— Bagian 16 · حَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، فَقَرَنَ اللَّهُ اسْمَ… —
Bagian 16
حَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، فَقَرَنَ اللَّهُ اسْمَهُ بِاسْمِهِ، فِي مَشَارِقِ الْأَرْضِ وَمَغَارِبِهَا، وَذَلِكَ مِفْتَاحًا لِلصَّلَاةِ الْمَفْرُوضَةِ. ثُمَّ أَوْرَدَ حَدِيثَ ابْنِ لَهِيعَةَ عَنْ دَرَّاجٍ عَنْ أَبِي الهشيم عَنْ أَبِي سَعِيدٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي قَوْلِهِ: وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ ٤ قَالَ: قَالَ جِبْرِيلُ: قَالَ اللَّهُ: إِذَا ذُكِرْتُ ذُكِرْتَ، وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنِ أَبِي عاصم مِنْ طَرِيقِ دَرَّاجٍ. ثُمَّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أحمد محمد بن أحمد الفطريفى، حدثنا موسى ابن سَهْلٍ الْجَوْنِيُّ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْقَاسِمِ بْنِ بهوام الْهِيتِيُّ، حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ حَمَّادٍ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَطَاءٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لما فرغت ما أمرنى الله تعالى به من أمر السموات وَالْأَرْضِ قَلْتُ: يَا رَبِّ إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَبِيٌّ قَبْلِي إِلَّا قَدْ كَرَّمْتَهُ، جَعَلْتَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا، وَمُوسَى كِلِيمًا، وَسَخَّرْتَ لِدَاوُدَ الْجِبَالَ، وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ وَالشَّيَاطِينِ، وَأَحْيَيْتَ لِعِيسَى الْمَوْتَى، فَمَا جَعَلْتَ لِي؟ قَالَ: أَوْ لَيْسَ قَدْ أَعْطَيْتُكَ أَفْضَلَ من ذلك كله،
أَنْ لَا أُذْكَرَ إِلَّا ذُكِرْتَ مَعِي، وَجَعَلْتُ صدور أمتك أناجيل يقرؤن الْقُرْآنَ ظَاهِرًا وَلَمْ أُعْطِهَا أُمَّةً، وَأَنْزَلْتُ عَلَيْكَ كَلِمَةً مِنْ كُنُوزِ عَرْشِي: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ. وَهَذَا إِسْنَادٌ فِيهِ غَرَابَةٌ، وَلَكِنْ أَوْرَدَ لَهُ شَاهِدًا مِنْ طَرِيقِ أَبِي الْقَاسِمِ ابْنِ بِنْتِ مَنِيعٍ الْبَغَوِيِّ عَنْ سُلَيْمَانَ بن داود المهرانى عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ عن سعيد ابن جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا بِنَحْوِهِ. وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو زُرْعَةَ الرَّازِيُّ فِي كِتَابِ دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ بِسِيَاقٍ آخَرَ، وَفِيهِ انْقِطَاعٌ، فَقَالَ: حَدَّثَنَا هشام بن عمار الدِّمَشْقِيُّ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا شُعَيْبُ بن زريق أَنَّهُ سَمِعَ عَطَاءً الْخُرَاسَانِيَّ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي هريرة وأنس ابن مَالِكٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ من حديث ليلة أسرى به. قال: لما أرانى اللَّهُ مِنْ آيَاتِهِ فَوَجَدْتُ رِيحًا طَيِّبَةً فَقُلْتُ: مَا هَذَا يَا جِبْرِيلُ؟ قَالَ: هَذِهِ الْجَنَّةُ، قلت: يا ربى ائتنى بأهلى. قال الله تعالى: لك ما وعدتك، كل مؤمن لَمْ يَتَّخِذْ مِنْ دُونِي أَنْدَادًا، وَمَنْ أَقْرَضَنِي قربته، وَمَنْ تَوَكَّلَ عَلَيَّ كَفَيْتُهُ، وَمَنْ سَأَلَنِي أَعْطَيْتُهُ، ولا ينقص نفقته، وَلَا يَنْقُصُ مَا يَتَمَنَّى، لَكِ مَا وَعَدْتُكِ، فنعم دار المتقين أنت. قلت: رَضِيتُ، فَلَمَّا انْتَهَيْنَا إِلَى سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى خَرَرْتُ سَاجِدًا فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَقُلْتُ: يَا رَبِّ اتَّخَذْتَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا، وَكَلَّمْتَ مُوسَى تَكْلِيمًا، وَآتَيْتَ دَاوُدَ زَبُورًا، وَآتَيْتَ سُلَيْمَانَ مُلْكًا عَظِيمًا، قَالَ: فَإِنِّي قد رفعت لك ذكرك، ولا تجوز لأمتك خطبة حتى شهدوا أَنَّكَ رَسُولِي، وَجَعَلْتُ قُلُوبَ أُمَّتِكَ أَنَاجِيلَ، وَآتَيْتُكَ خَوَاتِيمَ سُورَةِ الْبَقَرَةِ مِنْ تَحْتِ عَرْشِي.
تجوز لأمتك خطبة حتى شهدوا أَنَّكَ رَسُولِي، وَجَعَلْتُ قُلُوبَ أُمَّتِكَ أَنَاجِيلَ، وَآتَيْتُكَ خَوَاتِيمَ سُورَةِ الْبَقَرَةِ مِنْ تَحْتِ عَرْشِي. ثُمَّ رَوَى مِنْ طَرِيقِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، حَدِيثَ الْإِسْرَاءِ بِطُولِهِ، كَمَا سُقْنَاهُ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جَرِيرٍ فِي التَّفْسِيرِ، وَقَالَ
أَبُو زُرْعَةَ فِي سِيَاقِهِ: ثُمَّ لَقِيَ أَرْوَاحَ الْأَنْبِيَاءِ ﵈ فَأَثْنَوْا عَلَى رَبِّهِمْ ﷿، فقال إبراهيم: الحمد الله الَّذِي اتَّخَذَنِي خَلِيلًا، وَأَعْطَانِي مُلْكًا عَظِيمًا، وَجَعَلَنِي أمة قانتا لله محياى ومماتى، وَأَنْقَذَنِي مِنَ النَّارِ، وَجَعَلَهَا عَلَيَّ بَرْدًا وَسَلَامًا، ثُمَّ إِنَّ مُوسَى أَثْنَى عَلَى رَبِّهِ فَقَالَ: الحمد لله الذى كلمنى تكلميما، وَاصْطَفَانِي بِرِسَالَتِهِ وَبِكَلَامِهِ، وَقَرَّبَنِي نَجِيًّا، وَأَنْزَلَ عَلَيَّ التوراة، وجعل هلاك فرعون عَلَى يَدَيَّ، ثُمَّ إِنَّ دَاوُدَ أَثْنَى عَلَى رَبِّهِ فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَنِي مَلِكًا وَأَنْزَلَ عَلَيَّ الزَّبُورَ، وَأَلَانَ لِيَ الْحَدِيدَ، وَسَخَّرَ لى الجبال يسبحن معه وَالطَّيْرَ، وَآتَانِيَ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ، ثُمَّ إِنَّ سُلَيْمَانَ أَثْنَى عَلَى رَبِّهِ فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي سَخَّرَ لِيَ الرِّيَاحَ وَالْجِنَّ وَالْإِنْسَ، وَسَخَّرَ لِيَ الشَّيَاطِينَ يَعْمَلُونَ لِي مَا شِئْتُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ، وَعَلَّمَنِي مَنْطِقَ الطَّيْرِ، وَأَسَالَ لِي عَيْنَ الْقِطْرِ، وَأَعْطَانِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي، ثُمَّ إن عيسى أثنى على الله ﷿ فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي عَلَّمَنِي التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ، وَجَعَلَنِي أُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الموتى بإذن الله، وطهرنى ورفعنى مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا، وَأَعَاذَنِي مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، فَلَمْ يَكُنْ لِلشَّيْطَانِ عَلَيْنَا سَبِيلٌ،
ِي الموتى بإذن الله، وطهرنى ورفعنى مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا، وَأَعَاذَنِي مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، فَلَمْ يَكُنْ لِلشَّيْطَانِ عَلَيْنَا سَبِيلٌ، ثُمَّ إِنَّ مُحَمَّدًا ﷺ أَثْنَى عَلَى رَبِّهِ فَقَالَ: كُلُّكُمْ أَثْنَى عَلَى رَبِّهِ، وَأَنَا مُثْنٍ عَلَى رَبِّي، الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَرْسَلَنِي رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ، وَكَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا، وَأَنْزَلَ على الفرقان فيه تبيان كُلِّ شَيْءٍ، وَجَعَلَ أُمَّتَيْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ للناس، وجعل أمتى وسطا، وجعل أمتى هم الأولون وهم الآخرون، وَشَرَحَ لِي صَدْرِي، وَوَضَعَ عَنِّي وِزْرِي، وَرَفَعَ لِي ذِكْرِي، وَجَعَلَنِي فَاتِحًا وَخَاتَمًا. فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: بِهَذَا فَضَلَكُمْ مُحَمَّدٌ ﷺ. ثم أورد إبراهيم الْحَدِيثَ الْمُتَقَدِّمَ فِيمَا رَوَاهُ الْحَاكِمُ وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ طريق عبد الرحمن ابن يزيد بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ مَرْفُوعًا فِي قَوْلِ آدم: يَا رَبِّ أَسْأَلُكَ بِحَقِّ مُحَمَّدٍ إِلَّا غَفَرْتَ لِي، فَقَالَ اللَّهُ: وَمَا أَدْرَاكَ وَلَمْ أَخْلُقْهُ بَعْدُ؟ فَقَالَ: لِأَنِّي رَأَيْتُ مَكْتُوبًا مَعَ اسْمِكَ عَلَى سَاقِ الْعَرْشِ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ
محمد رسول الله، فعرفت أَنَّكَ لَمْ تُضِفْ إِلَى اسْمِكَ إِلَّا أَحَبَّ الْخَلْقِ إِلَيْكَ، فَقَالَ اللَّهُ: صَدَقْتَ يَا آدَمُ، وَلَوْلَا مُحَمَّدٌ مَا خَلَقْتُكَ، وَقَالَ بَعْضُ الْأَئِمَّةِ: رَفَعَ اللَّهُ ذِكْرَهُ، وقرنه بِاسْمِهِ فِي الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ، وَكَذَلِكَ يَرْفَعُ قَدْرَهُ وَيُقِيمُهُ مَقَامًا مَحْمُودًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، يَغْبِطُهُ بِهِ الْأَوَّلُونَ وَالْآخَرُونَ، وَيَرْغَبُ إِلَيْهِ الْخَلْقُ كُلُّهُمْ حَتَّى إِبْرَاهِيمُ الْخَلِيلُ. كَمَا وَرَدَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ فيما سلف وسيأتى أيضا، فإن التنويه يذكر من الأمم الخالية، والقرون السابقة. ففى صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: مَا بَعَثَ اللَّهُ نَبِيًّا إِلَّا أُخِذَ عَلَيْهِ الْمِيثَاقُ لَئِنْ بُعِثَ مُحَمَّدٌ وَهُوَ حَيٌّ لِيُؤْمِنَنَّ بِهِ وَلَيَتَّبِعَنَّهُ وَلَيَنْصُرَنَّهُ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ عَلَى أُمَّتِهِ الْعَهْدَ وَالْمِيثَاقَ لَئِنْ بُعِثَ مُحَمَّدٌ وَهْمُ أَحْيَاءٌ لِيُؤْمِنُنَّ بِهِ وليتبعنه، وقد بشرت بوجوده الأنبياء حتى آخِرَ مَنْ بَشَّرَ بِهِ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ خَاتَمُ أَنْبِيَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَكَذَلِكَ بَشَّرَتْ بِهِ الْأَحْبَارُ وَالرُّهْبَانُ وَالْكُهَّانُ.
