— Bagian 11 · هم حتى فتح الله عليه. —
Bagian 11
هم حتى فتح الله عليه. وكان فى السبى الشيماء- أخته- ﵊ من الرضاعة-. وقتل قاتل أبى عامر. فقال- ﷺ: «اللهم اغفر لأبى عامر واجعله من أعلى أمتى فى الجنة» .
وفى رواية البخارى قال- يعنى أبا عامر لأبى موسى الأشعرى، لما رمى بالسهم-: يا ابن أخى: أقرىء النبى- ﷺ السلام، وقل له: يستغفر لى ثم مات. فرجعت فدخلت على النبى- ﷺ فأخبرته بخبرنا وخبر أبى عامر، وقال قل له: استغفر لى، فدعا بماء فتوضأ، ثم رفع يديه وقال: «اللهم اغفر لعبيدك أبى عامر» - ورأيت بياض إبطيه- ثم قال: «اللهم اجعله يوم القيامة فوق كثير من خلقك» ... فقلت: ولى ... فقال: «اللهم اغفر لعبد الله بن قيس ذنبه وأدخله يوم القيامة مدخلا كريما» . قال أبو بردة: إحداهما لأبى عامر والآخرى لأبى موسى «١» . ثم سرية الطفيل بن عمرو الدوسى «٢» إلى ذى الكفين، صنم من خشب، كان لعمرو بن حممة، فى شوال- لما أراد- ﷺ السير إلى الطائف- ليهدمه ويوافيه بالطائف. فخرج سريعا فهدمه وجعل يحش النار فى وجهه ويحرقه ويقول: يا ذا الكفين لست من عبادكا ... ميلادنا أقدم من ميلادكا إنى حشوت النار فى فؤادكا وانحدر معه من قومه أربعمائة سراعا، فوافوا النبى- ﷺ بالطائف بعد مقدمه بأربعة أيام. وعند مغلطاى: وقدم معه أربعة مسلمون.
غزوة الطائف «٣» : ثم غزوة الطائف، وهى بلد كبير، على ثلاث مراحل أو اثنين من مكة، من جهة المشرق، كثيرة الأعناب والفواكه. وقيل: إن أصلها أن جبريل- عليه
غزوة الطائف «٣» : ثم غزوة الطائف، وهى بلد كبير، على ثلاث مراحل أو اثنين من مكة، من جهة المشرق، كثيرة الأعناب والفواكه. وقيل: إن أصلها أن جبريل- عليه
الصلاة والسلام- اقتلع الجنة التى كانت لأصحاب الصريم، فسار بها إلى مكة، فطاف بها حول البيت ثم أنزلها حيث الطائف، فسمى الموضع بها. وكانت أولا بنواحى صنعاء. واسم الأرض: وج، بتشديد الجيم المضمومة. وسار إليها النبى- ﷺ فى شوال سنة ثمان، حين خرج من حنين وحبس الغنائم بالجعرانة. وقدم خالد بن الوليد على مقدمته، وكانت ثقيف لما انهزموا من أوطاس دخلوا حصنهم بالطائف، وأغلقوه عليهم بعد أن دخلوا فيه ما يصلحهم لسنة. وتهيئوا للقتال. وسار- ﷺ فمر بطريقة بقبر أبى رغال، وهو أبو ثقيف- فيما يقال- فاستخرج منه غصنا من ذهب «١» . ونزل قريبا من الحصن وعسكر هناك. فرموا المسلمين بالنبل رميا شديدا، كأنه رجل جراد «٢» ، حتى أصيب ناس من المسلمين بجراحة وقتل منهم اثنا عشر رجلا منهم: عبد الله بن أبى أمية. ورمى عبد الله بن أبى بكر الصديق يومئذ بجرح فاندمل ثم نقض بعد ذلك فمات منه فى خلافة أبيه. وارتفع- ﷺ إلى موضع مسجد الطائف اليوم، وكان معه من نسائه أم سلمة وزينب، فضرب لهما قبتين. وكان يصلى بين القبتين حصار الطائف كله. فحاصرهم ثمانية عشر يوما، ويقال خمسة عشر يوما. ونصب عليهم المنجنيق وهو أول منجنيق رمى به فى الإسلام، وكان قدم به الطفيل الدوسى معه لما رجع من سرية ذى الكفين، فرمتهم ثقيف بالنبل فقتل منهم رجال، فأمر- ﷺ بقطع أعنابهم وتحريقها. فقطع المسلمون قطعا ذريعا، ثم سألوه أن يدعها لله وللرحم، فقال- ﷺ: «إنى لله وللرحم» «٣» .
م ثقيف بالنبل فقتل منهم رجال، فأمر- ﷺ بقطع أعنابهم وتحريقها. فقطع المسلمون قطعا ذريعا، ثم سألوه أن يدعها لله وللرحم، فقال- ﷺ: «إنى لله وللرحم» «٣» .
ثم نادى مناديه- ﷺ: أيما عبد نزل من الحصين وخرج إلينا فهو حر. قال الدمياطى: فخرج منهم بضعة عشر رجلا فيهم أبو بكرة، وعند مغلطاى: ثلاثة وعشرون عبدا. وفى البخارى عن أبى عثمان النهدى قال: سمعت سعدا وأبا بكرة عن النبى- ﷺ ... قال عاصم: «لقد شهد عندك رجلان ... أما أحدهما فأول من رمى بسهم فى سبيل الله، وأما الآخر فنزل إلى النبى- ﷺ ثالث ثلاثة وعشرين من الطائف» «١» الحديث. وأعتق- ﷺ من نزل منهم، ودفع كل رجل منهم إلى رجل من المسلمين يمونه، فشق ذلك على أهل الطائف مشقة شديدة. ولم يؤذن له- ﷺ فى فتح الطائف. وأمر عمر بن الخطاب فأذن فى الناس بالرحيل، فضج الناس من ذلك، وقالوا: نرحل ولم يفتح علينا الطائف؟ فقال- ﷺ: فاغدوا على القتال، فغدوا فأصاب المسلمين جراحات، فقال- ﷺ: إنا قافلون إن شاء الله تعالى فسروا بذلك وأذعنوا، وجعلوا يرحلون، ورسول الله- ﷺ يضحك. قال النووى: قصد- ﷺ الشفقة عليهم والرفق بهم بالرحيل عن الطائف لصعوبة أمره، وشدة الكفار الذين هم فيه، وتقويهم بحصنهم، مع أنه- ﷺ علم أولا، أو رجا أنه سيفتحه بعد ذلك بلا مشقة. فلما حرص الصحابة على المقام والجهاد أقام، وجد فيه القتال حتى أصابتهم الجراح رجع إلى ما كان قصده أولا من الرفق بهم ففرحوا بذلك لما رأوا ممن المشقة الظاهرة، ووافقوا على الرحيل، فضحك- ﷺ تعجبا من تغير رأيهم. وفقئت عين أبى سفيان صخر بن حرب يومئذ، فذكر ابن سعد أن النبى ﷺ قال له وهى فى يده: «أيما أحب إليك عين فى الجنة أو أدعو الله أن يردها عليك» قال: بل عين فى الجنة ورمى بها.
وشهد اليرموك فقاتل وفقئت عينه الآخرى يومئذ. ذكره الحافظ زين الدين العراقى فى شرح التقريب. وقال- ﷺ لأصحابه: قولوا: «لا إله إلا الله وحده، صدق وعده، ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده» . فلما ارتحلوا قال: «آيبون، تائبون عابدون، لربنا حامدون» «١» . فانظر كيف كان- ﷺ إذا خرج للجهاد يعتد لذلك بجمع أصحابه واتخاذ الخيل والسلاح وما يحتاج إليه من آلات الجهاد والسفر، ثم إذا رجع يتعرى من ذلك ويرد الأمر كله لمولاه ﷿ لا لغيره بقوله: «آيبون تائبون عابدون لربنا حامدون، صدق الله وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده» «٢» . وانظر إلى قوله- ﷺ: «وهزم الأحزاب وحده» فنفى- ﷺ ما تقدم ذكره، وهذا هو معنى الحقيقة، لأن الإنسان وفعله خلق لربه ﷿، فهو لله ﷾ الذى خلق ودبر، وأعان وأجرى الأمور على يد من شاء، ومن اختار من خلقه، فكل منه وإليه، ولو شاء أن يبيد أهل الكفر من غير قتال لفعل، قال تعالى: ذلِكَ وَلَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلكِنْ لِيَبْلُوَا بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ «٣» فيثبت ﷾ الصابرين ويجزل الثواب للشاكرين، قال تعالى: وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَا أَخْبارَكُمْ «٤» . فعلى المكلف الامتثال فى الحالتين، أى: امتثال تعاطى الأسباب،
ْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَا أَخْبارَكُمْ «٤» . فعلى المكلف الامتثال فى الحالتين، أى: امتثال تعاطى الأسباب،
والرجوع إلى المولى والسكون إليه بساحة كرمه، كما كان- ﷺ يأتى الأسباب أولا تأدبا مع الربوبية وتشريعا لأمته، ثم يظهر الله تعالى على يديه ما يشاء من قدرته الغامضة التى ادخرها له- ﵊. قال ابن الحاج فى المدخل: ولما قيل له: يا رسول الله، ادع على ثقيف. فقال: «اللهم اهد ثقيفا وائت بهم» «١» . وكان- ﷺ قد أمر أن يجمع السبى والغنائم مما أفاء الله على رسوله يوم حنين فجمع ذلك كله إلى الجعرانة، فكان بها إلى أن انصرف- ﵇ من الطائف. وكان السبى ستة آلاف رأس، والإبل أربعة وعشرين ألف بعير، والغنم أكثر من أربعين ألف شاة، وأربعة آلاف أوقية فضة. واستأنى- ﷺ- أى انتظر وتربص- بهوازن أن يقدموا عليه مسلمين بضع عشرة. ثم بدأ يقسم الأموال، فقسمها. وفى البخارى: وطفق- ﷺ يعطى رجالا المائة من الإبل. فقال ناس من الأنصار يغفر الله لرسول الله- ﷺ يعطى قريشا ويتركنا، وسيوفنا تقطر من دمائهم؟! قال أنس: فحدث رسول الله- ﷺ بمقالتهم فأرسل إلى الأنصار فجمعهم فى قبة من آدم، ثم قال لهم: «أما ترضون أن يذهب الناس بالأموال وتذهبون بالنبى إلى رحالكم؟! فو الله لما تنقلبون به خير مما ينقلبون به» ، قالوا: يا رسول الله قد رضينا «٢» . وعن جبير بن مطعم قال: بينما أنا مع النبى- ﷺ ومعه الناس مقفله
