المواهب اللدنية بالمنح المحمدية

Kitab sirah Nabi Muhammad ﷺ karya القسطلاني (w. 923 H).

Bagian 18 dari 49 2019 halaman

— Bagian 18 · م املأ بطونهم نارا» «٣» فتحمل الشجة الحاصلة فى و… —

Bagian 18

م املأ بطونهم نارا» «٣» فتحمل الشجة الحاصلة فى وجه جسده الشريف، وما تحمل الشجة الحاصلة فى وجه دينه، فإن وجه الدين هو الصلاة، فرجح حتى خالقه على حقه.

واعلم أن الصبر على الأذى جهاد النفس، وقد جبل الله تعالى النفس على التألم بما يفعل بها، ولهذا شق عليه- ﷺ نسبتهم له إلى الجور فى القسمة، لكنه- ﵇ حلم على القائل وصبر، لما علم من جزيل ثواب الصابر وأن الله يأجره بغير حساب. وصبره- ﷺ على الأذى إنما هو فيما كان من حق نفسه، وأما إذا كان الله فإنه يمتثل فيه أمر الله تعالى من الشدة كما قال له تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ «١» وقد وقع له- ﷺ أنه غضب لأسباب مختلفة مرجعها إلى أن ذلك كان فى أمر الله، وأظهر الغضب فيها ليكون أوكد فى الزجر. فصبره وعفوه إنما كان فيما يتعلق بنفسه الشريفة- ﷺ. وقد روى الطبرانى وابن حبان والحاكم والبيهقى عن زيد بن سعنة- بالمهملة والنون المفتوحتين، كما قيده به عبد الغنى وذكره الدار قطنى: وبالمثناة التحتية، ثبت فى الشفاء وصحح عليه مؤلفه بخطه، وهو الذى ذكره ابن إسحاق، وهو كما قاله النووى: أجل أحبار اليهود الذين أسلموا- أنه قال: لم يبق من علامات النبوة شىء إلا وقد عرفته فى وجه محمد حين نظرت إليه إلا اثنتين لم أخبرهما منه: يسبق حلمه جهله، ولا تزيده شدة الجهل عليه إلا حلما. فكنت أتلطف له لأن أخالطه فأعرف حلمه وجهله، فابتعت منه تمرا إلى أجل فأعطيته الثمن، فلما كان قبل محل الأجل بيومين أو ثلاثة أتيته فأخذت بمجامع قميصه وردائه، ونظرت إليه بوجه غليظ ثم قلت: ألا تقضينى يا محمد حقى، فو الله إنكم يا بنى عبد المطلب مطل، فقال عمر: أى عدو الله، أتقول لرسول الله- ﷺ ما أسمع فو الله لولا ما أحاذر فوته لضربت بسيفى رأسك، ورسول الله- ﷺ ينظر إلى عمر فى سكون وتؤدة وتبسم ثم قال: «أنا وهو كنا أحوج إلى غير هذا منك يا عمر، أن تأمرنى بحسن الأداء، وتأمره بحسن التباعة، اذهب به يا عمر فاقضه حقه وزده عشرين صاعا مكان ما رعته» ، ففعل، فقلت: يا عمر، كل علامات النبوة قد

عرفتها فى وجه رسول الله- ﷺ حين نظرت إليه إلا اثنتين لم أخبرهما: يسبق حلمه جهله، ولا تزيده شدة الجهل عليه إلا حلما، فقد اختبرتهما، فأشهدك أنى قد رضيت بالله ربّا وبالإسلام دينا وبمحمد نبيّا «١» . وعن أبى هريرة قال حدثنا رسول الله- ﷺ يوما ثم قام، فقمنا حين قام فنظرنا إلى أعرابى قد أدركه فجبذه بردائه فحمر رقبته، وكان رداء خشنا، فالتفت إليه فقال له الأعرابى: احملنى على بعيرى هذين، فإنك لا تحملنى من مالك ولا من مال أبيك، فقال له- ﷺ: «لا، وأستغفر الله، لا وأستغفر الله، لا وأستغفر الله، لا أحملك حتى تقيدنى من جبذتك التى جبذتنى» ، فكل ذلك يقول له الأعرابى: والله لا أقيدكها، فذكر الحديث، قال: ثم دعا رجلا فقال له: «احمل له على بعيريه هذين على بعير تمرا وعلى الآخر شعيرا» «٢» رواه أبو داود. ورواه البخارى من حديث أنس بلفظ: كنت أمشى مع النبى- ﷺ وعليه برد نجرانى غليظ الحاشية فأدركه أعرابى فجبذ بردائه جبذة شديدة، قال أنس: فنظرت إلى صفحة عاتقه وقد أثرت فيه حاشية البرد من شدة جبذته، ثم قال: يا محمد مر لى من مال الله الذى عندك، فالتفت إليه فضحك ثم أمر له بعطاء «٣» . وفى هذا بيان حلمه- ﷺ وصبره على الأذى فى النفس والمال، والتجاوز عن جفاء من يريد تألفه على الإسلام، وعن عائشة لم يكن النبى

فضحك ثم أمر له بعطاء «٣» . وفى هذا بيان حلمه- ﷺ وصبره على الأذى فى النفس والمال، والتجاوز عن جفاء من يريد تألفه على الإسلام، وعن عائشة لم يكن النبى

  • ﷺ فاحشا ولا متفحشا ولا يجزى بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويصفح «١» . رواه الترمذى، أى لم يكن له الفحش خلقا ولا مكتسبا. وروى البخارى من حديث ابن عمرو: ولم يكن- ﷺ فاحشا ولا متفاحشا «٢» ، وفى روايته أيضا من حديث أنس بن مالك: لم يكن النبى- ﷺ سبابا ولا فاحشا ولا لعانا «٣» . والفحش: كل ما خرج عن مقداره حتى يستقبح، ويدخل فى القول والفعل والصفة، لكن استعماله فى القول أكثر: والمتفحش: بالتشديد، الذى يتعمد ذلك ويكثر منه ويتكلفه. وعن عائشة أن رجلا استأذن على النبى- ﷺ، فلما رآه قال: بئس أخو العشيرة، أو بئس ابن العشيرة، فلما جلس تطلق النبى- ﷺ فى وجهه وانبسط إليه، فلما انطلق الرجل قالت له عائشة: يا رسول الله، حين رأيت الرجل قلت له كذا وكذا، ثم تطلقت فى وجهه وانبسطت إليه. فقال- ﷺ: «يا عائشة، متى عهدتينى فاحشا، إن شر الناس عند الله منزلة يوم القيامة من تركه الناس اتقاء شره» «٤» ، رواه البخارى. قال ابن بطال: هذا الرجل هو عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر الفزارى، وكان يقال له الأحمق المطاع. وكذا فسره به القاضى عياض والقرطبى والنووى. وأخرج عبد الغنى من طريق أبى عامر الخزاعى، عن عائشة قالت: جاء مخرمة بن نوفل يستأذن، فلما سمع النبى- ﷺ صوته قال: «بئس أخو العشيرة» . الحديث. والمراد بالعشيرة: الجماعة أو القبيلة، وإنما تطلق- ﷺ

عن عائشة قالت: جاء مخرمة بن نوفل يستأذن، فلما سمع النبى- ﷺ صوته قال: «بئس أخو العشيرة» . الحديث. والمراد بالعشيرة: الجماعة أو القبيلة، وإنما تطلق- ﷺ

فى وجهه تألفا له ليسلم قومه، لأنه كان رئيسهم. وقد جمع هذا الحديث كما قال الخطابى علما وأدبا، وليس قوله- ﷺ فى أمته بالأمور التى يسمهم بها ويضيفها إليهم من المكروه غيبة، وإنما يكون ذلك من بعضهم فى بعض، بل الواجب عليه- ﷺ أن يبن ذلك ويفصح به، ويعرف الناس أمرهم فإن ذلك من باب النصيحة والشفقة على الأمة. ولكنه لما جبل عليه من الكرم وأعطيه من حسن الخلق أظهر له البشاشة ولم يجبهه بالمكروه، لتقتدى به أمته فى اتقاء شر من هذا سبيله وفى مداراته ليسلموا من شره وغائلته. وقال القرطبى: فيه جواز غيبة المعلن بالفسق أو الفحش ونحو ذلك مع جواز مداراتهم اتقاء شرهم ما لم يؤد ذلك إلى المداهنة فى دين الله. ثم قال تبعا للقاضى حسين: والفرق بين المداراة والمداهنة، أن المداراة بذل الدنيا لصلاح الدنيا أو الدين أو هما معا وهو مباحة وربما استحسنت، والمداهنة بذل الدين لصلاح الدنيا، والنبى- ﷺ إنما بذل له من دنياه حسن عشرته والرفق فى مكالمته، ومع ذلك فلم يمدحه بقول، فلم يناقض قوله فيه فعله، فإن قوله فيه قول حق، وفعله معه حسن عشرة، فيزول مع هذا التقدير الإشكال ولله الحمد. وقال القاضى عياض: لم يكن عينية- والله أعلم- حينئذ أسلم، فلم يكن القول فيه غيبة، أو كان أسلم ولم يكن إسلامه ناصحا، فأراد النبى- ﷺ أن يبين ذلك لئلا يغتر به من لم يعرف باطنه، وقد كانت منه فى حياة النبى- ﷺ وبعده أمور تدل على ضعف إيمانه، فيكون ما وصفه به- ﷺ من علامات النبوة، وأما إلانة القول بعد أن دخل فعلى سبيل الائتلاف وفى فتح البارى: أن عيينة ارتد فى زمن الصديق وحارب ثم رجع وأسلم وحضر بعض الفتوح فى عهد عمر. انتهى. «وما انتقم- ﷺ لنفسه» «١» . رواه البخارى. فإن قلت: قد صح أنه- ﷺ أمر بقتل عقبة بن أبى معيط وعبد الله بن خطل وغيرهما ممن كان يؤذيه- ﷺ وهذا ينافى قوله: «وما انتقم لنفسه» . فالجواب: أنهم كانوا مع

ذلك ينتهكون حرمات الله. وقيل: أراد أنه لا ينتقم إذا أوذى فى غير السبب الذى يخرج إلى الكفر، كما عفا عن الأعرابى الذى جفا فى رفع صوته عليه، وعن الآخر الذى جبذ بردائه حتى أثر فى كتفه. وحمل الداودى عدم الانتقام على ما يختص بالمال، وأما العرض فقد اقتص ممن نال منه. وقد أخرج الحاكم هذا الحديث من طريق معمر عن الزهرى مطولا، وأوله: ما لعن رسول الله- ﷺ مسلما بذكر- أى بصريح اسمه- وما ضرب بيده شيئا قط إلا أن يضرب فى سبيل الله، ولا سئل شيئا قط فمنعه إلا أن يسأل مأثما، ولا انتقم لنفسه من شىء إلا أن تنتهك حرمات الله فيكون لله ينتقم «١» . الحديث. ومما روى من اتساع خلقه وحلمه- ﷺ، اتساع خلقه لطائفة المنافقين، الذين كانوا يؤذونه إذا غاب ويتملقون له إذا حضر، وذلك مما تنفر منه النفوس البشرية حتى تؤيدها العناية الربانية. وكان- ﷺ كلما أذن له فى التشديد عليهم فتح لهم- ﷺ بابا من الرحمة، فكان يستغفر لهم ويدعو لهم، حتى أنزل الله عليه اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ «٢» ، فقال- ﷺ: «خيرنى ربى فاخترت أن أستغفر لهم» ولما قال تعالى إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ «٣» ، فقال- ﷺ: «لأزيدن على السبعين» «٤» وأمر ولد الذى تولى كبر النفاق والأذى منهم ببر أبيه، ولما مات كفنه فى ثوبه خلعه عن بدنه وصلى عليه، هذا وعمر ابن الخطاب- رضى الله عنه- يجذبه بثوبه ويقول: يا رسول الله أتصلى على رأس المنافقين؟ فنتر ثوبه من عمر وقال: «إليك عنى يا عمر» «٥» . فخالف مؤمنا وليّا فى حق منافق عدو، وكل ذلك رحمة منه لأمته، أشار إليه الحرالى.

