— Bagian 15 · ه خنزب، فإذا أحسسته فتعوذ بالله منه واتفل على يس… —
Bagian 15
ه خنزب، فإذا أحسسته فتعوذ بالله منه واتفل على يسارك ثلاثا» قال: ففعلت فأذهبه الله عنى «٣» . وقدم وفد بنى عامر «٤» عليه- ﷺ، قال ابن إسحاق: لما فرغ- ﷺ
من تبوك، وأسلمت ثقيف وبايعت، ضربت إليه وفود العرب من كل وجه، فدخلوا فى دين الله أفواجا يضربون إليه من كل وجه. فوفد إليه- ﷺ بنو عامر، فيهم عامر بن الطفيل، وأربد بن قيس وخالد بن جعفر، وحيان بن أسلم بن مالك، وكان هذا النفر رؤساء القوم وشياطينهم، فقدم- عدو الله- عامر بن الطفيل على رسول الله- ﷺ وهو يريد أن يغدر به، فقال لأربد إذا قدمنا على الرجل فإنى شاغل عنك وجهه، فإذا فعلت ذلك فأعله بالسيف فكلم عامر رسول الله- ﷺ وقال: والله لأملأنها عليك خيلا ورجلا، فلما ولى قال- ﷺ: «اللهم اكفنى عامر بن الطفيل» «١» . فلما خرجوا، قال عامر لأربد: ويحك، أينما كنت أمرتك به؟ فقال: والله ما هممت بالذى أمرتنى به إلا دخلت بينى وبينه، أفأضربك بالسيف؟ ولما كانوا ببعض الطريق بعث الله تعالى على عامر بن الطفيل الطاعون فى عنقه فقتله الله. وفى صحيح البخارى: أن عامرا أتى النبى- ﷺ فقال: أخيرك بين ثلاث خصال، يكون لك أهل السهل، ولى أهل المدر، أو أكون خليفتك من بعدك، أو أغزوك بغطفان بألف أشقر وألف شقراء. فطعن فى بيت امرأة فقال: أغدة كغدة البكر فى بيت امرأة من بنى فلان. ائتونى بفرسى فركب فمات على ظهر فرسه «٢» . وقدم وفد عبد القيس «٣» عليه، زاده الله فضلا وشرفا لديه وهى قبيلة كبيرة يسكنون البحرين ينسبون إلى عبد القيس بن أفصى- بسكون الفاء بعدها مهملة بوزن أعمى- ابن دعمى- بضم الدال وسكون العين المهملتين وكسر الميم بعدها تحتانية-.
يسكنون البحرين ينسبون إلى عبد القيس بن أفصى- بسكون الفاء بعدها مهملة بوزن أعمى- ابن دعمى- بضم الدال وسكون العين المهملتين وكسر الميم بعدها تحتانية-.
وفى الصحيحين من حديث ابن عباس: (قدم وفد عبد القيس على رسول الله- ﷺ فقال: «ممن القوم» قالوا: من ربيعة، قال: «مرحبا بالوفد غير خزايا ولا ندامى» فقالوا: يا رسول الله، إن بيننا وبينك هذا الحى من كفار مضر، وإنا لا نصل إليك إلا فى شهر حرام، فمرنا بأمرنا فصل، نأخذ به ونأمر به من وراءنا، وندخل به الجنة. قال: «آمركم بأربع وأنهاكم عن أربع، آمركم بالإيمان بالله وحده، أتدرون ما الإيمان؟ شهادة ألاإله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان، وأن تعطوا من المغنم الخمس، وأنهاكم عن أربع: عن الدباء والحنتم والنقير والمزفت، فاحفظوهن وادعوا إليهن من وراءكم» ) «١» . قال ابن القيم: ففى هذه القصة أن الإيمان بالله مجموع هذه الخصال من القول والعمل، كما علي ذلك أصحاب رسول الله- ﷺ والتابعون وتابعوهم كلهم، ذكر ذلك الشافعى فى المبسوط، وعلى ذلك ما يقارب مائة دليل من الكتاب والسنة، ولم يعد الحج من هذه الخصال، وكان قدومهم فى سنة تسع، وهذا أحد ما يحتج به على أن الحج لم يكن فرض بعد، وأنه إنما فرض فى العاشرة، ولو كان فرض لعده من الإيمان كما عد الصوم والزكاة. انتهى. وقد كان لعبد القيس وفدتان: إحداهما: قبل الفتح، ولهذا قالوا له- ﷺ: حال بيننا وبينك كفار مضر، وكان ذلك قديما، إما سنة خمس أو قبلها، وكانت قريتهم بالبحرين، وكان عدد الوفد الأول ثلاثة عشر رجلا، وقيل كانوا أربعة عشر راكبا، وفيها سألوه عن الإيمان، وعن الأشربة، وكان فيهم الأشج، وكان كبيرهم، وقال له ﷺ: «إن فيك خصلتين يحبهما الله، الحلم والأناة» «٢» . رواه مسلم من حديث أبى سعيد.
سألوه عن الإيمان، وعن الأشربة، وكان فيهم الأشج، وكان كبيرهم، وقال له ﷺ: «إن فيك خصلتين يحبهما الله، الحلم والأناة» «٢» . رواه مسلم من حديث أبى سعيد.
وأخرج البيهقى: بينما النبى- ﷺ يحدث أصحابه قال: «سيطلع عليكم من هاهنا ركب هم خير أهل المشرق» فقام عمر نحوهم، فلقى ثلاثة عشر راكبا، فبشرهم بقوله- ﷺ ثم مشى معهم حتى أتى النبى- ﷺ، فرموا بأنفسهم عن ركائبهم، فأخذوا يده فقبلوها «١» الحديث وأخرجه البخارى فى الأدب المفرد. فيمكن أن يكون أحد المذكورين غير راكب أو مرتدفا. وثانيهما: كانت فى سنة الوفود وكان عددهم حينئذ أربعين رجلا، كما فى حديث أبى خيرة الصباحى عند ابن منده. ويؤيد التعدد: ما أخرجه من وجه آخر أنه- ﷺ قال لهم: «ما لى أرى ألوانكم تغيرت» «٢» ففيه إشعار بأنه كان رآهم قبل التغير، وفى قولهم: يا رسول الله، دليل على أنهم كانوا حين المقالة مسلمين، وكذا فى قولهم كفار مضر، وقولهم: الله ورسوله أعلم. ويدل على سبقهم إلى الإسلام أيضا، ما فى البخارى: إن أول جمعة جمعت بعد جمعة فى مسجد رسول الله- ﷺ فى مسجد عبد القيس بجواثى من البحرين وهى قرية لهم «٣» ، وإنما جمّعوا بعد رجوع وفدهم إليهم، وقال فى فتح البارى: فدل على أنهم سبقوا جميع القرى إلى الإسلام. وما جزم به ابن القيم من أن السبب فى كونه لم يذكر الحج فى الحديث، لأنه لم يكن فرض، هو المعتمد. وقدمت الدليل على قدم إسلامهم، لكن جزمه تبعا للواقدى بأن قدومهم كان فى سنة تسع قبل فتح مكة ليس بجيد، لأن فرض الحج كان سنة ست على الأصح، لكنه اختار كغيره- أن فرض الحج فى السنة العاشرة، حتى لا يرد على مذهبه أنه على الفور شىء. وقد احتج الشافعى لكونه على التراخى بأن فرض الحج كان بعد
الهجرة، وأنه- ﷺ كان قادرا على الحج فى سنة ثمان، وفى سنة تسع، ولم يحج إلا فى سنة عشر، وسيأتى فى حجه- ﷺ من مقصد عباداته مزيد لذلك إن شاء الله تعالى. فإن قلت كيف قال- ﷺ آمركم بأربع، والمذكورات خمس؟ قلت أجاب القاضى [عياض] «١» تبعا لابن بطال: بأن الأربع، ما عدا أداء الخمس، قال: وكأنه أراد إعلامهم بقواعد الإيمان وفروض الأعيان، ثم أعلمهم بما يلزمهم إخراجه إذا وقع لهم جهاد، لأنهم كانوا بصدد محاربة كفار مضر، ولم يقصد إلى ذكرها بعينها لأنها مسببة عن الجهاد، ولم يكن الجهاد إذ ذاك فرض عين. قال: ولذلك لم يذكر الحج لأنه لم يكن فرض. وقال غيره: وقوله «وأن تعطوا» معطوف على قوله «بأربع» أى: آمركم بأربع وبأن تعطوا، ويدل عليه العدول عن سياق الأربع والإتيان: بأن والفعل، مع توجيه الخطاب إليهم. وقال القاضى أبو بكر بن العربى: يحتمل أن يقال: إنه- ﷺ عد الصلاة والزكاة واحدة لأنها قرينتها فى كتاب الله، وتكون الرابعة أداء الخمس، أو أنه لم يعد الخمس لأنه داخل فى عموم إيتاء الزكاة والجامع بينهما: أنه إخراج مال معين. وقال البيضاوى: الظاهر أن الأمور الخمسة هنا تفسير للإيمان، وهو أحد الأربعة الموعود بذكرها، والثلاثة الآخرى حذفها الراوى اختصارا أو نسيانا. وتعقب بأنه وقع فى صحيح البخارى أيضا فى رواية: «آمركم بأربع: شهادة ألاإله إلا الله، وعقد واحدة» فدل على أن الشهادة إحدى الأربع. وقال القرطبى: قيل إن أول الأربع المأمور بها: إقام الصلاة، وإنما ذكر الشهادتين تبركا، وإلى هذا نحا الطيبى، فقال عادة البلغاء أن الكلام إذا كان منصوبا لغرض جعلوا سياقه له، وطرحوا ما عداه، وهنا لم يكن الغرض فى
وإنما ذكر الشهادتين تبركا، وإلى هذا نحا الطيبى، فقال عادة البلغاء أن الكلام إذا كان منصوبا لغرض جعلوا سياقه له، وطرحوا ما عداه، وهنا لم يكن الغرض فى
