— Bagian 36 · لَمّا أَصْبَحَ وَلَا مَاءَ مَعَهُمْ، فَشَكَوْا ذ… —
Bagian 36
لَمّا أَصْبَحَ وَلَا مَاءَ مَعَهُمْ، فَشَكَوْا ذَلِكَ إلى رسول الله ﷺ، وَرَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى غَيْرِ مَاءٍ. قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي حَدْرَدٍ: فَرَأَيْت رَسُولَ اللهِ ﷺ اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ فَدَعَا- وَلَا وَاَللهِ مَا أَرَى فِي السّمَاءِ سَحَابًا- فَمَا بَرِحَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَدْعُو حَتّى إنّي لَأَنْظُرُ إلَى السّحَابِ تَأْتَلِفُ مِنْ كُلّ نَاحِيَةٍ، فَمَا رَامَ مَقَامَهُ حَتّى سَحّتَ عَلَيْنَا
السّمَاءُ بِالرّوَاءِ [ (١) ] ، فَكَأَنّي أَسْمَعُ تَكْبِيرَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي الْمَطَرِ. ثُمّ كَشَفَ اللهُ السّمَاءَ عَنّا مِنْ سَاعَتِهَا وَإِنْ الْأَرْضُ إلّا غُدُرٌ تَنَاخَسُ [ (٢) ] ، فَسُقِيَ النّاسُ وَارْتَوَوْا عَنْ آخِرِهِمْ، وَأَسْمَعُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: أَشْهَدُ أَنّي رَسُولُ اللهِ! فَقُلْت لِرَجُلٍ مِنْ الْمُنَافِقِينَ: وَيْحَك، أَبَعْدَ هَذَا شَيْءٌ؟ فَقَالَ: سَحَابَةٌ مَارّةٌ! وَهُوَ أَوْسُ بْنُ قَيْظِيّ، وَيُقَالُ: زَيْدُ بْنُ اللّصَيْتِ. قَالَ: حَدّثَنِي يُونُسُ بْنُ مُحَمّدٍ، عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ، عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ، أَنّهُ قَالَ لَهُ: هَلْ كَانَ النّاسُ يَعْرِفُونَ أَهْلَ النّفَاقِ فِيهِمْ؟ فَقَالَ: نَعَمْ وَاَللهِ، إنْ كَانَ الرّجُلُ لَيَعْرِفُهُ مِنْ أَبِيهِ وَأَخِيهِ وَبَنِي عَمّهِ. سَمِعْت جَدّك قَتَادَةَ بْنَ النّعْمَانِ يَقُولُ: تَبِعَنَا فِي دَارِنَا قَوْمٌ مِنّا مُنَافِقُونَ. ثُمّ مِنْ بَعْدُ سَمِعْت زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ يَقُولُ فِي بَنِي النّجّارِ: مَنْ لَا بَارَكَ اللهُ فِيهِ! فَيُقَالُ: مَنْ يَا أَبَا سَعِيدٍ؟ فَيَقُولُ: سَعْدُ بْنُ زُرَارَةَ، وَقَيْسُ بْنُ فِهْرٍ. ثُمّ يَقُولُ زَيْدٌ: لَقَدْ رَأَيْتنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ، فَلَمّا كَانَ مِنْ أَمْرِ الْمَاءِ مَا كَانَ دَعَا رسول الله ﷺ فأرسل اللهُ سَحَابَةً فَأَمْطَرَتْ حَتّى ارْتَوَى النّاسُ، فَقُلْنَا: يَا وَيْحَك، أَبَعْدَ هَذَا شَيْءٌ؟ فَقَالَ:
ْمَاءِ مَا كَانَ دَعَا رسول الله ﷺ فأرسل اللهُ سَحَابَةً فَأَمْطَرَتْ حَتّى ارْتَوَى النّاسُ، فَقُلْنَا: يَا وَيْحَك، أَبَعْدَ هَذَا شَيْءٌ؟ فَقَالَ: سَحَابَةٌ مَارّةٌ! وَهُوَ وَاَللهِ رَجُلٌ لَك بِهِ قَرَابَةٌ يَا مَحْمُودُ بْنَ لَبِيدٍ! قَالَ مَحْمُودٌ: قَدْ عَرَفْته! قَالَ: ثُمّ ارْتَحَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مُوَجّهًا إلَى تَبُوكَ، فَأَصْبَحَ فِي مَنْزِلٍ، فَضَلّتْ نَاقَةُ النّبِيّ ﷺ الْقَصْوَاءُ، فَخَرَجَ أَصْحَابُهُ فِي طَلَبِهَا. وَعِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ عُمَارَةُ بْنُ حَزْمٍ- عَقَبِيّ بَدْرِيّ قُتِلَ يَوْمَ الْيَمَامَةِ شَهِيدًا- وَكَانَ فِي رَحْلِهِ زَيْدُ بْنُ اللّصيت أحد بنى قينقاع
كَانَ يَهُودِيّا فَأَسْلَمَ فَنَافَقَ، وَكَانَ فِيهِ خُبْثُ الْيَهُودِ وَغِشّهُمْ، وَكَانَ مُظَاهِرًا لِأَهْلِ النّفَاقِ، فَقَالَ زَيْدٌ وَهُوَ فِي رَحْلِ عُمَارَةَ، وَعُمَارَةُ عِنْدَ النّبِيّ ﷺ: أَلَيْسَ مُحَمّدٌ يَزْعُمُ أَنّهُ نَبِيّ وَيُخْبِرُكُمْ عَنْ خَبَرِ السّمَاءِ، وَهُوَ لَا يَدْرِي أَيْنَ نَاقَتُهُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: إنّ مُنَافِقًا يَقُولُ إنّ مُحَمّدًا يَزْعُمُ أَنّهُ نَبِيّ، وَأَنّهُ يُخْبِرُكُمْ بِأَمْرِ السّمَاءِ وَلَا يَدْرِي أَيْنَ نَاقَتُهُ! وَإِنّي وَاَللهِ مَا أَعْلَمُ إلّا مَا عَلّمَنِي اللهُ، وَقَدْ دَلّنِي عَلَيْهَا، وَهِيَ فِي الْوَادِي فِي شِعْبِ كَذَا وَكَذَا- الشّعْبُ أَشَارَ لَهُمْ إلَيْهِ- حَبَسَتْهَا شَجَرَةٌ بِزِمَامِهَا، فَانْطَلِقُوا حَتّى تَأْتُوا بِهَا. فَذَهَبُوا فَجَاءُوا بِهَا، فَرَجَعَ عُمَارَةُ بْنُ حَزْمٍ إلَى رَحْلِهِ فَقَالَ: الْعَجَبُ مِنْ شَيْءٍ حَدّثْنَاهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ! إنّهَا عَنْ مَقَالَةِ قَائِلٍ أَخْبَرَهُ اللهُ عَنْهُ! قَالَ كَذَا وَكَذَا- الّذِي قَالَ زَيْدٌ. قَالَ: فَقَالَ رَجُلٌ مِمّنْ كَانَ فِي رَحْلِ عُمَارَةَ، وَلَمْ يَحْضُرْ رَسُولَ اللهِ ﷺ:
َهُ اللهُ عَنْهُ! قَالَ كَذَا وَكَذَا- الّذِي قَالَ زَيْدٌ. قَالَ: فَقَالَ رَجُلٌ مِمّنْ كَانَ فِي رَحْلِ عُمَارَةَ، وَلَمْ يَحْضُرْ رَسُولَ اللهِ ﷺ: زَيْدٌ وَاَللهِ قَائِلُ هَذِهِ الْمَقَالَةِ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ عَلَيْنَا! قَالَ: فَأَقْبَلَ عُمَارَةُ عَلَى زيد ابن اللّصَيْتِ يَجَأُهُ [ (١) ] فِي عُنُقِهِ وَيَقُولُ: وَاَللهِ، إنّ فِي رَحْلِي لَدَاهِيَةٌ وَمَا أَدْرِي! اُخْرُجْ يَا عدوّ الله من رحلي! وكان الذي أخبره عُمَارَةَ بِمَقَالَةِ زَيْدٍ أَخُوهُ عَمْرُو بْنُ حَزْمٍ، وَكَانَ فِي الرّحْلِ مَعَ رَهْطٍ مِنْ أَصْحَابِهِ. وَاَلّذِي ذَهَبَ فَجَاءَ بِالنّاقَةِ مِنْ الشّعْبِ الْحَارِثُ بْنُ خَزَمَةَ الْأَشْهَلِيّ، وَجَدَهَا وَزِمَامُهَا قَدْ تَعَلّقَ فى شجرة، فقال زيد بن اللّصيت: لكأنى لَمْ أُسْلِمْ إلّا الْيَوْمَ! قَدْ كُنْت شَاكّا فِي مُحَمّدٍ، وَقَدْ أَصْبَحْت وَأَنَا فِيهِ ذُو بصيرة، وأشهد أَنّهُ رَسُولُ اللهِ! فَزَعَمَ النّاسُ أَنّهُ تَابَ، وَكَانَ خَارِجَةُ بْنُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ يُنْكِرُ تَوْبَتَهُ وَيَقُولُ: لَمْ يَزَلْ فَسْلًا [ (٢) ] حَتّى مَاتَ.
ِ! فَزَعَمَ النّاسُ أَنّهُ تَابَ، وَكَانَ خَارِجَةُ بْنُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ يُنْكِرُ تَوْبَتَهُ وَيَقُولُ: لَمْ يَزَلْ فَسْلًا [ (٢) ] حَتّى مَاتَ.
فَلَمّا كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِوَادِي الْمُشَقّقِ [ (١) ] سَمِعَ حَادِيًا فِي جَوْفِ اللّيْلِ فَقَالَ: أَسْرِعُوا بِنَا نَلْحَقُهُ! وَرَسُولُ اللهِ ﷺ يَقُولُ: مِمّنْ الْحَادِي، مِنْكُمْ أَوْ مِنْ غَيْرِكُمْ؟ قَالُوا: بَلَى، مِنْ غَيْرِنَا. قَالَ: فَأَدْرَكَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَإِذَا جَمَاعَةٌ، فَقَالَ: مِمّنْ الْقَوْمُ؟ قالوا: مِنْ مُضَرَ. قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: وَأَنَا مِنْ مُضَرَ. فَانْتَسَبَ حَتّى بَلَغَ مُضَرَ. قَالَ الْقَوْمُ: نَحْنُ أَوّلُ مَنْ حَدَا بِالْإِبِلِ. فَقَالَ النّبِيّ ﷺ: وَكَيْفَ ذَلِكَ؟ قَالُوا: بَلَى، إنّ أَهْلَ الْجَاهِلِيّةِ كَانَ يُغِيرُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، فَأُغِيرَ عَلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ وَمَعَهُ غُلَامٌ لَهُ، فَنَدّتْ إبِلُهُ فَأَمَرَ غُلَامَهُ أَنْ يَجْمَعَهَا، فَقَالَ: لَا أَسْتَطِيعُ! فَضَرَبَ يَدَهُ بِعَصًا، فَجَعَلَ الْغُلَامُ يَقُولُ: وا يداه! وا يداه! وَتُجْتَمَعُ الْإِبِلُ، فَجَعَلَ سَيّدُهُ يَقُولُ: قُلْ هَكَذَا بِالْإِبِلِ! وَجَعَلَ النّبِيّ ﷺ يَضْحَكُ. وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِبِلَالٍ: أَلَا أُبَشّرُكُمْ؟ قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ! وَهُمْ يَسِيرُونَ عَلَى رَوَاحِلِهِمْ، فَقَالَ: إنّ اللهَ أَعْطَانِي الْكَنْزَيْنِ فَارِسَ وَالرّومَ، وَأَمَدّنِي بِالْمُلُوكِ مُلُوكِ حِمْيَرَ، يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَيَأْكُلُونَ فَيْءَ الله.
للهَ أَعْطَانِي الْكَنْزَيْنِ فَارِسَ وَالرّومَ، وَأَمَدّنِي بِالْمُلُوكِ مُلُوكِ حِمْيَرَ، يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَيَأْكُلُونَ فَيْءَ الله. وَكَانَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ يَقُولُ: كُنّا بَيْنَ الْحِجْرِ وَتَبُوكَ فَذَهَبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِحَاجَتِهِ، وَكَانَ إذَا ذَهَبَ أَبْعَدَ، وَتَبِعْته بِمَاءٍ بَعْدَ الْفَجْرِ، فَأَسْفَرَ النّاسُ بِصَلَاتِهِمْ- وَهِيَ صَلَاةُ الصّبْحِ- حَتّى خافوا الشمس، فقدّموا عَبْدُ الرّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ فَصَلّى بِهِمْ. فَحَمَلْت مَعَ النّبِيّ ﷺ إدَاوَةً فِيهَا مَاءٌ، فَلَمّا فَرَغَ صَبَبْت عَلَيْهِ فَغَسَلَ وَجْهَهُ. ثُمّ أَرَادَ أَنْ يَغْسِلَ ذِرَاعَيْهِ فَضَاقَ كُمّ الْجُبّةِ- وَعَلَيْهِ جُبّةٌ رُومِيّةٌ- فَأَخْرَجَ يَدَيْهِ من تحت
الْجُبّةِ فَغَسَلَهُمَا وَمَسَحَ خُفّيْهِ. وَانْتَهَيْنَا إلَى عَبْدِ الرّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَقَدْ رَكَعَ بِالنّاسِ، فَسَبّحَ النّاسُ بِعَبْدِ الرّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ حِينَ رَأَوْا رسول الله ﷺ حتى كَادُوا أَنْ يَفْتَتِنُوا، فَجَعَلَ عَبْدُ الرّحْمَنِ يُرِيدُ أَنْ يَنْكُصَ وَرَاءَهُ، فَأَشَارَ إلَيْهِ النّبِيّ ﷺ أَنْ اُثْبُتْ، فَصَلّى رَسُولُ اللهِ ﷺ خَلْفَ عَبْدِ الرّحْمَنِ رَكْعَةً، فَلَمّا سَلّمَ عَبْدُ الرّحْمَنِ تَوَاثَبَ النّاسُ، وَقَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَقْضِي الرّكْعَةَ الْبَاقِيَةَ، ثُمّ سَلّمَ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْهَا، ثُمّ قَالَ: أَحْسَنْتُمْ! إنّهُ لَمْ يُتَوَفّ نَبِيّ حَتّى يَؤُمّهُ رَجُلٌ صَالِحٌ مِنْ أُمّتِهِ. وَأَتَاهُ يَوْمَئِذٍ يَعْلَى بْنُ مُنَبّهٍ بِأَجِيرٍ لَهُ، قَدْ نَازَعَ رَجُلًا مِنْ الْعَسْكَرِ، فَعَضّهُ ذَلِكَ الرّجُلُ، فَانْتَزَعَ الْأَجِيرُ يَدَهُ مِنْ فِي العاضّ فانتزع ثنيّته، فلرمه الْمَجْرُوحُ فَبَلَغَ بِهِ النّبِيّ ﷺ. [قَالَ] : وَقُمْت مَعَ أَجِيرِي لِأَنْظُرَ مَا يَصْنَعُ، فَأَتَى بِهِمَا النّبِيّ ﷺ فَقَالَ: يَعْمِدُ أَحَدُكُمْ فَيَعَضّ أَخَاهُ كَمَا يَعَضّ الْفَحْلُ. فَأَبْطَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مَا أَصَابَ مِنْ ثَنِيّتِهِ.