حالكم؟! فو الله لما تنقلبون به خير مما ينقلبون به» ، قالوا: يا رسول الله قد رضينا «٢» . وعن جبير بن مطعم قال: بينما أنا مع النبى- ﷺ ومعه الناس مقفله
من حنين، علقت برسول الله- ﷺ الأعراب حتى اضطروه إلى سمرة فخطفت رداءه، فوقف- ﷺ فقال: «أعطونى ردائى، فلو كان لى عدد هذه العضاة نعما لقسمته بينكم، ثم لا تجدونى بخيلا ولا كذوبا ولا جبانا» «١» . ورواه مسلم. وذكر محمد بن سعد كاتب الواقدى عن ابن عباس أنه قال: لما قدم رسول الله- ﷺ من الطائف نزل الجعرانة فقسم بها الغنائم ثم اعتمر منها وذلك لليلتين بقيتا من شوال. قال ابن سيد الناس وهذا ضعيف، والمعروف عند أهل السير أن النبى ﷺ انتهى إلى الجعرانة ليلة الخميس، لخمس ليال خلون من ذى القعدة، فأقام بها ثلاث عشرة ليلة، فلما أراد الانصراف إلى المدينة خرج ليلة الأربعاء لاثنتى عشرة ليلة بقيت من ذى القعدة ليلا، فأحرم بعمرة ودخل مكة. وفى تاريخ الأزرفى أنه- ﷺ أحرم من وراء الوادى، حيث الحجارة المنصوبة. وعند الواقدى: من المسجد الأقصى الذى تحت الوادى بالعدوة القصوى من الجعرانة. وكانت صلاته- ﵊ إذ كان الجعرانة به. والجعرانة موضع بينه وبين مكة بريد، كما قاله الفاكهى. وقال الباجى: ثمانية عشر ميلا، وسمى بامرأة تلقب بالجعرانة، كما ذكره السهيلى. قالوا: وقدم- ﷺ المدينة وقد غاب عنها شهرين وستة عشر يوما. وبعث- ﷺ قيس بن سعد بن عبادة «٢» إلى ناحية اليمن فى أربعمائة فارس، وأمره أن يقاتل قبيلة صداء، حين مروره عليهم فى الطرق. فقدم زياد بن الحارث الصدائى، فسأل عن ذلك البعث فأخبر، فقال:
» إلى ناحية اليمن فى أربعمائة فارس، وأمره أن يقاتل قبيلة صداء، حين مروره عليهم فى الطرق. فقدم زياد بن الحارث الصدائى، فسأل عن ذلك البعث فأخبر، فقال:
يا رسول الله أنا ولفدهم، فاردد الجيش، وأنا لك بقومى، فردهم النبى ﷺ من قناة. وقدم الصدائيون بعد خمسة عشر يوما فأسلموا. وتأتى قصة وفدهم فى الفصل العاشر من المقصد الثانى- إن شاء الله تعالى-. وبعث عيينة بن حصن الفزارى «١» إلى بنى تميم بالسقيا- وهى أرض بنى تميم- فى المحرم سنة تسع فى خمسين فارسا من العرب ليس فيهم مهاجرى ولا أنصارى. فكان يسير الليل ويكمن النهار، فهجم عليهم فى صحراء، فدخلوا وسرحوا مواشيهم فلما رأوا الجمع ولّوا، فأخذوا منهم أحد عشر رجلا، ووجدوا فى المحلة إحدى عشرة امرأة وثلاثين صبيّا. فقدم منهم عشرة من رؤسائهم، منهم: عطارد والزبرقان، وقيس بن عاصم، والأقرع بن حابس، فجاؤا إلى باب النبى- ﷺ فنادوا: يا محمد اخرج إلينا فخرج- ﷺ وأقام بلال الصلاة، وتعلقوا برسول الله- ﷺ يكلمونه، فوقف معهم ثم مضى فصلى الظهر. ثم جلس فى صحن المسجد. فقدموا عطارد بن حاجب فتكلم وخطب. فأمر رسول الله- ﷺ ثابت بن قيس بن شماس فأجابهم. ونزل فيهم إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ «٢» . ورد عليهم ﷺ الأسرى والسبى «٣» . وفى البخارى: عن عبد الله بن الزبير: أنه قدم ركب من بنى تميم على النبى- ﷺ فقال أبو بكر: أمر القعقاع بن معبد بن زرارة، وقال عمر: بل أمر الأقرع بن حابس، قال أبو بكر: ما أردت إلا خلافى. قال عمر: ما أردت خلافك، فتماريا حتى ارتفعت أصواتهما، فنزل فى ذلك: يا أَيُّهَا
الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ.... «١» حتى انقضت «٢» . أى لا تقدموا القضاء فى أمر قبل أن يحكم الله ورسوله فيه. ولما نزل لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ «٣» أقسم أبو بكر لا يتكلم بين يدى رسول الله إلا كمن يسارر صاحبه، فنزل فيه وفى أمثاله إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْواتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ «٤» الآية. ثم بعث الوليد بن عقبة بن أبى معيط إلى بنى المصطلق من خزاعة يصدقهم، وكان بينه وبينهم عداوة فى الجاهلية. وكانوا قد أسلموا وبنوا المساجد، فلما سمعوا بدنو الوليد خرج منهم عشرون رجلا يتلقونه بالجزر والغنم، فرحا به وتعظيما لله ولرسوله، فحدثه الشيطان أنهم يريدون قتله. فرجع من الطريق قبل أن يصلوا إليه، وأخبر النبى- ﷺ أنهم لقوة بالسلاح يحولون بينه وبين الصدقة. فهمّ- ﷺ أن يبعث إليهم من يغزوهم. وبلغ ذلك القوم، فقدم عليه الركب الذين لقوا الوليد، فأخبروا النبى- ﷺ الخبر على وجهه، فنزلت هذه الآية يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ ... «٥» . إلى آخر الآية، فقرأ عليهم- ﷺ القرآن. وبعث معهم عباد بن بشر يأخذ صدقات أموالهم ويعلمهم شرائع الإسلام ويقرئهم القرآن. وفى «شرف المصطفى» للنيسابورى، مما ذكره مغلطاى أنه- ﵊ بعث عبد الله بن عوسجة إلى بنى عمرو بن حارثة، وقيل حارثة بن عمر- قال: وهو الأصح- فى مستهل صفر يدعوهم إلى الإسلام فأبوا أن يجيبوا بالصحيفة فدعا عليهم- ﷺ بذهاب العقل، فهم إلى أهل رعدة وعجلة وكلام مختلط.
ارثة بن عمر- قال: وهو الأصح- فى مستهل صفر يدعوهم إلى الإسلام فأبوا أن يجيبوا بالصحيفة فدعا عليهم- ﷺ بذهاب العقل، فهم إلى أهل رعدة وعجلة وكلام مختلط.
ثم سرية قطبة بن عامر بن حديدة إلى خثعم «١» ، من تربة- بفتح الراء- من أعمال مكة سنة تسع، وبعث معه عشرين رجلا، وأمره أن يشن الغارة عليهم فاقتتلوا قتالا شديدا حتى كثر الجرحى فى الفريقين جميعا، وقتل قطبة من قتل، وساقوا النعم والشاء والنساء إلى المدينة. وكانت سهمانهم أربعة أبعرة، والبعير يعدل بعشرة من الغنم بعد أن أخرج الخمس. ثم سرية الضحاك بن سفيان الكلابى إلى بنى كلاب «٢» ، فى ربيع الأول سنة تسع، إلى القرطاء، فدعاهم إلى الإسلام فأبوا، فقاتلوهم فهزموهم وغنموهم. ثم سرية علقمة بن مجرز المدلجى إلى طائفة من الحبشة «٣» فى ربيع الآخر، وقال الحاكم فى صفر سنة تسع. وذكر ابن سعد أن سبب ذلك: أنه بلغه- ﷺ أن ناسا من الحبشة تراآهم أهل جدة، فبعث إليهم بن مجزز فى ثلاثمائة، فانتهى إلى جزيرة فى البحر، فلما خاض البحر إليهم هربوا. فلما رجع، بعض القوم ألى أهليهم، فأمر عبد الله بن حداقة على من تعجل، وكانت فيه دعابة، فنزلوا ببعض الطريق وأوقدوا نارا يصطلون عليها، فقال عزمت عليكم إلا تواثبتم فى هذه النار، فلما همّ بعضهم بذلك قال: اجلسوا، إنما كنت أمزح. فذكروا ذلك للنبى- ﷺ فقال: من أمركم بمعصية فلا تطيعوه. ورواه الحاكم وابن ماجه وصححه ابن خزيمة وابن حبان من حديث أبى سعيد الخدرى. وبوب عليه البخارى فقال: سرية عبد الله بن حذافة السهمى وعلقمة بن مجزز المدلجى، ويقال: إنها سرية الأنصارى. ثم روى حديثا عن على قال:
ث أبى سعيد الخدرى. وبوب عليه البخارى فقال: سرية عبد الله بن حذافة السهمى وعلقمة بن مجزز المدلجى، ويقال: إنها سرية الأنصارى. ثم روى حديثا عن على قال:
بعث النبى- ﷺ سرية، فاستعمل رجلا من الأنصار. وأمرهم أن يطيعوه، فغضب فقال: أليس قد أمركم النبى- ﷺ أن تطيعونى؟ قالوا: بلى، قال: فاجمعوا حطبا، فجمعوا، فقال: أوقدوا نارا، فأوقدوها، فقال: ادخلوا، فهموا، وجعل بعضهم يمسك بعضا يقولون: فررنا إلى النبى- ﷺ من النار، فما زالوا حتى خمدت النار، فسكن غضبه، فبلغ النبى- ﷺ فقال: «لو دخلوها ما خرجوا منها» «١» . قال الحافظ أبو الفضل بن حجر: فى قوله: «ويقال إنها سرية الأنصارى» إشارة إلى احتمال تعدد القصة، وهو الظاهر لاختلاف سياقهما واسم أميرهما. ويحتمل الجمع بينها بضرب من التأويل، ويبعده وصف عبد الله بن حذافة السهمى القريشى المهاجرى بكونه أنصاريّا. ويحتمل أن يكون الحمل على المعنى الأعم، أى أنه نصر رسول الله- ﷺ فى الجملة. وإلى التعدد جنح ابن القيم، وأما ابن الجوزى فقال: قوله «من الأنصار» وهم من بعض الرواة، وإنما هو سهمى. قال فى فتح البارى: ويؤيد حديث ابن عباس عند أحمد، فى قوله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ «٢» . نزلت فى عبد الله بن حذافة بن قيس بن عدى، بعثه رسول الله- ﷺ فى سرية. انتهى. وقال النووى: وهذا الذى فعله هذا الأمير، قيل: أراد امتحانهم، وقيل: كان مازحا، وقيل: إن هذا الرجل عبد الله بن حذافة السهمى، قال: وهذا ضعيف: لأنه قال فى الرواية التى بعدها إنه رجل من الأنصار، فدل على أنه غيره. انتهى. ثم سرية على بن أبى طالب إلى الفلس «٣» - بضم الفاء وسكون اللام-