تصلى على رأس المنافقين؟ فنتر ثوبه من عمر وقال: «إليك عنى يا عمر» «٥» . فخالف مؤمنا وليّا فى حق منافق عدو، وكل ذلك رحمة منه لأمته، أشار إليه الحرالى.

وقال النووى: قيل إنما أعطاه قميصه وكفنه فيه تطييبا لقلب ابنه، فإنه كان صحابيّا صالحا وقد سأل ذلك فأجابه إليه، وقيل مكافأة لعبد الله المنافق الميت، لأنه كان ألبس العباس حين أسر يوم بدر قميصا. وفى ذلك كله بيان عظيم مكارم أخلاق النبى- ﷺ، فقد علم ما كان من هذا المنافق من الإيذاء، وقابله بالحسنى فألبسه قميصه كفنا وصلى عليه واستغفر له، قال الله تعالى وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ «١» . ومن ذلك أنه- ﷺ لم يؤاخذ لبيد بن الأعصم إذ سحره. وعفا عن اليهودية التى سمته فى الشاة على الصحيح من الرواية. والله تعالى يرحم القائل: وما الفضل إلا خاتم أنت فصه ... وعفوك نقش الفص فاختم به عذرى ومن ذلك إشفاقه- ﷺ على أهل الكبائر من أمته، وأمره إياهم بالستر، فقال: «من بلى بهذه القاذورات» يعنى المحرمات «فليستتر» «٢» . وأمر أمته أن يستغفروا للمحدود ويترحموا عليه لما حنقوا عليه فسبوه ولعنوه، فقال: «قولوا اللهم اغفر له، اللهم ارحمه» «٣» وقال لهم فى رجل كان كثيرا ما يؤتى به سكران بعد تحريم الخمر، فلعنوه مرة فقال: «لا تلعنوه فإنه يحب الله ورسوله» «٤» . فأظهر لهم مكتوم قلبه لما رفضوه بظاهر فعله، وإنما ينظر الله إلى القلوب، طهر الله قلوبنا وغفر عظيم ذنوبنا. ومن ذلك ما رواه الدار قطنى من حديث عائشة عن النبى- ﷺ أنه كان يصغى إلى الهرة الإناء حتى تشرب ثم يتوضأ بفضلها «٥» .

طهر الله قلوبنا وغفر عظيم ذنوبنا. ومن ذلك ما رواه الدار قطنى من حديث عائشة عن النبى- ﷺ أنه كان يصغى إلى الهرة الإناء حتى تشرب ثم يتوضأ بفضلها «٥» .

ومن ذلك اتساع خلقه فى شريف تواضعه وآدابه وحسن عشرته مع أهله وخدمه وأصحابه. وقال بعضهم: اعلم أن العبد لا يبلغ حقيقة التواضع إلا عند لمعان نور المشاهدة فى قلبه، فعند ذلك تذوب النفس، وفى ذوبانها صفاؤها من غش الكبر والعجب، فتلين وتنطبع للحق والخلق بمحو آثارها وسكون وهجها وغبارها. وكان الحظ الأوفر من التواضع لنبينا- ﷺ فى أوطان القرب وحسبك من تواضعه- ﷺ أن خيره ربه تعالى بين أن يكون نبيّا ملكا، أو نبيّا عبدا، فاختار أن يكون نبيّا عبدا، فأعطاه الله تعالى بتواضعه أن جعله أول من تنشق عنه الأرض وأول شافع، وأول مشفع، فلم يأكل متكئا بعد ذلك حتى فارق الدنيا. وقد قال- ﷺ: «لا تطرونى كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد الله، فقولوا: عبد الله ورسوله» «١» رواه الترمذى. ومن تواضعه- ﷺ أنه لا ينهر خادما، روينا فى كتاب الترمذى عن أنس قال: خدمت النبى- ﷺ عشر سنين، فما قال لى أف قط ولا قال لشىء صنعته: لم صنعته؟ ولا لشىء تركته لم تركته؟ «٢» وكذلك كان- ﷺ مع عبيده وإمائه، ما ضرب منهم أحدا قط، وهذا أمر لا تتسع له الطباع البشرية لولا التأييدات الربانية. وفى رواية مسلم: ما رأيت أحدا أرحم بالعيال من رسول الله- ﷺ «٣» . وقالت عائشة: ما ضرب رسول الله- ﷺ شيئا قط بيده، ولا

البشرية لولا التأييدات الربانية. وفى رواية مسلم: ما رأيت أحدا أرحم بالعيال من رسول الله- ﷺ «٣» . وقالت عائشة: ما ضرب رسول الله- ﷺ شيئا قط بيده، ولا

امرأة ولا خادما إلا أن يجاهد فى سبيل الله، وما نيل منه شىء قط فينتقم من صاحبه إلا أن ينتهك شىء من محارم الله فينتقم لله «١» . رواه مسلم. وسئلت عائشة: كيف كان رسول الله- ﷺ إذا خلا فى بيته؟ قالت: ألين الناس، بساما ضحاكا «٢» ، لم ير قط مادّا رجليه بين أصحابه. وعنها: ما كان أحد أحسن خلقا من رسول الله- ﷺ ما دعاه أحد من أصحابه إلا قال لبيك. وعند أحمد وابن سعد وصححه ابن حبان عنها: كان- ﷺ يخيط ثوبه ويخصف نعله «٣» ، وفى رواية لأحمد: ويرفع دلوه، وعنده أيضا: يفلى ثوبه، ويحلب شاته ويخدم نفسه. وهذا يتعين حمله على أوقات فإنه ثبت أنه كان له خدم، فتارة يكون بنفسه وتارة بغيره، وتارة بالمشاركة. وكان يركب الحمار، ويردف خلفه، وركب يوم بنى قريظة على حمار مخطوم بحبل من ليف «٤» رواه الترمذى. وعن قيس بن سعد قال: زارنا رسول الله- ﷺ فلما أراد الانصراف قرب له سعد حمارا وطأ عليه بقطيفة، وركب- ﷺ ثم قال سعد: يا قيس، اصحب رسول الله- ﷺ، قال قيس: فقال لى رسول الله- ﷺ: «اركب» فأبيت، فقال: «إما أن تركب وإما أن تنصرف» . وفى رواية أخرى: «اركب أمامى فصاحب الدابة أولى بمقدمها» «٥» رواه أبو داود وغيره. وفى

البخارى من حديث أنس بن مالك: أقبلنا مع رسول الله- ﷺ من خيبر، وإنى لرديف أبى طلحة وهو يسير، وبعض نساء رسول الله- ﷺ رديف رسول الله- ﷺ، إذ عثرت الناقة، فقلت: المرأة، فقال رسول الله- ﷺ: «إنها أمكم» ، فشددت الرحل، وركب رسول الله- ﷺ، الحديث «١» . والمرأة: صفية، والردف والرديف: الراكب خلف الراكب بإذنه. وقال معاذ بن جبل: بينا أنا رديف النبى- ﷺ ليس بينى وبينه إلا آخرة الرحل. وقد ركب- ﷺ على حمار على إكاف عليه قطيفة فدكية أردف أسامة وراءه. ولما قدم- ﷺ مكة استقبله أغيلمة بنى عبد المطلب، فحمل واحدا بين يديه، وآخر خلفه. وقال ابن عباس: أتى رسول الله- ﷺ مكة وقد حمل قثم بين يديه والفضل خلفه، أو قثم خلفه والفضل بين يديه «٢» ، رواه البخارى. وذكر المحب الطبرى فى مختصر السيرة النبوية له، أنه- ﷺ ركب حمارا عريا إلى قباء وأبو هريرة معه، قال: «يا أبا هريرة أأحملك» فقال: ما شئت يا رسول الله، فقال: «اركب» ، فوثب أبو هريرة ليركب فلم يقدر فاستمسك رسول الله- ﷺ فوقعا جميعا. ثم ركب- ﷺ ثم قال: «يا أبا هريرة أأحملك» ؟ فقال: ما شئت يا رسول الله فقال: «اركب» فلم يقدر فتعلق برسول الله- ﷺ فوقعا جميعا، ثم قال: «يا أبا هريرة أأحملك» فقال: لا والذى بعثك بالحق لا رميتك ثالثا «٣» . وذكر المحب الطبرى أيضا: أنه- ﷺ كان فى سفر، وأمر أصحابه بإصلاح شاة فقال رجل: يا رسول الله على ذبحها، وقال الآخر: يا رسول الله، على سلخها، وقال آخر: يا رسول الله، على طبخها فقال رسول الله- ﷺ: «علىّ جمع الحطب» فقالوا: يا رسول الله نكفيك العمل، فقال:

، وقال الآخر: يا رسول الله، على سلخها، وقال آخر: يا رسول الله، على طبخها فقال رسول الله- ﷺ: «علىّ جمع الحطب» فقالوا: يا رسول الله نكفيك العمل، فقال:

«قد علمت أنكم تكفونى ولكنى أكره أن أتميز عليكم، فإن الله يكره من عبده أن يراه متميزا بين أصحابه» انتهى. ولم أر هذا لغير الطبرى بعد التتبع نعم رأيت فى جزء تمثال النعل الشريف لأبى اليمن بن عساكر بعد أن روى حديث عبد الله بن عامر بن ربيعة عن أبيه قال: كنت مع النبى- ﷺ فى الطواف فانقطعت شسعه فقلت: يا رسول الله ناولنى أصلحه، فقال: «أثرة ولا أحب الأثرة» «١» والأثرة: بفتح الهمزة والثاء، الاسم من آثر يؤثر إذا أعطى، والأثرة: الاستئثار وهو الانفراد بالشىء. قال: وكأنه كره- ﷺ أن ينفرد أحد بإصلاح نعله، فيحوز فضيلة الخدم فيكون له بمثابة الخادم ويكون له- ﷺ ترفع المخدوم على خادمه، كره ذلك- ﷺ لتواضعه وعدم ترفعه على من يصحبه. ويؤيده ما روى أنه- ﷺ أراد أن يمتهن نفسه فى شىء فقالوا: نحن نكفيك يا رسول الله، قال: «قد علمت أنكم تكفونى ولكنى أكره أن أتميز عليكم فإن الله يكره من عبده أن يراه متميزا بين أصحابه» انتهى. ثم رأيت شيخنا فى الأحاديث المشتهرة حكى ذلك والله الموفق. وعن أبى قتادة: وقد وفد النجاشى، فقام النبى- ﷺ يخدمهم، فقال له أصحابه: نكفيك، قال: «إنهم كانوا لأصحابنا مكرمين، وأنا أحب أن أكافئهم» «٢» ذكره فى الشفاء. وفى البخارى: عن أنس: كان الرجل يجعل للنبى- ﷺ النخلات حتى افتتح قريظة والنضير، وإن أهلى أمرونى أن آتى النبى- ﷺ فأسأله الذى كانوا أعطوه أو بعضه، وكان- ﷺ قد أعطاه أم أيمن، فجاءت أم أيمن فجعلت الثوب فى عنقى تقول: كلا والذى لا إله غيره لا نعطيكم وقد

