— Bagian 15 · سنة، لعنة الله، فمن طَالَ عُمُرُهُ وَسَاءَ عَمَل… —
Bagian 15
سنة، لعنة الله، فمن طَالَ عُمُرُهُ وَسَاءَ عَمَلُهُ قَبَّحَهُ اللَّهُ. وَهَذَا مَا ذَكَرَهُ شَيْخُنَا فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِإِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ ﵇. وَأَمَّا الْحَافِظُ أَبُو نُعَيْمٍ فَإِنَّهُ قال: فإن قيل: فإن إبراهيم اختص بِالْخُلَّةِ مَعَ النُّبُوَّةِ، قِيلَ: فَقَدِ اتَّخَذَ اللَّهُ مُحَمَّدًا خَلِيلًا وَحَبِيبًا، وَالْحَبِيبُ أَلْطَفُ مِنَ الْخَلِيلِ. ثُمَّ سَاقَ مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ عَنْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا، وَلَكِنَّ صَاحِبَكُمْ خَلِيلُ اللَّهِ، وَقَدْ رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ وَالثَّوْرِيِّ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُرَّةَ، وَعَبْدِ
الله بن أبى الهديل، كلهم عن أبى الأحوص، عوف ابن مالك الجشيمى، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا، وَلَكِنَّهُ أَخِي وَصَاحِبِي، وَقَدِ اتَّخَذَ الله صاحبكم خليلا، هذا لفظ مسلم، ورواه أَيْضًا مُنْفَرِدًا بِهِ عَنْ جُنْدُبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيِّ كَمَا سَأَذْكُرُهُ. وَأَصْلُ الْحَدِيثِ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، وَفِي أَفْرَادِ الْبُخَارِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ الزُّبَيْرِ كَمَا سُقْتُ ذَلِكَ فِي فَضَائِلِ الصِّدِّيقِ ﵁. وَقَدْ أَوْرَدْنَاهُ هُنَالِكَ مِنْ رِوَايَةِ أَنَسٍ وَالْبَرَاءِ وجابر وكعب بن مالك وأبى الحسين بن العلى وَأَبِي هُرَيْرَةَ. وَأَبِي وَاقِدٍ اللَّيْثِيِّ وَعَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ﵃ أَجْمَعِينَ.
وَالْبَرَاءِ وجابر وكعب بن مالك وأبى الحسين بن العلى وَأَبِي هُرَيْرَةَ. وَأَبِي وَاقِدٍ اللَّيْثِيِّ وَعَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ﵃ أَجْمَعِينَ. ثُمَّ إِنَّمَا رَوَاهُ أَبُو نُعَيْمٍ مِنْ حَدِيثِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زَحْرٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ يَزِيدَ عَنِ الْقَاسِمِ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ عَنِ كَعْبِ بْنِ مالك أنه قال: عهدى نبيكم ﷺ فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: لَمْ يَكُنْ نَبِيٌّ إِلَّا لَهُ خَلِيلٌ مِنْ أُمَّتِهِ، وَإِنَّ خَلِيلِي أَبُو بَكْرٍ، وَإِنَّ اللَّهَ اتَّخَذَ صَاحِبَكُمْ خَلِيلًا، وَهَذَا الْإِسْنَادُ ضعيف، ومن حديث محمد ابْنِ عَجْلَانَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لِكُلِّ نَبِيٍّ خَلِيلٌ، وَخَلِيلِي أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي قُحَافَةَ، وَخَلِيلُ صَاحِبِكُمُ الرَّحْمَنُ، وَهُوَ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَمِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الْوَهَّابِ بْنِ الضِّحَاكِ عَنْ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ عَنْ صَفْوَانُ بْنُ عَمْرٍو عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ عَنْ كَثِيرِ بْنِ مُرَّةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إِنَّ اللَّهَ اتَّخَذَنِي خَلِيلًا كَمَا اتَّخَذَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا، وَمَنْزِلِي وَمَنْزِلُ إِبْرَاهِيمَ فِي الْجَنَّةِ تُجَاهَيْنِ وَالْعَبَّاسُ بَيْنَنَا مُؤْمِنٌ بَيْنَ خَلِيلَيْنِ، غَرِيبٌ وَفِي إِسْنَادِهِ نَظَرٌ، انْتَهَى مَا أَوْرَدَهُ أَبُو نُعَيْمٍ ﵀، وَقَالَ مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ فِي صَحِيحِهِ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَإِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، قَالَا: حَدَّثَنَا زكريا ابن عدى، حدثنا عبيد الله ابن عَمْرٍو، حَدَّثَنَا زَيْدِ بْنِ أَبِي أُنَيْسَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ
الحارث، حدثنى جندب ابن عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ بِخَمْسٍ وَهُوَ يقول: إن أَبْرَأُ إِلَى اللَّهِ ﷿ أَنْ يَكُونَ لى بينكم خليلا فَإِنَّ اللَّهَ قَدِ اتَّخَذَنِي خَلِيلًا كَمَا اتَّخَذَ الله إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا، وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا مِنْ أُمَّتِي خَلِيلًا لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا، أَلَا وَإِنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ يَتَّخِذُونَ قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ وَصَالِحِيهِمْ مَسَاجِدَ، أَلَا فَلَا تَتَّخِذُوا الْقُبُورَ مَسَاجِدَ، إِنِّي أنهاكم عن ذلك، وأما اتخاذه حسينا خليلا، فَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِإِسْنَادِهِ أَبُو نُعَيْمٍ. وَقَدْ قَالَ هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ فِي كِتَابِهِ الْمَبْعَثِ: حَدَّثَنَا يحيى ابن حمزة الحضرمى وعثمان بن علان الْقُرَشِيُّ، قَالَا: حَدَّثَنَا عُرْوَةُ بْنُ رُوَيْمٍ اللَّخْمِيُّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ أَدْرَكَ بِيَ الْأَجَلَ الْمَرْقُومَ وأخذنى لقربه، وَاحْتَضَرَنِي احْتِضَارًا، فَنَحْنُ الْآخِرُونَ، وَنَحْنُ السَّابِقُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَأَنَا قَائِلٌ قَوْلًا غَيْرَ فَخْرٍ: إِبْرَاهِيمُ خَلِيلُ اللَّهِ، وَمُوسَى صَفِّيُّ اللَّهِ، وَأَنَا حَبِيبُ اللَّهِ، وَأَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وأن بيدى لواء الحمد، وَأَجَارَنِي اللَّهُ عَلَيْكُمْ مِنْ ثَلَاثٍ أَنْ لَا يهلككم بسنة، وأن يستبيحكم عدوكم، وأن لا تجمعوا على ضلالة، وأما الفقيه أبو محمد عبد الله ابن حَامِدٍ فَتَكَلَّمَ عَلَى مَقَامِ الْخُلَّةِ بِكَلَامٍ طَوِيلٍ إِلَى أَنْ قَالَ: وَيُقَالُ: الْخَلِيلُ الَّذِي يَعْبُدُ رَبَّهُ عَلَى الرَّغْبَةِ وَالرَّهْبَةِ، مِنْ قَوْلِهِ: إِنَّ إِبْراهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ (١١٤) «١» من كثرة ما يقول: أواه، وَالْحَبِيبُ الَّذِي يَعْبُدُ رَبَّهُ عَلَى الرُّؤْيَةِ وَالْمَحَبَّةِ، وَيُقَالُ الْخَلِيلُ الَّذِي يَكُونُ مَعَهُ انْتِظَارُ الْعَطَاءِ، وَالْحَبِيبُ الَّذِي يَكُونُ مَعَهُ انْتِظَارُ اللِّقَاءِ،
ّؤْيَةِ وَالْمَحَبَّةِ، وَيُقَالُ الْخَلِيلُ الَّذِي يَكُونُ مَعَهُ انْتِظَارُ الْعَطَاءِ، وَالْحَبِيبُ الَّذِي يَكُونُ مَعَهُ انْتِظَارُ اللِّقَاءِ، وَيُقَالُ الْخَلِيلُ الَّذِي يَصِلُ بِالْوَاسِطَةِ مِنْ قَوْلِهِ: وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (٧٥) «٢» والحبيب الذى يصل إليه من غير واسطة، مِنْ قَوْلِهِ: فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى «٣» وقال الخليل: وَالَّذِي
أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ (٨٢) «١» وَقَالَ اللَّهُ لِلْحَبِيبِ مُحَمَّدٍ ﷺ: لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ «٢» وقال الخليل: وَلا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ «٣» وقال الله للنبى: يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ «٤» وقال الخليل حين ألقى فى النار: حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (١٧٣) «٥» وَقَالَ اللَّهُ لِمُحَمَّدٍ: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٦٤) «٦» وَقَالَ الْخَلِيلُ: إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي سَيَهْدِينِ «٧» وقال الله لمحمد: وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى «٨» وَقَالَ الْخَلِيلُ: وَاجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ (٨٤) «٩» وقال الله لمحمد: وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ «١٠» وَقَالَ الْخَلِيلُ: وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ (٣٥) «١١» وَقَالَ اللَّهُ لِلْحَبِيبِ: إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً (٣٣) «١٢» وَقَالَ الْخَلِيلُ: وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ (٨٥) «١٣» وقال الله لمحمد: إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ «١٤» ، وذكر أشياء أخر.
وَقَالَ الْخَلِيلُ: وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ (٨٥) «١٣» وقال الله لمحمد: إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ «١٤» ، وذكر أشياء أخر.
وَسَيَأْتِي الْحَدِيثُ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: إِنِّي سَأَقُومُ مَقَامًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَرْغَبُ إِلَيَّ الْخَلْقُ كُلُّهُمْ حَتَّى أَبُوهُمْ إبراهيم الخليل، فدل على أنه أفضل إذ هو يحتاج إِلَيْهِ فِي ذَلِكَ الْمَقَامِ، وَدَلَّ عَلَى أَنَّ إِبْرَاهِيمَ أَفْضَلُ الْخَلْقِ بَعْدَهُ، وَلَوْ كَانَ أَحَدٌ أَفْضَلَ مِنْ إِبْرَاهِيمَ بَعْدَهُ لَذَكَرَهُ. ثُمَّ قَالَ أَبُو نُعَيْمٍ: فَإِنْ قِيلَ: إِنَّ إِبْرَاهِيمَ ﵇ حجب عن نمروذ بِحُجُبٍ ثَلَاثَةٍ، قِيلَ: فَقَدْ كَانَ كَذَلِكَ وَحُجِبَ محمد ﷺ عمن أرادوه بِخَمْسَةِ حُجُبٍ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي أَمْرِهِ: وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ (٩) «١» فَهَذِهِ ثَلَاثٌ، ثُمَّ قَالَ: وَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجاباً مَسْتُوراً (٤٥) «٢» ثُمَّ قَالَ: فَهِيَ إِلَى الْأَذْقانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ (٨) «٣» فهذه خمس حُجُبٍ. وَقَدْ ذَكَرَ مِثْلَهُ سَوَاءً الْفَقِيهُ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ حَامِدٍ، وَمَا أَدْرِي أَيُّهُمَا أَخَذَ مِنَ الْآخَرِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ غَرِيبٌ، وَالْحُجُبُ الَّتِي ذَكَرَهَا لِإِبْرَاهِيمَ ﵇ لَا أَدْرِي مَا هِيَ، كَيْفَ وَقَدْ أَلْقَاهُ فِي النَّارِ الَّتِي نَجَّاهُ اللَّهُ مِنْهَا، وَأَمَّا ما ذكره من الحجب التى استدل عَلَيْهَا بِهَذِهِ الْآيَاتِ، فَقَدْ قِيلَ:
يْفَ وَقَدْ أَلْقَاهُ فِي النَّارِ الَّتِي نَجَّاهُ اللَّهُ مِنْهَا، وَأَمَّا ما ذكره من الحجب التى استدل عَلَيْهَا بِهَذِهِ الْآيَاتِ، فَقَدْ قِيلَ: إِنَّهَا جَمِيعَهَا مَعْنَوِيَّةٌ لَا حِسِّيَّةٌ، بِمَعْنَى أَنَّهُمْ مُصْرَفُونَ عَنِ الْحَقِّ، لَا يَصِلُ إِلَيْهِمْ، وَلَا يَخْلُصُ إِلَى قُلُوبِهِمْ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَقالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ «٤» وقد حررنا ذلك في التفسير.
وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي السِّيرَةِ وَفِي التَّفْسِيرِ أَنَّ أُمَّ جَمِيلٍ امْرَأَةَ أَبِي لَهَبٍ، لَمَّا نَزَلَتِ السُّورَةُ فِي ذَمِّهَا وَذَمِّ زَوْجِهَا، وَدُخُولِهِمَا النَّارَ، وخسارهما، جاءت بفهر- وهو الحجر الكبير- لَتَرْجُمَ النَّبِيَّ ﷺ، فَانْتَهَتْ إِلَى أَبِي بَكْرٍ وَهُوَ جَالِسٌ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَلَمْ تَرَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، وَقَالَتْ لِأَبِي بكر: أين صاحبك؟ فقال: وماله؟ فقالت: إنه هجانى، فقال: ما هَجَاكِ، فَقَالَتْ: وَاللَّهِ لَئِنْ رَأَيْتُهُ لَأَضْرِبَنَّهُ بِهَذَا الفهر، ثم رجعت وهى تقول: مذمما أتينا، ودينه قلينا، وكذلك حجب ومنع أبا جَهْلٍ حِينَ هَمَّ أَنْ يَطَأَ بِرِجْلِهِ رَأْسَ النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ سَاجِدٌ، فرأى جدثا من نار وهو لا عَظِيمًا وَأَجْنِحَةَ الْمَلَائِكَةِ دُونَهُ، فَرَجَعَ الْقَهْقَرَى وَهُوَ يتقى بيديه، فقالت له قريش: مالك، وَيَحَكَ؟ فَأَخْبَرَهُمْ بِمَا رَأَى، وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: لَوْ أَقْدَمَ لَاخْتَطَفَتْهُ الْمَلَائِكَةُ عُضْوًا عُضْوًا، وَكَذَلِكَ لَمَّا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَيْلَةَ الْهِجْرَةِ وَقَدْ أرصدوا على مدرجته وطريقه، وأرسلوا إلى بَيْتِهِ رِجَالًا يَحْرُسُونَهُ لِئَلَّا يَخْرُجَ، وَمَتَى عَايَنُوهُ قَتَلُوهُ، فَأَمَرَ عَلِيًّا فَنَامَ عَلَى فِرَاشِهِ، ثُمَّ خرج عليهم وهم جلوس، فجعل يذر عَلَى رَأْسِ كُلِّ إِنْسَانٍ مِنْهُمْ تُرَابًا وَيَقُولُ: شاهت الوجوه، فلم يَرَوْهُ حَتَّى صَارَ هُوَ وَأَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ إِلَى غَارِ ثَوْرٍ، كَمَا بَسَطْنَا ذَلِكَ فِي السِّيرَةِ، وَكَذَلِكَ ذَكَرْنَا أَنَّ الْعَنْكَبُوتَ سَدَّ عَلَى بَابِ الْغَارِ لِيُعَمِّيَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَكَانَهُ. وَفِي الصَّحِيحِ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَوْ نَظَرَ أَحَدُهُمْ إِلَى مَوْضِعِ قَدَمَيْهِ لَأَبْصَرْنَا، فَقَالَ: يَا أَبَا بَكْرٍ، مَا ظَنُّكَ بِاثْنَيْنِ اللَّهُ ثَالِثُهُمَا «١» ؟ وَقَدْ قَالَ بَعْضُ الشُّعَرَاءِ فِي ذَلِكَ: نَسْجُ دَاوُدَ مَا حَمَى صَاحِبَ الغار ... وَكَانَ الْفَخَارُ لِلْعَنْكَبُوتِ
اللَّهُ ثَالِثُهُمَا «١» ؟ وَقَدْ قَالَ بَعْضُ الشُّعَرَاءِ فِي ذَلِكَ: نَسْجُ دَاوُدَ مَا حَمَى صَاحِبَ الغار ... وَكَانَ الْفَخَارُ لِلْعَنْكَبُوتِ وَكَذَلِكَ حُجِبَ وَمُنِعَ مِنْ سُرَاقَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ جُعْشَمٍ حِينَ اتَّبَعَهُمْ،
بِسُقُوطِ قَوَائِمِ فَرَسِهِ فِي الْأَرْضِ حَتَّى أَخَذَ مِنْهُ أَمَانًا كَمَا تَقَدَّمَ بَسْطُهُ فِي الْهِجْرَةِ. وذكر ابن حامد فى كتابه فى «المقابلة» إِضْجَاعِ إِبْرَاهِيمَ ﵇ وَلَدَهُ لِلذَّبْحِ مُسْتَسْلِمًا لأمر الله تعالى، ببذل رَسُولِ اللَّهِ ﷺ نَفْسَهُ لِلْقَتْلِ يَوْمَ أُحُدٍ وَغَيْرَهُ حَتَّى نَالَ مِنْهُ الْعَدُوُّ مَا نَالُوا، مِنْ هَشْمِ رَأَسِهِ، وَكَسْرِ ثَنِيَّتِهِ الْيُمْنَى السُّفْلَى، كَمَا تَقَدَّمَ بَسْطُ ذَلِكَ فِي السِّيرَةِ، ثُمَّ قَالَ: قَالُوا: كَانَ إِبْرَاهِيمُ ﵇ أَلْقَاهُ قَوْمُهُ فِي النَّارِ فَجَعَلَهَا اللَّهُ بَرْدًا وَسَلَامًا، قُلْنَا: وَقَدْ أُوتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِثْلُهُ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا نَزَلَ بِخَيْبَرَ سَمَّتْهُ الْخَيْبَرِيَّةُ، فَصُيِّرَ ذَلِكَ السُّمُّ فِي جَوْفِهِ بَرْدًا وَسَلَامًا إِلَى منتهى أجله، والسم عرق إِذْ لَا يَسْتَقِرُّ فِي الْجَوْفِ كَمَا تَحْرِقُ النَّارُ. قُلْتُ: وَقَدْ تَقَدَّمَ الْحَدِيثُ بِذَلِكَ فِي فَتْحِ خَيْبَرَ، وَيُؤَيِّدُ مَا قَالَهُ أَنَّ بِشْرَ ابن الْبَرَاءِ بْنِ مَعْرُورٍ مَاتَ سَرِيعًا مِنْ تِلْكَ الشَّاةِ الْمَسْمُومَةِ، وَأَخْبَرَ ذِرَاعُهَا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِمَا أُودِعَ فِيهِ مِنَ السُّمِّ، وَكَانَ قَدْ نَهَشَ مِنْهُ نَهْشَةً، وَكَانَ السُّمُّ فِيهِ أَكْثَرَ، لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَفْهَمُونَ أَنَّهُ ﷺ يُحِبُّ الذِّرَاعَ، فَلَمْ يَضُرَّهُ السُّمُّ الَّذِي حَصَلَ فِي بَاطِنِهِ بِإِذْنِ اللَّهِ ﷿، حَتَّى انقضى أجله، فَذَكَرَ أَنَّهُ وَجَدَ حِينَئِذٍ مِنْ أَلَمِ ذَلِكَ السم الذى كان فى تلك الأكلة ﷺ،.
ّذِي حَصَلَ فِي بَاطِنِهِ بِإِذْنِ اللَّهِ ﷿، حَتَّى انقضى أجله، فَذَكَرَ أَنَّهُ وَجَدَ حِينَئِذٍ مِنْ أَلَمِ ذَلِكَ السم الذى كان فى تلك الأكلة ﷺ،. وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي تَرْجَمَةِ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ الْمَخْزُومِيِّ، فَاتِحِ بِلَادِ الشَّامِ، أَنَّهُ أُتِيَ بِسُمٍّ فحثاه بِحَضْرَةِ الْأَعْدَاءِ لِيُرْهِبَهُمْ بِذَلِكَ، فَلَمْ يَرَ بَأْسًا، ﵁. ثُمَّ قَالَ أَبُو نُعَيْمٍ: فإن قيل: فإن إبراهيم خصم نمروذ بِبُرْهَانِ نُبُوَّتِهِ فَبَهَتَهُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ «١» قِيلَ: مُحَمَّدٌ ﷺ أَتَاهُ الكذاب بِالْبَعْثِ، أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ، بِعَظْمٍ بَالٍ فَفَرَكَهُ وقال: مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ
رَمِيمٌ (٧٨) «١» فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى الْبُرْهَانَ السَّاطِعَ: قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (٧٩) «٢» فَانْصَرَفَ مَبْهُوتًا بِبُرْهَانِ نُبُوَّتِهِ. قُلْتُ: وَهَذَا أَقْطَعُ للحجة، وهو استدلاله للمعاد بِالْبَدَاءَةِ، فَالَّذِي خَلَقَ الْخَلْقَ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُونُوا شَيْئًا مَذْكُورًا، قَادِرٌ عَلَى إِعَادَتِهِمْ كَمَا قَالَ: أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (٨١) «٣» أَيْ يُعِيدُهُمْ كَمَا بَدَأَهُمْ كَمَا قَالَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى (٤٠) * «٤» وقال: وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ» هَذَا وَأَمْرُ الْمَعَادِ نَظَرِيٌّ لَا فِطْرِيٌّ ضَرُورِيٌّ فِي قَوْلِ الْأَكْثَرِينَ، فَأَمَّا الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ فَإِنَّهُ مُعَانِدٌ مُكَابِرٌ فَإِنَّ وُجُودَ الصانع مذكورا فِي الْفِطَرِ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مَفْطُورٌ عَلَى ذَلِكَ، إِلَّا مَنْ تَغَيَّرَتْ فِطْرَتُهُ، فَيَصِيرُ نَظَرِيًّا عِنْدَهُ، وَبَعْضُ الْمُتَكَلِّمِينَ يَجْعَلُ وُجُودَ الصَّانِعِ مِنْ بَابِ النَّظَرِ لَا الضَّرُورِيَّاتِ، وَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ فَدَعْوَاهُ أنه هو الذى يحيى الموتى، لَا يَقْبَلُهُ عَقْلٌ وَلَا سَمْعٌ، وَكُلُّ وَاحِدٍ يُكَذِّبُهُ بِعَقْلِهِ فِي ذَلِكَ، وَلِهَذَا أَلْزَمَهُ إِبْرَاهِيمُ بِالْإِتْيَانِ بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَغْرِبِ إِنْ كَانَ كَمَا ادَّعَى فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُذْكُرَ مَعَ هَذَا أَنَّ الله تعالى سلط محمدا عَلَى هَذَا الْمُعَانِدِ لَمَّا بَارَزَ النَّبِيَّ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ، فَقَتَلَهُ بِيَدِهِ الكريمة، طعنه بحربة فأصاب ترقوته فتردى عن فرسه مرارا، فقالوا له: ويحك مالك؟ فَقَالَ:
ِ لَمَّا بَارَزَ النَّبِيَّ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ، فَقَتَلَهُ بِيَدِهِ الكريمة، طعنه بحربة فأصاب ترقوته فتردى عن فرسه مرارا، فقالوا له: ويحك مالك؟ فَقَالَ: وَاللَّهِ إِنَّ بِي لَمَا لَوْ كَانَ بِأَهْلِ ذِي الْمَجَازِ لَمَاتُوا أَجْمَعِينَ: أَلَمْ يَقُلْ: بَلْ أَنَا أَقْتُلُهُ؟ وَاللَّهِ لَوْ بَصَقَ عَلَيَّ لقتلنى- وكان هَذَا لَعَنَهُ اللَّهُ قَدْ أَعَدَّ فَرَسًا وَحَرْبَةً ليقتل بِهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: بَلْ أَنَا أَقْتُلُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ- فكان كذلك يوم أحد.