وهو صنم طيىء ليهدمه، فى ربيع الآخر سنة تسع، وبعث معه مائة وخمسين رجلا من الأنصار، على مائة بعير وخمسين فرسا- وعند ابن سعد: مائتى رجل- فهدمه وغنم سبيا ونعما وشاء. وكان فى السبى سفانة بنت حاتم، أخت عدى بن حاتم، فأطلقها النبى ﷺ، فكان ذلك سبب إسلام عدى. وعند ابن سعد أيضا: أن الذى كان سباها خالد بن الوليد- رضى الله عنه-. ثم سرية عكاشة بن محصن إلى الجباب «١» - موضع بالحجاز- أرض عذرة وبلى، وقيل أرض فزارة وكلب ولعذرة فيها شركة. قصة كعب بن زهير مع النبى- ﷺ «٢» ، وكانت فيما بين رجوعه ﷺ من الطائف وغزوة تبوك. وكان من خبر كعب وأخيه بجير ما ذكره ابن إسحاق وعبد الملك بن هشام وأبو بكر محمد بن القاسم بن يسار بن الأنبارى، دخل حديث بعضهم فى حديث البعض: أن بجيرا قال لكعب: اثبت حتى آتى هذا الرجل- يعنى النبى- ﷺ فأسمع كلامه وأعرف ما عنده، فأقام كعب ومضى بجيرا، فأتى رسول الله- ﷺ فسمع كلامه فامن به.. وذلك أن زهيرا فيما زعموا كان يجالس أهل الكتاب فسمع منهم أنه قد آن مبعثه- ﷺ، ورأى زهير فى منامه أنه قد مد سبب من السماء، وأنه قد مد يده ليتناوله، ففاته فأوله بالنبى الذى يبعث فى آخر الزمان، وأنه لا يدركه، وأخبر بنيه بذلك، وأوصاهم إن أدركوه أن يسلموا. قال ابن إسحاق: ولما قدم- ﷺ من الطائف، كتب بجيرا بن زهير إلى أخيه كعب: إن رسول الله- ﷺ قتل رجالا بمكة ممن كان يهجوه، وإن من بقى من شعراء قريش كابن الزبعرى وهبيرة بن أبى وهب قد هربوا فى كل
كتب بجيرا بن زهير إلى أخيه كعب: إن رسول الله- ﷺ قتل رجالا بمكة ممن كان يهجوه، وإن من بقى من شعراء قريش كابن الزبعرى وهبيرة بن أبى وهب قد هربوا فى كل
وجه، فإن كانت لك فى نفسك حاجة فطر إلى رسول الله- ﷺ فإنه لا يقتل أحدا جاءه تائبا، وإن كنت لم تفعل فانج إلى نجائك. وكان كعب قد قال: ألا بلغا عنى بجيرا رسالة ... فهل لك فيما قلت ويحك هل لكا فبين لنا إن كنت لست بفاعل ... على أى شىء غير ذلك دلكا على خلق لم تلف أما ولا أبا ... عليه ولا تلقى عليه أخا لكا فإن أنت لم تفعل فلست باسف ... ولا قائل إما عثرت لعا لكا سقاك بها المأمون كأسا رويّة ... فأنهلك المأمون منها وعلّكا «١» قال السهيلى: «لعا» كلمة تقال للعاثر دعاء له. انتهى. قال ابن إسحاق: وبعث بها إلى بجير، فلما أتت بجيرا كره أن يكتمها رسول الله- ﷺ فأنشده إياها. فقال- ﷺ: سقاك بها المأمون. صدق وإنه لكذوب، وأنا المأمون.. ولما سمع: على خلق لم تلف أما ولا أبا عليه، قال: أجل لم يلف عليه أباه ولا أمه. ثم قال- ﵊: من لقى منكم بن زهير فليقتله.. فكتب إليه أخوه بهذه الأبيات: من مبلغ كعبا فهل لك فى التى ... تلوم عليها باطلا وهى أحزم إلى الله لا العزى ولا اللات وحده ... فتنجو إذا كان النجاء وتسلم لدى يوم لا ينجو وليس بمفلت ... من الناس إلا طاهر القلب مسلم فدين زهير وهو لا شىء دينه ... ودين أبى سلمى على محرم فلما بلغ كعبا الكتاب ضاقت به الأرض، وأشفق على نفسه، وأرجف به من كان فى حاضره من عدوه فقال: هو مقتول. فلما لم يجد من شىء بدا، قال قصيدته التى يمدح بها رسول الله- ﷺ ويذكر خوفه وإرجاف الوشاة به من عدوه.
وأرجف به من كان فى حاضره من عدوه فقال: هو مقتول. فلما لم يجد من شىء بدا، قال قصيدته التى يمدح بها رسول الله- ﷺ ويذكر خوفه وإرجاف الوشاة به من عدوه.
ثم خرج حتى قدم المدينة، فنزل على رجل كانت بينه وبينه معرفة من جهينة، فغدا به إلى رسول الله- ﷺ فقال: هذا رسول الله فقم إليه واستأمنه، فقام حتى جلس رسول الله- ﷺ فوضع يده فى يده- وكان رسول الله- ﷺ لا يعرفه- فقال: يا رسول الله، إن كعب بن زهير قد جاء ليستأمنك تائبا مسلما فهل أنت قابل منه إن أنا جئتك به؟ قال رسول الله ﷺ: (نعم) قال: أنا يا رسول الله كعب بن زهير. قال ابن إسحاق: فحدثنى عاصم بن عمر بن قتادة: أنه وثب عليه رجل من الأنصار وقال: يا رسول الله دعنى وعدو الله أضرب عنقه. فقال ﷺ: «دعه عنك فقد جاء تائبا نازعا» «١» . قال: فغضب كعب على هذا الحى من الأنصار لما صنع صاحبهم، وذلك أنه لم يتكلم فيه رجل من المهاجرين إلا بخير. ثم قال قصيدته اللامية التى أولها: بانت سعاد فقلبى اليوم متبول ... متيم إثرها لم يفد مكبول ومنها: أنبئت أن رسول الله أوعدنى ... والعفو عند رسول الله مأمول مهلا هداك الذى أعطاك نافلة ال ... قرآن ولو كثرت فى الأقاويل إن الرسول لنور يستضاء به ... مهند من سيوف الله مسلول فى عصبة من قريش قال قائلهم ... ببطن مكة لما أسلموا زولوا يمشون مشى الجمال الزهر يعصمهم ... ضرب إذا عرد السود التنابيل وفى رواية أبى بكر بن الأنبارى أنه لما وصل إلى قوله: إن الرسول لنور يستضاء به ... مهند من سيوف الله مسلول رمى- ﵊ إليه بردة كانت عليه. وأن معاوية بذل
وفى رواية أبى بكر بن الأنبارى أنه لما وصل إلى قوله: إن الرسول لنور يستضاء به ... مهند من سيوف الله مسلول رمى- ﵊ إليه بردة كانت عليه. وأن معاوية بذل
فيها عشرة آلاف فقال: ما كنت لأوثر بثوب رسول الله- ﷺ أحدا، فلما مات كعب بعث معاوية إلى ورثته بعشرين ألفا فأخذها منهم. قال: وهى البردة التى عند السلاطين إلى اليوم. قال ابن إسحاق: قال عاصم بن عمر بن قتادة: فلما قال كعب: «إذا عرد السود التنابيل» وإنما عنى معشر الأنصار، لما كان صاحبهم صنع به، وخص المهاجرين بمدحته فغضب عليه الأنصار، فقال بعد أن أسلم- يمدح الأنصار- قصيدته التى يقول فيها: من سره كرم الحياة فلا يزل ... فى مقنب من صالحى الأنصار ورثوا المكارم كابرا عن كابر ... إن الخيارهم بنو الأخيار المكرهين السمهرى بأدرع ... كسوالف الهندى غير قصار والناظرين بأعين محمرة ... كالجمر غير كليلة الأبصار والبائعين نفوسهم لنبيهم ... للموت يوم تعانق وكرار قوم إذا خوت النجوم فإنهم ... للطارقين النازلين مقارى وقد كان كعب بن زهير من فحول الشعراء، وأبوه وابنه عقبة وابن ابنه العوام بن عقبة.
غزوة تبوك «١» : مكان معروف، وهى نصف طريق المدينة إلى دمشق. وهى غزوة العسرة، وتعرف بالفاضحة لافتضاح المنافقين فيها. وكانت يوم الخميس فى رجب سنة تسع من الهجرة بلا خلاف، وذكر البخارى لها بعد حجّة الوداع لعله خطأ من النساخ. وكان حرّا شديدا، وجدبا كثيرا، فلذلك لم يور عنها كعادته فى سائر الغزوات.
وفى تفسير عبد الرزاق، عن معمر عن ابن عقيل قال: خرجوا فى قلة من الظهر وفى حر شديد، حتى كانوا ينحرون البعير فيشربون ما فى كرشه من الماء، فكان ذلك عسرة فى الماء وفى الظهر وفى النفقة، فسميت غزوة العسرة. وسببها أنه بلغه- ﷺ من الأنباط الذين يقدمون بالزيت من الشام إلى المدينة أن الروم تجمعت بالشام مع هرقل. فندب- ﷺ الناس إلى الخروج وأعلمهم بالمكان الذى يريد، ليتأهبوا لذلك. وروى الطبرانى من حديث عمران بن الحصين قال: كانت نصارى العرب كتبت إلى هرقل: إن هذا الرجل الذى خرج يدعى النبوة هلك، وأصابتهم سنون فهلكت أموالهم. فبعث رجلا من عظامائهم وجهز معه أربعين ألفا. فبلغ ذلك النبى ﷺ ولم يكن للناس قوة. وكان عثمان قد جهز عيرا إلى الشام فقال: يا رسول الله، هذه مائتا بعير بأقتابها وأحلاسها، ومائتا أوقية- يعنى من ذهب- قال: فسمعته يقول: «لا يضر عثمان ما عمل بعدها» «١» . وروى عن قتادة أنه قال: حمل عثمان فى جيش العسرة على ألف بعير وسبعين فرسا. وعن عبد الرحمن بن سمرة قال: جاء عثمان بن عفان بألف دينار فى كمه حين جهز جيش العسرة فنثرها فى حجره- ﷺ، فرأيت رسول الله ﷺ يقلبها فى حجره ويقول: «ما ضر عثمان ما عمل بعد اليوم» «٢» خرجه الترمذى وقال: حسن غريب.