آتى النبى- ﷺ فأسأله الذى كانوا أعطوه أو بعضه، وكان- ﷺ قد أعطاه أم أيمن، فجاءت أم أيمن فجعلت الثوب فى عنقى تقول: كلا والذى لا إله غيره لا نعطيكم وقد

أعطانيها- أو كما قال- والنبى- ﷺ يقول: «لك كذا» وتقول كلا والله، حتى أعطاها- حسبت أنه قال- عشرة أمثاله «١» أو كما قال. وإنما فعلت هذا أم أيمن لأنها ظنت أنها كانت هبة مؤبدة وتمليكا لأصل الرقبة، وأراد النبى- ﷺ استطابة قلبها فى استرداد ذلك فلاطفها وما زال يزيدها فى العوض حتى رضيت، وكل هذا تبرع منه- ﷺ وإكرام لها، لما لها من حق الحضانة والتربية، ولا يخفى ما فى هذا من فرط جوده وكثرة حلمه وبره- ﷺ. وجاءته- ﷺ امرأة كان فى عقلها شىء، فقالت: إن لى إليك حاجة، فقال: «اجلسى فى أى سكك المدينة شئت أجلس إليك» ، وفى رواية مسلم: «حتى أقضى حاجتك» ، فخلا معها فى بعض الطرق حتى فرغت من حاجتها «٢» . ولا ريب أن هذا كله من كثرة تواضعه- ﷺ. وقال عبد الله بن أبى الحمساء- بالحاء المهملة المفتوحة والميم الساكنة والسين المهملة وفى آخره همزة ممدودة- بايعت النبى- ﷺ قبل أن يبعث، وبقيت له بقية، فوعدته أن آتيه بها فى مكانه، فنسيت فذكرت بعد ثلاث فإذا هو فى مكانه فقال: «لقد شققت على، أنا هاهنا منذ ثلاث أنتظرك» «٣» . رواه أبو داود. وقال ابن أبى أوفى: كان- ﵇ لا يأنف أن يمشى مع الأرملة والمسكين فيقضى له الحاجة «٤» . رواه النسائى. وفى رواية البخارى: إن كانت

ك» «٣» . رواه أبو داود. وقال ابن أبى أوفى: كان- ﵇ لا يأنف أن يمشى مع الأرملة والمسكين فيقضى له الحاجة «٤» . رواه النسائى. وفى رواية البخارى: إن كانت

الأمة لتأخذ بيد رسول الله- ﷺ فتنطلق به حيث شاءت «١» ، وفى رواية أحمد: فتنطلق به فى حاجتها، وعنده أيضا إن كانت الوليدة من ولائد أهل المدينة لتجىء فتأخذ بيد رسول الله- ﷺ، فما ينزع يده من يدها حتى تذهب به حيث شاءت. والمقصود من الأخذ باليد لازمه وهو الانقياد. وقد اشتمل على أنواع من المبالغة فى التواضع، لذكره المرأة دون الرجل، والأمة دون الحرة، وحيث عمم بلفظ الإماء، أى: أى أمة كانت، وبقوله: حيث شاءت، أى من الأمكنة، والتعبير باليد إشارة إلى غاية التصرف، حتى لو كانت حاجتها خارج المدينة والتمست منه مساعدتها فى تلك الحالة لساعدها على ذلك. وهذا من مزيد تواضعه وبراءته من جميع أنواع الكبر- ﷺ. ودخل الحسن وهو يصلى قد سجد، فركب على ظهره، فأبطأ فى سجوده حتى نزل الحسن، فلما فرغ قال له بعض أصحابه: يا رسول الله قد أطلت سجودك. قال: «إن ابنى ارتحلنى فكرهت أن أعجله» «٢» . أى جعلنى كالراحلة فركب على ظهرى. وكان- ﷺ يعود المرضى، ويشهد الجنازة. أخرجه الترمذى فى الشمائل. وحج- ﷺ على رحل رث وعليه قطيفة لا تساوى أربعة دراهم. فقال: «اللهم اجعله حجّا لا رياء فيه ولا سمعة» «٣» . وكان- ﷺ إذا صلى الغداة جاء خدم المدينة بانيتهم فيها الماء، فما

يؤتى بإناء إلا غمس يده فيه، فربما جاؤوه فى الغداة الباردة فيغمس يده فيها «١» . رواه مسلم والترمذى. وكان- ﷺ حسن العشرة مع أزواجه، وكان- ﷺ ينام مع أزواجه. قال النووى: وهو ظاهر فعله الذى واظب عليه مع مواظبته- ﷺ على قيام الليل، فينام مع إحداهن، فإذا أراد القيام لوظيفته قام وتركها، فيجمع بين وظيفته وأداء حقها المندوب وعشرتها بالمعروف. وقد علم من هذا أن اجتماع الزوج مع زوجته فى فراش واحد أفضل، لا سيما إذا عرف من حالها حرصها على هذا، ولا يلزم من نومه معها الجماع والله أعلم. وقد كان- ﷺ يسرب إلى عائشة بنات الأنصار يلعبن معها «٢» . رواه الشيخان. وإذا شربت من الإناء أخذه فوضع فمه على موضع فمها وشرب رواه مسلم. وإذا تعرقت عرقا- وهو العظم الذى عليه اللحم- أخذه فوضع فمه على موضع فمها «٣» . رواه مسلم أيضا. وكان يتكئ فى حجرها، ويقبلها وهو صائم «٤» . رواه الشيخان. وكان يريها الحبشة وهم يلعبون فى المسجد وهى متكئة على منكبه «٥» . رواه الشيخان. ورواه الترمذى بلفظ: قام- ﷺ فإذا حبشة تزفن والصبيان

حولها، فقال: «يا عائشة تعالى فانظرى» فجئت فوضعت لحيى على منكب رسول الله- ﷺ فجعلت أنظر إليها ما بين المنكب إلى رأسه، فقال لى: «أما شبعت أما شبعت» فجعلت أقول: لا، لا «١» . وقال: حسن صحيح غريب. وروى أنه- ﷺ سابقها فسبقته، ثم سابقها بعد ذلك فسبقها، قال: «هذه بتلك» «٢» . رواه أبو داود بلفظ: سابقته فى سفر فسبقته على رجلى، فلما حملت اللحم سابقته فسبقنى فقال: «هذه بتلك السبقة» . وعن أنس بن مالك: أنهم كانوا يوما عند رسول الله- ﷺ فى بيت عائشة- رضى الله عنها-، إذ أتى بصحفة خبز ولحم من بيت أم سلمة، فوضعت بين يدى النبى- ﷺ فقال: «ضعوا أيديكم» فوضع نبى الله يده ووضعنا أيدينا فأكلنا، وعائشة تصنع طعاما عجلته قد رأت الصحفة التى أتى بها، فلما فرغت من طعامها جاءت به فوضعته ورفعت صحفة أم سلمة فكسرتها، فقال رسول الله- ﷺ: «كلوا بسم الله، غارت أمكم» ثم أعطى صحفتها أم سلمة فقال: «طعام مكان طعام، وإناء مكان إناء» «٣» . رواه الطبرانى فى الصغير.

فكسرتها، فقال رسول الله- ﷺ: «كلوا بسم الله، غارت أمكم» ثم أعطى صحفتها أم سلمة فقال: «طعام مكان طعام، وإناء مكان إناء» «٣» . رواه الطبرانى فى الصغير. وهو عند البخارى بلفظ: كان عند بعض نسائه، فأرسلت إحدى أمهات المؤمنين بصحفة فيها طعام، فضربت التى النبى فى بيتها يد الخادم فسقطت

الصحفة وانفلقت، فجمع النبى- ﷺ فلق الصحفة ثم جعل يجمع فيها الطعام الذى كان فى الصحفة ويقول: «غارت أمكم» ثم حبس الخادم حتى أتى بصحفة من عند التى هو فى بيتها، فدفع الصحفة إلى التى كسرت صحفتها، وأمسك المكسورة فى بيت التى كسرت. وعند أحمد وأبى داود والنسائى، قالت عائشة: ما رأيت صانعة طعاما مثل صفية، أهدت إلى النبى- ﷺ إناء من طعام، فما ملكت نفسى أن كسرته، فقلت: يا رسول الله ما كفارته؟ قال: «إناء كإناء وطعام كطعام» وعند غيرهم: فأخذت القصعة من بين يديه فضربت بها وكسرتها، فقام- ﷺ يلتقط اللحم والطعام وهو يقول: «غارت أمكم» فلم يثرب عليها. فوسع خلقه الكريم آثار طفحات آثار غيرتها، ولم يتأثر، وقضى عليها بحكم الله فى القصاص. وهكذا كانت أحواله- ﷺ مع أزواجه، لا يأخذ عليهن ويعذرهن، وإن أقام عليهن قسطاس عدل أقامه بغير قلق ولا غضب، بل رؤوف رحيم، حريص عليهن وعلى غيرهن، عزيز عليه ما يعنتهم. قيل: وفى هذا الحديث إشارة إلى عدم مؤاخذة الغيرى فيما يصدر منها، لأنها فى تلك الحالة يكون عقلها محجوبا بشدة الغضب الذى أثارته الغيرة. وقد أخرج أبو يعلى بسند لا بأس به عن عائشة مرفوعا، «إن الغيرى لا تبصر أسفل الوادى من أعلاه» «١» انتهى. وعن عائشة- رضى الله عنها-: أتيت النبى- ﷺ بخزيرة طبختها له، وقلت لسودة- والنبى- ﷺ بينى وبينها-: كلى، فأبت، فقلت لها: كلى، فأبت، فقلت لها: لتأكلين أو لألطخن بها وجهك، فأبت فوضعت يدى فى الخزيرة فلطخت بها وجهها فضحك النبى- ﷺ فوضع فخذه لها وقال لسودة:

، فأبت، فقلت لها: كلى، فأبت، فقلت لها: لتأكلين أو لألطخن بها وجهك، فأبت فوضعت يدى فى الخزيرة فلطخت بها وجهها فضحك النبى- ﷺ فوضع فخذه لها وقال لسودة:

«الطخى وجهها» فلطخت بها وجهى فضحك- ﷺ الحديث رواه ابن غيلان من حديث الهاشمى وخرجه الملاء فى سيرته. والخزيرة: لحم يقطع صغارا ويصب عليه ماء كثير فإذا نضج ذر عليه الدقيق. وبالجملة؛ فمن تأمل سيرته- ﷺ مع أهله وأصحابه وغيرهم من الفقراء والأيتام والأرامل والأضياف والمساكين، علم أنه قد بلغ من رقة القلب ولينه الغاية التى لا مرمى وراءها لمخلوق. وإن كان يشتد فى حدود الله وحقوقه ودينه، حتى قطع يد السارق، إلى غير ذلك. وقد كان- ﷺ يباسط أصحابه بما يولج حبه فى القلوب، كان له رجل من البادية يسمى زهيرا، وكان يهادى النبى- ﷺ بموجود البادية بما يستطرف منها، وكان- ﷺ يهاديه ويكافئه بموجود الحاضرة وبما يستطرف منها، وكان- ﷺ يقول: «زهير باديتنا، ونحن حاضرته» وكان- ﷺ يحبه، فمشى- ﷺ يوما إلى السوق فوجده قائما، فجاء من قبل ظهره وضمه بيده إلى صدره فأحس زهير أنه رسول الله- ﷺ، قال: فجعلت أمسح ظهرى فى صدره رجاء بركته. وفى رواية الترمذى فى الشمائل: فاحتضنه من خلفه ولا يبصره، فقال أرسلنى، من هذا؟ فالتفت فعرف النبى- ﷺ فجعل لا يألو ما ألصق ظهره بصدر النبى- ﷺ حين عرفه، فجعل رسول الله- ﷺ يقول: «من يشترى العبد» فقال له زهير: يا رسول الله، إذن تجدنى كاسدا، فقال- ﷺ: «أنت عند الله غال» ، وفى رواية للترمذى أيضا: «لكن عند الله لست بكاسد» ، أو قال: «أنت عند الله غال» «١» . وأخرج أبو يعلى عن زيد بن أسلم أن رجلا كان يهدى للنبى- ﷺ العكة من السمن والعسل، فإذا جاء صاحبه يتقاضاه جاء به إلى النبى- ﷺ

فقال: أعط هذا حق متاعه، فما يزيد النبى- ﷺ أن يتبسم، ويأمر به فيعطى «١» . ووقع فى حديث محمد بن عمرو بن حزم: وكان لا يدخل إلى المدينة طرفة إلا اشترى منها، ثم جاء فقال: يا رسول الله، هذا أهديته لك، فإذا جاء صاحبه يطلب ثمنه جاء به فقال: أعط هذا الثمن، فيقول: «ألم تهده لى» فيقول ليس عندى، فيضحك ويأمر لصاحبه بثمنه. وكان- ﷺ يمزح ولا يقول إلا حقّا، كما روى أبو هريرة، وقد قال له رجل كان فيه بله: يا رسول الله احملنى، فباسطه- ﷺ من القول بما عساه أن يكون شفاء لبلهه بعد ذلك، فقال: «أحملك على ابن الناقة» فسبق لخاطره استصغار ما تصدق عليه البنوة فقال: يا رسول الله، ما عسى يغنى عنى ابن الناقة، فقال له- ﷺ: «ويحك وهل يلد الجمل إلا الناقة» «٢» روى حديثه الترمذى وأبو داود. وباسط عمته صفية وهى عجوز فقال لها: «إن الجنة لا تدخلها عجوز» ، فلما جزعت قال لها: «إنك تعودين إلى صورة الشباب فى الجنة» وفى رواية الترمذى عن الحسن: أتته- ﷺ عجوز فقالت: يا رسول الله، ادع الله لى أن يدخلنى الجنة، فقال: «يا أم فلان إن الجنة لا يدخلها عجوز» قال فولت تبكى فقال: «أخبروها أنها لا تدخلها وهى عجوز» إن الله تعالى يقول: إِنَّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً (٣٥) فَجَعَلْناهُنَّ أَبْكاراً «٣» «٤» وذكره رزين.

تبكى فقال: «أخبروها أنها لا تدخلها وهى عجوز» إن الله تعالى يقول: إِنَّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً (٣٥) فَجَعَلْناهُنَّ أَبْكاراً «٣» «٤» وذكره رزين.

وكان- ﷺ يمازح أصحابه ويخالطهم ويحادثهم ويؤنسهم. ويأخذ معهم فى تدبير أمورهم، ويداعب صبيانهم ويجلسهم فى حجره، ومع ذلك سره فى الملكوت يجول حيث أراد الله به. والدعابة: - بضم الدال وتخفيف العين المهملتين وبعد الألف موحدة- هى الملاطفة فى القول بالمزاح وغيره. وقد أخرج الترمذى وحسنه من حديث أبى هريرة؛ قالوا: يا رسول الله، إنك تداعبنا، قال: «إنى لا أقول إلا حقّا» «١» . وما ورد عنه- ﷺ فى النهى عن المداعبة محمول على الإفراط، لما فيه من الشغل عن ذكر الله والتفكر فى مهمات الدين وغير ذلك. والذى يسلم من ذلك هو المباح، فإن صادف مصلحة مثل تطييب نفس المخاطب- كما كان هو فعله- ﷺ فهو مستحب. وقال أنس: كان رسول الله- ﷺ أحسن الناس خلقا، وكان لى أخ يقال له: أبو عمير، وكان له نغر يلعب به فمات، فدخل على النبى- ﷺ ذات يوم فرآه حزينا فقال: «ما شأنه» قالوا: مات نغره، فقال: «يا أبا عمير ما فعل النغير» «٢» . رواه البخارى ومسلم. وفى رواية الترمذى قال أنس: كان رسول الله- ﷺ ليخالطنا حتى يقول لأخ لى صغير «يا أبا عمير ما فعل النغير» . قال الجوهرى: النغير: تصغير نغر، والنغر جمع النغرة وهو طائر صغير كالعصفور، والجمع نغران مثل صرد وصردان. وكان قد ألقى عليه مع الدعابة المهابة، ولقد جاء إليه- ﷺ رجل فقام بين يديه فأخذته رعدة شديدة ومهابة، فقال له: «هون عليك، فإنى لست بملك ولا جبار إنما أنا ابن امرأة من قريش تأكل القديد بمكة» فنطق الرجل بحاجته، فقام- ﷺ فقال: «يا أيها الناس إنى أوحى إلى أن تواضعوا، ألا فتواضعوا حتى لا يبغى أحد على أحد ولا يفخر أحد على أحد، وكونوا عباد

مكة» فنطق الرجل بحاجته، فقام- ﷺ فقال: «يا أيها الناس إنى أوحى إلى أن تواضعوا، ألا فتواضعوا حتى لا يبغى أحد على أحد ولا يفخر أحد على أحد، وكونوا عباد

الله إخوانا» «١» . فسكن- ﷺ روعه شفقة، لأنه بالمؤمنين رؤوف رحيم، وسلب عنه وصف الملوكية بقوله: «فإنى لست بملك» لما يلزمها من الجبروتية، وقال: «إنما أنا ابن امرأة تأكل القديد» «٢» تواضعا، لأن القديد مفضول، وهو مأكول المتمسكنة. ولما رأته- ﷺ قيلة بنت مخرمة فى المسجد، وهو قاعد القرفصاء، ارتعدت من الفرق «٣» رواه أبو داود. وروى مسلم عن عمرو بن العاصى قال: صحبت رسول الله- ﷺ، ما ملأت عينى منه قط حياء منه وتعظيما له، ولو قيل لى صفه لما قدرت «٤» ، أو كما قال. وإذا كان هذا قوله وهو من أجلة الصحابة، ولولا أنه- ﷺ كان يباسطهم ويتواضع لهم ويؤنسهم لما قدر أحد منهم أن يقعد معه ولا أن يسمع كلامه- ﵊ لما رزقه الله تعالى من المهابة والجلالة. يبين ذلك ويوضحه ما روى أنه- ﷺ كان إذا فرغ من ركوع الفجر حدث عائشة إن كانت مستيقظة، وإلا اضطجع بالأرض ثم خرج بعد ذلك إلى الصلاة، وما ذاك إلا أنه- ﷺ لو خرج على تلك الحالة التى كان عليها، وما حصل له من القرب والتدانى فى مناجاته وسماع كلام ربه وغير ذلك من الأحوال التى يكل اللسان عن وصف بعضها، لما استطاع بشر أن يلقاه ولا يباشره، فكان- ﷺ يتحدث مع عائشة أو يضطجع بالأرض حتى يحصل التأنيس بجنسهم، وهو التأنيس مع عائشة، أو جنس أصل الخلقة التى هى الأرض. ثم يخرج إليهم، وما ذاك إلا رفقا بهم، وكان بالمؤمنين رحيما. قاله ابن الحاج فى المدخل.

بجنسهم، وهو التأنيس مع عائشة، أو جنس أصل الخلقة التى هى الأرض. ثم يخرج إليهم، وما ذاك إلا رفقا بهم، وكان بالمؤمنين رحيما. قاله ابن الحاج فى المدخل.

وقد جاء فى الحديث أنه لما خير بين أن يكون نبيّا ملكا، أو نبيّا عبدا نظر- ﷺ إلى جبريل كالمستشير له، فنظر جبريل إلى الأرض يشير إلى التواضع، فاختار- ﷺ العبودية «١» ، فلما كان تواضعه- ﷺ إلى الأرض حيث أشار جبريل أورثه الله تعالى رفعته إلى السماء، ثم إلى الرفرف الأعلى، إلى حضرة قاب قوسين أو أدنى، ووقف بين يديه محمود بن الربيع، وهو صغير ابن خمس سنين، فمج- ﷺ فى وجهه مجة من ماء من دلو يمازحه بها، فكان فى ذلك من البركة أنه لما كبر لم يبق فى ذهنه من ذكر رؤية النبى- ﷺ إلا تلك المجة «٢» ، فعد بها من الصحابة وحديثه مذكور فى البخارى. ودخلت عليه ربيبته زينب بنت أم سلمة وهو فى مغتسله، فنضح الماء فى وجهها، فكان فى ذلك من البركة فى وجهها أنه لم يتغير، فكان ماء الشباب ثابتا فى وجهها ظاهرا فى رونقها وهى عجوز كبيرة «٣» . وحديثها مذكور فى البخارى. فقد علمت أنه- ﷺ كان مع أصحابه وأهله، ومع الغريب والقريب من سعة الصدر ودوام البشر وحسن الخلق والسلام على من لقيه، والوقوف مع من استوقفه والمزح بالحق مع الصغير والكبير أحيانا، وإجابة الداعى ولين الجانب حتى يظن كل واحد من أصحابه أنه أحبهم إليه. وهذا الميدان لا تجد فيه إلا واجبا أو مستحبا أو مباحا، فكان يباسط الخلق ويلابسهم ليستضيئوا بنور هدايته فى ظلمات دياجى الجهل، ويقتدوا بهديه- ﷺ. وقد كانت مجالسه مع أصحابه- رضى الله عنهم- عامتها مجالس تذكير بالله،