الإيراد ذكر الشهادتين لأن القوم كانوا مؤمنين مقرين بكلمتى الشهادة، ولكن ربما كانوا يظنون الإيمان مقصور عليهما كما كان الأمر فى صدر الإسلام. قال: ولهذا لم يعد الشهادتين فى الأوامر «١» ، انتهى ملخصا من فتح البارى. وقدم عليه- ﷺ وفد بنى حنيفة «٢» ، فيهم مسيلمة الكذاب، فكان منزلهم فى دار امرأة من الأنصار، من بنى النجار، فأتوا بمسيلمة إلى رسول الله- ﷺ وهم يسترونه بالثياب، ورسول الله- ﷺ جالس مع أصحابه، فى يده عسيب من سعف النخل، فلما انتهى إلى رسول الله- ﷺ- وهم يسترونه بالثياب- كلمه وسأله، فقال له رسول الله- ﷺ: «لو سألتنى هذا العسيب الذى فى يدى ما أعطيتك» «٣» . وذكر حديثه ابن إسحاق على غير ذلك فقال: حدثنى شيخ من أهل اليمامة من بنى حنيفة: أن وفد بنى حنيفة أتوا رسول الله- ﷺ وخلفوا مسيلمة فى رحالهم، فلما أسلموا ذكروا له مكانه، فقالوا: يا رسول الله، إنا قد خلفنا صاحبا لنا فى رحالنا وركابنا يحفظها لنا، فأمر له رسول الله ﷺ بما أمر به للقوم، وقال لهم «إنه ليس بشركم مكانا» يعنى لحفظه صنيعة أصحابه، ثم انصرفوا، فلما قدموا اليمامة ارتد- عدو الله- وتنبأ وقال: إنى أشركت فى الأمر معه، ثم جعل يسجع السجعات، فيقول لهم فيما يقول مضاهاة للقرآن: لقد أنعم الله على الحبلى، أخرج منها نسمة تسعى من بين صفاق وحشى. وسجع اللعين على سورة إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ «٤» فقال: إنا أعطيناك
ة للقرآن: لقد أنعم الله على الحبلى، أخرج منها نسمة تسعى من بين صفاق وحشى. وسجع اللعين على سورة إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ «٤» فقال: إنا أعطيناك
الجواهر، فصل لربك وهاجر، إن مبغضك رجل فاجر. وفى رواية: إنا أعطيناك الجماهر فخذ لنفسك وبادر، واحذر أن تحرص أو تكاثر، وفى رواية: إنا أعطيناك الكواثر فصل لربك وبادر فى الليالى الغوادر. ولم يعرف المخذول أنه محروم عن المطلوب، وسيأتى فى أوائل مقصد معجزاته- ﷺ من تسجيع مسيلمة الركيك مزيد لذلك على ما ذكرته هنا- إن شاء الله تعالى-. وقيل: إنه أدخل البيضة فى القارورة وادعى أنها معجزة له، فافتضح بنحو ما ذكر: أن النوشادر إذا ضرب فى خل الخمر ضربا جيدا، وجعلت فى بيضة بنت يومها يوما وليلة فإنها تمتد كالخيط، فتجعل فى القارورة ويصب عليها الماء البارد فإنها تجمد. ولما سمع اللعين أن النبى- ﷺ مسح رأس صبى كان ألمّ به داء فشفى ومج فى بئر فكثر ماؤها، وتفل فى عين على- وكان أرمد- فبرىء. فتفل اللعين فى بئر فغار ماؤها، وفى عين بصير فعمى، ومسح بيده ضرع شاة حلوب فارتفع درها. ويبس ضرعها، ولله در الشقراطيسى حيث يقول يخاطب النبى- ﷺ: أعجزت بالوحى أرباب البلاغة فى ... عصر البيان فضلّت أوجه الحيل سألتهم سورة فى مثل حكمته ... فتلّهم عنه حين العجز حين تلى فرام رجس كذوب أن يعارضه ... بعى غى فلم يحسن ولم يطل مثبج بركيك الإفك ملتبس ... ملجلج بزرى الزور والخطل يمج أول حرف سمع سامعه ... ويعتريه كلال العجز والملل كأنه منطق الورهاء شذّ به ... لبس من الخبل أو مس من الخبل أمرت البئر واغورت لمجته ... فيها وأعمى بصير العين بالتفل وأيبس الضرع منه شؤم راحته ... من بعد إرسال رسل منه منهمل
فشبه هذا الكلام الذى عارض به مسيلمة، بكلام امرأة ورهاء، وهى الحمقاء التى تتكلم لحمقها بما لا يفهم، فهى تهذى بكلام مشذب- أى مختلط- لا يقترن بعضه ببعض، ولا يشبه بعضه بعضا ككلام من به خبل بسكون الموحدة- أى فساد، أو مس من الخبل- بفتحها- أي جنون. ثم إن اللعين وضع عن قومه الصلاة، وأحل لهم الخمر والزنا، وهو مع ذلك يشهد لرسول الله- ﷺ أنه نبى. وقد كان كتب لرسول الله- ﷺ: من مسيلمة رسول الله إلى محمد رسول الله، أما بعد: فإنى قد أشركت معك فى الأمر، وإن لنا نصف الأمر، ولقريش نصف الأمر. فقدم على رسول الله- ﷺ رسوله بهذا الكتاب، فكتب إليه رسول الله- ﷺ: بسم الله الرحمن الرحيم. من محمد رسول الله إلى مسيلمة الكذاب، سلام على من اتبع الهدى، أما بعد فإن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين. وفى الصحيحين من حديث نافع بن جبير عن ابن عباس قال: قدم مسيلمة الكذاب على رسول الله- ﷺ فجعل يقول: إن جعل لى محمد الأمر من بعده اتبعته، وقدمها فى بشر كثير من قومه، فأقبل النبى- ﷺ ومعه ثابت بن قيس بن شماس، وفى يد النبى- ﷺ قطعة جريد، حتى وقف على مسيلمة فى أصحابه، فقال: «لو سألتنى هذه القطعة ما أعطيتكها، ولن تعدو أمر الله فيك، ولئن أدبرت ليعقرنك الله، وإنى لأراك الذى أريت فيه ما رأيت، وهذا ثابت بن قيس يجيبك عنى» ثم انصرف «١» . قال ابن عباس: فسألت عن قول النبى- ﷺ: «إنك الذى أريت فيه ما رأيت» فأخبرنى أبو هريرة أن النبى- ﷺ قال: «بينا أنا نائم رأيت فى يدى سوارين من ذهب فأهمنى شأنهما فأوحى الله إلى فى المنام أن أنفخهما،
لذى أريت فيه ما رأيت» فأخبرنى أبو هريرة أن النبى- ﷺ قال: «بينا أنا نائم رأيت فى يدى سوارين من ذهب فأهمنى شأنهما فأوحى الله إلى فى المنام أن أنفخهما،
فنفختهما فطارا، فأولتهما: كذابين يخرجان من بعدى، فهذان هما: أحدهما العنسى صاحب صنعاء والآخر مسيلمة» «١» . فإن قلت: كيف يلتئم خبر ابن إسحاق مع الحديث الصحيح أن النبى ﷺ اجتمع به وخاطبه، وصرح بحضرة قومه أنه لو سأله القطعة من الجريدة ما أعطاه. فالجواب: إن المصير إلى ما فى الصحيح أولى. ويحتمل أن يكون مسيلمة قدم مرتين، الأولى كان تابعا وكان رئيس بنى حنيفة غيره، ولهذا أقام فى حفظ رحالهم، ومرة متبوعا، وفيها خاطبه النبى ﷺ. أو القصة واحدة، وكانت إقامته فى رحالهم باختياره أنفة منه واستكبارا أن يحضر مجلس النبى- ﷺ، وعامله- ﷺ معاملة الكرم على عادته فى الاستئلاف فقال لقومه: «إنه ليس بشركم» أى مكانا، لكونه يحفظ رحالهم، وأراد استئلافه بالإحسان بالقول والفعل، فلما لم يفد فى مسيلمة توجه بنفسه إليه ليقيم عليه الحجة ويعذر إليه بالإنذار. والعلم عند الله تعالى. وقدم عليه- ﷺ وفد طىء «٢» وفيهم زيد الخيل وهو سيدهم، فعرض عليهم الإسلام فأسلموا وحسن إسلامهم. وقال- ﷺ: «ما ذكر لى رجل من العرب بفضل ثم جاءنى إلا رأيته دون ما يقال فيه إلا زيد الخيل، فإنه لم يبلغ كل ما فيه» ثم سماه زيد الخير. فخرج راجعا إلى قومه، فلما انتهى إلي ماء من مياه نجد أصابته الحمى بها فمات «٣» . قال ابن عبد البر: وقيل مات فى آخر خلافة عمر. وله ابنان: مكنف
الخير. فخرج راجعا إلى قومه، فلما انتهى إلي ماء من مياه نجد أصابته الحمى بها فمات «٣» . قال ابن عبد البر: وقيل مات فى آخر خلافة عمر. وله ابنان: مكنف
وحريث، أسلما وصحبا رسول الله- ﷺ، وشهد قتال أهل الردة مع خالد. وقدم عليه- ﷺ وفد كنده «١» فى ثمانين أو ستين راكبا من كنده، فدخلوا عليه مسجده، قد رجّلوا جممهم وتسلحوا، ولبسوا جباب الحبرات مكففة بالحرير، فلما دخلوا قال- ﷺ: «أو لم تسلموا» قالوا: بلى، قال: «فما هذا الحرير فى أعناقكم فشقوه فنزعوه وألقوه» «٢» . وقدم عليه- زاده الله شرفا لديه- الأشعريون وأهل اليمن. قيل هو من عطف الخاص على العام، وقال الحافظ أبو الفضل شيخ الإسلام ابن حجر: المراد بهم بعض أهل اليمن، وهم وفد حمير. قال: ووجدت فى كتاب الصحابة لابن شاهين من طريق إياس بن عمرو الحميرى: أنه قدم وافدا على رسول الله- ﷺ فى نفر من حمير فقالوا: أتيناك لنتفقه فى الدين الحديث. والحاصل: أن الترجمة تشتمل على طائفتين، وليس المراد اجتماعهما فى الوفادة، فإن قدوم الأشعرين كان مع أبى موسى فى سنة سبع عند فتح خيبر، وقدوم حمير كان فى سنة تسع، وهى سنة الوفود، ولهذا اجتمعوا مع بنى تميم. وروى يزيد بن هارون عن حميد عن أنس أن رسول الله- ﷺ قال: «يقدم عليكم قوم هم أرق منكم قلوبا» «٣» فقدم الأشعريون فجعلوا يرتجزون: غدا نلقى الأحبه ... محمدا وحزبه
د بن هارون عن حميد عن أنس أن رسول الله- ﷺ قال: «يقدم عليكم قوم هم أرق منكم قلوبا» «٣» فقدم الأشعريون فجعلوا يرتجزون: غدا نلقى الأحبه ... محمدا وحزبه
