— Bagian 37 · آخِرِنَا. وَطَلَعَ غُلَيْمٌ مِنْ أَهْلِ الْبَلَد… —
Bagian 37
آخِرِنَا. وَطَلَعَ غُلَيْمٌ مِنْ أَهْلِ الْبَلَدِ، وَأَخَذَ رَسُولُ اللهِ ﷺ التّمَرَاتِ بِيَدِهِ فَدَفَعَهَا إلَيْهِ، فَوَلّى الْغُلَامُ يَلُوكُهُنّ. فَلَمّا أجمع رسول الله ﷺ الْمَسِيرَ مِنْ تَبُوكَ أَرْمَلَ النّاسُ إرْمَالًا شَدِيدًا، فَشَخَصَ عَلَى ذَلِكَ الْحَالِ حَتّى جَاءَ النّاسُ إلى رسول الله ﷺ يَسْتَأْذِنُونَهُ [ (٢) ] أَنْ يَنْحَرُوا رِكَابَهُمْ فَيَأْكُلُوهَا، فَأَذِنَ لَهُمْ، فَلَقِيَهُمْ عُمَرُ بْنُ الْخَطّابِ ﵁ وَهُمْ عَلَى نَحْرِهَا، فَأَمَرَهُمْ أَنْ يُمْسِكُوا عَنْ نَحْرِهَا، ثُمّ دَخَلَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي خَيْمَةٍ لَهُ فَقَالَ: أَذِنْت لِلنّاسِ فِي نَحْرِ حَمُولَتِهِمْ يَأْكُلُونَهَا؟ فَقَالَ رسول الله ﷺ: شكوا إلَيّ مَا بَلَغَ مِنْهُمْ الْجُوعُ فَأَذِنْت لَهُمْ، ينحر الرّفقة البعير والبعيرين، ويتعاقبون
فِيمَا فَضَلَ مِنْ ظَهْرِهِمْ، وَهُمْ قَافِلُونَ إلَى أَهْلِيهِمْ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، لَا تَفْعَلْ! فَإِنْ يَكُنْ لِلنّاسِ فَضْلٌ مِنْ ظَهْرِهِمْ يَكُنْ خَيْرًا، فَالظّهْرُ الْيَوْمَ رِقَاقٌ [ (١) ] ، وَلَكِنْ اُدْعُ بِفَضْلِ أَزْوَادِهِمْ ثُمّ اجْمَعْهَا فَادْعُ اللهَ فِيهَا بِالْبَرَكَةِ كَمَا فَعَلْت فِي مُنْصَرَفِنَا مِنْ الْحُدَيْبِيَةِ حَيْثُ أَرْمَلْنَا، فَإِنّ اللهَ ﷿ يَسْتَجِيبُ لَك! فَنَادَى مُنَادِي رَسُولِ اللهِ: مَنْ كَانَ عِنْدَهُ فَضْلٌ مِنْ زَادٍ فَلْيَأْتِ بِهِ! وَأَمَرَ بِالْأَنْطَاعِ فَبُسِطَتْ، فَجَعَلَ الرّجُلُ يَأْتِي بِالْمُدّ الدّقِيقِ وَالسّوِيقِ وَالتّمْرِ، وَالْقَبْضَةِ مِنْ الدّقِيقِ وَالسّوِيقِ وَالتّمْرِ وَالْكِسَرِ. فَيُوضَعُ كُلّ صِنْفٍ مِنْ ذَلِكَ عَلَى حِدَةٍ، وَكُلّ ذَلِكَ قَلِيلٌ، فَكَانَ جَمِيعُ مَا جَاءُوا بِهِ مِنْ الدّقِيقِ وَالسّوِيقِ وَالتّمْرِ ثَلَاثَةَ أَفْرَاقٍ [ (٢) ] حَزْرًا. ثُمّ قَامَ فَتَوَضّأَ وَصَلّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمّ دَعَا اللهَ ﷿ أَنْ يُبَارِكَ فِيه.
قِيقِ وَالسّوِيقِ وَالتّمْرِ ثَلَاثَةَ أَفْرَاقٍ [ (٢) ] حَزْرًا. ثُمّ قَامَ فَتَوَضّأَ وَصَلّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمّ دَعَا اللهَ ﷿ أَنْ يُبَارِكَ فِيه. فَكَانَ أَرْبَعَةٌ مِنْ أَصْحَابِ النّبِيّ ﷺ يُحَدّثُونَ جَمِيعًا حَدِيثًا وَاحِدًا، حَضَرُوا ذَلِكَ وَعَايَنُوهُ: أَبُو هُرَيْرَةَ، وَأَبُو حُمَيْدٍ السّاعِدِيّ، وَأَبُو زُرْعَةَ الْجُهَنِيّ مَعْبَدُ بْنُ خَالِدٍ، وَسَهْلُ بْنُ سَعْدٍ السّاعِدِيّ، قَالُوا: ثُمّ انْصَرَفَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَنَادَى مُنَادِيهِ: هَلُمّوا إلَى الطّعَامِ، خُذُوا مِنْهُ حَاجَتَكُمْ! وَأَقْبَلَ النّاسُ، فَجَعَلَ كُلّ مَنْ جَاءَ بِوِعَاءٍ مَلَأَهُ. فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَقَدْ طَرَحْت يَوْمَئِذٍ كِسْرَةً مِنْ خُبْزٍ وَقَبْضَةً مِنْ تَمْرٍ، وَلَقَدْ رَأَيْت الْأَنْطَاعَ تَفِيضُ، وَجِئْت بِجِرَابَيْنِ فَمَلَأْت إحْدَاهُمَا سَوِيقًا وَالْآخَرَ خُبْزًا، وَأَخَذْت فِي ثَوْبِي دَقِيقًا، مَا كَفَانَا إلَى الْمَدِينَةِ. فَجَعَلَ النّاسُ يَتَزَوّدُونَ الزّادَ حَتّى نَهِلُوا عَنْ آخِرِهِمْ، حَتّى كَانَ آخِرُ ذَلِكَ أَنْ أُخِذَتْ الْأَنْطَاعُ وَنُثِرَ مَا عَلَيْهَا. فَجَعَلَ رسول الله ﷺ يقول وَهُوَ وَاقِفٌ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلّا
اللهُ، وَأَنّي عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَأَشْهَدُ أَنّهُ لَا يَقُولُهَا أَحَدٌ مِنْ حَقِيقَةِ قَلْبِهِ إلّا وَقَاهُ اللهُ حَرّ النّارِ. وَأَقْبَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَافِلًا حَتّى إذَا كَانَ بَيْنَ تَبُوكَ وَوَادٍ يُقَالُ لَهُ وَادِي النّاقَةِ- وَكَانَ فِيهِ وَشَلٌ [ (١) ] يَخْرُجُ مِنْهُ فِي أَسْفَلِهِ قَدْرَ مَا يَرْوِي الرّاكِبَيْنِ أَوْ الثّلَاثَةَ- فَقَالَ رسول الله ﷺ: من سَبَقَنَا إلَى ذَلِكَ الْوَشَلِ فَلَا يَسْتَقِيَنّ مِنْهُ شَيْئًا حَتّى نَأْتِيَ! فَسَبَقَ إلَيْهِ أَرْبَعَةٌ مِنْ الْمُنَافِقِينَ: مُعَتّبُ بْنُ قُشَيْرٍ [ (٢) ] ، وَالْحَارِثُ بْنُ يَزِيدَ الطّائِيّ، حَلِيفٌ فِي بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، وَوَدِيعَةُ بْنُ ثَابِتٍ، وَزَيْدُ بْنُ اللّصَيْتِ. فَقَالَ رسول الله ﷺ: ألم أَنْهَكُمْ؟ وَلَعَنَهُمْ وَدَعَا عَلَيْهِمْ، ثُمّ نَزَلَ فَوَضَعَ يَدَهُ فِي الْوَشَلِ، ثُمّ مَسَحَهُ بِإِصْبَعِهِ حَتّى اجْتَمَعَ فِي كَفّهِ مِنْهُ مَاءٌ قَلِيلٌ، ثُمّ نَضَحَهُ [ (٣) ] ، ثُمّ مَسَحَهُ بِيَدِهِ، ثُمّ دَعَا بِمَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَدْعُوَ بِهِ، فَانْخَرَقَ [ (٤) ] الْمَاءُ. قال معاذ ابن جَبَلٍ: وَاَلّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَقَدْ سَمِعْت لَهُ شِدّةً فِي انْحِرَافِهِ مِثْلَ الصّوَاعِقِ! فَشَرِبَ النّاسُ مَا شَاءُوا، وَسَقَوْا مَا شَاءُوا، ثُمّ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: لَئِنْ بَقِيتُمْ- أَوْ بَقِيَ مِنْكُمْ- لَتَسْمَعُنّ بِهَذَا الْوَادِي وَهُوَ أَخْصَبُ مِمّا بَيْنَ يَدَيْهِ وَمِمّا خَلْفَهُ! قَالَ: وَاسْتَقَى النّاسُ وَشَرِبُوا. قَالَ سَلَمَةُ بْنُ سلامة ابن وَقّشٍ: قُلْت لِوَدِيعَةَ بْنِ ثَابِتٍ: وَيْلَك، أَبَعْدَ مَا تَرَى شَيْءٌ؟ أَمَا تَعْتَبِرُ؟ قَالَ: قَدْ كَانَ يُفْعَلُ مِثْلُ هَذَا قَبْلَ هَذَا! ثُمّ سَارَ رَسُولُ اللهِ ﷺ.
ْنِ ثَابِتٍ: وَيْلَك، أَبَعْدَ مَا تَرَى شَيْءٌ؟ أَمَا تَعْتَبِرُ؟ قَالَ: قَدْ كَانَ يُفْعَلُ مِثْلُ هَذَا قَبْلَ هَذَا! ثُمّ سَارَ رَسُولُ اللهِ ﷺ.
قَالَ: حَدّثَنِي عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، أَخُو عَبْدِ الرّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنْ عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي صعصعة المازنىّ، عن خلّاد ابن سُوَيْدٍ، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ، قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ مع رسول الله ﷺ نَسِيرُ فِي الْجَيْشِ لَيْلًا، وَهُوَ قَافِلٌ وَأَنَا مَعَهُ، إذْ خَفَقَ خَفْقَةً وَهُوَ عَلَى رَاحِلَتِهِ، فَمَالَ عَلَى شِقّهِ، فَدَنَوْت مِنْهُ فَدَعَمْته [ (١) ] فَانْتَبَهَ، فَقَالَ: مَنْ هَذَا؟ قُلْت: أَبُو قَتَادَةَ يَا رَسُولَ اللهِ، خِفْت أَنْ تَسْقُطَ فَدَعَمْتُك. فَقَالَ: حَفِظَك اللهُ كَمَا حَفِظْت رَسُولَ اللهِ! ثُمّ سَارَ غَيْرَ كَثِيرٍ، ثُمّ فَعَلَ مِثْلَهَا، فَدَعَمْته فَانْتَبَهَ فَقَالَ: يَا أَبَا قَتَادَةَ، هَلْ لَك فِي التّعْرِيسِ [ (٢) ] ؟ فَقُلْت: مَا شِئْت يَا رَسُولَ اللهِ! فَقَالَ: اُنْظُرْ مَنْ خَلْفَك! فَنَظَرْت فَإِذَا رَجُلَانِ أَوْ ثَلَاثَةٌ، فَقَالَ: اُدْعُهُمْ! فَقُلْت: أَجِيبُوا رَسُولَ اللهِ! فَجَاءُوا فَعَرّسْنَا وَنَحْنُ خَمْسَةٌ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ، وَمَعِي إدَاوَةٌ فِيهَا مَاءٌ وَرَكْوَةٌ [ (٣) ] لِي أَشْرَبُ فِيهَا، فَنِمْنَا فَمَا انْتَبَهْنَا إلّا بِحَرّ الشّمْسِ، فَقُلْنَا: إنّا لِلّهِ! فَاتَنَا الصّبْحُ! قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: لَنَغِيظَنّ الشّيْطَانَ كَمَا أَغَاظَنَا. فَتَوَضّأَ مِنْ مَاءِ الْإِدَاوَةِ فَفَضَلَ فَضْلَةٌ فَقَالَ: يَا أَبَا قَتَادَةَ، احْتَفِظْ بِمَا فِي الْإِدَاوَةِ وَالرّكْوَةِ فَإِنّ لَهَا شَأْنًا، ثُمّ صَلّى بِنَا الْفَجْرَ بَعْدَ طُلُوعِ الشّمْسِ فَقَرَأَ بِالْمَائِدَةِ، فَلَمّا انْصَرَفَ مِنْ الصّلَاةِ قَالَ: أَمَا إنّهُمْ لَوْ أَطَاعُوا أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ لَرَشَدُوا.