مَنْ بَشَّرَ بِهِ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ خَاتَمُ أَنْبِيَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَكَذَلِكَ بَشَّرَتْ بِهِ الْأَحْبَارُ وَالرُّهْبَانُ وَالْكُهَّانُ. كَمَا قَدَّمْنَا ذَلِكَ مَبْسُوطًا، وَلَمَّا كَانَتْ لَيْلَةُ الْإِسْرَاءِ رُفِعَ مِنْ سَمَاءٍ إِلَى سَمَاءٍ حَتَّى سَلَّمَ عَلَى إِدْرِيسَ ﵇، وَهُوَ فِي السَّمَاءِ الرَّابِعَةِ، ثُمَّ جَاوَزَهُ إِلَى الْخَامِسَةِ ثُمَّ إِلَى السَّادِسَةِ فَسَلَّمَ عَلَى مُوسَى بِهَا، ثُمَّ جَاوَزَهُ إِلَى السَّابِعَةِ فَسَلَّمَ على إبراهيم الخليل عِنْدَ الْبَيْتِ الْمَعْمُورِ، ثُمَّ جَاوَزَ ذَلِكَ الْمَقَامَ، فرفع لمستوى سمع فِيهِ صَرِيفُ الْأَقْلَامِ، وَجَاءَ سِدْرَةَ الْمُنْتَهَى وَرَأَى الْجَنَّةَ وَالنَّارَ وَغَيْرَ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ الْكُبْرَى، وصلى بالأنبياء، وشيعه من كل مُقَرَّبُوهَا، وَسَلَّمَ عَلَيْهِ رِضْوَانُ خَازِنُ الْجِنَانِ، وَمَالِكٌ خَازِنُ النَّارِ، فَهَذَا هُوَ الشَّرَفُ، وَهَذِهِ هِيَ الرِّفْعَةُ، وَهَذَا هُوَ التَّكْرِيمُ وَالتَّنْوِيهُ وَالْإِشْهَارُ وَالتَّقْدِيمُ وَالْعُلُوُّ وَالْعَظَمَةُ، صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ وَعَلَى سَائِرِ أَنْبِيَاءِ اللَّهِ أَجْمَعِينَ، وَأَمَّا رَفْعُ ذِكْرِهِ فِي الْآخِرِينَ، فَإِنَّ دِينَهُ بَاقٍ نَاسِخٌ لِكُلِّ دِينٍ، وَلَا يُنْسَخُ هُوَ أَبَدَ الْآبِدِينَ وَدَهْرَ الدَّاهِرِينَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَلَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِهِ ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ
دِينَ وَدَهْرَ الدَّاهِرِينَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَلَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِهِ ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ
وَلَا مَنْ خَالَفَهُمْ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ، وَالنِّدَاءُ فى يَوْمٍ خَمْسَ مَرَّاتٍ عَلَى كُلِّ مَكَانٍ مُرْتَفِعٍ مِنَ الْأَرْضِ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَهَكَذَا كُلُّ خَطِيبٍ يَخْطُبُ لَا بُدَّ أَنْ يَذْكُرَهُ فِي خُطْبَتِهِ، وَمَا أَحْسَنَ قَوْلَ حَسَّانَ: أَغَرُّ عَلَيْهِ لِلنُّبُوَةِ خَاتَمٌ ... مِنَ اللَّهِ مَشْهُودٌ يَلُوحُ وَيَشْهَدُ وَضَمَّ الْإِلَهُ اسْمَ النَّبِيِّ إِلَى اسْمِهِ ... إِذَا قَالَ فِي الْخَمْسِ الْمُؤَذِّنُ أَشْهَدُ وَشَقَّ له من اسمه ليحله ... فَذُو الْعَرْشِ مَحْمُودٌ وَهَذَا مُحَمَّدُ وَقَالَ الصَّرْصَرِيُّ ﵀: ألم ترأنا لَا يَصِحُّ أَذَانُنَا ... وَلَا فَرْضُنَا إِنْ لَمْ نكرره فيهما
الْقَوْلُ فِيمَا أُوتِيَ دَاوُدُ ﵇ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَاذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ (١٧) إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْراقِ (١٨) وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ (١٩) «١» وَقَالَ تَعَالَى: وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنَّا فَضْلًا يَا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ (١٠) أَنِ اعْمَلْ سابِغاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صالِحاً إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١) «٢» .
لطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ (١٠) أَنِ اعْمَلْ سابِغاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صالِحاً إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١) «٢» . وقد ذكرنا قصته ﵇ فى التفسير، وطيب صَوْتِهِ ﵇، وَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى كَانَ قَدْ سَخَّرَ لَهُ الطَّيْرَ تُسَبِّحُ مَعَهُ، وَكَانَتِ الْجِبَالُ أَيْضًا تُجِيبُهُ وَتُسَبِّحُ مَعَهُ، وَكَانَ سَرِيعَ القراءة، يأمر بدوابه فتسرح فَيَقْرَأُ الزَّبُورَ بِمِقْدَارِ مَا يَفْرَغُ مِنْ شَأْنِهَا ثُمَّ يَرْكَبُ، وَكَانَ لَا يَأْكُلُ إِلَّا مِنْ كَسْبِ يَدِهِ، صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ، وَقَدْ كَانَ نَبِيُّنَا ﷺ حَسَنَ الصوت طيبه بتلاوة القرآن، قال جبير ابن مُطْعِمٍ: قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الْمَغْرِبِ بِالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ، فَمَا سَمِعْتُ صَوْتًا أَطْيَبَ مِنْ صَوْتِهِ ﷺ، وَكَانَ يَقْرَأُ تَرْتِيلًا كَمَا أَمَرَهُ اللَّهُ ﷿، وَأَمَّا تَسْبِيحُ الطَّيْرِ مَعَ دَاوُدَ، فَتَسْبِيحُ الْجِبَالِ الصم أَعْجَبُ مِنْ ذَلِكَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْحَدِيثِ أَنِ الْحَصَا سَبَّحَ فِي كَفِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. قَالَ ابْنُ حَامِدٍ: وَهَذَا حَدِيثٌ مَعْرُوفٌ مَشْهُورٌ، وَكَانَتِ الْأَحْجَارُ وَالْأَشْجَارُ وَالْمَدَرُ تُسَلِّمُ عَلَيْهِ ﷺ. وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: لَقَدْ كُنَّا نَسْمَعُ تَسْبِيحَ الطَّعَامِ وَهُوَ يُؤْكَلُ- يَعْنِي بَيْنَ يَدَيِ النَّبِيِّ ﷺ وَكَلَّمَهُ ذِرَاعُ الشَّاةِ الْمَسْمُومَةِ، وَأَعْلَمَهُ بِمَا فِيهِ مِنَ السُّمِّ، وَشَهِدَتْ بِنُبُوَّتِهِ الْحَيَوَانَاتُ الْإِنْسِيَّةُ والوحشية، والجمادات
أَيْضًا، كَمَا تَقَدَّمَ بَسْطُ ذَلِكَ كُلِّهِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ صُدُورَ التَّسْبِيحِ مِنَ الْحَصَا الصِّغَارِ الصم التى لا تجاويف فيه، أَعْجَبُ مِنْ صُدُورِ ذَلِكَ مِنَ الْجِبَالِ، لِمَا فِيهَا مِنَ التَّجَاوِيفِ وَالْكُهُوفِ، فَإِنَّهَا وَمَا شَاكَلَهَا تردد صدى الأصوات العالية غالبا، كما قال عبد الله بن الزبير: ككان إذا خطب- وهو أمير المدينة بالحرم الشريف- تجاوبه الجبال، أبو قبيس وزرود، وَلَكِنْ مِنْ غَيْرِ تَسْبِيحٍ، فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ معجزات داود ﵇. ومع هذا كان تسبيح الْحَصَا فِي كَفِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَبِي بكر وعمر وعثمان، وأعجب، وَأَمَّا أَكْلُ دَاوُدَ مِنْ كَسْبِ يَدِهِ، فَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَأْكُلُ مِنْ كَسْبِهِ أَيْضًا، كَمَا كَانَ يَرْعَى غنام لأهل مكة على قراريط. وقال: وما مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا وَقَدْ رَعَى الْغَنَمَ. وَخَرَجَ إِلَى الشَّامِ فِي تِجَارَةٍ لِخَدِيجَةَ مُضَارَبَةً، وَقَالَ الله تعالى: قالُوا مالِ هذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ لَوْلا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً (٧) أَوْ يُلْقى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْها وَقالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُوراً (٨) انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا (٩) «١» إِلَى قَوْلِهِ: وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْواقِ «٢» أَيْ لِلتَّكَسُّبِ وَالتِّجَارَةِ طَلَبًا لِلرِّبْحِ الْحَلَالِ، ثُمَّ لما شرع الله الْجِهَادَ بِالْمَدِينَةِ، كَانَ يَأْكُلُ مِمَّا أَبَاحَ لَهُ من المغانم التى لم تبح قَبْلَهُ، وَمِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْهِ مِنْ أَمْوَالِ الْكُفَّارِ الَّتِي أُبِيحَتْ لَهُ دُونَ غَيْرِهِ، كَمَا جاء فى المسند والترمذى عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: بُعِثْتُ بِالسَّيْفِ بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ حَتَّى يُعْبَدَ اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ،
ذى عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: بُعِثْتُ بِالسَّيْفِ بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ حَتَّى يُعْبَدَ اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَجُعِلَ رِزْقِي تَحْتَ ظِلِّ رُمْحِي، وَجُعِلَ الذِّلَّةُ وَالصَّغَارُ عَلَى مَنْ خَالَفَ أَمْرِي، وَمَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ منهم،
وأما إلانة الحديد بغير نَارٍ كَمَا يَلِينُ الْعَجِينُ فِي يَدِهِ، فَكَانَ يصنع هذه الدروع الداوودية، وهى الزرديات السابغات، وأمره الله تعالى بنفسه بعملها، وقدر فى السرد، أى ألا يدق المسمار فيعلق ولا يعظله فيقصم، كَمَا جَاءَ فِي الْبُخَارِيِّ، وَقَالَ تَعَالَى: وَعَلَّمْناهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شاكِرُونَ (٨٠) «١» وَقَدْ قَالَ بَعْضُ الشُّعَرَاءِ فِي مُعْجِزَاتِ النُّبُوَّةِ: نسيج دَاوُدَ مَا حَمَى صَاحِبَ الْغَا ... رِ وَكَانَ الْفَخَارُ لِلْعَنْكَبُوتِ وَالْمَقْصُودُ الْمُعْجِزُ فِي إِلَانَةِ الْحَدِيدِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي السِّيرَةِ عِنْدَ ذِكْرِ حَفْرِ الْخَنْدَقِ عَامَ الْأَحْزَابِ فِي سَنَةِ أَرْبَعٍ، وَقِيلَ: خمس، أنهم عرضت لهم كيدية- وَهِيَ الصَّخْرَةُ فِي الْأَرْضِ- فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَى كَسْرِهَا وَلَا شَيْءَ مِنْهَا، فَقَامَ إِلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَدْ رَبَطَ حَجَرًا عَلَى بَطْنِهِ مِنْ شِدَّةِ الْجُوعِ- فَضَرَبَهَا ثَلَاثَ ضَرَبَاتٍ، لَمَعَتِ الْأُولَى حَتَّى أَضَاءَتْ لَهُ منها قصور الشام، وبالثانية قصور فارس، وثالثة، ثم انسالت الصخرة كأنها كثيب من الرمل، ولا شك أن انسيال الصخرة الَّتِي لَا تَنْفَعِلُ وَلَا بِالنَّارِ، أَعْجَبُ مِنْ لين الحديد الذى إن أحمى لانه كَمَا قَالَ بَعْضُهُمْ: فَلَوْ أَنَّ مَا عَالَجْتُ لين فؤادها ... بنفسى للان الجندل ... «٢»
