ، وَقَالَ ﷺ: إِذَا هَلَكَ قَيْصَرُ فَلَا قَيْصَرَ بَعْدَهُ، وَإِذَا هَلَكَ كِسْرَى فَلَا كِسْرَى بَعْدَهُ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لِتُنْفِقُنَّ كُنُوزَهُمَا في سبيل الله «٢» ، وكذا وقع سواء بسواء فقد استولت الْمَمَالِكُ الْإِسْلَامِيَّةُ عَلَى مُلْكِ قَيْصَرَ وَحَوَاصِلِهِ، إِلَّا الْقُسْطَنْطِينِيَّةَ، وَجَمِيعِ مَمَالِكِ كِسْرَى وَبِلَادِ الْمَشْرِقِ، وَإِلَى أَقْصَى بِلَادِ الْمَغْرِبِ، إِلَى أَنْ قُتِلَ عُثْمَانُ رضى الله عنه فى سنة ستة وثلاثين، فَكَمَا عَمَّتْ جَمِيعَ أَهْلِ الْأَرْضِ النِّقْمَةُ بِدَعْوَةِ نوح ﵇، لما رآهم عَلَيْهِ مِنَ التَّمَادِي فِي الضَّلَالِ وَالْكُفْرِ وَالْفُجُورِ، فَدَعَا عَلَيْهِمْ غَضَبًا لِلَّهِ وَلِدِينِهِ وَرِسَالَتِهِ، فَاسْتَجَابَ اللَّهُ لَهُ، وَغَضِبَ لِغَضَبِهِ، وَانْتَقَمَ مِنْهُمْ بِسَبَبِهِ، كذلك عمت جميع أهل الأرض بِبَرَكَةِ رِسَالَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ وَدَعْوَتِهِ، فَآمَنَ مَنْ آمَنَ مِنَ النَّاسِ، وَقَامَتِ الْحُجَّةُ عَلَى مَنْ كَفَرَ مِنْهُمْ، كَمَا قَالَ تعالى: وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ (١٠٧) «٣» وَكَمَا قَالَ ﷺ: إِنَّمَا أَنَا رَحْمَةٌ مُهْدَاةٌ.

َنْ كَفَرَ مِنْهُمْ، كَمَا قَالَ تعالى: وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ (١٠٧) «٣» وَكَمَا قَالَ ﷺ: إِنَّمَا أَنَا رَحْمَةٌ مُهْدَاةٌ. وَقَالَ هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ فى كتب البعث: حَدَّثَنِي عِيسَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعْمَانِيُّ، حَدَّثَنَا الْمَسْعُودِيُّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ (١٠٧) قَالَ: مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ تَمَّتْ لَهُ الرَّحْمَةُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ ورسله عد فيمن يستحق تَعْجِيلِ مَا كَانَ يُصِيبُ الْأُمَمَ قَبْلَ ذَلِكَ مِنَ الْعَذَابِ وَالْفِتَنِ وَالْقَذْفِ وَالْخَسْفِ، وَقَالَ تَعَالَى: لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دارَ الْبَوارِ (٢٨) «٤» قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: النِّعْمَةُ مُحَمَّدٌ، وَالَّذِينَ بَدَّلُوا

نعمة الله كفرا كُفَّارُ قُرَيْشٍ- يَعْنِي وَكَذَلِكَ كُلُّ مَنْ كَذَّبَ به من سائر الناس- كما قال: وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ «١» .