عْدَ طُلُوعِ الشّمْسِ فَقَرَأَ بِالْمَائِدَةِ، فَلَمّا انْصَرَفَ مِنْ الصّلَاةِ قَالَ: أَمَا إنّهُمْ لَوْ أَطَاعُوا أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ لَرَشَدُوا. وَذَلِك أَنّ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ أَرَادَا أَنْ يَنْزِلَا بِالْجَيْشِ عَلَى الْمَاءِ، فَأَبَوْا ذَلِكَ عَلَيْهِمَا، فَنَزَلُوا عَلَى غَيْرِ مَاءٍ بِفَلَاةٍ مِنْ الْأَرْضِ. فَرَكِبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَلَحِقَ الْجَيْشَ عِنْدَ زَوَالِ الشّمْسِ وَنَحْنُ مَعَهُ، وَقَدْ كَادَتْ تُقْطَعُ أَعْنَاقُ الرّجَالِ وَالْخَيْلِ عَطَشًا، فَدَعَا رَسُولُ الله صلّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالرّكْوَةِ فَأَفْرَغَ مَا فِي الْإِدَاوَةِ فِيهَا، فَوَضَعَ أَصَابِعَهُ عَلَيْهَا فَنَبَعَ الْمَاءُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ. وَأَقْبَلَ النّاسُ فَاسْتَقَوْا، وَفَاضَ الْمَاءُ حَتّى تَرَوّوْا، وَأَرْوَوْا خَيْلَهُمْ وَرِكَابَهُمْ، فَإِنْ كَانَ فِي الْعَسْكَرِ اثْنَا عَشَرَ أَلْفَ بَعِيرٍ- وَيُقَالُ: خَمْسَةَ عَشَرَ أَلْفِ بَعِيرٍ- وَالنّاسُ ثَلَاثُونَ أَلْفًا، وَالْخَيْلُ عَشْرَةُ آلَافٍ. وَذَلِكَ قَوْلُ النّبِيّ ﷺ لِأَبِي قَتَادَةَ: احْتَفِظْ بِالرّكْوَةِ وَالْإِدَاوَةِ!
ِيرٍ- وَالنّاسُ ثَلَاثُونَ أَلْفًا، وَالْخَيْلُ عَشْرَةُ آلَافٍ. وَذَلِكَ قَوْلُ النّبِيّ ﷺ لِأَبِي قَتَادَةَ: احْتَفِظْ بِالرّكْوَةِ وَالْإِدَاوَةِ! وَكَانَ فِي تَبُوكَ أَرْبَعَةُ أَشْيَاءَ: فَبَيْنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ يَسِيرُ مُنْحَدِرًا إلَى الْمَدِينَةِ- وَهُوَ فِي قَيْظٍ شَدِيدٍ- عَطِشَ الْعَسْكَرُ بَعْدَ الْمَرّتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ عَطَشًا شَدِيدًا حَتّى لَا يُوجَدُ لِلشّفَةِ مَاءٌ قَلِيلٌ وَلَا كَثِيرٌ، فَشَكَوْا ذَلِكَ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَأَرْسَلَ أُسَيْدَ بْنَ حُضَيْرٍ، فِي يَوْمٍ صَائِفٍ وَهُوَ مُتَلَثّمٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: عَسَى أَنْ تَجِدَ لَنَا مَاءً. فَخَرَجَ- وَهُوَ فِيمَا بَيْنَ الْحِجْرِ وَتَبُوكَ- فَجَعَلَ يَضْرِبُ فِي كُلّ وَجْهٍ، فَيَجِدُ رَاوِيَةً مِنْ مَاءٍ مَعَ امْرَأَةٍ مِنْ بَلِيّ، وَكَلّمَهَا أُسَيْدٌ فَخَبّرَهَا بِخَبَرِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقَالَتْ: هَذَا الْمَاءُ، فَانْطَلِقْ بِهِ إلَى رَسُولِ اللهِ! وَقَدْ وَضَعَتْ لَهُمْ الْمَاءَ وَبَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الطّرِيقِ هُنَيّةٌ، فَلَمّا جَاءَ أُسَيْدٌ بِالْمَاءِ دَعَا فِيهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالْبَرَكَةِ، ثُمّ قَالَ: هَلُمّوا أَسْقِيَتَكُمْ! فَلَمْ يَبْقَ مَعَهُمْ سِقَاءٌ إلّا ملأوه، ثُمّ دَعَا بِرِكَابِهِمْ وَخُيُولِهِمْ فَسَقَوْهَا حَتّى نَهِلَتْ. وَيُقَالُ: إنّمَا أَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِمَا جَاءَ بِهِ أُسَيْدٌ وَصَبّهُ فِي قَعْبٍ عَظِيمٍ مِنْ عِسَاسِ [ (١) ] أَهْلِ الْبَادِيَةِ، فَأَدْخَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِيهِ يَدَهُ، وَغَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ، ثُمّ صَلّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمّ رَفَعَ يَدَيْهِ مَدّا، ثُمّ انصرف وإنّ القعب ليفور. فقال رسول
اللهِ ﷺ لِلنّاسِ: زَوّدُوا! فَاتّسَعَ الْمَاءُ، وَانْبَسَطَ النّاسُ حَتّى يُصَفّ عَلَيْهِ الْمِائَةُ وَالْمِائَتَانِ، فَأَرْوَوْا، وَإِنّ الْقَعْبَ لَيَجِيشُ بِالرّوَاءِ، ثُمّ رَاحَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مُبْرِدًا مُتَرَوّيًا مِنْ الْمَاءِ. قَالَ: وَحَدّثَنِي أُسَامَةُ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِي سَهْلٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، قَالَ: خَرَجَتْ الْخَيْلُ فِي كُلّ وَجْهٍ يَطْلُبُونَ الْمَاءَ، وَكَانَ أَوّلَ مَنْ طلع به ويخبره صَاحِبُ فَرَسٍ أَشْقَرَ، ثُمّ الثّانِي أَشْقَرُ، ثُمّ الثّالِثُ أَشْقَرُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: اللهُمّ، بَارِكْ فِي الشّقْرِ! قَالَ: حَدّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي عُبَيْدَةَ وَسَعْدُ بْنُ رَاشِدٍ، عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنْ أَبِي مُرّةَ مَوْلَى عُقَيْلٍ، قَالَ: سَمِعْت عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: خَيْرُ الْخَيْلِ الشّقْرُ. قَالُوا: لَمّا كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِبَعْضِ الطّرِيقِ مَكَرَ بِهِ أُنَاسٌ مِنْ الْمُنَافِقِينَ وَائْتَمَرُوا أَنْ يَطْرَحُوهُ مِنْ عَقَبَةٍ فِي الطّرِيقِ. فَلَمّا بَلَغَ رَسُولُ اللهِ ﷺ تِلْكَ الْعَقَبَةَ أَرَادُوا أَنْ يَسْلُكُوهَا مَعَهُ فَأُخْبِرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ خَبَرَهُمْ، فَقَالَ لِلنّاسِ: اُسْلُكُوا بَطْنَ الْوَادِي، فَإِنّهُ أَسْهَلُ لَكُمْ وَأَوْسَعُ! فَسَلَكَ النّاسُ بَطْنَ الْوَادِي وَسَلَكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْعَقَبَةَ، وَأَمَرَ عَمّارَ بْنَ يَاسِرٍ أَنْ يَأْخُذَ بِزِمَامِ النّاقَةِ يَقُودُهَا، وَأَمَرَ حُذَيْفَةَ بْنَ الْيَمَانِ يَسُوقُ مِنْ خَلْفِهِ. فَبَيْنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ يَسِيرُ فِي الْعَقَبَةِ إذْ سَمِعَ حِسّ الْقَوْمِ قَدْ غَشَوْهُ، فَغَضِبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَمَرَ حُذَيْفَةَ أَنْ يَرُدّهُمْ، فَرَجَعَ حُذَيْفَةُ إلَيْهِمْ وَقَدْ رَأَوْا غَضَبَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَجَعَلَ يَضْرِبُ وُجُوهَ رَوَاحِلِهِمْ بِمِحْجَنٍ فِي يَدِهِ.
أَنْ يَرُدّهُمْ، فَرَجَعَ حُذَيْفَةُ إلَيْهِمْ وَقَدْ رَأَوْا غَضَبَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَجَعَلَ يَضْرِبُ وُجُوهَ رَوَاحِلِهِمْ بِمِحْجَنٍ فِي يَدِهِ. وَظَنّ الْقَوْمُ أَنّ رسول الله ﷺ قد أُطْلِعَ عَلَى مَكْرِهِمْ، فَانْحَطّوا مِنْ الْعَقَبَةِ مُسْرِعِينَ حَتّى خَالَطُوا النّاسَ، وَأَقْبَلَ حُذَيْفَةُ حَتّى أَتَى رسول الله
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَاقَ بِهِ. فَلَمّا خرج رسول الله ﷺ مِنْ الْعَقَبَةِ نَزَلَ النّاسُ، فَقَالَ النّبِيّ ﷺ: يَا حُذَيْفَةُ، هَلْ عَرَفْت أَحَدًا مِنْ الرّكْبِ الّذِينَ رَدَدْتهمْ؟ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، عَرَفْت رَاحِلَةَ فُلَانٍ وَفُلَانٍ، وَكَانَ الْقَوْمُ مُتَلَثّمِينَ فَلَمْ أُبْصِرْهُمْ مِنْ أَجْلِ ظُلْمَةِ اللّيْلِ. وَكَانُوا قَدْ أَنْفَرُوا بِالنّبِيّ ﷺ فَسَقَطَ. بَعْضُ مَتَاعِ رَحْلِهِ، فَكَانَ حَمْزَةُ بْنُ عَمْرٍو الْأَسْلَمِيّ يَقُولُ: فَنُوّرَ لِي فِي أَصَابِعِي الْخَمْسِ فَأُضِئْنَ حَتّى كُنّا نَجْمَعُ مَا سَقَطَ مِنْ السّوْطِ وَالْحَبْلِ وَأَشْبَاهِهِمَا، حَتّى مَا بَقِيَ مِنْ الْمَتَاعِ شَيْءٌ إلّا جَمَعْنَاهُ. وَكَانَ لَحِقَ النّبِيّ ﷺ فِي الْعَقَبَةِ.