َا بِالنَّارِ، أَعْجَبُ مِنْ لين الحديد الذى إن أحمى لانه كَمَا قَالَ بَعْضُهُمْ: فَلَوْ أَنَّ مَا عَالَجْتُ لين فؤادها ... بنفسى للان الجندل ... «٢» والجندل الصخر، فلو أن شيئا أشد قوة من الصخر لذكره هذا الشاعر المبالغ، قال اللَّهُ تَعَالَى: ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَهِيَ كَالْحِجارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً «٣» الْآيَةَ، وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: قُلْ كُونُوا حِجارَةً أَوْ حَدِيداً (٥٠) أَوْ خَلْقاً مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ «٤» الآية، فذلك لمعنى آخر فى
التَّفْسِيرِ، وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْحَدِيدَ أَشَدُّ امْتِنَاعًا فِي السَّاعَةِ الرَّاهِنَةِ مِنَ الْحَجَرِ مَا لَمْ يُعَالَجْ فَإِذَا عُولِجَ انْفَعَلَ الْحَدِيدُ وَلَا يَنْفَعِلُ الْحَجَرُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ أَبُو نُعَيْمٍ: فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ لَيَّنَ اللَّهُ لِدَاوُدَ ﵇ الْحَدِيدَ حَتَّى سَرَدَ مِنْهُ الدُّرُوعَ السَّوَابِغَ، قِيلَ: لُيِّنَتْ لِمُحَمَّدٍ ﷺ الْحِجَارَةَ وَصُمُّ الصُّخُورِ، فَعَادَتْ لَهُ غَارًا اسْتَتَرَ بِهِ مِنَ المشركين، يوم أحد، مال إلى الجبل ليخفى شخصثه عنهم فلين الجبل حتى أدخل رأسه فيه، وَهَذَا أَعْجَبُ لِأَنَّ الْحَدِيدَ تُلَيِّنُهُ النَّارُ، وَلَمْ نَرَ النَّارَ تُلَيِّنُ الْحَجَرَ، قَالَ: وَذَلِكَ بَعْدُ ظَاهِرٌ بَاقٍ يَرَاهُ النَّاسُ. قَالَ: وَكَذَلِكَ فِي بعض شعاب مكة من جبل فى صلايه إليه فلان الحجر حتى ادرأ فِيهِ بِذِرَاعَيْهِ وَسَاعِدَيْهِ، وَذَلِكَ مَشْهُورٌ يَقْصِدُهُ الْحُجَّاجُ وَيَرَوْنَهُ. وَعَادَتِ الصَّخْرَةُ لَيْلَةَ أُسَرِيَ بِهِ كَهَيْئَةِ العجين، فربط بها دابته- البراق- وموضعه يمسونه الناس إلى يومنا هذا، وَهَذَا الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ، مِنْ يَوْمِ أُحُدٍ وَبَعْضِ شِعَابِ مَكَّةَ غَرِيبٌ جِدًّا، وَلَعَلَّهُ قَدْ أَسْنَدَهُ هُوَ فِيمَا سَلَفَ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِمَعْرُوفٍ فى السيرة الْمَشْهُورَةِ.
أُحُدٍ وَبَعْضِ شِعَابِ مَكَّةَ غَرِيبٌ جِدًّا، وَلَعَلَّهُ قَدْ أَسْنَدَهُ هُوَ فِيمَا سَلَفَ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِمَعْرُوفٍ فى السيرة الْمَشْهُورَةِ. وَأَمَّا رَبْطُ الدَّابَّةِ فِي الْحَجَرِ فَصَحِيحٌ، وَالَّذِي رَبَطَهَا جِبْرِيلُ كَمَا هُوَ فِي صَحِيحِ مسلم ﵀، وأما قوله: وأوتيت الحكمة وفصل الخطاب، فَقَدْ كَانَتِ الْحِكْمَةُ الَّتِي أُوتِيَهَا مُحَمَّدٌ ﷺ وَالشِّرْعَةُ الَّتِي شُرِعَتْ لَهُ، أَكْمَلَ مِنْ كُلِّ حِكْمَةٍ وَشِرْعَةٍ كَانَتْ لِمَنْ قَبْلَهُ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ، فَإِنَّ اللَّهَ جَمَعَ لَهُ مَحَاسِنَ مَنْ كان قبله، وفضله، وأكمله (وَآتَاهُ) مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا قَبْلَهُ، وَقَدْ قال ﷺ: أُوتِيتُ جَوَامِعَ الْكَلِمِ، وَاخْتُصِرَتْ لِيَ الْحِكْمَةُ اخْتِصَارًا، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْعَرَبَ أَفْصَحُ الْأُمَمِ، وَكَانَ النبى ﷺ أَفْصَحَهُمْ نُطْقًا، وَأَجْمَعَ لِكُلِّ خُلُقٍ جَمِيلٍ مُطْلَقًا.
الْقَوْلُ فِيمَا أُوتِيَ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ ﵇ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخاءً حَيْثُ أَصابَ (٣٦) وَالشَّياطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ (٣٧) وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفادِ (٣٨) هَذَا عَطاؤُنا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسابٍ (٣٩) وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وَحُسْنَ مَآبٍ (٤٠) «١» . وَقَالَ تَعَالَى: وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ عاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عالِمِينَ (٨١) وَمِنَ الشَّياطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذلِكَ وَكُنَّا لَهُمْ حافِظِينَ (٨٢) » . وَقَالَ تَعَالَى: وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ غُدُوُّها شَهْرٌ وَرَواحُها شَهْرٌ وَأَسَلْنا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنا نُذِقْهُ مِنْ عَذابِ السَّعِيرِ (١٢) يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشاءُ مِنْ مَحارِيبَ وَتَماثِيلَ وَجِفانٍ كَالْجَوابِ وَقُدُورٍ راسِياتٍ اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْراً وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ (١٣) «٣» . وَقَدْ بَسَطْنَا ذَلِكَ فِي قِصَّتِهِ، وَفِي التَّفْسِيرِ أَيْضًا، وَفِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: إِنْ سُلَيْمَانَ ﵇ لَمَّا فَرَغَ مِنْ بِنَاءِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ سَأَلَ اللَّهَ خِلَالًا ثَلَاثًا، سَأَلَ اللَّهُ حُكْمًا يُوَافِقُ حُكْمَهُ، وَمُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ، وَأَنَّهُ لَا يَأْتِي هَذَا الْمَسْجِدَ أَحَدٌ إِلَّا خَرَجَ مِنْ ذُنُوبِهِ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ.
لْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ، وَأَنَّهُ لَا يَأْتِي هَذَا الْمَسْجِدَ أَحَدٌ إِلَّا خَرَجَ مِنْ ذُنُوبِهِ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ.
أَمَّا تَسْخِيرُ الرِّيحِ لِسُلَيْمَانَ فَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي شَأْنِ الْأَحْزَابِ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْها وَكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيراً (٩) «١» . وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ مُسْلِمٌ من طريق شعبة عن الحاكم عَنْ مُجَاهِدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: نُصِرْتُ بِالصَّبَا وَأُهْلِكَتْ عَادٌ بِالدَّبُّورِ، وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ طريق الأعمش عن مسعود ابن مَالِكٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلَهُ. ثبت فِي الصَّحِيحَيْنِ: نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ. وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُ ﷺ كَانَ إِذَا قَصَدَ قِتَالَ قَوْمٍ مِنَ الْكَفَّارِ أَلْقَى الله الرعب فى قلوبهم قَبْلَ وُصُولِهِ إِلَيْهِمْ بِشَهْرٍ،. وَلَوْ كَانَ مَسِيرُهُ شَهْرًا، فَهَذَا فِي مُقَابَلَةِ: غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شهر، بل هذا أبلغ فى التمكن والنصر والتأييد والظفر، وسخرت الرياح تسوق السحاب لا نزال الْمَطَرِ الَّذِي امْتَنَّ اللَّهُ بِهِ حِينَ اسْتَسْقَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي غَيْرِ مَا مَوْطِنٍ كَمَا تَقَدَّمَ، وَقَالَ أَبُو نُعَيْمٍ: فَإِنْ قِيلَ: فَإِنَّ سُلَيْمَانَ سُخِّرَتْ لَهُ الرِّيحُ فَسَارَتْ بِهِ فِي بِلَادِ اللَّهِ وَكَانَ غُدُوُّهَا شَهْرًا وَرَوَاحُهَا شَهْرًا.
عَيْمٍ: فَإِنْ قِيلَ: فَإِنَّ سُلَيْمَانَ سُخِّرَتْ لَهُ الرِّيحُ فَسَارَتْ بِهِ فِي بِلَادِ اللَّهِ وَكَانَ غُدُوُّهَا شَهْرًا وَرَوَاحُهَا شَهْرًا. قِيلَ: مَا أُعْطِيَ مُحَمَّدٌ ﷺ أَعْظَمُ وَأَكْبَرُ، لِأَنَّهُ سَارَ فِي لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ مِنْ مَكَّةَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ، وَعُرِجَ بِهِ فى ملكوت السموات مَسِيرَةَ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، فِي أَقَلِّ مِنْ ثلث ليلة، فدخل السموات سَمَاءً سَمَاءً، وَرَأَى عَجَائِبَهَا، وَوَقَفَ عَلَى الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، وَعُرِضَ عَلَيْهِ أَعْمَالُ أَمَتِّهِ، وَصَلَّى بِالْأَنْبِيَاءِ وبملائكة السموات، واخترق فى الحجب،. وهذا كله فى ليلة قائما، أَكْبَرُ وَأَعْجَبُ. وَأَمَّا تَسْخِيرُ الشَّيَاطِينِ بَيْنَ يَدَيْهِ تَعْمَلُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجَفَانٍ
كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ، فَقَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ الْمَلَائِكَةَ المقربين لنصرة عبده رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي غَيْرِ مَا مَوْطِنٍ، يَوْمَ أُحُدٍ وَبَدْرٍ، وَيَوْمَ الأحزاب ويوم حنين، كما تقدم ذكرناه ذَلِكَ مُفَصَّلًا فِي مَوَاضِعِهِ. وَذَلِكَ أَعْظَمُ وَأَبْهَرُ وأجل وأعلا مِنْ تَسْخِيرِ الشَّيَاطِينِ. وَقَدْ ذَكَرَ ذَلِكَ ابْنُ حَامِدٍ فِي كِتَابِهِ. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: إِنَّ عِفْرِيتًا مِنَ الْجِنِّ تَفَلَّتَ عَلَيَّ الْبَارِحَةَ، أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا، لِيَقْطَعَ عَلَيَّ الصَّلَاةَ فَأَمْكَنَنِي اللَّهُ مِنْهُ فَأَرَدْتُ أَنْ أَرْبِطَهُ إِلَى سارية من سوارى المسجد حتى يصبحوا وينظروا إليه، فَذَكَرْتُ دَعْوَةَ أَخِي سُلَيْمَانَ: رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي، قَالَ رَوْحٌ فَرَدَّهُ اللَّهُ خَاسِئًا «١» .
