— Bagian 39 · عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ أَبِي عَلْقَمَةَ، عَنْ الْأ… —
Bagian 39
عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ أَبِي عَلْقَمَةَ، عَنْ الْأَعْرَجِ، عَنْ ابْنِ بُحَيْنَةَ، قَالُوا: وَنَزَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ السّقْيَا يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ، ثُمّ أَصْبَحَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالْأَبْوَاءِ، فَأَهْدَى لَهُ الصّعْبُ بْنُ جَثّامَةَ عَجُزَ حِمَارٍ يَقْطُرُ دَمًا، فَرَدّهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَقَالَ: إنّا حُرُمٌ. فَكَانَ مُعَاوِيَةُ يَقُولُ: رَأَيْت رَسُولَ اللهِ ﷺ يَأْكُلُ بِالْأَبْوَاءِ لِيَاءً مُقَشّي [ (١) ] أُهْدِيَ لَهُ مِنْ وَدّانَ، ثُمّ قَامَ فَصَلّى وَلَمْ يَتَوَضّأْ، فَصَلّى رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي الْمَسْجِدِ الّذِي يَنْظُرُ وَادِيَ الْأَبْوَاءِ، عَلَى يَسَارِك وَأَنْتَ مُوَجّهٌ إلَى مَكّةَ. ثُمّ رَاحَ النّبِيّ ﷺ من الأبواء فصلّى بتلعتات [ (٢) ] الْيَمَنِ، وَكَانَ هُنَاكَ سَمُرَةٌ. كَانَ ابْنُ عُمَرَ يُخْبِرُ أَنّ النّبِيّ ﷺ جَلَسَ تَحْتَهَا، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَصُبّ الْإِدَاوَةَ تَحْتَهَا إذَا مَرّ بِهَا، يَسْقِيهَا. قَالَ: حَدّثَنِي أَفْلَحُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ يُخْبِرُ أَنّ النّبِيّ ﷺ جَلَسَ تَحْتَهَا، وَأَنّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يَصُبّ الْإِدَاوَةَ تَحْتَهَا فِي أَصْلِ السّمُرَةِ، يُرِيدُ بَقَاءَهَا. قَالَ: فَحَدّثَنِي أَفْلَحُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: صَلّى رسول الله ﷺ في الْمَسْجِدِ الّذِي هُنَاكَ حِينَ يَهْبِطُ مِنْ ثَنِيّةِ أَرَاكٍ [ (٣) ] عَلَى الْجُحْفَةِ، وَنَزَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ الْجُحْفَةَ، ثُمّ رَاحَ مِنْهَا فَصَلّى فِي الْمَسْجِدِ الّذِي يُحْرِمُ مِنْهُ مُشْرِفًا خَارِجًا مِنْ الْجُحْفَةِ، وَالْمَسْجِدُ الّذِي دُونَ خَمّ عَنْ يَسَارِ الطّرِيقِ، فَكَانَ يَوْمَ السّبْتِ بِقُدَيْدٍ، فَصَلّى فِي الْمَسْجِدِ الْمُشَلّلِ،
ا مِنْ الْجُحْفَةِ، وَالْمَسْجِدُ الّذِي دُونَ خَمّ عَنْ يَسَارِ الطّرِيقِ، فَكَانَ يَوْمَ السّبْتِ بِقُدَيْدٍ، فَصَلّى فِي الْمَسْجِدِ الْمُشَلّلِ،
وَصَلّى فِي الْمَسْجِدِ الّذِي أَسْفَلَ مِنْ لَفَتٍ. قَالَ: حَدّثَنِي إسْمَاعِيلُ بْنُ إبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ كُرَيْبٍ، عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ ﵁، قَالَ: مَرّ النّبِيّ ﷺ يَوْمَئِذٍ بِامْرَأَةِ فِي مِحَفّتِهَا [ (١) ] ، وَمَعَهَا ابْنٌ لَهَا صَغِيرٌ، فَأَخَذَتْ بِعَضُدِهِ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَلِهَذَا حَجّ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، وَلَك [ (٢) ] أَجْرٌ! وَكَانَ يَوْمَ الْأَحَدِ بِعْسْفَانَ، ثُمّ رَاحَ. فَلَمّا كَانَ بِالْغَمِيمِ اعْتَرَضَ الْمُشَاةَ، فَصُفّوا لَهُ صُفُوفًا فَشَكَوْا إلَيْهِ الْمَشْيَ، فَقَالَ: اسْتَعِينُوا بِالنّسَلَانِ [ (٣) ] . فَفَعَلُوهُ فَوَجَدُوا لِذَلِكَ رَاحَةً. وَكَانَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ بِمَرّ الظّهْرَانِ، فَلَمْ يَبْرَحْ مِنْهَا حَتّى أَمْسَى، وَغَرَبَتْ لَهُ الشّمْسُ، فَلَمْ يُصَلّ الْمَغْرِبَ حَتّى دَخَلَ مَكّةَ. فَلَمّا انْتَهَى إلَى الثّنِيّتَيْنِ بَاتَ بَيْنَهُمَا، بَيْنَ كُدًى وَكَدَاءٍ، ثُمّ أَصْبَحَ فَاغْتَسَلَ، وَدَخَلَ مَكّةَ نَهَارًا. قَالَ: فَحَدّثَنِي ابْنُ أَبِي سَبْرَةَ، عَنْ مُوسَى بْنِ سَعْدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ ﵁، أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ دَخَلَ مَكّةَ نَهَارًا مِنْ كُدًى عَلَى رَاحِلَتِهِ الْقَصْوَاءِ إلَى الْأَبْطَحِ، حَتّى دَخَلَ مِنْ أَعْلَى مَكّةَ حَتّى انْتَهَى إلَى الْبَابِ الّذِي يُقَالُ [لَهُ] بَابُ بَنِي شَيْبَةَ. فَلَمّا رَأَى الْبَيْتَ رَفَعَ يَدَيْهِ، فَوَقَعَ زِمَامُ نَاقَتِهِ فَأَخَذَهُ بِشِمَالِهِ. قَالُوا: ثُمّ قَالَ حِينَ رَأَى الْبَيْتَ: اللهُمّ زِدْ هَذَا الْبَيْتَ تَشْرِيفًا وَتَعْظِيمًا وَتَكْرِيمًا وَمَهَابَةً وَبِرّا!
خَذَهُ بِشِمَالِهِ. قَالُوا: ثُمّ قَالَ حِينَ رَأَى الْبَيْتَ: اللهُمّ زِدْ هَذَا الْبَيْتَ تَشْرِيفًا وَتَعْظِيمًا وَتَكْرِيمًا وَمَهَابَةً وَبِرّا! قَالَ: فحدثني محمد بن عبد الله، عن الزهري، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ، أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ حِينَ دَخَلَ الْمَسْجِدَ بَدَأَ بِالطّوَافِ قَبْلَ الصّلَاةِ. قَالُوا: وَلَمّا انْتَهَى إلَى الرّكْنِ اسْتَلَمَهُ وَهُوَ مُضْطَبِعٌ [ (٤) ] بِرِدَائِهِ،
وَقَالَ: بِسْمِ اللهِ، وَاَللهُ أَكْبَرُ! ثُمّ رَمَلَ [ (١) ] ثَلَاثَةً مِنْ الْحَجَرِ. وَكَانَ يَأْمُرُ مَنْ يَسْتَلِمُ الرّكْنَ أَنْ يَقُولَ: بِسْمِ اللهِ، وَاَللهُ أَكْبَرُ! إيمَانًا بِاَللهِ، وَتَصْدِيقًا بِمَا جَاءَ بِهِ مُحَمّدٌ ﷺ. قَالَ: حَدّثَنِي ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أبيه، عن عبد الله بن السّائِبِ الْمَخْزُومِيّ، أَنّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ فِيمَا بَيْنَ الرّكْنِ الْيَمَانِيّ وَالْأَسْوَدِ: رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنا عَذابَ النَّارِ [ (٢) ] . قَالَ: فَحَدّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ عَاصِمِ بن عبد الله، عن عبد الله ابن عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: رَمَقْت النّبِيّ ﷺ فَلَمْ يَسْتَلِمْ مِنْ الْأَرْكَانِ إلّا الْيَمَانِيّ وَالْأَسْوَدَ، وَمَشَى أَرْبَعَةً. قَالُوا: ثُمّ انْتَهَى إلَى خَلْفِ الْمَقَامِ فَصَلّى رَكْعَتَيْنِ، يَقْرَأُ فِيهِمَا: قُلْ يَا أَيُّهَا الْكافِرُونَ [ (٣) ] وقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [ (٤) ] ، ثُمّ عَادَ إلَى الرّكْن فَاسْتَلَمَهُ. وَقَدْ قَالَ لِعُمَرَ: إنّك رَجُلٌ قَوِيّ، إنْ وَجَدْت الرّكْنَ خَالِيًا فَاسْتَلِمْهُ، وَإِلّا فَلَا تُزَاحِمْ النّاسَ عَلَيْهِ فَتُؤْذِي وَتُؤْذَى. وَقَالَ لِعَبْدِ الرّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ: وَكَيْفَ صَنَعْت بِالرّكْنِ يَا أَبَا مُحَمّدٍ؟ قَالَ: اسْتَلَمْت وَتَرَكْت. قَالَ: أَصَبْت! ثُمّ خَرَجَ إلَى الصّفَا مِنْ بَابِ بَنِي مَخْزُومٍ، وَقَالَ: أَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللهُ بِهِ.
ُحَمّدٍ؟ قَالَ: اسْتَلَمْت وَتَرَكْت. قَالَ: أَصَبْت! ثُمّ خَرَجَ إلَى الصّفَا مِنْ بَابِ بَنِي مَخْزُومٍ، وَقَالَ: أَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللهُ بِهِ. قَالَ: فَحَدّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ وَفْدَانَ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ أَبِي أَنَسٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ ثَعْلَبَةَ، أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ سَعَى بَيْنَ الصّفَا وَالْمَرْوَةِ على راحلته من فوره ذلك.
قَالَ: حَدّثَنِي الثّوْرِيّ، عَنْ حَمّادٍ. عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَدِمَ، وَهُوَ سَاكِنٌ، فَطَافَ بَيْنَ الصّفَا وَالْمَرْوَةِ عَلَى رَاحِلَتِهِ. قَالَ: حَدّثَنِي ابْنُ أَبِي جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: طَافَ يَوْمَئِذٍ عَلَى بَغْلَتِهِ. وَالْأَوّلُ أَثْبَتُ عِنْدَنَا، وَهُوَ الْمَعْرُوفُ- عَلَى رَاحِلَتِهِ. قَالُوا: فَصَعِدَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى الصّفَا، فَكَبّرَ سَبْعَ تَكْبِيرَاتٍ، وَقَالَ: لَا إلَهَ إلّا اللهُ وَحْدَهُ، لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، صَدَقَ اللهُ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ! ثُمّ دَعَا بَيْنَ ذَلِكَ، ثُمّ نَزَلَ إلَى الْمَرْوَةِ، فَلَمّا انْصَبّتْ قَدَمَاهُ فِي الْوَادِي رَمَلَ. قَالَ: فَحَدّثَنِي عَلِيّ بْنُ مُحَمّدٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطّابِ، عَنْ مَنْصُورِ بْنِ عَبْدِ الرّحْمَنِ، عَنْ أُمّهِ، عَنْ بَرّةَ بِنْتِ أَبِي تِجْرَاةَ [ (١) ] قَالَتْ: لَمّا انْتَهَى النّبِيّ ﷺ إلَى الْمَسْعَى قَالَ: أَيّهَا النّاسُ، إنّ اللهَ كَتَبَ عَلَيْكُمْ السّعْيَ فَاسْعَوْا! فَسَعَى حَتّى رَأَيْت إزَارَهُ انْكَشَفَ عَنْ فَخِذِهِ. وَقَالُوا: قَالَ فِي الْوَادِي: رَبّ اغْفِرْ وَارْحَمْ، وَأَنْتَ الْأَعَزّ الْأَكْرَمُ! فَلَمّا انْتَهَى إلَى الْمَرْوَةِ فَعَلَ عَلَيْهَا مِثْلَ مَا فَعَلَ عَلَى الصّفَا، فَبَدَأَ بِالصّفَا وَخَتَمَ بِالْمَرْوَةِ، وكان رسول الله ﷺ قَدْ اضْطَرَبَ [ (٢) ] بِالْأَبْطَحِ. قَالَ: فَحَدّثَنِي بُرْدٌ أَنّ إبْرَاهِيمَ بْنَ أَبِي النّضْرِ حَدّثَهُ، عَنْ أَبِيهِ، عن أبي مرة مولى عقيل، عن أم هَانِئٍ، قَالَتْ، قُلْت [ (٣) ] : يَا رَسُولَ اللهِ، أَلّا تَنْزِلُ فِي بُيُوتِ مَكّةَ؟ فَأَبَى وَاضْطَرَبَ بِالْأَبْطَحِ حتى خرج يوم التروية، ثم رجع
َانِئٍ، قَالَتْ، قُلْت [ (٣) ] : يَا رَسُولَ اللهِ، أَلّا تَنْزِلُ فِي بُيُوتِ مَكّةَ؟ فَأَبَى وَاضْطَرَبَ بِالْأَبْطَحِ حتى خرج يوم التروية، ثم رجع
مِنْ مِنًى فَنَزَلَ بِالْأَبْطَحِ حَتّى خَرَجَ إلَى الْمَدِينَةِ، وَلَمْ يَنْزِلْ بَيْتًا وَلَمْ يُظِلّهُ قَالَ: وَدَخَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْكَعْبَةَ، فَلَمّا انْتَهَى إلَى بَابِهَا خَلَعَ نَعْلَيْهِ، وَدَخَلَ مَعَ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، وَبِلَالٍ، وَأُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، فَأَغْلَقُوا عَلَيْهِمْ الْبَابَ طَوِيلًا ثُمّ فَتَحُوهُ. قَالَ ابْنُ عُمَرَ: فَكُنْت أَوّلَ النّاسِ سَبَقَ إلَيْهِ، فَسَأَلْت بِلَالًا: أَصَلّى رَسُولُ اللهِ ﷺ فِيهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، رَكْعَتَيْنِ بَيْنَ الْأُسْطُوَانَتَيْنِ الْمُقَدّمَتَيْنِ- وَكَانَ عَلَى سِتّةِ أَعْمِدَة. فَحَدّثَنِي ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ ﵁، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، أَنّ النّبِيّ ﷺ كَبّرَ فِي نَوَاحِيهِ وَلَمْ يُصَلّ. قَالُوا: وَكَانَتْ عَائِشَةُ ﵂ تَقُولُ: دخل على رسول الله ﷺ حَزِينًا فَقُلْت: مَا لَك يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: فَعَلْت الْيَوْمَ أَمْرًا لَيْتَنِي لَمْ أَكُ فَعَلْته! دَخَلْت الْبَيْتَ فَعَسَى الرّجُلُ مِنْ أُمّتِي لَا يَقْدِرُ أَنْ يَدْخُلَهُ، فَتَكُونَ فِي نَفْسِهِ حَرَارَةٌ، وَإِنّمَا أُمِرْنَا بِالطّوَافِ وَلَمْ نُؤْمَرْ بِالدّخُولِ. وَكَسَا رَسُولُ اللهِ ﷺ الْبَيْتَ. قَالَ: فَحَدّثَنِي ابْنُ أَبِي سَبْرَةَ، عَنْ خَالِدِ بْنِ رَبَاحٍ، عَنْ الْمُطّلِبِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُوسَى، قَالَ: سَمِعْت الْعَبّاسَ بْنَ عَبْدِ الْمُطّلِبِ ﵁ يَقُولُ: كَسَا رَسُولُ اللهِ ﷺ الْبَيْتَ فِي حَجّتِهِ الْحِبَرَاتِ [ (١) ] . قَالُوا: وَكَانَتْ الْكَعْبَةُ على عهد رسول الله ﷺ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ ذِرَاعًا. قَالُوا: وَقَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَوْمَ الثّلَاثَاءِ وَالْأَرْبِعَاءِ وَالْخَمِيسِ وَالْجُمُعَةِ- وَهُوَ يَوْمُ التّرْوِيَةِ، فِيمَا اُجْتُمِعَ لَنَا عَلَيْهِ- وَخَطَبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَبْلَ التّرْوِيَةِ بِيَوْمٍ بَعْدَ الظّهر بمكّة.