وعن أبي هريرة- رضى الله عنه- قال: سمعت رسول الله- ﷺ يقول: «جاء أهل اليمن، هم أرق أفئدة وأضعف قلوبا، الإيمان يمان، والحكمة يمانية والسكينة فى أهل الغنم، والفخر والخيلاء فى الفدادين أهل الوبر قبل مطلع الشمس» «١» رواه مسلم. وفى البخارى: إن نفرا من بنى تميم جاؤا إلى رسول الله- ﷺ فقال: «أبشروا يا بنى تميم» فقالوا: بشرتنا فأعطنا، فتغير وجه رسول الله ﷺ وجاء نفر من أهل اليمن، فقال: «اقبلوا البشرى إذ لم يقبلها بنو تميم» قالوا: قد قبلنا، ثم قالوا: يا رسول الله جئنا لنتفقه فى الدين ونسألك عن هذا الأمر، فقال: «كان الله ولم يكن شىء غيره وكان عرشه على الماء وكتب فى الذكر كل شىء» «٢» . وقوله: وجاء نفر من أهل اليمن، هم الأشعريون قوم أبي موسى. وقدم عليه- ﷺ صرد بن عبد الله الأزدى «٣» ، فأسلم وحسن إسلامه، فى وفد من الأزد فأمّره- ﷺ على من أسلم من قومه، وأمره أن يجاهد بمن أسلم أهل الشرك من قبائل اليمن. فخرج صرد يسير بأمر رسول الله- ﷺ حتى نزل بجرش، وبها قبائل من قبائل العرب، فحاصروهم فيها قريبا من شهر، وامتنعوا فيها، فرجع عنهم قافلا، حتى إذا كان فى جبل لهم وظنوا أنه إنما ولى عنهم منهزما خرجوا فى طلبه، حتى أدركوه عطف عليهم فقتله قتلا شديدا. وكان أهل جرش بعثوا إلى رسول الله- ﷺ رجلين منهم، فبينما هما عنده- ﷺ عشية فقال لهما- ﵇: «إن بدن الله لتنحر عند شكر» أى
المكان الذى وقع به قتل قومهم، قال: فجلس الرجلان إلى أبى بكر وعثمان فقالا لهما إن رسول الله- ﷺ ينعى لكما قومكما. فخرجا إلى قومهما فوجداهم قد أصيبوا فى اليوم الذى قال فيه رسول الله- ﷺ ما قال، وفى الساعة التى ذكر فيها ما ذكر. فخرج وفد جرش حتى قدموا عليه- ﷺ فأسلموا وحمى لهم حمى حول قريتهم. وفد بنى الحارث بن كعب «١» . قال ابن إسحاق: بعث- ﷺ خالد بن الوليد فى شهر ربيع الآخر، أو جمادى الأولى سنة عشر إلى بنى الحارث بن كعب بنجران، وأمره أن يدعوهم إلى الإسلام قبل أن يقاتلهم ثلاثا، فإن استجابوا فاقبل منهم، وإن لم يفعلوا فقاتلهم. فخرج خالد حتى قدم عليهم، فبعث الركبان يضربون فى كل وجه، ويدعون إلى الإسلام، ويقولون: أيها الناس أسلموا تسلموا، فأسلم الناس ودخلوا فيما دعوا إليه. فأقام خالد يعلمهم الإسلام وكتب إلى رسول الله- ﷺ بذلك. ثم أقبل على رسول الله- ﷺ ومعه وفدهم، منهم: قيس بن الحصين، ويزيد ابن المحجل، وشداد بن عبد الله. وقال لهم- ﷺ: «بم كنتم تغلبون من قاتلكم» قالوا: كنا نجتمع ولا نتفرق، ولا نبدأ أحدا بظلم، قال: «صدقتم» «٢» . وأمر عليهم قيس بن الحصين، فرجعوا إلى قومهم فى بقية من شوال أو من ذى القعدة، فلم يمكثوا إلا أربعة أشهر حتى توفى رسول الله- ﷺ. وقدم عليه- ﷺ وفد همدان فيهم: مالك بن النمط، وضمام بن مالك، وعمرو بن مالك، فلقوا رسول الله- ﷺ مرجعه من تبوك، وعليهم
أربعة أشهر حتى توفى رسول الله- ﷺ. وقدم عليه- ﷺ وفد همدان فيهم: مالك بن النمط، وضمام بن مالك، وعمرو بن مالك، فلقوا رسول الله- ﷺ مرجعه من تبوك، وعليهم
مقطعات الحبرات والعمائم العدنية، على الرواحل المهرية والأرحبية، ومالك ابن النمط يرتجز بين يديه- ﷺ. وذكروا له كلاما كثيرا حسنا فصيحا. فكتب لهم- ﷺ كتابا أقطعهم فيه ما سألوه، وأمر عليهم مالك بن النمط، واستعمله على من أسلم من قومه، وأمره بقتال ثقيف. وكان لا يخرج لهم سرح إلا أغار عليه. وروى البيهقى بإسناد صحيح عن البراء أن النبى- ﷺ بعث خالد بن الوليد إلى أهل اليمن يدعوهم إلى الإسلام. قال البراء: فكنت فيمن خرج مع خالد بن الوليد، فأقمنا ستة أشهر ندعوهم إلى الإسلام فلم يجيبوا، ثم إن النبى- ﷺ بعث على بن أبى طالب فأمره أن يقفل خالدا إلا رجلا ممن كان مع خالد أن يعقب مع على. فلما دنونا من القوم خرجوا إلينا، فصلى بنا على، ثم صفنا صفّا واحدا، ثم تقدم بين أيدينا، فقرأ عليهم كتاب رسول الله- ﷺ فأسلمت همدان جميعا، فكتب على إلى رسول الله- ﷺ بإسلامهم. فلما قرأ رسول الله- ﷺ الكتاب خر ساجدا ثم رفع رأسه فقال: «السلام على همدان، السلام على همدان» «١» وأصل الحديث فى صحيح البخارى. وهذا أصح مما تقدم، ولم تكن همدان تقاتل ثقيفا ولا تغير على سرحهم، فإن همدان باليمن وثقيف بالطائف. قاله ابن القيم فى الهدى النبوى. روى البيهقى عن النعمان بن مقرن قال: قدمنا على رسول الله- ﷺ أربعمائة رجل من مزينة، فلما أردنا أن ننصرف قال: «يا عمر زود القوم» قال: ما عندى إلا شىء من تمر ما أظنه يقع من القوم موقعا. قال: «انطلق فزودهم» قال: فانطلق بهم عمر فأدخلهم منزله ثم أصعدهم إلى علية، فلما دخلنا فإذا فيها من التمر مثل الجمل الأورق، فأخذ القوم منه حاجتهم. قال
قال: «انطلق فزودهم» قال: فانطلق بهم عمر فأدخلهم منزله ثم أصعدهم إلى علية، فلما دخلنا فإذا فيها من التمر مثل الجمل الأورق، فأخذ القوم منه حاجتهم. قال
النعمان: وكنت فى آخر من خرج، فنظرت: وما أفقد موضع تمرة من مكانها «١» . وفد دوس «٢» : وكان قدومهم عليه- ﷺ بخيبر. قال ابن إسحاق: كان الطفيل بن عمرو الدوسى يحدث أنه قدم مكة ورسول الله- ﷺ بها، فمشى إليه رجال من قريش، وكان الطفيل رجلا شريفا شاعرا لبيبا، فقالوا له: إنك قدمت بلادنا، وهذا الرجل الذى بين أظهرنا فرق جماعتنا، وشتت أمرنا، وإنما قوله كالسحر، يفرق بين المرء وابنه وبين المرء وأخيه، وبين الرجل وزوجه، وإنا نخشى عليك وعلى قومك ما قد دخل علينا، فلا تكلمه ولا تسمع منه. قال: فو الله ما زالوا بى حتى أجمعت ألاأسمع منه شيئا، ولا أكلمه، حتى حشوت فى أذنى حين غدوت إلى المسجد كرسفا، فرقا من أن يبلغنى شىء من قوله. قال: فغدوت إلى المسجد فإذا رسول الله- ﷺ قائم يصلى عند الكعبة، فقمت قريبا منه، فأبى الله إلا أن يسمعنى بعض قوله: فسمعت كلاما حسنا، فقلت: واثكل أماه. والله إنى لرجل لبيب شاعر، ما يخفى على الحسن من القبيح، فما يمنعنى أن أسمع من هذا الرجل ما يقول، فإن كان ما يقول حسنا قبلت، وإن كان قبيحا تركت. قال: فمكثت حتى أتى- ﷺ إلى بيته، فتبعته حتى إذا دخل بيته فقلت: يا محمد إن قومك قد قالوا لى كذا وكذا، فو الله ما برحوا يخوفونى أمرك حتى سددت أذنى بكرسف ألاأسمع قولك، ثم أبى الله إلا أن يسمعنيه، فسمعت قولا حسنا، فاعرض على أمرك. فعرض على رسول الله- ﷺ الإسلام، وتلا على القرآن، فلا والله ما سمعت قولا قط أحسن منه، ولا أمرا أعدل منه، فأسلمت وشهدت شهادة
الحق، وقلت: يا رسول الله، إنى امرؤ مطاع فى قومى وإنى راجع إليهم فداعيهم إلى الإسلام، فادع الله أن يجعل لى آية. قال: فخرجت إلى قومى حتى إذا كنت بثنية تطلعنى على الحاضر، وقع نور بين عينى مثل المصباح، قال قلت: اللهم فى غير وجهى، إنى أخشى أن يقولوا إنها مثلة وقعت فى وجهى لفراق دينهم، قال: فتحول فوقع فى رأس سوطى كالقنديل المعلق، وأنا أهبط إليهم من الثنية، حتى جئتهم وأصبحت فيهم، فلما نزلت أتانى أبى- وكان شيخا كبيرا- فقلت: إليك عنى يا أبت، فلست منى ولست منك، قال: ولم يا بنى؟ قلت: قد أسلمت وتابعت دين محمد، قال: يا بنى فدينى دينك، قال فقلت: فاذهب فاغتسل وطهر ثيابك ثم تعال أعلمك ما علمت، قال فذهب فاغتسل وطهر ثيابه ثم جاء فعرضت عليه الإسلام فأسلم. ثم أتتنى صاحبتى فقلت: إليك عنى فلست منك ولست منى، قالت: لم؟ قلت: فرق الإسلام بينى وبينك، أسلمت وتابعت محمدا- ﷺ، قالت: فدينى دينك فأسلمت. ثم دعوت دوسا إلى الإسلام، فأبطئوا على فجئت رسول الله- ﷺ فقلت: يا نبى الله إنه قد غلبنى على دوس الزنا، فادع الله عليهم، فقال: «اللهم اهد دوسا» ثم قال «ارجع إلى قومك فادعهم إلى الله وارفق بهم» ، فرجعت إليهم فلم أزل بأرض دوس أدعوهم إلى الله، ثم قدمت على رسول الله- ﷺ بخيبر، فنزلت المدينة بسبعين أو ثمانين بيتا من دوس. ثم لحقنا برسول الله- ﷺ بخيبر فأسهم لنا مع المسلمين «١» . وهذا يدل على تقدم إسلامه، وقد جزم ابن أبى حاتم بأنه قدم مع أبى هريرة بخيبر، وكأنها قدمته الثانية.
نا برسول الله- ﷺ بخيبر فأسهم لنا مع المسلمين «١» . وهذا يدل على تقدم إسلامه، وقد جزم ابن أبى حاتم بأنه قدم مع أبى هريرة بخيبر، وكأنها قدمته الثانية.