ُ دَعْوَةَ أَخِي سُلَيْمَانَ: رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي، قَالَ رَوْحٌ فَرَدَّهُ اللَّهُ خَاسِئًا «١» . لَفَظُ الْبُخَارِيِّ، وَلِمُسْلِمٍ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ نَحْوُهُ، قَالَ: ثُمَّ أَرَدْتُ أَخْذَهُ، وَاللَّهِ لَوْلَا دَعْوَةُ أَخِينَا سُلَيْمَانَ لَأَصْبَحَ يَلْعَبُ بِهِ وِلْدَانُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ. وَقَدْ رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَامَ يُصَلِّي صَلَاةَ الصُّبْحِ وَهُوَ خَلْفَهُ، فَقَرَأَ فَالْتَبَسَتْ عَلَيْهِ الْقِرَاءَةُ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ صِلَاتِهِ قَالَ: لَوْ رَأَيْتُمُونِي وَإِبْلِيسَ فَأَهْوَيْتُ بِيَدِي فَمَا زلت أختنقه حَتَّى وَجَدْتُ بَرْدَ لُعَابِهِ بَيْنَ إِصْبَعَيَّ هَاتَيْنِ، الْإِبْهَامِ وَالَّتِي تَلِيهَا، وَلَوْلَا دَعْوَةُ أَخِي سُلَيْمَانَ لَأَصْبَحَ مَرْبُوطًا بِسَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي الْمَسْجِدِ يَتَلَاعَبُ به صبيان أهل الْمَدِينَةِ «٢» . وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصِّحَاحِ وَالْحِسَانِ وَالْمَسَانِيدِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: إِذَا دَخَلَ شَهْرُ رَمَضَانَ فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ وَصُفِّدَتِ الشَّيَاطِينُ، وَفِي رِوَايَةٍ: مَرَدَةُ الْجِنِّ، فَهَذَا مِنْ بَرَكَةِ مَا شَرَعَهُ اللَّهُ لَهُ مِنْ صِيَامِ شَهْرِ رَمَضَانَ وَقِيَامِهِ، وَسَيَأْتِي عِنْدَ إِبْرَاءِ الْأَكْمَهِ وَالْأَبْرَصِ مِنْ معجزات المسيح عيسى بن
مَرْيَمَ ﵇، دُعَاءِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لغير ما واحد فمن أسلم مِنَ الْجِنِّ فَشُفِيَ، وَفَارَقَهُمْ خَوْفًا مِنْهُ وَمَهَابَةً لَهُ، وَامْتِثَالًا لِأَمْرِهِ. صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ، وَقَدْ بَعَثَ اللَّهُ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَآمَنُوا بِهِ وَصَدَّقُوهُ وَرَجَعُوا إِلَى قَوْمِهِمْ فَدَعَوْهُمْ إِلَى دِينِ مُحَمَّدٍ ﷺ وَحَذَّرُوهُمْ مُخَالَفَتَهُ؛ لِأَنَّهُ كَانَ مَبْعُوثًا إِلَى الْإِنْسِ وَالْجِنِّ، فَآمَنَتْ طَوَائِفُ مِنَ الْجِنِّ كَثِيرَةٌ كَمَا ذَكَرْنَا، وَوَفَدَتْ إِلَيْهِ مِنْهُمْ وُفُودٌ كَثِيرَةٌ وَقَرَأَ عَلَيْهِمْ سُورَةَ الرَّحْمَنِ، وَخَبَّرَهُمْ بِمَا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ مَنِ الْجِنَانِ، وَمَا لِمَنْ كَفَرَ مِنَ النِّيرَانِ، وَشَرَعَ لَهُمْ مَا يَأْكُلُونَ وَمَا يُطْعِمُونَ دَوَابَّهُمْ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ بَيَّنَ لَهُمْ مَا هُوَ أَهَمُّ مِنْ ذَلِكَ وَأَكْبَرُ. وَقَدْ ذَكَرَ أَبُو نُعَيْمٍ هَا هُنَا حَدِيثَ الْغُولِ الَّتِي كَانَتْ تَسْرِقُ التَّمْرَ مِنْ جَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ ﷺ وَيُرِيدُونَ إِحْضَارَهَا إِلَيْهِ فَتَمْتَنِعُ كُلَّ الِامْتِنَاعِ خَوْفًا مِنَ الْمُثُولِ بَيْنَ يَدَيْهِ، ثُمَّ افْتَدَتْ مِنْهُمْ بِتَعْلِيمِهِمْ قِرَاءَةَ آيَةِ الْكُرْسِيِّ الَّتِي لَا يَقْرَبُ قَارِئَهَا الشَّيْطَانُ، وقد سقنا ذلك بطرقه وألفاظه عن تَفْسِيرِ آيَةِ الْكُرْسِيِّ مِنْ كِتَابِنَا التَّفْسِيرِ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ، وَالْغُولُ هِيَ الْجِنُّ الْمُتَبَدِّي بِاللَّيْلِ فِي صُورَةٍ مُرْعِبَةٍ.
سِيرِ آيَةِ الْكُرْسِيِّ مِنْ كِتَابِنَا التَّفْسِيرِ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ، وَالْغُولُ هِيَ الْجِنُّ الْمُتَبَدِّي بِاللَّيْلِ فِي صُورَةٍ مُرْعِبَةٍ. وَذَكَرَ أَبُو نُعَيْمٍ هَا هُنَا حِمَايَةَ جِبْرِيلَ لَهُ ﵇ غَيْرَ مَا مَرَّةٍ مِنْ أَبِي جَهْلٍ كَمَا ذَكَرْنَا فِي السِّيرَةِ، وَذَكَرَ مُقَاتَلَةَ جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ عَنْ يَمِينِهِ وشماله يوم أحد، وأماما جَمَعَ اللَّهُ تَعَالَى لِسُلَيْمَانَ مِنَ النُّبُوَّةِ وَالْمُلْكِ كَمَا كَانَ أَبُوهُ مِنْ قَبْلِهِ، فَقَدْ خَيَّرَ اللَّهُ عَبْدَهُ مُحَمَّدًا ﷺ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ مَلِكًا نَبِيًّا أَوْ عَبْدًا رَسُولًا، فَاسْتَشَارَ جِبْرِيلَ فِي ذَلِكَ فَأَشَارَ إِلَيْهِ وَعَلَيْهِ أَنْ يَتَوَاضَعَ، فَاخْتَارَ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا رَسُولًا. وَقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَلَا شَكَّ أَنَّ مَنْصِبَ الرِّسَالَةِ أَعْلَى، وَقَدْ عُرِضَتْ عَلَى نَبِيِّنَا ﷺ كُنُوزَ الْأَرْضِ فَأَبَاهَا، قَالَ: وَلَوْ شِئْتُ لَأَجْرَى اللَّهُ مَعِي جِبَالَ الْأَرْضِ ذَهَبًا، وَلَكِنْ أَجُوعُ يَوْمًا وَأَشْبَعُ يَوْمًا، وَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ كُلَّهُ بِأَدِلَّتِهِ وَأَسَانِيدِهِ فِي التَّفْسِيرِ وَفِي السِّيرَةِ أَيْضًا وَلِلَّهِ
أَجُوعُ يَوْمًا وَأَشْبَعُ يَوْمًا، وَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ كُلَّهُ بِأَدِلَّتِهِ وَأَسَانِيدِهِ فِي التَّفْسِيرِ وَفِي السِّيرَةِ أَيْضًا وَلِلَّهِ
الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ. وَقَدْ أَوْرَدَ الْحَافِظُ أَبُو نُعَيْمٍ هَا هُنَا طَرَفًا مِنْهَا مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدٍ وَأَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ جِيءَ بِمَفَاتِيحِ خَزَائِنِ الْأَرْضِ فَجُعِلَتْ فِي يَدِي، ومن حديث الحسين ابن واقد عن الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ مَرْفُوعًا أُوتِيتُ مَفَاتِيحَ خَزَائِنِ الدُّنْيَا عَلَى فَرَسٍ أَبْلَقَ جَاءَنِي بِهِ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ قَطِيفَةٌ مِنْ سُنْدُسٍ، وَمِنْ حَدِيثِ الْقَاسِمِ عن أبى لبابة مَرْفُوعًا: عَرَضَ عَلَيَّ رَبِّي لِيَجْعَلَ لِي بَطْحَاءَ مَكَّةَ ذَهَبًا فَقُلْتُ: لَا يَا رَبِّ، وَلَكِنْ أَشْبَعُ يَوْمًا وَأَجُوعُ يَوْمًا، فَإِذَا جُعْتُ تَضَرَّعْتُ إليك، وَإِذَا شَبِعْتُ حَمِدْتُكَ وَشَكَرْتُكَ. قَالَ أَبُو نُعَيْمٍ: فَإِنْ قِيلَ: سُلَيْمَانُ ﵇ كَانَ يَفْهَمُ كَلَامَ الطَّيْرِ وَالنَّمْلَةِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَقالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ «١» الْآيَةَ وقال: حَتَّى إِذا أَتَوْا عَلى وادِ النَّمْلِ قالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (١٨) فَتَبَسَّمَ ضاحِكاً مِنْ قَوْلِها «٢» الآية.
النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (١٨) فَتَبَسَّمَ ضاحِكاً مِنْ قَوْلِها «٢» الآية. قِيلَ: قَدْ أُعْطِيَ مُحَمَّدٌ ﷺ مِثْلَ ذَلِكَ وَأَكْثَرَ مِنْهُ، فَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُنَا لِكَلَامِ الْبَهَائِمِ وَالسِّبَاعِ وَحَنِينِ الْجِذْعِ وَرُغَاءِ الْبَعِيرِ وَكَلَامِ الشَّجَرِ وَتَسْبِيحِ الْحَصَا وَالْحَجْرِ، وَدُعَائِهِ إياه واستجابته لأمره، وإقرار الذئب بنبوته، وتسبيح الطَّيْرِ لِطَاعَتِهِ، وَكَلَامِ الظَّبْيَةِ وَشَكْوَاهَا إِلَيْهِ، وَكَلَامِ الضَّبِّ وَإِقْرَارِهِ بِنُبُوَّتِهِ وَمَا فِي مَعْنَاهُ، كُلُّ ذلك قد تقدم فى الفصول بما يغنى إِعَادَتِهِ، انْتَهَى كَلَامُهُ. قُلْتُ: وَكَذَلِكَ أَخْبَرَهُ ذِرَاعُ الشَّاةِ بِمَا فِيهِ مِنَ السُّمِّ وَكَانَ ذَلِكَ بإقرار من
وَضَعَهُ فِيهِ مِنَ الْيَهُودِ، وَقَالَ إِنَّ هَذِهِ السحابة لتبتهل بِنَصْرِكَ يَا عَمْرُو بْنَ سَالِمٍ- يَعْنِي الْخُزَاعِيَّ- حِينَ أَنْشَدَهُ تِلْكَ الْقَصِيدَةَ يَسْتَعْدِيهِ فِيهَا عَلَى بَنِي بَكْرٍ الَّذِينَ نَقَضُوا صُلْحَ الْحُدَيْبِيَةِ، وَكَانَ ذلك بسبب فَتْحِ مَكَّةَ كَمَا تَقَدَّمَ وَقَالَ ﷺ: إِنِّي لَأَعْرِفُ حَجَرًا كان يسلم علي بمكة قبل أن أبعث، إني لأعرفه الْآنَ، فَهَذَا إِنْ كَانَ كَلَامًا مِمَّا يَلِيقُ بحاله ففهم عنه الرسول ذَلِكَ، فَهُوَ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ وَأَبْلَغُ، لِأَنَّهُ جَمَادٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الطَّيْرِ وَالنَّمْلِ، لِأَنَّهُمَا مِنَ الْحَيَوَانَاتِ ذَوَاتِ الْأَرْوَاحِ، وَإِنْ كَانَ سَلَامًا نُطْقِيًّا وَهُوَ الْأَظْهَرُ، فَهُوَ أَعْجَبُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ أَيْضًا، كَمَا قَالَ عَلِيٌّ: خَرَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي بَعْضِ شِعَابِ مَكَّةَ، فَمَا مَرَّ بِحَجَرٍ وَلَا شَجَرٍ وَلَا مَدَرٍ إِلَّا قَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَهَذَا النُّطْقُ سَمِعَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَعَلِيٌّ ﵁. ثُمَّ قَالَ أَبُو نُعَيْمٍ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بن محمد بن الحارث العنبرى، حدثنا أحمد بن يوسف بن سفيان، حدثنا إبراهيم بن سويد النخمى، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُذَيْنَةَ الطَّائِيُّ عَنْ ثَوْرِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ خَالِدِ بْنِ معلاة ابن جَبَلٍ قَالَ: أَتَى النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ بِخَيْبَرَ- حِمَارٌ أَسْوَدُ فَوَقَفَ بَيْنَ يَدَيْهِ فَقَالَ: مَنْ أَنْتَ؟ فَقَالَ:
ْ خَالِدِ بْنِ معلاة ابن جَبَلٍ قَالَ: أَتَى النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ بِخَيْبَرَ- حِمَارٌ أَسْوَدُ فَوَقَفَ بَيْنَ يَدَيْهِ فَقَالَ: مَنْ أَنْتَ؟ فَقَالَ: أَنَا عَمْرُو ابن فهران، كنا سبعة إخوة وكلنا رَكِبَنَا الْأَنْبِيَاءُ وَأَنَا أَصْغَرُهُمْ، وَكُنْتُ لَكَ فَمَلَكَنِي رجل من اليهود، وكنت إذا ذكرك عثرت بِهِ فَيُوجِعُنِي ضَرْبًا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ فَأَنْتَ يَعْفُورٌ، وَهَذَا الْحَدِيثُ فِيهِ نكارة شديدة ولا يحتاج إِلَى ذِكْرِهِ مَعَ مَا تَقَدَّمَ مِنَ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الَّتِي فِيهَا غُنْيَةٌ عَنْهُ، وَقَدْ رُوِيَ على غير هذه الصفة، وَقَدْ نَصَّ عَلَى نَكَارَتِهِ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ أَبِيهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
القول فيما أوتي عيسى بن مَرْيَمَ ﵇ وَيُسَمَّى الْمَسِيحُ، فَقِيلَ: لِمَسْحِهِ الْأَرْضَ، وَقِيلَ: لِمَسْحِ قَدَمِهِ، وَقِيلَ: لِخُرُوجِهِ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ مَمْسُوحًا بِالدِّهَانِ، وَقِيلَ: لِمَسْحِ جِبْرِيلَ بِالْبَرَكَةِ، وَقِيلَ: لِمَسْحِ اللَّهِ الذُّنُوبَ عَنْهُ، وَقِيلَ: لأنه كان لا يمسح أحدا إلا برأ. حَكَاهَا كُلُّهَا الْحَافِظُ أَبُو نُعَيْمٍ ﵀. وَمِنْ خَصَائِصِهِ أَنَّهُ ﵇ مَخْلُوقٌ بِالْكَلِمَةِ مِنْ أُنْثَى بِلَا ذَكَرٍ، كَمَا خُلِقَتْ حَوَّاءُ مِنْ ذَكَرٍ بِلَا أُنْثَى، وَكَمَا خُلِقَ آدَمُ لَا مِنْ ذَكَرٍ وَلَا مِنْ أُنْثَى، وَإِنَّمَا خَلَقَهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ: كُنْ فَيَكُونُ. وَكَذَلِكَ يَكُونُ عِيسَى بِالْكَلِمَةِ وينفخ جبريل مريم فخلق مِنْهَا عِيسَى. وَمِنْ خَصَائِصِهِ وَأُمِّهِ أَنَّ إِبْلِيسَ لَعَنَهُ اللَّهُ حِينَ وُلِدَ ذَهَبَ يَطْعَنُ فَطَعَنَ فِي الْحِجَابِ كَمَا جَاءَ فِي الصَّحِيحِ.
ِيسَى. وَمِنْ خَصَائِصِهِ وَأُمِّهِ أَنَّ إِبْلِيسَ لَعَنَهُ اللَّهُ حِينَ وُلِدَ ذَهَبَ يَطْعَنُ فَطَعَنَ فِي الْحِجَابِ كَمَا جَاءَ فِي الصَّحِيحِ. وَمِنْ خصائصه أنه حى لم يمت، وهو الْآنَ بِجَسَدِهِ فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا، وَسَيَنْزِلُ قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ عَلَى الْمَنَارَةِ الْبَيْضَاءِ الشَّرْقِيَّةِ بِدِمَشْقَ، فَيَمْلَأُ الْأَرْضَ قِسْطًا وَعَدْلًا، كَمَا مُلِئَتْ جَوْرًا وَظُلْمًا، وَيَحْكُمُ بِهَذِهِ الشَّرِيعَةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ، ثُمَّ يَمُوتُ وَيُدْفَنُ بِالْحُجْرَةِ النَّبَوِيَّةِ، كَمَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَدْ بسطنا ذلك فى قصته. وَقَالَ شَيْخُنَا الْعَلَّامَةُ ابْنُ الزَّمْلَكَانِيِّ ﵀: وَأَمَّا مُعْجِزَاتُ عِيسَى ﵇، فَمِنْهَا إِحْيَاءُ الْمَوْتَى، وَلِلنَّبِيِّ ﷺ مِنْ ذَلِكَ كَثِيرٌ، وَإِحْيَاءُ الْجَمَادِ أَبْلَغُ مِنْ إِحْيَاءِ الْمَيِّتِ، وَقَدْ كَلَّمَ النَّبِيُّ ﷺ الذِّرَاعَ الْمَسْمُومَةَ، وَهَذَا الْإِحْيَاءُ أَبْلَغُ مِنْ إِحْيَاءِ الْإِنْسَانِ الْمَيِّتِ مِنْ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا، أَنَّهُ إحياء جزء من الحيوان دون بقيته، وَهَذَا مُعْجِزٌ لَوْ كَانَ
حْيَاءُ أَبْلَغُ مِنْ إِحْيَاءِ الْإِنْسَانِ الْمَيِّتِ مِنْ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا، أَنَّهُ إحياء جزء من الحيوان دون بقيته، وَهَذَا مُعْجِزٌ لَوْ كَانَ
مُتَّصِلًا بِالْبَدَنِ. الثَّانِي أَنَّهُ أَحْيَاهُ وَحْدَهُ مُنْفَصِلًا عَنْ بَقِيَّةِ أَجْزَاءِ ذَلِكَ الْحَيَوَانِ مَعَ مَوْتِ الْبَقِيَّةِ. الثَّالِثُ أَنَّهُ أَعَادَ عَلَيْهِ الْحَيَاةَ مَعَ الْإِدْرَاكِ وَالْعَقْلِ، وَلَمْ يَكُنْ هَذَا الْحَيَوَانُ يَعْقِلُ فى حياته الَّذِي هُوَ جُزْؤُهُ مِمَّا يَتَكَلَّمُ «١» ، وَفِي هَذَا مَا هُوَ أَبْلَغُ مِنْ حَيَاةِ الطُّيُورِ الَّتِي أَحْيَاهَا اللَّهُ لِإِبْرَاهِيمَ ﷺ،. قُلْتُ: وَفِي حُلُولِ الْحَيَاةِ وَالْإِدْرَاكِ وَالْعَقْلِ فِي الْحَجَرِ الَّذِي كَانَ يُخَاطِبُ النَّبِيَّ ﷺ بِالسَّلَامِ عَلَيْهِ، كَمَا رُوِيَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، مِنَ الْمُعْجِزِ مَا هُوَ أَبْلَغُ مِنْ إِحْيَاءِ الْحَيَوَانِ فِي الْجُمْلَةِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ مَحَلًّا لِلْحَيَاةِ فِي وَقْتٍ، بِخِلَافِ هَذَا حَيْثُ لَا حَيَاةَ لَهُ بِالْكُلِّيَّةِ قَبْلَ ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ تَسْلِيمُ الْأَحْجَارِ وَالْمَدَرُ عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ الْأَشْجَارُ وَالْأَغْصَانُ وشهادتها بالرسالة، وحنين الجذع.
ِّيَّةِ قَبْلَ ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ تَسْلِيمُ الْأَحْجَارِ وَالْمَدَرُ عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ الْأَشْجَارُ وَالْأَغْصَانُ وشهادتها بالرسالة، وحنين الجذع. وَقَدْ جَمَعَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا كِتَابًا فِيمَنْ عَاشَ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَذَكَرَ مِنْهَا كَثِيرًا، وَقَدْ ثَبَتَ عَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: دَخَلْنَا عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ وَهُوَ مَرِيضٌ يَعْقِلُ فَلَمْ نَبْرَحْ حَتَّى قُبِضَ، فَبَسَطْنَا عَلَيْهِ ثَوْبَهُ وَسَجَّيْنَاهُ، وَلَهُ أَمٌّ عَجُوزٌ كَبِيرَةٌ عِنْدَ رَأْسِهِ، فَالْتَفَتَ إِلَيْهَا بَعْضُنَا وَقَالَ: يَا هَذِهِ احْتَسِبِي مُصِيبَتَكِ عِنْدَ اللَّهِ فَقَالَتْ: وَمَا ذَاكَ؟ أَمَاتَ ابْنِي؟ قُلْنَا: نَعَمْ، قَالَتْ؟ أَحَقٌّ ما تقولون؟ قلنا: نعم، فمدت يدها إِلَى اللَّهِ تَعَالَى فَقَالَتِ: اللَّهُمَّ إِنَّكَ تَعْلَمُ أَنِّي أَسْلَمْتُ وَهَاجَرْتُ إِلَى رَسُولِكَ رَجَاءَ أَنْ تعيننى عِنْدَ كُلِّ شِدَّةٍ وَرَخَاءٍ، فَلَا تُحَمِّلْنِي هَذِهِ الْمُصِيبَةَ الْيَوْمَ. قَالَ: فَكَشَفَ الرَّجُلُ عَنْ وَجْهِهِ وَقَعَدَ، وَمَا بَرِحْنَا حَتَّى أَكَلْنَا مَعَهُ. وَهَذِهِ الْقِصَّةُ قَدْ تَقَدَّمَ التَّنْبِيهُ عَلَيْهَا فِي دَلَائِلِ النبوة.