لْجُمُعَةِ- وَهُوَ يَوْمُ التّرْوِيَةِ، فِيمَا اُجْتُمِعَ لَنَا عَلَيْهِ- وَخَطَبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَبْلَ التّرْوِيَةِ بِيَوْمٍ بَعْدَ الظّهر بمكّة.
قَالَ: فَحَدّثَنِي هِشَامُ بْنُ عُمَارَةَ، عَنْ عَبْدِ الرّحْمَنِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ حَارِثَةَ الظّفَرِيّ، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَثْرِبِيّ الضّمْرِي [ (١) ] ، قَالَ: رَأَيْت رَسُولَ اللهِ ﷺ يَخْطُبُ قَبْلَ التّرْوِيَةِ بِيَوْمٍ بَعْدَ الظّهْرِ، وَيَوْمَ عَرَفَةَ بِعَرَفَةَ حِينَ زَاغَتْ الشّمْسُ عَلَى رَاحِلَتِهِ قَبْلَ الصّلَاةِ، وَالْغَدُ مِنْ يَوْمِ النّحْرِ بِمِنًى بَعْدَ الظّهْرِ. قَالَ الْوَاقِدِيّ: هَذَا الْأَمْرُ الْمَأْخُوذُ بِهِ الْمَعْرُوفُ. وَيُقَالُ: إنّ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَافَقَ يَوْمَ التّرْوِيَةِ، فَقَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بَيْنَ الرّكْنِ وَالْمَقَامِ، فَوَعَظَ النّاسَ وَقَالَ: مَنْ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنّ يُصَلّيَ الظّهْرَ بِمِنًى فَلْيَفْعَلْ. وَرَكِبَ حِينَ زَاغَتْ الشّمْسُ بَعْدَ أَنْ طَافَ بِالْبَيْتِ أُسْبُوعًا، فَصَلّى الظّهْرَ وَالْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ وَالصّبْحَ بِمِنًى، وَنَزَلَ بِمَوْضِعِ دَارِ الْإِمَارَةِ الْيَوْمَ. فَقَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: يَا رَسُولَ اللهِ، أَلَا نَبْنِي لَك كَنِيفًا [ (٢) ] ؟ فَأَبَى رَسُولُ اللهِ ﷺ وَقَالَ: مِنًى مَنْزِلُ مَنْ سَبَقَ! قَالَ: حَدّثَنِي ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنْ مُحَمّدِ بْنِ قَيْسِ بْنِ مَخْرَمَةَ، أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَمْ يَرْكَبْ مِنْ مِنًى حَتّى رَأَى الشّمْسَ قَدْ طَلَعَتْ، ثُمّ رَكِبَ فَانْتَهَى إلَى عَرَفَةَ فَنَزَلَ بِنَمِرَةَ، وَقَدْ ضَرَبَ لَهُ بِهَا قُبّةً مِنْ شَعْرٍ. وَيُقَالُ: إنّمَا قَالَ إلَى فَيْءِ صَخْرَةٍ، وَمَيْمُونَةُ زَوْجَتُهُ تَتْبَعُ ظِلّهَا حَتّى رَاحَ، وَأَزْوَاجُهُ فِي قِبَابٍ- أَوْ فِي قُبّةٍ- حَوْلَهُ. فَلَمّا كَانَ حِينَ زَاغَتْ الشّمْسُ أمر رسول الله ﷺ بِرَاحِلَتِهِ الْقَصْوَاءِ، فَرُحّلَتْ إلَى بَطْنِ الْوَادِي- بَطْنِ عرنة.
قَالُوا: وَكَانَتْ قُرَيْشٌ لَا تَشُكّ أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَا يُجَاوِزُ الْمُزْدَلِفَةَ يَقِفُ بِهَا، فَقَالَ لَهُ نَوْفَلُ بْنُ مُعَاوِيَةَ الدّيلِيّ، وَهُوَ يَسِيرُ إلَى جَنْبِهِ: يَا رَسُولَ اللهِ، ظَنّ قَوْمُك أَنّك تَقِفُ بِجَمْعٍ. فقال رسول الله ﷺ: لَقَدْ كُنْت أَقِفُ بِعَرَفَةَ قَبْلَ النّبُوّةِ خِلَافًا لَهُمْ! وَقَالَ جُبَيْرُ بْنُ مُطْعِمٍ: رَأَيْت رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقِفُ بِعَرَفَةَ قَبْلَ النّبُوّةِ، وَكَانَتْ قُرَيْشٌ كُلّهَا تَقِفُ بِجَمْعٍ إلّا شَيْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ. وَإِنّ مُوسَى بْنَ يَعْقُوبَ حَدّثَنِي، عَنْ عَمّهِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْوَلِيدِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ عَفّانَ، عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ، قَالَتْ: كَانَ شَيْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ مِنْ بَيْنِ قُرَيْشٍ يَقِفُ بِعَرَفَةَ، عَلَيْهِ ثَوْبَانِ أَسْوَدَانِ، وَزِمَامُ بَعِيرِهِ مِنْ شَعْرٍ بَيْنَ غَرْزَيْنِ [ (١) ] أَسْوَدَيْنِ، حَتّى يَقِفَ مَعَ النّاسِ بِعَرَفَةَ ثُمّ يَدْفَعُ بِدَفْعِهِمْ، فَإِنّنَا لَا نَتَكَلّمُ مَعَ النّاسِ- يَعْنِي الْعَرَبَ- كَانَتْ تَقِفُ بِعَرَفَةَ: وَقُرَيْشٌ بِجَمْعٍ تَقُولُ: نَحْنُ أَهْلُ اللهِ. قَالَ: فَحَدّثَنِي ابْنُ أَبِي سَبْرَةَ، عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: خَطَبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حِينَ زَاغَتْ الشّمْسُ بِبَطْنِ عَرَفَةَ عَلَى نَاقَتِهِ الْقَصْوَاءِ، فَلَمّا كَانَ آخِرُ الْخُطْبَةِ أَذّنَ بِلَالٌ وَسَكَتَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ كَلَامِهِ، فَلَمّا فَرَغَ بِلَالٌ مِنْ أَذَانِهِ تَكَلّمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِكَلِمَاتٍ وَأَنَاخَ رَاحِلَتَهُ، وَأَقَامَ بِلَالٌ، فَصَلّى رَسُولُ اللهِ ﷺ الظّهْرَ، ثُمّ أَقَامَ فَصَلّى الْعَصْرَ، جَمَعَ بَيْنَهُمَا بِأَذَانٍ وَإِقَامَتَيْنِ. فَحَدّثَنِي أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدّهِ، أَنّهُ رَأَى رَسُولَ اللهِ ﷺ يَخْطُبُ يَوْمَئِذٍ فِي وَادِي عَرَفَةَ، ثُمّ رَكِبَ. قَالَ: فَرَأَيْت رَسُولَ اللهِ ﷺ يُشِيرُ بِيَدِهِ إلَى الناس أن يقفوا- إلى عرفة.
سُولَ اللهِ ﷺ يَخْطُبُ يَوْمَئِذٍ فِي وَادِي عَرَفَةَ، ثُمّ رَكِبَ. قَالَ: فَرَأَيْت رَسُولَ اللهِ ﷺ يُشِيرُ بِيَدِهِ إلَى الناس أن يقفوا- إلى عرفة.
خُطْبَةُ النّبِيّ ﷺ بِعَرَفَةَ قَبْلَ الصّلَاتَيْنِ وَكَانَ مِنْ خُطْبَتِهِ يَوْمَئِذٍ: أَيّهَا النّاسُ، إنّي وَاَللهِ مَا أَدْرِي لَعَلّي لَا أَلْقَاكُمْ بِمَكَانِي هَذَا بَعْدَ يَوْمِكُمْ هَذَا! رَحِمَ الله امرءا سَمِعَ مَقَالَتِي فَوَعَاهَا، فَرُبّ حَامِلِ فِقْهٍ لَا فِقْهَ لَهُ، وَرُبّ حَامِلِ فِقْهٍ إلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ! وَاعْلَمُوا أَنّ أَمْوَالَكُمْ وَدِمَاءَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا! وَاعْلَمُوا أَنّ الصّدُورَ لَا تُغَلّ [ (١) ] عَلَى ثَلَاثٍ: إخْلَاصُ الْعَمَلِ لِلّهِ، وَمُنَاصَحَةُ أَهْلِ الْأَمْرِ، وَلُزُومُ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنّ دَعْوَتَهُمْ تُحِيطُ مِنْ وَرَائِهِمْ! أَلّا إنّ كُلّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيّةِ تَحْتَ قَدَمِي مَوْضُوعٌ، وَأَوّلُ دِمَاءِ الْجَاهِلِيّةِ أَضَعُ دَمَ إيَاسِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ- كَانَ مُسْتَرْضَعًا فِي بَنِي سَعْدٍ، فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ- وَرِبَا الْجَاهِلِيّةِ مَوْضُوعٌ كُلّهُ، وَأَوّلُ رِبًا أَضَعُهُ رِبَا الْعَبّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطّلِبِ. اتّقُوا اللهَ فِي النّسَاءِ، فَإِنّمَا أَخَذْتُمُوهُنّ بِأَمَانَةِ اللهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنّ بِكَلِمَةِ اللهِ، وَإِنّ لَكُمْ عَلَيْهِنّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ فَاضْرِبُوهُنّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرّحٍ، وَلَهُنّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنّ وَكَسَوْتهنّ بِالْمَعْرُوفِ، قَدْ تَرَكْت فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلّوا بَعْدَهُ إنْ اعْتَصَمْتُمْ به- كتاب الله ﵎! وأنتم مسؤولون عَنّي، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟ قَالُوا: نَشْهَدُ أَنْ قَدْ بَلّغْت وَأَدّيْت وَنَصَحْت! ثُمّ قَالَ، بِإِصْبَعِهِ السّبّابَةِ إلَى السّمَاءِ، يَرْفَعُهَا وَيَكُبّهَا ثَلَاثًا: اللهُمّ، واشهد!