ثُمَّ قَالَ أَبُو نُعَيْمٍ: فَإِنْ قِيلَ: فَإِنَّ إِبْرَاهِيمَ ﵇ كَسَرَ أَصْنَامَ قَوْمِهِ غَضَبًا لِلَّهِ، قِيلَ: فَإِنَّ مُحَمَّدًا ﷺ كسر ثلثمائة وستين صنما، قد ألزمها الشَّيْطَانُ بِالرَّصَاصِ وَالنُّحَاسِ، فَكَانَ كُلَّمَا دَنَا مِنْهَا بِمِخْصَرَتِهِ تَهْوِي مِنْ غَيْرِ أَنْ يَمَسَّهَا، وَيَقُولُ جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً (٨١) «١» فَتَسَاقَطُ لِوُجُوهِهَا، ثُمَّ أَمَرَ بِهِنَّ فَأُخْرِجْنَ إلى الميل، وَهَذَا أَظْهَرُ وَأَجْلَى مِنَ الَّذِي قَبْلَهُ. وَقَدْ ذَكَرْنَا هَذَا فِي أَوَّلِ دُخُولِ النَّبِيِّ ﷺ مَكَّةَ عَامَ الْفَتْحِ بِأَسَانِيدِهِ وَطُرُقِهِ مِنَ الصِّحَاحِ وَغَيْرِهَا، بِمَا فِيهِ كِفَايَةٌ، وَقَدْ ذَكَرَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ عُلَمَاءِ السِّيَرِ أن الأصنام تساقطت أيضا لمولده الْكَرِيمِ، وَهَذَا أَبْلَغُ وَأَقْوَى فِي الْمُعْجِزِ مِنْ مُبَاشَرَةِ كَسْرِهَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ نَارَ فَارِسَ الَّتِي كَانُوا يَعْبُدُونَهَا خَمَدَتْ أَيْضًا لَيْلَتَئِذٍ، وَلَمْ تَخْمُدْ قَبْلَ ذَلِكَ بِأَلْفِ عَامٍ، وَأَنَّهُ سَقَطَ من شرفات قصر كسرى أربع عشر شرفة، مؤذنة بزوال دولتهم بَعْدَ هَلَاكِ أَرْبَعَةَ عَشَرَ مِنْ مُلُوكِهِمْ فِي أَقْصَرِ مُدَّةٍ، وَكَانَ لَهُمْ فِي الْمُلْكِ قَرِيبٌ مِنْ ثَلَاثَةِ آلَافِ سَنَةٍ، وَأَمَّا إِحْيَاءُ الطُّيُورِ الأربعة لإبراهيم ﵇، فلم يذكر أَبُو نُعَيْمٍ وَلَا ابْنُ حَامِدٍ.
مْ فِي الْمُلْكِ قَرِيبٌ مِنْ ثَلَاثَةِ آلَافِ سَنَةٍ، وَأَمَّا إِحْيَاءُ الطُّيُورِ الأربعة لإبراهيم ﵇، فلم يذكر أَبُو نُعَيْمٍ وَلَا ابْنُ حَامِدٍ. وَسَيَأْتِي فِي إِحْيَاءِ الْمَوْتَى عَلَى يَدِ عِيسَى ﵇ مَا وَقَعَ مِنَ الْمُعْجِزَاتِ الْمُحَمَّدِيَّةِ مِنْ هَذَا النمط ما هو مثل ذَلِكَ كَمَا سَيَأْتِي التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ إِذَا انْتَهَيْنَا إليه، من إحياء أموات بدعوات أَمَتِّهِ، وَحَنِينِ الْجِذْعِ، وَتَسْلِيمِ الْحَجَرِ وَالشَّجَرِ وَالْمَدَرِ عَلَيْهِ، وَتَكْلِيمِ الذِّرَاعِ لَهُ وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (٧٥) «٢» وَالْآيَاتُ بَعْدَهَا، فَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١) «٣» .
وَقَدْ ذَكَرَ ذَلِكَ ابْنُ حَامِدٍ فِيمَا وَقَفْتُ عَلَيْهِ بَعْدُ، وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي أَحَادِيثِ الْإِسْرَاءِ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا، وَمِنَ التَّفْسِيرِ مَا شَاهَدَهُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ مِنَ الْآيَاتِ فِيمَا بَيْنَ مَكَّةَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَفِيمَا بَيْنَ ذَلِكَ إِلَى سماء الدنيا، ثم عاين من الآيات فى السموات السَّبْعِ وَمَا فَوْقَ ذَلِكَ، وَسِدْرَةِ الْمُنْتَهَى، وَجَنَّةِ الْمَأْوَى، وَالنَّارِ الَّتِي هِيَ بِئْسَ الْمَصِيرُ وَالْمَثْوَى، وَقَالَ عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ فِي حَدِيثِ الْمَنَامِ- وَقَدْ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ، وَغَيْرُهُمَا- فتجلى لى كل شئ وَعَرَفْتُ، وَذَكَرَ ابْنُ حَامِدٍ فِي مُقَابَلَةِ ابْتِلَاءِ الله يعقوب ﵇ بفقده وَلَدِهِ يُوسُفَ ﵇ وَصَبْرِهِ وَاسْتِعَانَتِهِ رَبَّهُ ﷿، موت إِبْرَاهِيمَ بْنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَصَبْرَهُ عَلَيْهِ، وَقَوْلَهُ: تَدْمَعُ الْعَيْنُ وَيَحْزَنُ الْقَلْبُ، وَلَا نَقُولُ إِلَّا مَا يُرْضِي رَبَّنَا، وَإِنَّا بِكَ يا إبراهيم لمحزونون، قلت: وقد مات بَنَاتُهُ الثَّلَاثَةُ: رُقَيَّةُ، وَأُمُّ كُلْثُومٍ، وَزَيْنَبُ، وَقُتِلَ عمه الحمزة، أَسَدُ اللَّهِ وَأَسَدُ رَسُولِهِ يَوْمَ أُحُدٍ، فَصَبَرَ وَاحْتَسَبَ، وَذَكَرَ فِي مُقَابَلَةِ حُسْنِ يُوسُفَ ﵇ مَا ذَكَرَ مِنْ جَمَالِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَمَهَابَتِهِ وَحَلَاوَتِهِ شَكْلًا ونفعا وهديا، ودلا، ويمنا، كَمَا تَقَدَّمَ فِي شَمَائِلِهِ مِنَ الْأَحَادِيثِ الدَّالَّةِ على ذلك، كما قالت الربيع بنت مسعود: لَوْ رَأَيْتَهُ لَرَأَيْتَ الشَّمْسَ طَالِعَةً، وَذَكَرَ فِي مُقَابَلَةِ مَا ابْتُلِيَ بِهِ يُوسُفُ ﵇ مِنَ الْفُرْقَةِ وَالْغُرْبَةِ، هِجْرَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَمُفَارَقَتَهُ وَطَنَهُ وَأَهْلَهُ وَأَصْحَابَهُ الَّذِينَ كَانُوا بِهَا.
َالْغُرْبَةِ، هِجْرَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَمُفَارَقَتَهُ وَطَنَهُ وَأَهْلَهُ وَأَصْحَابَهُ الَّذِينَ كَانُوا بِهَا.
الْقَوْلُ فِيمَا أُوتِيَ مُوسَى ﵇ مِنَ الآيات وَأَعْظَمُهُنَّ تِسْعُ آيَاتٍ كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ «١» وَقَدْ شَرَحْنَاهَا فِي التَّفْسِيرِ، وَحَكَيْنَا قَوْلَ السَّلَفِ فِيهَا، وَاخْتِلَافَهُمْ فِيهَا، وَأَنَّ الْجُمْهُورَ عَلَى أَنَّهَا هِيَ الْعَصَا فِي انْقِلَابِهَا حَيَّةً تَسْعَى، وَالْيَدُ، إذا أدخل يده فى جيبه درعه أخرجها تضئ كَقِطْعَةِ قَمَرٍ يَتَلَأْلَأُ إِضَاءَةً، وَدُعَاؤُهُ عَلَى قَوْمِ فِرْعَوْنَ حِينَ كَذَّبُوهُ فَأَرْسَلَ عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ، آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ، كَمَا بَسَطْنَا ذَلِكَ فِي التَّفْسِيرِ، وَكَذَلِكَ أَخَذَهُمُ اللَّهُ بِالسِّنِينَ وَهِيَ نَقْصُ الْحُبُوبِ، وَبِالْجَدْبِ وَهُوَ نَقْصُ الثِّمَارِ، وَبِالْمَوْتِ الذَّرِيعِ وَهُوَ نَقْصُ الْأَنْفُسِ، وَهُوَ الطُّوفَانُ فِي قَوْلٍ: وَمِنْهَا فَلْقُ الْبَحْرِ لِإِنْجَاءِ بَنِي إسرائيل وإغراق آل فرعون، ومنها تضليل بنى إسرائيل فى التيه، وَإِنْزَالُ الْمَنِّ وَالسَّلْوَى عَلَيْهِمْ وَاسْتِسْقَاؤُهُ لَهُمْ، فَجَعَلَ اللَّهُ مَاءَهُمْ يَخْرُجُ مِنْ حَجَرٍ يُحْمَلُ مَعَهُمْ عَلَى دَابَّةٍ، لَهُ أَرْبَعَةُ وُجُوهٍ، إِذَا ضَرَبَهُ مُوسَى بِعَصَاهُ يَخْرُجُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ ثَلَاثَةُ أعين كل سبط عين، ثم يضربه فينقلع، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ الْبَاهِرَاتِ، كَمَا بَسَطْنَا ذَلِكَ فِي التَّفْسِيرِ، وَفِي قِصَّةِ مُوسَى ﵇ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا فِي قَصَصِ الأنبياء منه، ولله الحمد والمنة. وقيل: كل من عبد العجل أماتهم ثم أحياهم الله تعالى، وقصة البقرة.
ي قِصَّةِ مُوسَى ﵇ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا فِي قَصَصِ الأنبياء منه، ولله الحمد والمنة. وقيل: كل من عبد العجل أماتهم ثم أحياهم الله تعالى، وقصة البقرة.
مقارنة بين عصا موسى وتسبيح الحصى فِي يَدِ النَّبِيِّ ﷺ أَمَّا الْعَصَا فَقَالَ شَيْخُنَا الْعَلَّامَةُ ابْنُ الزَّمْلَكَانِيِّ: وَأَمَّا حَيَاةُ عَصَا مُوسَى، فَقَدْ سَبَّحَ الْحَصَا فِي كَفِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ جَمَادٌ، وَالْحَدِيثُ فِي ذَلِكَ صَحِيحٌ، وَهَذَا الْحَدِيثُ مَشْهُورٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ رَجُلٍ عَنْ أَبِي ذَرٍّ. وَقَدْ قَدَّمْنَا ذَلِكَ مَبْسُوطًا فِي دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ، وقيل: أَنَّهُنَّ سَبَّحْنَ فِي كَفِّ أَبِي بَكْرٍ ثُمَّ عُمَرَ ثُمَّ عُثْمَانَ، كَمَا سَبَّحْنَ فِي كَفِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فقال: هذه خلافة النبوة، وقد روى الحافظ بسنده إلى بكر بن حبيش عَنْ رَجُلٍ سَمَّاهُ قَالَ: كَانَ بِيَدِ أَبِي مُسْلِمٍ الْخَوْلَانِيِّ سُبْحَةٌ يُسَبِّحُ بِهَا، قَالَ: فَنَامَ وَالسُّبْحَةُ فِي يَدِهِ قَالَ: فَاسْتَدَارَتِ السُّبْحَةُ فَالْتَفَّتْ على ذِرَاعِهِ وَهِيَ تَقُولُ: سُبْحَانَكَ يَا مُنْبِتَ النَّبَاتِ، ويا دائم الثبات، فقال: هلم يَا أُمَّ مُسْلِمٍ وَانْظُرِي إِلَى أَعْجَبِ الْأَعَاجِيبِ، قَالَ: فَجَاءَتْ أُمُّ مُسْلِمٍ وَالسُّبْحَةُ تَدُورُ وَتُسَبِّحُ فَلَمَّا جَلَسَتْ سَكَتَتْ. وَأَصَحُّ مِنْ هَذَا كُلِّهُ وَأَصْرَحُ حَدِيثُ الْبُخَارِيِّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: كُنَّا نَسْمَعُ تَسْبِيحَ الطَّعَامِ وَهُوَ يُؤْكَلُ «١» ، قَالَ شَيْخُنَا: وَكَذَلِكَ قَدْ سَلَّمَتْ عَلَيْهِ الْأَحْجَارُ، قُلْتُ: وَهَذَا قَدْ رَوَاهُ مُسْلِمٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إني لأعرف حجرا كان يسلم علي بمكة قبل أن أبعث، إني لأعرفه الْآنَ «٢» ، قَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ الْحَجَرُ الْأَسْوَدُ.
ةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إني لأعرف حجرا كان يسلم علي بمكة قبل أن أبعث، إني لأعرفه الْآنَ «٢» ، قَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ الْحَجَرُ الْأَسْوَدُ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ يَعْقُوبَ الْكُوفِيُّ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ أَبِي ثَوْرٍ عَنِ السُّدِّيِّ عَنْ عباد بْنِ يَزِيدَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ بِمَكَّةَ فِي بَعْضِ نَوَاحِيهَا، فما استقبله جبل ولا شجر إلا
قَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، ثُمَّ قَالَ: غَرِيبٌ وَرَوَاهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الدَّلَائِلِ من حديث السدى عن أبى عمارة الحيوانى عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: خَرَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَجَعَلَ لَا يَمُرُّ بحجر ولا شجر ولا مدر ولا شئ إِلَّا قَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: وَأَقْبَلَتِ الشَّجَرَةُ عَلَيْهِ بِدُعَائِهِ، وَذَكَرَ اجْتِمَاعَ تَيْنِكَ الشَّجَرَتَيْنِ لِقَضَاءِ حَاجَتِهِ مِنْ وَرَائِهِمَا ثُمَّ رُجُوعَهُمَا إِلَى مَنَابِتِهِمَا، وَكِلَا الْحَدِيثَيْنِ فِي الصَّحِيحِ، وَلَكِنْ لَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ حُلُولُ حَيَاةٍ فيهما، إذ يكونان سَاقَهُمَا سَائِقٌ، وَلَكِنْ فِي قَوْلِهِ: انْقَادَا عَلَيَّ بِإِذْنِ اللَّهِ، مَا يَدُلُّ عَلَى حُصُولِ شُعُورٍ مِنْهُمَا لِمُخَاطَبَتِهِ، وَلَا سِيَّمَا مَعَ امْتِثَالِهِمَا مَا أَمَرَهُمَا بِهِ، قَالَ: وَأَمَرَ عِذْقًا مِنْ نَخْلَةٍ أن ينزل فنزل يبقر فِي الْأَرْضِ حَتَّى وَقَفَ بَيْنَ يَدَيْهِ فَقَالَ: أَتَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ؟ فَشَهِدَ بِذَلِكَ ثَلَاثًا ثُمَّ عَادَ إِلَى مَكَانِهِ، وَهَذَا أَلْيَقُ وَأَظْهَرُ فِي الْمُطَابَقَةِ مِنَ الَّذِي قَبْلَهُ، وَلَكِنْ هَذَا السِّيَاقُ فِيهِ غَرَابَةٌ، وَالَّذِي رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ.
ِي الْمُطَابَقَةِ مِنَ الَّذِي قَبْلَهُ، وَلَكِنْ هَذَا السِّيَاقُ فِيهِ غَرَابَةٌ، وَالَّذِي رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ. وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ وَالْبُخَارِيُّ فِي التَّارِيخِ من رواية أبى ظبيان حصين ابن المنذر عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فقال: يم أَعْرِفُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ؟ قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ دَعَوْتُ هَذَا الْعِذْقَ مِنْ هَذِهِ النَّخْلَةِ أَتَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَدَعَا العذق فجعل العذق ينزل من النخلة حتى سقط فى الأرض فجعل ينقر حَتَّى أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ قال له: ارجع فرجع إِلَى مَكَانِهِ، فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ، وَآمَنَ بِهِ، هَذَا لَفْظُ الْبَيْهَقِيُّ، وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي أَنَّ الَّذِي شَهِدَ بِالرِّسَالَةِ هُوَ الْأَعْرَابِيُّ، وَكَانَ رَجُلًا مِنْ بَنِي عَامِرٍ، وَلَكِنْ فِي رِوَايَةِ الْبَيْهَقِيِّ مِنْ طَرِيقِ الْأَعْمَشُ عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: مَا هَذَا الَّذِي يَقُولُ أَصْحَابُكَ؟ قَالَ وَحَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَعْذَاقٌ وَشَجَرٌ، فَقَالَ: هَلْ لَكَ أَنْ أُرِيَكَ آيَةً؟ قَالَ: نَعَمْ، فَدَعَا غُصْنًا مِنْهَا فَأَقْبَلَ يَخُدُّ الْأَرْضَ حَتَّى وَقَفَ بَيْنَ يَدَيْهِ وَجَعَلَ يَسْجُدُ وَيَرْفَعُ رَأْسَهُ، ثُمَّ أَمَرَهُ فرجع، قال: فرجع العامرى وهو يقول، قال عامر بن صعصعة والله لا أكذبه بشئ يقوله أبدا.
نَ يَدَيْهِ وَجَعَلَ يَسْجُدُ وَيَرْفَعُ رَأْسَهُ، ثُمَّ أَمَرَهُ فرجع، قال: فرجع العامرى وهو يقول، قال عامر بن صعصعة والله لا أكذبه بشئ يقوله أبدا.
وَتَقَدَّمَ فِيمَا رَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ مُتَفَرِّدًا به عن عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَعَا رَجُلًا إِلَى الْإِسْلَامِ فَقَالَ: هَلْ من شاهد على ما تقول؟ قال: هذه الشَّجَرَةُ فَدَعَاهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وهلى عَلَى شَاطِئِ الْوَادِي فَأَقْبَلَتْ تَخُدُّ الْأَرْضَ خَدًّا فَقَامَتْ بَيْنَ يَدَيْهِ فَاسْتَشْهَدَهَا ثَلَاثًا فَشَهِدَتْ أَنَّهُ كَمَا قَالَ، ثُمَّ إِنَّهَا رَجَعَتْ إِلَى مَنْبَتِهَا وَرَجَعَ الْأَعْرَابِيُّ إِلَى قَوْمِهِ وَقَالَ: إِنْ يَتَّبِعُونِي أَتَيْتُكَ بِهِمْ وَإِلَّا رَجَعْتُ إِلَيْكَ وَكُنْتُ مَعَكَ، قَالَ: وَأَمَّا حَنِينُ الْجِذْعِ الَّذِي كَانَ يَخْطُبُ إِلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ، فَعُمِلَ لَهُ الْمِنْبَرُ، فَلَمَّا رَقِيَ عَلَيْهِ وَخَطَبَ حَنَّ الجذع إليه حنين العشار والناس يسمعون بِمَشْهَدِ الْخَلْقِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَلَمْ يَزَلْ يَئِنُّ وَيَحِنُّ حَتَّى نَزَلَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ فَاعْتَنَقَهُ وَسَكَّنَهُ وَخَيَّرَهُ بَيْنَ أَنْ يَرْجِعَ غُصْنًا طَرِيًّا أَوْ يُغْرَسَ فِي الْجَنَّةِ يَأْكُلُ مِنْهُ أَوْلِيَاءُ اللَّهِ، فَاخْتَارَ الْغَرْسَ فِي الْجَنَّةِ وَسَكَنَ عِنْدَ ذَلِكَ، فَهُوَ حَدِيثٌ مَشْهُورٌ مَعْرُوفٌ، قَدْ رَوَاهُ مِنَ الصَّحَابَةِ عَدَدٌ كَثِيرٌ مُتَوَاتِرٌ، وَكَانَ بِحُضُورِ الْخَلَائِقِ، وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ من تواتر حنين الجذع كَمَا قَالَ، فَإِنَّهُ قَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَعَنْهُمْ أَعْدَادٌ مِنَ التَّابِعِينَ، ثُمَّ مِنْ بَعْدِهِمْ آخَرُونَ عَنْهُمْ لَا يُمْكِنُ تَوَاطُؤُهُمْ عَلَى الْكَذِبِ فَهُوَ مَقْطُوعٌ بِهِ فِي الْجُمْلَةِ، وَأَمَّا تَخْيِيرُ الْجِذْعِ كَمَا ذَكَرَهُ شَيْخُنَا فَلَيْسَ بِمُتَوَاتِرٍ، بَلْ وَلَا يَصِحُّ إِسْنَادُهُ.
فَهُوَ مَقْطُوعٌ بِهِ فِي الْجُمْلَةِ، وَأَمَّا تَخْيِيرُ الْجِذْعِ كَمَا ذَكَرَهُ شَيْخُنَا فَلَيْسَ بِمُتَوَاتِرٍ، بَلْ وَلَا يَصِحُّ إِسْنَادُهُ. وَقَدْ أوردته فى الدلائل عن أبى ابن كعب، وذكر فى مسنده أَحْمَدَ، وَسُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ، وَعَنْ أَنَسٍ مِنْ خمس طريق إِلَيْهِ، صَحَّحَ التِّرْمِذِيُّ إِحْدَاهَا، وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ أُخْرَى، وَأَحْمَدُ ثَالِثَةً، وَالْبَزَّارُ رَابِعَةً، وَأَبُو نُعَيْمٍ خَامِسَةً. وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبَدِ اللَّهِ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ مِنْ طَرِيقَيْنِ عَنْهُ، وَالْبَزَّارُ مِنْ ثَالِثَةٍ وَرَابِعَةٍ، وَأَحْمَدُ مِنْ خَامِسَةٍ وَسَادِسَةٍ، وَهَذِهِ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ. وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ فِي مُصَنَّفِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ عَلَى شَرْطِ الصَّحِيحَيْنِ، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي مُسْنَدِ أَحْمَدَ وسنن ابْنِ مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ. وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ، وَرَوَاهُ أَحْمَدُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ
ابن عمر، وعن أبى سعيد فى مسنده عَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ بِإِسْنَادٍ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ، وقد رواه يَعْلَى الْمَوْصِلِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْهُ. وَعَنْ عَائِشَةَ رَوَاهُ الْحَافِظُ أَبُو نُعَيْمٍ مِنْ طَرِيقِ على بن أحمد الخوارزمى عن قبيصة بن حبان بن على عن صالح بن حبان عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ عَائِشَةَ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ بِطُولِهِ، وَفِيهِ أَنَّهُ خَيَّرَهُ بَيْنَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَاخْتَارَ الْجِذْعُ الْآخِرَةَ وَغَارَ حَتَّى ذَهَبَ فَلَمْ يُعْرَفْ، وَهَذَا غَرِيبٌ إِسْنَادًا وَمَتْنًا. وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رَوَاهُ أَبُو نُعَيْمٍ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ، وَقَدَّمْتُ الْأَحَادِيثَ بِبَسْطِ أَسَانِيدِهَا وَتَحْرِيرِ أَلْفَاظِهَا وغررها بما فيه كفاية عن إعادته ههنا، وَمَنْ تَدَبَّرَهَا حَصَلَ لَهُ الْقَطْعُ بِذَلِكَ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ. قَالَ الْقَاضِي عِيَاضُ بْنُ مُوسَى السَّبْتِيُّ الْمَالِكِيُّ فِي كِتَابِهِ الشِّفَا: وَهُوَ حَدِيثٌ مشهور مُتَوَاتِرٌ خَرَّجَهُ أَهْلُ الصَّحِيحِ، وَرَوَاهُ مِنَ الصَّحَابَةِ بضعة عشر، منهم أبى وَأَنَسٌ وَبُرَيْدَةُ وَسَهْلُ بْنُ سَعْدٍ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَابْنُ عُمَرٍ وَالْمُطَّلِبُ بْنُ أَبِي وَدَاعَةَ وَأَبُو سَعِيدٍ وَأُمُّ سَلَمَةَ ﵃ أَجْمَعِينَ.