فى كمه حين جهز جيش العسرة فنثرها فى حجره- ﷺ، فرأيت رسول الله ﷺ يقلبها فى حجره ويقول: «ما ضر عثمان ما عمل بعد اليوم» «٢» خرجه الترمذى وقال: حسن غريب.
وعند الفضائلى والملاء فى سيرته، كما ذكره الطبرى فى الرياض النضرة من حديث حذيفة: بعث عثمان- يعنى فى جيش العسرة- بعشرة آلاف دينار إلى رسول الله- ﷺ فصبت بين يديه، فجعل- ﷺ يقول بيديه ويقلبها ظهرا لبطن يقول: «غفر الله لك يا عثمان ما أسررت وما أعلنت، وما هو كائن إلى يوم القيامة، ما يبالى ما عمل بعدها» «١» . ولما تأهب رسول الله- ﷺ للخروج، قال قوم المنافقين: لا تنفروا فى الحر، فنزل قوله تعالى: وَقالُوا لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كانُوا يَفْقَهُونَ «٢» . وأرسل- ﵇ إلى مكة وقبائل العرب يستنفرهم. وجاء البكاؤن يستحملونه، فقال- ﵇: لا أجد ما أحملكم عليه. وهم: سالم بن عمير، وعلبة بن زيد، وأبو ليلى عبد الرحمن بن كعب المازنى، والعرباض بن سارية، وهرم بن عبد الله، وعمرو بن عنمة، وعبد الله بن مغافل، وعبد الله بن عمرو المزنى، وعمرو بن الحمام، ومعقل المزنى، وحرمى بن مازن، والنعمان وسويد ومعقل وعقيل وسنان وعبد الرحمن وهند بنو مقرن. وهم الذين قال الله فيهم: تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً أَلَّا يَجِدُوا ما يُنْفِقُونَ «٣» قاله مغلطاى. وفى البخارى عن أبى موسى قال: أرسلنى أصحابى إلى رسول الله ﷺ، أسأله الحملان لهم، يا نبى الله، إن أصحابى أرسلونى إليك لتحملهم، فقال «والله لا أحملكم على شىء» فرجعت حزينا من منع النبى
سلنى أصحابى إلى رسول الله ﷺ، أسأله الحملان لهم، يا نبى الله، إن أصحابى أرسلونى إليك لتحملهم، فقال «والله لا أحملكم على شىء» فرجعت حزينا من منع النبى
- ﷺ، ومن مخافة أن يكون النبى- ﷺ وجد فى نفسه على فرجعت إلى أصحابى فأخبرتهم الذى قال النبى- ﷺ. فلم ألبث إلا سويعة إذ سمعت بلالا ينادى: أين عبد الله بن قيس، فأجبته، فقال: أجب رسول الله- ﷺ يدعوك. فلما أتيته قال: «خذ هاتين القرينتين وهاتين القرينتين لستة أبعرة ابتاعهم حينئذ من سعد، فانطلق بهن إلى أصحابك فقل: إن الله، أو إن رسول الله يحملكم على هؤلاء فاركبوهن» «١» الحديث. وقام علبة بن زيد، فصلى من الليل وبكى وقال: اللهم إنك قد أمرت بالجهاد ورغبت فيه، ثم لم تجعل عندى ما أتقوى به مع رسولك، ولم تجعل فى يد رسولك ما يحملنى عليه، وإنى أتصدق على كل مسلم بكل مظلمة أصابنى فيها، مال أو جسد أو عرض. ثم أصبح مع الناس. فقال النبى: «أين المتصدق بهذه الليلة» فلم يقم أحد، ثم قال: «أين المتصدق بهذه الليلة؟» فلم يقم أحد، ثم قال: أين المتصدق فليقم، فقام إليه فأخبره، فقال ﷺ: «أبشر فو الذى نفس محمد بيده لقد كتبت فى الزكاة المقبلة» «٢» رواه يونس والبيهقى فى الدلائل، كما ذكره السهيلى فى الروض له. وجاء المعذرون من الأعراب ليؤذن لهم فى التخلف، فأذن لهم، وهم اثنان وثمانون رجلا. وقعد آخرون من المنافقين بغير عذر وإظهار علة جرأة على الله ورسوله وهو قوله تعالى: وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ «٣» . واستخلف على المدينة محمد بن مسلمة. قال الدمياطى: وهو عندنا أثبت ممن قال استخلق غيره. انتهى. وقال الحافظ زين الدين العراقى، فى ترجمة على بن أبى طالب من
ستخلف على المدينة محمد بن مسلمة. قال الدمياطى: وهو عندنا أثبت ممن قال استخلق غيره. انتهى. وقال الحافظ زين الدين العراقى، فى ترجمة على بن أبى طالب من
شرح التقريب: لم يتخلف عن المشاهد إلا تبوك، فإن النبى- ﷺ خلفه على المدينة، وعلى عياله، وقال له يومئذ: «أنت منى بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبى بعدى» «١» وهو فى الصحيحين من حديث سعد بن أبى وقاص. انتهى. ورجحه ابن عبد البر. وقيل: استخلف سباع بن عرفطة. وتخلف نفر من المسلمين من غير شك ولا ارتياب، منهم، كعب بن مالك، ومرارة بن الربيع وهلال بن أمية، وفيهم نزل وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا «٢» . وأبو ذر، وأبو خثيمة، ثم لحقاه بعد ذلك. ولما رأى- ﷺ أبا ذر الغفارى- وكان- ﷺ نزل فى بعض الطريق- فقال: «يمشى وحده ويموت وحده ويبعث وحده» «٣» . فكان كذلك. وأمر- ﷺ لكل بطن من الأنصار والقبائل من العرب أن يتخذوا لواء وراية. وكان معه- ﷺ ثلاثون ألفا. وعند أبى زرعة سبعون ألفا، وفى رواية عنه أيضا أربعون ألفا. وكانت الخيل عشرة آلاف فرس. ولما مر- ﷺ بالحجر- بكسر الحاء وسكون الجيم- بديار ثمود قال: «لا تشربوا من مائها شيئا، ولا يخرجن أحد منكم إلا ومعه صاحب له» ففعل الناس، إلا أن رجلين من بنى ساعدة خرج أحدهما لحاجته وخرج الآخر فى طلب بعيره، فأما الذى خرج لحاجته فخنق على مذهبه وأما الذى خرج فى طلب بعيره فاحتملته الريح حتى طرحته بجبلى طيىء. فأخبر بذلك رسول
الله- ﷺ فقال: «ألم أنهكم» ثم دعا للذى خنق على مذهبه فشفى، وأما الآخر فأهدته طيىء لرسول الله حين قدم المدينة «١» . وفى صحيح مسلم من حديث أبى حميد: انطلقنا حتى قدمنا تبوك، فقال رسول الله- ﷺ «ستهب عليكم الليلة ريح شديدة، فلا يقم أحد منكم، فمن كان له بعير فليشد عقاله» فهبت ريح شديدة، فقام رجل فحملته الريح حتى ألقته بجبلى طيىء «٢» . وروى الزهرى: لما مر رسول الله- ﷺ بالحجر سجى ثوبه على وجهه واستحث راحلته ثم قال: «لا تدخلوا بيوت الذين ظلموا أنفسهم إلا وأنتم باكون، خوفا أن يصيبكم ما أصابهم» «٣» رواه الشيخان. ولما كان- ﷺ ببعض الطريق ضلت ناقته.. فقال زيد بن اللصيت وكان منافقا-: أليس محمد يزعم أنه نبى ويخبركم عن خبر السماء، وهو لا يدرى أين ناقته؟ فقال رسول الله- ﷺ: «إن رجلا يقول» ... وذكر مقالته، «وإنى لا أعلم إلا ما علمنى الله، وقد دلنى عليها، وهى فى الوادى فى شعب كذا وكذا، قد حبستها شجرة بزمامها. فانطلقوا حتى تأتونى بها» «٤» فانطلقوا فجاؤا بها. رواه البيهقى وأبو نعيم. وفى مسلم من حديث معاذ بن جبل: أنهم وردوا عين تبوك، وهى تبض بشىء من ماء، وأنهم غرفوا منها قليلا قليلا حتى اجتمع فى شن ثم
بها. رواه البيهقى وأبو نعيم. وفى مسلم من حديث معاذ بن جبل: أنهم وردوا عين تبوك، وهى تبض بشىء من ماء، وأنهم غرفوا منها قليلا قليلا حتى اجتمع فى شن ثم
غسل- ﷺ به وجهه ويديه ثم أعاده فيها فجرت بماء كثير، فاستقى الناس «١» . الحديث. ويأتى- إن شاء الله- فى مقصد المعجزات. ولما انتهى- ﷺ إلى تبوك أتاه صاحب أيلة فصالحه وأعطاه الجزية. وأتاه أهل جرباء- بالجيم- واذرح- بالذال المعجمة والراء والحاء المهملتين- بلدين بالشام بينهما ثلاثة أميال، فأعطوه الجزية، وكتب لهم- ﷺ كتابا. ووجد هرقل بحمص، فأرسل خالد بن الوليد إلى أكيدر بن عبد الملك النصرانى، وكان ملكا عظيما بدومة الجندل، فى أربعمائه وعشرين فارسا فى رجب سرية، وقال له- ﵊: «إنك ستجده ليلا يصيد البقر» ، فانتهى إليه خالد، وقد خرج من حصنه فى ليلة مقمرة، إلى بقر يطاردها، هو وأخوة حسان، وهرب من كان معهما فدخل الحصن، ثم أجار خالد أكيدر من القتل، حتى يأتى به رسول الله- ﷺ على أن يفتح له دومة الجندل، ففعل وصالحه على ألفى بعير وثمانمائة فرس وأربعمائة درع وأربعمائة رمح «٢» . وفى هذه الغزوة كتب- ﷺ كتابا فى تبوك إلى هرقل يدعوه إلى الإسلام، فقارب الإجابة ولم يجب. رواه ابن حبان فى صحيحه من حديث أنس. وفى مسند أحمد أن هرقل كتب من تبوك إلى النبى- ﷺ: أنى مسلم فقال النبى- ﷺ: «كذب هو على نصرانيته» «٣» . وفى كتاب الأموال لأبى عبيد، بسند صحيح من مرسل بكر بن عبد الله نحوه ولفظه: فقال: «كذب عدو الله ليس بمسلم» . ثم انصرف- ﷺ من تبوك، بعد أن أقام بها بضع عشرة ليلة. وقال
ل لأبى عبيد، بسند صحيح من مرسل بكر بن عبد الله نحوه ولفظه: فقال: «كذب عدو الله ليس بمسلم» . ثم انصرف- ﷺ من تبوك، بعد أن أقام بها بضع عشرة ليلة. وقال