وقدم عليه- ﷺ وفد نصارى نجران «١» ، فلما دخلوا المسجد النبوى بعد العصر حانت صلاتهم، فقاموا يصلون فيه، فأراد الناس منعهم فقال ﷺ دعوهم، فاستقبلوا المشرق فصلوا صلاتهم. وكانوا ستين راكبا، منهم أربعة وعشرون رجلا من أشرافهم، والأربعة والعشرون منهم ثلاثة نفر إليهم يئول أمرهم، العاقب، أمير القوم، وذو رأيهم وصاحب مشورتهم واسمه عبد المسيح. والسيد: صاحب رحلهم ومجتمعهم، واسمه الأيهم- بتحتانية ساكنة- ويقال شرحبيل. وأبو حارثة بن علقمة أخو بكر بن وائل، قد شرف فيهم ودرس كتبهم، وكانت ملوك الروم من أهل النصرانية قد شرفوه ومولوه، وكان يعرف أمر النبى- ﷺ وشأنه وصفته مما علمه من الكتب المتقدمة. ولكن حمله جهله على الاستمرار فى النصرانية، لما يرى من تعظيمه ووجاهته عند أهلها. فدعاهم النبى- ﷺ إلى الإسلام، وتلا عليهم القرآن فامتنعوا، فقال: «إن أنكرتم ما أقول فهلم أباهلكم» «٢» . وفى البخارى من حديث حذيفة، (جاء السيد والعاقب صاحبا نجران إلى رسول الله- ﷺ يريدان أن يلاعناه- يعنى يباهلاه- فقال أحدهما لا تفعل) «٣» . وعند أبى نعيم: أن القائل ذلك هو السيد، وعند غيره: بل الذى قال ذلك هو العاقب، لأنه صاحب رأيهم، وفى زيادات يونس بن بكير فى المغازى أن الذى قال ذلك هو شرحبيل. (فو الله لئن كان نبيّا فلاعناه- يعى: باهلناه- لا نفلح نحن ولا عقبنا من بعدنا- زاد فى رواية ابن مسعود: أبدا- ثم قالا: إنا نعطيك ما سألتنا، وابعث
بيل. (فو الله لئن كان نبيّا فلاعناه- يعى: باهلناه- لا نفلح نحن ولا عقبنا من بعدنا- زاد فى رواية ابن مسعود: أبدا- ثم قالا: إنا نعطيك ما سألتنا، وابعث
معنا رجلا أمينا، ولا تبعث معنا إلا أمينا، فقال: «لأبعثن معكم رجلا أمينا حق أمين» فاستشرف لها أصحاب رسول الله- ﷺ فقال: «قم يا أبا عبيدة ابن الجراح» فلما قام قال رسول الله- ﷺ: «هذا أمين هذه الأمة» «١» . وفى رواية يونس بن بكير أنه صالحهم على ألفى حلة، ألف فى رجب وألف فى صفر، ومع كل حلة أوقية، وساق الكتاب الذى بينهم مطولا. وذكر ابن سعد: أن السيد والعاقب رجعا بعد ذلك وأسلما. وفى ذلك مشروعية مباهلة المخالف إذا أصر بعد ظهور الحجة. ووقع ذلك لجماعة من العلماء سلفا وخلفا، ومما عرف بالتجربة أن من باهل وكان مبطلا لا تمضى عليه سنة من يوم المباهلة. وقدم عليه- ﷺ رسول فروة بن عمرو الجذامى ملك الروم وكان منزله معان- بإسلامه، وأهدى له بغلة بيضاء، ولما بلغ الروم ذلك من إسلامه طلبوه حتى أخذوه، فحبسوه ثم صلبوه على ماء بفلسطين، وضربوا عنقه على ذلك الماء «٢» . وقدم عليه- ﷺ ضمام بن ثعلبة، بعثه بنو سعد بن بكر «٣» . روى البخارى من حديث أنس بن مالك قال، (بينما نحن جلوس مع النبى- ﷺ فى المسجد دخل رجل على جمل فأناخه فى المسجد ثم عقله، ثم قال: أيكم محمد؟ والنبى- ﷺ متكىء بين ظهرانيهم، فقلنا: هذا الرجل الأبيض المتكىء، فقال له الرجل: ابن عبد المطلب؟ فقال النبى ﷺ: «قد أجبتك» . فقال: إنى سائلك فمشدد عليك فى المسألة فلا تجد على فى نفسك. فقال: «سل عما بدا لك» . فقال: أسألك بربك ورب من قبلك، آلله أرسلك إلى الناس كلهم؟ فقال: «اللهم نعم» فقال: أنشدك بالله، آلله أمرك أن نصلى الصلوات الخمس فى اليوم والليلة؟ قال: «اللهم نعم» .
فقال: أنشدك بالله، آلله أمرك أن نصوم هذا الشهر من السنة؟ قال: «اللهم نعم» . قال: أنشدك بالله، آلله أمرك أن تأخذ هذه الصدقة من أغنيائنا فتقسمها على فقرائنا. فقال النبى- ﷺ: «اللهم نعم» . فقال الرجل: آمنت بما جئت به وأنا رسول من ورائى من قومى وأنا ضمام بن ثعلبة، أخو بنى سعد بن بكر) «١» . وزاد ابن إسحاق فى مغازيه: فقال: آلله أمرك أن نعبده ولا نشرك به شيئا وأن نخلع هذه الأنداد التى كان آباؤنا يعبدون؟ فقال- ﷺ: «اللهم نعم» . قال: وكان ضمام رجلا جلدا أشقر ذا غديرتين، ثم أتى بعيره وأطلق عقاله ثم خرج حتى أتى قومه فاجتمعوا إليه، وكان أول ما تكلم به أن قال: بئست اللات والعزى فقالوا: مه يا ضمام اتق البرص والجنون والجذام، قال: ويلكم، إنهما لا يضران ولا ينفعان. إن الله قد بعث رسولا وأنزل عليه كتابا استنقذكم به، وإنى أشهد ألاإله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وإنى قد جئتكم من عنده بما أمركم به ونهاكم عنه، فو الله ما أمسى فى ذلك اليوم فى حاضره رجل ولا امرأة إلا مسلما. قال ابن عباس: فما سمعنا بوافد قوم كان أفضل من ضمام بن ثعلبة «٢» . وفد طارق بن عبد الله وقومه «٣» . روى البيهقى عن جامع بن شداد قال: حدثنى رجل يقال له طارق بن عبد الله قال: إنى لقائم بسوق ذى المجاز إذ أقبل رجل وهو يقول: يا أيها الناس قولوا لا إله إلا الله تفلحوا، ورجل يتبعه يرميه بالحجارة يقول: يا أيها الناس إنه كذاب فلا تصدقوه، فقلت من
المجاز إذ أقبل رجل وهو يقول: يا أيها الناس قولوا لا إله إلا الله تفلحوا، ورجل يتبعه يرميه بالحجارة يقول: يا أيها الناس إنه كذاب فلا تصدقوه، فقلت من
هذا؟ فقالوا: هذا غلام من بنى هاشم يزعم أنه رسول الله. قال قلت: من هذا الذى يفعل به هذا؟ قالوا: هذا عمه عبد العزى. قال: فلما أسلم الناس وهاجروا، خرجنا من الربذة نريد المدينة نمتار من تمرها، فلما دنونا من حيطانها قلنا: لو نزلنا فلبسنا ثيابا غير هذه، فإذا رجل فى طمرين له فسلم وقال: من أين أقبل القوم؟ قلنا: من الربذة، قال: وأين تريدون؟ قلنا: نريد المدينة، قال: ما حاجتكم فيها؟ قلنا: نتمار من تمرها، قال: ومعنا ظعينة لنا، ومعنا جمل أحمر مخطوم، فقال: أتبيعون جملكم هذا؟ قالوا: نعم بكذا وكذا صاعا من تمر، فأخذ بخطام الجمل فانطلق، فلما توارى عنا بحيطان المدينة ونخلها قلنا: ما صنعنا، والله ما بعنا جملنا ممن نعرف ولا أخذنا له ثمنا. قال: تقول المرأة التى معنا: والله لقد رأيت رجلا كأن وجهه قطعة القمر ليلة البدر، أنا ضامنة لثمن جملكم. وفى رواية ابن إسحاق قالت الظعينة: فلا تلاوموا، لقد رأيت وجه رجل لا يغدر بكم، ما رأيت شيئا أشبه بالقمر ليلة البدر من وجهه، إذ أقبل رجل فقال: أنا رسول رسول الله إليكم، هذا تمركم فكلوا واشبعوا واكتالوا واستوفوا، فأكلنا حتى شبعنا، وأكلنا واستوفينا، ثم دخلنا المدينة، فلما دخلنا المسجد إذا هو قائم على المنبر يخطب الناس فأدركنا من خطبته وهو يقول: «تصدقوا فإن الصدقة خير لكم، اليد العليا خير من اليد السفلى» . وقدم عليه- ﷺ وفد تجيب «١» ، وهم من السكون، ثلاثة عشر رجلا، قد ساقوا معهم صدقات أموالهم التى فرض الله عليهم، فسر ﵇ بهم وأكرم منزلهم، وأمر بلالا أن يحسن ضيافتهم، ثم جاؤا رسول الله- ﷺ يودعونه فأمر بلالا فأجازهم بأرفع مما كان يجيز به الوفود. قال: «هل بقى منكم أحد؟» قالوا: غلام خلفناه على رحالنا وهو أحدثنا سنّا، قال: «أرسلوه إلينا» فلما أقبل الغلام على رسول الله- ﷺ فقال: يا
جيز به الوفود. قال: «هل بقى منكم أحد؟» قالوا: غلام خلفناه على رحالنا وهو أحدثنا سنّا، قال: «أرسلوه إلينا» فلما أقبل الغلام على رسول الله- ﷺ فقال: يا
رسول الله، إن حاجتى ليست كحاجة أصحابى، وإن كانوا راغبين فى الإسلام، والله ما أخرجنى من بلادى إلا أن تسأل الله أن يغفر لى ويرحمنى وأن يجعل غناى فى قلبى، فقال- ﷺ: «اللهم اغفر له وارحمه واجعل غناه فى قلبه» ثم أمر له بما أمر به لرجل من أصحابه. ثم انطلقوا راجعين إلى أهليهم. ثم وافوا رسول الله- ﷺ بمنى سنة عشر، فقال: «ما فعل الغلام؟» قالوا: يا رسول الله ما رأينا مثله قط، ولا حدثنا بأقنع منه بما رزقه الله، لو أن الناس اقتسموا الدنيا ما نظر نحوها ولا التفت إليها. قدوم وفد بنى سعد هذيم من قضاعة «١» : روى الواقدى عن ابن النعمان عن أبيه من سعد هذيم قال: قدمت على رسول الله- ﷺ وافدا فى نفر من قومى، فنزلنا ناحية من المدينة ثم خرجنا نؤم المسجد الحرام، فقمنا ناحية ولم ندخل مع الناس فى صلاتهم حتى نلقى رسول الله- ﷺ ونبايعه، ثم بايعناه- ﷺ على الإسلام ثم انصرفنا إلى رحالنا. وقد كنا خلفنا أصغرنا، فبعث- ﷺ فى طلبنا فأتى بنا إليه، فتقدم صاحبنا إليه فبايعه على الإسلام، فقلنا يا رسول الله، إنه أصغرنا وخادمنا، فقال: «أصغر القوم خادمهم، بارك الله عليك» قال: فكان والله خيرنا وأقرأنا بدعاء رسول الله- ﷺ، ثم أمّره علينا، فكان يؤمنا مرجعنا إلى قومنا، فرزقهم الله الإسلام. وقد بنى فزارة «٢» : قال أبو الربيع بن سالم فى كتاب الاكتفاء: ولما رجع رسول الله- ﷺ من تبوك، قدم عليه وفد بنى فزارة، بضعة عشر رجلا فيهم خارجة بن حصن، والحر بن قيس، ابن أخى عيينة بن حصن، وهو أصغرهم، مقرين بالإسلام، وهم مسنتون، على ركاب عجاف، فسألهم
- ﷺ عن بلادهم فقال أحدهم، يا رسول الله، أسنتت بلادنا وهلكت مواشينا، وأجدب جنابنا، وغرث عيالنا، فادع لنا ربك يغيثنا، واشفع لنا إلى ربك، وليشفع لنا ربك إليك. فقال- ﷺ: «سبحان الله!! ويلك، هذا إنما شفعت إلى ربى- ﷿: فمن ذا الذى يشفع ربنا إليه؟ لا إله إلا هو العلى العظيم، وسع كرسيه السماوات والأرض، فهى تئط من عظمته وجلاله، كما يئط الرحل الجديد» «١» . وقال- ﷺ: «إن الله ﷿ ليضحك من شفقكم وقرب غياثكم» . فقال الأعرابى: يا رسول الله، ويضحك ربنا ﷿؟ قال: «نعم» . فقال الأعرابى: لن نعدمك من رب يضحك خيرا. فضحك- ﷺ من قوله وصعد المنبر فرفع يديه حتى رؤى بياض إبطيه، وكان مما حفظ من دعائه: «اللهم اسق بلدك الميت، اللهم اسقنا غيثا مغيثا مربعا طبقا واسعا عاجلا غير آجل، نافعا غير ضار، اللهم سقيا رحمة لا سقيا عذاب ولا هدم ولا غرق ولا محق. اللهم اسقنا الغيث وانصرنا على الأعداء» «٢» ، الحديث رواه ابن سعد والبيهقى، ويأتى تمامه- إن شاء الله تعالى- فى الاستسقاء فى مقصد عباداته- ﷺ. وقدم عليه- ﷺ وفد بنى أسد «٣» ، عشرة رهط فيهم وابصة بن معبد، وطلحة بن خويلد، ورسول الله- ﷺ جالس مع أصحابه، فقال متكلمهم: يا رسول الله إنا شهدنا أن الله وحده لا شريك له، وأنك عبده ورسوله، وجئناك ولم تبعث إلينا بعثا. فأنزل الله تعالى: يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ «٤» .
َيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ «٤» .
وقدم عليه- ﷺ وفد بهراء «١» من اليمن «٢» ، وكانوا ثلاثة عشر رجلا، فلما انتهوا إلى باب المقداد رحب بهم، وقدم لهم جفنة من حيس، فأكلوا منها حتى نهلوا. وردت القصعة وفيها شىء، فجمع فى قصعة صغيرة وأرسل بها إلى رسول الله- ﷺ فى بيت أم سلمة، فأصاب منها هو ومن معه فى البيت حتى نهلوا، ثم أكل منها الضيف ما أقاموا، يرددون ذلك عليهم وما تغيض، حتى جعلوا يقولون: يا أبا معبد، إنك لتنهلنا من أحب الطعام إلينا، وما كنا نقدر على مثل هذا إلا فى الحين، فأخبرهم أبو معبد بخبر رسول الله- ﷺ أنه أكل منها وردها، وأن هذه بركة أصابعه- ﷺ، فجعل القوم يقولون: نشهد أنه رسول الله، وازدادوا يقينا، وتعلموا الفرائض، وأقاموا أياما، ثم ودعوا رسول الله- ﷺ فأمر لهم بجوائز وانصرفوا إلى أهليهم. وقدم عليه- ﷺ وفد عذرة «٣» ، فى صفر سنة تسع، وكانوا اثنى عشر رجلا، منهم جمرة بن النعمان، فرحب بهم- ﷺ، فأسلموا وبشرهم بفتح الشام وهرب هرقل إلى ممتنع من بلاده، ثم انصرفوا وقد أجيزوا. وقدم عليه- ﷺ وفد بلى «٤» ، فأسلموا، فقال- ﷺ: «الحمد لله الذى هداكم للإسلام، فكل من مات على غير الإسلام فهو فى النار» . ثم ودعوا رسول الله- ﷺ بعد أن أجازهم. وقدم عليه- ﷺ وفد بنى مرة «٥» وكانوا ثلاثة عشر رجلا، ورئيسهم
للإسلام، فكل من مات على غير الإسلام فهو فى النار» . ثم ودعوا رسول الله- ﷺ بعد أن أجازهم. وقدم عليه- ﷺ وفد بنى مرة «٥» وكانوا ثلاثة عشر رجلا، ورئيسهم
الحارث بن عوف، فقال لهم- ﷺ: «كيف البلاد؟» فقالوا: والله إنا لمسنتون، فادع الله لنا، فقال- ﵇: «اللهم اسقهم الغيث» . ثم أقاموا أياما ورجعوا بالجائزة فوجدوا بلادهم قد أمطرت فى ذلك اليوم الذى دعا لهم فيه رسول الله- ﷺ. وقدم عليه- زاده الله شرفا لديه- وفد خولان «١» ، فى شعبان سنة عشر، وكانوا عشرة، فقالوا: يا رسول الله، نحن مؤمنون بالله مصدقون برسوله، وقد ضربنا إليك آباط الإبل، وركبنا حزون الأرض وسهولها، والمنة لله ولرسوله علينا، وقدمنا زائرين لك. فقال- ﷺ: «أما ما ذكرتم من مسيركم إلى فإن لكم بكل خطوة خطاها بعير أحدكم حسنة، وأما قولكم زائرين لك، فإنه من زارنى بالمدينة كان فى جوارى يوم القيامة» . ثم قال- ﷺ: «ما فعل صنم خولان الذى كانوا يعبدونه؟» قالوا: بدلنا الله به ما جئت به، إلا أن عجوزا وشيخا كبيرين يتمسكان به، وإن قدمنا عليه هدمناه إن شاء الله تعالى. ثم علمهم- ﷺ فرائض الدين، وأمرهم بالوفاء بالعهد، وأداء الأمانة، وحسن الجوار، وألايظلموا أحدا، ثم أجازهم ورجعوا إلى قومهم، وهدموا الصنم. وقدم عليه- ﷺ وفد محارب «٢» عام حجة الوداع، وكانوا أغلظ العرب وأفظهم عليه أيام عرضه على القبائل يدعوهم إلى الله، فجاءه- ﷺ منهم عشرة فأسلموا، ثم انصرفوا إلى أهليهم. وقدم عليه- ﷺ وفد صداء «٣» فى سنة ثمان، وذلك أنه لما انصرف
أيام عرضه على القبائل يدعوهم إلى الله، فجاءه- ﷺ منهم عشرة فأسلموا، ثم انصرفوا إلى أهليهم. وقدم عليه- ﷺ وفد صداء «٣» فى سنة ثمان، وذلك أنه لما انصرف
من الجعرانة بعث قيس بن سعد عبادة فى أربعمائة، وأمره أن يطأ ناحية من اليمن فيها صداء، فقدم رجل منهم علم بالبعث على رسول الله- ﷺ فقال: يا رسول الله اردد الجيش، وأنا لك بقومى، فرد قيسا. ورجع الصدائى إلى قومه فقدم على رسول الله- ﷺ خمسة عشر رجلا منهم، فبايعوه على الإسلام ورجعوا إلى قومهم ففشا فيهم الإسلام، فوافى رسول الله- ﷺ منهم مائة رجل فى حجة الوداع. ذكره الواقدى. وذكر من حديث زياد بن الحارث الصدائى أنه الذى قدم على رسول الله ﷺ فقال له: اردد الجيش، وقال: كان زياد هذا معه- ﷺ فى بعض أسفاره وأنه- ﷺ قال له: «يا أخا صداء هل معك ماء؟» قلت: معى شىء فى إداوتى، فقال: «صبه» ، فصببته فى قعب ثم وضع- ﵊ كفه فيه فرأيت الماء ينبع من بين أصابعه عينا تفور. وقدم عليه- ﷺ وفد غسان «١» ، فى شهر رمضان سنة عشر، وكانوا ثلاثة نفر، فأسلموا وأجازهم- ﷺ بجوائز، وانصرفوا راجعين. وقدم عليه- ﷺ وفد سلامان «٢» فى شوال سنة عشر، كما قال الواقدى، وكانوا سبعة نفر، فيهم حبيب بن عمرو، فأسلموا وشكوا إليه جدب بلادهم فدعا لهم ثم ودعوه وأمر لهم بالجوائز، ورجعوا إلى بلادهم فوجدوها قد أمطرت فى اليوم الذى دعا لهم فيه رسول الله- ﷺ تلك الساعة. وقدم عليه- ﷺ وفد بنى عبس «٣» ، فقالوا: يا رسول الله، قدم علينا قراؤنا فأخبرونا أنه لا إسلام لمن لا هجرة له، ولنا أموال ومواش، فإن كان لا
إسلام لمن لا هجرة له بعناها وهاجرنا، فقال- ﷺ: «اتقوا الله حيث كنتم فلن يلتكم عن أعمالكم شيئا» «١» . وقدم عليه وفد غامد «٢» سنة عشر، وكانوا عشرة، فأقروا بالإسلام وكتب لهم كتابا فيه شرائع الإسلام، وأمر أبى بن كعب فعلمهم قرآنا، وأجازهم- ﷺ وانصرفوا. وقدم عليه وفد الأزد «٣» ، ذكر أبو نعيم فى كتاب معرفة الصحابة، وأبو موسى المدينى، من حديث أحمد بن أبى الحوارى، قال: سمعت أبا سليمان الدارانى. قال: حدثنى علقمة بن يزيد بن سويد الأزدى قال: حدثنى أبى عن جدى قال: وفدت سابع سبعة من قومى على رسول الله- ﷺ فلما دخلنا عليه وكلمناه أعجبه ما رأى من سمتنا فقال: «ما أنتم» قلنا مؤمنون فتبسم- ﷺ وقال: «إن لكل قول حقيقة فما حقيقة قولكم وإيمانكم؟» قلنا: خمس عشرة خصلة، خمس منها أمرتنا رسلك أن نؤمن بها، وخمس أمرتنا أن نعمل بها، وخمس تخلقنا بها فى الجاهلية فنحن عليها إلا أن تكره منها شيئا، فقال ﷺ: «ما الخمس التى أمرتكم بها رسلى؟» . قلنا: أمرتنا أن نؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت. قال: «وما الخمس التى أمرتكم أن تعملوا بها؟» . قلنا: أمرتنا أن نقول لا إله إلا الله ونقيم الصلاة ونؤتى الزكاة، ونصوم رمضان ونحج البيت إن استطعنا إليه سبيلا. قال: «وما الخمس التى تخلقتم بها فى الجاهلية؟» . قلنا: الشكر عند الرخاء، والصبر عند البلاء، والرضا بمر القضاء، والصدق فى مواطن اللقاء، وترك الشماتة بالأعداء.
ا الخمس التى تخلقتم بها فى الجاهلية؟» . قلنا: الشكر عند الرخاء، والصبر عند البلاء، والرضا بمر القضاء، والصدق فى مواطن اللقاء، وترك الشماتة بالأعداء.