قَطَ مِنْ السّوْطِ وَالْحَبْلِ وَأَشْبَاهِهِمَا، حَتّى مَا بَقِيَ مِنْ الْمَتَاعِ شَيْءٌ إلّا جَمَعْنَاهُ. وَكَانَ لَحِقَ النّبِيّ ﷺ فِي الْعَقَبَةِ. فَلَمّا أَصْبَحَ قَالَ لَهُ أُسَيْدُ بْنُ الْحُضَيْرِ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا مَنَعَك الْبَارِحَةَ مِنْ سُلُوكِ الْوَادِي، فَقَدْ كَانَ أَسْهَلَ مِنْ الْعَقَبَةِ؟ قَالَ: يَا أَبَا يَحْيَى، أَتَدْرِي مَا أَرَادَ الْبَارِحَةَ الْمُنَافِقُونَ وَمَا اهْتَمّوا بِهِ؟ قَالُوا: نَتْبَعُهُ فِي الْعَقَبَةِ، فَإِذَا أَظْلَمَ اللّيْلُ عَلَيْهِ قَطَعُوا أَنْسَاعَ [ (١) ] رَاحِلَتِي وَنَخَسُوهَا حَتّى يَطْرَحُونِي مِنْ رَاحِلَتِي. فَقَالَ أُسَيْدٌ: يَا رَسُولَ اللهِ، فَقَدْ اجْتَمَعَ النّاسُ وَنَزَلُوا، فَمُرْ كُلّ بَطْنٍ أَنْ يَقْتُلَ الرّجُلَ الّذِي هَمّ بِهَذَا، فَيَكُونُ الرّجُلُ مِنْ عَشِيرَتِهِ هُوَ الّذِي يَقْتُلُهُ، وَإِنْ أَحْبَبْت، وَاَلّذِي بَعَثَك بِالْحَقّ، فَنَبّئْنِي بِهِمْ، فَلَا تَبْرَحُ حَتّى آتِيَكُمْ بِرُءُوسِهِمْ، وَإِنْ كَانُوا فِي النّبِيتِ [ (٢) ] فَكَفَيْتُكَهُمْ، وَأَمَرْت سَيّدَ الْخَزْرَجِ فَكَفَاك مَنْ فِي نَاحِيَتِهِ، فَإِنّ مِثْلَ هَؤُلَاءِ يُتْرَكُونَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ حَتّى مَتَى نُدَاهِنُهُمْ وَقَدْ صَارُوا الْيَوْمَ فِي الْقِلّةِ وَالذّلّةِ، وَضَرَبَ الْإِسْلَامُ بِجِرَانِهِ [ (٣) ] ! فما
ُونَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ حَتّى مَتَى نُدَاهِنُهُمْ وَقَدْ صَارُوا الْيَوْمَ فِي الْقِلّةِ وَالذّلّةِ، وَضَرَبَ الْإِسْلَامُ بِجِرَانِهِ [ (٣) ] ! فما
يُسْتَبْقَى مِنْ هَؤُلَاءِ؟ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِأُسَيْدٍ: إنّي أَكْرَهُ أَنْ يَقُولَ النّاسُ إنّ مُحَمّدًا لَمّا انْقَضَتْ الْحَرْبُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُشْرِكِينَ وَضَعَ يَدَهُ فِي قَتْلِ أَصْحَابِهِ! فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، فَهَؤُلَاءِ لَيْسُوا بِأَصْحَابٍ! قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: أليس يظهرون شهادة أن لا إله إلّا اللهُ؟ قَالَ: بَلَى، وَلَا شَهَادَةَ لَهُمْ! قَالَ: أَلَيْسَ يُظْهِرُونَ أَنّي رَسُولُ اللهِ؟ قَالَ: بَلَى، وَلَا شَهَادَةَ لَهُمْ! قَالَ: فَقَدْ نُهِيت عَنْ قَتْلِ أُولَئِكَ. قَالَ: حَدّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ مُحَمّدٍ، عَنْ رُبَيْحِ [ (١) ] بْنِ عَبْدِ الرّحْمَنِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدّهِ، قَالَ: كَانَ أَهْلُ الْعَقَبَةِ الّذِينَ أَرَادُوا بِالنّبِيّ ﷺ ثَلَاثَةَ عَشَرَ رَجُلًا، قَدْ سَمّاهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِحُذَيْفَةَ وَعَمّارٍ رَحِمَهُمَا اللهُ. قَالَ: حَدّثَنِي ابن أبي حبيبة، عن داود بن الحصين، عن عبد الرحمن ابن جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: تَنَازَعَ عَمّارُ بْنُ يَاسِرٍ وَرَجُلٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فِي شَيْءٍ فَاسْتَبّا، فَلَمّا كَادَ الرّجُلُ يَعْلُو عَمّارًا فِي السّبَابِ قَالَ عَمّارٌ: كَمْ كَانَ أَصْحَابُ الْعَقَبَةِ؟ قَالَ: اللهُ أَعْلَمُ. قَالَ: أَخْبِرْنِي عَنْ عِلْمِكُمْ بِهِمْ! فَسَكَتَ الرّجُلُ، فَقَالَ مَنْ حَضَرَ: بَيّنِ لِصَاحِبِك مَا سَأَلَك عَنْهُ! وَإِنّمَا يُرِيدُ عَمّارٌ شَيْئًا قَدْ خَفِيَ عَلَيْهِمْ، فَكَرِهَ الرّجُلُ أَنْ يُحَدّثَهُ، وَأَقْبَلَ الْقَوْمُ عَلَى الرّجُلِ فَقَالَ الرّجُلُ: كُنّا نَتَحَدّثُ أَنّهُمْ كَانُوا أَرْبَعَةَ عَشَرَ رَجُلًا. قَالَ عَمّارٌ: فَإِنّك إنْ كُنْت مِنْهُمْ فَهُمْ خَمْسَةَ عَشَرَ رَجُلًا! فَقَالَ الرّجُلُ:
ّا نَتَحَدّثُ أَنّهُمْ كَانُوا أَرْبَعَةَ عَشَرَ رَجُلًا. قَالَ عَمّارٌ: فَإِنّك إنْ كُنْت مِنْهُمْ فَهُمْ خَمْسَةَ عَشَرَ رَجُلًا! فَقَالَ الرّجُلُ: مَهْلًا، أَذَكّرَك اللهُ أَنْ تَفْضَحَنِي! فَقَالَ عَمّارٌ: وَاَللهِ مَا سَمّيْت أَحَدًا، وَلَكِنّي أَشْهَدُ أَنّ الْخَمْسَةَ عَشَرَ رَجُلًا، اثْنَا [ (٢) ] عَشَرَ مِنْهُمْ حَرْبٌ الله ولرسوله
فِي الْحَيَاةِ الدّنْيَا، وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ، يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ [ (١) ] قَالَ: حَدّثَنِي مَعْمَرُ بْنُ رَاشِدٍ، عَنْ الزّهْرِيّ، قَالَ: نَزَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ رَاحِلَتِهِ، فَأُوحِيَ إلَيْهِ وَرَاحِلَتُهُ بَارِكَةٌ، فَقَامَتْ رَاحِلَتُهُ تَجُرّ زِمَامَهَا حَتّى لَقِيَهَا حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ فَأَخَذَ بِزِمَامِهَا فَاقْتَادَهَا حين رأى رسول الله ﷺ جَالِسًا، فَأَنَاخَهَا ثُمّ جَلَسَ عِنْدَهَا حَتّى قَامَ النّبِيّ ﷺ، فَأَتَاهُ فَقَالَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: أَنَا حُذَيْفَةُ. فَقَالَ النّبِيّ ﷺ: فَإِنّي مُسِرّ إلَيْك أَمْرًا فَلَا تَذْكُرَنّهُ، إنّي نُهِيت أَنْ أُصَلّيَ عَلَى فُلَانٍ، وَفُلَانٍ، وَفُلَانٍ
- رَهْطٌ عِدّةٌ مِنْ الْمُنَافِقِينَ- وَلَا يُعْلِمُ رَسُولُ اللهِ ﷺ ذِكْرَهُمْ لِأَحَدٍ غَيْرَ حُذَيْفَةَ. فَلَمّا تُوُفّيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطّابِ ﵁ فِي خِلَافَتِهِ إذَا مَاتَ رَجُلٌ مِمّنْ يطنّ أَنّهُ مِنْ أُولَئِكَ الرّهْطِ أَخَذَ بِيَدِ حُذَيْفَةَ فَقَادَهُ إلَى الصّلَاةِ عَلَيْهِ فَإِنْ مَشَى مَعَهُ حُذَيْفَةُ صَلّى عَلَيْهِ عُمَرُ، وَإِنْ انْتَزَعَ يَدَهُ وَأَبَى أَنْ يَمْشِيَ انْصَرَفَ مَعَهُ. قَالَ: حَدّثَنِي ابْنُ أَبِي سَبْرَةَ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ سُحَيْمٍ، عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: لَمْ يُخْبِرْ رسول الله ﷺ أحدا إلّا حذيفة، وهم اثنا عشر رجلا ليس فِيهِمْ قُرَشِيّ. وَهَذَا الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا. قَالَ: حَدّثَنِي عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ يَزِيدُ بْنِ رُومَانَ، قَالَ: أَقْبَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حَتّى نَزَلَ بِذِي أَوَانٍ [ (٢) ] ، وَقَدْ كَانَ جَاءَهُ أَصْحَابُ مَسْجِدِ الضّرَارِ، جَاءُوا خَمْسَةَ نَفَرٍ مِنْهُمْ: مُعَتّبُ بْنُ قُشَيْرٍ، وثعلبة ابن حاطب، وخذام بْنُ خَالِدٍ، وَأَبُو حَبِيبَةَ بْنُ الْأَزْعَرِ، وَعَبْدُ الله بن نبتل
ُوا خَمْسَةَ نَفَرٍ مِنْهُمْ: مُعَتّبُ بْنُ قُشَيْرٍ، وثعلبة ابن حاطب، وخذام بْنُ خَالِدٍ، وَأَبُو حَبِيبَةَ بْنُ الْأَزْعَرِ، وَعَبْدُ الله بن نبتل
ابن الْحَارِثِ. فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، إنّا رُسُلُ مَنْ خَلْفَنَا مِنْ أَصْحَابِنَا، إنّا قَدْ بَنَيْنَا مَسْجِدًا لِذِي الْقِلّةِ وَالْحَاجَةِ، وَاللّيْلَةِ الْمَطِيرَةِ، وَاللّيْلَةِ الشّاتِيَةِ، وَنَحْنُ نُحِبّ أَنْ تَأْتِيَنَا فَتُصَلّيَ بِنَا فِيهِ! وَرَسُولُ اللهِ ﷺ يَتَجَهّزُ إلَى تَبُوكَ. قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: إنّي عَلَى جَنَاحِ سَفَرٍ وَحَالِ شُغْلٍ، وَلَوْ قَدِمْنَا إنْ شَاءَ اللهُ أَتَيْنَاكُمْ فَصَلّيْنَا بِكُمْ فِيهِ. فَلَمّا نَزَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِذِي أَوَانٍ رَاجِعًا مِنْ تَبُوكَ أَتَاهُ خَبَرُهُ وَخَبَرُ أَهْلِهِ مِنْ السّمَاءِ، وَكَانُوا إنّمَا بَنَوْهُ، قَالُوا بَيْنَهُمْ: يَأْتِينَا أَبُو [ (١) ] عَامِرٍ فَيَتَحَدّثُ عِنْدَنَا فِيهِ، فَإِنّهُ يَقُولُ: لَا أَسْتَطِيعُ آتِيَ مَسْجِدَ بَنِي عَمْرِو بن عوف، إنما أصحاب رسول الله يلحوننا بِأَبْصَارِهِمْ. يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: وَإِرْصاداً لِمَنْ حارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ [ (٢) ] يَعْنِي أَبَا عَامِرٍ. فَدَعَا رَسُولُ اللهِ ﷺ عَاصِمَ بْنَ عَدِيّ الْعَجْلَانِيّ، وَمَالِكَ بْنَ الدّخْشَمِ السّالِمِيّ، فَقَالَ: انْطَلِقَا إلَى هَذَا الْمَسْجِدِ الظّالِمِ أَهْلُهُ فَاهْدِمَاهُ ثم حرّقاه! فخرجا سريعين على أقدامها حَتّى أَتَيَا مَسْجِدَ بَنِي سَالِمٍ، فَقَالَ مَالِكُ بْنُ الدّخْشَمِ لِعَاصِمِ بْنِ عَدِيّ: أَنْظِرْنِي حِينَ أَخْرُجُ إلَيْك بِنَارٍ مِنْ أَهْلِي. فَدَخَلَ إلَى أَهْلِهِ فَأَخَذَ سَعَفًا مِنْ النّخْلِ فَأَشْعَلَ فِيهِ النّارَ. ثُمّ خَرَجَا سَرِيعَيْنِ يَعْدُوَانِ حَتّى انْتَهَيَا إلَيْهِ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ وَهُمْ فِيهِ، وَإِمَامُهُمْ يَوْمَئِذٍ مُجَمّعُ بْنُ جَارِيَةَ [ (٣) ] ، فَقَالَ عَاصِمٌ:
نِ حَتّى انْتَهَيَا إلَيْهِ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ وَهُمْ فِيهِ، وَإِمَامُهُمْ يَوْمَئِذٍ مُجَمّعُ بْنُ جَارِيَةَ [ (٣) ] ، فَقَالَ عَاصِمٌ: مَا أَنْسَى تَشَرّفَهُمْ إلَيْنَا كَأَنّ آذَانَهُمْ آذَانُ السّرْحَانِ [ (٤) ] . فَأَحْرَقْنَاهُ حَتّى احْتَرَقَ، وَكَانَ الّذِي ثَبَتَ فِيهِ مِنْ بَيْنِهِمْ زَيْدُ بْنُ جَارِيَةَ بْنِ عَامِرٍ حَتّى احْتَرَقَتْ أَلْيَتُهُ، فَهَدَمْنَاهُ حَتّى وَضَعْنَاهُ بِالْأَرْضِ. وتفرّقوا.
فلما قدم رسول الله ﷺ الْمَدِينَةَ عَرَضَ عَلَى عَاصِمِ بْنِ عَدِيّ الْمَسْجِدَ يَتّخِذُهُ دَارًا- وَكَانَ مِنْ دَارِ وَدِيعَةَ بْنِ ثَابِتٍ وَدَارُ أَبِي عَامِرٍ إلَى جَنْبِهِمَا فَأَحْرَقُوهُمَا مَعَهُ- فَقَالَ: مَا كُنْت لِأَتّخِذَ مَسْجِدًا قَدْ نَزَلَ فِيهِ مَا نَزَلَ دَارًا، وَإِنّ بى عنه لَغِنًى يَا رَسُولَ اللهِ! وَلَكِنْ أَعْطِهِ ثَابِتَ بْنَ أَقْرَمَ فَإِنّهُ لَا مَنْزِلَ لَهُ. فَأَعْطَاهُ ثَابِتًا. وَكَانَ أَبُو لُبَابَةَ بْنُ عَبْدِ الْمُنْذِرِ قَدْ أَعَانَهُمْ فِيهِ بِخَشَبٍ، وَكَانَ غَيْرَ مَغْمُوصٍ [ (١) ] عَلَيْهِ فِي النّفَاقِ، وَلَكِنّهُ قَدْ كَانَ يَفْعَلُ أُمُورًا تُكْرَهُ لَهُ. فَلَمّا هُدِمَ الْمَسْجِدُ أَخَذَ أَبُو لُبَابَةَ خَشَبَهُ ذَلِكَ فَبَنَى بِهِ مَنْزِلًا، وَكَانَ بَيْتُهُ الّذِي بَنَاهُ إلَى جَنْبِهِ. قَالَ: فَلَمْ يُولَدْ لَهُ فِي ذَلِكَ الْبَيْتِ مَوْلُودٌ قَطّ، وَلَمْ يَقِفْ فِيهِ حَمَامٌ قَطّ، وَلَمْ تَحْضُنْ [ (٢) ] فِيهِ دَجَاجَةٌ قَطّ.