َشْهَدُ أَنْ قَدْ بَلّغْت وَأَدّيْت وَنَصَحْت! ثُمّ قَالَ، بِإِصْبَعِهِ السّبّابَةِ إلَى السّمَاءِ، يَرْفَعُهَا وَيَكُبّهَا ثَلَاثًا: اللهُمّ، واشهد! قَالَ: فَحَدّثَنِي مُحَمّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، عَنْ عمّه الزّهرىّ، عن أبى سلمة ابن عَبْدِ الرّحْمَنِ، عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ ﵁، أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَقَفَ بِالْهِضَابِ مِنْ عَرَفَةَ فَقَالَ: كُلّ عرفة موقف إلّا بطن عرنة،
وَكُلّ الْمُزْدَلِفَةِ مَوْقِفٌ إلّا بَطْنَ مُحَسّرٍ، وَكُلّ مِنًى مَنْحَرٌ إلّا خَلْفَ الْعَقَبَةِ قَالُوا: وَبَعَثَ رسول الله ﷺ إلى مَنْ هُوَ بِأَقْصَى عَرَفَةَ فَقَالَ: الْزَمُوا مَشَاعِرَكُمْ، فَإِنّكُمْ عَلَى إرْثٍ مِنْ إرْثِ إبْرَاهِيمَ. قَالَ: فَحَدّثَنِي إسْحَاقُ بْنُ حَازِمٍ، عَنْ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَن ابْنِ عَبّاسٍ، قَالَ: عَرَفَةُ أَوّلُ جَبَلٍ مِمّا يَلِي عُرَنَةَ إلَى جَبَلِ عَرَفَةَ، كُلّهِ مِنْ عَرَفَةَ. قَالَ: وَقَالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نَظَرْت إلَى النّبِيّ ﷺ وَهُوَ وَاقِفٌ بِعَرَفَةَ، وَهُوَ مَادّ يَدَيْهِ، يُقْبِلُ بِرَاحَتَيْهِ [ (١) ] عَلَى وَجْهِهِ. وَقَالُوا: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: إنّ أَفَضْلَ دُعَائِي وَدُعَاءَ مَنْ كَانَ قَبْلِي مِنْ الْأَنْبِيَاءِ: لا إله إلا الله وحده، لا شريك لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، بِيَدِهِ الْخَيْرُ، يُحْيِي وَيُمِيتُ، وَهُوَ عَلَى كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ! قَالَ: فَحَدّثَنِي ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ صَالِحٍ مَوْلَى التّوَمَةِ، عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ، أَنّ نَاسًا اخْتَلَفُوا فِي صِيَامِ النّبِيّ ﷺ يَوْمَ عَرَفَةَ. فَقَالَتْ أُمّ الْفَضْلِ: أَنَا أَعْلَمُ لَكُمْ عَنْ ذَلِكَ! فَأَرْسَلَتْ إلَيْهِ بِعُسّ [ (٢) ] مِنْ لَبَنٍ، فَشَرِبَ وَهُوَ يَخْطُبُ. قَالُوا: وَوَقَفَ رسول الله ﷺ على رَاحِلَتِهِ حَتّى غَرَبَتْ [الشّمْسُ] يَدْعُو. وَكَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيّةِ يَدْفَعُونَ مِنْ عَرَفَةَ إذَا كَانَتْ الشّمْسُ على رؤوس الجبال كهيئة العمائم على رووس الرّجَالِ. فَظَنّتْ قُرَيْشٌ أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَدْفَعُ كَذَلِكَ، فَأَخّرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ دَفْعَهُ حَتّى غَرَبَتْ الشّمْسُ، وَكَذَلِكَ كَانَتْ دَفْعَةُ النّبِيّ ﷺ. قَالَ: حَدّثَنِي عَبْدُ الرّحْمَنِ بْنُ أَبِي الزّنَادِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عُرْوَةَ بن
ى غَرَبَتْ الشّمْسُ، وَكَذَلِكَ كَانَتْ دَفْعَةُ النّبِيّ ﷺ. قَالَ: حَدّثَنِي عَبْدُ الرّحْمَنِ بْنُ أَبِي الزّنَادِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عُرْوَةَ بن
الزّبير، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، قَالَ: سَمِعْته يَسْأَلُ عَنْ سَيْرِ النّبِيّ ﷺ عَشِيّةَ عَرَفَةَ، فَقَالَ: كَانَ يَسِيرُ الْعَنَقَ، وَإِذَا وَجَدَ فَجْوَةً نَصّ- وَالنّصّ: فَوْقَ الْعَنَقِ. قَالَ: فَحَدّثَنِي إبْرَاهِيمُ بْنُ يَزِيدَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: أَيّهَا النّاسُ، عَلَى رِسْلِكُمْ [ (١) ] ! عَلَيْكُمْ بِالسّكِينَةِ، لِيَكُفّ قَوِيّكُمْ عَنْ ضَعِيفِكُمْ. قَالَ: فَحَدّثَنِي مَعْمَرٌ، عَنْ ابْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: مَا رَفَعَتْ نَاقَةُ النّبِيّ ﷺ يَدَيْهَا فِي شَيْءٍ مِنْ الدّفْعَتَيْنِ وَاضِعَةً حَتّى رَمَى جَمْرَةً. قَالَ: فَحَدّثَنِي مُحَمّدُ بْنُ مُسْلِمٍ الْجُهَنِيّ، عَنْ عُيَيْمِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ كُلَيْبٍ الْجُهَنِيّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدّهِ، قَالَ: رَأَيْت رَسُولَ اللهِ ﷺ وَقَدْ دَفَعَ مِنْ عَرَفَةَ إلَى جَمْعٍ، والنار توقد بالمزدلفة وهو يؤمّها حَتّى نَزَلَ قَرِيبًا مِنْهَا. قَالَ: فَحَدّثَنِي إسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ خَارِجَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: لَمّا أَبْصَرَ سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ النّارَ، قَالَ لِخَارِجَةَ بْنِ زَيْدٍ: مَتَى كَانَتْ هَذِهِ النّارُ يَا أَبَا يَزِيدَ؟ قَالَ: كَانَتْ فِي الْجَاهِلِيّةِ، وَضَعَتْهَا قُرَيْشٌ، لَا تَخْرُجُ مِنْ الْحَرَمِ إلَى عَرَفَةَ [إلّا] تَقُولُ: نَحْنُ أَهْلُ اللهِ! وَلَقَدْ أَخْبَرَنِي حَسّانُ بْنُ ثَابِتٍ وَغَيْرُهُ فِي نَفَرٍ مِنْ قَوْمِي أَنّهُمْ كَانُوا يَحُجّونَ فِي الْجَاهِلِيّةِ فَيَرَوْنَ تِلْكَ النّارَ. قَالَ: فَحَدّثَنِي إبْرَاهِيمُ بْنُ يَزِيدَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عن ابن
هُمْ كَانُوا يَحُجّونَ فِي الْجَاهِلِيّةِ فَيَرَوْنَ تِلْكَ النّارَ. قَالَ: فَحَدّثَنِي إبْرَاهِيمُ بْنُ يَزِيدَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عن ابن
عَبّاسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: إلَى الشّعْبِ! قَالَ: وَهُوَ شِعْبُ الْإِذْخِرِ يَسَارَ الطّرِيقِ بَيْنَ الْمَأْزِمَيْنِ، وَلَمْ يُصَلّ. قَالَ: فَحَدّثَنِي ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ الزّهْرِيّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ، أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ صَلّى الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ بِالْمُزْدَلِفَةِ بِإِقَامَةٍ، وَلَمْ يُسَبّحْ بَيْنَهُمَا، وَلَا عَلَى إثْرِ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا. قَالَ: فَحَدّثَنِي ابْنُ أَبِي سَبْرَةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ شِبْلٍ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ، قَالَ: صَلّاهُمَا [ (١) ] رَسُولُ اللهِ ﷺ بِأَذَانٍ وَإِقَامَتَيْنِ. قَالُوا: وَنَزَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَرِيبًا مِنْ النّارِ- وَالنّارُ عَلَى قُزَحَ، وَهُوَ الْجَبَلُ، وَهُوَ الْمَشْعَرُ الْحَرَامُ- فَلَمّا كَانَ فِي السّحَرِ أَذّنَ لِمَنْ اسْتَأْذَنَهُ مِنْ أَهْلِ الضّعْفِ مِنْ الذّرّيّةِ وَالنّسَاءِ. قَالَ: حَدّثَنِي أفلح بن حميد، عن القاسم، عن عائشة ﵂، أَنّ سَوْدَةَ بِنْتَ رَبِيعَةَ اسْتَأْذَنَتْ النّبِيّ ﷺ فِي التّقَدّمِ مِنْ جَمْعٍ قَبْلَ حَطْمَةِ [ (٢) ] النّاسِ، وَكَانَتْ امْرَأَةٌ ثَبِطَةً [ (٣) ] ، فَأَذِنَ لَهَا وَحَبَسَ نِسَاءَهُ حَتّى دَفَعْنَ بِدَفْعِهِ حِينَ أَصْبَحَ. قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: فَلَأَنْ أَكُونَ اسْتَأْذَنْت رَسُولَ اللهِ ﷺ كَمَا اسْتَأْذَنَتْهُ سَوْدَةُ أَحَبّ إلَيّ مِنْ مَفْرُوجٍ بِهِ. قَالَ: فَحَدّثَنِي ابن أبي سبرة، عن إسحاق بن عبد الله، عن عمران ابن أَبِي أَنَسٍ، عَنْ أُمّهِ، قَالَتْ: تَقَدّمْت مَعَ سَوْدَةَ زَوْجِ النّبِيّ ﷺ فِي حَجّتِهِ فَرَمَيْنَا قَبْلَ الْفَجْرِ. قَالَ: فَحَدّثَنِي ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ ابْنِ عبّاس رضى الله
عَنْهُ، أَنّهُ كَانَ يَقُولُ: بَعَثَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ مَعَ أَهْلِهِ فَرَمَوْا الْجَمْرَةَ مَعَ الْفَجْر. قَالَ: فَحَدّثَنِي جُبَيْرُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ، قَالَ: لَمّا بَرَقَ الْفَجْرُ، صَلّى رَسُولُ اللهِ ﷺ الصّبْحَ، ثُمّ رَكِبَ عَلَى رَاحِلَتِهِ الْقَصْوَاءِ، ثُمّ وَقَفَ عَلَى قُزَحَ. وَكَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيّةِ لَا يَدْفَعُونَ مِنْ جَمْعٍ حَتّى تَطْلُعَ الشّمْسُ عَلَى ثَبِيرٍ، وَيَقُولُونَ: أَشْرِقْ ثَبِيرٌ، كَيْمَا نُغِيرْ! فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: إنّ قُرَيْشًا خَالَفَتْ عَهْدَ إبْرَاهِيمَ! فَدَفَعَ قَبْلَ طُلُوعِ الشّمْسِ، وَقَالَ: هَذَا الْمَوْقِفُ، وَكُلّ الْمُزْدَلِفَةِ مَوْقِف! قَالَ: وَحَدّثَنِي ابْنُ أَبِي سَبْرَةَ، عَنْ عُمَرَ بْنِ عَطَاءٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ ﵁، قَالَ: جَمَعَ مِنْ أَقْصَى الْمَأْزِمَيْنِ إلَى الْقَرْنِ الّذِي خَلْفَ وَادِي مُحَسّرٍ. قَالَ: فَحَدّثَنِي الثّوْرِيّ، عَنْ ابْنِ الزّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَوْضَعَ فِي وَادِي مُحَسّرٍ. قَالَ: فَحَدّثَنِي أَبُو مَرْوَانَ، عَنْ إسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَبَانَ بْنِ صَالِحٍ، أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ حَمَلَ حَصَى الْعَقَبَةِ مِنْ الْمُزْدَلِفَةِ. قَالَ: حَدّثَنِي الثّوْرِيّ، عَنْ أَيْمَنَ بْنِ نَائِلٍ، قال: سمعت قدامة ابن عَبْدِ اللهِ الْكِلَابِيّ يَقُولُ: رَأَيْت رَسُولَ اللهِ ﷺ يَرْمِي جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ يَوْمَ النّحْرِ عَلَى نَاقَةٍ صَهْبَاءَ، لَا ضَرْبَ، وَلَا طَرْدَ، وَلَا إلَيْك إلَيْك [ (١) ] . قَالَ: فَحَدّثَنِي ابْنُ أَبِي سَبْرَةَ، عَنْ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الرّحْمَنِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ عَبْدِ اللهِ بْنِ شخيرة، عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ، أَنّ النبىّ
بِي سَبْرَةَ، عَنْ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الرّحْمَنِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ عَبْدِ اللهِ بْنِ شخيرة، عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ، أَنّ النبىّ