َتَى بِهِمَا النّبِيّ ﷺ فَقَالَ: يَعْمِدُ أَحَدُكُمْ فَيَعَضّ أَخَاهُ كَمَا يَعَضّ الْفَحْلُ. فَأَبْطَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مَا أَصَابَ مِنْ ثَنِيّتِهِ. وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: إنّكُمْ سَتَأْتُونَ غَدًا إنْ شَاءَ اللهُ عَيْنَ تَبُوكَ، وَإِنّكُمْ لَنْ تَنَالُوهَا حَتّى يُضْحِيَ النّهَارُ، فَمَنْ جَاءَهَا فَلَا يَمَسّ مِنْ مَائِهَا شَيْئًا حَتّى آتى. قال معاد بْنُ جَبَلٍ: فَجِئْنَاهَا وَقَدْ سَبَقَ إلَيْهَا رَجُلَانِ، وَالْعَيْنُ مِثْلَ الزّلَالِ تَبُضّ [ (١) ] بِشَيْءٍ مِنْ مَاءٍ، فَسَأَلَهُمَا: هَلْ مَسِسْتُمَا مِنْ مَائِهَا شَيْئًا؟ قَالَا: نَعَمْ. فَسَبّهُمَا النّبِيّ ﷺ، وَقَالَ لَهُمَا مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَقُولَ. ثُمّ غَرَفُوا بِأَيْدِيهِمْ قَلِيلًا قَلِيلًا حَتّى اجْتَمَعَ فى شنّ [ (٢) ] ، ثم غسل
النّبِيّ ﷺ فِيهِ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ، ثُمّ أَعَادَهُ فِيهَا، فَجَاءَتْ الْعَيْنُ بِمَاءٍ كَثِيرٍ فَاسْتَقَى النّاسُ. ثُمّ قَالَ النّبِيّ ﷺ: يُوشِكُ يَا مُعَاذُ إنْ طَالَتْ بِك حَيَاةٌ أَنْ تَرَى مَا هَاهُنَا قَدْ مُلِئَ جِنَانًا! قَالُوا: وَكَانَ عَبْدُ اللهِ ذُو الْبِجَادَيْنِ [ (١) ] مِنْ مُزَيْنَةَ، وَكَانَ يَتِيمًا لَا مَالَ لَهُ، قَدْ مَاتَ أَبُوهُ فَلَمْ يُوَرّثْهُ شَيْئًا، وَكَانَ عَمّهُ مَيّلًا [ (٢) ] ، فَأَخَذَهُ وَكَفَلَهُ حَتّى كَانَ قَدْ أَيْسَرَ، فَكَانَتْ لَهُ إبِلٌ وَغَنَمٌ وَرَقِيقٌ، فَلَمّا قَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْمَدِينَةَ جَعَلَتْ نَفْسُهُ تَتُوقُ إلَى الْإِسْلَامِ، وَلَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ مِنْ عَمّهِ، حَتّى مَضَتْ السّنُونَ وَالْمَشَاهِدُ كُلّهَا. فَانْصَرَفَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ فَتْحِ مَكّةَ رَاجِعًا إلَى الْمَدِينَةِ، فَقَالَ عَبْدُ اللهِ لِعَمّهِ: يَا عَمّ، قَدْ انْتَظَرْت إسْلَامَك فَلَا أَرَاك تُرِيدُ مُحَمّدًا، فَائْذَنْ لِي فِي الْإِسْلَامِ! فَقَالَ: وَاَللهِ، لَئِنْ اتّبَعْت مُحَمّدًا لَا أَتْرُكُ بِيَدِك شَيْئًا كُنْت أَعْطَيْتُكَهُ إلّا نَزَعْته مِنْك حَتّى ثَوْبَيْك. فَقَالَ عَبْدُ الْعُزّى، وَهُوَ يَوْمَئِذٍ اسْمُهُ: وأنا وَاَللهِ مُتّبِعٌ مُحَمّدًا وَمُسْلِمٌ، وَتَارِكٌ عِبَادَةَ الْحَجَرِ وَالْوَثَنِ، وَهَذَا مَا بِيَدِي فَخُذْهُ! فَأَخَذَ كُلّ مَا أَعْطَاهُ، حَتّى جَرّدَهُ مِنْ إزَارِهِ، فَأَتَى أُمّهُ فَقَطَعَتْ بِجَادًا لَهَا بِاثْنَيْنِ فَائْتَزَرَ بِوَاحِدٍ وَارْتَدَى بِالْآخَرِ، ثُمّ أَقْبَلَ إلَى الْمَدِينَةِ وَكَانَ بِوَرِقَانَ- جَبَلٌ مِنْ حِمَى الْمَدِينَةِ- فَاضْطَجَعَ فِي الْمَسْجِدِ فِي السّحَرِ، ثُمّ صَلّى رَسُولُ اللهِ ﷺ الصّبْحَ، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَتَصَفّحُ النّاسَ إذَا انْصَرَفَ مِنْ الصّبْحِ، فَنَظَرَ إلَيْهِ فَأَنْكَرَهُ، فَقَالَ: مَنْ أَنْت؟ فَانْتَسَبَ لَهُ، فَقَالَ: أَنْت عَبْدُ اللهِ ذُو الْبِجَادَيْنِ! ثُمّ قَالَ: انْزِلْ مِنّي قَرِيبًا. فَكَانَ يَكُونُ فِي أَضْيَافِهِ وَيُعَلّمُهُ القرآن، حتى
َ لَهُ، فَقَالَ: أَنْت عَبْدُ اللهِ ذُو الْبِجَادَيْنِ! ثُمّ قَالَ: انْزِلْ مِنّي قَرِيبًا. فَكَانَ يَكُونُ فِي أَضْيَافِهِ وَيُعَلّمُهُ القرآن، حتى
قَرَأَ قُرْآنًا كَثِيرًا، وَالنّاسُ يَتَجَهّزُونَ إلَى تَبُوكَ. وَكَانَ رَجُلًا صِيّتَا، فَكَانَ يَقُومُ فِي الْمَسْجِدِ فَيَرْفَعُ صَوْتَهُ بِالْقِرَاءَةِ، فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَلَا تَسْمَعُ إلَى هَذَا الْأَعْرَابِيّ يَرْفَعُ صَوْتَهُ بِالْقُرْآنِ حَتّى قَدْ مَنَعَ النّاسَ الْقِرَاءَةَ؟ فَقَالَ النّبِيّ ﷺ: دَعْهُ، يَا عُمَرُ! فَإِنّهُ خَرَجَ مُهَاجِرًا إلَى اللهِ وَرَسُولِهِ. قَالَ: فَلَمّا خَرَجُوا إلَى تَبُوكَ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، اُدْعُ اللهَ لِي بِالشّهَادَةِ. قَالَ: أَبْلِغْنِي لِحَاءَ [ (١) ] سَمُرَةَ. فَأَبْلَغَهُ لِحَاءَ سَمُرَةَ، فَرَبَطَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى عَضُدِهِ وَقَالَ: اللهُمّ إنّي أُحَرّمُ دَمَهُ عَلَى الْكُفّارِ! فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، لَيْسَ أَرَدْت هَذَا. قَالَ النّبِيّ ﷺ: إنّك إذَا خَرَجْت غَازِيًا فِي سَبِيلِ اللهِ فَأَخَذَتْك الْحُمّى فَقَتَلَتْك فَأَنْت شَهِيدٌ، وَوَقَصَتْك دَابّتُك فَأَنْت شَهِيدٌ، لَا تُبَالِ [ (٢) ] بِأَيّةِ كَانَ. فلمّا نزلوا تبوكا فَأَقَامُوا بِهَا أَيّامًا تُوُفّيَ عَبْدُ اللهِ ذُو الْبِجَادَيْنِ. فَكَانَ بِلَالُ بْنُ الْحَارِثِ يَقُولُ: حَضَرْت رَسُولَ اللهِ ﷺ وَمَعَ بِلَالٍ الْمُؤَذّنِ شُعْلَةٌ مِنْ نَارٍ عِنْدَ الْقَبْرِ وَاقِفًا بِهَا، وَإِذَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي الْقَبْرِ، وَإِذَا أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ ﵄ يُدْلِيَانِهِ إلَى النّبِيّ ﷺ وَهُوَ يَقُولُ: أَدْنِيَا إلَيّ أَخَاكُمَا! فَلَمّا هَيّآهُ لِشِقّهِ قَالَ: اللهُمّ إنّي قَدْ أَمْسَيْت عَنْهُ رَاضِيًا فَارْضَ عَنْهُ.