وقد ذِكْرِ مُعْجِزِ الطُّوفَانِ مَعَ قِصَّةِ الْعَلَاءِ بْنِ الْحَضْرَمِيِّ، وَهَذَا السِّيَاقُ الَّذِي أَوْرَدَهُ شَيْخُنَا ذَكَرَ بعضه بالمعنى، وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو بَكْرٍ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا، وَالْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ غير وجه عن صالح بن بشر المرى- أحد زهاء الْبَصْرَةِ وَعُبَّادِهَا- وَفِي حَدِيثِهِ لِينٌ عَنْ ثَابِتٍ عن أنس فذكره. وفى الْبَيْهَقِيِّ أَنَّ أُمَّهُ كَانَتْ عَجُوزًا عَمْيَاءَ ثُمَّ سَاقَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ عِيسَى بْنِ يُونُسَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْنٍ عَنْ أَنَسٍ كَمَا تَقَدَّمَ، وَسِيَاقُهُ أَتَمُّ، وَفِيهِ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ بِحَضْرَةِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَهَذَا إسناد رِجَالُهُ ثِقَاتٌ، وَلَكِنْ فِيهِ انْقِطَاعٌ بَيْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْنٍ وَأَنَسٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قِصَّةٌ أخرى قال الحسين بْنُ عَرَفَةَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ عَنْ أَبِي سيرة النَّخَعِيِّ قَالَ: أَقْبَلُ رَجُلٌ مِنَ الْيَمَنِ، فَلَمَّا كَانَ فِي بَعْضِ الطَّرِيقِ نَفَقَ حِمَارُهُ فَقَامَ وتوضأ ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي جئت من المدينة مُجَاهِدًا فِي سَبِيلِكَ وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِكَ، وَأَنَا أَشْهَدُ أنك تحيي الموتي وتبعث من في القبور، لَا تَجْعَلْ لِأَحَدٍ عَلَيَّ الْيَوْمَ مِنَّةً، أَطْلُبُ إِلَيْكَ الْيَوْمَ أَنْ تَبْعَثَ حِمَارِي، فَقَامَ الْحِمَارُ يَنْفُضُ أُذُنَيْهِ. قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: هَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ، وَمِثْلُ هَذَا يَكُونُ كَرَامَةً لِصَاحِبِ الشَّرِيعَةِ. قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: وَكَذَلِكَ رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الذُّهْلِيُّ عن محمد ابن عُبَيْدٍ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ وَكَأَنَّهُ عِنْدَ إِسْمَاعِيلَ مِنَ الْوَجْهَيْنِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ّ عن محمد ابن عُبَيْدٍ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ وَكَأَنَّهُ عِنْدَ إِسْمَاعِيلَ مِنَ الْوَجْهَيْنِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قُلْتُ: كَذَلِكَ رَوَاهُ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا مِنْ طَرِيقِ إِسْمَاعِيلَ عَنِ الشَّعْبِيِّ فَذَكَرَهُ قَالَ الشَّعْبِيُّ: فَأَنَا رَأَيْتُ الْحِمَارَ بِيعَ أَوْ يُبَاعُ فِي الْكُنَاسَةِ- يَعْنِي بِالْكُوفَةِ- وَقَدْ
أَوْرَدَهَا ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، وَأَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي زَمَنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَقَدْ قَالَ بَعْضُ قَوْمِهِ فِي ذَلِكَ: ومنا الذى أحيى الْإِلَهُ حِمَارَهُ ... وَقَدْ مَاتَ مِنْهُ كُلُّ عُضْوٍ وَمَفْصِلِ وَأَمَّا قِصَّةُ زَيْدِ بْنِ خَارِجَةَ وَكَلَامُهُ بَعْدَ الْمَوْتِ وَشَهَادَتُهُ لِلنَّبِيِّ ﷺ وَلِأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ بِالصِّدْقِ فَمَشْهُورَةٌ مروية من وجوه كثيرة صحيحة. قيل الْبُخَارِيُّ فِي التَّارِيخِ الْكَبِيرِ: زَيْدُ بْنُ خَارِجَةَ الخزرجى الأنصارى شهد بدرا وتوفى فى زَمَنَ عُثْمَانَ، وَهُوَ الَّذِي تَكَلَّمَ بَعْدَ الْمَوْتِ. وَرَوَى الْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي دَلَائِلِهِ وصححه كما تقدم من طريق العتبى عن سليمان ابن بِلَالٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المسيب أن زيد بن خارجة الأنصارى ثم من الحارث بن الخزرج، توفي زمن عثمان بن عَفَّانَ فَسُجِّيَ بِثَوْبِهِ، ثُمَّ إِنَّهُمْ سَمِعُوا جَلْجَلَةً فى صدره، ثم تكلم فقال: أَحْمَدُ فِي الْكِتَابِ الْأَوَّلِ صَدَقَ صَدَقَ، أَبُو بَكْرٍ الضَّعِيفُ فِي نَفْسِهِ الْقَوِيُّ فِي أَمْرِ اللَّهِ، فِي الْكِتَابِ الْأَوَّلِ صَدَقَ صَدَقَ، عُمَرُ بن الخطاب القوى فِي الْكِتَابِ الْأَوَّلِ، صَدَقَ صَدَقَ، عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ عَلَى مِنْهَاجِهِمْ مَضَتْ أَرْبَعٌ وَبَقِيَتْ ثِنْتَانِ، أتت الفتن وأكل الشديد الضعيف، وقامت الساعة، وسيأتيكم عن جيشكم خير، قَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ: قَالَ سَعِيدُ بْنُ المسيب: ثم هلك رجل من بنى حطمة فسجي بثوبه فسمع جلجلة في صدره، ثم تكلم فقال:
عة، وسيأتيكم عن جيشكم خير، قَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ: قَالَ سَعِيدُ بْنُ المسيب: ثم هلك رجل من بنى حطمة فسجي بثوبه فسمع جلجلة في صدره، ثم تكلم فقال: إن أخا بنى حارث ابن الْخَزْرَجِ صَدَقَ صَدَقَ، وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا وَالْبَيْهَقِيُّ أَيْضًا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ بِأَبْسَطَ مِنْ هَذَا وَأَطْوَلَ، وَصَحَّحَهُ الْبَيْهَقِيُّ. قَالَ: وَقَدْ رُوِيَ فِي التَّكَلُّمِ بَعْدَ الْمَوْتِ عَنْ جَمَاعَةٍ بِأَسَانِيدَ صَحِيحَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قُلْتُ: قَدْ ذَكَرْتُ فِي قصة سخلة جَابِرٍ يَوْمَ الْخَنْدَقِ وَأَكْلِ الْأَلْفِ مِنْهَا وَمِنْ قَلِيلِ شَعِيرٍ مَا تَقَدَّمَ.
وَقَدْ أَوْرَدَ الْحَافِظُ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْذِرِ الْمَعْرُوفُ بيشكر، فِي كِتَابِهِ الْغَرَائِبِ وَالْعَجَائِبِ بِسَنَدِهِ، كَمَا سَبَقَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ جَمَعَ عِظَامَهَا ثُمَّ دَعَا اللَّهَ تَعَالَى فَعَادَتْ كما كانت فتركها فى منزله وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ شَيْخُنَا: وَمِنْ مُعْجِزَاتِ عِيسَى الْإِبْرَاءُ مِنَ الْجُنُونِ، وَقَدْ أَبْرَأَ النَّبِيُّ ﷺ يَعْنِي مِنْ ذَلِكَ- هَذَا آخر ما وجدته فيما حَكَيْنَاهُ عَنْهُ. فَأَمَّا إِبْرَاءُ عِيسَى مِنَ الْجُنُونِ، فَمَا أَعْرِفُ فِيهِ نَقْلًا خَاصًّا، وَإِنَّمَا كَانَ يبرىء الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَالظَّاهِرُ وَمِنْ جَمِيعِ الْعَاهَاتِ وَالْأَمْرَاضِ الْمُزْمِنَةِ، وَأَمَّا إِبْرَاءُ النَّبِيِّ ﷺ مِنَ الْجُنُونِ. فَقَدْ رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَالْحَافِظُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عَنْ يَعْلَى بْنِ مُرَّةَ أَنَّ امْرَأَةً أَتَتْ بِابْنٍ لَهَا صَغِيرٍ بِهِ لَمَمٌ مَا رَأَيْتُ لَمَمًا أَشَدَّ مِنْهُ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ. اللَّهِ ابْنِي هَذَا كَمَا تَرَى أَصَابَهُ بَلَاءٌ، وَأَصَابَنَا مِنْهُ بَلَاءٌ، يوجد منه فى اليوم ما يؤذى، ثم قالت: مَرَّةً، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ناولينيه، فجعلته بينه وبين واسطة الرحل، ثم فغرفاه وَنَفَثَ فِيهِ ثَلَاثًا وَقَالَ: بِسْمِ اللَّهِ، أَنَا عَبْدُ اللَّهِ، اخْسَأْ عَدُوَّ اللَّهِ، ثُمَّ نَاوَلَهَا إياه فذكرت أنه برىء من ساعته وما رابهم شَيْءٌ بَعْدَ ذَلِكَ.
وَقَالَ: بِسْمِ اللَّهِ، أَنَا عَبْدُ اللَّهِ، اخْسَأْ عَدُوَّ اللَّهِ، ثُمَّ نَاوَلَهَا إياه فذكرت أنه برىء من ساعته وما رابهم شَيْءٌ بَعْدَ ذَلِكَ. وَقَالَ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ فَرْقَدٍ السَّبَخِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ امْرَأَةً جَاءَتْ بِوَلَدِهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ الله إن به لمما، وأنه يأخذه عند طَعَامِنَا فَيُفْسِدُ عَلَيْنَا طَعَامَنَا، قَالَ: فَمَسَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَدْرَهُ وَدَعَا له فسغ سغة فخرج منه مثل الجرو الأسود فشفى، غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَفَرْقَدٌ فِيهِ كَلَامٌ وَإِنْ كَانَ مِنْ زُهَّادِ الْبَصْرَةِ، لَكِنْ مَا تَقَدَّمَ لَهُ شَاهِدٌ وَإِنْ كَانَتِ الْقِصَّةُ وَاحِدَةً وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَرَوَى الْبَزَّارُ مِنْ طَرِيقِ فَرْقَدٍ أيضا عن سعد بن عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ بِمَكَّةَ فَجَاءَتْهُ امْرَأَةٌ مِنَ الْأَنْصَارِ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ هَذَا الْخَبِيثَ قَدْ
د بن عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ بِمَكَّةَ فَجَاءَتْهُ امْرَأَةٌ مِنَ الْأَنْصَارِ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ هَذَا الْخَبِيثَ قَدْ
غلبنى، فقال لها: تصبرى على ما أنت عليه وتجيىء يوم القيامة ليس عليك ذنوب ولا حساب فَقَالَتْ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَأَصْبِرَنَّ حَتَّى أَلْقَى اللَّهَ، ثُمَّ قَالَتْ: إِنِّي أَخَافُ الْخَبِيثَ أَنْ يجردنى، فدعا لها، وكانت إذا احست أن يأتيها تأتى أستار الكعبة فتتعلق بِهَا وَتَقُولُ لَهُ: اخْسَأْ، فَيَذْهَبُ عَنْهَا. وَهَذَا دليل على أن فرقد قَدْ حَفِظَ، فَإِنَّ هَذَا لَهُ شَاهَدٌ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ عَطَاءِ بْنِ أبى رباح يقال: قال لي ابن عباس: ألا أريك امرأة مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ؟ قُلْتُ: بَلَى، قَالَ: هَذِهِ السَّوْدَاءُ أَتَتْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَتْ: إنى أصرع «١» وأنكشف فَادْعُ اللَّهَ لِي، قَالَ: إِنْ شِئْتِ صَبَرْتِ وَلَكِ الْجَنَّةُ، وَإِنْ شِئْتِ دَعَوْتُ اللَّهَ أَنْ يعافيك، قالت: لا بل أصبر فادع الله أن لا أنكشف، قَالَ: فَدَعَا لَهَا فَكَانَتْ لَا تَنْكَشِفُ. ثُمَّ قَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، حَدَّثَنَا مَخْلَدٌ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ أَنَّهُ رَأَى أم زفر- امْرَأَةٌ طَوِيلَةٌ سَوْدَاءُ- عَلَى سِتْرِ الْكَعْبَةِ «٢» .