الدمياطى- ومن قبله ابن سعد- عشرين ليلة، يصلى ركعتين، ولم يلق كيدا، وبنى فى طريقه مساجد. وأقبل- ﷺ حتى نزل بذى أوان- بفتح الهمزة بلفظ الأوان: الحين- وبينهما وبين المدينة ساعة جاءه خبر مسجد الضرار من السماء. فدعا مالك بن الدخشم ومعن بن عدى العجلانى فقال: انطلقا إلى مسجد الظالم أهله فاهدماه وحرقاه. فخرجا فحرقاه وهدماه. وذلك بعد أن أنزل الله فيه: وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِراراً وَكُفْراً «١» . قال الواحدى: قال ابن عباس ومجاهد وقتادة وعامة أهل التفسير: الذين اتخذوا مسجد الضرار كانوا اثنى عشر رجلا، يضارون به مسجد قباء، وذلك أنهم قالوا فى طائفة من المنافقين: نبنى مسجدا فنقيل فيه فلا نحضر خلف محمد. قال المفسرون: ولما بنوا ذلك لأغراضهم الفاسدة عند ذهاب رسول الله ﷺ إلى غزوة تبوك، ونحن نحب أن تصلى فيه وتدعو لنا بالبركة، فقال ﵊: «إنى على جناح سفر، وإذا قدمن إن شاء الله تعالى صلينا فيه» «٢» . فلما قفل من غزوة تبوك سألوه إتيان المسجد، فنزلت هذه الآية. ولما دنا- ﷺ من المدينة خرج الناس لتلقيه. وخرج النساء والصبيان والولائد يقلن: طلع البدر علينا ... من ثنيات الوداع وجب الشكر علينا ... ما دعا لله داع
ولما دنا- ﷺ من المدينة خرج الناس لتلقيه. وخرج النساء والصبيان والولائد يقلن: طلع البدر علينا ... من ثنيات الوداع وجب الشكر علينا ... ما دعا لله داع
وقد وهم بعض الرواة- كما قدمته- وقال: إنما كان هذا عند مقدمه المدينة، وهو وهم ظاهر، لأن ثنيات الوداع إنما هى من ناحية الشام، لا يراها القادم من مكة إلى المدينة، ولا يراها إلا إذا توجه إلى الشام- كما قدمت ذلك-. وفى البخارى: لما رجع- ﷺ من غزوة تبوك فدنا من المدينة، قال: «إن بالمدينة أقواما ما سرتم مسيرا، ولا قطعتم واديا إلا كانوا معكم حبسهم العذر» «١» وهذا يؤيد معنى ما ورد: نية المؤمن خير من عمله «٢» ، فإن نية هؤلاء أبلغ من أعمالهم، فإنها بلغت بهم مبلغ أولئك العاملين بأبدانهم، وهم على فرشهم فى بيوتهم. والمسابقة إلى الله تعالى وإلى درجات العلا بالنيات والهمم لا بمجرد الأعمال. ولما أشرف- ﷺ على المدينة قال: «هذه طابة وهذا أحد، جبل يحبنا ونحبه» «٣» . ولما دخل قال العباس يا رسول الله، ائذن لى أمتدحك قال: قل لا يفضض الله فاك، فقال: من قبلها طبت فى الظلال وفى ... مستودع حيث يخصف الورق ثم هبطت البلاد لا بشر ... أنت ولا مضغة ولا علق بل نطفة تركب السفين وقد ... ألجم نسرا وأهله الغرق تنقل من صالب إلى رحم ... إذا مضى عالم بدا طبق وردت نار الخليل مكتتما ... فى صلبه أنت كيف يحترق
حتى احتوى بيتك المهمين من ... خندف علياء تحتها النطق وأنت لما ولدت أشرقت الأر ... ض وضاءت بنورك الأفق فنحن فى ذلك الضياء وفى ال ... نور وسبل الرشاد نخترق وقوله: من قبلها طبت إلخ: أى ظلال الجنة، أى إنك كنت طيبا فى صلب آدم حيث كان فى الجنة. وقوله: من قبلها: أى قبل نزولك إلى الأرض فكنى عنها ولم يتقدم لها ذكر لبيان المعنى. وقوله: ثم هبطت البلاد لا بشر، أى لما أهبط الله آدم إلى الدنيا، كنت فى صلبه غير بالغ هذه الأشياء. وقوله: وقد ألج نسرا وأهله الغرق، يريد الصنم الذى كان يعبده قوم نوح وهو المذكور فى قوله تعالى: وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً «١» . وقوله: حتى احتوى بيتك المهمين إلخ. النطق: جمع نطاق. وهى أعراض من جبال بعضها فوق بعض أى: نواح وأوساط منها شبهت بالنطق التى تشد بها أوساط الناس. ضربه مثلا فى ارتفاعه وتوسطه فى عشيرته وجعلهم تحته بمنزلة أوساط الجبال وأراد ببيته: شرفه، والمهمين: نعته، أى احتوى شرفه الشاهد إلى فضلك أعلى مكان من نسب خندف- وهو بكسر الخاء المعجمة والدال المهملة- انتهى. وجاءه- ﷺ من كان تخلف عنه، فحلفوا له فعذرهم واستغفر لهم، وأرجأ أمر كعب وصاحبيه حتى نزلت توبتهم فى قوله تعالى: لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي ساعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ ما كادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُفٌ رَحِيمٌ (١١٧) وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ وَضاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ «٢» .
نْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ «٢» .
والثلاثة هم: كعب بن مالك، وهلال بن أمية، ومرارة بن الربيع. وعند البيهقى فى الدلائل، من مرسل سعيد بن المسيب: أن أبا لبابة بن عبد المنذر لما أشار لبنى قريظة بيده إلى حلقه: إنه الذبح وأخبر عنه رسول الله ﷺ بذلك فقال له رسول الله- ﷺ: «أحسبت أن الله قد غفل عن يدك حين تشير إليهم بها إلى حلقك» ، فلبث حينا ورسول الله- ﷺ عاتب عليه، ثم غزا تبوكا فتخلف عنه أبو لبابة فيمن تخلف، فلما قفل رسول الله ﷺ منها جاءه أبو لبابة يسلم عليه فأعرض عنه رسول الله- ﷺ، ففزع أبو لبابة، فارتبط بسارية التوبة سبعا وقال: لا يزال هذا مكانى حتى أفارق الدنيا أو يتوب الله على «١» . الحديث. وعنده أيضا من حديث ابن عباس فى قوله تعالى: وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صالِحاً «٢» . قال: كانوا عشرة رهط تخلفوا عن النبى ﷺ فى غزوة تبوك، فلما رجع- ﷺ أوثق سبعة منهم أنفسهم بسوارى المسجد وكان ممر النبى- ﷺ إذ رجع فى المسجد عليهم، فقال: «من هؤلاء؟» قالوا: هذا أبو لبابة وأصحاب له تخلفوا عنك يا رسول الله، حتى تطلقهم وتعذرهم، فقال: «أقسم بالله لا أطلقهم ولا أعذرهم حتى يكون الله هو الذى يطلقهم، رغبوا عنى وتخلفوا عن الغزو» فأنزل الله تعالى: وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ «٣» . فلما نزلت أرسل النبى- ﷺ فأطلقهم وعذرهم «٤» . الحديث. قالوا: ولما قدم- ﷺ من تبوك وجد عويمر العجلانى امرأته حبلى، فلاعن- ﵇ بينهما.
بِذُنُوبِهِمْ «٣» . فلما نزلت أرسل النبى- ﷺ فأطلقهم وعذرهم «٤» . الحديث. قالوا: ولما قدم- ﷺ من تبوك وجد عويمر العجلانى امرأته حبلى، فلاعن- ﵇ بينهما.
حجة أبى بكر «١» : ثم حجة أبى بكر الصديق- رضى الله عنه- بالناس، سنة تسع فى ذى القعدة، كما ذكره ابن سعد وغيره بسند صحيح عن مجاهد، ووافقه عكرمة بن خالد، فيما أخرجه الحاكم فى الإكليل. وقال قوم فى ذى الحجة، وبه قال الداودى والثعلبى والماوردى. ويؤيده أن ابن إسحاق صرح بأن النبى- ﷺ أقام بعد ما رجع من تبوك رمضان وشوالا وذا القعدة ثم بعث أبا بكر أميرا على الحج، فهو ظاهر فى أن بعث أبى بكر كان بعد انسلاخ ذى القعدة، فيكون حجه فى ذى الحجة على هذا والله أعلم. وكان مع أبى بكر ثلاثمائة رجل من المدينة، وعشرون بدنة. وفى البخارى ومسلم، عن أبى هريرة: أن أبا بكر بعثه فى الحجة التى أمره رسول الله- ﷺ قبل حجة الوداع فى رهط يؤذن فى الناس يوم النحر: ألايحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان «٢» . ثم أردف النبى- ﷺ بعلى بن أبى طالب، وأمره أن يؤذن ببراءة، فأذن معلنا فى أهل منى ببراءة، وألايحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان. قال: فنبذ أبو بكر إلى الناس فى ذلك العام فلم يحج فى العام القابل الذى حج فيه رسول الله- ﷺ حجة الوداع مشرك. فأنزل الله فى العام
الذى نبذ فيه أبو بكر إلى المشركين: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هذا «١» الآية. وقد دلت هذه الآية الكريمة على نجاسة المشرك كما فى الصحيح «المؤمن لا ينجس» وأما نجاسة بدنه فالجمهور على أنه ليس بنجس البدن والذات، وذهب بعض الظاهرية إلى نجاسة أبدانهم، وهذا ضعيف، لأن أعيانهم لو كانت نجسة كالكلب والخنزير لما طهرهم الإسلام، ولا ستوى فى النهى عن دخول المشركين المسجد الحرام وغيره من المساجد. فالمراد: الأخباث لما فيهم من خبث الظاهر بالكفر وخبث الباطن بالعداوة قاله مقاتل. وروى النسائى عن جابر أن النبى- ﷺ لما رجع من عمرة الجعرانة بعث أبا بكر على الحج، فأقبلنا معه حتى إذا كنا بالعرج ثوب للصبح فلما استوى للتكبير سمع الرغوة خلف ظهره فوقف عن التكبير فقال: هذه رغوة ناقة رسول الله- ﷺ الجدعاء، لقد بدا لرسول الله- ﷺ فى الحج، فلعله أن يكون رسول الله- ﷺ فنصلى معه، فإذا على عليها، فقال له أبو بكر أمير أم رسول، قال: لا بل رسول، أرسلنى رسول الله- ﷺ ببراءة أقرؤها على الناس فى مواقف الحج، فقدمنا مكة، فلما كان قبل التروية بيوم قام أبو بكر فخطب الناس فحدثهم عن مناسكهم، حتى إذا فرغ قام على فقرأ على الناس براءة حتى ختمها ثم كان يوم النحر، فأفضنا فلما رجع أبو بكر خطب الناس فحدثهم عن إفاضتهم وعن نحرهم وعن مناسكهم، فلما فرغ قام على فقرأ على الناس براءة حتى ختمها. فلما كان يوم النفر الأول قام أبو بكر فخطب الناس، فحدثهم كيف ينفرون، وكيف يرمون يعلمهم مناسكهم، فلما فرغ قام على فقرأ على الناس براءة حتى ختمها «٢» .