كُفَّارُ قُرَيْشٍ- يَعْنِي وَكَذَلِكَ كُلُّ مَنْ كَذَّبَ به من سائر الناس- كما قال: وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ «١» . قَالَ أَبُو نُعَيْمٍ: فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ سَمَّى اللَّهُ نُوحًا ﵇ بِاسْمٍ مِنْ أَسْمَائِهِ الحسنى، فقال: إِنَّهُ كانَ عَبْداً شَكُوراً (٣) «٢» قُلْنَا: وَقَدْ سَمَّى اللَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ بِاسْمَيْنِ مِنْ أَسْمَائِهِ فَقَالَ: بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ (١٢٨) «٣» قَالَ: وَقَدْ خَاطَبَ اللَّهُ الْأَنْبِيَاءَ بِأَسْمَائِهِمْ: يَا نُوحُ، يَا إِبْرَاهِيمُ، يَا مُوسَى، يَا دَاوُدُ، يا يحيى، يا عيسى، يا مَرْيَمَ، وَقَالَ مُخَاطِبًا لِمُحَمَّدٍ ﷺ؟ يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ، يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ، يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ، يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ، وَذَلِكَ قَائِمٌ مَقَامَ الْكُنْيَةِ بِصِفَةِ الشَّرَفِ، وَلَمَّا نَسَبَ الْمُشْرِكُونَ أَنْبِيَاءَهُمْ إِلَى السَّفَهِ وَالْجُنُونِ، كُلٌّ أَجَابَ عن نفسه قال نوح: يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفاهَةٌ وَلكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (٦٧) «٤» وَكَذَا قَالَ هُودٌ ﵇، وَلَمَّا قَالَ فِرْعَوْنُ: إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا مُوسى مَسْحُوراً (١٠١) «٥» ، قَالَ (مُوسَى) : قالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هؤُلاءِ إِلَّا رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ بَصائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُوراً (١٠٢) «٦» وَأَمَّا مُحَمَّدٌ ﷺ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى هُوَ الَّذِي يَتَوَلَّى جَوَابَهُمْ عَنْهُ بِنَفْسِهِ الْكَرِيمَةِ، كَمَا قَالَ: وَقالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ (٦) لَوْ مَا تَأْتِينا بِالْمَلائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٧) «٧» قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: مَا نُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ وَما كانُوا إِذاً مُنْظَرِينَ (٨) «٨» وقال تعالى:

أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٥) قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كانَ غَفُوراً رَحِيماً (٦) «١» ، أَمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ (٣٠) قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ (٣١) «٢» وَقَالَ تَعَالَى: وَما هُوَ بِقَوْلِ شاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ (٤١) وَلا بِقَوْلِ كاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٤٢) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (٤٣) «٣» ، وَإِنْ يَكادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ (٥١) » قَالَ اللَّهُ تعالى وَما هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ (٥٢) «٥» وَقَالَ تَعَالَى: ن وَالْقَلَمِ وَما يَسْطُرُونَ (١) مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ (٢) وَإِنَّ لَكَ لَأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ (٣) وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤) «٦» وَقَالَ تَعَالَى: وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ (١٠٣) «٧» .

نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ (١٠٣) «٧» .

الْقَوْلُ فِيمَا أُوتِيَ هُودٌ ﵇ قَالَ أَبُو نُعَيْمٍ مَا مَعْنَاهُ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَهْلَكَ قَوْمَهُ بِالرِّيحِ الْعَقِيمِ، وَقَدْ كَانَتْ رِيحَ غَضَبٍ، وَنَصَرَ اللَّهُ تَعَالَى مُحَمَّدًا ﷺ بِالصَّبَا يَوْمَ الْأَحْزَابِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْها وَكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيراً (٩) «١» ثُمَّ قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ خُزَيْمَةَ ح وَحَدَّثَنَا عثمان ابن مُحَمَّدٍ الْعُثْمَانِيُّ، أَنَا زَكَرِيَّا بْنُ يَحْيَى السَّاجِيُّ، قال: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عتاب عَنْ دَاوُدُ بْنُ أَبِي هِنْدٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ الْأَحْزَابِ انْطَلَقَتِ الْجَنُوبُ إِلَى الشَّمَالِ فَقَالَتِ: انْطَلِقِي بِنَا نَنْصُرْ مُحَمَّدًا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَتْ الشَّمَالُ لِلْجَنُوبِ: إِنَّ الْحُرَّةَ لا ترى بِاللَّيْلِ، فَأَرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الصَّبَا، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْها وَيَشْهَدُ لَهُ الْحَدِيثُ الْمُتَقَدِّمُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: نُصِرْتُ بِالصَّبَا وَأُهْلِكَتْ عَادٌ بِالدَّبُورِ.