دَّثَنَا مَخْلَدٌ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ أَنَّهُ رَأَى أم زفر- امْرَأَةٌ طَوِيلَةٌ سَوْدَاءُ- عَلَى سِتْرِ الْكَعْبَةِ «٢» . وَذَكَرَ الحافظ ابن الأثير فى كتاب أسد الْغَابَةِ فِي أَسْمَاءِ الصَّحَابَةِ، أَنَّ أُمَّ زُفَرَ هذه كانت ما شطة لِخَدِيجَةَ بِنْتِ خُوَيْلِدٍ، وَأَنَّهَا عُمِّرَتْ حَتَّى رَآهَا عطاء ابن أَبِي رَبَاحٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى، وَأَمَّا إِبْرَاءُ عِيسَى الْأَكْمَهَ وَهُوَ الَّذِي يُولَدُ أَعْمَى، وَقِيلَ وهو الَّذِي لَا يُبْصِرُ فِي النَّهَارِ وَيُبْصِرُ فِي اللَّيْلِ. وَقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ كَمَا بَسَطْنَا ذَلِكَ فِي التَّفْسِيرِ، وَالْأَبْرَصُ الَّذِي بِهِ بَهَقٌ، فَقَدْ رَدَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ عَيْنَ قَتَادَةَ بْنِ النُّعْمَانِ إِلَى مَوْضِعِهَا بَعْدَ مَا سَالَتْ عَلَى خَدِّهِ، فَأَخَذَهَا فى كفه الكريم وأعادها إلى مقرها فاستمرت بحالها وَبَصَرِهَا، وَكَانَتْ أَحْسَنَ عَيْنَيْهِ ﵁، كما ذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ يَسَارٍ فِي
السِّيرَةِ وَغَيْرُهُ، وَكَذَلِكَ بَسَطْنَاهُ ثَمَّ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ، وَقَدْ دَخَلَ بَعْضُ وَلَدِهِ وَهُوَ عَاصِمُ بن عمر ابن قَتَادَةَ عَلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ فَسَأَلَ عَنْهُ فَأَنْشَأَ يَقُولُ: أَنَا ابْنُ الَّذِي سَالَتْ عَلَى الْخَدِّ عَيْنُهُ ... فَرَدَّتْ بِكَفِّ الْمُصْطَفَى أَحْسَنَ الرَّدِّ فَعَادَتْ كَمَا كَانَتْ لِأَوَّلِ أَمْرِهَا ... فَيَا حُسْنَ مَا عَيْنٍ ويا حسن ماخد فَقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ تِلْكَ الْمَكَارِمُ لَا قَعْبَانِ «١» مِنْ لَبَنٍ ... شِيبَا «٢» بِمَاءٍ فَعَادَا بَعْدُ أَبْوَالَا ثُمَّ أَجَازَهُ فَأَحْسَنَ جَائِزَتَهُ. وَقَدْ رَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ أَنَّ عَيْنَيْهِ أُصِيبَتَا مَعًا حَتَّى سالتا على خديه، فَرَدَّهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى مَكَانِهِمَا. وَالْمَشْهُورُ الْأَوَّلُ كَمَا ذَكَرَ ابْنُ إسحاق.
قِصَّةُ الْأَعْمَى الَّذِي رَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِ بَصَرَهُ بدعاء الرسول قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا رَوْحٌ وَعُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ قَالَا: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ المديني سمعت عمارة بن خزيمة بن ثابت يُحَدِّثُ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ حُنَيْفٍ أَنَّ رَجُلًا ضَرِيرًا أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ادْعُ اللَّهَ لِي أَنْ يُعَافِيَنِي، فَقَالَ: إِنْ شِئْتَ أَخَّرْتُ ذَلِكَ فهو أفضل لآخرتك، وإن شئت دعوت: قال: بَلِ ادْعُ اللَّهَ لِي، قَالَ: فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَتَوَضَّأَ ويصلى رَكْعَتَيْنِ وَأَنْ يَدْعُوَ بِهَذَا الدُّعَاءِ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ وَأَتَوَجَّهُ إِلَيْكَ بِنَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ نَبِيِّ الرَّحْمَةِ، إنى أتوجه به فِي حَاجَتِي هَذِهِ فَتُقْضَى.
لدُّعَاءِ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ وَأَتَوَجَّهُ إِلَيْكَ بِنَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ نَبِيِّ الرَّحْمَةِ، إنى أتوجه به فِي حَاجَتِي هَذِهِ فَتُقْضَى. وَقَالَ فِي رِوَايَةِ عثمان بن عمر: فَشَفِّعْهُ فِيَّ، قَالَ: فَفَعَلَ الرَّجُلُ فَبَرَأَ، وَرَوَاهُ الترمذى وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ أَبِي جَعْفَرٍ الْخَطْمِيِّ. وَقَدْ رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ عَنِ الْحَاكِمِ بِسَنَدِهِ إِلَى أَبِي جَعْفَرٍ الْخَطْمِيِّ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ عَنْ عمه عثمان بن حنيف فذكره نحوه، قال عثمان: فو الله مَا تَفَرَّقْنَا وَلَا طَالَ الْحَدِيثُ بِنَا حَتَّى دَخَلَ الرَّجُلُ كَأَنْ لَمْ يَكُنْ بِهِ ضُرٌّ قط «١» .
قصة أخرى [في شفاء رجل من العمى] قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنِي رَجُلٌ مِنْ بَنِي سَلَامَانَ بْنِ سعد عن أمه عن خاله، أو أن خاله أو خالها حبيب بن قريط حَدَّثَهَا أَنَّ أَبَاهُ خَرَجَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَعَيْنَاهُ مُبْيَضَّتَانِ لَا يبصر بهما شيئا، فقال له: ما أصابك؟ قال: كنت «١» حملا لِي فَوَقَعَتْ رِجْلِي عَلَى بَيْضِ حَيَّةٍ فَأُصِيبَ بَصَرِي، فَنَفَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي عَيْنَيْهِ فَأَبْصَرَ، فَرَأَيْتُهُ وَإِنَّهُ لَيُدْخِلُ الخيط في الإبرة، وإنه لابن ثمانين سنة، وإن عينيه لمبيضتان. قال البيهقى: وَغَيْرُهُ يَقُولُ حَبِيبُ بْنُ مُدْرِكٍ. وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَفَثَ فِي عَيْنَيْ عَلِيٍّ يَوْمَ خَيْبَرَ وَهُوَ أَرْمَدُ فَبَرَأَ مِنْ سَاعَتِهِ، ثُمَّ لَمْ يرمد بعدها أبدا، ومسح رجل جابر بْنِ عَتِيكٍ وَقَدِ انْكَسَرَتْ رِجْلُهُ لَيْلَةَ قَتَلَ أَبَا رَافِعٍ- تَاجِرَ أَهْلِ الْحِجَازِ الْخَيْبَرِيَّ- فَبَرَأَ مِنْ سَاعَتِهِ أَيْضًا.
بر بْنِ عَتِيكٍ وَقَدِ انْكَسَرَتْ رِجْلُهُ لَيْلَةَ قَتَلَ أَبَا رَافِعٍ- تَاجِرَ أَهْلِ الْحِجَازِ الْخَيْبَرِيَّ- فَبَرَأَ مِنْ سَاعَتِهِ أَيْضًا. وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ أَنَّهُ ﷺ مَسَحَ يَدَ مُحَمَّدِ بْنِ حَاطِبٍ وَكَانَتْ قَدِ احْتَرَقَتْ بِالنَّارِ فَبَرَأَ مِنْ سَاعَتِهِ، وَمَسَحَ رِجْلَ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ وَقَدْ أُصِيبَتْ يَوْمَ خَيْبَرَ فَبَرَأَتْ مِنْ سَاعَتِهَا، وَدَعَا لِسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ أَنْ يُشْفَى مِنْ مَرَضِهِ ذَلِكَ فَشُفِيَ، وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ أَنَّ عَمَّهُ أَبَا طَالِبٍ مَرِضَ فَسَأَلَ مِنْهُ ﷺ أَنْ يَدْعُوَ لَهُ ربه فَدَعَا لَهُ فَشُفِيَ مِنْ مَرَضِهِ ذَلِكَ وَكَمْ لَهُ مِنْ مِثْلِهَا وَعَلَى مَسْلَكِهَا، مِنْ إِبْرَاءِ آلَامٍ، وَإِزَالَةِ أَسْقَامٍ، مِمَّا يَطُولُ شَرْحُهُ وَبَسْطُهُ. وَقَدْ وَقَعَ فِي كَرَامَاتِ الْأَوْلِيَاءِ إِبْرَاءُ الْأَعْمَى بعد الدعاء عليه بالعمى
أيضا، كما رواه الحافظ ابن عَسَاكِرَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي سَعِيدِ بْنِ الْأَعْرَابِيِّ عَنْ أَبِي دَاوُدَ: حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ عُثْمَانَ، حَدَّثَنَا بَقِيَّةُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ عَنْ أبى مسلم أن امرأة خبثت عَلَيْهِ امْرَأَتَهُ، فَدَعَا عَلَيْهَا فَذَهَبَ بَصَرُهَا فَأَتَتْهُ فَقَالَتْ: يَا أَبَا مُسْلِمٍ، إِنِّي كُنْتُ فَعَلْتُ وَفَعَلْتُ، وَإِنِّي لَا أَعُودُ لِمِثْلِهَا، فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنْ كَانَتْ صَادِقَةً فَارْدُدْ عَلَيْهَا بَصَرَهَا، فَأَبْصَرَتْ. وَرَوَاهُ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي الدُّنْيَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ وَاقَدٍ، حَدَّثَنَا ضَمْرَةُ حَدَّثَنَا عَاصِمٌ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عَطَاءٍ قَالَ: كَانَ أَبُو مُسْلِمٍ الْخَوْلَانِيُّ إِذَا دخل منزله.. فَإِذَا بَلَغَ وَسَطَ الدَّارِ كَبَّرَ وَكَبَّرَتِ امْرَأَتُهُ فإذا دخل البيت كبر وكبرت امرأته فيدخل فينزع رداءه وحذاءه وتأتيه بطعام يأكل، فَجَاءَ ذَاتَ لَيْلَةٍ فَكَبَّرَ فَلَمْ تُجِبْهُ، ثُمَّ جَاءَ إِلَى بَابِ الْبَيْتِ فَكَبَّرَ وَسَلَّمَ فَلَمْ تُجِبْهُ، وَإِذَا الْبَيْتُ لَيْسَ فِيهِ سِرَاجٌ، وَإِذَا هى جالسة بيدها عود تنكت فى الأرض به، فقال لها: مالك؟ فقالت الناس بخير، وأتت لَوْ أَتَيْتَ مُعَاوِيَةَ فَيَأْمُرُ لَنَا بِخَادِمٍ وَيُعْطِيكَ شَيْئًا تَعِيشُ بِهِ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ مَنْ أَفْسَدَ عَلَيَّ أَهْلِي فَأَعْمِ بَصَرَهُ، قَالَ: وَكَانَتْ أَتَتْهَا امرأة فقالت لامرأة أَبِي مُسْلِمٍ: لَوْ كَلَّمْتِ زَوْجَكِ لِيُكَلِّمَ مُعَاوِيَةَ فيخدمكم وَيُعْطِيَكُمْ؟ قَالَ: فَبَيْنَمَا هَذِهِ الْمَرْأَةُ فِي مَنْزِلِهَا والسراج مزهر، إذ أنكرت بصرها، فقالت: سراجكم طفىء؟ قالوا: لا، قالت: إن الله أُذْهِبَ بَصَرِي، فَأَقْبَلَتْ كَمَا هِيَ إِلَى أَبِي مسلم فلم يزل تناشده وتتلطف إِلَيْهِ، فَدَعَا اللَّهَ فَرَدَّ بَصَرَهَا، وَرَجَعَتِ امْرَأَتُهُ على حالها التى كانت عليها.