وترغيب وترهيب، إما بتلاوة القرآن، أو بما آتاه الله من الحكمة والموعظة الحسنة، وتعليم ما نفع فى الدين، كما أمره الله تعالى أن يذكر ويعظ ويقص، وأن يدعو إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة، وأن يبشر وينذر، فلذلك كانت تلك المجالس توجب لأصحابه رقة القلوب، والزهد فى الدنيا والرغبة فى الآخرة، كما ذكره أبو هريرة فيما رواه أحمد والترمذى وابن حبان فى صحيحه قال: قلنا: يا رسول الله، ما لنا إذا كنا عندك رقت قلوبنا وزهدنا فى الدنيا وكنا من أهل الآخرة، فإذا خرجنا من عندك عافسنا أهلنا وشممنا أولادنا وأنكرنا أنفسنا. فقال- ﷺ: «لو أنكم إذا خرجتم من عندى كنتم على حالكم ذلك لزارتكم الملائكة فى بيوتكم» «١» الحديث. وقوله: عافسنا: - بالعين المهملة بعد الألف فاء فسين مهملة ساكنة- أى: عالجنا أهلنا ولاعبناهم. ومن تواضعه- ﷺ أنه ما عاب ذواقا قط، ولا عاب طعاما قط، إن اشتهاه أكله وإلا تركه «٢» رواه الشيخان. وهذا إن كان الطعام مباحا، أما الحرام فكان يعيبه ويذمه وينهى عنه، وذهب بعضهم إلى أن العيب إن كان من جهة الخلقة كره، وإن كان من جهة الصنعة لم يكره، قال: لأن صنعة الله تعالى لا تعاب، وصنعة الآدميين تعاب. قال فى فتح البارى: والذى يظهر: التعميم، فإن فيه كسر قلب الصانع. قال النووى: ومن آداب الطعام المتأكدة: أن لا يعاب، كقوله: مالح، حامض، قليل الملح، غليظ، رقيق، غير ناضج ونحو ذلك. ومن تواضعه: أن هذه الدنيا شاع سبها فى العالمين، فقال- ﷺ: «لا تسبوا الدنيا» «٣» ، ثم مدحها فقال: «نعمت مطية المؤمن، عليها يبلغ الخير،

ناضج ونحو ذلك. ومن تواضعه: أن هذه الدنيا شاع سبها فى العالمين، فقال- ﷺ: «لا تسبوا الدنيا» «٣» ، ثم مدحها فقال: «نعمت مطية المؤمن، عليها يبلغ الخير،

وبها ينجو من الشر» «١» . وقال: «لا تسبوا الدهر» ، رواه البخارى من حديث أبى هريرة بلفظ: «ولا تقولوا خيبة الدهر فإن الله هو الدهر» «٢» . وفى لفظ له: «يسب بنو آدم الدهر وأنا الدهر، بيدى الليل والنهار» وعند مسلم فى حديث بلفظ «لا يسب أحدكم الدهر» . ومحصل ما قيل فى تأويله، ثلاثة أوجه: أحدها: أن المراد بقوله: إن الله هو الدهر، أى: المدبر للأمور. ثانيها: أنه على حذف مضاف. أى: صاحب الدهر. ثالثها: التقدير: مقلب الدهر. ولذلك عقبه بقوله فى رواية البخارى: بيدى الليل والنهار. وقال المحققون: من نسب شيئا من الأفعال إلى الدهر حقيقة كفر، ومن هذا اللفظ على لسانه غير معتقد لذلك فليس بكافر، لكن يكره ذلك لتشبهه بأهل الكفر فى الإطلاق. وما خير- ﷺ بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثما، فإن كان إثما كان أبعد الناس منه «٣» . رواه البخارى. أى بين أمرين من أمور الدنيا لا إثم فيهما، وأبهم «فاعل» خير ليكون أعم، من قبل الله أو من قبل المخلوقين. وقوله: إلا اختار أيسرهما وقوله: ما لم يكن إثما: أى لم يكن الأسهل مقتضيا للإثم فإنه حينئذ يختار الأشد. وفى حديث أنس عند الطبرانى فى الأوسط: إلا اختار أيسرهما ما لم يكن لله فيه سخط. ووقوع التخيير بين ما فيه إثم وما لا إثم فيه من قبل المخلوقين واضح. ومن تواضعه- ﷺ أنه لم يكن له بواب راتب، كما جاء عن أنس أنه قال: مر النبى- ﷺ بامرأة وهى تبكى عند قبر، فقال: «اتقى الله

إثم فيه من قبل المخلوقين واضح. ومن تواضعه- ﷺ أنه لم يكن له بواب راتب، كما جاء عن أنس أنه قال: مر النبى- ﷺ بامرأة وهى تبكى عند قبر، فقال: «اتقى الله

واصبرى» ، فقالت: إليك عنى فإنك خلو من مصيبتى، قال فجاوزها ومضى. فمر بها رجل فقال لها؛ ما قال لك رسول الله- ﷺ؟ قالت: ما عرفته. قال: إنه لرسول الله- ﷺ. قال فجاءت إلى بابه فلم تجد عليه بوابا «١» . الحديث رواه البخارى. لكن فى حديث أبى موسى: أنه كان بوابا للنبى- ﷺ لما جلس على القف «٢» . وجمع بينهما: بأنه- ﷺ إذا لم يكن فى شغل من أهله ولا انفراد من أمره أنه كان يرفع حجابه بينه وبين الناس ويبرز لطالب الحاجة إليه. وفى حديث عمر حين استأذن له الأسود فى قصة حلفه أن لا يدخل على نسائه شهرا، ففيه: أنه كان فى وقت خلوته بنفسه يتخذ بوابا، ولولا ذلك لاستأذن عمر بنفسه ولم يحتج إلى قوله يا رباح استأذن لى. لكن يحتمل أن يكون سبب استئذان عمر أنه خشى أن يكون وجد عليه بسبب ابنته، فأراد أن يختبر ذلك باستئذانه عليه، فلما أذن له اطمأن. وقد اختلف فى مشروعية الحجاب للحاكم. فقال الشافعى وجماعة: ينبغى أن يكون للحاكم أن لا يتخذ حاجبا. وذهب آخرون: إلى جوازه. وحمل الأول على زمن سكون الناس واجتماعهم على الخير وطواعيتهم للحاكم، وقال آخرون: بل يستحب ذلك حينئذ ليرتب الخصوم ويمنع المستطيل، ويدفع الشرير، والله أعلم. وأما ما روى من حيائه- ﷺ؛ فحسبك ما فى البخارى من حديث أبى سعيد: كان رسول الله- ﷺ أشد حياء من العذراء فى خدرها «٣» .

مستطيل، ويدفع الشرير، والله أعلم. وأما ما روى من حيائه- ﷺ؛ فحسبك ما فى البخارى من حديث أبى سعيد: كان رسول الله- ﷺ أشد حياء من العذراء فى خدرها «٣» .

والعذراء: هى البكر. والخدر: - بكسر الخاء المعجمة- أى فى سترها. وهو من باب التتميم، لأن العذراء فى الخدر يشتد حياؤها أكثر مما تكون خارجة عنه، لكون الخلوة مظنة وقوع الفعل بها. فالظاهر: أن المراد تقييده بما إذا دخل عليها فى خدرها لا حيث تكون منفردة فيه. والحياء- بالمد- وهو من الحياء، ومنه: الحيا للمطر، لكن هو مقصور. وعلى حسب حياة القلب تكون فيه قوة خلق الحياء، وقلة الحياء من موت القلب والروح، وكلما كان القلب حيّا كان الحياء أتم. وهو فى اللغة: تغير وانكسار يعترى الإنسان من خوف ما يعاب به، وقد يطلق على مجرد ترك الشىء بسبب. والترك إنما هو من لوازمه. وفى الشرع: خلق يبعث على اجتناب القبيح ويمنع من التقصير فى حق ذى الحق. وقال ذو النون: «الحياء وجود الهيبة فى القلب، مع وحشة ما يسبق منك إلى ربك، والحب ينطق والحياء يسكت، والخوف يقلق» . وقال يحيى بن معاذ: من استحيا من الله مطيعا استخيا منه وهو مذنب. وهذا الكلام يحتاج إلى شرح ومعناه: أن من غلب عليه خلق الحياء من الله حتى فى حال طاعته فقلبه مطرق بين يديه إطراق مستحى خجل، فإنه إذا وقع منه ذنب استحيا الله من نظره إليه فى تلك الحالة لكرامته عليه، فيستحى أن يرى من وليه ما يشينه عنده. وفى الشاهد. شاهد بذلك، فإن الرجل إذا اطلع على أخص الناس به وأحبهم إليه وأقربهم منه، من صاحب أو ولد أو من يحبه، وهو يخونه، فإنه يلحقه من ذلك الاطلاع عليه حياء عجيب حتى كأنه هو الجانى. وهذا غاية الكرم. وللحياء أقسام ثمانية يطول استقصاؤها. منها: حياء الكرم، كحيائه- ﷺ من القوم الذين دعاهم إلى وليمة زينب، وطولوا عنده المقام، واستحيا أن يقول لهم انصرفوا «١» .

ومنها: حياء المحب من محبوبه، حتى إنه إذا خطر على قلبه فى حال غيبته هاج الحياء من قلبه وأحس به فى وجهه، فلا يدرى ما سببه. ومنها: حياء العبودية، وهو حياء يمتزج بين محبة وخوف ومشاهدة عدم صلاح عبوديته لمعبوده، وأن قدره أعلى وأجل منها، فعبوديته له توجب استيحاءه منه لا محالة. ومنها: حياء المرء من نفسه، وهو حياء النفوس الشريفة الرفيعة من رضاها لنفسها بالنقص، وقنعها بالدون، فيجد نفسه مستحييا من نفسه، حتى كأن له نفسين، يستحى بإحداهما من الآخرى، وهذا أكمل ما يكون من الحياء، فإن العبد إذا استحيا من نفسه فهو بأن يستحى من غيره أجدر. والحياء- كما قال- ﷺ «لا يأتى إلا بخير» «١» ، «وهو من الإيمان» «٢» ، كما رواهما البخارى. قال القاضى عياض وغيره: وإنما جعل الحياء من الإيمان- وإن كان غريزة- لأن استعماله على قانون الشرع يحتاج إلى قصد واكتساب وعلم. وقال القرطبى: الحياء المكتسب هو الذى جعله الشارع من الإيمان، وهو المكلف به دون الغريزى. غير أن من كان فيه غريزة منه فإنها تعينه على المكتسب، حتى يكاد يكون غريزيّا، وكان النبى- ﷺ قد جمع له النوعان، فكان فى الغريزى أشد حياء من العذراء فى خدرها. وقال القاضى عياض: وروى عنه- ﷺ: كان من حيائه لا يثبت بصره فى وجه أحد. وأما خوفه- ﷺ ربه جل وعلا، فاعلم أن الخوف والوجل والرهبة ألفاظ متقاربة غير مترادفة. قال الجنيد: الخوف توقع العقوبة على مجارى

لا يثبت بصره فى وجه أحد. وأما خوفه- ﷺ ربه جل وعلا، فاعلم أن الخوف والوجل والرهبة ألفاظ متقاربة غير مترادفة. قال الجنيد: الخوف توقع العقوبة على مجارى