بِهِ. قَالَ: فَلَمْ يُولَدْ لَهُ فِي ذَلِكَ الْبَيْتِ مَوْلُودٌ قَطّ، وَلَمْ يَقِفْ فِيهِ حَمَامٌ قَطّ، وَلَمْ تَحْضُنْ [ (٢) ] فِيهِ دَجَاجَةٌ قَطّ. وَكَانَ الّذِينَ بَنَوْا مَسْجِدَ الضّرَارِ خَمْسَةَ عَشَرَ رَجُلًا: جَارِيَةُ [ (٣) ] بْنُ عَامِرِ بْنِ الْعَطّافِ- وَهُوَ حِمَارُ [ (٤) ] الدّارِ- وَابْنُهُ مُجَمّعُ بْنُ جَارِيَةَ [ (٣) ] وَهُوَ إمَامُهُمْ، وَابْنُهُ زَيْدُ بن جارية [ (٣) ] ، وهو الذي احْتَرَقَتْ أَلْيَتُهُ فَأَبَى أَنْ يَخْرُجَ- وَابْنُهُ يَزِيدُ بْنُ جَارِيَةَ [ (٣) ] ، وَوَدِيعَةُ بْنُ ثَابِتٍ، [وَخِذَامُ بْنُ خَالِدٍ] وَمِنْ دَارِهِ أُخْرِجَ، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ نَبْتَلٍ، وَبِجَادُ بْنُ عُثْمَانَ، وَأَبُو حَبِيبَةَ بْنُ الْأَزْعَرِ، وَمُعَتّبُ بْنُ قُشَيْرٍ، وَعَبّادُ بْنُ حُنَيْفٍ، وَثَعْلَبَةُ بْنُ حَاطِبٍ. قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: زِمَامٌ خَيْرٌ مِنْ خِذَامٍ، وَسَوْطٌ خَيْرٌ مِنْ بِجَادٍ! وَكَانَ عَبْدُ اللهِ بْنُ نَبْتَلٍ- وَهُوَ الْمُخَبّرُ بِخَبَرِهِ- يَأْتِي رَسُولَ اللهِ ﷺ فَيَسْمَعُ حَدِيثَهُ ثم يأتى به المنافقين، فقال جبريل
عَلَيْهِ السّلَامُ: يَا مُحَمّدُ، إنّ رَجُلًا مِنْ الْمُنَافِقِينَ يَأْتِيك فَيَسْمَعُ حَدِيثَك، ثُمّ يَذْهَبُ بِهِ إلَى الْمُنَافِقِينَ. قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: أَيّهُمْ هُوَ؟ قَالَ: الرّجُلُ الْأَسْوَدُ ذُو الشّعْرِ الْكَثِيرِ، الْأَحْمَرُ الْعَيْنَيْنِ كَأَنّهُمَا قِدْرَانِ مِنْ صُفْرٍ [ (١) ] ، كَبِدُهُ كَبِدُ حِمَارٍ فَيَنْظُرُ بِعَيْنِ شَيْطَانٍ. وَكَانَ عَاصِمُ بْنُ عَدِيّ يُخْبِرُ يَقُولُ: كنّا نتجهّز إلى تبوك مع النبىّ ﷺ فَرَأَيْت عَبْدَ اللهِ بْنَ نَبْتَلٍ، وَثَعْلَبَةَ بْنَ حَاطِبٍ قَائِمَيْنِ عَلَى مَسْجِدِ الضّرَارِ، وَهُمَا يُصْلِحَانِ مِيزَابًا قَدْ فَرَغَا مِنْهُ، فَقَالَا: يَا عَاصِمُ، أن رسول الله ﷺ قَدْ وَعَدَنَا أَنْ يُصَلّيَ فِيهِ إذَا رَجَعَ. فَقُلْت فِي نَفْسِي: وَاَللهِ، مَا بَنَى هَذَا الْمَسْجِدَ إلّا مُنَافِقٌ مَعْرُوفٌ بِالنّفَاقِ، أَسّسَهُ أَبُو حَبِيبَةَ بْنُ الْأَزْعَرِ، وَأُخْرِجَ مِنْ دَارِ خِذَامِ بْنِ خَالِدٍ، وَوَدِيعَةُ بْنُ ثَابِتٍ فِي هَؤُلَاءِ النّفَرِ- وَالْمَسْجِدُ الّذِي بَنَى رَسُولُ اللهِ ﷺ بِيَدِهِ يُؤَسّسُهُ جِبْرِيلُ ﵇ يؤمّ به البيت- فو الله مَا رَجَعْنَا مِنْ سَفَرِنَا حَتّى نَزَلَ الْقُرْآنُ بِذَمّهِ، وَذَمّ أَهْلِهِ الّذِينَ جَمَعُوا فِي بِنَائِهِ وَأَعَانُوا فِيهِ: وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِراراً وَكُفْراً [ (٢) ] إلَى قَوْلِهِ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ. قَالُوا: كَانُوا يَسْتَنْجُونَ بِالْمَاءِ. لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى [ (٣) ] ، قَالَ: يَعْنِي مَسْجِدَ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ بِقُبَاءَ، وَيُقَالُ: عَنَى مَسْجِدَ النّبِيّ ﷺ بِالْمَدِينَةِ. قَالَ: وَقَالَ النّبِيّ ﷺ: نِعْمَ الرّجُلُ مِنْهُمْ عُوَيْمُ بْنُ سَاعِدَةَ! وَقِيلَ لِعَاصِمِ بْنِ عَدِيّ: وَلِمَ أَرَادُوا بِنَاءَهُ؟ قَالَ: كَانُوا يَجْتَمِعُونَ فِي مَسْجِدِنَا، فَإِنّمَا هُمْ يَتَنَاجَوْنَ فِيمَا بَيْنَهُمْ وَيَلْتَفِتُ بَعْضُهُمْ إلَى بَعْضٍ،
رَادُوا بِنَاءَهُ؟ قَالَ: كَانُوا يَجْتَمِعُونَ فِي مَسْجِدِنَا، فَإِنّمَا هُمْ يَتَنَاجَوْنَ فِيمَا بَيْنَهُمْ وَيَلْتَفِتُ بَعْضُهُمْ إلَى بَعْضٍ،
فَيَلْحَظُهُمْ الْمُسْلِمُونَ بِأَبْصَارِهِمْ، فَشَقّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ وَأَرَادُوا مَسْجِدًا يَكُونُونَ فِيهِ لَا يَغْشَاهُمْ فِيهِ إلّا مَنْ يُرِيدُونَ مِمّنْ هُوَ عَلَى مِثْلِ رَأْيِهِمْ. فَكَانَ أَبُو عَامِرٍ يَقُولُ: لَا أَقْدِرُ أَنْ أَدْخُلَ مِرْبَدَكُمْ [ (١) ] هَذَا! وَذَاكَ أَنّ أَصْحَابَ مُحَمّدٍ يَلْحَظُونَنِي وَيَنَالُونَ مِنّي مَا أَكْرَهُ. [قَالُوا:] نَحْنُ نَبْنِي مَسْجِدًا تَتَحَدّثُ فِيهِ عِنْدَنَا. قَالُوا: قَالَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ: لَمّا بَلَغَنِي أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ تَوَجّهَ قَافِلًا مِنْ تَبُوكَ حَضَرَنِي [بَثّي] [ (٢) ] فَجَعَلْت أَتَذَكّرُ الْكَذِبَ وَأَقُولُ: بِمَاذَا أَخْرُجُ مِنْ سَخَطِ رَسُولِ اللهِ ﷺ غَدًا؟ وَأَسْتَعِينُ عَلَى ذَلِكَ كُلّ ذِي رَأْيٍ مِنْ أَهْلِي، حَتّى رُبّمَا ذَكَرْته لِلْخَادِمِ رَجَاءَ أَنْ يَأْتِيَنِي شَيْءٌ أَسْتَرِيحُ إلَيْهِ، فَلَمّا قِيلَ إنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَدْ أَظَلّ قَادِمًا، زَاحَ عَنّي الْبَاطِلُ، وَعَرَفْت أَنّي لَا أَنْجُو مِنْهُ إلّا بِالصّدْقِ، فَأَجْمَعْت أَنْ أَصْدُقَهُ. وَصَبّحَ رسول الله ﷺ المدينة، وَكَانَ إذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ بَدَأَ بِالْمَسْجِدِ فركع فيه ركعتين ثم جالس لِلنّاسِ، فَلَمّا فَعَلَ ذَلِكَ جَاءَهُ الْمُخَلّفُونَ فَجَعَلُوا يَعْتَذِرُونَ إلَيْهِ وَيَحْلِفُونَ لَهُ، وَكَانُوا بِضْعَةً وَثَمَانِينَ رَجُلًا، فَقَبِلَ مِنْهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَانِيَتَهُمْ وَأَيْمَانَهُمْ، وَيَكِلُ سَرَائِرَهُمْ إلَى اللهِ تَعَالَى. وَيُقَالُ مِنْ غَيْرِ حَدِيثِ كَعْبٍ: أن رسول الله ﷺ لَمّا نَزَلَ بِذِي أَوَانٍ خَرَجَ عَامّةُ الْمُنَافِقِينَ الّذِينَ كَانُوا تَخَلّفُوا عَنْهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: لَا تُكَلّمُوا أَحَدًا مِنْهُمْ تَخَلّفَ عَنّا وَلَا تُجَالِسُوهُ حَتّى آذَنَ لَكُمْ.
نَ الّذِينَ كَانُوا تَخَلّفُوا عَنْهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: لَا تُكَلّمُوا أَحَدًا مِنْهُمْ تَخَلّفَ عَنّا وَلَا تُجَالِسُوهُ حَتّى آذَنَ لَكُمْ. فَلَمْ يُكَلّمُوهُمْ، فَلَمّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ جَاءَهُ المعذّرون يحلفون له، وأعرض عَنْهُمْ، وَأَعْرَضَ الْمُؤْمِنُونَ عَنْهُمْ حَتّى إنّ الرّجُلَ لَيُعْرِضُ عَنْ أَبِيهِ وَأَخِيهِ وَعَمّهِ. فَجَعَلُوا يَأْتُونَ النّبِيّ ﷺ وَيَعْتَذِرُونَ إلَيْهِ بالحمّى
وَالْأَسْقَامِ، فَيَرْحَمَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَيَقْبَلُ مِنْهُمْ عَلَانِيَتَهُمْ وَأَيْمَانَهُمْ، وَحَلَفُوا فَصَدّقَهُمْ واستغفر لهم، ويكل سرائرهم إلى بالله ﷿. قَالُوا: وَقَالَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ: فَجِئْت النّبِيّ ﷺ وَهُوَ جَالِسٌ فِي الْمَسْجِدِ، فَسَلّمْت عَلَيْهِ، فَلَمّا سَلّمْت عَلَيْهِ تَبَسّمَ تَبَسّمَ الْمُغْضَبِ، ثُمّ قَالَ لِي: تعالى! فَجِئْت أَمْشِي حَتّى جَلَسْت بَيْنَ يَدَيْهِ فَقَالَ لِي: مَا خَلّفَك؟ أَلَمْ تَكُنْ ابْتَعْت ظَهْرَك؟ فَقُلْت: يَا رَسُولَ اللهِ، لَوْ جَلَسْت عِنْدَ غَيْرِك مِنْ أَهْلِ الدّنْيَا لَرَأَيْت أَنّي سَأَخْرُجُ مِنْ سَخَطِهِ بِعُذْرٍ، لَقَدْ أُعْطِيت جَدَلًا، وَلَكِنْ وَاَللهِ لَقَدْ عَلِمْت لَئِنْ حَدّثْتُك الْيَوْمَ حَدِيثًا كَاذِبًا لِتَرْضَى عَنّي لَيُوشِكَنّ اللهُ ﷿ أَنْ يَسْخَطَ عَلَيّ، وَلَئِنْ حَدّثْتُك الْيَوْمَ حَدِيثًا صَادِقًا تَجِدُ [ (١) ] عَلَيّ فِيهِ، إنّي لَأَرْجُو عُقْبَى اللهِ فِيهِ. وَلَا وَاَللهِ مَا كَانَ لِي عُذْرٌ، وَاَللهِ مَا كُنْت أَقْوَى وَلَا أَيْسَرَ مِنّي حِينَ تَخَلّفْت عَنْك! فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: أما أنت فقد صَدَقْت، فَقُمْ حَتّى يَقْضِيَ اللهُ ﷿ فِيك!