َى النّبِيّ ﷺ وَهُوَ يَقُولُ: أَدْنِيَا إلَيّ أَخَاكُمَا! فَلَمّا هَيّآهُ لِشِقّهِ قَالَ: اللهُمّ إنّي قَدْ أَمْسَيْت عَنْهُ رَاضِيًا فَارْضَ عَنْهُ. قَالَ: فَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ: يَا لَيْتَنِي كُنْت صَاحِبَ اللّحْدِ! وَقَالُوا: أَتَيْنَا رَسُولَ الله ﷺ في مسيره وهو مردف سهيل ابن بَيْضَاءَ خَلْفَهُ، فَقَالَ سُهَيْلٌ: وَرَفَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ صَوْتَهُ فَقَالَ: يَا سُهَيْلُ! كُلّ ذَلِكَ يَقُولُ سُهَيْلٌ: يَا لَبّيْكَ! ثَلَاثَ مَرّاتٍ، حَتّى عَرَفَ النّاسُ أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ يُرِيدُهُمْ، فَانْثَنَى عليه
مَنْ أَمَامَهُ، وَلَحِقَهُ مَنْ خَلْفَهُ مِنْ النّاسِ، ثُمّ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: مَنْ يَشْهَدُ أَنْ لَا إلَه إلّا اللهُ وَحْدَهُ، لَا شَرِيكَ لَهُ، حَرّمَهُ اللهُ عَلَى النّار. قَالُوا: وَعَارَضَ النّاسُ فِي مَسِيرِهِمْ حَيّةٌ، ذُكِرَ مِنْ عِظَمِهَا وَخَلْقِهَا، وَانْصَاعَ النّاسُ عَنْهَا. فَأَقْبَلَتْ حَتّى وَاقَفَتْ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَهُوَ عَلَى رَاحِلَتِهِ طَوِيلًا، وَالنّاسُ يَنْظُرُونَ إلَيْهَا، ثُمّ الْتَوَتْ حَتّى اعْتَزَلَتْ الطّرِيقَ فَقَامَتْ قَائِمَةً، فَأَقْبَلَ النّاسُ حَتّى لَحِقُوا بِرَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقَالَ لَهُمْ: هَلْ تَدْرُونَ مَنْ هَذَا؟ قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ! قَالَ: فَإِنّ هَذَا أَحَدُ الرّهْطِ الثّمَانِيَةِ مِنْ الْجِنّ الّذِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَسْمَعُوا الْقُرْآنَ، فَرَأَى عَلَيْهِ مِنْ الْحَقّ- حِينَ أَلَمّ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِبَلَدِهِ- أَنْ يُسَلّمَ عَلَيْهِ، وَهَا هُوَ ذَا يُقْرِئُكُمْ السّلَامَ، فَسَلّمُوا عَلَيْهِ! فَقَالَ النّاسُ جَمِيعًا: وَعَلَيْهِ السّلَامُ وَرَحْمَةُ اللهِ! يَقُولُ رَسُولُ اللهِ ﷺ: أَجِيبُوا [ (١) ] عِبَادَ اللهِ مَنْ كَانُوا. قَالُوا: قَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ تبوكا وَأَقَامَ بِهَا عِشْرِينَ لَيْلَةً يُصَلّي رَكْعَتَيْنِ، وَهِرَقْلُ يَوْمَئِذٍ بِحِمْصَ. وَكَانَ عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ يَقُولُ:
رَسُولُ اللهِ ﷺ تبوكا وَأَقَامَ بِهَا عِشْرِينَ لَيْلَةً يُصَلّي رَكْعَتَيْنِ، وَهِرَقْلُ يَوْمَئِذٍ بِحِمْصَ. وَكَانَ عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ يَقُولُ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ إلَى تَبُوكَ، حَتّى إذَا كُنّا مِنْهَا عَلَى لَيْلَةٍ اسْتَرْقَدَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فلم يَسْتَيْقِظُ حَتّى كَانَتْ الشّمْسُ قَيْدَ رُمْحٍ، فَقَالَ رسول الله ﷺ: يا بِلَالُ، أَلَمْ أَقُلْ لَك اكْلَأْ [ (٢) ] لَنَا اللّيْلَ؟ فَقَالَ بِلَالٌ: ذَهَبَ بِيَ النّوْمُ، ذَهَبَ بِيَ الّذِي ذَهَبَ بِك! قَالَ: فَارْتَحَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ ذَلِكَ الْمَكَانِ غَيْرَ بَعِيدٍ، ثُمّ صَلّى رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْفَجْرِ، ثُمّ صَلّى الْفَجْرَ، ثُمّ هَذّبَ [ (٣) ] بَقِيّةَ يَوْمِهِ
وَلَيْلَتِهِ فَأَصْبَحَ بِتَبُوكَ، فَجَمَعَ النّاسَ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمّ قَالَ: أَيّهَا النّاسُ! أَمّا بَعْدُ، فَإِنّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللهِ، وَأَوْثَقَ الْعُرَى كَلِمَةُ التّقْوَى، وَخَيْرَ الْمِلَلِ مِلّةُ إبْرَاهِيمَ ﵇، وَخَيْرَ السّنَنِ سُنَنُ مُحَمّدٍ، وَأَشْرَفَ الْحَدِيثِ ذِكْرُ اللهِ، وَأَحْسَنَ الْقَصَصِ هَذَا الْقُرْآنُ، وَخَيْرَ الْأُمُورِ عَوَاقِبُهَا، وَشَرّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَأَحْسَنَ الْهُدَى هُدَى الْأَنْبِيَاءِ، وَأَشْرَفَ الْقَتْلِ قَتْلُ الشّهَدَاءِ، وَأَعْمَى الضّلَالَةِ الضّلَالَةُ بَعْدَ الْهُدَى، وَخَيْرَ الْأَعْمَالِ مَا نَفَعَ، وَخَيْرَ الْهُدَى مَا اُتّبِعَ، وَشَرّ الْعَمَى عَمَى الْقَلْبِ، وَالْيَدَ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنْ السّفْلَى، وَمَا قَلّ وَكَفَى خَيْرٌ مِمّا كَثُرَ وَأَلْهَى، وَشَرّ الْأُمُورِ الْمَعْذِرَةُ حين يحضر للموت، وشرّ الندامة يوم القيامة. ومن الناس ولا يَأْتِي الْجُمُعَةَ إلّا نَزْرًا، وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَذْكُرُ اللهَ إلّا هُجْرًا [ (١) ] ، وَمِنْ أَعْظَمِ الْخَطَايَا اللّسَانُ الْكَذُوبُ، وَخَيْرَ الْغِنَى غِنَى النّفْسِ، وَخَيْرَ الزّادِ التّقْوَى، وَرَأْسَ الْحُكْمِ [ (٢) ] مَخَافَةُ اللهِ، وَخَيْرَ مَا أُلْقِيَ فِي الْقَلْبِ الْيَقِينُ، وَالِارْتِيَابَ مِنْ الْكُفْرِ، وَالنّيَاحَةَ مِنْ عَمَلِ الْجَاهِلِيّةِ، وَالْغُلُولَ مِنْ جَمْرِ جَهَنّمَ، وَالسّكْرَ كِنّ مِنْ النّارِ، وَالشّعْرَ مِنْ إبْلِيسَ، وَالْخَمْرَ جِمَاعُ الْإِثْمِ، وَالنّسَاءَ حِبَالَةُ الشّيْطَانِ، وَالشّبَابَ شُعْبَةٌ مِنْ الْجُنُونِ، وَشَرّ الْمَكَاسِبِ كَسْبُ الرّبَا، وَشَرّ الْمَأْكَلِ مَالُ الْيَتِيمِ. وَالسّعِيدَ مَنْ وُعِظَ بِغَيْرِهِ، وَالشّقِيّ مَنْ شَقِيَ فِي بَطْنِ أُمّهِ، وَإِنّمَا يَصِيرُ أَحَدُكُمْ إلَى مَوْضِعِ أَرْبَعَةِ أَذْرُعٍ، وَالْأَمْرَ إلَى آخِرِهِ، وَمِلَاكَ الْعَمَلِ خَوَاتِمُهُ، وَالرّبَا رِبَا الْكَذِبِ.
وَإِنّمَا يَصِيرُ أَحَدُكُمْ إلَى مَوْضِعِ أَرْبَعَةِ أَذْرُعٍ، وَالْأَمْرَ إلَى آخِرِهِ، وَمِلَاكَ الْعَمَلِ خَوَاتِمُهُ، وَالرّبَا رِبَا الْكَذِبِ. وَكُلّ مَا هُوَ آتٍ قَرِيبٌ، وَسِبَابَ الْمُؤْمِنِ فُسُوقٌ، وَقَتْلَ الْمُؤْمِنِ كُفْرٌ، وَأَكْلَ لَحْمِهِ مِنْ مَعْصِيَةِ اللهِ، وَحُرْمَةَ مَالِهِ كَحُرْمَةِ دَمِهِ. وَمَنْ يَتَأَلّ [ (٣) ] عَلَى اللهِ يُكَذّبْهُ، وَمَنْ يَعْفُ يَعْفُ اللهُ عَنْهُ، وَمَنْ يكظم الغيظ
يَأْجُرْهُ اللهُ، وَمَنْ يَصْبِرْ عَلَى الرّزِيّةِ يُعَوّضْهُ اللهُ، وَمَنْ يَتّبِعْ السّمْعَةَ يُسَمّعْ اللهُ بِهِ، وَمَنْ يَصْبِرْ يُضَاعِفْ اللهُ لَهُ، وَمَنْ يَعْصِ اللهَ يُعَذّبْهُ اللهُ. اللهُمّ اغْفِرْ لِي وَلِأُمّتِي، اللهُمّ اغْفِرْ لِي وَلِأُمّتِي، أَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ. وَكَانَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي عُذْرَةَ يُقَالُ لَهُ عَدِيّ يَقُولُ: جِئْت رَسُولَ اللهِ ﷺ بِتَبُوكَ فَرَأَيْته عَلَى نَاقَةٍ حَمْرَاءَ يَطُوفُ عَلَى النّاسِ يَقُولُ: أَيّهَا النّاسُ، يَدُ اللهِ فَوْقَ يَدِ الْمُعْطِي، وَيَدُ الْمُعْطِي الْوُسْطَى، وَيَدُ الْمُعْطَى السّفْلَى. أَيّهَا النّاسُ، اقْنَعُوا وَلَوْ بِحِزَمِ الْحَطَبِ! اللهُمّ، هَلْ بَلّغْت؟ ثَلَاثًا. فَقُلْت: يَا رَسُولَ اللهِ، كَانَ لِيَ امْرَأَتَانِ [ (١) ] اقْتَتَلَتَا فَرَمَيْت فَأَصَبْت إحْدَاهُمَا [ (٢) ] فَرُمِيَ فِي رَمْيَتِي- يَعْنِي مَاتَتْ، كَمَا تَقُولُ الْعَرَبُ: رُمِيَ فِي جِنَازَتِهِ. فَقَالَ النّبِيّ ﷺ: تَعْقِلُهَا وَلَا تَرِثُهَا. وَجَلَسَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي مَوْضِعِ مَسْجِدِهِ بِتَبُوكَ، فَنَظَرَ نَحْوَ الْيَمِينِ وَرَفَعَ يَدَيْهِ يُشِيرُ إلَى أَهْلِ الْيَمَنِ فَقَالَ: الْإِيمَانُ يَمَانٍ! وَنَظَرَ نَحْوَ الْمَشْرِقِ وَأَشَارَ بِيَدِهِ: إنّ الْجَفَاءَ وَغِلَظَ الْقُلُوبِ فِي الْفَدّادِينَ [ (٣) ] أَهْلِ الْوَبَرِ مِنْ نَحْوِ الْمَشْرِقِ حَيْثُ يُطْلِعُ الشّيْطَانُ قَرْنَيْهِ.
يَدِهِ: إنّ الْجَفَاءَ وَغِلَظَ الْقُلُوبِ فِي الْفَدّادِينَ [ (٣) ] أَهْلِ الْوَبَرِ مِنْ نَحْوِ الْمَشْرِقِ حَيْثُ يُطْلِعُ الشّيْطَانُ قَرْنَيْهِ. وَقَالَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي سَعْدِ [بْنِ] هُذَيْمٍ: جِئْت رَسُولَ اللهِ ﷺ وَهُوَ جَالِسٌ بِتَبُوكَ- فِي نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، هُوَ سَابِعُهُمْ- فَوَقَفْت فَسَلّمْت، فَقَالَ: اجْلِسْ! فَقُلْت: يَا رَسُولَ اللهِ، أَشْهَدُ أَلّا إلَهَ إلّا اللهُ وَأَنّك رَسُولُ اللهِ! قَالَ: أَفْلَحَ وَجْهُك! ثُمّ قَالَ: يَا بلال، أطعمنا!
قَالَ: فَبَسَطَ بِلَالٌ نِطْعًا [ (١) ] ، ثُمّ جَعَلَ يُخْرِجُ مِنْ حَمِيتٍ [ (٢) ] لَهُ، فَأَخْرَجَ خَرْجَاتٍ بِيَدِهِ مِنْ تَمْرٍ مَعْجُونٍ بِالسّمْنِ وَالْأَقِطِ، ثُمّ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: كُلُوا! فَأَكَلْنَا حَتّى شَبِعْنَا فَقُلْت: يَا رَسُولَ اللهِ، إنْ كُنْت لَآكُلُ هَذَا وَحْدِي! قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: الْكَافِرُ يَأْكُلُ فِي سَبْعَةِ أَمْعَاءٍ [ (٣) ] وَالْمُؤْمِنُ يَأْكُلُ فِي مِعًى وَاحِدٍ. قَالَ: ثُمّ جِئْته مِنْ الْغَدِ مُتَحَيّنًا لِغَدَائِهِ لِأَزْدَادَ فِي الْإِسْلَامِ يَقِينًا، فَإِذَا عَشْرَةُ نَفَرٍ حوله. قال: فقال به هَاتِ أَطْعِمْنَا يَا بِلَالُ. قَالَ: فَجَعَلَ يُخْرِجُ مِنْ جِرَابِ تَمْرٍ بِكَفّهِ قَبْضَةً قَبْضَةً، فَقَالَ: أَخْرِجْ وَلَا تَخَفْ مِنْ ذِي الْعَرْشِ إقْتَارًا! فجاء بالجراب فنثره. قال: فجزرته مُدّيْنِ. قَالَ: فَوَضَعَ النّبِيّ ﷺ يَدَهُ عَلَى التّمْرِ، ثُمّ قَالَ: كُلُوا بِاسْمِ اللهِ! فَأَكَلَ الْقَوْمُ وَأَكَلْت مَعَهُمْ، وَكُنْت صَاحِبَ تَمْرٍ. قَالَ: فَأَكَلْت حَتّى مَا أَجِدُ لَهُ مَسْلَكًا. قَالَ: وَبَقِيَ عَلَى النّطْعِ مِثْلُ الّذِي جَاءَ بِهِ بِلَالٌ، كَأَنّا لَمْ نَأْكُلْ مِنْهُ تَمْرَةً وَاحِدَةً. قَالَ:
ى مَا أَجِدُ لَهُ مَسْلَكًا. قَالَ: وَبَقِيَ عَلَى النّطْعِ مِثْلُ الّذِي جَاءَ بِهِ بِلَالٌ، كَأَنّا لَمْ نَأْكُلْ مِنْهُ تَمْرَةً وَاحِدَةً. قَالَ: ثُمّ عُدْت مِنْ الْغَدِ. قَالَ: وَعَادَ نَفَرٌ حَتّى بَاتُوا، فَكَانُوا عَشْرَةً أَوْ يَزِيدُونَ رَجُلًا أَوْ رَجُلَيْنِ، فَقَالَ: يَا بِلَالُ، أَطْعِمْنَا! فَجَاءَ بِذَلِكَ الْجِرَابِ بِعَيْنِهِ أَعْرِفُهُ فَنَثَرَهُ، وَوَضَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يده عليه فَقَالَ: كُلُوا بِاسْمِ اللهِ، فَأَكَلْنَا حَتّى نَهِلْنَا، ثُمّ رَفَعَ مِثْلَ الّذِي صَبّ، فَفَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ ثَلَاثَةَ أَيّام. قَالَ: وَكَانَ هِرَقْلُ قَدْ بَعَثَ رَجُلًا مِنْ غَسّانَ إلَى النّبِيّ ﷺ فَيَنْظُرَ إلَى صِفَتِهِ وَإِلَى عَلَامَاتِهِ، إلَى حُمْرَةٍ فِي عَيْنَيْهِ، وَإِلَى خَاتَمِ النّبُوّةِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ، وَسَأَلَ فَإِذَا هُوَ لَا يَقْبَلُ الصّدَقَةَ، فَوَعَى أَشْيَاءَ مِنْ حَالِ النّبِيّ
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمّ انْصَرَفَ إلَى هِرَقْلَ فَذَكَرَ لَهُ ذَلِكَ، فَدَعَا قَوْمَهُ إلَى التّصْدِيقِ بِهِ، فَأَبَوْا حَتّى خَافَهُمْ عَلَى مُلْكِهِ، وَهُوَ فِي مَوْضِعِهِ لَمْ يَتَحَرّكْ وَلَمْ يَزْحَفْ. وَكَانَ الّذِي خُبّرَ النّبِيّ ﷺ مِنْ بَعْثَتِهِ أَصْحَابَهُ وَدُنُوّهِ إلَى أَدْنَى الشّامِ- بَاطِلًا، وَلَمْ يُرِدْ ذَلِكَ وَلَمْ يَهُمّ بِهِ. وَشَاوَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي التّقَدّمِ، فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطّابِ ﵁: إنْ كُنْت أُمِرْت بِالْمَسِيرِ فَسِرْ! قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: لَوْ أُمِرْت بِهِ مَا اسْتَشَرْتُكُمْ فِيهِ! قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، فَإِنّ لِلرّومِ جُمُوعًا كَثِيرَةً، وَلَيْسَ بِهَا أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ، وَقَدْ دَنَوْت مِنْهُمْ حَيْثُ تَرَى، وَقَدْ أَفْزَعَهُمْ دُنُوّك، فَلَوْ رَجَعْت هَذِهِ السّنَةَ حَتّى تَرَى، أَوْ يُحْدِثَ اللهُ ﷿ لَك فِي ذَلِكَ أَمْرًا. قَالُوا: وَهَاجَتْ رِيحٌ شَدِيدَةٌ بِتَبُوكَ، فقال رسول الله ﷺ: هَذَا لِمَوْتِ مُنَافِقٍ عَظِيمِ النّفَاقِ. قَالَ: فَقَدِمُوا الْمَدِينَةَ فَوَجَدُوا مُنَافِقًا قَدْ مَاتَ عَظِيمَ النّفَاقِ. قَالَ: وَأُتِيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِجُبْنَةٍ بِتَبُوكَ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، إنّ هَذَا طَعَامٌ تَصْنَعُهُ فَارِسُ، وَإِنّا نَخْشَى أَنْ يَكُونَ فِيهِ مَيْتَةٌ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ضَعُوا فِيهِ السّكّينَ وَاذْكُرُوا اسْمَ الله! قَالَ: وَأَهْدَى رَجُلٌ مِنْ قُضَاعَةَ إلَى النّبِيّ ﷺ فَرَسًا، فَأَعْطَاهُ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَرْبِطَهُ حِيَالَهُ اسْتِئْنَاسًا بِصَهِيلِهِ، فَلَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ حَتّى قَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْمَدِينَةَ فَفَقَدَ صَهِيلَ الْفَرَسِ فَسَأَلَ عَنْهُ صَاحِبَهُ فَقَالَ: خَصَيْته يَا رَسُولَ اللهِ! قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: فَإِنّ الْخَيْلَ فِي نَوَاصِيهَا الْخَيْرُ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، اتّخِذُوا مِنْ نَسْلِهَا