الأنفاس. وقيل الخوف: اضطراب القلب وحركته من تذكر المخوف. وقيل الخوف: قوة العلم بمجارى الأحكام، وهذا سبب الخوف، لا أنه نفسه. وقيل: الخوف هرب القلب من حلول المكروه عند استشعاره. والخشية أخص من الخوف، فإن الخشية للعلماء بالله تعالى: قال الله تعالى: إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ «١» ، فهو خوف مقرون بمعرفة. وقال- ﷺ: «أنا أتقاكم لله وأشدكم له خشية» «٢» فالخوف حركة والخشية انجماع وانقباض وسكون، فإن الذى يرى العدو والسيل ونحوهما له حالتان: إحداهما حركة للهرب منه وهى حالة الخوف، والثانية سكونه وقراره فى مكان لا يصل إليه وهى الخشية. وأما الرهبة: فهى الإمعان فى الهرب من المكروه، وهى ضد الرغبة التى هى سفر القلب فى طلب المرغوب فيه. وأما الوجل: فرجفان القلب وانصداعه لذكر من يخاف سلطانه وعقوبته. وأما الهيبة: فخوف مقارن للتعظيم والإجلال، وأكثر ما تكون مع المعرفة والمحبة. والإجلال: تعظيم مقرون بالحب. فالخوف لعامة المؤمنين، والخشية للعلماء العارفين، والهيبة للمحبين، والإجلال للمقربين. وعلى قدر العلم والمعرفة يكون الخوف والخشية، كما قال- ﷺ: «إنى لأعلمكم بالله وأشدكم له خشية» «٣» رواه البخارى، وقال- ﷺ: «لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا» «٤» رواه البخارى

ف والخشية، كما قال- ﷺ: «إنى لأعلمكم بالله وأشدكم له خشية» «٣» رواه البخارى، وقال- ﷺ: «لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا» «٤» رواه البخارى

من حديث أبى هريرة، وفيه دلالة على اختصاصه- ﷺ بمعارف بصرية وقلبية. وقد يطلع الله تعالى عليها غيره من المخلصين من أمته لكن بطريق الإجمال، وأما تفصيلها فاختص بها- ﷺ. وفى صحيح مسلم من حديث أنس أنه- ﷺ قال: «والذى نفس محمد بيده، لو رأيتم ما رأيت لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا» قالوا: وما رأيت يا رسول الله قال: «رأيت الجنة والنار» «١» . فقد جمع الله له بين علم اليقين وعين اليقين مع الخشية القلبية، واستحضار العظمة الإلهية على وجه لم يجتمع لغيره، ولذا قال: «إن أتقاك وأعلمكم بالله أنا» «٢» وهو فى الصحيح من حديث عائشة: وكان- ﷺ يصلى ولجوفه أزيز كأزيز المرجل من البكاء «٣» رواه النسائى وابن خزيمة وابن حبان فى صحيحه بلفظ: كأزيز الرحا، أى خنين من الخوف- بالخاء المعجمة- وهو صوت البكاء. وقيل: وهو أن يجيش جوفه ويغلى بالبكاء. وأما ما روى من شجاعته- ﷺ ونجدته وقوته فى الله وشدته، فعن أنس: (كان النبى- ﷺ أحسن الناس وأجود الناس وأشجع الناس) ، لقد فزع أهل المدينة ليلة فانطلق ناس قبل الصوت فتلقاهم رسول الله- ﷺ راجعا قد سبقهم إلى الصوت واستبرأ الخبر على فرس لأبى طلحة عرى والسيف فى عنقه وهو يقول: «لن تراعوا» . وفى رواية: كان فزع بالمدينة فاستعار النبى- ﷺ فرسا من أبى طلحة يقال له المندوب، فركب فلما رجع قال: «ما رأينا من شىء، وإن وجدناه

و يقول: «لن تراعوا» . وفى رواية: كان فزع بالمدينة فاستعار النبى- ﷺ فرسا من أبى طلحة يقال له المندوب، فركب فلما رجع قال: «ما رأينا من شىء، وإن وجدناه

لبحرا، أو إنه لبحر» . قال وكان فرسا يبطؤ «١» رواه البخارى ومسلم وأبو داود والترمذى. وللبخارى: إن أهل المدينة فزعوا مرة، فركب النبى- ﷺ فرسا لأبى طلحة كان يقطف، أو فيه قطاف، فلما رجع قال: «وجدنا فرسكم ها بحرا» فكان بعد لا يجارى. وفى أخرى له: ثم خرج يركض وحده فركب الناس يركضون خلفه فقال: «لن تراعوا إنه لبحر، فما سبق بعد ذلك اليوم» . قوله لن تراعوا: أى روعا مستقرا، أو روعا يضربكم. وفى هذا الحديث بيان شجاعته- ﷺ من شدة عجلته فى الخروج إلى العدو قبل الناس كلهم، بحيث كشف الحال ورجع قبل وصول الناس. وفيه: بيان عظيم بركته ومعجزته فى انقلاب الفرس سريعا بعد أن كان بطيئا وهو معنى قوله- ﷺ: «وجدناه بحرا» أى واسع الجرى. وكان فيه قطاف: يقال: قطف الفرس فى مشيه إذا تضايق خطوه وأسرع مشيه. قال القاضى عياض: وقد كان فى أفراسه- ﷺ فرس يقال له: مندوب، فلعله صار إليه بعد أبى طلحة. وقال النووى: يحتمل أنهما فرسان اتفقا فى الاسم. وقال ابن عمر: ما رأيت أشجع ولا أنجد من رسول الله- ﷺ «٢» . وذكر ابن إسحاق فى كتابه وغيره: أنه كان بمكة رجل شديد القوة يحسن الصراع وكان الناس يأتونه من البلاد للمصارعة فيصرعهم. فبينا هو ذات يوم فى شعب من شعاب مكة إذ لقيه رسول الله- ﷺ فقال له: «يا ركانة ألا تتقى الله وتقبل ما أدعوك إليه» - أو كما قال له رسول الله- ﷺ فقال له ركانة: يا محمد، هل من شاهد يدل على صدقك؟ قال:

«أرأيت إن صرعتك أتؤمن بالله ورسوله؟» قال: نعم يا محمد، فقال له: «تهيأ للمصارعة» قال: تهيأت، فدنا منه رسول الله- ﷺ فأخذه ثم صرعه، قال فتعجب ركانة من ذلك، ثم سأله الإقالة والعودة، ففعل به ذلك ثانيا وثالثا. فوقف ركانة متعجبا وقال: إن شأنك لعجيب «١» . رواه الحاكم فى مستدركه عن أبى جعفر محمد بن ركانة المصارع، ورواه أبو داود والترمذى وكذا البيهقى من رواية سعيد بن جبير. وقد صارع- ﷺ جماعة غير ركانة، منهم أبو الأسود الجمحى، كما قاله السهيلى. ورواه البيهقى، وكان شديدا بلغ من شدته أنه كان يقف على جلد البقرة، ويجاذب أطرافه عشرة لينزعوه من تحت قدميه، فيتفرى الجلد ولم يتزحزح عنه، فدعا رسول الله- ﷺ إلى المصارعة وقال: إن صرعتنى آمنت بك، فصرعه رسول الله- ﷺ فلم يؤمن وفى قصته طول. وفى البخارى من حديث البراء، وسأله رجل من قيس: أفررتم عن رسول الله- ﷺ يوم حنين؟ فقال: فأكببنا على المغانم فاستقبلنا بالسهام. ولقد رأيت النبى- ﷺ وهو على بغلته البيضاء، وإن أبا سفيان بن الحارث آخذ بزمامها وهو يقول: «أنا النبى لا كذب، أنا ابن عبد المطلب» «٢» . وهذا فى غاية ما يكون من الشجاعة التامة، لأنه فى مثل هذا اليوم فى حومة الوغى وقد انكشف عنه جيشه، وهو مع هذا على بغلة ليست بسريعة الجرى، ولا تصلح لكر ولا فر ولا هرب، ومع ذلك يركضها إلى وجوههم، وينوه باسمه ليعرفه من ليس يعرفه- صلوات الله وسلامه عليه-. وفى حديث البراء: كنا إذا احمر البأس اتقينا برسول الله- ﷺ أى جعلناه قدامنا واستقبلنا العدو به، وقمنا خلفه.

رفه من ليس يعرفه- صلوات الله وسلامه عليه-. وفى حديث البراء: كنا إذا احمر البأس اتقينا برسول الله- ﷺ أى جعلناه قدامنا واستقبلنا العدو به، وقمنا خلفه.

وأما ما ذكر من سخائه وجوده وكرمه، فاعلم أن السخاء صفة غريزية، وفى مقابلته الشح، والشح من لوازم صفة النفس، قال الله تعالى: وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ «١» فحكم بالفلاح لمن وقى الشح، وحكم بالفلاح أيضا لمن أنفق وبذل فقال: وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ «٢» أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ «٣» والفلاح أجمع اسم لسعادة الدارين. وليس الشح من الآدمى بعجيب، لأنه جبلى فيه، وإنما العجب وجود السخاء فى الغريزة، والسخاء أتم وأكمل من الجود، وفى مقابلته البخل، وفى مقابلة السخاء الشح، والجود والبخل يتطرق انتهى الاكتساب بطريق العادة بخلاف الشح والسخاء إذ كان ذلك من ضرورة الغريزة، فكل سخى جواد وليس كل جواد سخيّا. والجود يتطرق إليه الرياء، ويأتى به الإنسان متطلعا لغرض من الخلق أو الحق بمقابلة من الثناء أو غير ذلك من الخلق والثواب من الله تعالى، ولا يتطرق الرياء إلى السخاء لأنه ينبع من النفس الزكية المرتفعة عن الأغراض. أشار إليه فى عوارف المعارف. وقد كان رسول الله- ﷺ أحسن الناس وأشجع الناس وأجود الناس «٤» رواه البخارى ومسلم من حديث أنس. وأجود: أفعل تفضيل، من الجود وهو إعطاء ما ينبغى لمن ينبغى، ومعناه: هو أسخى الناس، ولما كانت نفسه أشرف النفوس ومزاجه أعدل الأمزجة لابد أن يكون فعله أحسن الأفعال، وشكله أملح الأشكال، وخلقه أحسن الأخلاق، فلا شك يكون أجود الناس، وكيف لا وهو مستغن عن الفانيات بالباقيات الصالحات. واقتصار أنس على هذه الأوصاف الثلاثة من جوامع الكلم، لأنها أمهات

ن الأخلاق، فلا شك يكون أجود الناس، وكيف لا وهو مستغن عن الفانيات بالباقيات الصالحات. واقتصار أنس على هذه الأوصاف الثلاثة من جوامع الكلم، لأنها أمهات