ً لَمْ تَرَوْها وَيَشْهَدُ لَهُ الْحَدِيثُ الْمُتَقَدِّمُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: نُصِرْتُ بِالصَّبَا وَأُهْلِكَتْ عَادٌ بِالدَّبُورِ.

الْقَوْلُ فِيمَا أُوتِيَ صَالِحٌ ﵇ قَالَ أَبُو نُعَيْمٍ: فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ أَخْرَجَ اللَّهُ لِصَالِحٍ نَاقَةً مِنَ الصَّخْرَةِ جَعَلَهَا اللَّهُ لَهُ آيَةً وَحُجَّةً عَلَى قَوْمِهِ وَجَعَلَ لَهَا شِرْبَ يَوْمٍ، وَلَهُمْ شِرْبَ يَوْمٍ مَعْلُومٍ، قُلْنَا: وَقَدْ أَعْطَى اللَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ مِثْلَ ذَلِكَ، بَلْ أَبْلَغَ لِأَنَّ نَاقَةَ صَالِحٍ لَمْ تُكَلِّمْهُ وَلَمْ تَشْهَدْ لَهُ بِالنُّبُوَّةِ وَالرِّسَالَةِ، وَمُحَمَّدٌ ﷺ شَهِدَ لَهُ البعير بِالرِّسَالَةِ، وَشَكَى إِلَيْهِ مَا يَلْقَى مِنْ أَهْلِهِ، من أنهم يجيعونه ويريدون ذبحه، ثُمَّ سَاقَ الْحَدِيثَ بِذَلِكَ كَمَا قَدَّمْنَا فِي دلائل النبوة بطرقه وألفاظه وغرره بما أغنى عن إعادته ههنا، وَهُوَ فِي الصِّحَاحِ وَالْحِسَانِ وَالْمَسَانِيدِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا مَعَ ذَلِكَ حَدِيثَ الْغَزَالَةِ، وَحَدِيثَ الضَّبِّ وَشَهَادَتَهُمَا لَهُ ﷺ بِالرِّسَالَةِ، كَمَا تَقَدَّمَ التَّنْبِيهُ عَلَى ذَلِكَ وَالْكَلَامُ فِيهِ، وَثَبَتَ الْحَدِيثُ فِي الصَّحِيحِ بِتَسْلِيمِ الْحَجَرِ عَلَيْهِ قَبْلَ أَنْ يُبْعَثَ، وَكَذَلِكَ سَلَامُ الْأَشْجَارِ وَالْأَحْجَارِ وَالْمَدَرِ عليه قبل أن يبعث ﷺ.

ُ فِي الصَّحِيحِ بِتَسْلِيمِ الْحَجَرِ عَلَيْهِ قَبْلَ أَنْ يُبْعَثَ، وَكَذَلِكَ سَلَامُ الْأَشْجَارِ وَالْأَحْجَارِ وَالْمَدَرِ عليه قبل أن يبعث ﷺ.