فقال- ﷺ: «حكماء علماء، كادوا من فقههم أن يكونوا أنبياء» ، ثم قال: «وأنا أزيدكم خمسا فتتم لكم عشرون خصلة، إن كنتم كما تقولون، فلا تجمعوا ما لا تأكلون، ولا تبنوا ما لا تسكنون، ولا تنافسوا فى شىء أنتم عنه غدا زائلون، واتقوا الله الذى إليه ترجعون وعليه تعرضون، وارغبوا فيما عليه تقدمون، وفيه تخالدون» . فانصرفوا وقد حافظوا وصيته- ﷺ وعملوا بها «١» . وقدم عليه- ﷺ وفد بنى المنتفق. روى عبد الله، ابن الإمام أحمد فى مسند أبيه عن دلهم بن الأسود عن عاصم بن لقيط، أن لقيط بن عامر بن صبرة بن عبد الله بن المنتفق بن عامر بن عقيل بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة، أبا رزين العقيلى، المعدود فى أهل الطائف، خرج وافدا إلى رسول الله- ﷺ ومعه صاحب له يقال له نهيك بن عاصم بن مالك بن المنتفق، فوافيناه- ﷺ حين انصرف من صلاة الغداة، فقام فى الناس خطيبا فقال: «يا أيها الناس، ألا إنى قد خبأت لكم صوتى منذ أربعة أيام لتسمعوا اليوم، ألا فهل من امرىء بعثه قومه» فقالوا له اعلم لنا ما يقول رسول الله- ﷺ، ألا ثم لعله يلهيه حديث نفسه أو حديث صاحبه، ألا وإنى مسئول هل بلغت، ألا اسمعوا تعيشوا ... الحديث. وفيه ذكر البعث والنشور والجنة والنار، وفيه: ثم قلت: يا رسول الله، علام أبايعك؟ فبسط- ﷺ يده وقال: «على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة وألاتشرك بالله شيئا» «٢» . وقدم عليه- ﷺ وفد النخع «٣» ، وهم آخر الوفود قدوما عليه. وكان قدومهم فى نصف المحرم سنة إحدى عشرة، فى مائتى رجل، فنزلوا دار الأضياف، ثم جاؤا إلى رسول الله- ﷺ مقرين بالإسلام، وقد كانوا بايعوا معاذ بن جبل.
ه. وكان قدومهم فى نصف المحرم سنة إحدى عشرة، فى مائتى رجل، فنزلوا دار الأضياف، ثم جاؤا إلى رسول الله- ﷺ مقرين بالإسلام، وقد كانوا بايعوا معاذ بن جبل.
فقال رجل منهم، يقال له زرارة بن عمرو، يا رسول الله إنى رأيت فى سفرى هذا عجبا، قال: «وما رأيت؟» قال: رأيت أتانا تركتها كأنها ولدت جديا أسفع أحوى «١» ، فقال له رسول الله- ﷺ: «هل تركت لك مصرة «٢» على حمل؟» قال: نعم، قال: «فإنها قد ولدت غلاما وهو ابنك» ، قال يا رسول الله: ما باله أسفع أحوى؟ قال: «ادن منى» ، فدنا منه، قال: هل بك من برص تكتمه؟ قال: والذى بعثك بالحق نبيّا ما علم به أحد، ولا اطلع عليه غيرك، قال: «فهو ذلك» . قال: يا رسول الله، ورأيت النعمان بن المنذر عليه قرطان مدلجيان ومسكتان. قال: «ذلك ملك العرب رجع إلى أحسن زيه وبهجته» . قال: يا رسول الله، ورأيت عجوزا شمطاء، خرجت من الأرض. قال: «تلك بقية الدنيا» . قال: ورأيت نارا خرجت من الأرض فحالت بينى وبين ابن لى يقال لى عمرو، قال رسول الله- ﷺ: «تلك فتنة تكون فى آخر الزمان» . قال: يا رسول الله، وما الفتنة؟ قال: «يقتل الناس إمامهم» - وخالف رسول الله ﷺ بين أصابعه- «يحسب المسىء فيها أنه محسن، ويكون دم المؤمن عند المؤمن أحلى من شرب الماء، إن مات ابنك أدركت الفتنة، وإن مت أدركها ابنك» . قال: يا رسول الله ادع الله ألاأدركها، فقال رسول الله- ﷺ: «اللهم لا يدركها» . فمات فبقى ابنه فكان ممن خلع عثمان بن عفان رضى الله عنه- «٣» . انتهى ملخصا من الهدى النبوى، والله الموفق وسيأتى هذا- إن شاء الله تعالى- فى تعبيره- ﷺ الرؤيا من المقصد الثامن.
فهرس المحتويات الموضوع الصفحة المقدمة ٣ ترجمة المؤلف ١٤ مقدمة المؤلف ٢٩ المقصد الأول تشريف الله تعالى له- ﷺ ٣٩ طهارة نسبه- ﷺ ٥٦ آيات حمله- ﷺ ٧١ آيات ولادته- ﷺ ٧٦ ذكر رضاعه- ﷺ ٨٩ ذكر حضانته- ﷺ ١١٢
دقائق حقائق بعثته- ﷺ ١١٨ فصل فى ترتيب الدعوة النبوية ١٣٤ هجرته- ﷺ ١٤٥ رؤيا الأذان ١٩١ مغازيه وسراياه وبعوثه- ﷺ ١٩٩ غزوة قرقرة الكدر ٢٣١ غزوة حمراء الأسد ٢٥٧ غزوة بنى النضير ٢٦٧ غزوة ذات الرقاع ٢٧١ غزوة بدر ٢٧٦ غزوة دومة الجندل ٢٧٧ غزوة بنى المصطلق ٢٧٨ غزوة الخندق ٢٨٢ غزوة بنى قريظة ٢٩٣
غزوة بنى لحيان ٣٠٣ غزوة الغابة ٣٠٤ سرية ابن رواحة إلى ابن رزام ٣١٢ صلح الحديبية ٣١٦ غزوة خيبر ٣٣٦ عمرة القضاء ٣٥٣ غزوة مؤتة ٣٦٠ غزوة الطائف ٤٠٥ غزوة تبوك ٤١٨ حجة أبى بكر ٤٢٩ المقصد الثانى الفصل الأول فى ذكر أسمائه الشريفة المنبئة عن كمال صفاته المنيفة ٤٤١
الفصل الثانى فى ذكر أولاده الكرام- عليه وعليهم الصلاة والسلام- ٤٧٨ الفصل الثالث فى ذكر أزواجه الطاهرات وسراريه المطهرات ٤٩٠ الفصل الرابع فى أعمامه وعماته وإخواته من الرضاعة وجداته ٥١٣ الفصل الخامس فى خدمه وحرسه ومواليه ومن كان على نفقاته وخاتمه ونعله وسواكه ومن يأذن عليه ومن كان يضرب الأعناق بين يديه ٥٢٥ الفصل السادس فى أمرائه ورسله وكتّابه وكتبه إلى أهل الإسلام فى الشرائع والأحكام، ومكاتباته إلى الملوك وغيرهم من الأنام ٥٣١ الفصل السابع فى مؤذنيه وخطبائه وحداته وشعرائه ٥٥٨
الفصل الثامن فى آلات حروبه- ﷺ ٥٦٢ الفصل التاسع فى ذكر خيله- ﷺ ولقاحه ودوابه ٥٦٥ الفصل العاشر فى ذكر من وفد عليه- ﷺ وزاده فضلا وشرفا لديه ٥٦٩ فهرس المحتويات ٦٠١
الجزء الثاني [المقصد الثالث]
الفصل الأول فى كمال خلقته وجمال صورته ﷺ وشرفه وكرمه اعلم أن من تمام الإيمان به- ﷺ الإيمان بأن الله تعالى جعل خلق بدنه الشريف على وجه لم يظهر قبله ولا بعده خلق آدمى مثله، فيكون ما يشاهد من خلق بدنه آيات على ما يتضح لك من عظيم خلق نفسه الكريمة، وما يتضح من عظيم أخلاق نفسه آيات على ما تحقق له من سر قلبه المقدس، ولله در الأبوصيرى حيث قال: فهو الذى تم معناه وصورته ... ثم اصطفاه حبيبا بارئ النسم منزه عن شريك فى محاسنه ... فجوهر الحسن فيه غير منقسم يعنى: حقيقة الحسن الكامل كائنة فيه، لأنه الذى تم معناه دون غيره، وهى غير منقسمة بينه وبين غيره، وإلا لما كان حسنه تامّا، لأنه إذا انقسم لم ينله إلا بعضه فلا يكون تامّا. وفى الأثر: أن خالد بن الوليد خرج فى سرية من السرايا، فنزل ببعض الأحياء فقال له سيد ذلك الحى: صف لنا محمدا فقال: أما إنى أفصل فلا، فقال الرجل: أجمل، فقال: الرسول على قدر المرسل، ذكره ابن المنير فى أسرار الإسرار. فمن ذا الذى يصل قدره أن يقدر قدر الرسول، أو يبلغ من الاطلاع على مأثور أحواله المأمول والمسئول؟! وقد حكى القرطبى- فى كتاب الصلاة- عن بعضهم أنه قال: لم يظهر لنا تمام حسنه- ﷺ، لأنه لو ظهر لنا تمام حسنه لما أطاقت أعيننا رؤيته- ﷺ. ولقد أحسن الأبوصيرى أيضا حيث قال: أعيى الورى فهم معناه فليس يرى ... للقرب والبعد فيه غير منفحم كالشمس تظهر للعينين من بعد ... صغيرة وتكل الطرف من أمم
لقد أحسن الأبوصيرى أيضا حيث قال: أعيى الورى فهم معناه فليس يرى ... للقرب والبعد فيه غير منفحم كالشمس تظهر للعينين من بعد ... صغيرة وتكل الطرف من أمم
وهذا مثل قوله أيضا: إنما مثلوا صفاتك للنا ... س كما مثل النجوم الماء وأشار بقوله «تظهر» إلى وجه التشبيه بالشمس لا مطلقا، ولقد بين عيب التشبيه بها على الإطلاق أبو النواس حيث قال: تتيه الشمس والقمر المنير ... إذا قلنا كأنهما الأمير لأن الشمس تغرب حين تمسى ... وأن البدر ينقصه المسير وهذه التشبيهات الواردة فى حقه- ﷺ إنما هى على سبيل التقريب والتمثيل، وإلا فذاته أعلى ومجده أغلى. فأما رأسه الشريف المقدس فحسبك ما ذكره الترمذى فى جامعه بسنده إلى هند بن أبى هالة قال: كان رسول الله- ﷺ عظيم الهامة «١» . وقال نافع بن جبير: وصف لنا على- رضى الله عنه- رسول الله- ﷺ فقال: كان عظيم الهامة «٢» . وأما وجهه الشريف فحسبك ما روى الشيخان من حديث البراء قال: كان رسول الله- ﷺ أحسن الناس وجها، وأحسنهم خلقا، ليس بالطويل الذاهب، ولا بالقصير البائن «٣» . وعن أبى هريرة: ما رأيت شيئا أحسن من رسول الله- ﷺ كأن الشمس تجرى فى وجهه «٤» رواه الترمذى والبيهقى وأحمد وابن حبان.