الأخلاق، فإن فى كل إنسان ثلاث قوى: إحداها الغضبية، وكمالها الشجاعة، وثانيها، الشهوانية وكمالها الجود، وثالثها العقلية وكمالها النطق بالحكمة. وفى رواية لمسلم عنه: ما سئل رسول الله- ﷺ شيئا إلا أعطاه، فجاءه رجل فأعطاه غنما بين جبلين، فرجع إلى قومه فقال: يا قوم أسلموا فإن محمدا يعطى عطاء من لا يخاف الفقر «١» . وعنده أيضا عن صفوان بن أمية قال: لقد أعطانى رسول الله- ﷺ ما أعطانى وإنه لمن أبغض الناس إلى، فما برح يعطينى حتى إنه لأحب الناس إلى «٢» . قال ابن شهاب: أعطاه يوم حنين مائة من الغنم، ثم مائة، ثم مائة. وفى مغازى الواقدى: إن النبى- ﷺ أعطى صفوان يومئذ واديا مملوآ إبلا ونعما، فقال صفوان: أشهد ما طابت بهذا إلا نفس نبى. ويرحم الله ابن جابر حيث قال: هذا الذى لا يتقى فقرا إذا ... يعطى ولو كثر الأنام وداموا واد من الأنعام أعطى آملا ... فتحيرت لعطائه الأوهام وإنما أعطاه ذلك لأنه- ﷺ علم أن داءه لا يزول إلا بهذا الدواء وهو الإحسان فعالجه به حتى برئ من داء الكفر وأسلم، وهذا من كمال شفقته ورحمته ورأفته- ﷺ إذ عامله بكمال الإحسان، وأنقذه من حر النيران إلى برد لطف الجنان. وكان على إذا وصفه- ﷺ قال: كان أجود الناس كفّا، وأصدق الناس لهجة. وخرج ابن عدى- بإسناد فيه ضعف- من حديث أنس مرفوعا: «أنا أجود بنى آدم» «٣» . فهو- ﷺ بلا ريب أجود بنى آدم على الإطلاق، كما أنه أفضلهم وأعلمهم وأشجعهم وأكملهم فى جميع الأوصاف الحميدة، وكان جوده

بجميع أنواع الجود، من بذل العلم والمال، وبذل نفسه لله فى إظهار دينه وهداية عباده وإيصال النفع إليهم بكل طريق، من إطعام جائعهم ووعظ جاهلهم، وقضاء حوائجهم، وتحمل أثقالهم، ولقد أحسن ابن جابر حيث قال: يروى حديث الندى والبشر عن يده ... ووجهه بين منهل ومنسجم من وجه أحمد لى بدر ومن يده ... بحر ومن فمه در لمنتظم يمم نبيّا تبارى الريح أنمله ... والمزن من كل هام الودق مرتكم لو عامت الفلك فيما فاض من يده ... لم تلق أعظم بحر منه إن تعم تحيط كفاه بالبحر المحيط فلذ ... به ودع كل طامى الموج ملتطم لو لم تحط كفه بالبحر ما شملت ... كل الأنام وروت قلب كل ظمى فسبحان من أطلع أنوار الجمال من أفق جبينه، وأنشأ أمطار السحاب من غمائم يمينه. روى البخارى من حديث جابر: (ما سئل رسول الله- ﷺ عن شىء قط فقال: لا) «١» وكذا عند مسلم، أى ما طلب منه شىء من أمر الدنيا فمنعه: قال الفرزدق: ما قال لا قط إلا فى تشهده ... لولا التشهد كانت لاؤه نعم لكن قال شيخ مشايخنا الحافظ أبو الفضل ابن حجر: ليس المراد أنه يعطى ما يطلب منه جزما، بل المراد: أنه لا ينطق بالرد، بل إن كان عنده أعطاه إن كان الإعطاء سائغا وإلا سكت. قال: وقد ورد بيان ذلك فى حديث مرسل لابن الحنيفة عند ابن سعد ولفظه: إذا سئل فأراد أن يفعل قال: نعم، وإن لم يرد أن يفعل سكت. وهو قريب من حديث أبى هريرة؛ ما عاب طعاما قط، إن اشتهاه أكله وإلا تركه. قال الشيخ عز الدين بن عبد السلام معناه: لم يقل: لا، منعا للعطاء، ولا يلزم من ذلك أن لا يقولها اعتذارا كما فى قوله تعالى: قُلْتَ لا أَجِدُ ما أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ «٢» ، ولا يخفى الفرق بين

لم يقل: لا، منعا للعطاء، ولا يلزم من ذلك أن لا يقولها اعتذارا كما فى قوله تعالى: قُلْتَ لا أَجِدُ ما أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ «٢» ، ولا يخفى الفرق بين

قوله: لا أجد ما أحملكم وبين لا أحملكم انتهى. وهو نظير ما فى حديث أبى موسى الأشعرى: لما سأله الأشعريون الحملان فقال- ﷺ: «ما عندى ما أحملكم» «١» . لكن يشكل عليه أنه- ﷺ حلف لا يحملهم فقال: «والله لا أحملكم» «٢» فيمكن أن يخص من عموم حديث جابر، ما إذا سئل ما ليس عنده والسائل يتحقق أنه ليس عنده ذلك، أو حيث كان المقام لا يقتضى الاقتصار على السكوت من الحالة الواقعة، أو من حال السائل، كأن لم يكن يعرف العادة، فلو اقتصر فى جوابه على السكوت مع حاجة السائل لتمادى على السؤال مثلا، ويكون القسم على ذلك تأكيدا لقطع طمع السائل، والسر فى الجمع بين قوله: «لا أجد ما أحملكم» وقوله: «والله لا أحملكم» أن الأول لبيان أن الذى سئله لم يكن موجودا عنده، والثانى أنه لا يتكلف الإجابة إلى ما سئل بالقرض مثلا أو بالاستيهاب، إذ لا اضطرار حينئذ، وروى الترمذى أنه حمل إليه تسعون ألف درهم فوضعت على حصير، ثم قام إليها يقسمها، فما رد سائلا حتى فرغ منها. قال: وجاءه رجل فقال ما عندى شىء ولكن ابتع على، فإذا جاءنا شىء قضيناه، فقال له عمر: ما كلفك الله ما لا تقدر، فكره النبى- ﷺ، فقال رجل من الأنصار: يا رسول الله، أنفق ولا تخف من ذى العرش إقلالا، فتبسم- ﷺ وعرف البشر فى وجهه. وقال: «بهذا أمرت» «٣» . وإنما فعل ذلك للمصلحة الداعية لذلك كالاستئلاف ونحوه.

سول الله، أنفق ولا تخف من ذى العرش إقلالا، فتبسم- ﷺ وعرف البشر فى وجهه. وقال: «بهذا أمرت» «٣» . وإنما فعل ذلك للمصلحة الداعية لذلك كالاستئلاف ونحوه.

وذكر ابن فارس فى كتابه «فى أسماء النبى- ﷺ» أنه فى يوم حنين جاءت امرأة فأنشدت شعرا تذكره أيام رضاعته فى هوازن فرد عليهم ما أخذ وأعطاهم عطاء كثيرا حتى قوّم ما أعطاهم ذلك اليوم فكان خمسمائة ألف ألف. قال ابن دحية: وهذا نهاية الجود الذى لم يسمع بمثله فى الوجود. وفى البخارى من حديث أنس: أنه أتى بمال من البحرين فقال: «انثروه» - يعنى صبوه- فى المسجد، وكان أكثر مال أتى به النبى- ﷺ، فخرج إلى المسجد ولم يلتفت إليه، فلما قضى الصلاة جاء فجلس إليه، فما كان يرى أحدا إلا أعطاه، إذ جاءه العباس فقال: أعطنى، فإنى فاديت نفسى وفاديت عقيلا، فقال له «خذ» ، فحثا فى ثوبه ثم ذهب يقله فلم يستطع، فقال: يا رسول الله مر بعضهم يرفعه إلى، قال: لا، قال: فارفعه أنت على، قال: لا، فنثر منه ثم ذهب يقله فلم يستطع فقال: يا رسول الله مر بعضهم يرفعه على، قال: لا، قال: فارفعه أنت قال: لا، ثم نثر منه ثم احتمله فألقاه على كاهله فانطلق، فما زال النبى- ﷺ يتبعه بصره حتى خفى علينا من حرصه، فما قام- ﷺ وثم منها درهم «١» . وفى رواية ابن أبى شيبة من طريق حميد بن هلال مرسلا: كان مائة ألف، وأنه أرسل به العلاء بن الحضرمى من خراج البحرين، قال: وهو أول مال حمل إليه- ﷺ. وسايره جابر على حمل له، فقال له- ﷺ: «بعنى جملك» فقال: هو لك يا رسول الله، بأبى أنت وأمى، فقال: «بل بعنيه» فباعه إياه وأمر بلالا أن ينقده ثمنه فنقده، ثم قال- ﷺ: «اذهب بالثمن والجمل بارك الله فيهما» «٢» . مكافأة لقوله: هو لك، فأعطاه الثمن ورد عليه الجمل وزاده الدعاء بالبركة فيهما. وحديثه فى البخارى ومسلم وغيرهما.

وقد كان جوده- ﷺ كله لله وفى ابتغاء مرضاته، فإنه كان يبذل المال تارة لفقير أو لمحتاج وتارة ينفقه فى سبيل الله، وتارة يتألف به على الإسلام من يقوى الإسلام بإسلامه. وكان يؤثر على نفسه وأولاده، فيعطى عطاء يعجز عنه الملوك مثل كسرى وقيصر، ويعيش فى نفسه عيش الفقراء، فيأتى عليه الشهر والشهران لا توقد فى بيته تار، وربما ربط الحجر على بطنه الشريفة من الجوع. وكان- ﷺ قد أتاه سبى، فشكت إليه فاطمة ما تلقى من خدمة البيت وطلبت منه خادما يكفيها مؤنة بيتها، فأمرها أن تستعين بالتسبيح والتكبير والتحميد، وقال: «لا أعطيك وأدع أهل الصفة تطوى بطونهم من الجوع» «١» . وأتته امرأة ببردة فقالت: يا رسول الله أكسوك هذه، فأخذها- ﷺ محتاجا إليها فلبسها، فرآها عليه رجل من الصحابة فقال: يا رسول الله ما أحسن هذه فاكسنيها فقال: «نعم» فلما قام- ﷺ لامه أصحابه، قالوا: ما أحسنت حين رأيت النبى- ﷺ أخذها محتاجا إليها ثم سألته إياها، وقد عرفت أنه لا يسأل فيمنعه «٢» . رواه البخارى من حديث سهل بن سعد. وفى رواية ابن ماجه والطبرانى قال: نعم، فلما دخل طواها وأرسل بها إليه. وأفاد الطبرانى فى رواية زمعة بن صالح أنه- ﷺ أمر أن يصنع له غيرها فمات قبل أن يفرغ منها. وفى هذا الحديث من الفوائد: حسن خلقه- ﷺ وسعة جوده. واستنبط منه السادة الصوفية: جواز استدعاء المريد خرقة التصوف من المشايخ تبركا بهم وبلباسهم، كما استدلوا لإلباس الشيخ للمريد بحديث أنه- ﷺ ألبس أم خالد خميصة سوداء ذات علم «٣» رواه البخارى.

اء المريد خرقة التصوف من المشايخ تبركا بهم وبلباسهم، كما استدلوا لإلباس الشيخ للمريد بحديث أنه- ﷺ ألبس أم خالد خميصة سوداء ذات علم «٣» رواه البخارى.