لَ: خَصَيْته يَا رَسُولَ اللهِ! قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: فَإِنّ الْخَيْلَ فِي نَوَاصِيهَا الْخَيْرُ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، اتّخِذُوا مِنْ نَسْلِهَا
وَبَاهُوا بِصَهِيلِهَا الْمُشْرِكِينَ، أَعْرَافُهَا أَدْفَاؤُهَا [ (١) ] ، وَأَذْنَابُهَا مَذَابّهَا. وَاَلّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إنّ الشّهَدَاءَ لَيَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِأَسْيَافِهِمْ عَلَى عَوَاتِقِهِمْ، لَا يَمُرّونَ بِأَحَدٍ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ إلّا تَنَحّى عَنْهُمْ، حَتّى إنّهُمْ لَيَمُرّونَ بِإِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ خَلِيلِ الرّحْمَنِ فَيَتَنَحّى لَهُمْ حَتّى يَجْلِسُوا عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ. يَقُولُ النّاسُ: هَؤُلَاءِ الّذِينَ أُهْرِيقُوا دِمَاءَهُمْ لِرَبّ الْعَالَمِينَ، فَيَكُونُ كَذَلِكَ حَتّى يَقْضِيَ اللهُ ﷿ بَيْنَ عِبَادِهِ! قَالُوا: وَبَيْنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ بِتَبُوكَ قَامَ إلَى فَرَسِهِ الظّرِبِ فَعَلّقَ عَلَيْهِ شِعَارَهُ [ (٢) ] وَجَعَلَ يَمْسَحُ ظَهْرَهُ بِرِدَائِهِ. قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، تَمْسَحُ ظَهْرَهُ بِرِدَائِك؟ قَالَ: نَعَمْ، وَمَا يُدْرِيك؟ لَعَلّ جِبْرِيلَ أَمَرَنِي بِذَلِكَ، مَعَ أَنّي قَدْ بِتّ اللّيْلَةَ [ (٣) ] ، وَإِنّ الْمَلَائِكَةَ لَتُعَاتِبُنِي فِي حَسّ [ (٤) ] الْخَيْلِ وَمَسْحِهَا. وقال: أخبرنى خليلي جبريل أَنّهُ يُكْتَبُ لِي بِكُلّ حَسَنَةٍ أَوْفَيْتهَا إيّاهُ حَسَنَةً، وَإِنّ رَبّي ﷿ يَحُطّ عَنّي بِهَا سَيّئَةً. وَمَا مِنْ امْرِئٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ يَرْبِطُ فَرَسًا فِي سَبِيلِ اللهِ فَيُوفِيَهُ بِعَلِيفِهِ يَلْتَمِسُ بِهِ قُوّتَهُ إلّا كَتَبَ اللهُ لَهُ بِكُلّ حَبّةٍ حَسَنَةً، وَحَطّ عَنْهُ بِكُلّ حَبّةٍ سَيّئَةً! قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، وَأَيّ الْخَيْلِ خَيْرٌ؟ قَالَ: أَدْهَمُ [ (٥) ] ، أَقْرَحُ، أَرْثَمُ، مُحَجّلُ الثّلُثِ [ (٦) ] ، مطلق اليمين، فإن لم
ةً! قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، وَأَيّ الْخَيْلِ خَيْرٌ؟ قَالَ: أَدْهَمُ [ (٥) ] ، أَقْرَحُ، أَرْثَمُ، مُحَجّلُ الثّلُثِ [ (٦) ] ، مطلق اليمين، فإن لم
يَكُنْ أَدْهَمَ فَكُمَيْتٌ عَلَى هَذِهِ الصّفَةِ. قَالَ: وَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، فَمَا فِي الصّوْمِ فِي سَبِيلِ اللهِ؟ قَالَ: مَنْ صَامَ يَوْمًا فِي سَبِيلِ اللهِ تَبَاعَدَتْ مِنْهُ جَهَنّمُ مَسِيرَةَ مائة سنة كأغذّ السّيْرِ. وَلَقَدْ فُضّلَ نِسَاءُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ فِي الْحُرْمَةِ كَأُمّهَاتِهِمْ، وَمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ الْقَاعِدِينَ يُخَالِفُ إلَى امْرَأَةٍ مِنْ نِسَاءِ الْمُجَاهِدِينَ فَيَخُونَهُ فِي أَهْلِهِ إلّا وَقَفَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُقَالُ لَهُ: إنّ هَذَا خَانَك فِي أَهْلِك فَخُذْ مِنْ عَمَلِهِ مَا شِئْت، فَمَا ظَنّكُمْ؟ وَكَانَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ أَوْ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ يُحَدّثُ قَالَ: فَزِعَ النّاسُ بِتَبُوكَ لَيْلَةً، فَخَرَجْت فِي سِلَاحِي حَتّى جَلَسْت إلَى سَالِمٍ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ وَعَلَيْهِ سِلَاحُهُ، فَقُلْت: لَأَقْتَدِيَنّ بِهَذَا الرّجُلِ الصّالِحِ مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ! فَجَلَسْت إلَى جَنْبِهِ قَرِيبًا مِنْ قُبّةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَيْنَا مُغْضَبًا فَقَالَ: أَيّهَا النّاسُ، مَا هَذِهِ الْخِفّةُ؟ مَا هَذَا النّزَقُ؟ أَلَا صَنَعْتُمْ مَا صَنَعَ هَذَانِ الرّجُلَانِ الصّالِحَانِ؟ يَعْنِينِي وَسَالِمًا مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ. قَالُوا: وَلَمّا انْتَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ إلَى تَبُوكَ وَضَعَ حَجَرًا قِبْلَةَ مَسْجِدِ تَبُوكَ بِيَدِهِ وَمَا يَلِي الْحَجَرَ، ثُمّ صَلّى الظّهْرَ بِالنّاسِ، ثُمّ أَقْبَلَ عَلَيْهِمْ فَقَالَ: مَا هَاهُنَا شَامٌ، وَمَا هَاهُنَا يَمَنٌ.
ِ تَبُوكَ بِيَدِهِ وَمَا يَلِي الْحَجَرَ، ثُمّ صَلّى الظّهْرَ بِالنّاسِ، ثُمّ أَقْبَلَ عَلَيْهِمْ فَقَالَ: مَا هَاهُنَا شَامٌ، وَمَا هَاهُنَا يَمَنٌ. وَكَانَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ يَقُولُ: كُنّا مَعَ رسول الله ﷺ بتبوك، فَقَامَ يُصَلّي مِنْ اللّيْلِ، وَكَانَ يُكْثِرُ التّهَجّدَ مِنْ اللّيْلِ، وَلَا يَقُومُ إلّا اسْتَاكَ، وَكَانَ إذَا قَامَ يُصَلّي صَلّى بِفِنَاءِ خَيْمَتِهِ، فَيَقُومُ نَاسٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَيَحْرُسُونَهُ. فَصَلّى لَيْلَةً مِنْ تِلْكَ اللّيَالِي، فَلَمّا فَرَغَ أَقْبَلَ عَلَى مَنْ كَانَ عِنْدَهُ فَقَالَ: أُعْطِيت خَمْسًا مَا أُعْطِيَهُنّ أَحَدٌ قَبْلِي: بُعِثْت إلَى النّاسِ كَافّةً، وَإِنّمَا كَانَ النّبِيّ يُبْعَثُ إلَى قَوْمِهِ، وَجُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا، أَيْنَمَا أَدْرَكَتْنِي
الصّلَاةُ تَيَمّمْت وَصَلّيْت، وَكَانَ مَنْ قَبْلِي يُعَظّمُونَ ذَلِكَ وَلَا يُصَلّونَ إلّا فِي كَنَائِسِهِمْ وَالْبِيَعِ، وَأُحِلّتْ لِيَ الْغَنَائِمُ آكُلُهَا، وَكَانَ مَنْ كَانَ قَبْلِي يُحَرّمُونَهَا، وَالْخَامِسَةُ هِيَ مَا هِيَ، هِيَ مَا هِيَ، هِيَ مَا هِيَ! ثَلَاثًا. قَالُوا: وَمَا هِيَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: قِيلَ لِي: سَلْ، فَكُلّ نَبِيّ قَدْ سَأَلَ، فَهِيَ لَكُمْ وَلِمَنْ شَهِدَ أَنْ لَا إلَهَ إلّا اللهُ. ذِكْرُ مَا نَزَلَ مِنْ الْقُرْآنِ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ قَوْلُهُ ﷿: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ.. [ (١) ] الْآيَةُ. قَالُوا: غَزَا رسول الله ﷺ في حَرّ شَدِيدٍ وَجَهْدٍ مِنْ النّاسِ، وَحِينَ طَابَتْ الثّمَارُ وَاشْتُهِيَتْ الظّلَالُ، فَأَبْطَأَ النّاسُ فَكَشَفَتْ مِنْهُمْ «بَرَاءَةٌ» مَا كَانَ مَسْتُورًا، وَأَبْدَتْ أَضْغَانَهُمْ وَنِفَاقَ مَنْ نَافَقَ مِنْهُمْ. يَقُولُ: إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذاباً أَلِيماً [ (٢) ] إلّا تَخْرُجُوا مَعَ النّبِيّ ﷺ، مَا كانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرابِ.. [ (٣) ] الْآيَةُ. قَالَ: كَانَ قَوْمٌ مِنْ أَصْحَابِ النّبِيّ ﷺ خَرَجُوا إلَى الْبَدْوِ يُفَقّهُونَ قَوْمَهُمْ، فَقَالَ الْمُنَافِقُونَ: قَدْ بَقِيَ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِ مُحَمّدٍ فِي الْبَوَادِي. وَقَالُوا: هَلَكَ أَصْحَابُ الْبَوَادِي! فَنَزَلَتْ: وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً [ (٤) ] . انْفِرُوا خِفافاً وَثِقالًا [ (٥) ] يقول: نشاطا وغير نشاط، ويقال: الخفاف: الشباب، والثّقال: الكهول،
َ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً [ (٤) ] . انْفِرُوا خِفافاً وَثِقالًا [ (٥) ] يقول: نشاطا وغير نشاط، ويقال: الخفاف: الشباب، والثّقال: الكهول،
وَجاهِدُوا بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَقُولُ: أَنْفِقُوا أَمْوَالَكُمْ فِي غَزْوِكُمْ، وَجَاهِدُوا، يَقُولُ: قَاتِلُوا، وَلكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ [ (١) ] عِشْرِينَ لَيْلَةً، وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنا لَخَرَجْنا مَعَكُمْ يَعْنِي الْمُنَافِقِينَ لَوْ كانَ عَرَضاً قَرِيباً يَقُولُ: غَنِيمَةً قَرِيبَةً، وَسَفَراً قاصِداً لَاتَّبَعُوكَ يَعْنِي حِينَ خَرَجَ النّبِيّ ﷺ إلَى تَبُوكَ جَعَلُوا يَعْتَذِرُونَ بِالْعُسْرَةِ وَالْمَرَضِ، يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ يَعْنِي فِي الْآخِرَةِ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ أَنّهُمْ أَقْوِيَاءُ أَصِحّاءُ. وَكَانَ النّبِيّ ﷺ يَقْبَلُ عُذْرَهُمْ وَيَأْذَنُ لَهُمْ. قَالَ اللهُ ﷿: عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا [ (٢) ] حَتّى تَبْلُوَهُمْ بِالسّفَرِ وَتَعْلَمَ مَنْ هُوَ صَادِقٌ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ. لَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ [ (٣) ] وَصَفَ الْمُؤْمِنِينَ الّذِينَ أَنْفَقُوا أَمْوَالَهُمْ فِي تلك الغزوة، وكانت تسمى غزوة العسرة. إِنَّما يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ [ (٤) ] يَعْنِي الْمُنَافِقِينَ. ثُمّ ذَكَرَ الْمُنَافِقِينَ فَقَالَ: لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ [ (٥) ] مِنْ قَبْلِ خُرُوجِك إلَى تَبُوكَ وَظُهُورِ أَمْرِك يَا مُحَمّدُ، وَهُمْ كارِهُونَ لِظُهُورِك وَاتّبَاعِ مَنْ اتّبَعَك مِنْ الْمُسْلِمِينَ. وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي [ (٦) ] نَزَلَتْ هَذِهِ فِي الجَدّ بْنِ قَيْسٍ، وَكَانَ أَكْثَرَ بَنِي سَلِمَةَ مَالًا، وَأَعَدّهُمْ عُدّةً فِي الظّهْرِ، وَكَانَ رَجُلًا مُعْجَبًا بِالنّسَاءِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ألا تغزو بني الأصفر؟
َ بَنِي سَلِمَةَ مَالًا، وَأَعَدّهُمْ عُدّةً فِي الظّهْرِ، وَكَانَ رَجُلًا مُعْجَبًا بِالنّسَاءِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ألا تغزو بني الأصفر؟
عَسَى أَنْ تَحْتَقِبَ مِنْ بَنَاتِ الْأَصْفَرِ. فَقَالَ: يَا مُحَمّدُ، قَدْ عَلِمَ قَوْمِي أَنّهُ لَيْسَ أَحَدٌ أَعْجَبَ بِالنّسَاءِ مِنّي، فَلَا تَفْتِنّي بِهِنّ! يَقُولُ اللهُ ﷿: أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا [ (١) ] لِتَخَلّفِهِ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ. إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ [ (٢) ] يَقُولُ: غَنِيمَةً وَسَلَامَةً، الّذِينَ تَخَلّفُوا وَاسْتَأْذَنُوك، وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ الْبَلَاءُ وَالشّدّةُ، يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنا أَمْرَنا مِنْ قَبْلُ. قُلْ لَنْ يُصِيبَنا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنا [ (٣) ] يَقُولُ: إلّا مَا كَانَ فِي أُمّ الْكِتَابِ. قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ [ (٤) ] الْغَنِيمَةَ أَوْ الشّهَادَةَ. قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ [ (٥) ] كَانَ رِجَالٌ مِنْ الْمُنَافِقِينَ مِنْ ذِي الطَّوْل يُظهرون النّفَقَةَ إذَا رَآهُمْ النّاسُ لِيَبْلُغَ النّبِيّ ﷺ، وَيَدْرَأُونَ بِذَلِكَ عَنْ أَنْفُسِهِمْ الْقَتْلَ. يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: وَما مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقاتُهُمْ [ (٦) ] إلَى قَوْلِهِ ﷿: إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الْحَياةِ الدُّنْيا [ (٧) ] يَقُولُ: يَكُونُ عَلَيْهِمْ بَيّنَةً لِأَنّ مَا أَكَلُوا مِنْهَا أَكَلُوهُ عَلَى نِفَاقٍ، وَمَا أَنْفَقُوا فَإِنّمَا هُوَ رِيَاءٌ.