بُرَيْدَةُ وَسَهْلُ بْنُ سَعْدٍ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَابْنُ عُمَرٍ وَالْمُطَّلِبُ بْنُ أَبِي وَدَاعَةَ وَأَبُو سَعِيدٍ وَأُمُّ سَلَمَةَ ﵃ أَجْمَعِينَ. قَالَ شَيْخُنَا: فَهَذِهِ جَمَادَاتٌ وَنَبَاتَاتٌ وَقَدْ حَنَّتْ وَتَكَلَّمَتْ، وَفِي ذَلِكَ مَا يُقَابِلُ انْقِلَابَ الْعَصَا حَيَّةً، قُلْتُ: وَسَنُشِيرُ إِلَى هَذَا عِنْدَ ذِكْرِ مُعْجِزَاتِ عِيسَى ﵇ فِي إِحْيَائِهِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى فِي ذَلِكَ كَمَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ عَنِ الْحَاكِمِ عَنْ أَبِي أَحْمَدَ بْنِ أَبِي الْحَسَنِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي حاتم عن أبيه عن عمرو بن سوار قَالَ: قَالَ لِيَ الشَّافِعِيُّ: مَا أَعْطَى اللَّهُ نَبِيًّا مَا أَعْطَى مُحَمَّدًا ﷺ، فَقُلْتُ: أَعْطَى عِيسَى إِحْيَاءَ الْمَوْتَى، فَقَالَ: أعطى محمد الْجِذْعَ الَّذِي كَانَ يَخْطُبُ إِلَى جَنْبِهِ حَتَّى هيء له المنبر، فلما هيء لَهُ حَنَّ الْجِذْعُ حَتَّى سَمِعَ صَوْتَهُ، فَهَذَا أَكْبَرُ مِنْ ذَلِكَ. وَهَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ إِلَى الشَّافِعِيِّ ﵀، وَهُوَ مِمَّا كُنْتُ أَسْمَعُ شَيْخَنَا الْحَافِظَ أَبَا الْحَجَّاجِ الْمِزِّيَّ ﵀ يَذْكُرُهُ عَنِ الشَّافِعِيِّ ﵀ وَأَكْرَمَ
إِلَى الشَّافِعِيِّ ﵀، وَهُوَ مِمَّا كُنْتُ أَسْمَعُ شَيْخَنَا الْحَافِظَ أَبَا الْحَجَّاجِ الْمِزِّيَّ ﵀ يَذْكُرُهُ عَنِ الشَّافِعِيِّ ﵀ وَأَكْرَمَ
مَثْوَاهُ، وَإِنَّمَا قَالَ: فَهَذَا أَكْبَرُ مِنْ ذَلِكَ لِأَنَّ الْجِذْعَ لَيْسَ مَحَلًّا لِلْحَيَاةِ وَمَعَ هَذَا حَصَلَ لَهُ شُعُورٌ وَوَجْدٌ لَمَّا تَحَوَّلَ عَنْهُ إِلَى الْمِنْبَرِ فَأَنَّ وَحَنَّ حَنِينَ الْعِشَارِ حَتَّى نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَاحْتَضَنَهُ وَسَكَّنَهُ حَتَّى سَكَنَ. قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: فَهَذَا الْجِذْعُ حَنَّ إِلَيْهِ، فَإِنَّهُمْ أَحَقُّ أَنْ يحنوا إليه، وأما عود الحياة إلى الجسد كَانَتْ فِيهِ بِإِذْنِ اللَّهِ فَعَظِيمٌ، وَهَذَا أَعْجَبُ وأعظم من إِيجَادُ حَيَاةٍ وَشُعُورٍ فِي مَحَلٍّ لَيْسَ مَأْلُوفًا لِذَلِكَ لَمْ تَكُنْ فِيهِ قَبْلُ بِالْكُلِّيَّةِ فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (تَنْبِيهٌ) وَقَدْ كَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِوَاءٌ يُحْمَلُ مَعَهُ فِي الْحَرْبِ يَخْفِقُ فِي قُلُوبِ أَعْدَائِهِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَكَانَتْ لَهُ عَنَزَةٌ تُحْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَإِذَا أَرَادَ الصَّلَاةَ إِلَى غَيْرِ جِدَارٍ وَلَا حَائِلَ رُكِزَتْ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَكَانَ لَهُ قَضِيبٌ يَتَوَكَّأُ عَلَيْهِ إِذَا مَشَى، وَهُوَ الَّذِي عَبَّرَ عَنْهُ سَطِيحٌ فِي قَوْلِهِ لابن أخيه عبد المسيح بن نفيلة: يَا عَبْدَ الْمَسِيحِ، إِذَا كَثُرَتِ التِّلَاوَهْ، وَظَهْرَ صَاحِبُ الْهِرَاوَهْ وَغَاضَتْ بُحَيْرَةُ سَاوَهْ، فَلَيْسَتِ الشَّامُ لِسَطِيحٍ شَامًا، وَلِهَذَا كَانَ ذِكْرُ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ عِنْدَ إِحْيَاءِ عَصَا مُوسَى وَجَعْلِهَا حَيَّةً أَلْيَقَ، إذ هى مساوية لذلك، وهذه متعددة فِي مَحَالٍّ مُتَفَرِّقَةٍ بِخِلَافِ عَصَا مُوسَى فَإِنَّهَا إن تَعَدَّدَ جَعْلُهَا حَيَّةً، فَهِيَ ذَاتٌ وَاحِدَةٌ وَاللَّهُ أَعْلَمُ، ثُمَّ نُنَبِّهُ عَلَى ذَلِكَ عِنْدَ ذِكْرِ إِحْيَاءِ الْمَوْتَى عَلَى يَدِ عِيسَى لِأَنَّ هَذِهِ أعجب وأكبر وأظهر وأعلم.
َاحِدَةٌ وَاللَّهُ أَعْلَمُ، ثُمَّ نُنَبِّهُ عَلَى ذَلِكَ عِنْدَ ذِكْرِ إِحْيَاءِ الْمَوْتَى عَلَى يَدِ عِيسَى لِأَنَّ هَذِهِ أعجب وأكبر وأظهر وأعلم. قَالَ شَيْخُنَا: وَأَمَّا أَنَّ اللَّهَ كَلَّمَ مُوسَى تَكْلِيمًا، فَقَدْ تَقَدَّمَ حُصُولُ الْكَلَامِ لِلنَّبِيِّ ﷺ ليلة الإسراء مع الرؤية وهو أبلغ، هذا أورده فيما يتعلق بمعجزات موسى ﵇ ليلة الإسراء فيشهد له: فنوديت يا محمد قد كلفت فريضتين وَخَفَّفْتُ عَنْ عِبَادِي، وَسِيَاقُ بَقِيَّةِ الْقِصَّةِ يُرْشِدُ إِلَى ذَلِكَ، وَقَدْ حَكَى بَعْضُ الْعُلَمَاءِ الْإِجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ، لَكِنْ رَأَيْتُ فِي كَلَامِ الْقَاضِي عِيَاضٍ نَقْلَ خِلَافٍ فِيهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَأَمَّا الرُّؤْيَةُ فَفِيهَا خِلَافٌ مَشْهُورٌ بَيْنَ الْخَلَفِ وَالسَّلَفِ، وَنَصَرَهَا مِنَ الْأَئِمَّةِ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ خُزَيْمَةَ الْمَشْهُورُ بِإِمَامِ الْأَئِمَّةِ، وَاخْتَارَ ذَلِكَ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَالشَّيْخُ مُحْيِي الدِّينِ النَّوَوِيُّ،
وَجَاءَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ تَصْدِيقُ الرُّؤْيَةِ، وَجَاءَ عنه تفنيدها، وَكِلَاهُمَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَائِشَةَ إِنْكَارُ ذَلِكَ، وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي الْإِسْرَاءِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي ذَرٍ وَعَائِشَةَ ﵃ أَنَّ الْمَرْئِيَّ فِي الْمَرَّتَيْنِ الْمَذْكُورَتَيْنِ فِي أَوَّلِ سُورَةِ النَّجْمِ، إِنَّمَا هُوَ جِبْرِيلُ ﵇. وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله هل رأيت ربك؟ فقال: نورا لى أَرَاهُ، وَفِي رِوَايَةٍ: رَأَيْتُ نُورًا. وَقَدْ تَقَدَّمَ بَسْطُ ذَلِكَ فِي الْإِسْرَاءِ فِي السِّيرَةِ وَفِي التَّفْسِيرِ فِي أَوَّلِ سُورَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ شَيْخُنَا فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْمُعْجِزَاتِ الْمُوسَوِيَّةِ عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ، وَأَيْضًا فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى كَلَّمَ مُوسَى وَهُوَ بِطُورِ سَيْنَاءَ، وَسَأَلَ الرُّؤْيَةَ فَمُنِعَهَا، وَكَلَّمَ مُحَمَّدًا ﷺ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ وَهُوَ بِالْمَلَأِ الْأَعْلَى حِينَ رفع لمستوى سمع فِيهِ صَرِيفَ الْأَقْلَامِ، وَحَصَلَتْ لَهُ الرُّؤْيَةُ فِي قَوْلِ طَائِفَةٍ كَبِيرَةٍ مِنْ عُلَمَاءِ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ، ثُمَّ رَأَيْتُ ابْنَ حَامِدٍ قَدْ طَرَقَ هَذَا فِي كِتَابِهِ وَأَجَادَ وَأَفَادَ وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِمُوسَى: وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي «١» وَقَالَ لِمُحَمَّدٍ: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣١) «٢» ، وَأَمَّا الْيَدُ الَّتِي جَعَلَهَا اللَّهُ بُرْهَانًا وَحُجَّةً لِمُوسَى عَلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى بعد ذكر صيرورة العصاحية: وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ «٣» . فَذانِكَ بُرْهانانِ مِنْ رَبِّكَ إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ «٤» وقال فى سورة طه: آيَةً
َدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ «٣» . فَذانِكَ بُرْهانانِ مِنْ رَبِّكَ إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ «٤» وقال فى سورة طه: آيَةً
أُخْرى (٢٢) لِنُرِيَكَ مِنْ آياتِنَا الْكُبْرى (٢٣) «١» فَقَدْ أَعْطَى اللَّهُ مُحَمَّدًا انْشِقَاقَ الْقَمَرِ بِإِشَارَتِهِ إِلَيْهِ فِرْقَتَيْنِ، فِرْقَةً مِنْ وَرَاءِ جَبَلِ حِرَاءٍ، وَأُخْرَى أَمَامَهُ، كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُ ذَلِكَ بِالْأَحَادِيثِ الْمُتَوَاتِرَةِ مَعَ قَوْلِهِ تَعَالَى: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١) وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ (٢) «٢» وَلَا شَكَّ أَنَّ هَذَا أَجَلُّ وَأَعْظَمُ وَأَبْهَرُ فى المعجزات وأعم وأظبر وَأَبْلَغُ مِنْ ذَلِكَ، وَقَدْ قَالَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ فِي حَدِيثِهِ الطَّوِيلِ فِي قِصَّةِ تَوْبَتِهِ: وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا سُرَّ اسْتَنَارَ وَجْهُهُ كَأَنَّهُ فِلْقَةُ قَمَرٍ. وَذَلِكَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ، وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: قَالُوا: فَإِنَّ مُوسَى أُعْطِيَ الْيَدَ الْبَيْضَاءَ، قُلْنَا لَهُمْ: فَقَدْ أُعْطِيَ مُحَمَّدٌ ﷺ مَا هُوَ أَفْضَلُ مِنْ ذَلِكَ نُورًا كان يضىء عن يمينه حيث ما جلس، وعن يساره حيث ما جَلَسَ وَقَامَ، يَرَاهُ النَّاسُ كُلُّهُمْ، وَقَدْ بَقِيَ ذَلِكَ النُّورُ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ يُرَى النُّورُ السَّاطِعُ مِنْ قَبْرِهِ ﷺ مِنْ مَسِيرَةِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ؟ هَذَا لَفْظُهُ، وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ مِنْ هَذَا النُّورِ غَرِيبٌ جِدًّا.