َللهِ مَا كُنْت أَقْوَى وَلَا أَيْسَرَ مِنّي حِينَ تَخَلّفْت عَنْك! فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: أما أنت فقد صَدَقْت، فَقُمْ حَتّى يَقْضِيَ اللهُ ﷿ فِيك! فَقُمْت وَقَامَ مَعِي رِجَالٌ مِنْ بَنِي سَلِمَةَ، فَقَالُوا لِي: وَاَللهِ مَا عَلِمْنَاك كُنْت أَذْنَبْت ذَنْبًا قَبْلَ هَذَا! وَقَدْ عَجَزْت أَلّا تَكُونَ اعْتَذَرْت إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ بِمَا اعْتَذَرَ إلَيْهِ الْمُخَلّفُونَ، قَدْ كَانَ كَافِيك ذَنْبَك اسْتِغْفَارُ رَسُولِ اللهِ ﷺ لك. فو الله مَا زَالُوا بِي يَنُوبُونَنِي حَتّى أَرَدْت أَنْ أَرْجِعَ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَأُكَذّبَ نَفْسِي. فَلَقِيت مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ وَأَبَا قَتَادَةَ فَقَالَا لِي: لَا تُطِعْ أَصْحَابَك وَأَقِمْ عَلَى الصّدْقِ، فَإِنّ اللهَ سَيَجْعَلُ لَك فرجا مخرجا إنْ شَاءَ اللهُ! فَأَمّا هَؤُلَاءِ الْمُعَذّرُونَ، فَإِنْ يَكُونُوا صَادِقِينَ فَسَيَرْضَى اللهُ ذَلِكَ وَيُعْلِمَهُ نَبِيّهُ، وَإِنْ كَانُوا عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ يَذُمّهُمْ أَقْبَحَ الذّمّ وَيُكَذّبْ حَدِيثَهُمْ. فَقُلْت لَهُمْ: هَلْ لَقِيَ هَذَا غَيْرِي؟ قَالُوا: نَعَمْ، رَجُلَانِ قَالَا مِثْلَ مقالتك،
وَقِيلَ لَهُمَا مِثْلُ مَا قِيلَ لَك. قُلْت: مَنْ هُمَا؟ قَالُوا: مُرَارَةُ بْنُ الرّبِيعِ، وَهِلَالُ بْنُ أُمَيّةَ الْوَاقِفِيّ. فَذَكَرُوا لِي رَجُلَيْنِ صَالِحَيْنِ فِيهِمَا أُسْوَةٌ وَقُدْوَةٌ، وَنَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ كَلَامِنَا أَيّهَا الثّلَاثَةُ مِنْ بَيْنِ مَنْ تَخَلّفَ عَنْهُ، فَاجْتَنَبْنَا النّاسَ وَتَغَيّرُوا لَنَا، حَتّى تَنَكّرَتْ لِي نَفْسِي، وَالْأَرْضُ فَمَا هِيَ الْأَرْضُ الّتِي كُنْت أَعْرِفُ، فَلَبِثْنَا عَلَى ذَلِكَ خَمْسِينَ لَيْلَةً. فَأَمّا صَاحِبَايَ فَاسْتَكَانَا فَقَعَدَا فِي بُيُوتِهِمَا، وَأَمّا أَنَا فَكُنْت أَشَدّ القوم وأجلدهم، وكنت أخرج وأشهد الصلوات مَعَ الْمُسْلِمِينَ وَأَطُوفُ بِالْأَسْوَاقِ، فَلَا يُكَلّمُنِي أَحَدٌ، حتى آتي رسول الله ﷺ وَهُوَ فِي مَجْلِسِهِ بَعْدَ الصّلَاةِ، فَأُسَلّمَ عَلَيْهِ فَأَقُولَ فِي نَفْسِي: هَلْ حَرّكَ شَفَتَيْهِ بِرَدّ السّلَامِ عَلَيّ أَمْ لَا، ثُمّ أُصَلّي قَرِيبًا مِنْهُ فَأُسَارِقَهُ النّظَرَ، فَإِذَا أَقْبَلْت عَلَى صَلَاتِي نَظَرَ إلَيّ، وَإِذَا الْتَفَتّ نَحْوَهُ أَعْرَضَ عَنّي، حَتّى إذَا طَالَ ذَلِكَ عَلَيّ مِنْ جَفْوَةِ الْمُسْلِمِينَ مَشَيْت حَتّى تَسَوّرْت حَائِطَ أَبِي قَتَادَةَ- وَهُوَ ابْنُ عَمّي وَأَحَبّ النّاسِ إلَيّ- فسلّمت عليه، فو الله مَا رَدّ عَلَيّ السّلَامَ، فَقُلْت لَهُ: يَا أَبَا قَتَادَةَ، أَنْشُدُك اللهَ! هَلْ تَعْلَمُنِي أُحِبّ اللهَ وَرَسُولَهُ؟ فَسَكَتَ، فَعُدْت فَقُلْت لَهُ: يَا أَبَا قَتَادَةَ، أَنْشُدُك اللهَ! هَلْ تَعْلَمُنِي أُحِبّ اللهَ وَرَسُولَهُ؟ فَسَكَتَ، فَعُدْت فَنَشَدْته الثّالِثَةَ فَقَالَ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ! فَفَاضَتْ عَيْنَايَ، فَوَثَبْت فَتَسَوّرْت الْجِدَارَ، ثُمّ غَدَوْت إلَى السّوقِ، فَبَيْنَا أَنَا أَمْشِي بِالسّوقِ فَإِذَا نَبَطِيّ مِنْ نَبَطِ الشّامِ مِمّنْ قَدِمَ بِالطّعَامِ يَبِيعُهُ بِالسّوقِ، يَسْأَلُ عَنّي يقول: من يدلني على كعب ابن مَالِكٍ؟ فَجَعَلَ النّاسُ يُشِيرُونَ لَهُ،
نْ نَبَطِ الشّامِ مِمّنْ قَدِمَ بِالطّعَامِ يَبِيعُهُ بِالسّوقِ، يَسْأَلُ عَنّي يقول: من يدلني على كعب ابن مَالِكٍ؟ فَجَعَلَ النّاسُ يُشِيرُونَ لَهُ، فَدَفَعَ إلَيّ كِتَابًا مِنْ الْحَارِثِ بْنِ أَبِي شَمِرٍ مَلِكِ غَسّانَ- أَوْ قَالَ [ (١) ] مِنْ جَبَلَةَ بْنِ الْأَيْهَمِ- فى سرقة [ (٢) ] من حرير،
فَإِذَا فِي كِتَابِهِ: أَمّا بَعْدُ، فَقَدْ بَلَغَنِي أَنّ صَاحِبَك قَدْ جَفَاك وَلَمْ يَجْعَلْك اللهُ بِدَارِ هَوَانٍ وَلَا مَضْيَعَةٍ، فَالْحَقْ بِنَا نُوَاسِك [ (١) ] . قَالَ كَعْبٌ: فَقُلْت حِينَ قَرَأْته: وَهَذَا مِنْ الْبَلَاءِ أَيْضًا، قَدْ بَلَغَ مِنّي مَا وَقَعْت فِيهِ أَنْ طَمِعَ فِيّ رِجَالٌ مِنْ أَهْلِ الشّرْكِ. فَذَهَبْت بِهَا إلَى تَنّورٍ فَسَجّرْتُهُ [ (٢) ] بِهَا، وَأَقَمْنَا عَلَى ذَلِكَ حَتّى إذَا مَضَتْ أَرْبَعُونَ ليلة من الخمسين إذا رَسُولِ اللهِ ﷺ يَأْتِينِي فقال: إن رسول الله ﷺ يَأْمُرُك أَنْ تَعْتَزِلَ امْرَأَتَك. فَقُلْت: أُطَلّقُهَا أَمْ مَاذَا؟ قَالَ: بَلْ اعْتَزِلْهَا فَلَا تَقْرَبْهَا. وَكَانَ الرّسُولُ إلَيّ، وَإِلَى هِلَالِ بْنِ أُمَيّةَ، ومرارة بن الرّبيع، خزيمة بْنِ ثَابِتٍ. قَالَ كَعْبٌ: فَقُلْت لِامْرَأَتِي: الْحَقِي بِأَهْلِك، فَكُونِي عِنْدَهُمْ حَتّى يَقْضِيَ اللهُ فِي هَذَا الْأَمْرِ مَا هُوَ قَاضٍ.
مة بْنِ ثَابِتٍ. قَالَ كَعْبٌ: فَقُلْت لِامْرَأَتِي: الْحَقِي بِأَهْلِك، فَكُونِي عِنْدَهُمْ حَتّى يَقْضِيَ اللهُ فِي هَذَا الْأَمْرِ مَا هُوَ قَاضٍ. وَأَمّا هِلَالُ بْنُ أُمَيّةَ فَكَانَ رَجُلًا صَالِحًا، فَبَكَى حَتّى إنْ كَانَ يُرَى أَنّهُ هَالِكٌ مِنْ الْبُكَاءِ، وَامْتَنَعَ مِنْ الطّعَامِ، فَإِنْ كَانَ يُوَاصِلُ الْيَوْمَيْنِ ولثلاثة مِنْ الصّوْمِ مَا يَذُوقُ طَعَامًا، إلّا أَنْ يَشْرَبَ الشّرْبَةَ مِنْ الْمَاءِ أَوْ مِنْ اللّبَنِ، وَيُصَلّيَ اللّيْلَ وَيَجْلِسَ فِي بَيْتِهِ لَا يَخْرُجُ، لِأَنّ أَحَدًا لَا يُكَلّمُهُ، حَتّى إنْ كَانَ الْوِلْدَانُ لَيَهْجُرُونَهُ لِطَاعَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ. فَجَاءَتْ امْرَأَتُهُ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إنّ هِلَالَ بْنَ أُمَيّةَ شَيْخٌ كَبِيرٌ ضَائِعٌ، لَا خَادِمَ لَهُ، وَأَنَا أَرْفَقُ بِهِ مِنْ غَيْرِي، فَإِنْ رَأَيْت أَنْ تَدَعَنِي أَنْ أَخْدُمَهُ فَعَلْت. قَالَ: نَعَمْ، وَلَكِنْ لَا تَدَعِيهِ يَصِلُ إلَيْك. فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا بِهِ مِنْ حَرَكَةٍ إلَيّ! وَاَللهِ، مَا زَالَ يَبْكِي مُنْذُ يَوْمَ كَانَ مِنْ أَمْرِهِ مَا كَانَ إلَى يَوْمِهِ هَذَا، وَإِنّ لِحْيَتَهُ لَتَقْطُرُ دُمُوعًا اللّيْلَ وَالنّهَارَ، وَلَقَدْ ظَهَرَ الْبَيَاضُ عَلَى عَيْنَيْهِ حَتّى تَخَوّفْت أَنْ يَذْهَبَ بَصَرُهُ. قَالَ كعب: فقال
لِي بَعْضُ أَهْلِي: لَوْ اسْتَأْذَنْت رَسُولَ اللهِ ﷺ لِامْرَأَتِك، فَقَدْ أَذِنَ لِامْرَأَةِ هِلَالِ بْنِ أُمَيّةَ أَنْ تَخْدُمَهُ. فَقُلْت: وَاَللهِ، لَا أَسْتَأْذِنُهُ فِيهَا، مَا يَدْرِينِي مَا يَقُولُ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي ذَلِكَ إذَا اسْتَأْذَنْته، وَأَنَا رَجُلٌ شَابّ، فو الله لَا أَسْتَأْذِنُهُ. ثُمّ لَبِثْنَا بَعْدَ ذَلِكَ عَشْرَ لَيَالٍ، وَكَمُلَتْ لَنَا خَمْسُونَ لَيْلَةً مِنْ حِينِ نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ الْمُسْلِمِينَ عَنْ كَلَامِنَا، ثُمّ صَلّيْت الصّبْحَ عَلَى ظَهْرِ بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِنَا عَلَى الْحَالِ الّتِي ذكر الله ﷿، وقد ضاقت علىّ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ، وَضَاقَتْ عَلَيّ نَفْسِي، وَقَدْ كنت ابتنيت خيمة فى ظهر سَلْعٍ فَكُنْت فِيهِ، إذْ سَمِعْت صَارِخًا أَوْفَى عَلَى سَلْعٍ، يَقُولُ بِأَعْلَى صَوْتِهِ: يَا كَعْبُ بْنَ مَالِكٍ، أَبْشِرْ! قَالَ: فَخَرَرْت سَاجِدًا، وَعَرَفْت أَنْ [قَدْ] [ (١) ] جَاءَ الْفَرَجُ. فَآذَنَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِتَوْبَةِ اللهِ عَلَيْنَا حِينَ صَلّى الصّبْحَ. فَكَانَتْ أُمّ سَلَمَةَ زَوْجُ النّبِيّ ﷺ تَقُولُ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ اللّيْلِ: يَا أُمّ سَلَمَةَ، قَدْ نَزَلَتْ تَوْبَةُ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ وَصَاحِبَيْهِ. فَقُلْت: يَا رَسُولَ اللهِ، أَلَا أَرْسَلْت إلَيْهِمْ فَأُبَشّرَهُمْ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: يَمْنَعُونَك النّوْمَ آخِرَ اللّيْلِ، وَلَكِنْ لَا يُرَوْنَ حَتّى يُصْبِحُوا. قَالَ: فَلَمّا صَلّى رَسُولُ اللهِ ﷺ الصّبْحَ أَخْبَرَ النّاسَ بِمَا تَابَ اللهُ عَلَى هَؤُلَاءِ النّفَرِ: كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، وَمُرَارَةَ بْنِ الرّبِيعِ، وَهِلَالِ بْنِ أُمَيّةَ. فَخَرَجَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ فَوَافَى عَلَى سَلْعٍ فَصَاحَ: قَدْ تَابَ اللهُ عَلَى كَعْبٍ! يُبَشّرُهُ بِذَلِكَ. وَخَرَجَ الزّبَيْرُ عَلَى فَرَسِهِ فِي بَطْنِ الْوَادِي، فَسَمِعَ صَوْتَ أَبِي بَكْرٍ ﵁ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ الزّبَيْرُ. وَخَرَجَ أَبُو الْأَعْوَرِ سَعِيدُ بْنُ زَيْدِ بْنِ عمرو بن نفيل إلى هلال يبشّره ببني واقف، فلمّا أخبره
ِي بَكْرٍ ﵁ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ الزّبَيْرُ. وَخَرَجَ أَبُو الْأَعْوَرِ سَعِيدُ بْنُ زَيْدِ بْنِ عمرو بن نفيل إلى هلال يبشّره ببني واقف، فلمّا أخبره
سَجَدَ. قَالَ سَعِيدٌ: فَظَنَنْت أَنّهُ لَا يَرْفَعُ رَأْسَهُ حَتّى تَخْرُجَ نَفْسُهُ، وَكَانَ بِالسّرُورِ أَكْثَرَ بُكَاءً مِنْهُ بِالْحُزْنِ حَتّى خِيفَ عَلَيْهِ، وَلَقِيَهُ النّاسُ يُهَنّئُونَهُ، فَمَا اسْتَطَاعَ الْمَشْيَ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ لِمَا نَالَهُ مِنْ الضّعْفِ وَالْحُزْنِ وَالْبُكَاءِ، حَتّى رَكِبَ حِمَارًا. وَكَانَ الّذِي بَشّرَ مُرَارَةَ بْنَ الرّبِيعِ سِلْكَانُ بْنُ سَلَامَةَ أَبُو نَائِلَةَ، وَسَلَمَةُ بْنُ سَلَامَةَ بْنِ وَقّشٍ، وَوَافَيَا الصّبْحَ مَعَ النّبِيّ ﷺ مِنْ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ، ثم انطلقا إلى مرار فَأَخْبَرَاهُ، فَأَقْبَلَ مُرَارَةُ حَتّى تَوَافَوْا عِنْدَ النّبِيّ ﷺ. قَالَ كَعْبٌ: وَكَانَ الصّوْتُ الّذِي سَمِعْت عَلَى سَلْعٍ أَسْرَعَ مِنْ الْفَارِسِ الّذِي يَرْكُضُ فِي الْوَادِي- وَهُوَ الزّبَيْرُ بْنُ الْعَوّامِ- وَاَلّذِي صَاحَ عَلَى سَلْعٍ، يَقُولُ كَعْبٌ: كَانَ رَجُلًا [ (١) ] مِنْ أَسْلَمَ يُقَالُ لَهُ حَمْزَةُ بْنُ عَمْرٍو، وَهُوَ الّذِي بَشّرَنِي. قَالَ: فَلَمّا سَمِعْت صَوْتَهُ نَزَعْت ثَوْبِي فَكَسَوْتهمَا إيّاهُ لِبِشَارَتِهِ، وَاَللهِ مَا أَمْلِكُ يَوْمَئِذٍ غَيْرَهُمَا! ثُمّ اسْتَعَرْت ثَوْبَيْنِ مِنْ أَبِي قَتَادَةَ فَلَبِسْتهمَا، ثُمّ انْطَلَقْت أَتَيَمّمُ رَسُولَ اللهِ ﷺ، وَتَلَقّانِي النّاسُ يُهَنّئُونَنِي بِالتّوْبَةِ يَقُولُونَ: لِيَهْنِكَ تَوْبَةُ اللهِ عَلَيْك! حَتّى دَخَلْت الْمَسْجِدَ وَرَسُولُ اللهِ ﷺ جَالِسٌ حَوْلَهُ النّاسُ، فَقَامَ إلَيّ طَلْحَةُ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ فَحَيّانِي وَهَنّأَنِي، مَا قَامَ إلَيّ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ غَيْرُهُ- فَكَانَ كَعْبٌ لَا يَنْسَاهَا لِطَلْحَةَ.