الدُّنْيا [ (٧) ] يَقُولُ: يَكُونُ عَلَيْهِمْ بَيّنَةً لِأَنّ مَا أَكَلُوا مِنْهَا أَكَلُوهُ عَلَى نِفَاقٍ، وَمَا أَنْفَقُوا فَإِنّمَا هُوَ رِيَاءٌ. وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ [ (٨) ] وَهُمْ الْبَكّاؤُونَ وَهُمْ سَبْعَةٌ، أَبُو لَيْلَى الْمَازِنِيّ، وَسَلَمَةُ بْنُ صَخْرٍ الْمَازِنِيّ، وَثَعْلَبَةُ بْنُ غَنَمَةَ الْأَسْلَمِيّ، وَعُلْبَةُ بْنُ زَيْدٍ الْحَارِثِيّ، وَالْعِرْبَاضُ بْنُ سَارِيَةَ السّلَمِيّ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو الْمُزَنِيّ، وَسَالِمُ بْنُ عُمَيْرٍ الْعَمْرِيّ، رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوالِفِ [ (٩) ] يَعْنِي مَعَ النّسَاءِ، الْجَدّ بْنُ قيس. وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ
الْأَعْرابِ مُنافِقُونَ [ (١) ] كَانَ رِجَالٌ مِنْ الْعَرَبِ مِنْهُمْ عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ وَقَوْمُهُ مَعَهُ يُرْضُونَ أَصْحَابَ النّبِيّ ﷺ وَيُرُونَهُمْ أَنّهُمْ مَعَهُمْ وَيُرْضُونَ قَوْمَهُمْ. وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ [ (٢) ] مَن صَلّى الْقِبْلَتَيْنِ. غَزْوَةُ أُكَيْدِرِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ بِدُومَةِ الْجَنْدَلِ فِي رَجَبٍ سَنَةَ تِسْعٍ، وَهِيَ عَلَى عَشْرَةِ أَمْيَالٍ مِنْ الْمَدِينَةِ . قَالَ: حَدّثَنِي ابْنُ أَبِي حَبِيبَةَ، عَنْ داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عَبّاسٍ ﵁، وَمُحَمّدِ بْنِ صَالِحٍ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ، وَمُعَاذِ بن محمد، عن إسحاق بن عبد الله بن أبى طلحة، وإسماعيل ابن إبْرَاهِيمَ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، وَكُلّ قَدْ حَدّثَنِي مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ بِطَائِفَةٍ، وَعِمَادُهُ حَدِيثُ ابْنِ أَبِي حَبِيبَةَ. قَالُوا: بَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ خالد بن الوليد مِنْ تَبُوكَ فِي أَرْبَعِمِائَةٍ وَعِشْرِينَ فَارِسًا إلَى أُكَيْدِرِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ بِدُومَةِ الْجَنْدَلِ- وَكَانَ أُكَيْدِرٌ مِنْ كِنْدَةَ قَدْ مَلَكَهُمْ وَكَانَ نَصْرَانِيّا- فَقَالَ خَالِدٌ: يَا رَسُولَ اللهِ، كَيْفَ لِي بِهِ وَسَطَ بِلَادِ كَلْبٍ، وَإِنّمَا أَنَا فِي أُنَاسٍ يَسِيرٌ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: سَتَجِدُهُ يَصِيدُ الْبَقَرَ فَتَأْخُذَهُ. قَالَ: فَخَرَجَ خَالِدٌ حَتّى إذَا كَانَ مِنْ حِصْنِهِ بِمَنْظَرِ الْعَيْنِ فِي لَيْلَةٍ مُقْمِرَةٍ صَائِفَةٍ، وَهُوَ عَلَى سَطْحٍ لَهُ وَمَعَهُ امْرَأَتُهُ الرّبَابُ بِنْتُ أُنَيْفِ بْنِ عَامِرٍ مِنْ كِنْدَةَ، وَصَعِدَ عَلَى ظَهْرِ الْحِصْنِ مِنْ الْحَرّ، وَقَيْنَتُهُ تُغَنّيهِ، ثُمّ دعا بشراب فشرب. فأقبلت البقر
بِنْتُ أُنَيْفِ بْنِ عَامِرٍ مِنْ كِنْدَةَ، وَصَعِدَ عَلَى ظَهْرِ الْحِصْنِ مِنْ الْحَرّ، وَقَيْنَتُهُ تُغَنّيهِ، ثُمّ دعا بشراب فشرب. فأقبلت البقر
تَحُكّ بِقُرُونِهَا بَابَ الْحِصْنِ، فَأَقْبَلَتْ امْرَأَتُهُ الرّبَابُ فَأَشْرَفَتْ عَلَى الْحِصْنِ فَرَأَتْ الْبَقَرَ فَقَالَتْ: مَا رَأَيْت كَاللّيْلَةِ فِي اللّحْمِ! هَلْ رَأَيْت مِثْلَ هَذَا قَطّ؟ قَالَ: لَا! ثُمّ قَالَتْ [ (١) ] : مَنْ يَتْرُكُ هَذَا؟ قَالَ: لَا أَحَدَ! قَالَ: يَقُولُ أُكَيْدِرٌ: وَاَللهِ، مَا رَأَيْت جَاءَتْنَا لَيْلَةً بَقَرٌ غَيْرَ تِلْكَ اللّيْلَةِ، وَلَقَدْ كُنْت أُضْمِرُ لَهَا الْخَيْلَ إذَا أَرَدْت أَخْذَهَا شَهْرًا أَوْ أَكْثَرَ، ثُمّ أَرْكَبُ بِالرّجَالِ وَبِالْآلَةِ. فَنَزَلَ فَأَمَرَ بِفَرَسِهِ فَأُسْرِجَ، وَأَمَرَ بِخَيْلٍ فَأُسْرِجَتْ، وَرَكِبَ مَعَهُ نَفَرٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، مَعَهُ أَخُوهُ حَسّانُ وَمَمْلُوكَانِ، فَخَرَجُوا مِنْ حِصْنِهِمْ بِمَطَارِدِهِمْ [ (٢) ] ، فَلَمّا فَصَلُوا مِنْ الْحِصْنِ، وَخَيْلُ خَالِدٍ تَنْظُرُهُمْ لَا يَصْهِلُ مِنْهَا فَرَسٌ وَلَا يَتَحَرّكُ، فَسَاعَةَ فَصَلَ أَخَذَتْهُ الْخَيْلُ، فَاسْتَأْسَرَ أُكَيْدِرٌ وَامْتَنَعَ حَسّانُ، فَقَاتَلَ حَتّى قُتِلَ، وَهَرَبَ الْمَمْلُوكَانِ وَمَنْ كَانَ مَعَهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ فَدَخَلُوا الْحِصْنَ. وَكَانَ عَلَى حَسّانَ قَبَاءُ دِيبَاجٍ مُخَوّصٌ بِالذّهَبِ، فَاسْتَلَبَهُ خَالِدٌ فَبَعَثَ بِهِ إلى رسول الله ﷺ مَعَ عَمْرِو بْنِ أُمَيّةَ الضّمْرِيّ حَتّى قَدِمَ عليهم فأخبرهم بأخذهم أكيدر.
خَوّصٌ بِالذّهَبِ، فَاسْتَلَبَهُ خَالِدٌ فَبَعَثَ بِهِ إلى رسول الله ﷺ مَعَ عَمْرِو بْنِ أُمَيّةَ الضّمْرِيّ حَتّى قَدِمَ عليهم فأخبرهم بأخذهم أكيدر. قَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، وَجَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ: رَأَيْنَا قَبَاءَ حَسّانَ أَخِي أُكَيْدِرٍ حِينَ قَدِمَ بِهِ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَجَعَلَ الْمُسْلِمُونَ يَتَلَمّسُونَهُ بِأَيْدِيهِمْ وَيَتَعَجّبُونَ مِنْهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: أتعجبون من هذا؟ فو الذي نَفْسِي بِيَدِهِ لَمَنَادِيلُ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ فِي الْجَنّةِ أَحْسَنُ مِنْ هَذَا! وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَالَ لِخَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ: إنْ ظَفِرْت بِأُكَيْدِرٍ فَلَا تَقْتُلْهُ وَائْتِ بِهِ إلَيّ، فَإِنّ أَبَى فَاقْتُلُوهُ، فَطَاوَعَهُمْ. فقال بجير بن
بجرة من طيّء، ذَكَرَ قَوْلَ النّبِيّ ﷺ لِخَالِدٍ «إنّك تَجِدُهُ يَصِيدُ الْبَقَر» وَمَا صَنَعَ الْبَقَرُ تِلْكَ اللّيْلَةَ بِبَابِ الْحِصْنِ تَصْدِيقُ قَوْلِ رسول الله ﷺ، فقال شِعْرًا: تَبَارَكَ سَائِقُ الْبَقَرَاتِ إنّي ... رَأَيْت اللهَ يُهْدِي كُلّ هَادِ وَمَنْ يَكُ عَانِدًا عَنْ ذِي تَبُوكَ ... فَإِنّا قَدْ أُمِرْنَا بِالْجِهَادِ وَقَالَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ لِأُكَيْدِرٍ: هَلْ لَك أَنْ أُجِيرَك مِنْ الْقَتْلِ حَتّى آتِيَ بِك رَسُولَ اللهِ ﷺ عَلَى أَنْ تَفْتَحَ لِي دُومَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ، ذَلِكَ لَك. فلمّا صالح خالد أكيدر، وَأُكَيْدِرٌ فِي وَثَاقٍ، انْطَلَقَ بِهِ خَالِدٌ حَتّى أَدْنَاهُ مِنْ بَابِ الْحِصْنِ وَنَادَى أُكَيْدِرٌ أَهْلَهُ: افْتَحُوا بَابَ الْحِصْنَ! فَرَأَوْا ذَلِكَ، فَأَبَى عَلَيْهِمْ مُضَادٌ [ (١) ] أَخُو أُكَيْدِرٍ، فَقَالَ أُكَيْدِرٌ لِخَالِدٍ: تَعْلَمُ وَاَللهِ لَا يَفْتَحُونَ لِي مَا رَأَوْنِي فِي وَثَاقٍ، فَخَلّ عَنّي فَلَك اللهُ وَالْأَمَانَةُ أَنْ أَفْتَحَ لَك الْحِصْنَ إنْ أَنْت صَالَحْتنِي عَلَى أَهْلِهِ. قَالَ خَالِدٌ: فَإِنّي أُصَالِحُك.