َى النُّورُ السَّاطِعُ مِنْ قَبْرِهِ ﷺ مِنْ مَسِيرَةِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ؟ هَذَا لَفْظُهُ، وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ مِنْ هَذَا النُّورِ غَرِيبٌ جِدًّا. وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي السِّيرَةِ عِنْدَ إِسْلَامِ الطُّفَيْلِ بْنِ عَمْرٍو الدَّوْسِيِّ أَنَّهُ طَلَبَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ آيَةً تَكُونُ لَهُ عَوْنًا عَلَى إِسْلَامِ قَوْمِهِ من بيته هُنَاكَ، فَسَطَعَ نُورٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ كَالْمِصْبَاحِ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ فَإِنَّهُمْ يَظُنُّونَهُ مُثْلَةً، فَتَحَوَّلَ النُّورُ إِلَى طَرَفِ سَوْطِهِ فَجَعَلُوا يَنْظُرُونَ إِلَيْهِ كَالْمِصْبَاحِ فَهَدَاهُمُ اللَّهُ عَلَى يَدَيْهِ بِبَرَكَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَبِدُعَائِهِ لَهُمْ فِي قَوْلِهِ: اللَّهُمَّ اهْدِ دَوْسًا، وَأْتِ بِهِمْ، وَكَانَ يُقَالُ لِلطُّفَيْلِ: ذُو النُّورِ لذلك، وذكر أَيْضًا حَدِيثَ أُسَيْدِ بْنِ حُضَيْرٍ وَعَبَّادِ بْنِ بِشْرٍ فِي خُرُوجِهِمَا مِنْ عِنْدِ النَّبِيِّ ﷺ فِي لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ فَأَضَاءَ لَهُمَا طَرَفُ عَصَا أَحَدِهِمَا، فَلَمَّا افْتَرَقَا أَضَاءَ لكل واحد منهما طرف عصاه،
وَذَلِكَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ. وَقَالَ أَبُو زُرْعَةَ الرَّازِيُّ فِي كِتَابِ دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عن ثابت ابن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ عَبَّادَ بْنَ بِشْرٍ وَأُسَيْدَ بْنَ حُضَيْرٍ خَرَجَا مِنْ عِنْدِ النَّبِيِّ ﷺ فِي لَيْلَةٍ ظَلْمَاءَ حِنْدِسٍ فَأَضَاءَتْ عَصَا أَحَدِهِمَا مِثْلَ السِّرَاجِ وَجَعَلَا يَمْشِيَانِ بِضَوْئِهَا، فَلَمَّا تَفَرَّقَا إِلَى مَنْزِلِهِمَا أَضَاءَتْ عَصَا ذَا وَعَصَا ذَا. ثُمَّ رُوِيَ عَنْ إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ حَمْزَةَ ابن مصعب بن الزبير ابن الْعَوَّامِ، وَعَنْ يَعْقُوبَ بْنِ حُمَيْدٍ الْمَدَنِيِّ، كِلَاهُمَا عَنْ سُفْيَانَ بْنِ حَمْزَةَ بْنِ يَزِيدَ الْأَسْلَمِيِّ عَنْ كَثِيرِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حَمْزَةَ بْنِ عَمْرٍو الْأَسْلَمِيِّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سِرْنَا فِي سَفَرٍ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي لَيْلَةٍ ظَلْمَاءَ دُحْمُسَةٍ فأضاءت أصابعي حتى جمعوا عليها ظهرهم وما هلك منهم، وإن أصابعى لتستنير. وروى هشام بن عمار فى البعث: حدثنا عبد الأعلى ابن مُحَمَّدٍ الْبَكْرِيُّ، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْبَصْرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو التَّيَّاحِ الضُّبَعِيُّ قَالَ: كَانَ مُطَرِّفُ بن عبد الله يبدر فَيَدْخُلُ كُلَّ جُمُعَةٍ فَرُبَّمَا نُوِّرَ لَهُ فِي سَوْطِهِ، فَأَدْلَجَ ذَاتَ لَيْلَةٍ وَهُوَ عَلَى فَرَسِهِ حتى إذا كان عبد المقابر هدم بِهِ، قَالَ: فَرَأَيْتُ صَاحِبَ كُلِّ قَبْرٍ جَالِسًا على قبره، فقال: هَذَا مُطَرِّفٌ يَأْتِي الْجُمُعَةَ، فَقُلْتُ لَهُمْ: وَتَعْلَمُونَ عِنْدَكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ؟ قَالُوا: نَعَمْ، وَنَعْلَمُ مَا يَقُولُ فِيهِ الطَّيْرُ، قُلْتُ: وَمَا يَقُولُ فِيهِ الطير؟ قالوا: رب سلم سلم قوم صالح.
ِنْدَكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ؟ قَالُوا: نَعَمْ، وَنَعْلَمُ مَا يَقُولُ فِيهِ الطَّيْرُ، قُلْتُ: وَمَا يَقُولُ فِيهِ الطير؟ قالوا: رب سلم سلم قوم صالح. وأما دعاؤه ﵇ بالطرفان، وَهُوَ الْمَوْتُ الذَّرِيعُ فِي قَوْلٍ، وَمَا بَعْدَهُ مِنَ الْآيَاتِ وَالْقَحْطِ وَالْجَدْبِ، فَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ إِلَى مُتَابَعَتِهِ وَيُقْلِعُونَ عَنْ مُخَالَفَتِهِ، فما زادهم الاطغيانا كَبِيرًا، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَما نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِها وَأَخَذْناهُمْ بِالْعَذابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٤٨)
وَقالُوا يَا أَيُّهَا السَّاحِرُ ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ إِنَّنا لَمُهْتَدُونَ (٤٩) «١» ، وَقالُوا مَهْما تَأْتِنا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنا بِها فَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (١٣٢) فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ وَالْجَرادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفادِعَ وَالدَّمَ آياتٍ مُفَصَّلاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكانُوا قَوْماً مُجْرِمِينَ (١٣٣) وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قالُوا يَا مُوسَى ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرائِيلَ (١٣٤) فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلى أَجَلٍ هُمْ بالِغُوهُ إِذا هُمْ يَنْكُثُونَ (١٣٥) فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْناهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَكانُوا عَنْها غافِلِينَ (١٣٦) «٢» . وَقَدْ دَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى قُرَيْشٍ حِينَ تَمَادَوْا عَلَى مُخَالَفَتِهِ بِسَبْعٍ كَسَبْعِ يُوسُفَ فَقَحَطُوا حَتَّى أَكَلُوا كُلَّ شَيْءٍ، وَكَانَ أَحَدُهُمْ يَرَى بَيْنَهُ وَبَيْنَ السَّمَاءِ مِثْلَ الدُّخَّانِ مِنَ الْجُوعِ.
ْعٍ كَسَبْعِ يُوسُفَ فَقَحَطُوا حَتَّى أَكَلُوا كُلَّ شَيْءٍ، وَكَانَ أَحَدُهُمْ يَرَى بَيْنَهُ وَبَيْنَ السَّمَاءِ مِثْلَ الدُّخَّانِ مِنَ الْجُوعِ. وَقَدْ فَسَّرَ ابْنُ مَسْعُودٍ قَوْلَهُ تَعَالَى: فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ (١٠) «٣» بذلك كما رواه البخارى عنه فى غير ما مَوْضِعٍ مِنْ صَحِيحِهِ، ثُمَّ تَوَسَّلُوا إِلَيْهِ، صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ، بِقَرَابَتِهِمْ مِنْهُ مَعَ أَنَّهُ بُعِثَ بِالرَّحْمَةِ وَالرَّأْفَةِ، فَدَعَا لَهُمْ فَأَقْلَعَ عَنْهُمْ ورفع عنهم العذاب، وأحيوا بعد ما كَانُوا أَشْرَفُوا عَلَى الْهَلَكَةِ. وَأَمَّا فَلْقُ الْبَحْرِ لِمُوسَى ﵇ حِينَ أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى- حِينَ تَرَاءَى الْجَمْعَانِ- أَنْ يَضْرِبَ الْبَحْرَ بِعَصَاهُ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ، فَإِنَّهُ مُعْجِزَةٌ عَظِيمَةٌ بَاهِرَةٌ، وَحُجَّةٌ قَاطِعَةٌ قَاهِرَةٌ، وَقَدْ بَسَطْنَا ذَلِكَ فِي التَّفْسِيرِ وَفِي قَصَصِ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا، وَفِي إِشَارَتِهِ ﷺ بِيَدِهِ الْكَرِيمَةِ إِلَى قَمَرِ السَّمَاءِ
فانشق القمر فلقتين وفق ما سأله قُرَيْشٌ، وَهُمْ مَعَهُ جُلُوسٌ فِي لَيْلَةِ الْبَدْرِ، أَعْظَمُ آيَةٍ، وَأَيْمَنُ دَلَالَةٍ وَأَوْضَحُ حُجَّةٍ وَأَبْهَرُ برهان على نبوته وجاهه عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَمْ يُنْقَلْ مُعْجِزَةٌ عَنْ نَبِيٍّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ مِنَ الْآيَاتِ الْحِسِّيَّاتِ أَعْظَمُ مِنْ هَذَا، كَمَا قَرَّرْنَا ذَلِكَ بِأَدِلَّتِهِ مِنَ الكتاب والسنة، فى التفسير فى أَوَّلِ الْبَعْثَةِ، وَهَذَا أَعْظَمُ مِنْ حَبْسِ الشَّمْسِ قَلِيلًا لِيُوشَعَ بْنِ نُونٍ حَتَّى تَمَكَّنَ مِنَ الْفَتْحِ لَيْلَةَ السَّبْتِ، كَمَا سَيَأْتِي فِي تَقْرِيرِ ذَلِكَ مَعَ مَا يُنَاسِبُ ذِكْرَهُ عِنْدَهُ. وَقَدْ تقدم من سيرة الْعَلَاءِ بْنِ الْحَضْرَمِيِّ، وَأَبِي عُبَيْدٍ الثَّقَفِيِّ وَأَبِي مسلم الخولانى، وسير الْجُيُوشِ التى كَانَتْ مَعَهُمْ عَلَى تَيَّارِ الْمَاءِ ومنها دجلة وهى جارية عجاجة تقذف الخشب مِنْ شِدَّةِ جَرْيِهَا، وَتَقَدَّمَ تَقْرِيرُ أَنَّ هَذَا أعجب من فلق البحر لموسى من عدة وجوه والله أعلم. وقال ابن حامد: فإن قَالُوا: فَإِنَّ مُوسَى ﵇ ضَرَبَ بِعَصَاهُ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ ذَلِكَ آيَةً لِمُوسَى ﵇، قُلْنَا: فَقَدْ أُوتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِثْلَهَا، قَالَ عَلِيٌّ ﵁: لما خرجنا إلى خير فاذا نحن بواد سحب وَقَدَّرْنَاهُ فَإِذَا هُوَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ قَامَةً، فَقَالُوا: يا رسول الله العدو من وراثنا وَالْوَادِي مِنْ أَمَامِنَا، كَمَا قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى: إنا لمدركون. فَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَعَبَرَتِ الْخَيْلُ لَا تُبْدِي حَوَافِرَهَا وَالْإِبِلُ لَا تُبْدِي أَخْفَافَهَا، فَكَانَ ذَلِكَ فَتْحًا، وَهَذَا الَّذِي ذكره بلا إسناد ولا أَعْرِفُهُ فِي شَيْءٍ مِنَ الْكُتُبِ الْمُعْتَمَدَةِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ وَلَا حَسَنٍ بَلْ وَلَا ضَعِيفٍ فَاللَّهُ أَعْلَمُ.