فلما كان يوم النفر الأول قام أبو بكر فخطب الناس، فحدثهم كيف ينفرون، وكيف يرمون يعلمهم مناسكهم، فلما فرغ قام على فقرأ على الناس براءة حتى ختمها «٢» .
وهذا السياق فيه غرابة من جهة أن أمير الحج سنة عمرة الجعرانة إنما هو عتاب بن أسيد، أما أبو بكر- رضى الله عنه- فإنما كان سنة تسع. واستدل بهذه القصة على أن فرض الحج كان قبل حجة الوداع، والأحاديث فى ذلك كثيرة شهيرة. وذهب جماعة إلى أن حج أبى بكر هذا لم يسقط عنه الفرض بل كان تطوعا قبل فرض الحج ولا يخفى ضعفه. وفى هذه السنة أيضا مات عبد الله بن أبى ابن سلول، فجاء ابنه إلى رسول الله- ﷺ فسأله أن يعطيه قميصه ليكفن فيه أباه، فأعطاه. ثم سأله أن يصلى عليه، فقام ليصلى عليه، فقام عمر- رضى الله عنه- فأخذ بثوب رسول الله- ﷺ فقال: يا رسول الله تصلى عليه وقد نهاك ربك أن تصلى عليه، فقال- ﷺ: «إنما خيرنى الله ﷿» قال: اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ «١» . وسأزيد على السبعين قال: إنه منافق. فصلى عليه رسول الله- ﷺ فأنزل الله- ﷿: وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَداً وَلا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَماتُوا وَهُمْ فاسِقُونَ «٢» «٣» . رواه الشيخان والنسائى. وفى هذه السنة أيضا آلى رسول الله- ﷺ من نسائه شهرا. وجحش شقه- أى خدش- وجلس فى مشربة له درجها من جذوع، فأتاه أصحابه يعودونه فصلى بهم جالسا وهم قيام، فلما سلم قال: إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا صلى قائما فصلوا قياما، وإذا صلى قاعدا فصلوا قعودا، ولا تركعوا حتى يركع، ولا ترفعوا حتى يرفع.
وهم قيام، فلما سلم قال: إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا صلى قائما فصلوا قياما، وإذا صلى قاعدا فصلوا قعودا، ولا تركعوا حتى يركع، ولا ترفعوا حتى يرفع.
ونزل لتسع وعشرين فقالوا: يا رسول الله إنك آليت شهرا، فقال: «إن الشهر يكون تسعا وعشرين» «١» . ثم بعث أبا موسى ومعاذا إلى اليمن قبل حجة الوداع. كل واحد منهما على مخلاف. قالوا: واليمن مخلافان، ثم قالوا: «يسرا ولا تعسرا وبشرا ولا تنفرا» «٢» . وقال لمعاذ: «إنك ستأتى قوما أهل كتاب، فإذا جئتهم فادعهم إلى أن يشهدوا ألاإله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فإن هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات فى كل يوم وليلة. فإن هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم، فإن هم أطاعوا لك بذلك، فإياك وكرائم أموالهم واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب» «٣» . رواه البخارى. والمخلاف: - بكسر الميم وسكون المعجمة وآخره فاء- بلغة أهل اليمن الكورة والإقليم والرستاق. وكانت جهة معاذ العليا إلى صوب عدن، وكان من عمله الجند- بفتح الجيم والنون- وله بها مسجد مشهور. وكانت جهة أبى موسى السفلى. ثم أرسل خالد بن الوليد «٤» قبل حجة الوداع أيضا، فى ربيع الأول سنة
ن من عمله الجند- بفتح الجيم والنون- وله بها مسجد مشهور. وكانت جهة أبى موسى السفلى. ثم أرسل خالد بن الوليد «٤» قبل حجة الوداع أيضا، فى ربيع الأول سنة
عشر- وفى الإكليل: فى ربيع الآخر، وقيل: فى جمادى الأولى- إلى بنى عبد المدن بنجران فأسلموا. ثم أرسل على بن أبى طالب إلى اليمن «١» فى شهر رمضان سنة عشر من الهجرة، وعقد له لواء وعممه بيده. وأخرج أبو داود وأحمد والترمذى من حديث على قال: بعثنى النبى ﷺ إلى اليمن فقلت: يا رسول الله تبعثنى إلى قوم أسن منى وأنا حديث السن لا أبصر القضاء. قال: فوضع يده فى صدرى وقال: «اللهم ثبت لسانه واهد قلبه» ، وقال: «يا على إذا جلس إليك الخصمان، فلا تقض بينهما حتى تسمع من الآخر» «٢» . الحديث. فخرج فى ثلاثمائة، ففرق أصحابه فأتوا بنهب وغنائم ونساء وأطفال ونعم وشاء وغير ذلك. ثم لقى جمعهم فدعاهم إلى السلام فأبوا. ورموا بالنبل، ثم حمل عليهم على بأصحابه فقتل منهم عشرين رجلا فتفرقوا وانهزموا فكف عن طلبهم، ثم دعاهم إلى الإسلام فأسرعوا وأجابوا، وبايعه نفر من رؤسائهم على الإسلام وقالوا نحن على من وراءنا من قومنا، وهذه صدقاتنا فخذ منها حق الله. ثم قفل فوافى النبى- ﷺ بمكة قد قدمها للحج سنة عشر. ثم حج- ﷺ حجة الوداع «٣» ، وتسمى حجة الإسلام، وحجة البلاغ، وكره ابن عباس أن يقال: حجة الوداع. وكان- ﷺ قد أقام بالمدينة يضحى كل عام ويغزو المغازى، فلما كان
فى ذى القعدة سنة عشر من الهجرة أجمع على الخروج إلى الحج فتجهز وأمر الناس بالجهاز له. قال ابن سعد: ولم يحج غيرها منذ تنبأ إلى أن توفاه الله تعالى. وفى البخارى عن زيد بن أرقم أن النبى- ﷺ غزا تسع عشرة غزوة، وأنه حج بعد ما هاجر حجة واحدة لم يحج بعدها، حجة الوداع «١» . قال: وقال ابن إسحاق: وبمكة أخرى، وقيل: حج حجتين. هذا بعد النبوة وقبلها لا يعلمه إلا الله. فخرج- ﷺ من المدينة يوم السبت لخمس بقين من ذى القعدة وجزم ابن حزم بأن خروجه كان يوم الخميس، وفيه نظر. لأن أول ذى الحجة كان يوم الخميس قطعا، لما ثبت وتواتر وقوفه بعرفة كان يوم الجمعة، فتعين أن أول الشهر كان يوم الخميس، فلا يصح أن يكون خروجه يوم الخميس، بل هو ظاهر الخبر أن يكون يوم الجمعة. لكن ثبت فى الصحيحين عن أنس: صلينا مع رسول الله- ﷺ الظهر بالمدينة أربعا، والعصر بذى الحليفة ركعتين «٢» . فدل على أن خروجهم لم يكن يوم الجمعة ويحمل قول من قال: لخمس بقين، أى إن كان الشهر ثلاثين فاتفق أن جاء تسعا وعشرين فيكون يوم الخميس أول ذى الحجة بعد مضى أربع ليال لا خمس، وبها تتفق الأخبار. هكذا جمع الحافظ عماد الدين بن كثير بين الروايات، وقوى هذا الجمع بقول جابر: إنه خرج لخمس بقين من ذى القعدة أو أربع. وصرح الواقدى بأن خروجه- ﷺ كان يوم السبت لخمس ليال بقين من ذى القعدة. وكان خروجه من المدينة بين الظهر والعصر. وكان دخول مكة صبح
من ذى القعدة أو أربع. وصرح الواقدى بأن خروجه- ﷺ كان يوم السبت لخمس ليال بقين من ذى القعدة. وكان خروجه من المدينة بين الظهر والعصر. وكان دخول مكة صبح
رابعة، كما ثبت فى حديث عائشة وذلك يوم الأحد. وهذا يؤيد أن خروجه من المدينة كان يوم السبت، كما تقدم، فيكون مكثه فى الطريق ثمانى ليال، وهى المسافة الوسطى. وخرج معه- ﵇ تسعون ألفا، ويقال مائة ألف وأربعة عشر ألفا، ويقال أكثر من ذلك، كما حكاه البيهقى. ويأتى الكلام على حجة الوداع وما فيها من المباحث فى مقصد العبادات إن شاء الله تعالى. ثم سرية أسامة بن زيد بن حارثة «١» إلى أهل أبنى بالشراة ناحية بالبلقاء، وكانت يوم الاثنين لأربع ليال بقين من صفر، سنة إحدى عشرة. وهى آخر سرية جهزها النبى- ﷺ وأول شىء جهزه أبو بكر الصديق رضى الله عنه-، لغزو الروم مكان قتل أبيه زيد. فلما كان يوم الأربعاء بدىء برسول الله- ﷺ وجعه، فحمّ وصدع، فلما أصبح يوم الخميس عقد لأسامة لواء بيده، فخرج بلوائه معقودا فدفعه إلى بريدة الأسلمى، وعسكر بالجرف. فلم يبق أحد من وجوه المهاجرين والأنصار إلا انتدب، فيهم أبو بكر وعمر. فتكلم قوم وقالوا: يستعمل هذا الغلام على المهاجرين؟ فخرج رسول الله- ﷺ وقد عصب رأسه وعليه قطيفة، فصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: «أما بعد، أيها الناس، ما مقالة بلغتنى عن بعضكم فى تأميرى أسامة، ولئن طعنتم فى إمارتى أسامة فقد طعنتم فى إمارتى أباه من قبله، وايم الله إن كان للإمارة لخليقا، وإن ابنه من بعده لخليق للإمارة، وإن كان لمن أحب الناس إلى، فاستوصوا به خيرا فإنه من خياركم» «٢» . ثم نزل عن المنبر فدخل بيته. وذلك يوم السبت لعشر خلون من ربيع الأول سنة إحدى عشرة.