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَقْطَعْ التّلْبِيَةَ حَتّى رَمَى الْجَمْرَةَ. قَالَ: فَحَدّثَنِي ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ، أَنّ النّبِيّ ﷺ لَمْ يَقْطَعْ التّلْبِيَةَ حَتّى رَمَى الْجَمْرَةَ. قَالَ: وَلَمّا انْتَهَى رسول الله ﷺ إلى الْمَنْحَرِ قَالَ: هَذَا الْمَنْحَرُ، وَكُلّ مِنًى مَنْحَرٌ، وَكُلّ فِجَاجِ مَكّةَ طَرِيقٌ وَمَنْحَرٌ. ثُمّ نَحَرَ بِيَدِهِ ثَلَاثًا وَسِتّينَ بِالْحَرْبَةِ، ثُمّ أَعْطَى رَجُلًا فَنَحَرَ مَا بَقِيَ، ثُمّ أَمَرَ مِنْ كُلّ بَدَنَةٍ بِبَضْعَةٍ، مِنْ الْبُدْنِ الّتِي نَحَرَ، فَجُعِلَ فِي قِدْرٍ فَطَبَخَهُ، فَأَكَلَ مِنْ لَحْمِهَا وَحَسَا مِنْ مَرَقِهَا. قَالَ: فَحَدّثَنِي مَعْمَرٌ، عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ الْجَزَرِيّ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ عَبْدِ الرّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ عَلِيّ ﵇ قَالَ: أَمَرَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ أَتَصَدّقَ بِجَلَالِ بُدْنِهِ وَجُلُودِهَا وَلُحُومِهَا، وَلَا أُعْطِي مِنْهَا فِي جَزْرِهَا شَيْئًا. حَلْقُ شَعْرِ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالُوا: لَمّا نَحَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْهَدْيَ دَعَا الْحَلّاقَ، وَحَضَرَ الْمُسْلِمُونَ يَطْلُبُونَ مِنْ شَعْرِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَأَعْطَى الْحَلّاقَ شِقّ رَأْسِهِ الْأَيْمَنَ، ثُمّ أَعْطَاهُ أَبَا طَلْحَةَ الْأَنْصَارِيّ. وَكَلّمَهُ خَالِدُ ابن الْوَلِيدِ فِي نَاصِيَتِهِ حِينَ حَلَقَ فَدَفَعَهَا إلَيْهِ، فَكَانَ يَجْعَلُهَا فِي مَقْدَمِ قَلَنْسُوَتِهِ، فَلَا يَلْقَى جَمْعًا إلّا فَضّهُ. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الصّدّيقُ ﵁:
ينَ حَلَقَ فَدَفَعَهَا إلَيْهِ، فَكَانَ يَجْعَلُهَا فِي مَقْدَمِ قَلَنْسُوَتِهِ، فَلَا يَلْقَى جَمْعًا إلّا فَضّهُ. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الصّدّيقُ ﵁: كُنْت أَنْظُرُ إلَى خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ وَمَا نَلْقَى مِنْهُ فِي أُحُدٍ، وَفِي الْخَنْدَقِ، وَفِي الْحُدَيْبِيَةِ، وَفِي كُلّ مَوْطِنٍ لَاقَانَا، ثُمّ نَظَرْت إلَيْهِ يَوْمَ النّحْرِ يُقَدّمُ إلى رسول الله ﷺ بَدَنَةً، وَهِيَ تَعْتَبُ فِي الْعَقْلِ، ثُمّ نَظَرْت إلَيْهِ وَرَسُولُ اللهِ ﷺ يَحْلِقُ رَأْسَهُ، وَهُوَ يَقُولُ: يَا رَسُولَ اللهِ، ناصيتك! لا
تُؤْثِرُ بِهَا عَلَيّ أَحَدًا، فِدَاك أَبِي وَأُمّي! فَأَنْظُرُ إلَيْهِ أَخَذَ نَاصِيَةَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَكَانَ يَضَعُهَا عَلَى عَيْنَيْهِ وَفِيهِ. قَالَ: وَسَأَلْت عَائِشَةَ ﵂: مِنْ أَيْنَ هَذَا الشّعْرُ الّذِي عِنْدَكُنّ؟ قَالَتْ: أن رسول الله ﷺ لَمّا حَلَقَ رَأْسَهُ فِي حَجّتِهِ فَرّقَ شَعْرَهُ فِي النّاسِ، فَأَصَابَنَا مَا أَصَابَ النّاسَ. فَلَمّا حَلَقَ رَسُولُ اللهِ ﷺ رَأْسَهُ أَخَذَ مِنْ شَارِبِهِ وَعَارِضَيْهِ، وَقَلّمَ أَظْفَارَهُ، وَأَمَرَ بِشَعْرِهِ وَأَظْفَارِهِ أَنْ يُدْفَنَا. وَقَصّرَ قَوْمٌ مِنْ أَصْحَابِهِ وَحَلَقَ آخَرُونَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: رَحِمَ اللهُ الْمُحَلّقِينَ! ثَلَاثًا، كُلّ ذَلِكَ يُقَالُ: الْمُقَصّرِينَ يَا رَسُولَ اللهِ! فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: وَالْمُقَصّرِينَ! فِي الرّابِعَةِ. قَالُوا: وَأَصَابَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الطّيبَ بَعْدَ أَنْ حَلَقَ، وَلَبِسَ الْقَمِيصَ، وَجَلَسَ لِلنّاسِ، فَمَا سُئِلَ يَوْمَئِذٍ عَنْ شَيْءٍ قُدّمَ أَوْ أُخّرَ إلّا قَالَ: افْعَلُوهُ وَلَا حَرَجَ! قَالَ: فَحَدّثَنِي أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، أَنّ رَجُلًا جَاءَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، حَلَقْت قَبْلَ أَنْ أَنْحَرَ. فَقَالَ: انْحَرْ وَلَا حَرَجَ! قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، نَحَرْت قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ. قَالَ: ارْمِ وَلَا حَرَجَ!
للهِ، حَلَقْت قَبْلَ أَنْ أَنْحَرَ. فَقَالَ: انْحَرْ وَلَا حَرَجَ! قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، نَحَرْت قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ. قَالَ: ارْمِ وَلَا حَرَجَ! قَالَ: فَحَدّثَنِي ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ الزّهْرِيّ، قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَبْدَ اللهِ بْنَ حُذَافَةَ السّهْمِيّ يُنَادِي فِي النّاسِ: أَيّهَا النّاسُ، إنّ رسول الله ﷺ قال: إنّهَا أَيّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَذِكْرُ الله. قَالَ: فَانْتَهَى الْمُسْلِمُونَ عَنْ صِيَامِهِمْ إلّا مُحْصِرًا [ (١) ] بِالْحَجّ، أَوْ مُتَمَتّعًا إلَى الْحَجّ، فَإِنّ الرّخْصَةَ مِنْ رسول الله ﷺ أن يَصُومُوا أَيّامَ مِنًى. فَأَفَاضَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَوْمَ النّحْرِ، وَيُقَالُ: أَفَاضَ
لَيْلًا فِي نِسَائِهِ مَسَاءَ يَوْمِ النّحْرِ، وَأَمَرَ أَصْحَابَهُ فَأَفَاضُوا بِالنّهَارِ، فَأَتَى زَمْزَمَ فَأَمَرَ بِدَلْوٍ فَنُزِعَ لَهُ، فَشَرِبَ مِنْهُ وَصَبّ عَلَى رَأْسِهِ، وَقَالَ: لَوْلَا أَنْ تُغْلَبُوا عَلَيْهَا يَا وَلَدَ عَبْدِ الْمُطّلِبِ لَنَزَعْت مِنْهَا. قَالَ: حَدّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ، قَالَ: نَزَعَ النّبِيّ ﷺ دَلْوًا لِنَفْسِهِ مِنْ زَمْزَمَ. قَالَ عَطَاءٌ: فَكُنْت أَنْتَزِعُهُ لِنَفْسِي، فَلَمّا كَبِرْت وَضَعُفْت كُنْت آمُرُ مَنْ يَنْزِعُهُ لِي. وَكَانَ يَرْمِي الْجِمَارَ حِينَ تَزِيغُ الشّمْسُ قَبْلَ الصّلَاةِ، فَكَانَ إذَا رَمَى الْجَمْرَتَيْنِ عَلَاهُمَا، وَيَرْمِي جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ مِنْ بَطْنِ الْوَادِي. وَكَانَ يَقِفُ عِنْدَ الْجَمْرَةِ الْأُولَى أَكْثَرَ مِمّا يَقِفُ عِنْدَ الثّانِيَةِ، وَلَا يَقِفُ عِنْدَ الثّالِثَةِ، فَإِذَا رَمَاهَا انْصَرَفَ. قَالَ: حَدّثَنِي مَعْمَرٌ، عَنْ الزّهْرِيّ، قَالَ: كَانَ رسول الله ﷺ إذا رَمَى الْجَمْرَتَيْنِ وَقَفَ عِنْدَهُمَا وَرَفَعَ يَدَيْهِ، وَلَا يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي رَمْيِ الْعَقَبَةِ، فَإِذَا رَمَاهَا انْصَرَفَ. وَرَخّصَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِلرّعَاءِ أَنْ يَبِيتُوا عَنْ مِنًى، وَمَنْ جَاءَ مِنْهُمْ فَرَمَى بِاللّيْلِ، وَرَخّصَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي ذَلِكَ. قَالَ: فَحَدّثَنِي عَبْدُ الرّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ، عَنْ أَبِي الْبَدّاحِ بْنِ عَاصِمِ بْنِ عَدِيّ، عَنْ أَبِيهِ، أن رسول الله ﷺ رَخّصَ لِلرّعَاءِ فِي الْبَيْتُوتَةِ عَنْ مِنًى. قَالُوا: وقال رسول الله ﷺ: ارْمُوا بِمِثْلِ حَصَى الْخَذْفِ [ (١) ] ! وَكَانَ أَزْوَاجُهُ يَرْمِينَ مَعَ اللّيْل. خُطْبَةُ النّبِيّ ﷺ يَوْمَ النّحْرِ قَالَ: فَحَدّثَنِي هِشَامُ بْنُ عُمَارَةَ، عَنْ عَبْدِ الرّحْمَنِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ،
هُ يَرْمِينَ مَعَ اللّيْل. خُطْبَةُ النّبِيّ ﷺ يَوْمَ النّحْرِ قَالَ: فَحَدّثَنِي هِشَامُ بْنُ عُمَارَةَ، عَنْ عَبْدِ الرّحْمَنِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ،
عَنْ عُمَارَةَ بْنِ حَارِثَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَثْرِبِيّ [ (١) ] ، قَالَ: وَحَدّثْنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ ﵁، قَالَا: خَطَبَ رسول الله ﷺ من الْغَدِ مِنْ يَوْمِ النّحْرِ بَعْدَ الظّهْرِ عَلَى نَاقَتِهِ الْقَصْوَاءِ. وَزَادَ أَحَدُهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ فِي الْقِصّةِ، قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: أَيّهَا النّاس، اسْمَعُوا مِنْ قَوْلِي فَاعْقِلُوهُ، فَإِنّي لَا أَدْرِي، لَعَلّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا فِي هَذَا الْمَوْقِفِ! أَيّهَا النّاس، أَيّ شَهْرٍ هَذَا؟ قَالَ: فَسَكَتُوا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: هَذَا شهر حرام! فأىّ بلد هذا؟ فسكتوا، فَقَالَ: بَلَدٌ حَرَامٌ! ثُمّ قَالَ: أَيّ يَوْمٍ هَذَا؟ فَسَكَتُوا، فَقَالَ: يَوْمٌ حَرَامٌ. ثُمّ قَالَ رسول الله ﷺ: أن اللهَ قَدْ حَرّمَ دِمَاءَكُمْ، وَأَمْوَالَكُمْ، وَأَعْرَاضَكُمْ، كَحُرْمَةِ شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، فِي يَوْمِكُمْ هَذَا، إلَى أَنْ تَلْقَوْا رَبّكُمْ، أَلَا هَلْ بَلّغْت؟ قَالُوا: نَعَمْ! قَالَ: اللهُمّ، اشْهَدْ! ثُمّ قَالَ: إنّكُمْ سَوْفَ تَلْقَوْنَ [ (٢) ] رَبّكُمْ فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ، أَلَا هَلْ بَلّغْت؟ قَالُوا: نَعَمْ! قَالَ: اللهُمّ اشْهَدْ، أَلَا وَمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَانَةٌ فَلْيُؤَدّهَا إلَى مَنْ ائْتَمَنَهُ عَلَيْهَا، أَلَا وَإِنّ كُلّ رِبًا فِي الْجَاهِلِيّةِ مَوْضُوعٌ، وَإِنّ كُلّ دَمٍ فِي الْجَاهِلِيّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوّلُ دِمَاءَكُمْ أَضَعُ، دم إياس بن ربيعة بن الحارث- كان مسترضعا فى بنى سعد ابن لَيْثٍ، فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ- أَلَا هَلْ بَلّغْت؟ قَالُوا: اللهُمّ، نَعَمْ! قَالَ:
مْ أَضَعُ، دم إياس بن ربيعة بن الحارث- كان مسترضعا فى بنى سعد ابن لَيْثٍ، فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ- أَلَا هَلْ بَلّغْت؟ قَالُوا: اللهُمّ، نَعَمْ! قَالَ: اللهُمّ اشْهَدْ! فَلْيُبْلِغْ الشّاهِدُ الْغَائِبَ! أَلَا إنّ كُلّ مُسْلِمٍ مُحَرّمٌ عَلَى كُلّ مُسْلِمٍ، وَلَا يَحِلّ مَالُ مُسْلِمٍ إلّا مَا أَعْطَى عَنْ طِيبِ نَفْسٍ. فَقَالَ عَمْرُو بْنُ يَثْرِبِيّ، فَقُلْت: يَا رَسُولَ اللهِ، أَرَأَيْت إن لقيت غنم
ابْنِ عَمّي، أَجْزُرُ مِنْهَا شَاةً؟ قَالَ: وَعَرَفَنِي فَقَالَ: إنْ لَقِيتهَا نَعْجَةً [ (١) ] تَحْمِلُ شَفْرَةً [ (٢) ] وَزِنَادًا [ (٣) ] بِخَبْتِ الْجَمِيشِ [ (٤) ]- الْجَمِيشُ وَادٍ قَدْ عَرَفَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالسّاحِلِ كَثِيرُ الْحَطَبِ، وَهُوَ وَادٍ لِبَنِي ضَمْرَةَ، وَهُوَ مَنْزِلُ عَمْرِو بْنِ يَثْرِبِيّ [ (٥) ] ، وَيُقَالُ: خَبْتُ الْجَمِيشِ مَوْضِعُ صَحْرَاءَ، يُقَالُ جَنْبَ كَدَاءٍ- فَلَا تُهِجْهَا! ثُمّ قال رسول الله ﷺ: يَا أَيّهَا النّاسُ إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عاماً لِيُواطِؤُا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ [ (٦) ] .
ُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عاماً لِيُواطِؤُا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ [ (٦) ] . أَلَا وَإِنّ الزّمَانَ قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللهُ السّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَإِنّ عِدّةَ الشّهُورِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللهِ، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَةٌ: ذُو الْقِعْدَةِ، وَذُو الْحِجّةِ، وَالْمُحَرّمُ، وَرَجَبٌ الّذِي يُدْعَى شَهْرَ مُضَرٍ، الّذِي بَيْنَ جُمَادَى الْآخِرَةِ وَشَعْبَانَ، وَالشّهْرُ تِسْعَةٌ وَعِشْرُونَ يَوْمًا، وَثَلَاثُونَ، أَلَا هَلْ بَلّغْت؟ فَقَالَ النّاسُ: نَعَمْ! فَقَالَ: اللهُمّ اشْهَدْ! ثُمّ قَالَ: أَيّهَا النّاسُ، إنّ لِلنّسَاءِ عَلَيْكُمْ حَقّا، وَإِنّ لَكُمْ عَلَيْهِنّ حَقّا، فَعَلَيْهِنّ أَلّا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا، وَلَا يُدْخِلْنَ بُيُوتَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ إلّا بِإِذْنِكُمْ، فَإِنْ فَعَلْنَ فَإِنّ اللهَ قَدْ أَذِنَ لَكُمْ أَنْ تَهْجُرُوهُنّ فِي الْمَضَاجِعِ، وَأَنْ تَضْرِبُوهُنّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرّحٍ، فَإِنْ انْتَهَيْنَ وَأَطَعْنَكُمْ فَلَهُنّ رِزْقُهُنّ وَكِسْوَتُهُنّ بِالْمَعْرُوفِ، وَإِنّمَا النّسَاءُ عِنْدَكُمْ عَوَانٍ [ (٧) ] لَا يَمْلِكْنَ لِأَنْفُسِهِنّ شَيْئًا، وَإِنّمَا أَخَذْتُمُوهُنّ بِأَمَانَةِ اللهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنّ بكلمة الله، فاتّقوا
اللهَ فِي النّسَاءِ وَاسْتَوْصُوا بِهِنّ خَيْرًا، أَلَا هَلْ بَلّغْت؟ قَالَ النّاسُ: نَعَمْ! قَالَ: اللهُمّ، اشْهَدْ! أَيّهَا النّاسُ، إنّ الشّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ أَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ هَذِهِ، وَلَكِنّهُ قَدْ رَضِيَ أَنْ يُطَاعَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِمّا تَحْقِرُونَهُ، فَقَدْ رَضِيَ بِهِ. إنّ كُلّ مُسْلِمٍ أَخُو الْمُسْلِمِ، وَإِنّمَا الْمُسْلِمُونَ إخْوَةٌ، وَلَا يَحِلّ لِامْرِئٍ مُسْلِمٍ دَمُ أَخِيهِ وَلَا مَالُهُ، إلّا بِطِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ، وَإِنّمَا أُمِرْت أَنْ أُقَاتِلَ النّاسَ حَتّى يَقُولُوا لَا إلَهَ إلّا اللهُ، فَإِذَا قَالُوهَا عَصَمُوا دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللهِ. وَلَا تَظْلِمُوا أَنْفُسَكُمْ، وَلَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفّارًا، يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ. إنّي قَدْ تَرَكْت فِيكُمْ مَا لَا تَضِلّونَ بِهِ، كِتَابُ اللهِ، أَلَا هَلْ بَلّغْت؟ قَالَ النّاسُ: نَعَمْ! قَالَ: اللهُمّ، اشْهَدْ! ثُمّ انْصَرَفَ إلَى مَنْزِلِهِ. عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: سُئِلَ عَطَاءٌ: مَا الضّرْبُ غَيْرُ الْمُبَرّحِ؟ قَالَ: بِالسّوَاكِ وَبِالنّعْلِ. قَالَ عَطَاءٌ: وَسُئِلَ ابْنُ عَبّاسٍ عَنْ قَوْلِهِ ﷿: وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً [ (١) ] قَالَ: كَلِمَةُ النّكَاحِ. قَالَ: وَنَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يَبِيتَ أَحَدٌ لَيَالِيَ مِنًى بِسِوَى مِنًى. قَالَ: حَدّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ، أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ صَلّى الظّهْرَ وَالْعَصْرَ يَوْمَ الصّدْرِ [ (٢) ] بِالْأَبْطَحِ. قَالَ: حَدّثَنِي سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ. عَنْ أَبِي رَافِعٍ. قَالَ: مَا أَمَرَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ أَنْزِلَ مَنْزِلًا، جِئْت الْأَبْطَحَ فَضَرَبْت قُبّتَهُ، فَجَاءَ فَنَزَلَ. قَالَ: وَكَانَتْ عَائِشَةُ ﵂ تَقُولُ: إنّمَا نَزَلَ [ (٣) ] بِالْمُحَصّبِ [ (٤) ] لِأَنّهُ كَانَ أَسْمَحَ لِخُرُوجِهِ.
ت قُبّتَهُ، فَجَاءَ فَنَزَلَ. قَالَ: وَكَانَتْ عَائِشَةُ ﵂ تَقُولُ: إنّمَا نَزَلَ [ (٣) ] بِالْمُحَصّبِ [ (٤) ] لِأَنّهُ كَانَ أَسْمَحَ لِخُرُوجِهِ.
قَالَ: حَدّثَنِي ابْنُ أَفْلَحَ بْنِ حُمَيْدٍ، عَنْ الْقَاسِمِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنّ النّبِيّ ﷺ ذَكَرَ صَفِيّةَ بِنْتِ حُيَيّ، فَقِيلَ لَهُ: قَدْ حَاضَتْ! قَالَ: أَحَابِسَتنَا هِيَ؟ فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إنّهَا قَدْ أَفَاضَتْ. قَالَ: فَلَا إذًا! فَلَمّا جَاءَتْ عَائِشَةُ ﵂ مِنْ التّنْعِيمِ وَقَضَتْ عُمْرَتَهَا، أَمَرَ بِالرّحِيلِ، وَمَرّ ﷺ بِالْبَيْتِ فَطَافَ فِيهِ قَبْلَ الصّبْحِ، ثُمّ انْصَرَفَ رَاجِعًا إلَى الْمَدِينَةِ. قَالُوا: وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: إنّمَا هِيَ ثَلَاثٌ يُقِيمُ بِهَا الْمَهَاجِرَ بَعْدَ الصّدْرِ. وَكَانَ سَائِلٌ سَأَلَهُ أَنْ يُقِيمَ بِمَكّةَ، فَلَمْ يُرَخّصْ لَهُ أَنْ يُقِيمَ إلّا ثَلَاثَةَ أَيّامٍ، قَالَ: إنّهَا لَيْسَتْ بِدَارِ مُكْثٍ وَلَا إقَامَةٍ! قَالَ: فَحَدّثَنِي خَالِدُ بْنُ إِلْيَاسٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أبى سعيد، عن عبيد ابن جُرَيْجٍ، أَنّ النّبِيّ ﷺ لَمّا وَدّعَ الْبَيْتَ فَكَانَ فِي الشّوْطِ [ (١) ] السّابِعِ خَلْفَ الْبَيْتِ يُمْنَى الْبَابِ. وَكَانَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ يَقُولُ: تَعَوّذَ بَيْنَ الرّكْنِ الْأَسْوَدِ وَالْبَابِ، وَأَلْصَقَ بَطْنَهُ وَجَبْهَتَهُ بِالْبَيْتِ. قَالُوا: وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إذَا قَفَلَ مِنْ حَجّ أَوْ عُمْرَةٍ أَوْ غَزْوَةٍ، فَوَافَى عَلَى ثَنِيّةٍ أَوْ فَدْفَدٍ [ (٢) ] ، كَبّرَ ثَلَاثًا ثُمّ قَالَ: لَا إلَهَ إلّا اللهُ وَحْدَهُ، لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ حَيّ لَا يَمُوتُ، بِيَدِهِ الْخَيْرُ، وَهُوَ عَلَى كُلّ شَيْءٍ قدير: آئبون، تَائِبُونَ، سَاجِدُونَ، عَابِدُونَ، لِرَبّنَا حَامِدُونَ! صَدَقَ اللهُ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ! اللهُمّ، إنّا نعود بك من وعثاء السّفر، وكآبة المنقلب،
ِرَبّنَا حَامِدُونَ! صَدَقَ اللهُ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ! اللهُمّ، إنّا نعود بك من وعثاء السّفر، وكآبة المنقلب،
وسوء المنظر في الأهل والمال! اللهم، بلغنا بَلَاغًا صَالِحًا نَبْلُغُ إلَى خَيْرِ مَغْفِرَةٍ مِنْك وَرِضْوَانٍ [ (١) ] ! قَالُوا: وَلَمّا نَزَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْمُعَرّسِ [ (٢) ] نَهَى أَصْحَابَهُ أَنْ يَطْرُقُوا النّسَاءَ لَيْلًا، فَطَرَقَ رَجُلَانِ أَهْلَهُمَا، فَكِلَاهُمَا وَجَدَ مَا يَكْرَهُ. وَأَنَاخَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالْبَطْحَاءِ، وَكَانَ إذَا خَرَجَ إلَى الْحَجّ سَلَكَ عَلَى الشّجَرَةِ [ (٣) ] ، وَإِذَا رَجَعَ مِنْ مَكّةَ دَخَلَ الْمَدِينَةَ مِنْ مُعَرّسِ الْأَبْطَحِ. فَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي مُعَرّسِهِ فِي بَطْنِ الْوَادِي، فَكَانَ فِيهِ عَامّةَ اللّيْلِ، فَقِيلَ لَهُ: إنّك بِبَطْحَاءَ مُبَارَكَةٍ! قال رسول الله ﷺ لِنِسَائِهِ: هَذِهِ الْحَجّةُ، ثُمّ ظُهُورُ الْحُصْرِ [ (٤) ] وَكُنّ يَحْجُجْنَ إلّا زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ، وَسَوْدَةُ بِنْتُ زَمَعَةَ، قَالَتَا: لَا تُحَرّكُنَا دَابّةٌ بَعْدَ النّبِيّ ﷺ. عِيَادَةُ النّبِيّ ﷺ لسعد بن أبي وقاص بَعْدَ حَجّةِ الْوَدَاعِ قَالَ: حَدّثَنِي مَعْمَرٌ، وَمُحَمّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، وَمَالِكٌ، عَنْ الزّهْرِيّ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: جَاءَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ يَعُودُنِي عَامَ حَجّةِ الْوَدَاعِ مِنْ وَجَعٍ أَصَابَنِي، فَقُلْت: يَا رَسُولَ اللهِ، قَدْ بَلَغَ بِي مَا تَرَى مِنْ الْوَجَعِ، وَأَنَا ذُو مَالٍ وَلَا يَرِثُنِي إلّا ابْنَةٌ لِي، فَأَتَصَدّقُ بِثُلُثَيْ مَالِي؟ قَالَ: لَا! قُلْت: فَالشّطْرُ؟ قَالَ: لَا! ثُمّ قَالَ: الثّلُثُ، وَالثّلُثُ كَثِيرٌ! إنّك أَنْ تَتْرُكْ وَرَثَتَك أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَتْرُكَهُمْ عَالَةً يتكفّفون، وإنك لن
تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللهِ إلّا أُجِرْت بِهَا، حَتّى مَا تَجْعَلُ فِي فِي امْرَأَتِك! فَقُلْت: يَا رَسُولَ اللهِ، أُخَلّفُ بَعْدَ أَصْحَابِي؟ فَقَالَ: إنّك إنْ تُخَلّفْ فَتَعْمَلَ صَالِحًا تَزْدَدْ خَيْرًا وَرِفْعَةً، وَلَعَلّك أَنْ تُخَلّفَ حَتّى يَنْتَفِعَ بِك أَقْوَامٌ أَوْ يُضَرّ بِك آخَرُونَ. اللهُمّ، أَمْضِ لِأَصْحَابِي هِجْرَتَهُمْ، وَلَا تَرُدّهُمْ عَلَى أَعْقَابِهِمْ! لَكِنّ الْبَائِسَ سَعْدَ بْنَ خَوْلَةَ- يُرْثَى له أن مات بمكّة [ (١) ] . قَالَ: فَحَدّثَنِي سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ مُحَمّدِ بْنِ الْأَعْرَجِ، قَالَ: خَلّفَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى سَعْدٍ رَجُلًا وَقَالَ: إنْ مَاتَ سَعْدٌ بِمَكّةَ فَلَا تَدْفِنْهُ بِهَا. قَالَ: فَحَدّثَنِي سُفْيَانُ، عَنْ مُحَمّدِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ بْنِ أَبِي مُوسَى، قَالَ: قَالَ سَعْدُ بْنُ أَبَى وَقّاصٍ لِلنّبِيّ ﷺ: أَيُكْرَهُ أَنْ يَمُوتَ الرّجُلُ فِي الْأَرْضِ الّتِي هَاجَرَ مِنْهَا [ (٢) ] ؟ قَالَ: نَعَمْ! قَالَ: حَدّثَنِي سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ سَعْدٍ، قَالَ: مَرِضْت فَأَتَانِي رَسُولُ اللهِ ﷺ يَعُودُنِي، فَوَضَعَ يَدَهُ بَيْنَ ثَدْيِي فَوَجَدْت بَرْدَهَا عَلَى فُؤَادِيّ، ثُمّ قَالَ: إنك رجل مفؤود- المفؤود وَجَعُ [ (٣) ] الْفُؤَادِ- فَائِت الْحَارِثَ بْنَ كَلَدَةَ أَخَا ثَقِيفٍ، إنّهُ رَجُلٌ يُطَبّبُ، فَمُرْهُ فَلِيَأْخُذْ سَبْعَ تَمَرَاتٍ مِنْ عَجْوَةِ الْمَدِينَةِ فَلْيَجَأْهُنّ بِنَوَاهُنّ أَيْ [ (٤) ] يدقّهنّ- ثم ليدلّكك [ (٥) ] بهنّ.