الْقَوْلُ فِيمَا أُوتِيَ إِبْرَاهِيمُ الْخَلِيلُ ﵇ قَالَ شَيْخُنَا الْعَلَّامَةُ أَبُو الْمَعَالِي بْنُ الزَّمْلَكَانِيِّ ﵀: وَأَمَّا خُمُودُ النَّارِ لِإِبْرَاهِيمَ ﵊، فَقَدْ خَمَدَتْ لِنَبِيِّنَا ﷺ نار فارس لِمَوْلِدِهِ ﷺ، وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ بِعْثَتِهِ أَرْبَعُونَ سَنَةً، وَخَمَدَتْ نَارُ إِبْرَاهِيمَ لِمُبَاشَرَتِهِ لَهَا، وَخَمَدَتْ نَارُ فَارِسَ لِنَبِيِّنَا ﷺ وَبَيْنَهُ وَبَيْنَهَا مَسَافَةُ أَشْهُرٍ كَذَا. وَهَذَا الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ مِنْ خُمُودِ نَارِ فَارِسَ لَيْلَةَ مَوْلِدِهِ الْكَرِيمِ، قَدْ ذَكَرْنَاهُ بِأَسَانِيدِهِ وَطُرُقِهِ فِي أَوَّلِ السِّيرَةِ، عِنْدَ ذَكَرِ الْمَوْلِدِ المطهر الكريم، بِمَا فِيهِ كِفَايَةٌ وَمَقْنَعٌ. ثُمَّ قَالَ شَيْخُنَا: مَعَ أَنَّهُ قَدْ أُلْقِيَ بَعْضُ هَذِهِ الْأُمَّةِ فِي النَّارِ فَلَمْ تُؤَثِّرْ فِيهِ بِبَرَكَةِ نَبِيِّنَا ﷺ، مِنْهُمْ أَبُو مُسْلِمٍ الخولانى، قال: بينما الْأَسْوَدُ بْنُ قَيْسٍ الْعَنْسِيُّ بِالْيَمَنِ، فَأَرْسَلَ إِلَى أبى مسلم الخولانى فقال: أَتَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: أَتَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ؟ قَالَ: مَا أسمع، فأعاد إليه، قال: ما أسمع، فأمر بنار عظيمة فأججت فطرح فِيهَا أَبُو مُسْلِمٍ فَلَمْ تَضُرَّهُ، فَقِيلَ لَهُ: لَئِنْ تَرَكْتَ هَذَا فِي بِلَادِكَ أَفْسَدَهَا عَلَيْكَ، فَأَمَرَهُ بِالرَّحِيلِ، فَقَدِمَ الْمَدِينَةَ وَقَدْ قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَاسْتُخْلِفَ أَبُو بَكْرٍ، فَقَامَ إِلَى سَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي الْمَسْجِدِ يُصَلِّي، فَبَصُرَ بِهِ عُمَرُ فَقَالَ مِنْ أَيْنَ الرَّجُلُ؟ قَالَ: مِنَ الْيَمَنِ، قَالَ: مَا فَعَلَ الله بصاحبنا الذى حرق بِالنَّارِ فَلَمْ تَضُرَّهُ؟

لِّي، فَبَصُرَ بِهِ عُمَرُ فَقَالَ مِنْ أَيْنَ الرَّجُلُ؟ قَالَ: مِنَ الْيَمَنِ، قَالَ: مَا فَعَلَ الله بصاحبنا الذى حرق بِالنَّارِ فَلَمْ تَضُرَّهُ؟ قَالَ: ذَاكَ عَبْدُ اللَّهِ بن أيوب، قَالَ: نَشَدْتُكَ بِاللَّهِ أَنْتَ هُوَ؟ قَالَ: اللَّهُمَّ نعم، قال: فقبل ما بين عينيه ثم جاء بِهِ حَتَّى أَجْلَسَهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ وَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمَّ يُمِتْنِي حَتَّى أَرَانِي فِي أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ مَنْ فُعِلَ بِهِ كَمَا فُعِلَ بِإِبْرَاهِيمَ خَلِيلِ الرَّحْمَنِ ﵇. وَهَذَا السِّيَاقُ الذى أورده شيخنا بهذه الصفة.