وَثَاقٍ، فَخَلّ عَنّي فَلَك اللهُ وَالْأَمَانَةُ أَنْ أَفْتَحَ لَك الْحِصْنَ إنْ أَنْت صَالَحْتنِي عَلَى أَهْلِهِ. قَالَ خَالِدٌ: فَإِنّي أُصَالِحُك. فَقَالَ أُكَيْدِرٌ: إنْ شِئْت حَكّمْتُك وَإِنْ شِئْت حَكّمْنِي. قَالَ خَالِدٌ: بَلْ، نَقْبَلُ مِنْك مَا أَعْطَيْت. فَصَالَحَهُ عَلَى أَلْفَيْ بَعِيرٍ، وَثَمَانِمِائَةِ رَأْسٍ [ (٢) ] ، وَأَرْبَعِمِائَةِ دِرْعٍ، وَأَرْبَعِمِائَةِ رُمْحٍ، عَلَى أَنْ يَنْطَلِقَ بِهِ وَأَخِيهِ إلى رسول الله ﷺ فَيَحْكُمَ فِيهِمَا حُكْمَهُ. فَلَمّا قَاضَاهُ خَالِدٌ عَلَى ذَلِكَ خَلّى سَبِيلَهُ فَفُتِحَ الْحِصْنُ، فَدَخَلَهُ خَالِدٌ وَأَوْثَقَ أَخَاهُ مُضَادًا أَخَا أُكَيْدِرٍ، وَأَخَذَ مَا صَالَحَ عَلَيْهِ مِنْ الْإِبِلِ وَالرّقِيقِ وَالسّلَاحِ، ثُمّ خَرَجَ قَافِلًا إلَى الْمَدِينَةِ، وَمَعَهُ أُكَيْدِرٌ وَمُضَادٌ. فَلَمّا قَدِمَ بِأُكَيْدِرٍ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ صَالَحَهُ عَلَى الْجِزْيَةِ وَحَقَنَ دمه ودم
أَخِيهِ وَخَلّى سَبِيلَهُمَا. وَكَتَبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ كِتَابًا فِيهِ أَمَانُهُمْ وَمَا صَالَحَهُمْ، وَخَتَمَهُ يَوْمَئِذٍ بِظُفْرِهِ. قَالُوا: وَأَقْبَلَ وَاثِلَةُ بْنُ الْأَسْقَعِ اللّيْثِيّ، وَكَانَ يَنْزِلُ نَاحِيَةَ الْمَدِينَةِ، حتى آتي رسول الله ﷺ فَصَلّى مَعَهُ الصّبْحَ، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إذَا صَلّى الصّبْحَ انْصَرَفَ فَيَتَصَفّحُ وُجُوهَ أَصْحَابِهِ يَنْظُرُ إلَيْهِمْ. فَلَمّا دَنَا مِنْ وَاثِلَةَ أَنْكَرَهُ فَقَالَ: مَنْ أَنْت؟ فَأَخْبَرَهُ فَقَالَ: مَا جَاءَ بِك؟ قَالَ: أُبَايِعُ. فقال رسول الله ﷺ: فِيمَا أَطَقْت؟ قَالَ وَاثِلَةُ: نَعَمْ. فَبَايَعَهُ- وَكَانَ رسول الله ﷺ يومئذ يَتَجَهّزُ إلَى تَبُوكَ- فَخَرَجَ الرّجُلُ إلَى أَهْلِهِ، فَلَقِيَ أَبَاهُ الْأَسْقَعَ فَلَمّا رَأَى حَالَهُ قَالَ: قَدْ فَعَلْتهَا! قَالَ وَاثِلَةُ: نَعَمْ. قَالَ أَبُوهُ: وَاَللهِ لَا أُكَلّمُك أَبَدًا. فَأَتَى عَمّهُ، وَهُوَ مُولِي ظَهْرَهُ الشّمْسَ، فَسَلّمَ عَلَيْهِ فَقَالَ: قَدْ فَعَلْتهَا! قَالَ: نَعَمْ. وَلَامَهُ لَائِمَةً أَيْسَرَ مِنْ لَائِمَةِ أَبِيهِ وَقَالَ: لَمْ يَكُنْ يَنْبَغِي لَك أَنْ تَسْبِقَنَا بِأَمْرٍ، فَسَمِعْت أُخْتَ وَاثِلَةَ كَلَامَهُ فَخَرَجَتْ إلَيْهِ فَسَلّمَتْ عَلَيْهِ بِتَحِيّةِ الْإِسْلَامِ، فَقَالَ وَاثِلَةُ: أَنّى لَك هَذَا يَا أُخَيّةُ؟ قَالَتْ: سَمِعْت كَلَامَك وَكَلَامَ عَمّك. وَكَانَ وَاثِلَةُ ذَكَرَ الْإِسْلَامَ وَوَصَفَهُ لِعَمّهِ، فَأَعْجَبَ أُخْتَه الْإِسْلَامُ فَأَسْلَمَتْ، فَقَالَ وَاثِلَةُ: لَقَدْ أَرَادَ اللهُ بِك أُخَيّةُ خَيْرًا! جَهّزِي أَخَاك جِهَازَ غَازٍ، فَإِنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَلَى جُنَاحِ سَفَرٍ. فَأَعْطَتْهُ مُدّا مِنْ دَقِيقٍ فَعَجَنَ الدّقِيقَ فِي الدّلْوِ، وَأَعْطَتْهُ تَمْرًا فَأَخَذَهُ. وَأَقْبَلَ إلَى الْمَدِينَةِ فَوَجَدَ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَدْ تَحَمّلَ إلَى تَبُوكَ، وَبَقِيَ عِيرَاتٌ مِنْ النّاسِ وَهُمْ عَلَى الشّخُوصِ [ (١) ]- وَإِنّمَا رَحَلَ رسول الله ﷺ قبل ذلك بيومين- فجعل ينادى
ﷺ قَدْ تَحَمّلَ إلَى تَبُوكَ، وَبَقِيَ عِيرَاتٌ مِنْ النّاسِ وَهُمْ عَلَى الشّخُوصِ [ (١) ]- وَإِنّمَا رَحَلَ رسول الله ﷺ قبل ذلك بيومين- فجعل ينادى
بِسُوقِ بَنِي قَيْنُقَاعٍ: مَنْ يَحْمِلُنِي وَلَهُ سَهْمِي! قَالَ: وَكُنْت رَجُلًا لَا رِجْلَةَ لِي، فَدَعَانِي كَعْبُ بْنُ عُجْرَةَ فَقَالَ: أَنَا أَحْمِلُك عُقْبَةً بِاللّيْلِ وَعُقْبَةً بِالنّهَارِ، وَيَدُك أُسْوَةُ يَدِي وَلِي سَهْمُك! قَالَ وَاثِلَةُ: نَعَمْ. فَقَالَ وَاثِلَةُ بَعْدَ ذَلِكَ: جَزَاهُ اللهُ خَيْرًا! لَقَدْ كَانَ يَحْمِلُنِي عُقْبَتَيّ، وَيَزِيدُنِي وَآكُلُ مَعَهُ وَيَرْفَعُ لِي، حَتّى إذَا بَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ إلَى أُكَيْدِرٍ الْكِنْدِيّ بِدُومَةِ الْجَنْدَلِ خَرَجَ كَعْبُ بْنُ عُجْرَةَ فِي جَيْشِ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ، وَخَرَجْت مَعَهُ فَأَصَبْنَا فِيهَا كَثِيرًا، فَقَسَمَهُ خَالِدٌ بَيْنَنَا، فَأَصَابَنِي سِتّ قَلَائِصَ [ (١) ] ، فَأَقْبَلْت أَسُوقُهَا حَتّى جِئْت بِهَا خَيْمَةَ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ فَقُلْت: اُخْرُجْ رَحِمَك اللهُ فَانْظُرْ إلَى قَلَائِصِك فَاقْبِضْهَا! فَخَرَجَ إلَيّ وَهُوَ يَتَبَسّمُ وَيَقُولُ: بَارَكَ اللهُ لَك فِيهَا! مَا حَمَلْتُك وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ آخُذَ مِنْك شَيْئًا. وَكَانَ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ ﵀ يُحَدّثُ يقول: أسرنا أكيدر فَأَصَابَنِي مِنْ السّلَاحِ دِرْعٌ وَبَيْضَةٌ وَرُمْحٌ، وَأَصَابَنِي عَشْرٌ مِنْ الْإِبِلِ. وَكَانَ بِلَالُ بْنُ الْحَارِثِ المزنىّ يحدّث يقول: أسرنا أكيدر وَأَخَاهُ، فَقَدِمْنَا بِهِمَا عَلَى النّبِيّ ﷺ وَعُزِلَ يَوْمَئِذٍ لِلنّبِيّ ﷺ صَفِيّ خَالِصٌ قَبْلَ أَنْ يُقْسَمَ شَيْءٌ مِنْ الْفَيْءِ، ثُمّ خَمّسَ الْغَنَائِمَ فَكَانَ لِلنّبِيّ ﷺ الْخُمْسَ. وَكَانَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو الْمُزَنِيّ يَقُولُ: كُنّا أَرْبَعِينَ رَجُلًا مِنْ مُزَيْنَةَ مَعَ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ، وَكَانَتْ سُهْمَانُنَا خُمْسَ فَرَائِضِ، كُلّ رَجُلٍ مَعَ سِلَاحٍ، يُقَسّمُ عَلَيْنَا دِرْعٌ وَرِمَاحٌ.
مِنْ مُزَيْنَةَ مَعَ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ، وَكَانَتْ سُهْمَانُنَا خُمْسَ فَرَائِضِ، كُلّ رَجُلٍ مَعَ سِلَاحٍ، يُقَسّمُ عَلَيْنَا دِرْعٌ وَرِمَاحٌ. قَالَ: حَدّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ مُحَمّدٍ الظّفَرِيّ، عَنْ عَاصِمِ بن عمر بن
قَتَادَةَ، عَنْ عَبْدِ الرّحْمَنِ بْنِ جَابِرٍ، عَنْ أبيه، قال: رأيت أكيدر حِينَ قَدِمَ بِهِ خَالِدٌ وَعَلَيْهِ صَلِيبٌ مِنْ ذَهَبٍ وَعَلَيْهِ الدّيبَاجُ ظَاهِرٌ. قَالَ الْوَاقِدِيّ: حَدّثَنِي شَيْخٌ مِنْ أَهْلِ دُومَةَ أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَتَبَ لَهُ هَذَا الْكِتَابَ: بِسْمِ اللهِ الرّحْمَنِ الرّحِيمِ، هَذَا كِتَابٌ مِنْ مُحَمّدٍ رَسُولِ اللهِ لِأُكَيْدِرٍ حِينَ أَجَابَ إلَى الْإِسْلَامِ وَخَلَعَ الْأَنْدَادَ وَالْأَصْنَامَ، مَعَ خَالِدِ ابن الْوَلِيدِ سَيْفِ اللهِ، فِي دُومَةِ الْجَنْدَلِ وَأَكْنَافِهَا. وَإِنّ لَنَا الضّاحِيَةَ [ (١) ] مِنْ الضّحْلِ، وَالْبُورِ، وَالْمَعَامِي، وَأَغْفَالِ الْأَرْضِ، وَالْحَلْقَةِ، وَالسّلَاحِ، وَالْحَافِرِ، وَالْحِصْنِ، وَلَكُمْ الضّامِنَةُ مِنْ النّخْلِ، وَالْمَعِينُ مِنْ الْمَعْمُورِ بَعْدَ الْخُمُسِ، لَا تُعْدَلُ سَارِحَتُكُمْ وَلَا تُعَدّ فَارِدَتُكُمْ، وَلَا يُحْظَرُ عَلَيْكُمْ النّبَاتُ، وَلَا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ عُشْرُ الْبَتَاتِ [ (٢) ] ، تُقِيمُونَ الصّلَاةَ لِوَقْتِهَا، وَتُؤْتُونَ الزّكَاةَ لِحَقّهَا. عَلَيْكُمْ بِذَلِكَ الْعَهْدِ وَالْمِيثَاقِ، وَلَكُمْ بِذَلِكَ الصّدْقُ وَالْوَفَاءُ. شَهِدَ اللهُ وَمَنْ حَضَرَ مِنْ الْمُسْلِمِين. قَالَ: الضّحْلُ: الّذِي فِيهِ الْمَاءُ الْقَلِيلُ، وَالْبُورُ: مَا لَيْسَ فِيهِ زَرْعٌ، وَالْمَعَامِي: مَا لَيْسَتْ لَهُ حُدُودٌ مَعْلُومَةٌ، وَأَغْفَالُ الْأَرْضِ: مِيَاهٌ، وَلَا تُعَدّ فَارِدَتُكُمْ: يَقُولُ لَا يُعَدّ مَا يَبْلُغُ أَرْبَعِينَ شَاةً، وَالْحَافِرُ: الْخَيْلُ، وَالْمَعِينُ:
وَأَغْفَالُ الْأَرْضِ: مِيَاهٌ، وَلَا تُعَدّ فَارِدَتُكُمْ: يَقُولُ لَا يُعَدّ مَا يَبْلُغُ أَرْبَعِينَ شَاةً، وَالْحَافِرُ: الْخَيْلُ، وَالْمَعِينُ: الْمَاءُ الظّاهِرُ، وَالضّامِنَةُ مِنْ النّخْلِ: النّبَاتُ مِنْ النّخْلِ الّتِي قَدْ نَبَتَتْ عُرُوقُهَا فِي الْأَرْضِ، وَلَا يُحْظَرُ عَلَيْكُمْ النّبَاتُ: وَلَا تُمْنَعُوا أَنْ تَزْرَعُوهُ. قالوا: وَأَهْدَى لَهُ هَدِيّةً فِيهَا كِسْوَةٌ، وَكَتَبَ لَهُ رسول الله ﷺ كتابا آمَنَهُ فِيهِ وَفِيهِ الصّلْحُ، وَآمَنَ أَخَاهُ وَوَضَعَ عَلَيْهِ فِيهِ الْجِزْيَةَ، فَلَمْ يَكُ فِي يَدِ النّبِيّ ﷺ خَاتَمٌ فَخَتَمَهُ بظفره.