َتْ كَمَا هِيَ إِلَى أَبِي مسلم فلم يزل تناشده وتتلطف إِلَيْهِ، فَدَعَا اللَّهَ فَرَدَّ بَصَرَهَا، وَرَجَعَتِ امْرَأَتُهُ على حالها التى كانت عليها.
مائدة عيسى وما يناسبها من معجزات النبي ﷺ وَأَمَّا قِصَّةُ الْمَائِدَةِ الَّتِي قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: إِذْ قالَ الْحَوارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ قالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١١٢) قالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْها وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنا وَنَكُونَ عَلَيْها مِنَ الشَّاهِدِينَ (١١٣) قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنا أَنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ تَكُونُ لَنا عِيداً لِأَوَّلِنا وَآخِرِنا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (١١٤) قالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُها عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذاباً لَا أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ (١١٥) «١» . وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي التَّفْسِيرِ بَسْطَ ذَلِكَ وَاخْتِلَافَ الْمُفَسِّرِينَ فِيهَا هَلْ نَزَلَتْ أَمْ لَا عَلَى قولين، والمشهور عن الجمهور أنها نزلت، واختلفوا فِيمَا كَانَ عَلَيْهَا مِنَ الطَّعَامِ عَلَى أَقْوَالِ. وَذَكَرَ أَهْلُ التَّارِيخِ أَنَّ مُوسَى بْنَ نُصَيْرٍ، الَّذِي فَتَحَ الْبِلَادَ الْمَغْرِبِيَّةَ أَيَّامَ بَنِي أُمَيَّةَ وَجَدَ الْمَائِدَةَ، وَلَكِنْ قِيلَ: إِنَّهَا مَائِدَةُ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ مُرَصَّعَةٌ بِالْجَوَاهِرِ وَهِيَ مِنْ ذَهَبٍ فأرسل به إِلَى الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ فَكَانَتْ عِنْدَهُ حَتَّى مَاتَ، فَتَسَلَّمَهَا أَخُوهُ سُلَيْمَانُ، وَقِيلَ: إِنَّهَا مَائِدَةُ عِيسَى، لَكِنْ يَبْعُدُ هَذَا أَنَّ النَّصَارَى لَا يَعْرِفُونَ الْمَائِدَةَ كَمَا قَالَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ِدَةُ عِيسَى، لَكِنْ يَبْعُدُ هَذَا أَنَّ النَّصَارَى لَا يَعْرِفُونَ الْمَائِدَةَ كَمَا قَالَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَالْمَقْصُودُ أَنَّ الْمَائِدَةَ سَوَاءٌ كَانَتْ قَدْ نَزَلَتْ أَمْ لَمْ تَنْزِلْ وقد كَانَتْ مَوَائِدُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تُمَدُّ مِنَ السَّمَاءِ وَكَانُوا يَسْمَعُونَ تَسْبِيحَ الطَّعَامِ وَهُوَ يُؤْكَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَكَمْ قَدْ أشبع من طعام يسير ألوفا ومئات وعشراتص ما تعاقبت الأوقات، وما دامت الأرض والسموات، وهذا أبو مسلم الخولانى.
وقد ذَكَرَ الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ فِي تَرْجَمَتِهِ مِنْ تَارِيخِهِ أَمْرًا عَجِيبًا وَشَأْنًا غَرِيبًا، حَيْثُ رُوِيَ من طريق إسحاق بن يحيى الْمَلْطِيِّ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ قَالَ: أَتَى أَبَا مُسْلِمٍ الْخَوْلَانِيَّ نَفَرٌ مِنْ قَوْمِهِ فَقَالُوا: يَا أَبَا مُسْلِمٍ أَمَا تَشْتَاقُ إِلَى الْحَجِّ؟ قَالَ: بَلَى لو أصبت لى أصحابا، فَقَالُوا: نَحْنُ أَصْحَابُكَ قَالَ: لَسْتُمْ لِي بِأَصْحَابٍ، إِنَّمَا أَصْحَابِي قَوْمٌ لَا يُرِيدُونَ الزَّادَ وَلَا المزاد،. فقالوا: سبحان الله، وكيف يسافر أقوام بِلَا زَادٍ وَلَا مَزَادٍ؟ قَالَ لَهُمْ: أَلَا تَرَوْنَ إِلَى الطَّيْرِ تَغْدُو وَتَرُوحُ بِلَا زَادٍ وَلَا مَزَادٍ وَاللَّهُ يَرْزُقُهَا؟ وَهِيَ لَا تَبِيعُ وَلَا تَشْتَرِي، وَلَا تَحْرُثُ وَلَا تَزْرَعُ وَاللَّهُ يَرْزُقُهَا؟ قَالَ: فَقَالُوا: فَإِنَّا نُسَافِرُ مَعَكَ، قَالَ: فهبوا عَلَى بَرَكَةِ اللَّهِ تَعَالَى، قَالَ: فَغَدَوْا مِنْ غُوطَةِ دِمَشْقَ لَيْسَ مَعَهُمْ زَادٌ وَلَا مَزَادٌ، فَلَمَّا انْتَهَوْا إِلَى الْمَنْزِلِ قَالُوا: يَا أَبَا مُسْلِمٍ طَعَامٌ لَنَا وَعَلَفٌ لِدَوَابِّنَا، قَالَ:
َ لَيْسَ مَعَهُمْ زَادٌ وَلَا مَزَادٌ، فَلَمَّا انْتَهَوْا إِلَى الْمَنْزِلِ قَالُوا: يَا أَبَا مُسْلِمٍ طَعَامٌ لَنَا وَعَلَفٌ لِدَوَابِّنَا، قَالَ: فَقَالَ لهم: نعم، فسجا غير بعيد فيمم مسجد أحجار فصلى فيه ركعتين، ثم جثى عَلَى رُكْبَتَيْهِ فَقَالَ: إِلَهِي قَدْ تَعْلَمُ مَا أخرجنى من منزلى. وإنما خرجت آمرا لَكَ، وَقَدْ رَأَيْتُ الْبَخِيلَ مِنْ وَلَدِ آدَمَ تَنْزِلُ بِهِ الْعِصَابَةُ مِنَ النَّاسِ فَيُوسِعُهُمْ قِرًى وإنا أضايفك وَزُوَّارُكَ، فَأَطْعِمْنَا، وَاسْقِنَا، وَاعَلِفْ دَوَابَّنَا، قَالَ: فَأُتِيَ بِسُفْرَةٍ مُدَّتْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ، وَجِيءَ بِجَفْنَةٍ مِنْ ثريد، وَجِيءَ بِقُلَّتَيْنِ مِنْ مَاءٍ، وَجِيءَ بِالْعَلَفِ لَا يَدْرُونَ مَنْ يَأْتِي بِهِ، فَلَمْ تَزَلْ تِلْكَ حَالُهُمْ مُنْذُ خَرَجُوا مِنْ عِنْدِ أَهَالِيهِمْ حَتَّى رَجَعُوا، لَا يَتَكَلَّفُونَ زَادًا وَلَا مَزَادًا، فَهَذِهِ حَالُ وَلِيٍّ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ، نَزَلَ عَلَيْهِ وعلى أصحابه مائدة كل يوم مَرَّتَيْنِ مَعَ مَا يُضَافُ إِلَيْهَا مِنَ الْمَاءِ وَالْعَلُوفَةِ لِدَوَابِّ أَصْحَابِهِ، وَهَذَا اعْتِنَاءٌ عَظِيمٌ، وَإِنَّمَا نَالَ ذَلِكَ بِبَرَكَةِ مُتَابَعَتِهِ لِهَذَا النَّبِيِّ الْكَرِيمِ عليه أفضل الصلاة والتسليم. وأما قوله عن عيسى بن مَرْيَمَ ﵇: أَنَّهُ قَالَ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ وَأُنَبِّئُكُمْ بِما تَأْكُلُونَ وَما تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ «١» الآية، فهذا شىء يَسِيرٌ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ، بَلْ وَعَلَى كَثِيرٍ مِنَ الأولياء، وقد قال يوسف الصديق لذينك
الْفَتَيَيْنِ الْمَحْبُوسَيْنِ مَعَهُ لَا يَأْتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُما بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُما ذلِكُما مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي «١» الآية. وَقَدْ أَخْبَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْأَخْبَارِ الْمَاضِيَةِ طِبْقَ مَا وَقَعَ وَعَنِ الْأَخْبَارِ الْحَاضِرَةِ سَوَاءً بِسَوَاءٍ كَمَا أَخْبَرَ عَنْ أَكْلِ الْأَرَضَةِ لِتِلْكَ الصَّحِيفَةِ الظَّالِمَةِ الَّتِي كَانَتْ بطون قريش قديما كتبتها على مقاطعة بَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي الْمُطَّلِبِ حَتَّى يُسْلِمُوا إِلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَكَتَبُوا بِذَلِكَ صَحِيفَةً وَعَلَّقُوهَا فِي سَقْفِ الْكَعْبَةِ، فَأَرْسَلَ اللَّهُ الْأَرَضَةَ فَأَكَلَتْهَا إِلَّا مَوَاضِعِ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى، وَفِي رِوَايَةٍ: فَأَكَلَتِ اسْمَ اللَّهِ مِنْهَا تَنْزِيهًا لَهَا أَنْ تكون مع الذين فِيهَا مِنَ الظُّلْمِ وَالْعُدْوَانِ، فَأُخْبِرَ بِذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَمَّهُ أَبَا طَالِبٍ وَهُمْ بِالشِّعْبِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ أَبُو طَالِبٍ وقال لهم عما أخبرهم بِهِ، فَقَالُوا: إِنْ كَانَ كَمَا قَالَ وَإِلَّا فَسَلِّمُوهُ إِلَيْنَا، فَقَالُوا: نَعَمْ، فَأَنْزَلُوا الصَّحِيفَةَ فَوَجَدُوهَا كَمَا أَخْبَرَ عَنْهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَوَاءً بِسَوَاءٍ، فَأَقْلَعَتْ بُطُونُ قُرَيْشٍ عما كانوا عَلَيْهِ لِبَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي الْمُطَّلِبِ، وَهَدَى اللَّهُ بِذَلِكَ خَلْقًا كَثِيرًا، وَكَمْ لَهُ مِثْلُهَا كَمَا تَقَدَّمَ بَسْطُهُ وَبَيَانُهُ فِي مَوَاضِعَ مِنَ السِّيرَةِ وَغَيْرِهَا وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ. وَفِي يَوْمِ بَدْرٍ لَمَّا طَلَبَ مِنَ الْعَبَّاسِ عَمَّهُ فِدَاءً ادَّعَى أَنَّهُ لَا مَالَ لَهُ، فَقَالَ لَهُ: فَأَيْنَ الْمَالُ الَّذِي دَفَنْتَهُ أَنْتَ وَأُمُّ الْفَضْلِ تَحْتَ أُسْكُفَّةِ الْبَابِ، وَقُلْتَ لَهَا: إِنْ قُتِلْتُ فَهُوَ لِلصِّبْيَةِ؟ فَقَالَ: وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ هَذَا شَيْءٌ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِ غَيْرِي وَغَيْرُ أُمِّ الْفَضْلِ إِلَّا اللَّهَ ﷿.