وقد رَوَاهُ الْحَافِظُ الْكَبِيرُ، أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ عَسَاكِرَ ﵀ فِي تَرْجَمَةِ أَبِي مُسْلِمٍ عَبْدِ الله بن أيوب فِي تَارِيخِهِ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ، عَنْ عَبْدِ الوهاب بن محمد عن إسماعيل ابن عياش الحطيمى: حدثنى شراحيل بْنُ مُسْلِمٍ الْخَوْلَانِيُّ أَنَّ الْأَسْوَدَ بْنَ قَيْسِ بن ذى الحمار الْعَنْسِيَّ تَنَبَّأَ بِالْيَمَنِ، فَأَرْسَلَ إِلَى أَبِي مُسْلِمٍ الخولانى فأتى به فلما جاء به قَالَ: أَتَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ؟ قَالَ: مَا أَسْمَعُ، قَالَ: أَتَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: أَتَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ؟ قَالَ: مَا أَسْمَعُ، قَالَ: أَتَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رسول الله؟ قال: نعم، قال: فردد عليه ذلك مِرَارًا ثُمَّ أَمَرَ بِنَارٍ عَظِيمَةٍ فَأُجِّجَتْ فَأَلْقَى فِيهَا فَلَمْ تَضُرَّهُ، فَقِيلَ لِلْأَسْوَدِ: انْفِهِ عَنْكَ وَإِلَّا أَفْسَدَ عَلَيْكَ مَنِ اتَّبَعَكَ، فَأَمَرَهُ فَارْتَحَلَ، فَأَتَى الْمَدِينَةَ وَقَدْ قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَاسْتُخْلِفَ أَبُو بَكْرٍ، فَأَنَاخَ أَبُو مُسْلِمٍ رَاحِلَتَهُ بِبَابِ الْمَسْجِدِ، ثُمَّ دَخَلَ المسجد وقام يصلى إلى سارية، فبصر به عمر ابن الْخَطَّابِ، فَأَتَاهُ فَقَالَ: مِمَّنِ الرَّجُلُ؟ فَقَالَ: مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ، قَالَ: مَا فَعَلَ الرَّجُلُ الَّذِي حَرَقَهُ الْكَذَّابُ بِالنَّارِ؟ قَالَ: ذَاكَ عَبْدُ اللَّهِ بن أيوب، قَالَ: فَأَنْشُدُكَ بِاللَّهِ أَنْتَ هُوَ؟ قَالَ: اللَّهُمَّ نعم، قال: فاعتنقه ثُمَّ ذَهَبَ بِهِ حَتَّى أَجْلَسَهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يُمِتْنِي حَتَّى أَرَانِي مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ مَنْ فُعِلَ بِهِ كَمَا فُعِلَ بِإِبْرَاهِيمَ خَلِيلِ الرَّحْمَنِ.

: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يُمِتْنِي حَتَّى أَرَانِي مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ مَنْ فُعِلَ بِهِ كَمَا فُعِلَ بِإِبْرَاهِيمَ خَلِيلِ الرَّحْمَنِ. قَالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ: فَأَنَا أَدْرَكْتُ رِجَالًا مِنَ الْأَمْدَادِ الَّذِينَ يُمَدُّونَ إِلَيْنَا مِنَ الْيَمَنِ مِنْ خَوْلَانَ، رُبَّمَا تَمَازَحُوا فَيَقُولُ الْخَوْلَانِيُّونَ لِلْعَنْسِيِّينَ: صاحبكم الكذاب حرق صاحبنا بالنار ولم تَضُرَّهُ. وَرَوَى الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ أَيْضًا مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ دُحَيْمٍ: حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ، أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بن بشير عن أبى بشر- جعفر ابن أبى وحشية- أن رجلا أَسْلَمَ فَأَرَادَهُ قَوْمُهُ عَلَى الْكُفْرِ فَأَلْقَوْهُ فِي نَارٍ فَلَمْ يَحْتَرِقْ مِنْهُ إِلَّا أُنْمُلَةٌ لَمْ يَكُنْ فِيمَا مَضَى يُصِيبُهَا الْوُضُوءُ، فَقَدِمَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ فَقَالَ: اسْتَغْفِرْ لِي، قَالَ: أَنْتَ أحق قال أبو بكر: أنت أُلْقِيتَ فِي النَّارِ