َ إلَيّ طَلْحَةُ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ فَحَيّانِي وَهَنّأَنِي، مَا قَامَ إلَيّ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ غَيْرُهُ- فَكَانَ كَعْبٌ لَا يَنْسَاهَا لِطَلْحَةَ. قَالَ كَعْبٌ: فَلَمّا سَلّمْت عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ لِي، وَوَجْهُهُ يَبْرُقُ مِنْ السّرُورِ: أَبْشِرْ بِخَيْرِ يَوْمٍ مَرّ [ (٢) ] عَلَيْك منذ ولدتك أمّك! ويقال: قال له: تعالى إلَى خَيْرِ يَوْمٍ [مَا] طَلَعَ عَلَيْك شَرْقُهُ قَطّ. قَالَ كَعْبٌ: قُلْت: أَمِنْ عِنْدِك يَا رَسُولَ اللهِ، أَوْ مِنْ عِنْدِ اللهِ؟ فَقَالَ: من عند الله
عَزّ وَجَلّ! قَالَ: وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إذَا سُرّ يَسْتَنِيرُ حَتّى كَأَنّ وَجْهَهُ فِلْقَةُ الْقَمَرِ، وَكَانَ يُعْرَفُ ذَلِكَ منه. فلمّا جلست بيني يَدَيْهِ قُلْت: يَا رَسُولَ اللهِ، إنّ مِنْ تَوْبَتِي إلَى اللهِ وَإِلَى رَسُولِهِ أَنْ أَنْخَلِعَ مِنْ مَالِي إلَى اللهِ وَرَسُولِهِ! فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: أَمْسِكْ عَلَيْك [بَعْضَ] [ (١) ] مَالِك، هُوَ خَيْرٌ لَك! قَالَ قُلْت: إنّي مُمْسِكٌ بِسَهْمِي الّذِي بِخَيْبَرَ! قَالَ رَسُولُ الله ﷺ: لَا! قُلْت: النّصْفُ! قَالَ: لَا! قُلْت: فَالثّلُثُ! قَالَ: نَعَمْ! قَالَ: إنّي يَا رَسُولَ اللهِ أَحْبِسُ سَهْمِي الّذِي بِخَيْبَرَ. قَالَ كَعْبٌ: قُلْت: يَا رَسُولَ اللهِ إنّ اللهَ ﷿ أَنْجَانِي بِالصّدْقِ، فَإِنّ تَوْبَتِي إلَى اللهِ أَلّا أُحَدّثَ إلّا صِدْقًا مَا حَيِيت. قَالَ كَعْبٌ: وَاَللهِ، مَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنْ النّاسِ أَبْلَاهُ اللهُ فِي صِدْقِ الْحَدِيثِ مُنْذُ ذَكَرْت لِرَسُولِ اللهِ ﷺ أَفْضَلَ مِمّا أَبْلَانِي، وَاَللهِ مَا تَعَمّدْت مِنْ كِذْبَةٍ مُنْذُ ذَكَرْت ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ إلَى يَوْمِي هَذَا، وَإِنّي لَأَرْجُو أَنْ يَحْفَظَنِي اللهُ ﷿ فِيمَا بَقِيَ. وَقَالَ كَعْبٌ: - قَالَ الْوَاقِدِيّ: أَنْشَدَنِيهِ أَيّوبُ بْنُ النّعْمَانِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ كَعْبٍ: سُبْحَانَ رَبّي إنْ لَمْ يَعْفُ عَنْ زَلَلِي [ (٢) ] ... فَقَدْ خَسِرْت وَتَبّ الْقَوْلُ وَالْعَمَل
ُ بْنُ النّعْمَانِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ كَعْبٍ: سُبْحَانَ رَبّي إنْ لَمْ يَعْفُ عَنْ زَلَلِي [ (٢) ] ... فَقَدْ خَسِرْت وَتَبّ الْقَوْلُ وَالْعَمَل قَالَ: وَأَنْزَلَ اللهُ ﷿: لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي ساعَةِ الْعُسْرَةِ [ (٣) ] إلَى قوله: وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ. قال كعب: فو اللهِ مَا أَنْعَمَ اللهُ عَلَيّ مِنْ نِعْمَةٍ قَطّ إذْ هَدَانِي لِلْإِسْلَامِ كَانَتْ أَعْظَمَ فِي نَفْسِي مِنْ صِدْقِي رَسُولَ اللهِ ﷺ، ألا أكون كذبته يومئذ،
فَأَهْلِكُ كَمَا هَلَكَ الّذِينَ كَذَبُوهُ. قَالَ اللهُ فِي الّذِينَ كَذَبُوهُ حِينَ أَنْزَلَ عَلَيْهِ الْوَحْيَ شَرّ مَا قَالَ: سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ [ (١) ] إلَى قَوْلِهِ الْفاسِقِينَ*. قَالَ كَعْبٌ: وَكُنّا خُلّفْنَا أَيّهَا الثّلَاثَةُ عَنْ أَمْرِ هَؤُلَاءِ الّذِينَ قَبِلَ مِنْهُمْ رسول الله ﷺ حين حَلَفُوا فَعَذَرَهُمْ، وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ، وَأَرْجَأَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَمْرَنَا حَتّى قَضَى اللهُ فِيهِ مَا قَضَى. فَبِذَلِكَ قَالَ اللهُ ﷿: وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا [ (٢) ] . قَالَ: لَيْسَ عَنْ الْغَزْوَةِ، وَلَكِنْ بِتَخْلِيفِهِ إيّانَا، وَإِرْجَائِهِ أَمْرَنَا عَمّنْ حَلَفَ لَهُ، وَاعْتَذَرَ إلَيْهِ فَقَبِلَ مِنْهُ. قَالَ كَعْبٌ حِينَ بَنَى الْخَيْمَةَ عَلَى سلع، فيما حدّثنى أيّوب من النعمان ابن عَبْدِ اللهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ أَبِي الْقَيْنِ: أَبَعْدَ دُورِ بَنِي الْقَيْنِ [ (٣) ] الْكِرَامِ وَمَا ... شَادُوا عَلَى تَبْتِيتِ [ (٤) ] الْبَيْتِ مِنْ سَعَفٍ قَالُوا: وَقَدِمَ رسول الله ﷺ المدينة فِي رَمَضَانَ سَنَةَ تِسْعٍ، فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلّهِ عَلَى مَا رَزَقَنَا فِي سَفَرِنَا هَذَا مِنْ أَجْرٍ وَحَسَنَةٍ وَمِنْ بَعْدِنَا شُرَكَاؤُنَا فِيهِ. فَقَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: يَا رَسُولَ اللهِ، أَصَابَكُمْ السّفَرُ وَشِدّةُ السّفَرِ وَمِنْ بَعْدِكُمْ شُرَكَاؤُكُمْ فِيهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: إنّ بِالْمَدِينَةِ لَأَقْوَامًا مَا سِرْنَا مِنْ مَسِيرٍ وَلَا هَبَطْنَا وَادِيًا إلّا كَانُوا مَعَنَا، حبسهم المرض، أو ليس اللهُ تَعَالَى يَقُولُ فِي كِتَابِهِ: وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ
رْنَا مِنْ مَسِيرٍ وَلَا هَبَطْنَا وَادِيًا إلّا كَانُوا مَعَنَا، حبسهم المرض، أو ليس اللهُ تَعَالَى يَقُولُ فِي كِتَابِهِ: وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ
لِيَنْفِرُوا كَافَّةً [ (١) ] ، فَنَحْنُ غُزَاتُهُمْ وَهُمْ قَعَدَتُنَا. وَاَلّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَدُعَاؤُهُمْ أَنْفَذُ فِي عَدُوّنَا مِنْ سِلَاحِنَا! وَجَعَلَ الْمُسْلِمُونَ يَبِيعُونَ سِلَاحَهُمْ وَيَقُولُونَ: قَدْ انْقَطَعَ الْجِهَادُ! فَجَعَلَ الْقَوِيّ مِنْهُمْ يَشْتَرِيهَا لِفَضْلِ قُوّتِهِ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَنَهَاهُمْ عَنْ ذَلِكَ وَقَالَ: لَا تَزَالُ عِصَابَةٌ مِنْ أُمّتِي يُجَاهِدُونَ عَلَى الْحَقّ حَتّى يَخْرُجَ الدّجّالُ! قَالُوا: وَمَرِضَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيّ فِي لَيَالٍ بَقِينَ مِنْ شَوّالٍ، وَمَاتَ فِي ذِي الْقَعْدَةِ وَكَانَ مَرَضُهُ عِشْرِينَ لَيْلَةً، فَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَعُودُهُ فِيهَا، فَلَمّا كَانَ الْيَوْمُ الّذِي مَاتَ فِيهِ دَخَلَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَهُوَ يَجُودُ بِنَفْسِهِ، فَقَالَ: فد نَهَيْتُك عَنْ حُبّ الْيَهُودِ. فَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيّ: أَبْغَضَهُمْ سَعْدُ بْنُ زُرَارَةَ فَمَا نَفَعَهُ. ثُمّ قَالَ ابْنُ أُبَيّ: يَا رَسُولَ اللهِ، لَيْسَ بِحِينِ عِتَابٍ! هُوَ الْمَوْتُ، فَإِنْ مُتّ فَاحْضُرْ غُسْلِي وَأَعْطِنِي قَمِيصَك أُكَفّنُ فِيهِ. فَأَعْطَاهُ الْأَعْلَى- وَكَانَ عَلَيْهِ قَمِيصَانِ- فَقَالَ: الّذِي يَلِي جِلْدَك.