لكن قال شيخنا: ما يذكرونه من أن الحسن البصرى لبسها من على بن أبى طالب- رضى الله عنه-، فقال ابن دحية وابن الصلاح: إنه باطل، وقال شيخ الإسلام الحافظ ابن حجر ليس فى شىء من طرقها ما يثبت، ولم يرد فى خبر صحيح ولا حسن ولا ضعيف أنه- ﷺ ألبس الخرقة على الصورة المتعارفة بين الصوفية لأحد من أصحابه، ولا أمر أحدا من أصحابه بفعلها، وكل ما يروى صريحا فى ذلك فباطل. قال: ثم إن من الكذب المفترى قول من قال: إن عليّا ألبس الخرقة الحسن البصرى، فإن أئمة الحديث لم يثبتوا للحسن من على سماعا فضلا عن أن يلبسه الخرقة. وكذا قال الدمياطى والذهبى والعلاء ومغلطاى والعراقى والأبناسى والحلبى وغيرهم مع كون جماعة منهم لبسوها وألبسوها تشبها بالقوم، نعم ورد لبسهم لها مع الصحبة له المتصلة إلى كميل بن زياد، وهو صحب على ابن أبى طالب- رضى الله عنه- من غير خلف فى صحبته له بين أئمة الجرح والتعديل. وفى بعض الطرق اتصالها بأويس القرنى، وهو اجتمع بعمر بن الخطاب وعلى بن أبى طالب- رضى الله عنهما-. وهذه صحبة لا مطعن فيها، وكثير من السادة يكتفى بمجرد الصحبة كالشاذلية وشيخنا أبى إسحاق المتبولى. وكان الشيخ يوسف العجمى يجمع بين تلقين الذكر وأخذ العهد واللبس وله فى ذلك رسالته «ريحان القلوب» قرأتها على ولد ولده العارف المسلك سيدى على، مع إلباسه لى الخرقة والتلقين والعهد. وللشيخ قطب الدين القسطلانى «ارتقاء الرتبة فى اللباس والصحبة» والله يهديناا إلى سواء السبيل.

الفصل الثالث فيما تدعو ضرورته إليه ﷺ من غذائه وملبسه ومنكحه وما يلحق بذلك وفيه أربعة أنواع:

لرتبة فى اللباس والصحبة» والله يهديناا إلى سواء السبيل.

الفصل الثالث فيما تدعو ضرورته إليه ﷺ من غذائه وملبسه ومنكحه وما يلحق بذلك وفيه أربعة أنواع:

النوع الأول فى عيشه ﷺ فى المأكل والمشرب اعلم أن تناول الطعام أصل كبير، يحتاج إلى علوم كثيرة، لاشتماله على المصالح الدينية والدنيوية، وتعلق أثره بالقلب والقالب، وبه قوام البدن بإجراء سنة الله تعالى بذلك، والقالب مركب القلب، وبهما عمارة الدنيا والآخرة، والقالب بمفرده على طبيعة الحيوان يستعان به على عمارة الدنيا، والروح والقلب على طبيعة الملائكة يستعان بهما على عمارة الآخرة، وباجتماعهما يصلحان لعمارة الدارين. قال الغزالى: ولا طريق إلى الوصول إلى اللقاء إلا بالعلم والعمل، ولا يمكن المواظبة عليهما إلا بسلامة البدن، ولا تصفو سلامة البدن إلا بالأطعمة والأقوات، والتناول منها بقدر الحاجات، على تكرار الأوقات. فمن هذا الوجه، قال بعض السلف الصالحين: إن الأكل من الدين، وعليه نبه رب العالمين بقوله، وهو أصدق القائلين: كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ وَاعْمَلُوا صالِحاً «١» ، فمن تناول الأكل ليستعين به على العلم والعمل، ويقوى به على التقوى فلا ينبغى أن يترك نفسه سدى يسترسل فى الأكل استرسال البهائم فى المرعى، فإنما هو ذريعة إلى الدين ووسيلة إليه، ينبغى أن تظهر أنوار الدين عليه، وإنما

وى فلا ينبغى أن يترك نفسه سدى يسترسل فى الأكل استرسال البهائم فى المرعى، فإنما هو ذريعة إلى الدين ووسيلة إليه، ينبغى أن تظهر أنوار الدين عليه، وإنما

نور الدين وآدابه وسننه، التى يزم العبد بزمامها، ويلجم المتقى بلجامها، حتى يزن بميزان الشرع، شهوة الطعام فى إقدامها وإحجامها، فيصير بسببها مدفعة للوزر ومجلبة للأجر. واعلم أن الشبع بدعة ظهرت بعد القرن الأول، وقد روى النسائى وابن ماجه وصححه الحاكم من حديث المقدام بن معدى كرب أن رسول الله- ﷺ قال: «ما ملأ ابن آدم وعاء شرّا من بطنه، حسب الآدمى لقيمات يقمن صلبه، فإن غلبت الآدمى نفسه فثلث للطعام وثلث للشراب وثلث للنفس» «١» . قال القرطبى فى شرح «الأسماء» كما نقله شيخ الإسلام والحافظ ابن حجر: لو سمع بقراط بهذه القسمة لعجب من هذه الحكمة. وقال غيره: إنما خص الثلاثة بالذكر لأنها أسباب حياة الحيوان، ولأنه لا يدخل البطن سواها. وهل المراد بالثلث التساوى على ظاهر الخبر، أو التقسيم على ثلاثة أقسام متقاربة؟ محل احتمال. وقد صح، (المؤمن يأكل فى معى واحد- وهى بكسر الميم مقصور: المصارين- والكافر يأكل فى سبعة أمعاء) «٢» وليست حقيقة العدد مرادة، وتخصيص السبعة للمبالغة فى التكثير، والمعنى: أن المؤمن من شأنه التقلل من الأكل لاشتغاله بأسباب العبادة ولعلمه بأن مقصود الشرع من الأكل ما سد الجوع، ويعين على العبادة، ولخشيته أيضا من حساب من زاد على ذلك، والكافر بخلاف ذلك. وعند أهل التشريح أن أمعاء الإنسان سبعة؛ المعدة ثم ثلاثة أمعاء بعدها

متصلة بها: البواب ثم الصائم ثم الرقيق، والثلاثة رقاق. ثم الأعور والقولون والمستقيم وطرفه الدبر، وكلها غلاظ، وقد نظمها زين الدين العراقى فى قوله: سبعة أمعاء لكل آدمى ... معدة بوابها مع صائم ثم الرقيق أعور قولون مع ... المستقيم مسلك المطاعم فيكون المعنى: أن الكافر لكونه يأكل بشراهة لا يشبعه إلا ملء أمعائه السبعة، والمؤمن يشبعه ملء معى واحد. ولا يلزم من هذا الحديث اطراده فى حق كل مؤمن وكافر، فقد يكون فى المؤمنين من يأكل كثيرا، إما بحسب العادة أو لعارض له من مرض باطن أو لغير ذلك. ويكون فى الكفار من يأكل قليلا إما لمراعاة الصحة على رأى الأطباء، وإنما للرياضة على رأى الرهبان، وإما لعارض كضعف المعدة. ومحصل القول إن من شأن المؤمن الحرص على الزهادة والاقتناع بالبلغة، بخلاف الكافر. وقيل: المراد أن المؤمن يسمى الله عند طعامه وشرابه فلا يشركه الشيطان فيكفيه القليل بخلاف الكافر. وقيل: المراد بالمؤمن- فى هذا الحديث- التام الإيمان، لأن من حسن إسلامه وكمل إيمانه اشتغل فكره فيما يصير إليه من الموت وما بعده، فيمنعه شدة الخوف وكثرة الفكر والإشفاق على نفسه من استيفاء شهوته كما ورد فى حديث لأبى أمامة رفعه: «من كثر تفكره قل مطعمه، ومن قل تفكره كثر مطعمه، وقسا قلبه» وقالوا: لا تدخل الحكمة معدة ملئت طعاما، ومن قل طعامه قل شربه وخف منامه، ومن خف منامه ظهرت بركة عمره، ومن امتلأ بطنه كثر شربه، ومن كثر شربه ثقل نومه، ومن ثقل نومه محقت بركة عمره، فإذا اكتفى بدون الشبع حسن اغتذاء بدنه، وصلح حال نفسه وقلبه، ومن تملأ من الطعام ساء غذاء بدنه وأشرت نفسه وقسا قلبه.

ومه، ومن ثقل نومه محقت بركة عمره، فإذا اكتفى بدون الشبع حسن اغتذاء بدنه، وصلح حال نفسه وقلبه، ومن تملأ من الطعام ساء غذاء بدنه وأشرت نفسه وقسا قلبه.

وعن ابن عباس قال- ﷺ: «إن أهل الشبع فى الدنيا هم أهل الجوع غدا فى الآخرة» «١» رواه الطبرانى. وعن سلمان وأبى جحيفة أن النبى- ﷺ قال: «إن أكثر الناس شبعا فى الدنيا أطولهم جوعا فى الآخرة» «٢» . وقالت عائشة: لم يمتلئ جوف النبى- ﷺ شبعا قط. وإنه كان فى أهله لا يسألهم طعاما ولا يتشهاه، إن أطعموه أكل، وما أطعموه قبل، وما سقوه شرب. وقولها: لم يمتلئ جوف النبى- ﷺ شبعا قط، محمول على الشبع الذى يثقل المعدة ويثبط صاحبه عن القيام بالعبادة، ويفضى إلى البطر والأشر والنوم والكسل، وقد تنتهى كراهته إلى التحريم بحسب ما يترتب عليه من المفسدة، وليس المراد بالشبع النسبى المعتاد فى الجملة، ففى صحيح مسلم: خروجه- ﷺ وصاحبيه من الجوع، وذهابهم إلى بيت الأنصارى، وذبحه الشاة «٣» . وفيه: فلما أن شبعوا ورووا. قال النووى: فيه جواز الشبع، وما جاء فى كراهته محمول على المداومة عليه. وعن أبى هريرة قال: ما شبع آل محمد- ﷺ من طعام ثلاثة أيام تباعا حتى قبض «٤» . رواه الشيخان.

فيه جواز الشبع، وما جاء فى كراهته محمول على المداومة عليه. وعن أبى هريرة قال: ما شبع آل محمد- ﷺ من طعام ثلاثة أيام تباعا حتى قبض «٤» . رواه الشيخان.

وعن ابن عباس قال: كان رسول الله- ﷺ يبيت الليالى المتتابعة وأهله طاويا لا يجدون عشاء، وإنما كان خبزهم الشعير «١» . رواه الترمذى وصححه. وفى حديث مسعر عند مسلم: «ما شبع آل محمد يومين من خبز البر، إلا وأحدهما تمر» «٢» . وأخرج ابن سعد من طريق عمران بن زيد المدنى: حدثنى والدى قال: دخلنا على عائشة فقالت: خرج- تعنى النبى- ﷺ من الدنيا ولم يملأ بطنه فى يوم من طعامين، كان إذا شبع من التمر لم يشبع من الشعير، وإذا شبع من الشعير لم يشبع من التمر «٣» . وليس فى هذا ما يدل على ترك الجمع بين لونين، فقد جمع- ﷺ القثاء والرطب كما سيأتى- إن شاء الله تعالى-. وعن الحسن قال: خطب رسول الله- ﷺ فقال: «والله ما أمسى فى آل محمد صاع من طعام، وإنها لتسعة أبيات» والله ما قالها استقلالا لرزق الله ولكن أراد أن تتأسى به أمته. رواه الدمياطى فى السيرة له. وعن عائشة قالت: كان يعجب نبى الله- ﷺ من الدنيا ثلاثة أشياء: الطيب والنساء والطعام، فأصاب اثنتين ولم يصب واحدة، أصاب النساء والطيب، ولم يصب الطعام. ذكره الدمياطى أيضا. وفى رواية مسلم: «يظل اليوم يلتوى ما يجد من الدقل ما يملأ بطنه» «٤» .

Bagian 18 dari 49