وإن كان لمن أحب الناس إلى، فاستوصوا به خيرا فإنه من خياركم» «٢» . ثم نزل عن المنبر فدخل بيته. وذلك يوم السبت لعشر خلون من ربيع الأول سنة إحدى عشرة.
وجاء المسلمون الذين يخرجون مع أسامة يودعون رسول الله- ﷺ، ويخرجون إلى معسكر بالجرف. فلما كان يوم الأحد اشتد برسول الله- ﷺ وجعه، فدخل أسامة من معسكره والنبى- ﷺ مغمور، وهو اليوم الذى لدوه فيه، فطأطأ أسامة فقبله، ورسول الله- ﷺ لا يتكلم، فجعل يرفع يديه إلى السماء ثم يضعها على أسامة. قال أسامة: فعرفت أنه يدعو لى، ورجع أسامة إلى معسكره. ثم دخل يوم الاثنين وأصبح- ﷺ مفيقا، فودعه أسامة وخرج إلى المعسكر، فأمر الناس بالرحيل. فبينا هو يريد الركوب إذا رسول أمه أم أيمن قد جاء يقول: إن رسول الله- ﷺ يموت. فأقبل هو وعمر وأبو عبيدة. فتوفى- ﷺ حين زاغت الشمس لاثنتى عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول. واستشكله السهيلى ومن تبعه، وذلك: أنهم اتفقوا على أن ذا الحجة كان أوله يوم الخميس، فمهما فرضت الشهور الثلاثة: توامّ أو نواقص، أو بعضها، لم يصح. قال الحافظ ابن حجر: وهو ظاهر لمن تأمله. وأجاب البارزى ثم ابن كثير: باحتمال وقوع الأشهر الثلاثة كوامل، وكان أهل مكه والمدينة اختلفوا فى رؤية هلال ذى الحجة، فرآه أهل مكة ليلة الخميس، ولم يره أهل المدينة إلا ليلة الجمعة، فحصلت الوقفة برؤية أهل مكة، ثم رجعوا إلى المدينة فأرخوا برؤية أهلها. وكان أول ذى الحجة الجمعة وآخره السبت، وأول المحرم الأحد وآخره الاثنين وأول صفر الثلاثاء وآخره الأربعاء، وأول ربيع الأول الخميس، فيكون ثانى عشر الاثنين. قال: وهذا الجواب بعيد، من حيث إنه يلزم منه توالى أربعة أشهر كوامل، وقد جزم سليمان التيمى أحد الثقات: بأن ابتداء مرضه كان يوم السبت الثانى والعشرين من صفر، ومات يوم الاثنين لليلتين خلتا من ربيع
الأول. فعلى هذا يكون صفر ناقصا ولا يمكن أن يكون أول صفر السبت إلا إن كان ذو الحجة والمحرم ناقصين. فيلزم منه نقص ثلاثة أشهر متوالية. قال: والمعتمد ما قاله أبو مخنف: أنه توفى فى ثانى ربيع الأول. وكان سبب غلط غيره أنهم قالوا: مات فى ثانى شهر ربيع الأول، فغيرت فصار: ثانى عشر، واستمر الوهم بذلك يتبع بعضهم بعضا من غير تأمل. انتهى. ثم إن وفاته- ﷺ يوم الاثنين من ربيع الأول بلا خلاف. بل كاد يكون إجماعا لكن فى حديث ابن مسعود: فى حادى عشر رمضان رواه البزار. والمعتمد ما تقدم. والله أعلم. انتهى. وسيأتى- إن شاء الله تعالى- حديث الوفاة الشريفة فى المقصد الأخير. ولما توفى- ﷺ دخل المسلمون الذين عسكروا بالجرف إلى المدينة، ودخل بريدة بلواء أسامة معقودا حتى أتى به باب رسول الله- ﷺ فغرزه عند بابه. فلما بويع أبو بكر الصديق- رضى الله عنه- أمر بريدة أن يذهب باللواء إلى بيت أسامة ليمضى لوجهه، فمضى به إلى معسكرهم الأول، وخرج أسامة هلال ربيع الآخر سنة إحدى عشرة إلى أهل أبنى، فشن عليهم الغارة، فقتل من أشرف له، وسبى من قدر عليه، وحرق منازلهم ونخلهم، وقتل قاتل أبيه فى الغارة، ثم رجع إلى المدينة، ولم يصب أحد من المسلمين. وخرج أبو بكر فى المهاجرين وأهل المدينة يتلقونه سرورا، والله أعلم. فجميع سراياه وبعوثه نحو ستين ومغازيه نحو سبع وعشرين.
المقصد الثانى وفيه عشرة فصول:
- فى ذكر أسمائه الشريفة المنبئة عن كمال صفاته المنيفة.
- وذكر أولاده الكرام الطاهرين.
- وأزواجه الطاهرات أمهات المؤمنين.
- وأعمامه وعماته وإخوته من الرضاعة وجداته.
- وخدمه ومواليه وحرسه.
- وكتّابه وكتبه إلى أهل الإسلام بالشرائع والأحكام، ومكاتباته إلى الملوك وغيرهم من الأنام.
- ومؤذنيه وخطبائه وحداته وشعرائه.
- وآلات حروبه.
- ودوابه.
- والوافدين إليه ﷺ.
أهل الإسلام بالشرائع والأحكام، ومكاتباته إلى الملوك وغيرهم من الأنام.
- ومؤذنيه وخطبائه وحداته وشعرائه.
- وآلات حروبه.
- ودوابه.
- والوافدين إليه ﷺ.
الفصل الأول فى ذكر أسمائه الشريفة المنبئة عن كمال صفاته المنيفة اعلم أن الأسماء جمع اسم، وهو كلمة وضعتها العرب بإزاء مسمى، متى أطلقت فهم منها ذلك المسمى، فعلى هذا لابد من مراعاة أربعة أشياء: الاسم والمسمى- بفتح الميم- المسمى- بكسرها- والتسمية. فالاسم: هو اللفظ الموضوع على الذات لتعريفها أو تخصيصها عن غيرها كلفظ: زيد. والمسمّى: هو الذات المقصود تمييزها بالاسم، كشخص زيد. والمسمّى: هو الواضع لذلك اللفظ. والتسمية: هى اختصاص ذلك اللفظ بتلك الذات. والوضع: تخصيص لفظ بمعنى إذا أطلق أو أحسّ فهم ذلك المعنى. واختلفوا، هل الاسم عين المسمى أو غيره؟ وهى مسألة طويلة تكلم الناس فيها قديما وحديثا. فذهب قوم إلى أن الاسم عين المسمى. واستدلوا عليه بقوله تعالى: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى «١» والتسبيح إنما هو للرب جل وعلا، فدل على أن اسمه هو هو. وأجيب، بأنه أشرب معنى سبح «اذكر» فكأنه قال: اذكر اسم ربك الأعلى، كقوله تعالى: وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا «٢» وقد أشرب معنى اذكر «سبح» ، عكس الأول. قال تعالى: وَاذْكُرْ رَبَّكَ «٣» أى سبح ربك. والإشراب جار فى لغتهم، يشربون معنى فعل فعلا. واستشكل على معنى كونه هو المسمى إضافته إليه، فإنه يلزم منه إضافة الشىء إلى نفسه. وأجيب: بأن الاسم هنا بمعنى التسمية، والتسمية غير الاسم، لأن التسمية هى اللفظ بالاسم، والاسم هو اللازم للمسمى فتغايرا.
يلزم منه إضافة الشىء إلى نفسه. وأجيب: بأن الاسم هنا بمعنى التسمية، والتسمية غير الاسم، لأن التسمية هى اللفظ بالاسم، والاسم هو اللازم للمسمى فتغايرا.
واحتج من قال بأن الاسم عين المسمى أيضا بقوله تعالى: بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيى «١» ثم قال: يا يَحْيى خُذِ الْكِتابَ بِقُوَّةٍ «٢» فنادى الاسم فدل على أنه المسمى. وجوابه: أن المعنى: يا أيها الغلام الذى اسمه يحيى، ولو كان الاسم عين المسمى لكان من قال: النار، احترق لسانه، ومن قال: العسل، ذاق حلاوته. وكثرة الأسماء تدل على شرف المسمى، وقد سمى الله تعالى نبينا ﷺ بأسماء كثيرة فى القرآن العظيم وغيره من الكتب السماوية، وعلى ألسنة أنبيائه- عليهم الصلاة والسلام-. ثم إن أشهر أسمائه- ﷺ: محمد، وبه سماه جده عبد المطلب وذلك أنه لما قيل له: ما سميت ولدك؟ فقال: محمدا، فقيل له: كيف سميته باسم ليس لأحد من آبائك وقومك؟ فقال: لأنى أرجو أن يحمده أهل الأرض كلهم. وذلك لرؤيا كان رآها عبد المطلب- كما ذكر حديثها على القيروانى العابر فى كتابه «البستان» - قال: كان عبد المطلب قد رأى فى المنام كأن سلسلة من فضة قد خرجت من ظهره، لها طرف فى السماء، وطرف فى الأرض، وطرف فى المشرق وطرف فى المغرب، ثم عادت كأنها شجرة، على كل ورقة منها نور، وإذا أهل المشرق والمغرب كأنهم يتعلقون بها. فقصها، فعبرت له بمولود يكون من صلبه يتبعه أهل المشرق وأهل المغرب، ويحمده أهل السماء وأهل الأرض، فلذلك سماه محمدا، مع ما حدثته به أمه آمنة حين قال لها: إنك حملت بسيد هذه الأمة، فإذا وضعتيه فسميه محمدا. وعن ابن عباس- رضى الله عنهما-: لما ولد النبى- ﷺ عق عنه عبد المطلب وسماه محمدا فقيل له: يا أبا الحارث، ما حملك على أن سميته محمدا،
ولم تسمه باسم آبائه؟ قال: أردت أن يحمده الله فى السماء، ويحمده الناس فى الأرض. وعن محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه قال: قال رسول الله- ﷺ: «إن لى أسماء: أنا محمد، وأنا أحمد وأنا الماحى الذى يمحو الله بى الكفر، وأنا الحاشر الذى يحشر الناس على قدمى، وأنا العاقب» «١» رواه الشيخان. وقد روى: (على قدمى) بتخفيف الياء وبالإفراد، وبالتشديد على التثنية. قال النووى فى شرح مسلم: معنى الروايتين: يحشرون على أثرى وزمانى ورسالتى. وفى رواية نافع بن جبير عند البخارى فى تاريخه الصغير والأوسط، والحاكم فى مستدركه وصححه، وأبى نعيم فى الدلائل وابن سعد: أنه دخل على عبد الملك بن مروان، فقال: أتحصى أسماء رسول الله- ﷺ التى كان جبير بن مطعم يعدها؟ قال: نعم، هى ستة، فذكر الخمسة التى ذكرها محمد ابن جبير، وزاد: الخاتم «٢» . وفى حديث حذيفة (أحمد، ومحمد، والحاشر، والمقفى، ونبى الرحمة) «٣» . ولفظ رواية أبى نعيم (هى ستة: محمد، وأحمد، وخاتم، وحاشر، وعاقب، وماح، فأما الحاشر، فبعث مع الساعة نذيرا لكم بين يدى عذاب شديد، وأما العاقب: فإنه أعقب الأنبياء، وأما ماح: فإن الله ﷿ محا به سيئات من اتبعه) . وذكر بعضهم: أن العدد ليس من قول النبى- ﷺ، وإنما ذكره الراوى بالمعنى.
