— Bagian 19 · ب اثنتين ولم يصب واحدة، أصاب النساء والطيب، ولم … —
Bagian 19
ب اثنتين ولم يصب واحدة، أصاب النساء والطيب، ولم يصب الطعام. ذكره الدمياطى أيضا. وفى رواية مسلم: «يظل اليوم يلتوى ما يجد من الدقل ما يملأ بطنه» «٤» .
وقالت عائشة: إن كنا آل محمد نمكث شهرا ما نستوقد بنار، إن هو إلا الماء والتمر «١» . وقال عتبة بن غزوان: لقد رأيتنى- وإنى لسابع سبعة- مع رسول الله- ﷺ ما لنا طعام إلا ورق السمر حتى تقرحت أشداقنا «٢» . وفى البخارى ومسلم: كانت عائشة تقول لعروة: والله يا ابن أختى، إن كنا لننظر إلى الهلال ثم الهلال ثم الهلال، ثلاثة أهلة فى شهرين وما أوقد فى أبيات رسول الله- ﷺ نار، قال: قلت: يا خالة فما كان يعيشكم؟ قالت: الأسودان، التمر والماء، إلا أنه كان لرسول الله- ﷺ جيران من الأنصار، وكانت لهم منائح فكانوا يرسلون إلى رسول الله- ﷺ من ألبانها فيسقيناه «٣» . ولمسلم أيضا: قالت: لقد مات رسول الله- ﷺ وما شبع من خبز وزيت فى يوم واحد مرتين «٤» . وقال أنس: ما أعلم أن رسول الله- ﷺ رأى رغيفا مرققا حتى لحق بالله، ولا رأى شاة سميطا بعينه حتى لحق بالله «٥» . رواه البخارى. والمرقق: الملين المحسن كخبز الحوارى وشبهه، والترقيق: التليين، ولم يكن عندهم مناخل، وقد يكون المرقق: الرقيق الموسع، قاله القاضى عياض. وجزم به ابن الأثير فقال: وهو السميد وما يصنع من كعك وغيره، وقال ابن الجوزى: هو الخفيف. كأنه أخذه من الرقاق وهى الخشبة التى يرقق بها. والحوارى: - بضم المهملة وتشديد الواو وفتح الراء- الخالص الذى ينخل مرة بعد أخرى.
وقوله: ولا شاة سميطا: هو الذى أزيل شعره بالماء السخن وشوى بجلده، وإنما يصنع ذلك فى الصغير السن، وهو من فعل المترفهين من وجهين: أحدهما المبادرة إلى ذبح ما لو بقى لازداد ثمنه، وثانيهما: أن المسلوخ ينتفع بجلده فى اللبس وغيره. والسمط يفسده، وقد جرى ابن بطال وابن الأثير على أن المسموط هو المشوى، لكن الثانى ذكر أن أصله نزع صوفه بالماء الحار كما تقدم، قال: وإنما يفعل ذلك فى الغالب ليشوى. ولعله يعنى: أنه لم يرد السميط فى مأكوله، وإلا فإن لم يكن معهودا فلا تمدح. وعن أبى حازم أنه سأل سهلا: هل رأيتم فى زمان النبى- ﷺ النقى؟ قال: لا، فقلت: كنتم تنخلون الشعير؟ قال: لا، ولكن كنا ننفخه «١» . رواه البخارى. وفى رواية له: هل كانت لكم فى عهد رسول الله- ﷺ مناخل؟ فقال: ما رأى النبى- ﷺ منخلا من حين ابتعثه الله حتى قبضه الله «٢» . قال شيخ الإسلام ابن حجر: أظنه احترز عما قبل البعثة، لكونه- ﷺ كان يسافر فى تلك المدة إلى الشام تاجرا، وكانت الشام إذ ذاك مع الروم، والخبز النقى عندهم كثير، وكذا المناخل وغيرها من آلات الترفه، ولا ريب أنه رأى ذلك عندهم، وأما بعد البعثة فلم يكن إلا بمكة والطائف والمدينة، ووصل إلى تبوك وهى من أطراف الشام لكن لم يفتحها ولا طالت إقامته بها. انتهى. وقد تتبعت هل كانت أقراص خبزه صغارا أم كبارا؟ فلم أجد فى ذلك