َّذِي ذكره بلا إسناد ولا أَعْرِفُهُ فِي شَيْءٍ مِنَ الْكُتُبِ الْمُعْتَمَدَةِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ وَلَا حَسَنٍ بَلْ وَلَا ضَعِيفٍ فَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَأَمَّا تَظْلِيلُهُ بِالْغَمَامِ فِي التِّيهِ، فَقَدْ تقدم ذكر حديث الغمامة التى رآها بحيرا تُظِلُّهُ مِنْ بَيْنِ أَصْحَابِهِ، وَهُوَ ابْنُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً، صُحْبَةَ عَمِّهِ أَبِي طَالِبٍ وَهُوَ قادم إلى الشَّامَ فِي تِجَارَةٍ، وَهَذَا أَبْهَرُ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ كَانَ وَهُوَ قَبْلَ أَنْ يُوحَى إِلَيْهِ، وَكَانَتِ الْغَمَامَةُ تُظِلُّهُ وَحْدَهُ مِنْ بَيْنِ أَصْحَابِهِ، فَهَذَا أَشَدُّ فِي الِاعْتِنَاءِ، وَأَظْهَرُ مِنْ غَمَامٍ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَغَيْرَهُمْ. وَأَيْضًا فَإِنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ
تَظْلِيلِ الْغَمَامِ إِنَّمَا كَانَ لِاحْتِيَاجِهِمْ إِلَيْهِ مِنْ شِدَّةِ الْحَرِّ. وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي الدَّلَائِلِ حِينَ سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَدْعُوَ لَهُمْ لِيُسْقَوْا لِمَا هُمْ عَلَيْهِ مِنَ الْجُوعِ وَالْجَهْدِ وَالْقَحْطِ، فَرَفَعَ يَدَيْهِ وَقَالَ: اللَّهُمَّ اسْقِنَا، اللَّهُمَّ اسْقِنَا، اللَّهُمَّ اسْقِنَا، قَالَ أَنَسٌ: وَلَا وَاللَّهِ مَا نَرَى فِي السَّمَاءِ مِنْ سَحَابٍ وَلَا قَزَعَةٍ «١» ، وَمَا بَيْنَنَا وَبَيْنَ سَلْعٍ مِنْ بَيْتٍ وَلَا دَارٍ، فَأُنْشِأَتْ مِنْ وَرَائِهِ سحابة مثل الترس، فلما توسطت السماء انتشرت ثُمَّ أَمْطَرَتْ، قَالَ أَنَسٌ: فَلَا وَاللَّهِ مَا رأينا الشمس سبتنا، وَلَمَّا سَأَلُوهُ أَنْ يَسْتَصْحِيَ لَهُمْ رَفَعَ يَدَهُ وَقَالَ: اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلَا عَلَيْنَا، فَمَا جَعَلَ يشير بيديه إلى ناحيه إلا انحاز السحاب إليها حتى صارت المدينة مثل إلا كليل يُمْطَرُ مَا حَوْلَهَا وَلَا تُمْطَرُ، فَهَذَا تَظْلِيلُ عام مُحْتَاجٌ إِلَيْهِ، آكُدُ مِنَ الْحَاجَةِ إِلَى ذَلِكَ، وَهُوَ أَنْفَعُ مِنْهُ وَالتَّصَرُّفُ فِيهِ وَهُوَ يُشِيرُ أَبْلَغُ فِي الْمُعْجِزِ وَأَظْهَرُ فِي الِاعْتِنَاءِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ةِ إِلَى ذَلِكَ، وَهُوَ أَنْفَعُ مِنْهُ وَالتَّصَرُّفُ فِيهِ وَهُوَ يُشِيرُ أَبْلَغُ فِي الْمُعْجِزِ وَأَظْهَرُ فِي الِاعْتِنَاءِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَأَمَّا إِنْزَالُ الْمَنِّ وَالسَّلْوَى عَلَيْهِمْ فَقَدْ كَثَّرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الطعام والشراب فى غير ما مَوْطِنٍ كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ من إطعام الْجَمَّ الْغَفِيرَ مِنَ الشَّيْءِ الْيَسِيرِ، كَمَا أَطْعَمَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ مِنْ شُوَيْهَةِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَصَاعِهِ الشَّعِيرِ، أَزْيَدَ مِنْ أَلْفِ نَفْسٍ جَائِعَةٍ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ دَائِمًا إِلَى يَوْمِ الدين، وأطعم من حفنة قوما مِنَ النَّاسِ وَكَانَتْ تُمَدُّ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ مِمَّا يَطُولُ ذِكْرُهُ. وَقَدْ ذَكَرَ أَبُو نُعَيْمٍ وَابْنُ حَامِدٍ أيضا هاهنا أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمَنِّ وَالسَّلْوَى إِنَّمَا هُوَ رِزْقٌ رُزِقُوهُ مِنْ غَيْرِ كَدٍّ مِنْهُمْ وَلَا تَعَبٍ، ثم أورد فى مقابلته حديث تحليل المغنم ولا يحل لأحد قبلنا، وحديث جابر فى سيرة إلى عُبَيْدَةَ وَجُوعِهِمْ حَتَّى أَكَلُوا الْخَبَطَ فَحَسَرَ الْبَحْرُ لَهُمْ عَنْ دَابَّةٍ تُسَمَّى الْعَنْبَرَ فَأَكَلُوا مِنْهَا ثلاثين من يوم
وَلَيْلَةٍ حَتَّى سَمِنُوا وَتَكَسَّرَتْ عُكَنُ بُطُونِهِمْ، وَالْحَدِيثُ فِي الصَّحِيحِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَسَيَأْتِي عِنْدَ ذِكْرِ المائدة فى معجزات المسيح بن مريم.
قِصَّةُ أَبِي مُوسَى الْخَوْلَانِيِّ أَنَّهُ خَرَجَ هُوَ وجماعة مِنْ أَصْحَابِهِ إِلَى الْحَجِّ وَأَمَرَهُمْ أَنْ لَا يَحْمِلُوا زَادًا وَلَا مَزَادًا فَكَانُوا إِذَا نَزَلُوا مَنْزِلًا صَلَّى رَكْعَتَيْنِ فَيُؤْتَوْنَ بِطَعَامٍ وَشَرَابٍ وَعَلَفٍ يَكْفِيهِمْ وَيَكْفِي دَوَابَّهُمْ غَدَاءً وَعَشَاءً مُدَّةَ ذَهَابِهِمْ وإيايهم، وأما قوله تعالى: إِذِ اسْتَسْقى مُوسى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ «١» الآية فَقَدْ ذَكَرْنَا بَسْطَ ذَلِكَ فِي قِصَّةِ مُوسَى ﵇ وَفِي التَّفْسِيرِ. وَقَدْ ذَكَرْنَا الْأَحَادِيثَ الْوَارِدَةَ فِي وَضْعِ النَّبِيُّ ﷺ يَدَهُ فِي ذَلِكَ الْإِنَاءِ الصَّغِيرِ الَّذِي لم يسع بسطها فِيهِ، فَجَعَلَ الْمَاءُ يَنْبُعُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ أمثال العيون، وكذلك كثر يالماء فِي غَيْرِ مَا مَوْطِنٍ، كَمَزَادَتَيْ تِلْكَ الْمَرْأَةِ، وَيَوْمِ الْحُدَيْبِيَةِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَقَدِ اسْتَسْقَى اللَّهَ لِأَصْحَابِهِ فِي الْمَدِينَةِ وَغَيْرِهَا فَأُجِيبَ طِبْقَ السُّؤَالِ وفق الْحَاجَةِ لَا أَزْيَدَ وَلَا أَنْقَصَ وَهَذَا أَبْلَغُ فِي الْمُعْجِزِ، وَنَبْعُ الْمَاءِ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ من نفس يده، على قول طائفة مِنَ الْعُلَمَاءِ، أَعْظَمُ مِنْ نَبْعِ الْمَاءِ مِنَ الْحَجَرِ فَإِنَّهُ مَحَلٌّ لِذَلِكَ. قَالَ أَبُو نُعَيْمٍ الْحَافِظُ: فَإِنْ قِيلَ: إِنَّ مُوسَى كَانَ يَضْرِبُ بِعَصَاهُ الْحَجَرَ فَيَنْفَجِرُ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا في التيه، وقد عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٌ مَشْرَبَهُمْ.
قِيلَ: إِنَّ مُوسَى كَانَ يَضْرِبُ بِعَصَاهُ الْحَجَرَ فَيَنْفَجِرُ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا في التيه، وقد عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٌ مَشْرَبَهُمْ. قِيلَ: كَانَ لِمُحَمَّدٍ ﷺ مثله أو أعجب، فَإِنَّ نَبْعَ الْمَاءِ مِنَ الْحَجْرِ مَشْهُورٌ فِي الْعُلُومِ وَالْمَعَارِفِ، وَأَعْجَبُ مِنْ ذَلِكَ نَبْعُ الْمَاءِ من بين اللحم والدم والعظم، فكان يفرج بين أصابعه فى محصب فَيَنْبُعُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ الْمَاءُ فَيَشْرَبُونَ وَيُسْقَوْنَ مَاءً جَارِيًا عَذْبًا، يَرْوِي الْعَدَدَ الْكَثِيرَ مِنَ الناس والخيل
وَالْإِبِلِ. ثُمَّ رَوَى مِنْ طَرِيقِ الْمُطَّلِبِ بْنِ عبد الله ابن أَبِي حَنْطَبٍ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي عَمْرَةَ الْأَنْصَارِيُّ، حَدَّثَنِي أَبِي. قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي غزوة غزاها، فبات الناس فى مَخْمَصَةٌ فَدَعَا بِرَكْوَةٍ فَوُضِعَتْ بَيْنَ يَدَيْهِ، ثُمَّ دَعَا بِمَاءٍ فَصَبَّهُ فِيهَا، ثُمَّ مَجَّ فِيهَا وتكلم ما شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَتَكَلَّمَ، ثُمَّ أَدْخَلَ أُصْبُعَهُ فِيهَا، فَأُقْسِمُ بِاللَّهِ لَقَدْ رَأَيْتُ أَصَابِعِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَتَفَجَّرُ مِنْهَا يَنَابِيعُ الْمَاءِ، ثُمَّ أَمَرَ النَّاسَ فَسَقَوْا وَشَرِبُوا وَمَلَأُوا قِرَبَهُمْ وَإِدَاوَاتِهِمْ، وَأَمَّا قِصَّةُ إِحْيَاءِ الَّذِينَ قُتِلُوا بِسَبَبِ عِبَادَةِ الْعِجْلِ وَقِصَّةِ الْبَقَرَةِ، فَسَيَأْتِي مَا يُشَابِهُهُمَا مِنْ إِحْيَاءِ حَيَوَانَاتٍ وَأُنَاسٍ، عِنْدَ ذكر إحياء الموتى على يد عيسى بن مريم والله أعلم. وقد ذكر أبو نعيم هاهنا أَشْيَاءَ أُخَرَ تَرَكْنَاهَا اخْتِصَارًا وَاقْتِصَادًا. وَقَالَ هِشَامُ بن عمارة فى كتابه المبعث:
د عيسى بن مريم والله أعلم. وقد ذكر أبو نعيم هاهنا أَشْيَاءَ أُخَرَ تَرَكْنَاهَا اخْتِصَارًا وَاقْتِصَادًا. وَقَالَ هِشَامُ بن عمارة فى كتابه المبعث:
باب ما أَعْطَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَمَا أُعْطِيَ الْأَنْبِيَاءُ قَبْلَهُ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ شعيب، حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ مُدْرِكٍ، أَخْبَرَنِي عُمَرُ بْنُ حَسَّانَ التَّمِيمِيُّ أَنَّ مُوسَى ﵇ أُعْطِيَ آيَةً مِنْ كُنُوزِ الْعَرْشِ، رَبِّ لَا تُولِجِ الشَّيْطَانَ فِي قَلْبِي وَأَعِذْنِي مِنْهُ وَمِنْ كُلِّ سوء، فإن لك اليد وَالسُّلْطَانَ وَالْمُلْكَ وَالْمَلَكُوتَ، دَهْرَ الدَّاهِرِينَ وَأَبَدَ الْآبِدِينَ آمِينَ آمِينَ، قَالَ: وَأُعْطِيَ مُحَمَّدٌ ﷺ آيتان مِنْ كُنُوزِ الْعَرْشِ، آخِرَ سُورَةِ الْبَقَرَةِ: آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ «١» إلى آخرها.