ُطَبّبُ، فَمُرْهُ فَلِيَأْخُذْ سَبْعَ تَمَرَاتٍ مِنْ عَجْوَةِ الْمَدِينَةِ فَلْيَجَأْهُنّ بِنَوَاهُنّ أَيْ [ (٤) ] يدقّهنّ- ثم ليدلّكك [ (٥) ] بهنّ.
غَزْوَةُ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ مُؤْتَةُ قَالُوا: لَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَذْكُرُ مَقْتَلَ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ وَجَعْفَرٍ وَأَصْحَابِهِ، وَوَجَدَ عَلَيْهِمْ وَجْدًا شَدِيدًا، فَلَمّا كَانَ يَوْمُ الِاثْنَيْنِ لِأَرْبَعِ لَيَالٍ بَقِينَ مِنْ صَفَرٍ سَنَةَ إحْدَى عَشْرَةَ أَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ النّاسَ بِالتّهَيّؤِ لِغَزْوِ الرّومِ، وَأَمَرَهُمْ بِالِانْكِمَاشِ [ (١) ] فِي غَزْوِهِمْ. فَتَفَرّقَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ عِنْدِ رسول الله ﷺ وهم مُجِدّونَ فِي الْجِهَادِ، فَلَمّا أَصْبَحَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ الْغَدِ، يَوْمَ الثّلَاثَاءِ لِثَلَاثٍ بَقِينَ مِنْ صَفَرٍ، دَعَا أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ فَقَالَ: يَا أُسَامَةُ، سِرْ عَلَى اسْمِ اللهِ وَبَرَكَتِهِ حَتّى تَنْتَهِيَ إلَى مَقْتَلِ أَبِيك، فَأَوْطِئْهُمْ الْخَيْلَ، فَقَدْ وَلّيْتُك عَلَى هَذَا الْجَيْشِ، فَأَغِرْ صَبَاحًا عَلَى أَهْلِ أُبْنَى وَحَرّقْ عَلَيْهِمْ، وَأَسْرِعْ السّيْرَ تَسْبِقْ الْخَبَرَ، فَإِنْ أَظْفَرَك اللهُ فَأَقْلِلْ اللّبْثَ فِيهِمْ، وَخُذْ مَعَك الْأَدِلّاءَ، وَقَدّمْ الْعُيُونَ أَمَامَك وَالطّلَائِعَ. فَلَمّا كَانَ يَوْمُ الْأَرْبِعَاءِ لِلَيْلَتَيْنِ بَقِيَتَا مِنْ صَفَرٍ، بُدِيَ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ، فَصُدّعَ وَحُمّ.
ْعُيُونَ أَمَامَك وَالطّلَائِعَ. فَلَمّا كَانَ يَوْمُ الْأَرْبِعَاءِ لِلَيْلَتَيْنِ بَقِيَتَا مِنْ صَفَرٍ، بُدِيَ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ، فَصُدّعَ وَحُمّ. فَلَمّا أَصْبَحَ يَوْمَ الْخَمِيسِ لِلَيْلَةٍ بَقِيَتْ مِنْ صَفَرٍ عَقَدَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِيَدِهِ لِوَاءً، ثُمّ قَالَ: يَا أُسَامَةُ، اُغْزُ بِسْمِ اللهِ فِي سَبِيلِ اللهِ، فَقَاتِلُوا مَنْ كَفَرَ بِاَللهِ، اُغْزُوَا وَلَا تَغْدِرُوا، وَلَا تَقْتُلُوا وَلِيدًا وَلَا امْرَأَةً، وَلَا تَمَنّوْا لِقَاءَ الْعَدُوّ، فَإِنّكُمْ لَا تَدْرُونَ لَعَلّكُمْ تُبْتَلَوْنَ بِهِمْ، وَلَكِنْ قُولُوا: اللهُمّ، اكْفِنَاهُمْ، وَاكْفُفْ بَأْسَهُمْ عَنّا! فَإِنْ لَقُوكُمْ قَدْ أَجْلَبُوا وَصَيّحُوا، فَعَلَيْكُمْ بِالسّكِينَةِ وَالصّمْتِ، وَلَا تَنَازَعُوا وَلَا تَفْشَلُوا فَتَذْهَبَ [ (٢) ] ريحكم. وقولوا: اللهم، نحن عبادك وهم
عِبَادُك، نَوَاصِينَا وَنَوَاصِيهمْ بِيَدِك، وَإِنّمَا تَغْلِبُهُمْ أَنْتَ! وَاعْلَمُوا أَنّ الْجَنّةَ تَحْتَ الْبَارِقَةِ. قَالَ: حَدّثَنِي يَحْيَى بْنُ هِشَامِ بْنِ عَاصِمٍ الْأَسْلَمِيّ، عَنْ الْمُنْذِرِ بْنِ جَهْمٍ، قَالَ: قَالَ: رَسُولُ اللهِ ﷺ: يَا أُسَامَةُ، شِنّ [ (١) ] الْغَارَةَ عَلَى أَهْلِ أُبْنَى! قَالَ: فَحَدّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ عَبْدِ الرّحْمَنِ بْنِ أَزْهَرَ بْنِ عَوْفٍ، عَنْ الزّهْرِيّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، أَنّ النّبِيّ ﷺ أَمَرَهُ أَنّ يُغِيرَ عَلَى أُبْنَى صَبَاحًا وَأَنْ يُحَرّقَ. قَالُوا: ثُمّ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِأُسَامَةَ: امْضِ عَلَى اسْمِ اللهِ!
نّ النّبِيّ ﷺ أَمَرَهُ أَنّ يُغِيرَ عَلَى أُبْنَى صَبَاحًا وَأَنْ يُحَرّقَ. قَالُوا: ثُمّ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِأُسَامَةَ: امْضِ عَلَى اسْمِ اللهِ! فَخَرَجَ بِلِوَائِهِ مَعْقُودًا فَدَفَعَهُ إلَى بُرَيْدَةَ بْنِ الْحُصَيْبِ الْأَسْلَمِيّ، فَخَرَجَ بِهِ إلَى بَيْتِ أُسَامَةَ، وَأَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أُسَامَةَ فَعَسْكَرَ بِالْجُرْفِ، وَضَرَبَ عَسْكَرَهُ فِي سِقَايَةِ سُلَيْمَانَ الْيَوْمَ. وَجَعَلَ النّاسُ يَجِدّونَ [ (٢) ] بِالْخُرُوجِ إلَى الْعَسْكَرِ، فَيَخْرُجُ مِنْ فَرْغٍ مِنْ حَاجَتِهِ إلَى مُعَسْكَرِهِ، وَمَنْ لَمْ يَقْضِ حَاجَتَهُ فَهُوَ عَلَى فَرَاغٍ، وَلَمْ يَبْقَ أَحَدٌ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ الْأَوّلِينَ إلّا اُنْتُدِبَ فِي تِلْكَ الْغَزْوَةِ: عُمَرُ بْنُ الْخَطّابِ، وَأَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرّاحِ، وَسَعْدُ بْنُ أَبِي وَقّاصٍ، وَأَبُو الْأَعْوَرِ سَعِيدُ بْنُ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نفيل، فى رِجَالٍ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ عِدّةٍ: قَتَادَةُ بْنُ النّعْمَانِ، وَسَلَمَةُ بْنُ أَسْلَمَ بْنِ حَرِيشٍ. فَقَالَ رِجَالٌ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ، وَكَانَ أَشَدّهُمْ فِي ذَلِكَ قَوْلًا عَيّاشُ بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ: يُسْتَعْمَلُ [ (٣) ] هَذَا الْغُلَامُ عَلَى الْمُهَاجِرِينَ الْأَوّلِينَ؟ فَكَثُرَتْ الْقَالَةُ فِي ذَلِكَ، فَسَمِعَ عُمَرُ بْنُ الْخَطّابِ ﵁ بَعْضَ ذَلِكَ الْقَوْلِ، فَرَدّهُ عَلَى مَنْ
تَكَلّمَ بِهِ، وَجَاءَ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَأَخْبَرَهُ بِقَوْلِ مَنْ قَالَ، فَغَضِبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ غَضَبًا شَدِيدًا، فَخَرَجَ وَقَدْ عَصَبَ عَلَى رَأْسِهِ عِصَابَةً وَعَلَيْهِ قَطِيفَةٌ، ثُمّ صَعِدَ الْمِنْبَرَ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمّ قَالَ: أَمّا بَعْدُ، يَا أَيّهَا النّاسُ، فَمَا مَقَالَةٌ بَلَغَتْنِي عَنْ بَعْضِكُمْ فِي تَأْمِيرِي أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ؟ وَاَللهِ، لَئِنْ طَعَنْتُمْ فِي إمَارَتِي أُسَامَةَ لَقَدْ طَعَنْتُمْ فِي إمَارَتِي أَبَاهُ مِنْ قَبْلِهِ، وَاَيْمُ اللهِ، إنْ كَانَ لِلْإِمَارَةِ لَخَلِيقًا [ (١) ] وَإِنّ ابْنَهُ مِنْ بَعْدِهِ لَخَلِيقٌ لِلْإِمَارَةِ، وَإِنْ كَانَ لَمِنْ أَحَبّ النّاسِ إلَيّ، وَإِنّ هَذَا لَمِنْ أَحَبّ النّاسِ إلَيّ، وَإِنّهُمَا لَمُخِيلَانِ [ (٢) ] لِكُلّ خَيْرٍ، فَاسْتَوْصُوا بِهِ خَيْرًا فَإِنّهُ مِنْ خِيَارِكُمْ! ثُمّ نَزَلَ ﷺ فَدَخَلَ بَيْتَهُ، وَذَلِكَ يَوْمَ السّبْتِ لِعَشْرِ لَيَالٍ خَلَوْنَ مِنْ رَبِيعٍ الْأَوّلِ. وَجَاءَ الْمُسْلِمُونَ الّذِينَ يَخْرُجُونَ مَعَ أُسَامَةَ يُوَدّعُونَ رَسُولَ اللهِ ﷺ، فِيهِمْ عُمَرُ بْنُ الْخَطّابِ ﵁، وَرَسُولُ اللهِ ﷺ يَقُولُ: أَنْفِذُوا بَعْثَ أُسَامَةَ! وَدَخَلَتْ أُمّ أَيْمَنَ [ (٣) ] ، فَقَالَتْ: أَيْ رَسُولُ الله، لَوْ تَرَكْت أُسَامَةَ يُقِيمُ فِي مُعَسْكَرِهِ حَتّى تَتَمَاثَلَ، فَإِنّ أُسَامَةَ إنْ خَرَجَ عَلَى حَالَتِهِ هَذِهِ لَمْ يَنْتَفِعْ بِنَفْسِهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: أَنْفِذُوا بَعْثَ أُسَامَةَ! فَمَضَى النّاسُ إلَى الْمُعَسْكَرِ فَبَاتُوا لَيْلَةَ الْأَحَدِ، وَنَزَلَ أُسَامَةُ يَوْمَ الْأَحَدِ وَرَسُولُ اللهِ ﷺ ثَقِيلٌ مَغْمُورٌ، وَهُوَ الْيَوْمُ الّذِي لَدّوهُ [ (٤) ] فِيهِ، فَدَخَلَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَعَيْنَاهُ تَهْمِلَانِ، وَعِنْدَهُ الْعَبّاسُ وَالنّسَاءُ حَوْلَهُ، فَطَأْطَأَ عَلَيْهِ أسامة فقبّله، ورسول
] فِيهِ، فَدَخَلَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَعَيْنَاهُ تَهْمِلَانِ، وَعِنْدَهُ الْعَبّاسُ وَالنّسَاءُ حَوْلَهُ، فَطَأْطَأَ عَلَيْهِ أسامة فقبّله، ورسول