ائف والمدينة، ووصل إلى تبوك وهى من أطراف الشام لكن لم يفتحها ولا طالت إقامته بها. انتهى. وقد تتبعت هل كانت أقراص خبزه صغارا أم كبارا؟ فلم أجد فى ذلك
شيئا بعد التفتيش. نعم روى أمره بتصغيرها فى حديث عند الديلمى عن عائشة رفعته بلفظ: «صغروا الخبز وأكثروا عدده يبارك لكم فيه» «١» ، وهو واه، بحيث ذكره ابن الجوزى فى الموضوعات وقال: إن المتهم به جابر بن سليم. وروى عن ابن عمر مرفوعا: «البركة فى صغر القرص» «٢» ، ونقل عن النسائى أنه كذب. لكن روى البزار بسند ضعيف عن أبى الدرداء مرفوعا. «قوتوا طعامكم يبارك لكم فيه» «٣» قال فى النهاية: وحكى عن الأوزاعى أنه تصغير الأرغفة، كذا حكى البزار عن إبراهيم بن عبد الله بن الجنيد عن بعض أهل العلم: أنه تصغير الأرغفة. أشار إلى ذلك شيخنا فى المقاصد الحسنة. ولعل هذا سند شيخى وقدوتى وإنسان عين بصيرتى العارف الربانى رهان العارفين أبى إسحاق إبراهيم المتبولى فى تصغير أرغفة سماطه كالشيخ أبى العباس أحمد البدوى «٤» والسادات إكسير معارف السعادات أولى المواهب
العلية والحقائق المحمدية بنى الوفاء أعاد الله من بركاتهم وواصل إمداداتهم إلينا. وعن عائشة قالت: توفى- ﷺ وليس عندى شىء يأكله ذو كبد إلا شطر شعير فى رف لى، فأكلت منه حتى طال على فكلته ففنى «١» رواه البخارى ومسلم. وعندهما أيضا قالت: توفى رسول الله- ﷺ ودرعه مرهونة عند يهودى فى ثلاثين صاعا من شعير «٢» . وقال ابن عباس: ودرعه مرهونة بعشرين صاعا من طعام أخذه لأهله. رواه الترمذى «٣» . وعن أبى هريرة قال: خرج رسول الله- ﷺ ذات يوم فإذا هو بأبى بكر وعمر، فقال: ما أخرجكما من بيوتكما هذه الساعة؟ قالا: الجوع يا رسول الله، قال: «وأنا والذى نفسى بيده لآخرجنى الذى أخرجكما» فأتى رجلا من الأنصار، فإذا هو ليس فى بيته، فلما رأته المرأة قالت: مرحبا وأهلا. فقال لها- ﷺ: «أين فلان؟» قالت: ذهب يستعذب لنا الماء، إذ جاء الأنصارى، فنظر إلى رسول الله- ﷺ وصاحبيه فقال: الحمد لله ما أحد اليوم أكرم أضيافا منى. قال: فانطلق فجاءهم بعذق فيه بسر وتمر
يستعذب لنا الماء، إذ جاء الأنصارى، فنظر إلى رسول الله- ﷺ وصاحبيه فقال: الحمد لله ما أحد اليوم أكرم أضيافا منى. قال: فانطلق فجاءهم بعذق فيه بسر وتمر
ورطب، فقال: كلوا، وأخذ المدية فقال له رسول الله- ﷺ: «إياك والحلوب» فذبح لهم فأكلوا من الشاة ومن ذلك العذق وشربوا، فلما أن شبعوا ورووا قال- ﷺ لأبى بكر وعمر: «والذى نفسى بيده لتسألن عن هذا النعيم يوم القيامة أخرجكم من بيوتكم الجوع، ثم لم ترجعوا حتى أصابكم هذا النعيم» «١» رواه مسلم وغيره. وهذا السؤال سؤال تشريف وإنعام وتعديد فضل وإكرام. وعن طلحة بن نافع أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: أخذ رسول الله- ﷺ بيدى ذات يوم إلى منزله فأخرج إليه فلق من خبز، فقال: «ما من أدم؟» فقالوا: لا، إلا شىء من خل، قال: «نعم الأدم الخل» . قال جابر: فما زلت أحب الخل منذ سمعتها من نبى الله- ﷺ وقال طلحة: فما زلت أحب الخل منذ سمعتها من جابر «٢» . رواه مسلم. وروى عن ابن بجير قال: أصاب النبى- ﷺ جوع يوما، فعمد إلى حجر فوضعه على بطنه ثم قال: «ألا رب نفس الدنيا جائعة عارية يوم القيامة، ألا رب مكرم لنفسه وهو لها مهين، ألا رب مهين لنفسه وهو لها مكرم» «٣» رواه ابن أبى الدنيا. وعن أنس عن أبى طلحة قال: شكونا إلى رسول الله- ﷺ الجوع ورفعنا عن بطوننا عن حجر حجر، فرفع رسول الله- ﷺ عن بطنه عن حجرين «٤» ، قال الترمذى: هذا حديث غريب من حديث أبى طلحة لا نعرفه
إلا من هذا الوجه. ومعنى قوله: ورفعنا عن بطوننا عن حجر. قال: كان أحدهم يشد فى بطنه الحجر من الجهد والضعف الذى به من الجوع. وقصة جابر- يوم الخندق- حين رأى النبى- ﷺ يوم الخندق، وقد قام إلى الكدية وبطنه معصوب بحجر. وتقدمت، وما أحسن قول الأبوصيرى: وشد من سغب أحشاءه وطوى ... تحت الحجارة كشحا مترف الأدم والكشح: كما ذكرته فى شرح هذه القصيدة، ما بين خاصرته الشريفة وأقصر ضلع من جنبه الشريف، وإنما فعل هذا- ﷺ ليسكن بعض ألم الجوع، وإنما كان هذا الفعل مسكنا لأن كلب الجوع من شدة حرارة المعدة الغريزية، فهى إذا امتلأت من الطعام اشتغلت تلك الحرارة بالطعام، فإذا لم يكن فيها طعام طلبت رطوبات الجسم وجواهره، فيتألم الإنسان بتلك الحرارة فتتعلق بكثير من جواهر البدن، فإذا انضمت على المعدة الأحشاء والجلد خمدت نارها بعض الخمود فقل الألم. وإنما تألمه بالجوع ليحصل به تضعيف الأجر مع حفظ قوته ونضارة جسمه، حتى إن من رآه لا يظن أن به جوعا، لأن جسمه- ﷺ إنما كان يرى أشد نضارة من أجسام المترفين بالنعم فى الدنيا. وهذا المعنى هو الذى قصده الناظم بقوله «مترف الأدم» وهو من باب الاحتراس والتكميل، لأنه لما ذكر أنه شد من سغب. خاف أن يتوهم أن جسمه الشريف حينئذ يظهر فيه أثر الجوع فاحترس ورفع ذلك الإبهام بقوله: مترف الأدم. وقد أنكر أبو حاتم بن حبان أحاديث وضع الحجر على بطنه الشريف من الجوع، وقال: إنها باطلة، متمسكا بحديث الوصال «لست كأحدكم إنى
أطعم وأسقى» «١» قال: وإنما معناه: الحجز، بالزاى وهو طرف الإزار، لأن الله تعالى قد كان يطعم رسول الله- ﷺ ويسقيه إذا واصل، فكيف يحتاج إلى شد الحجر على بطنه؟ وما يغنى الحجر عن الجوع. انتهى. وقال بعضهم: يجوز أن يكون عصب الحجر لعادة العرب أو أهل المدينة أنهم يفعلون ذلك إذا خلت أجوافهم وغارت بطونهم يشدون عليها حجرا ففعل- ﷺ ذلك ليعلم أصحابه أنه ليس عنده ما يستأثر به عليهم. والصواب: صحة الأحاديث، وأنه- ﷺ فعل ذلك اختيارا للثواب.