وَكَانَتْ دُومَةُ، وَأَيْلَةُ [ (١) ] ، وَتَيْمَاءُ [ (٢) ] ، قَدْ خَافُوا النّبِيّ ﷺ لَمّا رَأَوْا الْعَرَبَ قَدْ أَسْلَمَتْ. وَقَدِمَ يُحَنّةُ بْنُ رُؤْبَةَ عَلَى النّبِيّ ﷺ وَكَانَ مَلَكَ أَيْلَةَ، وَأَشْفَقُوا أَنْ يَبْعَثَ إلَيْهِمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ كَمَا بَعَثَ إلَى أُكَيْدِرٍ. وَأَقْبَلَ مَعَهُ أَهْلُ جَرْبَاءَ وَأَذْرُحَ [ (٣) ] ، فَأَتَوْهُ فَصَالَحَهُمْ فَقَطَعَ عَلَيْهِمْ الْجِزْيَةَ، جِزْيَةً مَعْلُومَةً، وَكَتَبَ لَهُمْ كِتَابًا: بِسْمِ اللهِ الرّحْمَنِ الرّحِيمِ، هَذَا أَمَنَةٌ مِنْ اللهِ وَمُحَمّدٍ النّبِيّ رَسُولِ اللهِ لِيَحْنَةَ بْنِ رُؤْبَةَ وَأَهْلِ أَيْلَةَ، لِسُفُنِهِمْ وَسَائِرِهِمْ فِي الْبَرّ وَالْبَحْرِ، لَهُمْ ذِمّةُ اللهِ وَذِمّةُ مُحَمّدٍ رَسُولِ اللهِ، وَلِمَنْ كَانَ مَعَهُ مِنْ أَهْلِ الشّامِ وَأَهْلِ الْيَمَنِ وَأَهْلِ الْبَحْرِ. وَمَنْ أَحْدَثَ حَدَثًا فَإِنّهُ لَا يَحُولُ مَالُهُ دُونَ نَفْسِهِ، وَإِنّهُ طَيّبٌ لِمَنْ أَخَذَهُ مِنْ النّاسِ، وَإِنّهُ لَا يَحِلّ أَنْ يُمْنَعُوا مَاءً يُرِيدُونَهُ، وَلَا طَرِيقًا يُرِيدُونَهُ مِنْ بَرّ أَوْ بَحْرٍ. هَذَا كِتَابُ جُهَيْمِ بْنِ الصّلْتِ وَشُرَحْبِيلَ بْنِ حَسَنَةَ بِإِذْنِ رَسُولِ اللهِ ﷺ. وَوَضَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْجِزْيَةَ عَلَى أَهْلِ أَيْلَةَ، ثَلَاثَمِائَةِ دِينَارٍ كُلّ سَنَةٍ، وَكَانُوا ثَلَاثَمِائَةِ رَجُلٍ. قَالَ: حَدّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ مُحَمّدٍ الظّفَرِيّ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ، عَنْ عَبْدِ الرّحْمَنِ بْنِ جَابِرٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: رَأَيْت يُحَنّةَ بْنَ رُؤْبَةَ يَوْمَ أُتِيَ بِهِ إلَى النّبِيّ ﷺ عَلَيْهِ صَلِيبٌ مِنْ ذَهَبٍ، وَهُوَ مَعْقُودُ النّاصِيَةِ، فَلَمّا رَأَى النّبِيّ ﷺ كَفّرَ [ (٤) ] وَأَوْمَأَ بِرَأْسِهِ، فَأَوْمَأَ إلَيْهِ النّبِيّ ﷺ: ارْفَعْ رَأْسَك! وَصَالَحَهُ يَوْمَئِذٍ، وَكَسَاهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى
ّبِيّ ﷺ كَفّرَ [ (٤) ] وَأَوْمَأَ بِرَأْسِهِ، فَأَوْمَأَ إلَيْهِ النّبِيّ ﷺ: ارْفَعْ رَأْسَك! وَصَالَحَهُ يَوْمَئِذٍ، وَكَسَاهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بُرْدًا يُمْنَةً [ (١) ] ، وَأَمَرَ لَهُ بِمَنْزِلٍ عِنْدَ بِلَالٍ. وَكَتَبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِأَهْلِ جَرْبَاءَ وَأَذْرُحَ هَذَا الْكِتَابَ: مِنْ مُحَمّدٍ النّبِيّ رَسُولِ اللهِ لِأَهْلِ أَذْرُحَ، أَنّهُمْ آمِنُونَ بِأَمَانِ اللهِ وَأَمَانِ مُحَمّدٍ، وَأَنّ عَلَيْهِمْ مِائَةَ دِينَارٍ فِي كُلّ رَجَبٍ وَافِيَةٍ طَيّبَةٍ، وَاَللهُ كَفِيلٌ عَلَيْهِمْ. قَالَ الْوَاقِدِيّ: نَسَخْت كِتَابَ أَذْرُحَ وَإِذَا فِيهِ: بِسْمِ اللهِ الرّحْمَنِ الرّحِيمِ، مِنْ مُحَمّدٍ النّبِيّ ﷺ لِأَهْلِ أَذْرُحَ، أَنّهُمْ آمِنُونَ بِأَمَانِ اللهِ وَأَمَانِ مُحَمّدٍ، وَأَنّ عَلَيْهِمْ مِائَةَ دِينَارٍ فِي كُلّ رَجَبٍ وَافِيَةٍ طَيّبَةٍ، وَاَللهُ كَفِيلٌ عَلَيْهِمْ بِالنّصْحِ وَالْإِحْسَانِ لِلْمُسْلِمِينَ، وَمَنْ لَجَأَ [إلَيْهِمْ] [ (٢) ] من المسلمين من المخافة والتّعزير إذا خَشَوْا عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَهُمْ آمِنُونَ، حَتّى يُحْدِثَ إلَيْهِمْ مُحَمّدٌ قَبْلَ خُرُوجِه. قَالُوا: وَكَتَبَ لِأَهْلِ مَقْنَا [ (٣) ] أَنّهُمْ آمِنُونَ بِأَمَانِ اللهِ وَأَمَانِ مُحَمّدٍ، وَأَنّ عَلَيْهِمْ رُبْعَ غُزُولِهِمْ وَرُبْعَ ثِمَارِهِمْ. وَكَانَ عُبَيْدُ بْنُ يَاسِرِ بْنِ نُمَيْرٍ أَحَدَ سَعْدِ اللهِ [ (٤) ] ، وَرَجُلٌ مِنْ جُذَامٍ أَحَدَ بَنِي وَائِلٍ، قَدِمَا عَلَى النّبِيّ ﷺ بتبرك، فَأَسْلَمَا وَأَعْطَاهُمَا رَسُولُ اللهِ ﷺ رُبْعَ مَقْنَا مِمّا يَخْرُجُ مِنْ الْبَحْرِ وَمِنْ الثّمَرِ مِنْ نَخْلِهَا، وَرُبْعَ الْمَغْزِلِ. وَكَانَ عُبَيْدُ بْنُ يَاسِرٍ فَارِسًا، وَكَانَ الْجُذَامِيّ رَاجِلًا، فَأَعْطَى رَسُولُ اللهِ ﷺ فَرَسَ عُبَيْدِ بْنِ يَاسِرٍ مِائَةَ ضَفِيرَةٍ- وَالضّفِيرَةُ: الْحُلّةُ- فَلَمْ يَزَلْ يَجْرِي ذَلِكَ عَلَى بَنِي سَعْدٍ، وَبَنِيّ وَائِلٍ إلَى يَوْمِ النّاسِ هَذَا.
نِ يَاسِرٍ مِائَةَ ضَفِيرَةٍ- وَالضّفِيرَةُ: الْحُلّةُ- فَلَمْ يَزَلْ يَجْرِي ذَلِكَ عَلَى بَنِي سَعْدٍ، وَبَنِيّ وَائِلٍ إلَى يَوْمِ النّاسِ هَذَا.
ثُمّ إنّ عُبَيْدَ بْنَ يَاسِرٍ قَدِمَ مَقْنَا وَبِهَا يَهُودِيّةٌ، وَكَانَتْ الْيَهُودِيّةُ تَقُومُ عَلَى فَرَسِهِ، فَأَعْطَاهَا سِتّينَ ضَفِيرَةً مِنْ ضَفَائِرِ فَرَسِهِ، فَلَمْ يَزَلْ يَجْرِي عَلَى الْيَهُودِيّةِ حَتّى نُزِعَتْ آخِرَ زَمَانِ بَنِي أُمَيّةَ، فَلَمْ تُرَدّ إلَيْهَا وَلَا إلَى وَلَدِ عُبَيْدٍ. وَكَانَ عُبَيْدٌ قَدْ أَهْدَى لِلنّبِيّ ﷺ فَرَسًا عَتِيقًا يُقَالُ لَهُ مُرَاوِحُ، وَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، سَابِقْ! فَأَجْرَى رَسُولُ اللهِ ﷺ الْخَيْلَ بِتَبُوكَ فَسَبَقَ الْفَرَسُ، فَأَخَذَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْهُ، فَسَأَلَهُ الْمِقْدَادُ بْنُ عَمْرٍو الْفَرَسَ. قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: أَيْنَ سَبْحَةُ؟ فَرَسٌ لِلْمِقْدَادِ قَدْ شَهِدَ عَلَيْهَا بَدْرًا. قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ عِنْدِي، وَقَدْ كَبِرَتْ وَأَنَا أَضِنّ بِهَا لِلْمَوَاطِنِ الّتِي شَهِدْت عَلَيْهَا، وَقَدْ خَلّفْتهَا لِبُعْدِ هَذَا السّفَرِ وَشِدّةِ الْحَرّ عَلَيْهَا، فَأَرَدْت أُحَمّلُ هَذَا الْفَرَسَ الْمُعْرِقَ عَلَيْهَا فَتَأْتِينِي بِمُهْرٍ. قَالَ النّبِيّ ﷺ: فَذَاكَ إذًا! فَقَبَضَهُ الْمِقْدَادُ، فَخَبِرَ مِنْهُ صِدْقًا، ثُمّ حَمّلَهُ عَلَى سَبْحَةَ فَنَتَجَتْ لَهُ مُهْرًا كَانَ سَابِقًا يُقَالُ لَهُ الذّيّالُ، سَبَقَ فِي عَهْدِ عُمَرَ وَعُثْمَانَ، فَابْتَاعَهُ مِنْهُ عُثْمَانُ بِثَلَاثِينَ أَلْفًا.
َتَجَتْ لَهُ مُهْرًا كَانَ سَابِقًا يُقَالُ لَهُ الذّيّالُ، سَبَقَ فِي عَهْدِ عُمَرَ وَعُثْمَانَ، فَابْتَاعَهُ مِنْهُ عُثْمَانُ بِثَلَاثِينَ أَلْفًا. قَالُوا: وَمَرّ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِتَبُوكَ يُرِيدُ حَاجَتَهُ، فَرَأَى نَاسًا مُجْتَمِعِينَ فَقَالَ: مَا لَهُمْ؟ قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، بَعِيرٌ لِرَافِعِ بْنِ مَكِيثٍ الْجُهَنِيّ، نَحَرَهُ فَأَخَذَ مِنْهُ حَاجَتَهُ، فَخَلّى بَيْنَ النّاسِ وَبَيْنَهُ، فَأَمَرَ رسول الله ﷺ أن يَرُدّ رَافِعُ مَا أَخَذَ وَمَا أَخَذَهُ النّاسُ، ثُمّ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: هَذِهِ نُهْبَةٌ لَا تَحِلّ! قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إنّ صَاحِبَهُ أَذِنَ فِي أَخْذِهِ. قال رسول الله ﷺ: وَإِنّ أَذِنَ فِي أَخْذِهِ! قَالُوا وَجَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَيّ الصّدَقَةِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: ظِلّ خِبَاءٍ فِي سَبِيلِ اللهِ، أَوْ خِدْمَةُ خَادِمٍ فِي سَبِيلِ اللهِ، أَوْ طَرُوقَةُ [ (١) ] فحل فى سبيل الله.
وَكَانَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ يُحَدّثُ يَقُولُ: كنا مع رسول الله ﷺ فِي تَبُوكَ فَقَالَ: اقْطَعُوا قَلَائِدَ الْإِبِلِ مِنْ الْإِبِلِ. قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، فَالْخَيْلُ؟ قَالَ: لَا تُقَلّدُوهَا [ (١) ] بِالْأَوْتَارِ. وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ اسْتَعْمَلَ عَلَى حَرَسِهِ بِتَبُوكَ مِنْ يَوْمِ قَدِمَ إلَى أَنْ رَحَلَ مِنْهَا عَبّادَ بْنَ بِشْرٍ، فَكَانَ عَبّادُ بْنُ بِشْرٍ يَطُوفُ عَلَى أَصْحَابِهِ فِي الْعَسْكَرِ، فَغَدَا على رسول الله ﷺ يَوْمًا فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا زِلْنَا نَسْمَعُ صَوْتَ تَكْبِيرٍ مَنْ وَرَائِنَا حَتّى أَصْبَحْنَا، فَوَلّيْت أَحَدَنَا يَطُوفُ عَلَى الْحَرَسِ؟ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: مَا فَعَلْت، وَلَكِنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ بَعْضُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى خيلنا انتدب [ (٢) ] . فقال سلكان ابن سَلَامَةَ: يَا رَسُولَ اللهِ، خَرَجْت فِي عَشْرَةٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ عَلَى خَيْلِنَا فَكُنّا نَحْرُسُ الْحَرَسَ. فقال رسول الله ﷺ: رَحِمَ اللهُ حَرَسَ الْحَرَسِ فِي سَبِيلِ اللهِ! قَالَ: فَلَكُمْ قِيرَاطٌ مِنْ الْأَجْرِ عَلَى كُلّ مَنْ حَرَسْتُمْ مِنْ النّاسِ جَمِيعًا أَوْ دَابّةٌ. قَالُوا: وَقَدِمَ نَفَرٌ مِنْ بَنِي سَعْدِ هُذَيْمٍ على رسول الله ﷺ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، إنّا قَدِمْنَا عَلَيْك وَتَرَكْنَا أَهْلَنَا عَلَى بِئْرٍ لَنَا، قَلِيلٌ مَاؤُهَا، وَهَذَا الْقَيْظُ، وَنَحْنُ نَخَافُ إنْ تَفَرّقْنَا أَنْ نُقْتَطَعَ، لِأَنّ الْإِسْلَامَ لَمْ يَفْشُ حَوْلَنَا بَعْدُ، فَادْعُ اللهَ لَنَا فِي مَاءِ بِئْرِنَا، وَإِنْ رُوِينَا بِهِ فَلَا قَوْمَ أَعَزّ مِنّا، لَا يَعْبُرُ بِنَا أَحَدٌ مُخَالِفٌ لِدِينِنَا. قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: أَبْلِغُونِي حَصَيَاتٍ! فَتَنَاوَلْت ثَلَاثَ حَصَيَاتٍ فَدَفَعْتهنّ إلَيْهِ، فَفَرَكَهُنّ بِيَدِهِ
حَدٌ مُخَالِفٌ لِدِينِنَا. قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: أَبْلِغُونِي حَصَيَاتٍ! فَتَنَاوَلْت ثَلَاثَ حَصَيَاتٍ فَدَفَعْتهنّ إلَيْهِ، فَفَرَكَهُنّ بِيَدِهِ
ثُمّ قَالَ: اذْهَبُوا بِهَذِهِ الْحَصَيَاتِ إلَى بِئْرِكُمْ فَاطْرَحُوهَا وَاحِدَةً وَاحِدَةً وَسَمّوا اللهَ. فَانْصَرَفُوا مِنْ عند رسول الله ﷺ فَفَعَلُوا ذَلِكَ فَجَاشَتْ بِئْرُهُمْ بِالرّوَاءِ [ (١) ] ، وَنَفَوْا مَنْ قَارَبَهُمْ مِنْ الْمُشْرِكِينَ وَوَطِئُوهُمْ، فَمَا انْصَرَفَ رَسُولُ الله ﷺ إلى المدينة حتى أوطأوا مَنْ حَوْلَهُمْ عَلَيْهِ وَدَانُوا بِالْإِسْلَامِ. قَالُوا: وَكَان زيد بن ثابت يحدّث يقول: عزونا مع رسول الله ﷺ تَبُوكَ، فَكُنّا نَشْتَرِي وَنَبِيعُ، وَرَسُولُ اللهِ ﷺ يَرَانَا وَلَا يَنْهَانَا. قَالَ: وَكَانَ رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ يُحَدّثُ يَقُولُ: أَقَمْنَا بِتَبُوكَ الْمُقَامَ فَأَرْمَلْنَا مِنْ الزّادِ وَقَرَمْنَا [ (٢) ] إلَى اللّحْمِ وَنَحْنُ لَا نَجِدُهُ، فَجِئْت رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقُلْت: يَا رَسُولَ اللهِ، إنّ اللّحْمَ هَاهُنَا، وَقَدْ سَأَلْت أَهْلَ الْبَلَدِ عَنْ الصّيْدِ فَذَكَرُوا لِي صَيْدًا قَرِيبًا- فَأَشَارُوا إلَى نَاحِيَةِ الْمَغْرِبِ- فَأَذْهَبُ فَأَصِيدُ فِي نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِي؟ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: إنْ ذَهَبْت فَاذْهَبْ فِي عِدّةٍ مِنْ أَصْحَابِك، وَكُونُوا عَلَى خَيْلٍ، فَإِنّكُمْ تَتَفَرّقُونَ مِنْ الْعَسْكَرِ. قَالَ: فَانْطَلَقَتْ فِي عَشْرَةٍ مِنْ الْأَنْصَارِ فِيهِمْ أَبُو قَتَادَةَ- وَكَانَ صَاحِبَ طَرْدٍ بِالرّمْحِ وَكُنْت رَامِيًا- فَطَلَبْنَا الصّيْدَ فَأَدْرَكْنَا صَيْدًا، فَقَتَلَ أَبُو قَتَادَةَ خَمْسَةَ أَحْمِرَةٍ [ (٣) ] بِالرّمْحِ عَلَى فَرَسِهِ، وَرَمَيْت قَرِيبًا مِنْ عِشْرِينَ ظَبْيًا، وَأَخَذَ أَصْحَابُنَا الظّبْيَيْنِ وَالثّلَاثَةَ وَالْأَرْبَعَةَ، وَأَخَذْنَا نَعَامَةً طَرَدْنَاهَا عَلَى خَيْلِنَا. ثُمّ رَجَعْنَا إلَى الْعَسْكَرِ، فَجِئْنَاهُمْ عِشَاءً وَرَسُولُ اللهِ ﷺ يسأل عنّا: ما
رْبَعَةَ، وَأَخَذْنَا نَعَامَةً طَرَدْنَاهَا عَلَى خَيْلِنَا. ثُمّ رَجَعْنَا إلَى الْعَسْكَرِ، فَجِئْنَاهُمْ عِشَاءً وَرَسُولُ اللهِ ﷺ يسأل عنّا: ما
جَاءُوا بَعْدُ؟ فَجِئْنَا إلَيْهِ فَأَلْقَيْنَا ذَلِكَ الصّيْدَ بَيْنَ يَدَيْهِ فَقَالَ: فَرّقُوهُ فِي أَصْحَابِكُمْ! قُلْت: يَا رَسُولَ اللهِ، أَنْت مُرْ بِهِ رَجُلًا! قَالَ: فَأَمَرَ رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ. قَالَ: فَجَعَلْت أُعْطِي الْقَبِيلَةَ بِأَسْرِهَا الْحِمَارَ وَالظّبْيَ، وَأُفَرّقُ ذَلِكَ حَتّى كَانَ الّذِي صَارَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ ظَبْيٌ وَاحِدٌ مَذْبُوحٌ، فَأَمَرَ بِهِ فَطُبِخَ، فَلَمّا نَضِجَ دَعَا بِهِ- وَعِنْدَهُ أَضْيَافٌ- فَأَكَلُوا. وَنَهَانَا بَعْدَ أَنْ نَعُودَ وَقَالَ: لَا آمَنُ. أَوْ قَالَ: أَخَافُ عَلَيْكُمْ. حَدّثَنِي ابْنُ أَبِي سَبْرَةَ، عَنْ مُوسَى بْنِ سَعِيدٍ، عَن عِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ قَالَ: كُنْت أَلْزَمُ باب رسول الله ﷺ فِي الْحَضَرِ وَالسّفَرِ، فَرَأَيْتنَا [ (١) ] لَيْلَةً وَنَحْنُ بِتَبُوكَ وَذَهَبْنَا لِحَاجَةٍ، فَرَجَعْنَا إلَى مَنْزِلِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَقَدْ تَعَشّى وَمَنْ عِنْدَهُ مِنْ أَضْيَافِهِ، وَرَسُولُ اللهِ ﷺ يُرِيدُ أَنْ يَدْخُلَ فِي قُبّتِهِ وَمَعَهُ زَوْجَتُهُ أُمّ سَلَمَةَ بِنْتُ أَبِي أُمَيّةَ، فَلَمّا طَلَعْت عَلَيْهِ قَالَ: أَيْنَ كُنْت مُنْذُ اللّيْلَةِ؟ فَأَخْبَرْته، فَطَلَعَ جِعَالُ بْنُ سُرَاقَةَ، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ مُغَفّلٍ الْمُزَنِيّ- فَكُنّا ثَلَاثَةً، كُلّنَا جَائِعٌ، إنّمَا نَعِيشُ بِبَابِ النّبِيّ ﷺ فَدَخَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْبَيْتَ فَطَلَبَ شَيْئًا نَأْكُلُهُ فَلَمْ يَجِدْهُ، فَخَرَجَ إلَيْنَا فَنَادَى بِلَالًا: يَا بِلَالُ، هَلْ مِنْ عَشَاءٍ لِهَؤُلَاءِ النّفَرِ؟ قَالَ: لَا وَاَلّذِي بَعَثَك بِالْحَقّ، لَقَدْ نَفَضْنَا جُرُبَنَا وَحُمُتَنَا [ (٢) ] .
لَالًا: يَا بِلَالُ، هَلْ مِنْ عَشَاءٍ لِهَؤُلَاءِ النّفَرِ؟ قَالَ: لَا وَاَلّذِي بَعَثَك بِالْحَقّ، لَقَدْ نَفَضْنَا جُرُبَنَا وَحُمُتَنَا [ (٢) ] . قَالَ: اُنْظُرْ، عَسَى أَنْ تَجِدَ شَيْئًا، فَأَخَذَ الْجُرُبَ يَنْفُضُهَا جِرَابًا جِرَابًا، فَتَقَعُ التّمْرَةُ وَالتّمْرَتَانِ، حَتّى رَأَيْت بَيْنَ يَدَيْهِ سَبْعَ تَمَرَاتٍ، ثُمّ دَعَا بِصَحْفَةٍ فَوَضَعَ فِيهَا التّمْرَ، ثُمّ وَضَعَ يَدَهُ عَلَى التّمَرَاتِ وَسَمّى اللهَ وَقَالَ: كُلُوا بسم الله!
فَأَكَلْنَا فَأَحْصَيْت أَرْبَعَةً وَخَمْسِينَ تَمْرَةً أَكَلْتهَا، أَعُدّهَا وَنَوَاهَا فِي يَدِي الْأُخْرَى، وَصَاحِبَايَ يَصْنَعَانِ مَا أَصْنَعُ، وَشَبِعْنَا وَأَكَلَ كُلّ وَاحِدٍ مِنّا خَمْسِينَ تَمْرَةً، وَرَفَعْنَا أَيْدِيَنَا فَإِذَا التّمَرَاتُ السّبْعُ كَمَا هِيَ، فَقَالَ: يَا بِلَالُ، ارْفَعْهَا فِي جِرَابِك، فَإِنّهُ لَا يَأْكُلُ مِنْهَا أَحَدٌ إلّا نَهِلَ شِبَعًا. قَالَ: فَبَيْنَا نَحْنُ حَوْلَ قُبّةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَكَانَ يَتَهَجّدُ مِنْ اللّيْلِ، فَقَامَ تِلْكَ اللّيْلَةَ يُصَلّي، فَلَمّا طَلَعَ الْفَجْرُ رَكَعَ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ، وَأَذّنَ بِلَالٌ وَأَقَامَ فَصَلّى رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالنّاسِ، ثُمّ انْصَرَفَ إلَى فِنَاءِ قُبّتِهِ، فَجَلَسَ وَجَلَسْنَا حَوْلَهُ فَقَرَأَ مِنْ «الْمُؤْمِنِينَ» عَشْرًا [ (١) ] ، فَقَالَ: هَلْ لَكُمْ فِي الْغَدَاءِ؟ قَالَ عِرْبَاضٌ: فَجَعَلْت أَقُولُ فِي نَفْسِي: أَيّ غَدَاءٍ؟ فَدَعَا بِلَالٌ بِالتّمْرِ، فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ فِي الصّحْفَةِ ثُمّ قَالَ: كُلُوا بِسْمِ اللهِ! فَأَكَلْنَا- وَاَلّذِي بَعَثَهُ بِالْحَقّ- حَتّى شَبِعْنَا وَإِنّا لَعَشْرَةٌ، ثُمّ رَفَعُوا أَيْدِيَهُمْ مِنْهَا شِبَعًا وَإِذَا التّمَرَاتُ كَمَا هِيَ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: لَوْلَا أَنّي أَسْتَحْيِيَ مِنْ رَبّي لَأَكَلْنَا مِنْ هَذَا التّمْرِ حَتّى نَرِدَ الْمَدِينَةَ عَنْ آخِرِنَا. وَطَلَعَ غُلَيْمٌ مِنْ أَهْلِ الْبَلَدِ، وَأَخَذَ رَسُولُ اللهِ ﷺ التّمَرَاتِ بِيَدِهِ فَدَفَعَهَا إلَيْهِ، فَوَلّى الْغُلَامُ يَلُوكُهُنّ.