َإِنْ مُتّ فَاحْضُرْ غُسْلِي وَأَعْطِنِي قَمِيصَك أُكَفّنُ فِيهِ. فَأَعْطَاهُ الْأَعْلَى- وَكَانَ عَلَيْهِ قَمِيصَانِ- فَقَالَ: الّذِي يَلِي جِلْدَك. فَنَزَعَ قَمِيصَهُ الّذِي يَلِي جِلْدَهُ فَأَعْطَاهُ، ثُمّ قَالَ: صَلّ عَلَيّ وَاسْتَغْفِرْ لِي! قَالَ: وَكَانَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ خِلَافَ هَذَا، يَقُولُ: جَاءَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بَعْدَ مَوْتِ ابْنِ أُبَيّ إلَى قَبْرِهِ، فَأَمَرَ بِهِ فَأُخْرِجَ، فَكَشَفَ مِنْ وَجْهِهِ وَنَفَثَ عَلَيْهِ مِنْ رِيقِهِ، وَأَسْنَدَهُ إلَى رُكْبَتَيْهِ وَأَلْبَسَهُ قَمِيصَهُ- وَكَانَ عَلَيْهِ قَمِيصَانِ- وَأَلْبَسَهُ الّذِي يَلِي جِلْدَهُ. وَالْأَوّلُ أَثْبَتُ عِنْدَنَا، أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ حَضَرَ غُسْلَهُ وَحَضَرَ كَفَنَهُ، ثُمّ حُمِلَ إلَى مَوْضِعِ الجنائز فَتَقَدّمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِيُصَلّيَ عَلَيْهِ، فَلَمّا قَامَ وَثَبَ إلَيْهِ عُمَرُ بْنُ الْخَطّابِ ﵁ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَتُصَلّي عَلَى ابْنِ أُبَيّ وَقَدْ قَالَ يَوْمَ كَذَا كَذَا وَيَوْمَ كَذَا كَذَا؟ فَعَدّ عَلَيْهِ قَوْلَهُ. فَتَبَسّمَ النّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عليه
أَتُصَلّي عَلَى ابْنِ أُبَيّ وَقَدْ قَالَ يَوْمَ كَذَا كَذَا وَيَوْمَ كَذَا كَذَا؟ فَعَدّ عَلَيْهِ قَوْلَهُ. فَتَبَسّمَ النّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عليه
وَسَلَّمَ وَقَالَ: أَخّرْ عَنّي يَا عُمَرُ! فَلَمّا أَكْثَرَ عَلَيْهِ عُمَرُ قَالَ: إنّي قَدْ خُيّرْت فَاخْتَرْت، وَلَوْ أَعْلَمُ أَنّي إذَا زِدْت عَلَى السّبْعِينَ غُفِرَ لَهُ زِدْت عَلَيْهَا، وَهُوَ قَوْلُهُ ﷿: اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ [ (١) ] . فَيُقَالُ إنّهُ قَالَ: سَأَزِيدُ عَلَى السّبْعِينَ. فَصَلّى رَسُولُ اللهِ ﷺ ثُمّ انْصَرَفَ، فَلَمْ يَكُنْ إلّا يَسِيرًا حَتّى نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَاتُ مِنْ «بَرَاءَةٌ» : وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَداً وَلا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ [ (٢) ] . وَيُقَالُ إنّهُ لَمْ تَزَلْ قَدَمَاهُ بَعْدَ دَفْنِهِ حَتّى نَزَلَتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الْآيَةُ، فَعَرَفَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْمُنَافِقِينَ، فَكَانَ مَنْ مَاتَ لَمْ يُصَلّ عَلَيْهِ. وَكَانَ مُجَمّعُ بْنُ جَارِيَةَ يُحَدّثُ يَقُولُ: مَا رَأَيْت رَسُولَ اللهِ ﷺ أَطَالَ عَلَى جِنَازَةٍ قَطّ مَا أَطَالَ عَلَيْهَا مِنْ الْوَقْتِ، ثُمّ خَرَجُوا حَتّى انْتَهَوْا إلَى قَبْرِهِ، وَقَدْ حُمِلَ عَلَى سَرِيرٍ يُحْمَلُ عَلَيْهِ مَوْتَاهُمْ عِنْدَ آلِ نُبَيْطٍ وَكَانَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ يُحَدّثُ يَقُولُ: رَأَيْت ابْنَ أُبَيّ عَلَى السّرِيرِ وَإِنّ رجليه لخارجتان مِنْ السّرِيرِ مِنْ طُولِهِ. وَكَانَتْ أُمّ عُمَارَةَ تُحَدّثُ قَالَتْ: شَهِدْنَا مَأْتَمَ ابْنِ أُبَيّ، فَلَمْ تتخلّف امرأة من الأوس والخروج إلّا أَتَتْ ابْنَتُهُ جَمِيلَةُ بِنْتُ عَبْدِ اللهِ بن أبىّ، وهي تقول: وا جبلاه! - ما ينهاها أحد ولا يعيّب عليها- وا جبلاه! وَارُكْنَاه! قَالُوا: وَلَقَدْ اُنْتُهِيَ بِهِ إلَى قَبْرِهِ.
تُ عَبْدِ اللهِ بن أبىّ، وهي تقول: وا جبلاه! - ما ينهاها أحد ولا يعيّب عليها- وا جبلاه! وَارُكْنَاه! قَالُوا: وَلَقَدْ اُنْتُهِيَ بِهِ إلَى قَبْرِهِ. فَكَانَ عَمْرُو بْنُ أُمَيّةَ الضّمْرِيّ يُحَدّثُ يَقُولُ: لَقَدْ جَهَدَنَا أَنْ نَدْنُوَ مِنْ سَرِيرِهِ فَمَا نَقْدِرُ عَلَيْهِ، قَدْ غَلَبَ عَلَيْهِ هَؤُلَاءِ الْمُنَافِقُونَ وكانوا قد
أَظْهَرُوا الْإِسْلَامَ، وَهُمْ عَلَى النّفَاقِ [ (١) ] ، مِنْ بَنِي قَيْنُقَاعٍ وَغَيْرِهِمْ: سَعْدُ بْنُ حُنَيْفٍ، وَزَيْدُ بْنُ اللّصَيْتِ، وَسَلَامَةُ بْنُ الْحُمَامِ، وَنُعْمَانُ بْنُ أَبِي عَامِرٍ، وَرَافِعُ بْنُ حَرْمَلَةَ، وَمَالِكُ بْنُ أَبِي نَوْفَلٍ، وَدَاعِسٌ، وَسُوَيْدٌ. وَكَانُوا أَخَابِثِ الْمُنَافِقِينَ، وَكَانُوا هُمْ الّذِينَ يَعْرِضُونَهُ. وَكَانَ ابْنُهُ عَبْدُ اللهِ لَيْسَ شَيْءٌ أَثْقَلُ عَلَيْهِ وَلَا أَعْظَمُ مِنْ رُؤْيَتِهِمْ، وَكَانَ بِهِ بَطْنٌ، فَكَانَ ابْنُهُ يُغْلِقُ دُونَهُمْ الْبَابَ، فَكَانَ ابْنُ أُبَيّ يَقُولُ: لَا يَلِيَنّي غَيْرُهُمْ. وَيَقُولُ: أَنْتَ وَاَللهِ أَحَبّ إلَيّ مِنْ الْمَاءِ عَلَى الظّمَأِ. وَيَقُولُونَ: لَيْتَ أَنّا نَفْدِيك بِالْأَنْفُسِ، وَالْأَوْلَادِ، وَالْأَمْوَالِ! فَلَمّا وَقَفُوا عَلَى حُفْرَتِهِ، وَرَسُولُ اللهِ ﷺ وَاقِفٌ يَلْحَظُهُمْ، ازْدَحَمُوا عَلَى النّزُولِ فِي حُفْرَتِهِ وَارْتَفَعَتْ الْأَصْوَاتُ حَتّى أُصِيبَ أَنْفُ دَاعِسٍ، وَجَعَلَ عُبَادَةُ بْنُ الصّامِتِ يَذُبّهُمْ وَيَقُولُ: اخْفِضُوا أَصْوَاتَكُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ! حَتّى أُصِيبَ أَنْفُ دَاعِسٍ فَسَالَ الدّمُ، وَكَانَ يُرِيدُ أَنْ يَنْزِلَ فِي حُفْرَتِهِ، فَنُحّيَ وَنَزَلَ رِجَالٌ مِنْ قَوْمِهِ، أَهْلُ فَضْلٍ وَإِسْلَامٍ، وَكَانَ لَمّا رَأَوْا مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنْ الصّلَاةِ عَلَيْهِ وَحُضُورِهِ، وَمِنْ الْقِيَامِ عَلَيْهِ. فَنَزَلَ فِي حُفْرَتِهِ ابْنُهُ عَبْدُ اللهِ، وَسَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ بْنِ الصّامِتِ، وَأَوْسُ بْنُ خَوْلِيّ حَتّى سُوّيَ عَلَيْهِ، وَإِنّ عَلَيْهِ أَصْحَابُ النّبِيّ ﷺ وَالْأَكَابِرُ مِنْ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ يُدَلّونَهُ فِي اللّحْدِ، وَهُمْ قِيَامٌ مَعَ النّبِيّ ﷺ. وَزَعَمَ مُجَمّعُ بْنُ جَارِيَةَ أَنّهُ رَأَى رَسُولَ اللهِ ﷺ يُدَلّيهِ بِيَدَيْهِ إلَيْهِمْ، ثُمّ قَامَ عَلَى الْقَبْرِ حَتّى دُفِنَ، وَعَزّى ابْنَهُ وَانْصَرَفَ.
ّعُ بْنُ جَارِيَةَ أَنّهُ رَأَى رَسُولَ اللهِ ﷺ يُدَلّيهِ بِيَدَيْهِ إلَيْهِمْ، ثُمّ قَامَ عَلَى الْقَبْرِ حَتّى دُفِنَ، وَعَزّى ابْنَهُ وَانْصَرَفَ. فَكَانَ عَمْرُو بْنُ أُمَيّةَ يَقُولُ: مَا لَقِيَ عَلَيْهِ أَصْحَابُهُ هَؤُلَاءِ الْمُنَافِقُونَ، إنّهُمْ هُمْ الّذِينَ كَانُوا يَحْثُونَ فِي الْقَبْرِ التّرَابَ وَيَقُولُونَ: يَا لَيْتَ أنّا فديناك بالأنفس
وكنّا قبلك! وهم يحثوا التراب على رؤوسهم. فَكَانَ الّذِي يَحْسُنُ أَمْرُهُ يَقُولُ: قَوْمٌ أَهْلُ فقر، وَكَانَ يُحْسِنُ إلَيْهِمْ! ذِكْرُ مَا نَزَلَ مِنْ الْقُرْآنِ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ ... [ (١) ] إلَى آخر الآية. قَالَ: غَزَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي حَرّ شَدِيدٍ وَجَهْدٍ مِنْ النّاسِ، وحين طابت [ (٢) ] الثمار واشتهبت الظّلَالُ، فَأَبْطَأَ النّاسُ، وَكَشَفَتْ «بَرَاءَةٌ» عَنْهُمْ مَا كَانَ مَسْتُورًا، وَأَبْدَتْ أَضْغَانَهُمْ وَنِفَاقَ مَنْ نَافَقَ مِنْهُمْ. يَقُولُ: إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذاباً أَلِيماً [ (٣) ] يَقُولُ: إلّا تَخْرُجُوا مَعَ النّبِيّ ﷺ، يُعَذِّبْكُمْ عَذاباً أَلِيماً* يَقُولُ: فِي الْآخِرَةِ، وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئاً. قيل: يا رسول الله، مَن هولاء الْقَوْمِ؟ مَا كانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ... [ (٤) ] الْآيَةُ. قَالَ: كَانَ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِ النّبِيّ ﷺ خَرَجُوا إلَى الْبَدْوِ يُفَقّهُونَ قَوْمَهُمْ، فَقَالَ الْمُنَافِقُونَ: قَدْ بَقِيَ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِ مُحَمّدٍ فِي الْبَوَادِي. وَقَالُوا: هَلَكَ أَصْحَابُ الْبَدْوِ.
وِ يُفَقّهُونَ قَوْمَهُمْ، فَقَالَ الْمُنَافِقُونَ: قَدْ بَقِيَ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِ مُحَمّدٍ فِي الْبَوَادِي. وَقَالُوا: هَلَكَ أَصْحَابُ الْبَدْوِ. فَنَزَلَتْ: وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ.. [ (٥) ] الْآيَةُ. وَنَزَلَ فِيهِمْ: وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ داحِضَةٌ ... [ (٦) ] الْآيَةُ إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ [ (٧) ]
يَعْنِي مَنْ [ (١) ] نَافَقَ مِنْ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ، إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا يَعْنِي مُشْرِكِي قُرَيْشٍ، ثانِيَ اثْنَيْنِ يَعْنِي النّبِيّ ﷺ وَأَبَا بَكْرٍ ﵁، إِذْ هُما فِي الْغارِ حَيْثُ كَانَتْ هِجْرَةُ رَسُولِ اللهِ ﷺ إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ يَقُولُ الطّمَأْنِينَةُ، وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها يَعْنِي الْمَلَائِكَةَ، وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيا يَقُولُ: جَعَلَ مَا جَاءَتْ بِهِ قُرَيْشٌ مِنْ آلِهَتِهِمْ بَاطِلًا، وَمَا جَاءَ بِهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ التّوْحِيدِ هُوَ الظّاهِرَ الْعَالِيَ. انْفِرُوا خِفافاً وَثِقالًا [ (٢) ] يقول نشاطا وغير نشاط، وَيُقَالُ الْخِفَافُ: الشّبَابُ، وَالثّقَالُ: الْكُهُولُ، وَجاهِدُوا بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَقُولُ: أَنْفِقُوا أَمْوَالَكُمْ فِي غَزْوَتِكُمْ، وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ: قَاتِلُوا.