الذاهب، ولا بالقصير البائن «٣» . وعن أبى هريرة: ما رأيت شيئا أحسن من رسول الله- ﷺ كأن الشمس تجرى فى وجهه «٤» رواه الترمذى والبيهقى وأحمد وابن حبان.
قال الطيبى: شبه جريان الشمس فى فلكها بجريان الحسن فى وجهه- ﷺ، قال: ويحتمل أن يكون من تناهى التشبيه جعل وجهه مقرّا ومكانا للشمس ولله در القائل: لم لا يضىء بك الوجود وليله ... فيه صباح من جمالك مسفر فبشمس حسنك كل يوم مشرق ... وببدر وجهك كل ليل مقمر وفى البخارى: سئل البراء: أكان وجه رسول الله- ﷺ مثل السيف؟ فقال: لا، بل مثل القمر «١» . وكأن السائل أراد مثل السيف فى الطول، فرد عليه البراء فقال: بل مثل القمر، أى فى التدوير، ويحتمل أن يكون أراد مثل السيف فى اللمعان والصقالة، فقال: بل فوق ذلك، وعدل إلى القمر لجمعه الصفتين من التدوير واللمعان. وقال الحافظ النسابة أبو الخطاب بن دحية- رحمه الله تعالى- فى كتابه «التنوير فى مولد البشير النذير- ﷺ وشرف وعظم وكرم» ، عند إيراد حديث البراء المذكور ما لفظه: ففى هذا الحديث من العلم أن التشبيه ممن لا يحسنه لا يصلح الإقرار عليه، لأن السائل شبه وجه رسول الله- ﷺ بالسيف، ولو شبهه بالشمس لكان أولى، فرد عليه البراء قوله وقال: بل مثل القمر، وأبدع فى تشبيهه، لأن القمر يملأ الأرض بنوره، ويؤنس كل من يشاهده، ونوره من غير حر يفزع، ولا كلل ينزع، والناظر إلى القمر متمكن من النظر بخلاف الشمس التى تغشى البصر وتجلب للناظر الضرر. انتهى. وفى رواية مسلم من حديث جابر بن سمرة، وقال له رجل: أكان وجه رسول الله- ﷺ مثل السيف؟ فقال: لا، بل مثل الشمس والقمر وكان مستديرا «٢» . وإنما قال: مستديرا للتنبيه على أنه جمع الصفتين، لأن قوله: مثل
رجل: أكان وجه رسول الله- ﷺ مثل السيف؟ فقال: لا، بل مثل الشمس والقمر وكان مستديرا «٢» . وإنما قال: مستديرا للتنبيه على أنه جمع الصفتين، لأن قوله: مثل
السيف يحتمل أن يريد به الطول، ويحتمل أن يريد به اللمعان كما تقدمت إليه الإشارة فيما سبق من العبارة، فرده المسئول ردّا بليغا، ولما جرى التعارف به من أن التشبيه بالشمس إنما يراد به غالبا الإشراق، وبالقمر إنما يراد به الملاحة دون غيرهما، فقوله وكان مستديرا، أشار به إلى أنه أراد به التشبيه بالصفتين معا: الحسن والاستدارة. وقال المحاربى عن أشعث عن أبى إسحاق عن جابر بن سمرة. أنه قال: رأيت رسول الله- ﷺ فى ليلة إضحيان وعليه حلة حمراء، فجعلت أنظر إليه وإلى القمر، فلهو كان أحسن فى عينى من القمر «١» ، وفى رواية: بعد قوله حمراء: فجعلت أماثل بينه وبين القمر. وروى الترمذى والبيهقى عن على أنه نعته- ﷺ فقال: لم يكن بالمطهم ولا بالمكلثم، كان فى وجهه تدوير «٢» . والمكلثم: المدور الوجه، أى لم يكن شديد تدوير الوجه بل فى وجهه تدوير قليل. وفى حديث على عند أبى عبيد فى الغرائب: وكان فى وجهه تدوير قليل، قال أبو عبيد فى شرحه: يريد أنه ما كان فى غاية التدوير، بل كان فيه سهولة وهى أحلى عند العرب. وفى حديث أبى هريرة عند الذهلى «٣» فى الزهريات «٤» فى صفته
- ﷺ: كان أسيل الخدين. قال ابن الأثير: الأسالة فى الخد: الاستطالة وأن لا يكون مرتفع الوجنة. قال شيخ الإسلام الحافظ ابن حجر: ولعل هذا هو الحامل لمن سأله أكان وجهه مثل السيف. وأخرج البخارى عن كعب بن مالك قال: كان رسول الله- ﷺ إذا سرّ استنار وجهه كأنه قطعة قمر، وكنا نعرف ذلك منه «١» . أى الموضع الذى يتبين فيه السرور وهو جبينه. وقالت عائشة- رضى الله عنها-: دخل النبى- ﷺ يوما مسرورا تبرق أسارير وجهه «٢» . ولذلك قال كعب كأنه قطعة قمر. وفى حديث جبير بن مطعم عند الطبرانى: التفت إلينا رسول الله- ﷺ بوجه مثل شقة القمر، فهذا محمول على صفته عند الالتفات. وقد أخرج الطبرانى حديث كعب بن مالك من طرق فى بعضها: كأنه دارة قمر. ويسأل عن السر فى التقييد بالقطعة مع كثرة ما ورد فى كثير من كلام البلغاء من تشبيه الوجه بالقمر بغير تقييد. وقد كان كعب بن مالك قائل هذا من شعراء الصحابة، فلابد من التقييد بذلك من حكمة، وما قيل فى أن ذلك من الاحتراز من السواد الذى فى القمر ليس بقوى، لأن المراد بتشبيهه ما فى القمر من الضياء والاستنارة وهو فى تمامه لا يكون فيها أقل مما فى القطعة المجردة، فكأن التشبيه وقع على بعض الوجه فناسب أن يشبه ببعض القمر.
شبيهه ما فى القمر من الضياء والاستنارة وهو فى تمامه لا يكون فيها أقل مما فى القطعة المجردة، فكأن التشبيه وقع على بعض الوجه فناسب أن يشبه ببعض القمر.
وعن أبى بكر الصديق- رضى الله عنه- قال: كان وجه رسول الله- ﷺ كدارة القمر «١» ، أخرجه أبو نعيم. وروى البيهقى عن أبى إسحاق الهمدانى عن امرأة من همدان- سماها- قالت: حججت مع النبى- ﷺ مرات فرأيته على بعير له يطوف بالكعبة بيده محجن عليه بردان أحمران يكاد يمس شعره منكبه إذا مر بالحجر استلمه بالمحجن ثم يرفعه إلى فمه فيقبله، قال أبو إسحاق: فقلت لها شبهيه قالت: كالقمر ليلة البدر، لم أر قبله ولا بعده مثله- ﷺ «٢» . وروى الدارمى والبيهقى وأبو نعيم والطبرانى عن أبى عبيدة بن محمد ابن عمار بن ياسر قال: قلت للربيع بنت معوذ صفى لى رسول الله- ﷺ، قالت: لو رأيته لقلت: الشمس طالعة «٣» ، وفى لفظ: يا بنى لو رأيته رأيت الشمس طالعة. وروى مسلم عن أبى الطفيل أنه قيل له: صف لنا رسول الله- ﷺ فقال: كان أبيض مليح الوجه «٤» . وفيما أخرجه الترمذى من حديث هند بن أبى هالة «٥» : كان رسول الله- ﷺ فخما مفخما يتلألأ وجهه تلألؤ القمر ليلة البدر «٦» .
ال: كان أبيض مليح الوجه «٤» . وفيما أخرجه الترمذى من حديث هند بن أبى هالة «٥» : كان رسول الله- ﷺ فخما مفخما يتلألأ وجهه تلألؤ القمر ليلة البدر «٦» .
وقالت أم معبد حين وصفته لزوجها: متبلج الوجه، يعنى: مشرقه مضيئه، ومنه تبلج الصبح إذا أسفر، وما أحسن قول سيدى على بن وفا حيث قال: ألا يا صاحب الوجه المليح ... سألتك لا تغيب عنى فأنت روحى متى ما غاب شخصك عن عيانى ... رجعت فلا ترى إلا ضريحى بحقك جد لرقك يا حبيبى ... وداو لوعة القلب الجريح ورقّ لمغرم فى الحب أمسى ... وأصبح بالهوى دنفا طريح محب ضاق بالأشواق ذرعا ... وآوى منك للكرم الفسيح وفى النهاية «١» : أنه- ﵇ كان إذا سر فكأن وجهه المرآة، وكأن الجدر تلاحك وجهه. قال: الملاحكة، شدة الملاءمة، أى يرى شخص الجدر فى وجهه- ﷺ. وفى حديث ابن أبى هالة: يتلألأ وجهه تلألؤ القمر ليلة البدر. وذلك: لأن القمر يملأ الأرض بنوره ويؤنس كل من شاهده، وهو يجمع النور من غير أذى ويتمكن من النظر إليه بخلاف الشمس التى تغشى البصر فتمنع من تمكن الرؤية، والتشبيه بالبدر أبلغ فى العرف من التشبيه بالقمر، لأنه وقت كماله، كما قال الفاروق- رضى الله عنه- حين رآه أو كلما رآه: لو كنت من شىء سوى بشر ... كنت المنور ليلة البدر وقد صادف هذا التشبيه تحقيقا، فمن أسمائه- ﷺ: البدر. ولهذا أنشدوا لما قدم المدينة: طلع البدر علينا ... من ثنيات الوداع ولقد أحسن من قال: كالبدر والكاف إن أنصفت زائدة ... فيه فلا تظننها كافا لتشبيه وما أحلى قول ابن الحلاوى:
المدينة: طلع البدر علينا ... من ثنيات الوداع ولقد أحسن من قال: كالبدر والكاف إن أنصفت زائدة ... فيه فلا تظننها كافا لتشبيه وما أحلى قول ابن الحلاوى:
يقولون يحكى البدر فى الحسن وجهه ... وبدر الدجى عن ذلك الحسن ينحط كما شبهوا غصن النقا «١» بقوامه ... لقد بالغوا فى المدح للغصن واشتطوا فقد حصل للبدر والغصن غاية من الفخر بهذا التشبيه، على أن هذه التشبيهات الواردة فى صفاته- ﷺ إنما هى على عادة الشعراء والعرب، وإلا فلا شىء فى هذه التشبيهات المحدثات يعادل صفاته الخلقية والخلقية، ولله در إمام العارفين سيدى محمد وفا الشاذلى المالكى حيث قال: كم فيه للأبصار حسن مدهش ... كم فيه للأرواح راح مسكر سبحان من أنشاه من سبحاته ... بشرا بأسرار الغيوب يبشر قاسوه جهلا بالغزال تغزلا ... هيهات يشبهه الغزال الأحور هذا وحقك ما له من مشبه ... وأرى المشبه بالغزالة يكفر يأتى عظيم الذنب فى تشبيهه ... لولا لرب جماله يستغفر فخر الملاح بحسنهم وجمالهم ... وبحسنه كل المحاسن تفخر فجماله مجلى لكل جميلة ... وله منار كل وجه نير جنات عدن فى جنى وجناته ... ودليله أن المراشف كوثر هيهات ألهو عن هواه بغيره ... والغير فى حشر الأجانب يحشر كتب الغرام على فى أسفاره ... كتبا تؤول بالهوى وتفسر فدع الدعى وما ادعاه فى الهوى ... فدعيه بالهجر فيه يهجر وعليك بالعلم العليم فإنه ... لخطيبه فى كل خطب منبر وأما بصره الشريف- ﷺ فقد وصفه الله فى كتابه العزيز بقوله: ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى «٢» . وعن ابن عباس- رضى الله عنهما- قال: كان رسول الله- ﷺ يرى بالليل فى الظلمة كما يرى فى النهار فى الضوء «٣» . رواه البخارى.