وأما العاقب: فإنه أعقب الأنبياء، وأما ماح: فإن الله ﷿ محا به سيئات من اتبعه) . وذكر بعضهم: أن العدد ليس من قول النبى- ﷺ، وإنما ذكره الراوى بالمعنى.
وفيه نظر: لتصريحه فى الحديث: «إن لى خمسة أسماء» «١» . والذى يظهر أنه أراد إن لى خمسة أسماء أختص بها لم يتسم بها أحد قبلى، أو مشهورة فى الأمم الماضية لا أنه أراد الحصر فيها، وبهذا يجاب عن الاستشكال الوارد، وهو أن المقرر فى علم المعانى أن تقديم الجار والمجرور يفيد الحصر، ولكن ورود الروايات بما هو أكثر يدل على أنه ليس حصرا مطلقا، فالطريق فى ذلك أن يحمل على حصر مقيد كما ذكر والله أعلم. وروى النقاش «٢» عنه- ﵊: لى فى القرآن سبعة أسماء: محمد، وأحمد، ويّس، وطّه، والمزمل، والمدثر، وعبد الله «٣» . وقد جاءت من ألقابه- ﷺ وسماته فى القرآن عدة كثيرة، و [قد] تعرض جماعة لتعدادها وبلغوا بها عددا مخصوصا. فمنهم من بلغ تسعة وتسعين، موافقة لعدد أسماء الله الحسنى الواردة فى الحديث. قال القاضى عياض: وقد خصه الله تعالى بأن سماه من أسمائه الحسنى بنحو من ثلاثين اسما. وقال ابن دحية «٤» فى كتابه «المستوفى» : إذا فحص عن جملتها من الكتب المتقدمة والقرآن والحديث وفّى الثلاثمائة، انتهى.
مائه الحسنى بنحو من ثلاثين اسما. وقال ابن دحية «٤» فى كتابه «المستوفى» : إذا فحص عن جملتها من الكتب المتقدمة والقرآن والحديث وفّى الثلاثمائة، انتهى.
ورأيت فى كتاب «أحكام القرآن» للقاضى أبى بكر بن العربى: قال بعض الصوفية: لله تعالى ألف اسم وللنبى- ﷺ ألف اسم «١» ، انتهى. والمراد الأوصاف: فكل الأسماء التى وردت أوصاف مدح، وإذا كان كذلك، فله- ﷺ من كل وصف اسم، ثم إن منها ما هو مختص به أو الغالب عليه، ومنها ما هو مشترك، وكل ذلك بيّن بين بالمشاهدة لا يخفى، وإذا جعلنا له من كل وصف من أوصافه اسما بلغت أوصافه ما ذكر، بل أكثر، والذى رأيته فى كلام شيخنا فى «القول البديع» ، والقاضى عياض فى «الشفا» وابن العربى فى «القبس» ، والأحكام له، وابن سيد الناس، وغيرهم يزيد على الأربعمائة، وقد سردتها مرتبة على حروف المعجم، وهى: الأبر بالله، الأبطحى، أتقى الناس، الأجود، أجود الناس، الأحد، الأحسن وأحسن الناس، أحمد، أحيد- بضم أوله وكسر المهملة ثم ياء تحتانية-. الآخذ بالحجزات، آخذ الصدقات، الآخر، الأخشى لله، أذن خير، أرجح الناس عقلا، أرحم الناس بالعباد، الأزهر: وهو النير المشرق الوجه، أشجع الناس، الأصدق فى الله، أطيب الناس ريحا، الأعز الأعلى، الأعلم بالله، أكثر الناس تبعا، الأكرم، أكرم الناس، أكرم ولد آدم، المص، إمام الخير، إمام الرسل، إمام المتقين، إمام النبيين، الإمام، الآمر والناهى، الآمن أمنة أصحابه، الأمين، الأمى، أنعم الله، الأول، أول شافع، أول المسلمين، أول المؤمنين، أول من تنشق عنه الأرض. البر، البارقليط، الباطن، البرهان، بشر، بشرى عيسى، البشير، البصير، البليغ، بالغ البيان، البينة. التالى، التذكرة، التقى، التنزيل، التهامى. ثانى اثنين. الجبار، الجد، الجواد، جامع.
رهان، بشر، بشرى عيسى، البشير، البصير، البليغ، بالغ البيان، البينة. التالى، التذكرة، التقى، التنزيل، التهامى. ثانى اثنين. الجبار، الجد، الجواد، جامع.
حاتم، حزب الله، الحاشر، الحافظ، الحاكم بما أراه الله، الحامد، حامل لواء الحمد، الحائد لأمته عن النار، الحبيب، حبيب الرحمن، حبيب الله، الحجازى، الحجة البالغة، حجة الله على الخلائق، حرز الأميين، الحرمى، الحريص على الإيمان، الحسيب الحفيظ، الحق، الحكيم، الحليم، حماد، حمطايا أو قال حمياطا، حمعسق، حفى، الحمد، الحنيف، الحى. الخبير، خاتم النبيين خاتم المرسلين، الخاتم، الخازن لمال الله، الخاشع، الخاضع، الخالص، خطيب الأنبياء، خطيب الأمم، خطيب الوافدين على الله، الخليل، خليل الرحمن، خليل الله، الخليفة، خير الأنبياء، خير البرية، خير خلق الله، خير العالمين طرّا، خير الناس، خير هذه الأمة، خيرة الله. دار الحكمة، الداعى إلى الله، دعوة إبراهيم، دعوة النبيين، دليل الخيرات. الذاكر، الذكر، ذكر الله، ذو الحوض المورود، ذو الخلق العظيم، ذو الصراط المستقيم، ذو القوة، ذو مكانة، ذو عزة، ذو فضل، ذو المعجزات، ذو المقام المحمود، ذو الوسيلة. الراضع، الراضى، الراغب، الرافع، راكب البراق، راكب البعير، راكب الجمل، راكب الناقة، راكب النجيب، الرحمة، رحمة الأمة، رحمة العالمين، رحمة مهداة، الرحيم، الرسول، رسول الراحة، رسول الرحمة، رسول الله، رسول الملاحم، الرشيد. الرفيع الذكر، رافع الرتب، رفيع الدرجات، الرقيب، روح الحق، روح القدس، الرؤف، ركن المتواضعين. الزاهد، زعيم الأنبياء، الزكى، الزمزمى، زين من وافى القيامة. السابق، السابق بالخيرات، سابق العرب، الساجد، سبيل الله، السراج المنير، السراط المستقيم، السعيد، سعد الله، سعد الخلائق، السميع، السلام، السيد، سيد ولد آدم، سيد المرسلين، سيد الناس، سيد الكونين، سيد الثقلين، سيف الله المسلول.
الشارع، الشافع، الشاكر، الشاهد، الشكور، الشكار، الشمس، الشهيد. الصابر، الصاحب، صاحب الآيات، صاحب المعجزات، صاحب البراهين، صاحب البيان، صاحب التاج، صاحب الجهاد، صاحب الحجة، صاحب الحطيم، صاحب الحوض المورود، صاحب الخاتم، صاحب الخير، صاحب الدرجة العالية الرفيعة، صاحب الرداء، صاحب الأزواج الطاهرات، صاحب السجود للرب المحمود، صاحب السرايا، صاحب السلطان، صاحب السيف، صاحب الشرع، صاحب الشفاعة الكبرى، صاحب العطايا، صاحب العلامات الباهرات، صاحب العلو والدرجات، صاحب الفضيلة، صاحب الفرج، صاحب القضيب، صاحب القضيب الأصغر، صاحب قول لا إله إلا الله، صاحب القدم، صاحب الكوثر، صاحب اللواء، صاحب المحشر، صاحب المدينة، صاحب المغفر، صاحب المغنم، صاحب المعراج، صاحب المظهر المشهود، صاحب المقام المحمود، صاحب المنبر، صاحب المئزر، صاحب النعلين، صاحب الهراوة، صاحب الوسيلة، الصادع بما أمر، الصادق، الصبور، الصدق، صراط الله، صراط الذين أنعمت عليهم، الصراط المستقيم، الصفوح، الصفوح عن الزلات، الصفوة، الصفى، الصالح. الضارب بالحسام المثلوم، الضحاك، الضحوك. طاب طاب، الطاهر، الطبيب، طسم، طس، طه، الطيب. الظاهر، الظفور، من الظفر وهو الفوز. العابد، العادل، العظيم، العافى، العاقب، العالم، علم الإيمان، علم اليقين، العالم بالحق، العامل، عبد الله، العبد، العدل، العربى، العروة الوثقى، العزيز، العفو، العطوف، العليم، العلى، العلامة، عين العز، عبد الكريم، عبد الجبار، عبد الحميد، عبد المجيد، عبد الوهاب،