وافهم وغارت بطونهم يشدون عليها حجرا ففعل- ﷺ ذلك ليعلم أصحابه أنه ليس عنده ما يستأثر به عليهم. والصواب: صحة الأحاديث، وأنه- ﷺ فعل ذلك اختيارا للثواب.
وقد استشكل كونه- ﷺ وأصحابه كانوا يطوون الأيام جوعا، مع ما ثبت أنه كان يرفع لأهله قوت سنة، وأنه قسم بين أربعة أنفس من أصحابه ألف بعير مما أفاء الله عليه، وأنه ساق فى عمرته مائة بدنة فنحرها وأطعمها المساكين، وأنه أمر لأعرابى بقطيع من الغنم، وغير ذلك، مع من كان معه من أصحاب الأموال كأبى بكر وعمر وعثمان وطلحة وغيرهم، مع بذلهم أنفسهم وأموالهم بين يديه. وقد أمر بالصدقة فجاء أبو بكر بجميع ماله، وعمر بنصفه، وحث على تجهيز جيش العسرة فجهزهم عثمان بألف بعير إلى غير ذلك. وأجاب عنه الطبرى- كما حكاه فى فتح البارى- أن ذلك كان منهم فى حالة دون حالة لا لعوز وضيق، بل تارة للإيثار وتارة لكراهة الشبع وكثرة الأكل، انتهى. وتعقب: بأن ما نفاه مطلقا فيه نظر لما تقدم من الأحاديث وأخرج ابن حبان فى صحيحه عن عائشة: «من حدثكم أنا كنا نشبع من التمر فقد كذبكم» «١» ، فلما افتتحت قريظة أصبنا شيئا من التمر والودك إلى غير ذلك. قال الحافظ ابن حجر: والحق أن الكثير منهم كانوا فى حال ضيق قبل الهجرة، حيث كانوا بمكة ثم لما هاجروا إلى المدينة كان أكثرهم كذلك، فواساهم الأنصار بالمنازل والمنائح، فلما فتحت لهم النضير وما بعدها ردوا عليهم منائحهم كما تقدم. وقد قال- ﷺ: «لقد أخفت فى الله وما يخاف أحد، ولقد أوذيت فى الله وما يؤذى أحد، ولقد أتت على ثلاثون من يوم وليلة ما لى ولبلال طعام يأكله أحد إلا شىء يواريه إبط بلال» «٢» . رواه الترمذى وصححه.
حد، ولقد أوذيت فى الله وما يؤذى أحد، ولقد أتت على ثلاثون من يوم وليلة ما لى ولبلال طعام يأكله أحد إلا شىء يواريه إبط بلال» «٢» . رواه الترمذى وصححه.