فَلَمْ تَحْتَرِقْ، فَاسْتَغْفَرَ لَهُ ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الشام، وكانوا يسمونه بِإِبْرَاهِيمَ ﵇، وَهَذَا الرَّجُلُ هُوَ أَبُو مُسْلِمٍ الْخَوْلَانِيُّ، وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ بِهَذِهِ الزِّيَادَةِ تُحَقِّقُ أَنَّهُ إِنَّمَا نَالَ ذَلِكَ بِبَرَكَةِ مُتَابَعَتِهِ الشَّرِيعَةَ الْمُحَمَّدِيَّةَ الْمُطَهَّرَةَ الْمُقَدَّسَةَ، كَمَا جَاءَ فِي حَدِيثِ الشَّفَاعَةِ: وَحَرَّمَ اللَّهُ عَلَى النَّارِ أَنْ تَأْكُلَ مَوَاضِعَ السُّجُودِ، وَقَدْ نَزَلَ أَبُو مُسْلِمٍ بِدَارَيَّا مِنْ غَرْبِيِّ دِمَشْقَ وَكَانَ لَا يَسْبِقُهُ أَحَدٌ إِلَى الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ بِدِمَشْقَ وَقْتَ الصُّبْحِ، وَكَانَ يغازى ببلاد الرُّومِ، وَلَهُ أَحْوَالٌ وَكَرَامَاتٌ كَثِيرَةٌ جِدًّا، وَقَبْرُهُ مَشْهُورٌ بِدَارَيَّا، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مَقَامُهُ الَّذِي كَانَ يَكُونُ فِيهِ، فَإِنَّ الْحَافِظَ ابْنَ عَسَاكِرَ رَجَّحَ أَنَّهُ مَاتَ بِبِلَادِ الرُّومِ، فِي خِلَافَةِ مُعَاوِيَةَ، وَقِيلَ:

قَامُهُ الَّذِي كَانَ يَكُونُ فِيهِ، فَإِنَّ الْحَافِظَ ابْنَ عَسَاكِرَ رَجَّحَ أَنَّهُ مَاتَ بِبِلَادِ الرُّومِ، فِي خِلَافَةِ مُعَاوِيَةَ، وَقِيلَ: فِي أَيَّامِ ابْنِهِ يَزِيدَ، بَعْدَ السِّتِّينَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ وَقَعَ لِأَحْمَدَ بْنَ أَبِي الْحِوَارِيِّ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ أَنَّهُ جَاءَ إِلَى أستاذه أبى سليمان يعلمه بأن التَّنُّورَ قَدْ سَجَرُوهُ وَأَهْلُهُ يَنْتَظِرُونَ مَا يَأْمُرُهُمْ به، فوجده يكلم الناس وهم حوله فأخبره بِذَلِكَ فَاشْتَغَلَ عَنْهُ بِالنَّاسِ، ثُمَّ أَعْلَمُهُ فَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَيْهِ، ثُمَّ أَعْلَمُهُ مَعَ أُولَئِكَ الَّذِينَ حوله، فقال: اذهب فاجلس فيه، فذهب أَحْمَدُ بْنُ أَبِي الْحِوَارِيِّ إِلَى التَّنُّورِ فَجَلَسَ فِيهِ وَهُوَ يَتَضَرَّمُ نَارًا فَكَانَ عَلَيْهِ بَرْدًا وَسَلَامًا، وَمَا زَالَ فِيهِ حَتَّى اسْتَيْقَظَ أَبُو سليمان من كلامه فقال لمن حواله: قُومُوا بِنَا إِلَى أَحْمَدَ بْنِ أَبِي الْحِوَارِيِّ، فَإِنِّي أَظُنُّهُ قَدْ ذَهَبَ إِلَى التَّنُّورِ فَجَلَسَ فيه امتثالا لما أمرته، فَذَهَبُوا فَوَجَدُوهُ جَالِسًا فِيهِ، فَأَخَذَ بِيَدِهِ الشَّيْخُ أَبُو سُلَيْمَانَ وَأَخْرَجَهُ مِنْهُ، رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمَا وَرَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا. وَقَالَ شَيْخُنَا أَبُو الْمَعَالِي: وَأَمَّا إِلْقَاؤُهُ- يَعْنِي إِبْرَاهِيمَ ﵇ مِنَ الْمَنْجَنِيقِ، فَقَدْ وَقَعَ فِي حَدِيثِ الْبَرَاءِ بْنِ مَالِكٍ فِي وَقْعَةِ مُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابِ، وَأَنَّ أَصْحَابَ مُسَيْلِمَةَ انْتَهَوْا إِلَى حَائِطٍ حَفِيرٍ فَتَحَصَّنُوا بِهِ وَأَغْلَقُوا الْبَابَ، فَقَالَ الْبَرَاءُ بْنُ مَالِكٍ: ضَعُونِي على برش واحملونى على رؤوس الرِّمَاحِ ثُمَّ أَلْقُونِي مِنْ أَعْلَاهَا دَاخِلَ الْبَابِ، ففعل ذَلِكَ وَأَلْقَوْهُ عَلَيْهِمْ فَوَقَعَ وَقَامَ وَقَاتَلَ الْمُشْرِكِينَ، وقتل مسيلمة، قلت: وقد ذكر مُسْتَقْصًى فِي أَيَّامِ الصِّدِّيقِ حِينَ