وعن عائشة- رضى الله عنها- قالت: كان رسول الله- ﷺ يرى فى الظلماء كما يرى فى الضوء «١» . رواه البيهقى. وعن أبى هريرة أنه- ﷺ قال: «هل ترون قبلتى هاهنا، فو الله ما يخفى على ركوعكم ولا سجودكم، إنى لأراكم من وراء ظهرى» «٢» . رواه البخارى ومسلم. وعند مسلم من رواية أنس أنه- ﷺ قال: «أيها الناس، إنى أمامكم فلا تسبقونى بالركوع ولا بالسجود، فإنى أراكم من أمامى ومن خلفى» «٣» . وعن مجاهد: فى قوله تعالى الَّذِي يَراكَ حِينَ تَقُومُ (٢١٨) وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ «٤» قال: كان- ﷺ يرى من خلفه من الصفوف، كما يرى من بين يديه «٥» ، رواه الحميدى فى مسنده، وابن المنذر فى تفسيره. وهذه الرؤية رؤية إدراك: والرؤية لا تتوقف على وجود آلتها التى هى العين- عند أهل الحق- ولا شعاع ولا مقابلة، وهذا بالنسبة إلى القديم «٦» العالى، أما المخلوق فتتوقف صفة الرؤية فى حقه على الحاسة والشعاع والمقابلة بالاتفاق، ولهذا كان خرق عادة فى حقه- ﷺ، وخالق البصر فى العين قادر على خلقه فى غيرها. قال الحرالى: وهذه الآية قد جعلها الله تعالى دالة على ما فى حقيقة أمره فى الاطلاع الباطن لسعة علمه، ومعرفته لما عرف بربه لا بنفسه أطلعه
لقه فى غيرها. قال الحرالى: وهذه الآية قد جعلها الله تعالى دالة على ما فى حقيقة أمره فى الاطلاع الباطن لسعة علمه، ومعرفته لما عرف بربه لا بنفسه أطلعه
الله على ما بين يديه مما تقدم من أمر الله، وعلى ما وراء الوقت مما تأخر من أمر الله، فلما كان على ذلك من الإحاطة فى إدراك مدركات القلوب جعل الله تعالى له- ﷺ مثل ذلك فى مدركات العيون، فكان يرى المحسوسات من وراء ظهره كما يراها من بين يديه كما قال- ﷺ. انتهى. ومن الغريب ما ذكره الزاهدى بختيار محب بن محمود، شارح القدورى فى رسالته الناصرية أنه- ﷺ كان له بين كتفيه عينان كسم الخياط يبصر بهما، ولا تحجبهما الثياب؟؟؟ «١» . وقيل: بل كانت صورهم تنطبع فى حائط قبلته كما تنطبع فى المرآة أمثلتهم فيها، فيشاهد أفعالهم وهذا إن كان نقلا عن الشارع- ﵇ بطريق صحيح فمقبول وإلا فليس المقام مقام رأى، على أن الأقعد فى إثبات كونه معجزة حملها على الإدراك من غير آلة والله أعلم. وقد ذهب بعضهم إلى أن هذه الرؤية رؤية قلبه الشريف. وعن بعضهم: المراد بها العلم إما بأن يوحى الله إليه كيفية فعلهم، وإما بأن يلهم، والصحيح والصواب ما تقدم «٢» وقد استشكل على قول من يقول: إن المراد بذلك العلم، ما ذكره ابن الجوزى فى بعض كتبه بغير إسناد أنه- ﷺ قال: «إنى لا أعلم ما وراء جدارى هذا» فإن صح فالمراد منه نفى العلم بالمغيبات، فكيف يجتمعان؟ وأجيب: بأن الأحاديث الأول ظاهرها ينطق باختصاص ذلك بحالة الصلاة، ويحمل المطلق منها على المقيد. وأما إذا ذهبنا إلى الإدراك بالبصر- وهو الصواب- فلا إشكال، لأن نفى العلم هنا عن الغيب وذاك عن مشاهدة. وفى «المقاصد الحسنة» للحافظ شمس الدين السخاوى حديث: «ما أعلم ما خلف جدارى هذا» «٣» قال شيخنا- يعنى شيخ الإسلام ابن حجر-:
نا عن الغيب وذاك عن مشاهدة. وفى «المقاصد الحسنة» للحافظ شمس الدين السخاوى حديث: «ما أعلم ما خلف جدارى هذا» «٣» قال شيخنا- يعنى شيخ الإسلام ابن حجر-:
لا أصل له. قلت: ولكنه قال فى تلخيص تخريج أحاديث الرافعى عند قوله فى الخصائص: «ويرى من وراء ظهره كما يرى من قدامه» . هو فى الصحيحين وغيرهما من حديث أنس وغيره، والأحاديث الواردة فى ذلك مقيدة بحالة الصلاة وبذلك يجمع بينه وبين قوله: لا أعلم ما وراء جدارى هذا. انتهى. قال شيخنا، وهذا مشعر بوروده، وعلى تقدير وروده لا تنافى بينهما لعدم تواردهما على محل واحد. انتهى. فإن قيل: يشكل على هذا- أيضا- إخباره- ﷺ بكثير من المغيبات التى فى زمانه وبعده، ووقعت كما أخبر- ﷺ. فالجواب: إن نفى العلم فى هذا ورد على أصل الوضع، وهو أن علم الغيب مختص بالله تعالى، وما وقع منه على لسان نبيه- ﷺ وغيره فمن الله تعالى، إما بوحى أو إلهام، ويدل على ذلك الحديث الذى فيه: أنه لما ضلت ناقته- ﷺ تكلم بعض المنافقين وقال: إن محمدا يزعم أنه يخبركم عن خبر السماء وهو لا يدرى أين ناقته؟ فقال- ﷺ لما بلغه ذلك: «والله إنى لا أعلم إلا ما علمنى ربى، وقد دلنى ربى عليها وهى فى موضع كذا وكذا» حبستها شجرة بخطامها فذهبوا فوجدوها كما أخبر- ﷺ. فصح أنه لا يعلم ما وراء جداره ولا غيره إلا ما علمه ربه ﵎. وذكر القاضى عياض- فى الشفاء- أنه- ﷺ كان يرى فى الثريا أحد عشر نجما، وعند السهيلى، اثنى عشر. وفى حديث ابن أبى هالة: وإذا التفت التفت جميعا خافض الطرف، نظره إلى الأرض أطول من نظره إلى السماء جل نظره الملاحظة «١» .
جما، وعند السهيلى، اثنى عشر. وفى حديث ابن أبى هالة: وإذا التفت التفت جميعا خافض الطرف، نظره إلى الأرض أطول من نظره إلى السماء جل نظره الملاحظة «١» .
وهى مفاعلة من اللحظ: وهو النظر بشق العين الذى يلى الصدغ، وأما الذى يلى الأنف فالموق والماق. وقوله: إذا التفت التفت جميعا أراد أنه لا يسارق النظر، وقيل: لا يلوى عنقه يمنة ولا يسرة إذا نظر إلى الشىء، وإنما يفعل ذلك الطائش الخفيف ولكن كان يقبل جميعا ويدبر جميعا. قاله ابن الأثير: وعن على قال: كان رسول الله- ﷺ عظيم العينين، أهدب الأشفار، مشرب العين بحمرة «١» ، رواه البيهقى. وعن جابر بن سمرة قال: كان رسول الله- ﷺ ضليع الفم أشكل العينين منهوس القدمين «٢» ، رواه مسلم. والشكلة: الحمرة تكون فى بياض العين وهو محمود محبوب، وأما الشهلة: فإنها حمرة فى سوادها. وهذا هو الصواب: لا ما فسره بعضهم، بأنه طول شق العين. وعند الترمذى فى حديث عن على، أنه نعت رسول الله- ﷺ فقال: كان فى وجهه تدوير أبيض مشرب بحمرة، أدعج العينين، أهدب الأشفار «٣» الحديث. والأدعج: الشديد سواد الحدقة. والأهدب: الطويل الأشفار: وهى شعر العين. وعنده- أيضا- عن على قال: كان أسود الحدقة أهدب الأشفار. وعن على: بعثنى النبى- ﷺ إلى اليمن فقمت لأخطب يوما على الناس، وحبر من أحبار اليهود واقف بيده سفر ينظر فيه، فلما رآنى قال:
صف لى أبا القاسم، فقلت: ليس بالطويل البائن ولا بالقصير. الحديث، وفيه: قال على: ثم سكت، فقال الحبر وماذا: قلت: هذا ما يحضرنى، قال الحبر: فى عينيه حمرة حسن اللحية، ثم قال على: هذه والله صفته، قال الحبر: فإنى أجد هذه الصفة فى سفر آبائى، وإنى أشهد أنه نبى وأنه رسول الله إلى الناس كافة. الحديث. وأما سمعه الشريف فحسبك أنه قال- ﷺ: «إنى أرى ما لا ترون وأسمع ما لا تسمعون، أطت السماء وحق لها أن تئط، ليس فيها موضع أربع أصابع إلا وملك واضع جبهته ساجد لله تعالى» «١» رواه الترمذى من رواية أبى ذر. وما رواه أبو نعيم عن حكيم بن حزام، بينما رسول الله- ﷺ فى أصحابه إذ قال لهم: «تسمعون ما أسمع» قالوا: ما نسمع من شىء، قال: «إنى لأسمع أطيط السماء، وما تلام أن تئط وما فيها موضع شبر إلا وعليه ملك ساجد أو قائم» «٢» . وأما جبينه الكريم- ﷺ فقد كان واضح الجبين، مقرون الحاجبين. بهذا وصفه على، كما عند ابن سعد وابن عساكر فقال: مقرون الحاجبين صلت الجبين أى: واضحه، والقرن: اتصال شعر الحاجبين. وعند البيهقى عن رجل من الصحابة قال: رأيت رسول الله- ﷺ، فإذا رجل حسن الجسم عظيم الجبهة رقيق الحاجبين. ولله در القائل: جبينه مشرق من فوق طرته ... يتلو الضحى ليله والليل كافره بالمسك خطت على كافور جبهته ... من فوق نوناتها سينا ضفائره مكحل الخلق ما تحصى خصائصه ... منضر الحسن قد قلت نظائره