ِدُوا بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَقُولُ: أَنْفِقُوا أَمْوَالَكُمْ فِي غَزْوَتِكُمْ، وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ: قَاتِلُوا. لَوْ كانَ عَرَضاً قَرِيباً [ (٣) ] يَعْنِي غَنِيمَةً قَرِيبَةً، وَسَفَراً قاصِداً يَعْنِي سَفَرًا قَرِيبًا، لَاتَّبَعُوكَ يَعْنِي الْمُنَافِقِينَ، وَلكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ سَفَرُ تَبُوكَ عُشْرُونَ لَيْلَةً، وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنا لَخَرَجْنا مَعَكُمْ يَعْنِي الْمُنَافِقِينَ حِينَ خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إلَى تَبُوكَ جَعَلُوا يَعْتَذِرُونَ بِالْعُسْرَةِ وَالْمَرَضِ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ يَعْنِي فِي الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ يَعْنِي إنّهُمْ مُقَوّوْنَ [ (٤) ] أَصِحّاءُ، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَأْذَنُ لَهُمْ وَيَقْبَلُ عُذْرَهُمْ. قَالَ: عَفَا اللَّهُ
عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ [ (١) ] حَتّى تَبْلُوَهُمْ بِالسّفَرِ وَتَعْلَمَ مَنْ هُوَ صَادِقٌ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ، الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكاذِبِينَ فَتَعْلَمَ مَنْ لَهُ قُوّةٌ مِمّنْ لَا قُوّةَ لَهُ، اسْتَأْذَنَك رِجَالٌ لَهُمْ قُوّةٌ. لَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجاهِدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ [ (٢) ] وَوَصَفَ الْمُؤْمِنِينَ الّذِينَ أَنْفَقُوا أَمْوَالَهُمْ فِي تِلْكَ الْغَزْوَةِ، وَكَانَتْ تسمى غزوة العسرة. إِنَّما يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ [ (٣) ] يَعْنِي الْمُنَافِقِينَ فِي شَكّهِمْ. وَلَوْ أَرادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ [ (٤) ] يَقُولُ: كَانُوا أَقْوِيَاءَ بِأَبْدَانِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ وَلَكِنْ كَرِهَ اللهُ خُرُوجَهُمْ فَخَذَلَهُمْ، وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقاعِدِينَ يَعْنِي مَعَ النّسَاءِ. لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ ما زادُوكُمْ إِلَّا خَبالًا [ (٥) ] يَعْنِي ابْنَ أُبَيّ، وَعَبْدَ اللهِ بْنَ نَبْتَلٍ، وَالْجَدّ بْنَ قَيْسٍ، وَكُلّ هَؤُلَاءِ اسْتَأْذَنَ وَرَجَعَ، فَيَقُولُ: لَوْ كَانُوا فِيكُمْ مَا زادُوكُمْ إِلَّا خَبالًا إلّا شَرّا، وَلَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَقُولُ: يَدْخُلُ الْمُنَافِقُ بَيْنَ الرّاحِلَتَيْنِ فَيَرْفَضّ بِهِمَا، يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ هَؤُلَاءِ النّفَرُ، يَقُولُ: لَأَظْهَرُوا النّفَاقَ وَلَقَالُوهُ. وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ يَقُولُ: مِنْ الْمُنَافِقِينَ وَمَنْ دُونَهُمْ من يأتيهم بالأخبار وهؤلاء من رؤساهم، وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ. ثُمّ ذَكَرَ الْمُنَافِقِينَ لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ [ (٦) ] يقول: من قبل خروجك وتشاوروا فى
َّالِمِينَ. ثُمّ ذَكَرَ الْمُنَافِقِينَ لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ [ (٦) ] يقول: من قبل خروجك وتشاوروا فى
كُلّ مَا يُلَبّسُ عَلَيْك وَعَلَى أَصْحَابِك حَتَّى جاءَ الْحَقُّ يَعْنِي ظَهَرَ الْحَقّ، وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ يَعْنِي أَمْرَك يَا مُحَمّدُ، وَهُمْ كارِهُونَ لِظُهُورِك وَاتّبَاعِ مَنْ اتّبَعَك مِنْ الْمُسْلِمِينَ. وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا [ (١) ] نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي الْجَدّ بْنِ قَيْسٍ، وَكَانَ مِنْ أَكْثَرِ بَنِي سَلِمَةَ مَالًا وَأَعَدّ عُدّةً فِي الظّهْرِ، وَكَانَ مُعْجَبًا بِالنّسَاءِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ألا تغزو بني الأصفر؟ عَسَى أَنْ تَحْتَقِبَ مِنْ بَنَاتِ الْأَصْفَرِ! فَقَالَ: يَا مُحَمّدُ، قَدْ عَلِمَ قَوْمِي أَنّهُ لَيْسَ رَجُلٌ أَعْجَبَ بِالنّسَاءِ مِنّي، فَلَا تَفْتِنّي بِهِنّ! يَقُولُ ﷿: أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا يتخلّفه عن رسول الله ﷺ وَنِفَاقِهِ، يَقُولُ ﷿: وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ بِهِ وَبِغَيْرِهِ مِمّنْ هُوَ عَلَى قَوْلِهِ. إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ [ (٢) ] غَنِيمَةٌ وَسَلَامَةٌ، تَسُؤْهُمْ يَعْنِي الّذِينَ تَخَلّفُوا وَاسْتَأْذَنُوك، وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ الْبَلَاءُ وَالشّدّةُ، يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنا أَمْرَنا حَذّرْنَا، مِنْ قَبْلُ يَعْنِي مَنْ اسْتَأْذَنَهُ، ابْنَ أُبَيّ وَغَيْرَهُ، وَالْجَدّ بْنَ قَيْسٍ، وَمَنْ كَانَ مِنْهُمْ عَلَى رَأْيِهِمْ، وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ بِتِلْكَ الْمُصِيبَةِ الّتِي أصابتك. يقول اللهِ ﷿: قُلْ لَنْ يُصِيبَنا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنا [ (٣) ] يَقُولُ: إلّا مَا كَانَ فِي أُمّ الْكِتَابِ، هُوَ مَوْلانا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ.
َنا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنا [ (٣) ] يَقُولُ: إلّا مَا كَانَ فِي أُمّ الْكِتَابِ، هُوَ مَوْلانا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ. يَقُولُ اللهُ ﷿ لِنَبِيّهِ: قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ [ (٤) ] الْغَنِيمَةَ أَوْ الشّهَادَةَ، وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذابٍ مِنْ عِنْدِهِ الْقَارِعَةِ تُصِيبُكُمْ، أَوْ بِأَيْدِينا يُؤْذَنُ لَنَا فِي قَتْلِكُمْ، فَتَرَبَّصُوا يَقُولُ: انْتَظِرُوا بِنَا وَنَنْتَظِرُ بِكُمْ وَعِيدَ الله فيكم.
قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْماً فاسِقِينَ [ (١) ] كَانَ رِجَالٌ مِنْ الْمُنَافِقِينَ مِنْ ذَوِي الطّوْلِ يُظْهِرُونَ النّفَقَةَ، إذَا رَآهُمْ النّاسُ لِيَبْلُغَ النّبِيّ ﷺ وَيَدْرَأُونَ بِذَلِكَ عَنْ أَنْفُسِهِمْ الْقَتْلَ. يَقُولُ اللهُ ﷿: وَما مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسالى [ (٢) ] يَقُولُ رِيَاءً: وَلا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كارِهُونَ يُرِيدُونَ أَنْ يَظْهَرَ أَنّهُمْ يُنْفِقُونَ. فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ [ (٣) ] أَيْ مَا أَعْطَيْنَاهُمْ، وَلا أَوْلادُهُمْ الّذِينَ أَعْطَيْنَاهُمْ إيّاهُمْ، إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الْحَياةِ الدُّنْيا يَقُولُ: تَكُونُ عَلَيْهِمْ بَيّنَةً لِأَنّ مَا أَكَلُوا مِنْهَا أَكَلُوهُ نِفَاقًا، وَمَا أَنْفَقُوا، فَإِنّمَا هُوَ رِيَاءٌ. يَقُولُ: وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كافِرُونَ أَنْ يَلْقَوْا رَبّهُمْ عَلَى نِفاقهم.
َكَلُوهُ نِفَاقًا، وَمَا أَنْفَقُوا، فَإِنّمَا هُوَ رِيَاءٌ. يَقُولُ: وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كافِرُونَ أَنْ يَلْقَوْا رَبّهُمْ عَلَى نِفاقهم. وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَما هُمْ مِنْكُمْ وَلكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ [ (٤) ] أَيْ رُؤَسَاءَهُمْ وَأَهْلَ الطَّول مِنْهُمْ مِثْلَ ابْنِ أُبَيّ، وَالْجَدّ بْنِ قَيْسٍ وَذَوِيهِ، كَانُوا يَأْتُونَ النّبِيّ ﷺ فَيَحْلِفُونَ أَنّهُمْ مَعَهُ، وَإِذَا خَرَجُوا نَقَضُوا، يَقُولُ: يَفْرَقُونَ مِنْ أَنْ يُقْتَلُوا لِقِلّتِهِمْ فِي الْمُسْلِمِينَ. لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغاراتٍ أَوْ مُدَّخَلًا لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ [ (٥) ] يَقُولُ:، لَوْ وَجَدُوا جَمَاعَةً أَوْ يَقْدِرُونَ عَلَى هَرَبٍ مِنْ دَارِهِمْ إلَى قَوْمٍ يَعِزّونَ فِيهِمْ، لَذَهَبُوا إلَيْهِمْ سُرَاعًا وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْها رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْها إِذا هُمْ يَسْخَطُونَ [ (٦) ] نَزَلَتْ فِي ثَعْلَبَةَ بْنِ حاطب، كان
يَقُولُ: إنّمَا يُعْطِي مُحَمّدٌ الصّدَقَاتِ مَنْ يَشَاءُ! يَتَكَلّمُ بِالنّفَاقِ. فَجَاءَ النّبِيّ ﷺ فَأَعْطَاهُ فَرَضِيَ، ثُمّ جَاءَهُ فَلَمْ يُعْطِهِ فَسَخِطَ. يَقُولُ اللهُ ﷿: وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ [ (١) ] يَقُولُ: لَمْ يَسْخَطُوا إذَا رَدّهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَوْ أَعْطَاهُ قَلِيلًا بِقَدْرِ مَا يَجِدُ وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ راغِبُونَ يَقُولُ: حَسْبُ نَبِيّهِ وَقَالَ: إنّ اللهَ سَيَرْزُقُنَا، وَإِذَا جاء رسول الله ﷺ مَالٌ أَعْطَانَا. قَالَ اللهُ ﷿: إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ وَالْعامِلِينَ عَلَيْها وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقابِ وَالْغارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ [ (٢) ] . وَيُرْوَى عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنّ سَائِلًا سَأَلَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: إنّ اللهَ لَمْ يَكِلْهَا إلَى مَلِكٍ مُقَرّبٍ وَلَا نَبِيّ مُرْسَلٍ حَتّى جَزّأَهَا عَلَى ثَمَانِيَةِ أَجْزَاءٍ، فَإِنْ كُنْت مِنْ جُزْءٍ مِنْهَا أَعْطَيْتُك، وَإِنْ كُنْت غَنِيّا فَصُدَاعٌ فِي الرّأْسِ وَأَذًى فِي الْبَطْنِ، وَالْفُقَرَاءُ فُقَرَاءُ الْمُهَاجِرِينَ الّذِينَ كَانُوا لَا يَسْأَلُونَ النّاسَ وَالْمَسَاكِينُ الّذِينَ كَانُوا فِي الصّفّةِ فِي عَهْدِ النّبِيّ ﷺ. وَالْعامِلِينَ عَلَيْها يُعْطُونَ قَدْرَ عِمَالَتِهِمْ وَنَفَقَتِهِمْ فِي سَفَرِهِمْ، وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ لَيْسَ فِي النّاس الْيَوْمَ، وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَعْطَى أَقْوَامًا، يَتَأَلّفُهُمْ عَلَى الْإِسْلَامِ، وَفِي الرِّقابِ* يَعْنِي المكاتَبين، وَالْغارِمِينَ يَعْنِي الّذِينَ عَلَيْهِمْ الدّيْنُ، يُقْضَى عَنْ الرّجُلِ دَيْنُهُ، وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ يَعْنِي الْمُجَاهِدِينَ، وَابْنَ السَّبِيلِ* الرّجُلُ الْمُنْقَطِعُ بِهِ فِي غَيْرِ بَلَدِهِ فَيُعَانُ وَيُحْمَلُ وَإِنْ كَانَ فِي أَهْلِهِ مُوسِرًا. وَهَذِهِ الصدقات