بَعَثَ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ لِقِتَالِ مُسَيْلِمَةَ وَبَنِي حَنِيفَةَ، وَكَانُوا فِي قَرِيبٍ (مِنْ) مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ، وَكَانَ الْمُسْلِمُونَ بِضْعَةَ عَشَرَ أَلْفًا، فَلَمَّا الْتَقَوْا جَعَلَ كَثِيرٌ مِنَ الْأَعْرَابِ يَفِرُّونَ، فقال المهاجرون والأنصار: خلصنا يا خالد، فميزهم عنهم، وكان الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ قَرِيبًا مِنْ أَلْفَيْنِ وَخَمْسِمِائَةٍ، فَصَمَّمُوا الحملة وجعلوا يتدابرون وَيَقُولُونَ: يَا أَصْحَابَ سُورَةِ الْبَقَرَةِ، بَطَلَ السِّحْرُ اليوم، فهزموهم بإذن الله ولجأوهم إلى حديقة هناك، وَتُسَمَّى حَدِيقَةُ الْمَوْتِ، فَتَحَصَّنُوا بِهَا، فَحَصَرُوهُمْ فِيهَا، ففعل البراء بن مالك، أخو أنس ابن مَالِكٍ- وَكَانَ الْأَكْبَرَ- مَا ذُكِرَ مِنْ رَفْعِهِ على الأسنة فَوْقَ الرِّمَاحِ حَتَّى تَمَكَّنَ مِنْ أَعْلَى سُورِهَا، ثُمَّ أَلْقَى نَفْسَهُ عَلَيْهِمْ وَنَهَضَ سَرِيعًا إِلَيْهِمْ، وَلَمْ يَزَلْ يُقَاتِلُهُمْ وَحْدَهُ وَيُقَاتِلُونَهُ حَتَّى تَمَكَّنَ من فتح الْحَدِيقَةِ وَدَخَلَ الْمُسْلِمُونَ يُكَبِّرُونَ وَانْتَهَوْا إِلَى قَصْرِ مسيلمة وهو واقف خارجه عند جدار كأنه جمل أزرق، أى من سمرته، فابتدروه وحشى ابن حَرْبٍ الْأَسْوَدُ، قَاتِلُ حَمْزَةَ، بِحَرْبَتِهِ، وَأَبُو دُجَانَةَ سماك بن حرشة الْأَنْصَارِيُّ- وَهُوَ الَّذِي يُنْسَبُ إِلَيْهِ شَيْخُنَا هَذَا أَبُو الْمَعَالِي بْنُ الزَّمْلَكَانِيِّ- فَسَبَقَهُ وَحْشِيٌّ فَأَرْسَلَ الْحَرْبَةَ عَلَيْهِ مِنْ بُعْدٍ فَأَنْفَذَهَا مِنْهُ، وَجَاءَ إِلَيْهِ أَبُو دُجَانَةَ فَعَلَاهُ بِسَيْفِهِ فَقَتَلَهُ، لَكِنْ صرخت جارية من فوق القصر: وا أميراه، قَتَلَهُ الْعَبْدُ الْأَسْوَدُ، وَيُقَالُ: إِنَّ عُمُرَ مَسَيْلِمَةَ يوم قتل مائة وأربعين سنة، لعنة الله، فمن طَالَ عُمُرُهُ وَسَاءَ عَمَلُهُ قَبَّحَهُ اللَّهُ. وَهَذَا مَا ذَكَرَهُ شَيْخُنَا فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِإِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ ﵇.

Bagian 14 dari 17