اللهِ ﷺ لَا يَتَكَلّمُ، فَجَعَلَ يَرْفَعُ يَدَهُ إلَى السّمَاءِ ثُمّ يَصُبّهَا [ (١) ] عَلَى أُسَامَةَ. قَالَ: فَأَعْرِفُ أَنّهُ كَانَ يَدْعُو لِي. قَالَ أُسَامَةُ: فَرَجَعْت إلَى مُعَسْكَرِي. فَلَمّا أَصْبَحَ يَوْمُ الِاثْنَيْنِ غَدَا مِنْ مُعَسْكَرِهِ وَأَصْبَحَ رسول اللهِ ﷺ مُفِيقًا، فَجَاءَهُ أُسَامَةُ فَقَالَ: اُغْدُ عَلَى بَرَكَةِ اللهِ! فَوَدّعَهُ أُسَامَةُ، وَرَسُولُ اللهِ ﷺ مُفِيقٌ مُرِيحٌ [ (٢) ] ، وَجَعَلَ نِسَاءَهُ يَتَمَاشَطْنَ سُرُورًا بِرَاحَتِهِ. فَدَخَلَ أَبُو بَكْرٍ ﵁، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَصْبَحْت مُفِيقًا بِحَمْدِ اللهِ، وَالْيَوْمُ يَوْمُ ابْنَةِ خَارِجَةَ فَائْذَنْ لِي! فَأَذِنَ لَهُ فَذَهَبَ إلَى السّنْحِ [ (٣) ] ، وَرَكِبَ أُسَامَةُ إلَى مُعَسْكَرِهِ، وَصَاحَ فِي النّاسِ أَصْحَابِهِ بِاللّحُوقِ بِالْعَسْكَرِ، فَانْتَهَى إلَى مُعَسْكَرِهِ وَنَزَلَ، وَأَمَرَ النّاسَ بِالرّحِيلِ وَقَدْ مَتَعَ [ (٤) ] النّهَارُ. فَبَيْنَا أُسَامَةُ يُرِيدُ أَنْ يَرْكَبَ مِنْ الْجُرْفِ أَتَاهُ رَسُولُ أُمّ أَيْمَنَ- وَهِيَ أُمّهُ- تُخْبِرُهُ أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَمُوتُ، فَأَقْبَلَ أُسَامَةُ إلَى الْمَدِينَةِ مَعَهُ عُمَرُ وَأَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرّاحِ، فَانْتَهَوْا إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ يموت، فتوفّى رسول الله حِينَ زَاغَتْ الشّمْسُ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ لِاثْنَتَيْ عَشْرَةَ خَلَتْ مِنْ رَبِيعٍ الْأَوّلِ. وَدَخَلَ الْمُسْلِمُونَ الّذِينَ عَسْكَرُوا بِالْجُرْفِ الْمَدِينَةَ، وَدَخَلَ بُرَيْدَةُ بْنُ الْحُصَيْبِ بِلِوَاءِ أُسَامَةَ مَعْقُودًا حَتّى أَتَى بِهِ بَابَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَغَرَزَهُ عِنْدَهُ، فَلَمّا بُويِعَ لِأَبِي بَكْرٍ ﵁ أَمَرَ بُرَيْدَةُ أَنْ يَذْهَبَ بِاللّوَاءِ إلَى بَيْتِ أُسَامَةَ وَأَلّا يَحِلّهُ أَبَدًا حَتّى يَغْزُوَهُمْ أُسَامَةُ. قَالَ بُرَيْدَةُ:
ي بَكْرٍ ﵁ أَمَرَ بُرَيْدَةُ أَنْ يَذْهَبَ بِاللّوَاءِ إلَى بَيْتِ أُسَامَةَ وَأَلّا يَحِلّهُ أَبَدًا حَتّى يَغْزُوَهُمْ أُسَامَةُ. قَالَ بُرَيْدَةُ: فَخَرَجْت بِاللّوَاءِ حَتّى انْتَهَيْت بِهِ إلَى بَيْتِ أُسَامَةَ، ثُمّ خَرَجْت بِهِ إلَى الشّامِ مَعْقُودًا مَعَ أُسَامَةَ، ثُمّ رَجَعْت بِهِ إلَى بَيْتِ أُسَامَةَ، فَمَا زَالَ فِي بيت أسامة
حَتّى تُوُفّيَ أُسَامَةُ. فَلَمّا بَلَغَ الْعَرَبَ وَفَاةُ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَارْتَدّ مَنْ ارْتَدّ عَنْ الْإِسْلَامِ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ لِأُسَامَةَ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِ: اُنْفُذْ فِي وَجْهِك الّذِي وَجّهَك فِيهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ. وَأَخَذَ النّاسُ بِالْخُرُوجِ وَعَسْكَرُوا فِي مَوْضِعِهِمْ الْأَوّلِ، وَخَرَجَ بُرَيْدَةُ بِاللّوَاءِ حَتّى انْتَهَى إلَى مُعَسْكَرِهِمْ الْأَوّلِ، فَشَقّ عَلَى كِبَارِ الْمُهَاجِرِينَ الْأَوّلِينَ، وَدَخَلَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ عُمَرَ، وَعُثْمَانَ، وَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقّاصٍ، وأبو عبيدة بن الجرّاح، وسعيد ابن زَيْدٍ، فَقَالُوا: يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللهِ، إنّ الْعَرَبَ قَدْ انْتَقَضَتْ عَلَيْك مِنْ كُلّ جَانِبٍ، وَإِنّك لَا تَصْنَعُ بِتَفْرِيقِ هَذَا الْجَيْشِ الْمُنْتَشِرِ شَيْئًا، اجْعَلْهُمْ عِدّةً لِأَهْلِ الرّدّةِ، تَرْمِي بِهِمْ فِي نُحُورِهِمْ! وَأُخْرَى، لَا نَأْمَنُ عَلَى أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَنْ يُغَارَ عَلَيْهَا وَفِيهَا الذّرَارِيّ وَالنّسَاءُ، فَلَوْ اسْتَأْنَيْت لِغَزْوِ الرّومِ حَتّى يَضْرِبَ الْإِسْلَامُ بِجِرَانِهِ [ (١) ] ، وَتَعُودَ الرّدّةُ إلَى مَا خَرَجُوا مِنْهُ أَوْ يُفْنِيَهُمْ السّيْفُ، ثُمّ تَبْعَثُ أُسَامَةَ حِينَئِذٍ فَنَحْنُ نَأْمَنُ الرّومَ أَنْ تَزْحَفَ إلَيْنَا! فَلَمّا اسْتَوْعَبَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ مِنْهُمْ كَلَامَهُمْ قَالَ: هَلْ مِنْكُمْ أَحَدٌ يُرِيدُ أَنْ يَقُولَ شَيْئًا؟ قَالُوا: لَا، قَدْ سَمِعْت مَقَالَتَنَا. فَقَالَ: وَاَلّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْ ظَنَنْت أَنّ السّبَاعَ تَأْكُلُنِي بِالْمَدِينَةِ لَأَنْفَذْت هَذَا الْبَعْثَ، وَلَا بَدَأْت بِأَوّلَ مِنْهُ،
قَالَ: وَاَلّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْ ظَنَنْت أَنّ السّبَاعَ تَأْكُلُنِي بِالْمَدِينَةِ لَأَنْفَذْت هَذَا الْبَعْثَ، وَلَا بَدَأْت بِأَوّلَ مِنْهُ، وَرَسُولُ اللهِ يَنْزِلُ عَلَيْهِ الْوَحْيُ مِنْ السّمَاءِ يَقُولُ: أَنْفِذُوا جَيْشَ أُسَامَةَ! وَلَكِنْ خَصْلَةً، أُكَلّمُ أُسَامَةَ فِي عُمَرَ يَخْلُفُهُ يُقِيمُ عِنْدَنَا، فَإِنّهُ لَا غَنَاءَ بِنَا عَنْهُ. وَاَللهِ، مَا أَدْرِي يَفْعَلُ أُسَامَةُ أَمْ لَا، وَاَللهِ إنْ رَأَى لَا أُكْرِهُهُ! فَعَرَفَ الْقَوْمُ أَنّ أَبَا بَكْرٍ قَدْ عَزَمَ عَلَى إنْفَاذِ بَعْثِ أُسَامَةَ. وَمَشَى أَبُو بَكْرٍ ﵁ إلَى أُسَامَةَ فِي بَيْتِهِ، وَكَلّمَهُ أَنْ يترك عمر، ففعل
أُسَامَةُ، وَجَعَلَ يَقُولُ لَهُ: أَذِنْت وَنَفْسَك طَيّبَةٌ؟ فَقَالَ أُسَامَةُ: نَعَمْ! وَخَرَجَ وَأَمَرَ مُنَادِيَهُ يُنَادِي: عَزْمَةٌ مِنّي أَلّا يَتَخَلّفَ عَنْ أُسَامَةَ مِنْ بَعْثِهِ مَنْ كَانَ اُنْتُدِبَ مَعَهُ فِي حَيَاةِ رسول الله ﷺ، فإني لَنْ أُوتَى بِأَحَدٍ أَبْطَأَ عَنْ الْخُرُوجِ مَعَهُ إلّا أَلْحَقْته بِهِ مَاشِيًا. وَأَرْسَلَ إلَى النّفَرِ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ الّذِينَ كَانُوا تَكَلّمُوا فِي إمَارَةِ أُسَامَةَ، فَغَلّظَ عَلَيْهِمْ وَأَخَذَهُمْ بِالْخُرُوجِ، فَلَمْ يَتَخَلّفْ عَنْ الْبَعْثِ إنْسَانٌ وَاحِدٌ. وَخَرَجَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ يُشَيّعُ أُسَامَةَ وَالْمُسْلِمِينَ، فَلَمّا رَكِبَ أُسَامَةُ مِنْ الْجُرْفِ فِي أَصْحَابِهِ- وَهُمْ ثَلَاثَةُ آلَافِ رَجُلٍ وَفِيهِمْ أَلْفُ فَرَسٍ- فَسَارَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ إلَى جَنْبِ أُسَامَةَ سَاعَةً، ثُمّ قَالَ: أَسْتَوْدِعُ اللهَ دِينَك وَأَمَانَتَك وَخَوَاتِيمَ عَمَلِك، إنّي سَمِعْت رَسُولَ اللهِ ﷺ يُوصِيك، فَانْفُذْ لِأَمْرِ رسول الله ﷺ، فإني لَسْت آمُرُك وَلَا أَنْهَاك عَنْهُ، وَإِنّمَا أَنَا مُنْفِذٌ لِأَمْرٍ أَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ. فَخَرَجَ سَرِيعًا فَوَطِئَ بِلَادًا هَادِئَةً لَمْ يَرْجِعُوا عَنْ الْإِسْلَامِ- جُهَيْنَةَ وَغَيْرَهَا مِنْ قُضَاعَةَ- فَلَمّا نَزَلَ وَادِي الْقُرَى قَدِمَ عَيْنًا لَهُ مِنْ بَنِي عُذْرَةَ يُقَالُ لَهُ حُرَيْثٌ، فَخَرَجَ عَلَى صَدْرِ رَاحِلَتِهِ أَمَامَهُ مُغِذّا [ (١) ] حتى انتهى إلى أبنى، فنظر إلَى مَا هُنَاكَ وَارْتَادَ الطّرِيقَ، ثُمّ رَجَعَ سَرِيعًا حَتّى لَقِيَ أُسَامَةَ عَلَى مَسِيرَةِ لَيْلَتَيْنِ مِنْ أُبْنَى، فَأَخْبَرَهُ أَنّ النّاسَ غَارُونِ وَلَا جُمُوعَ لَهُمْ، وَأَمَرَهُ أَنْ يُسْرِعَ السّيْرَ قَبْلَ أَنْ تَجْتَمِعَ [ (٢) ] الْجُمُوعُ، وَأَنْ يُشِنّهَا غَارَةً. قَالَ: فَحَدّثَنِي هِشَامُ بْنُ عَاصِمٍ، عَنْ الْمُنْذِرِ بْنِ جَهْمٍ قَالَ: قَالَ بُرَيْدَةُ لِأُسَامَةَ: يَا أَبَا مُحَمّدٍ، إنّي شَهِدْت رَسُولَ اللهِ ﷺ يوصى
ّثَنِي هِشَامُ بْنُ عَاصِمٍ، عَنْ الْمُنْذِرِ بْنِ جَهْمٍ قَالَ: قَالَ بُرَيْدَةُ لِأُسَامَةَ: يَا أَبَا مُحَمّدٍ، إنّي شَهِدْت رَسُولَ اللهِ ﷺ يوصى
أَبَاك أَنْ يَدْعُوَهُمْ إلَى الْإِسْلَامِ، فَإِنْ أَطَاعُوهُ خَيّرَهُمْ، وَإِنْ أَحَبّوا أَنْ يُقِيمُوا فِي دَارِهِمْ وَيَكُونُوا كَأَعْرَابِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا شَيْءَ لَهُمْ فِي الْفَيْءِ وَلَا الْغَنِيمَةِ إلّا أَنْ يُجَاهِدُوا مَعَ الْمُسْلِمِينَ، وَإِنْ تَحَوّلُوا إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ كَانَ لَهُمْ مَا لِلْمُهَاجِرِينَ وَعَلَيْهِمْ مَا عَلَى الْمُهَاجِرِينَ. قَالَ أُسَامَةُ: هَكَذَا وَصِيّةُ رَسُولِ اللهِ ﷺ لِأَبِي، وَلَكِنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَمَرَنِي، وَهُوَ آخِرُ عَهْدِهِ إلَيّ، أَنْ أُسْرِعَ السّيْرَ وَأَسْبِقَ الْأَخْبَارَ، وَأَنْ أَشُنّ الْغَارَةَ عَلَيْهِمْ بِغَيْرِ دُعَاءٍ، فَأُحَرّقَ وَأُخَرّبَ. فَقَالَ بُرَيْدَةُ: سَمْعًا وَطَاعَةً لِأَمْرِ رَسُولِ اللهِ ﷺ. فَلَمّا انْتَهَى إلَى أُبْنَى فَنَظَرَ إلَيْهَا مَنْظَرَ الْعَيْنِ عَبّأَ أصحابه وقال: اجعلوها غارة ولا تمعنوا فِي الطّلَبِ وَلَا تَفْتَرِقُوا، وَاجْتَمِعُوا وَأَخْفُوا الصّوْتَ، وَاذْكُرُوا اللهَ فِي أَنْفُسِكُمْ، وَجَرّدُوا سُيُوفَكُمْ وَضَعُوهَا فِيمَنْ أَشْرَفَ لَكُمْ. ثُمّ دَفَعَ عَلَيْهِمْ الْغَارَةَ، فَمَا نَبَحَ كَلْبٌ وَلَا تَحَرّكَ أَحَدٌ، وَمَا شَعَرُوا إلّا بِالْقَوْمِ قَدْ شَنّوا عَلَيْهِمْ الْغَارَةَ يُنَادُونَ بِشِعَارِهِمْ: يَا مَنْصُورُ أَمِتْ!. فَقَتَلَ مَنْ أَشْرَفَ لَهُ، وَسَبَى مَنْ قَدَرَ عَلَيْهِ، وَحَرّقَ فِي طَوَائِفِهِمْ [ (١) ] بِالنّارِ، وَحَرّقَ مَنَازِلَهُمْ وَحَرْثَهُمْ [ (٢) ] وَنَخْلَهُمْ، فَصَارَتْ أَعَاصِيرُ مِنْ الدّخَاخِينِ [ (٣) ] . وَأَجَالَ الْخَيْلَ فِي عَرَصَاتِهِمْ، وَلَمْ يُمْعِنُوا فِي الطّلَبِ، أَصَابُوا مَا قَرُبَ مِنْهُمْ وَأَقَامُوا يَوْمَهُمْ ذَلِكَ فِي تَعْبِئَةِ، مَا أَصَابُوا مِنْ الْغَنَائِمِ.