قِصَّةُ حَبْسِ الشَّمْسِ عَلَى يُوشَعَ بْنِ نُونِ بن افرائم بْنِ يُوسُفَ بْنِ يَعْقُوبَ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلِ الرَّحْمَنِ ﵈، وَقَدْ كَانَ نَبِيَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ بَعْدَ مُوسَى ﵇، وَهُوَ الَّذِي خَرَجَ بِبَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ التِّيهِ وَدَخَلَ بِهِمْ بَيْتَ الْمَقْدِسِ بَعْدَ حِصَارٍ وَمُقَاتَلَةٍ، وَكَانَ الْفَتْحُ قَدْ يُنْجَزُ بَعْدَ الْعَصْرِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَكَادَتِ الشَّمْسُ تَغْرُبُ وَيَدْخُلُ عَلَيْهِمُ السَّبْتَ فَلَا يَتَمَكَّنُونَ مَعَهُ مِنَ الْقِتَالِ، فَنَظَرَ إِلَى الشَّمْسِ فَقَالَ: إِنَّكِ مَأْمُورَةٌ وَأَنَا مَأْمُورٌ، ثُمَّ قال: اللَّهُمَّ احْبِسْهَا عَلَيَّ، فَحَبَسَهَا اللَّهُ عَلَيْهِ حَتَّى فَتَحَ الْبَلَدَ ثُمَّ غَرَبَتْ. وَقَدْ قَدَّمْنَا فِي قِصَّةٍ مِنْ قَصَصِ الْأَنْبِيَاءِ الْحَدِيثَ الْوَارِدَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ معمر بن هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ:
يَاءِ الْحَدِيثَ الْوَارِدَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ معمر بن هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: غَزَا نَبِيٌّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ فَدَنَا مِنَ الْقَرْيَةِ حِينَ صَلَّى الْعَصْرَ أَوْ قَرِيبًا مِنْ ذَلِكَ فَقَالَ لِلشَّمْسِ: أَنْتِ مَأْمُورَةٌ وأنا مأمور، اللهم امسكها عَلَيَّ شَيْئًا، فَحُبِسَتْ عَلَيْهِ حَتَّى فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ، الْحَدِيثَ بِطُولِهِ، وَهَذَا النَّبِيُّ هُوَ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ، بِدَلِيلِ مَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا أَسْوَدُ بْنُ عَامِرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ بن هِشَامٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إِنَّ الشَّمْسَ لَمْ تُحْبَسْ لِبَشَرٍ إِلَّا لِيُوشَعَ ﵇ لَيَالِيَ سَارَ إِلَى بيت «١» . تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَدُ وَإِسْنَادُهُ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ، إِذَا عُلِمَ هَذَا فَانْشِقَاقُ الْقَمَرِ فِلْقَتَيْنِ حَتَّى صارت فلقة مِنْ وَرَاءِ الْجَبَلِ- أَعْنِي حِرَاءَ- وَأُخْرَى مِنْ دونه، أعظم فى المعجزة مِنْ حَبْسِ الشَّمْسِ قَلِيلًا. وَقَدْ قَدَّمْنَا فِي الدَّلَائِلِ حَدِيثَ رَدِّ الشَّمْسِ بَعْدَ غُرُوبِهَا، وَذَكَرْنَا ما قيل
فيه من المقالات فالله علم، قَالَ شَيْخُنَا الْعَلَّامَةُ أَبُو الْمَعَالِي بْنُ الزَّمْلَكَانِيِّ: وَأَمَّا حَبْسُ الشَّمْسِ لِيُوشَعَ فِي قِتَالِ الْجَبَّارِينَ، فَقَدِ انْشَقَّ الْقَمَرُ لِنَبِيِّنَا ﷺ وَانْشِقَاقُ الْقَمَرِ فِلْقَتَيْنِ أَبْلَغُ مِنْ حَبْسِ الشَّمْسِ عَنْ مَسِيرِهَا، وَصَحَّتِ الْأَحَادِيثُ وَتَوَاتَرَتْ بِانْشِقَاقِ الْقَمَرِ، وَأَنَّهُ كَانَ فِرْقَةٌ خَلْفَ الْجَبَلِ وَفِرْقَةٌ أمامه، وَأَنَّ قُرَيْشًا قَالُوا: هَذَا سَحَرَ أَبْصَارَنَا، فَوَرَدَتِ الْمُسَافِرُونَ وَأَخْبَرُوا أَنَّهُمْ رَأَوْهُ مُفْتَرِقًا، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١) وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ (٢) ٣. قَالَ: وَقَدْ حُبِسَتِ الشَّمْسُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَرَّتَيْنِ، إِحْدَاهُمَا مَا رَوَاهُ الطحاوى وقال: رواته ثقات، وسماهم وعدهم وَاحِدًا وَاحِدًا، وَهُوَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُوحَى إِلَيْهِ وَرَأْسُهُ فِي حِجْرِ عَلِيٍّ ﵁ فَلَمْ يَرْفَعْ رَأْسَهُ حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ، وَلَمْ يَكُنْ عَلِيٌّ صَلَّى الْعَصْرَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: اللَّهُمَّ إِنَّهُ كَانَ فِي طَاعَتِكَ وطاعة رسولك، فَارْدُدْ عَلَيْهِ الشَّمْسَ، فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِ الشَّمْسَ حتى رؤيت، فَقَامَ عَلِيٌّ فَصَلَّى الْعَصْرَ، ثُمَّ غَرَبَتْ. وَالثَّانِيَةُ صَبِيحَةَ الْإِسْرَاءِ فَإِنَّهُ ﷺ أَخْبَرَ قُرَيْشًا عَنْ مَسْرَاهُ مِنْ مَكَّةَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، فَسَأَلُوهُ عَنْ أَشْيَاءَ مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ فَجَلَّاهُ اللَّهُ لَهُ حَتَّى نَظَرَ إِلَيْهِ وَوَصَفَهُ لَهُمْ، وَسَأَلُوهُ عَنْ عِيرٍ كَانَتْ لَهُمْ فِي الطَّرِيقِ فَقَالَ: إِنَّهَا تَصِلُ إِلَيْكُمْ مَعَ شُرُوقِ الشَّمْسِ، فَتَأَخَّرَتْ فَحَبَسَ اللَّهُ الشَّمْسَ عَنِ الطلوع حتى كانت العصر، روى ذلك ابن بكير فى زياداته على السنن.
تَصِلُ إِلَيْكُمْ مَعَ شُرُوقِ الشَّمْسِ، فَتَأَخَّرَتْ فَحَبَسَ اللَّهُ الشَّمْسَ عَنِ الطلوع حتى كانت العصر، روى ذلك ابن بكير فى زياداته على السنن. أَمَّا حَدِيثُ رَدِّ الشَّمْسِ بِسَبَبِ عَلِيٍّ ﵁، فَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُنَا لَهُ مِنْ طريق أسماء بنت عميس، وهو أشهرها، وابن سَعِيدٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَعَلِيٍّ نَفْسِهِ، وَهُوَ مُسْتَنْكَرٌ من جميع الوجوه، وقد مال إلى تقويته أحمد بن صالح
المصرى الحافظ، وأبو حفص الطَّحَاوِيُّ، وَالْقَاضِي عِيَاضٌ، وَكَذَا صَحَّحَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ الرَّافِضَةِ كَابْنِ الْمُطَهَّرِ وَذَوِيِهِ، وَرَدَّهُ وَحَكَمَ بِضِعْفِهِ آخَرُونَ مِنْ كِبَارِ حُفَّاظِ الْحَدِيثِ وَنُقَّادِهِمْ، كَعَلِيِّ بْنِ الْمَدِينِيِّ، وَإِبْرَاهِيمَ بْنِ يَعْقُوبَ الْجُوزْجَانِيِّ، وحكاه عن شيخه محمد ويعلى بن عُبَيْدٍ الطَّنَافِسِيَّيْنِ، وَكَأَبِي بَكْرٍ مُحَمَّدِ بْنِ حَاتِمٍ الْبُخَارِيِّ الْمَعْرُوفِ بِابْنِ زَنْجَوَيْهِ أَحَدِ الْحُفَّاظِ، وَالْحَافِظِ الْكَبِيرِ أَبِي الْقَاسِمِ بْنِ عَسَاكِرَ، وَذَكَرَهُ الشَّيْخُ جمال الدين أبو الفرج ابن الْجَوْزِيِّ فِي كِتَابِ الْمَوْضُوعَاتِ، وَكَذَلِكَ صَرَّحَ بِوَضْعِهِ شَيْخَايَ الْحَافِظَانِ الْكَبِيرَانِ أَبُو الْحَجَّاجِ الْمِزِّيُّ، وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ الذَّهَبِيُّ.
مَوْضُوعَاتِ، وَكَذَلِكَ صَرَّحَ بِوَضْعِهِ شَيْخَايَ الْحَافِظَانِ الْكَبِيرَانِ أَبُو الْحَجَّاجِ الْمِزِّيُّ، وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ الذَّهَبِيُّ. وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ فِي زِيَادَاتِهِ عَلَى السِّيرَةِ مِنْ تَأَخُّرِ طُلُوعِ الشَّمْسِ عَنْ إِبَّانِ طُلُوعِهَا، فَلَمْ ير لغيره من العلماء، على أن هذا ليس من الأمور الشاهدة، وأكثر ما فى الباب أن الراوى روى تأخير طلوعها ولم نشاهد حَبْسَهَا عَنْ وَقْتِهِ، وَأَغْرَبُ مِنْ هَذَا مَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْمُطَهَّرِ فِي كِتَابِهِ الْمِنْهَاجِ، أَنَّهَا رُدَّتْ لِعَلِيٍّ مَرَّتَيْنِ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ الْمُتَقَدِّمَ، كَمَا ذُكِرَ. ثُمَّ قَالَ: وَأَمَّا الثَّانِيَةُ فَلَمَّا أَرَادَ أن يعبر الفرات ببابل، اشتغل كثير من أَصْحَابِهِ بِسَبَبِ دَوَابِّهِمْ، وَصَلَّى لِنَفْسِهِ فِي طَائِفَةٍ من أصحابه العصر، وفاتت كَثِيرًا مِنْهُمْ فَتَكَلَّمُوا فِي ذَلِكَ، فَسَأَلَ اللَّهَ رد الشمس فردت.
القول فيما أعطي إدريس ﵇ قال: وَذَكَرَ أَبُو نُعَيْمٍ بَعْدَ مُوسَى إِدْرِيسَ ﵇ وَهُوَ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ مِنْ أنبياء بنى إسرائيل، وعند محمد ابن إسحاق بن كيسار وَآخَرِينَ مِنْ عُلَمَاءِ النَّسَبِ قَبْلَ نُوحٍ ﵇، فِي عَمُودِ نَسَبِهِ إِلَى آدَمَ ﵇، كَمَا تَقَدَّمَ التَّنْبِيهُ عَلَى ذَلِكَ، فَقَالَ: مِنَ الرِّفْعَةِ الَّتِي نَوَّهَ اللَّهُ بِذِكْرِهَا فَقَالَ وَرَفَعْناهُ مَكاناً عَلِيًّا ٥٧ «١» قَالَ: وَالْقَوْلُ فِيهِ أَنَّ نَبِيَّنَا مُحَمَّدًا ﷺ أُعْطِي أَفْضَلَ وَأَكْمَلَ مِنْ ذَلِكَ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى رَفَعَ ذِكْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَقَالَ وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ ٤ «٢» فليس خطيب ولا شفيع ولا صحاب صَلَاةٍ إِلَّا يُنَادِي بِهَا: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، فَقَرَنَ اللَّهُ اسْمَهُ بِاسْمِهِ، فِي مَشَارِقِ الْأَرْضِ وَمَغَارِبِهَا، وَذَلِكَ مِفْتَاحًا لِلصَّلَاةِ الْمَفْرُوضَةِ.