اتِهِمْ، وَلَمْ يُمْعِنُوا فِي الطّلَبِ، أَصَابُوا مَا قَرُبَ مِنْهُمْ وَأَقَامُوا يَوْمَهُمْ ذَلِكَ فِي تَعْبِئَةِ، مَا أَصَابُوا مِنْ الْغَنَائِمِ. وَكَانَ أُسَامَةُ خَرَجَ عَلَى فَرَسِ أَبِيهِ الّتِي قُتِلَ عَلَيْهَا أَبُوهُ يَوْمَ مُؤْتَةَ كَانَتْ تُدْعَى سَبْحَةَ، وَقَتَلَ قَاتِلَ أبيه فى الغارة، خبّره به بعض
مَنْ سَبَى، وَأَسْهَمَ لِلْفَرَسِ سَهْمَيْنِ وَلِصَاحِبِهِ سَهْمًا، وَأَخَذَ لِنَفْسِهِ مِثْلَ ذَلِكَ. فَلَمّا أَمْسَوْا أَمَرَ النّاسَ بِالرّحِيلِ، وَمَضَى الدّلِيلُ أَمَامَهُ، حُرَيْثٌ الْعُذْرِيّ، فأخذوا الطريق التي جاء مِنْهَا، وَدَانُوا لَيْلَتَهُمْ حَتّى انْتَهَوْا بِأَرْضٍ بَعِيدَةٍ، ثُمّ طَوَى الْبِلَادَ حَتّى انْتَهَى إلَى وَادِي الْقُرَى فِي تِسْعِ لَيَالٍ، ثُمّ قَصَدَ بَعْدُ فِي السّيْرِ فَسَارَ [ (١) ] إلَى الْمَدِينَةِ، وَمَا أُصِيبَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَحَدٌ. فَبَلَغَ ذَلِكَ هِرَقْلَ وَهُوَ بِحِمْصَ، فَدَعَا بَطَارِقَتَهُ فَقَالَ: هَذَا الّذِي حَذّرْتُكُمْ، فَأَبَيْتُمْ أَنْ تَقْبَلُوهُ مِنّي. قَدْ صَارَتْ الْعَرَبُ تَأْتِي مَسِيرَةَ شَهْرٍ تُغِيرُ عَلَيْكُمْ، ثُمّ تَخْرُجُ مِنْ سَاعَتِهَا وَلَمْ تُكْلَمْ. قَالَ أَخُوهُ: سَأَقُومُ [ (٢) ] فَأَبْعَثُ رَابِطَةً [ (٣) ] تَكُونُ بِالْبَلْقَاءِ [ (٤) ] . فَبَعَثَ رَابِطَةً وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهِمْ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِهِ، فَلَمْ يَزَلْ مُقِيمًا حَتّى قَدِمَتْ الْبُعُوثُ إلَى الشّامِ فِي خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ﵄. قَالُوا: وَاعْتَرَضَ لِأُسَامَةَ فِي مُنْصَرَفِهِ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ كَثْكَثٍ- قَرْيَةٌ هُنَاكَ- قَدْ كَانُوا اعْتَرَضُوا لِأَبِيهِ فِي بَدْأَتِهِ فَأَصَابُوا مِنْ أَطْرَافِهِ، فَنَاهَضَهُمْ أُسَامَةُ بِمَنْ مَعَهُ، وَظَفِرَ بِهِمْ وَحَرّقَ عَلَيْهِمْ، وَسَاقَ نَعَمًا مِنْ نَعَمِهِمْ، وَأَسَرّ مِنْهُمْ أَسِيرَيْنِ فَأَوْثَقَهُمَا، وَهَرَبَ مَنْ بَقِيَ، فَقَدِمَ بِهِمَا الْمَدِينَةَ فَضَرَبَ أَعْنَاقَهُمَا.
نَعَمًا مِنْ نَعَمِهِمْ، وَأَسَرّ مِنْهُمْ أَسِيرَيْنِ فَأَوْثَقَهُمَا، وَهَرَبَ مَنْ بَقِيَ، فَقَدِمَ بِهِمَا الْمَدِينَةَ فَضَرَبَ أَعْنَاقَهُمَا. قَالَ: فَحَدّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ يَحْيَى بْنِ النّضْرِ، عَنْ أَبِيهِ، أَنّ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ بَعَثَ بَشِيرَهُ مِنْ وَادِي الْقُرَى بِسَلَامَةِ الْمُسْلِمِينَ، وَأَنّهُمْ قَدْ أَغَارُوا عَلَى الْعَدُوّ فَأَصَابُوهُمْ، فَلَمّا سَمِعَ الْمُسْلِمُونَ بِقُدُومِهِمْ خَرَجَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ فِي الْمُهَاجِرِينَ، وَخَرَجَ أَهْلُ المدينة حتى العواتق سرورا بسلامة أسامة
وَمَنْ مَعَهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، وَدَخَلَ يَوْمَئِذٍ عَلَى فَرَسِهِ سَبْحَةَ كَأَنّمَا خَرَجَتْ مِنْ ذِي خُشُبٍ، عَلَيْهِ الدّرْعُ، وَاللّوَاءُ أَمَامَهُ يَحْمِلُهُ بُرَيْدَةُ، حَتّى انْتَهَى بِهِ إلَى الْمَسْجِدِ، فَدَخَلَ فَصَلّى رَكْعَتَيْنِ وَانْصَرَفَ إلَى بَيْتِهِ مَعَهُ اللّوَاءُ. وَكَانَ مَخْرَجُهُ مِنْ الْجُرْفِ لِهِلَالِ شَهْرِ رَبِيعٍ الْآخِرِ سَنَةَ إحْدَى عَشْرَةَ، فَغَابَ خَمْسَةً وَثَلَاثِينَ يَوْمًا، عِشْرُونَ فِي بَدْأَتِهِ، وَخَمْسَةَ عَشَرَ فِي رَجْعَتِهِ. قَالَ: فَحَدّثَنِي مُحَمّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَهْلِهِ، قَالَ: تُوُفّيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأُسَامَةُ ابْنُ تِسْعَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ زوجه وهو ابن خمس عشرة سنة امرأة من طيء، فَفَارَقَهَا وَزَوّجَهُ أُخْرَى. وَوُلِدَ لَهُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَأَوْلَمَ رسول الله ﷺ على بِنَائِهِ بِأَهْلِهِ. قَالَ: فَحَدّثَنِي أَبُو الْحُرّ عَبْدُ الرّحْمَنِ بْنُ الْحُرّ الْوَاقِفِيّ، مِنْ وَلَدِ السّائِبِ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ حُصَيْفَةَ، أَنّ ابْنًا لِأُسَامَةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ ﵀ دَخَلَ بِهِ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي بَيْتِ أُمّ سَلَمَةَ، وَهُوَ أَسْوَدُ، فَقَالَتْ أُمّ سَلَمَةَ: يَا رَسُولَ اللهِ، لَوْ كَانَ هَذَا جَارِيَةً مَا نَفَقَتْ. فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ: بَلَى، إنْ شَاءَ اللهُ يُجْعَلْ لَهَا مَسَكَانَ مِنْ وَرِقٍ، وَقُرْطَانِ [ (١) ] ، وَيُجْعَلْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ حُلُوقٌ، فَكَأَنّهُ ذَهَبٌ. قَالَ: حَدّثَنِي مُحَمّدُ بْنُ حَوْطٍ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، قَالَ: كَانَ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ قَدْ أَصَابَهُ الْجُدَرِيّ أَوّلَ مَا قَدِمَ الْمَدِينَةَ وَهُوَ غُلَامٌ، مُخَاطُهُ يَسِيلُ عَلَى فِيهِ، فَتَقْذَرُ بِهِ عَائِشَةُ رضى الله عنها، فدخل
دْ أَصَابَهُ الْجُدَرِيّ أَوّلَ مَا قَدِمَ الْمَدِينَةَ وَهُوَ غُلَامٌ، مُخَاطُهُ يَسِيلُ عَلَى فِيهِ، فَتَقْذَرُ بِهِ عَائِشَةُ رضى الله عنها، فدخل
رَسُولُ اللهِ ﷺ فَطَفِقَ يَغْسِلُ وَجْهَهُ وَيُقَبّلُهُ. قَالَتْ عَائِشَةُ: أَمَا وَاَللهِ، بَعْدَ هَذَا فَلَا أُقْصِيهِ أَبَدًا. عَنْ مُحَمّدِ بْنِ الْحَسَنِ، عَنْ حُسَيْنِ بْنِ أَبِي حُسَيْنٍ الْمَازِنِيّ، عَنْ ابْنِ قُسَيْطٍ، عَنْ مُحَمّدِ بْنِ زَيْدٍ، قَالَ: سَقَطَ أُسَامَةُ فَأَصَابَ وَجْهَهُ شَجّةٌ، فَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَمُصّ الدّمَ وَيَبْصُقُهُ. عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ، وَسُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ يحيى ابن جَعْدَةَ، أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ لِفَاطِمَةَ وَهِيَ تَمْسَحُ عَنْ وَجْهِ أُسَامَةَ شَيْئًا، فَكَأَنّهَا تَأَذّتْ بِهِ، فَاجْتَذَبَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَانْتَهَرَهَا، فَقَالَتْ: لَا أَتَأَذّى بِهِ أَبَدًا. قَالَ: حَدّثَنِي مَعْمَرٌ، عَنْ الزّهْرِيّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂، أنّ مجزّز الْمُدْلِجِيّ نَظَرَ إلَى زَيْدٍ وَأُسَامَةَ، وَعَلَيْهِمَا قَطِيفَةٌ وهما مضطجعان، قد خمّرا رؤوسهما وَأَرْجُلَهُمَا فَقَالَ: إنّ هَذِهِ الْأَقْدَامَ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ. فَسُرّ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِشَبَهِ أُسَامَةَ زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ. عَنْ محمد، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة ﵂، قَالَتْ: مَا رَأَيْت رَسُولَ اللهِ ﷺ عُرْيَانًا قَطّ إلّا مَرّةً وَاحِدَةً، جَاءَ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ مِنْ غَزْوَةٍ يَسْتَفْتِحُ، فَسَمِعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ صَوْتَهُ فَقَامَ عُرْيَانًا يَجُرّ ثَوْبَهُ فَقَبّلَهُ. قَالَ: حَدّثَنِي مُوسَى بْنُ يَعْقُوبَ، عَنْ أَبِي الْحُوَيْرِثِ، وَمَخْرَمَةَ بْنِ بُكَيْرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزّبَيْرِ، قَالَا: إنّ رسول الله ﷺ قال لَأُمّ كُلْثُومٍ بِنْتِ عُقْبَةَ: تَزَوّجِي زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ فَإِنّهُ خَيْرٌ لَك.
ِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزّبَيْرِ، قَالَا: إنّ رسول الله ﷺ قال لَأُمّ كُلْثُومٍ بِنْتِ عُقْبَةَ: تَزَوّجِي زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ فَإِنّهُ خَيْرٌ لَك.
فَكَرِهَتْ ذَلِكَ، فَأَنْزَلَ اللهُ ﷿: وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِيناً. صَدَقَ اللهُ الْعَظِيمُ. تَمّ كِتَابُ المغازي بحمد الله ومنّه