نعم كان- ﷺ يختار ذلك مع إمكان حصول التوسع والتبسط فى الدنيا له، كما أخرج الترمذى من حديث أبى أمامة، أن رسول الله- ﷺ قال: «عرض على ربى ليجعل لى بطحاء مكة ذهبا، قلت: لا، يا رب ولكن أشبع يوما وأجوع يوما، فإذا جعت تضرعت إليك وذكرتك، وإذا شبعت شكرتك وحمدتك» «١» وحكمة هذا التفصيل الاستلذاذ بالخطاب، وإلا فالله تعالى عالم بالأشياء جملة وتفصيلا. وعن ابن عباس قال: كان رسول الله- ﷺ ذات يوم وجبريل على الصفا، فقال رسول الله- ﷺ: «يا جبريل والذى بعثك بالحق ما أمسى لآل محمد سفة من دقيق، ولا كف من سويق» ، فلم يكن كلامه بأسرع من أن سمع هدة من السماء أفزعته فقال رسول الله- ﷺ: «أمر الله القيامة أن تقوم؟ قال: لا، ولكن أمر إسرافيل فنزل إليك حين سمع كلامك، فأتاه إسرافيل فقال: إن الله سمع ما ذكرت فبعثنى إليك بمفاتيح خزائن الأرض، وأمرنى أن أعرض عليك أسير معك جبال تهامة زمردا وياقوتا وذهبا وفضة فإن رضيت فعلت، فإن شئت نبيّا ملكا، وإن شئت نبيّا عبدا، فأومأ إليه جبريل أن تواضع فقال: بل نبيّا عبدا ثلاثا» «٢» ، رواه الطبرانى بإسناد حسن. فانظر إلى همته العلية كيف عرضت عليه مفاتيح كنوز الأرض فأباها، ومعلوم أنه لو أخذها لأنفقها فى طاعة ربه، فأبى ذلك واختار العبودية المحضة، فيا لها من همة شريفة رفيعة ما أسناها ونفس زكية كريمة ما أبهاها، ولله در صاحب بردة المديح حيث قال: وراودته الجبال الشم من ذهب ... عن نفسه فأراه أيما شمم وأكدت زهده فيها ضرورته ... إن الضرورة لا تعدو على العصم وكيف تدعو إلى الدنيا ضرورة من ... لولاه لم تخرج الدنيا من العدم
أى كيف تدعو ضرورة سيد المعصومين إلى زخرف الدنيا، وهى وما فيها إنما برزت لأجله، فكيف يضطر إليها. لكن فى كلامه شىء، فإنه فى مقام المديح فلا يليق منه الوصف بالزهد ولا بالضرورة. قال الحليمى فى شعب الإيمان: من تعظيم النبى- ﷺ أن لا يوصف بما هو عند الناس من أوصاف الضعة، فلا يقال كان فقيرا. وأنكر بعضهم إطلاق الزهد فى حقه- ﷺ. وقد حكى صاحب «نثر الدر» عن محمد بن واسع أنه قيل له: فلان زاهد، قال: وما قدر الدنيا حتى يزهد فيها. وقد ذكر القاضى عياض فى الشفاء، ونقله عنه الشيخ تقى الدين السبكى فى كتابه «السيف المسلول» أن فقهاء الأندلس أفتوا بقتل حاتم المتفقه الطليطلى وصلبه لاستخفافه بحق النبى- ﷺ وتسميته إياه أثناء مناظرته باليتيم، وزعمه أن زهده لم يكن قصدا، ولو قدر على الطيبات لأكلها. انتهى. وقد ذكر الشيخ بدر الدين الزركشى عن بعض الفقهاء المتأخرين أنه كان يقول: لم يكن النبى- ﷺ فقيرا من المال قط، ولا حاله حال فقير، بل كان أغنى الناس بالله، قد كفى أمر دنياه فى نفسه وعياله، وكان يقول فى قوله- ﷺ: «اللهم أحينى مسكينا» «١» إن المراد به استكانة القلب لا المسكنة التى هى أن لا يجد ما يقع موقعا من كفايته. وكان يشدد النكير على من يعتقد خلاف ذلك انتهى. وأما ما يروى أنه- ﷺ قال: «الفقر فخرى وبه أفتخر» «٢» فقال شيخ الإسلام والحافظ ابن حجر: هو باطل موضوع. واعلم أنه لم يكن من عادته الكريمة- ﷺ حبس نفسه الشريفة على نوع واحد من الأغذية لا يتعداه إلى سواه، فإن ذلك يضر بالطبيعة جدّا، ولو
حجر: هو باطل موضوع. واعلم أنه لم يكن من عادته الكريمة- ﷺ حبس نفسه الشريفة على نوع واحد من الأغذية لا يتعداه إلى سواه، فإن ذلك يضر بالطبيعة جدّا، ولو
أنه أفضل الأغذية، بل كان- ﷺ يأكل مما جرت عادة أهل بلده بأكله من اللحم والفاكهة والخبز والتمر وغيره مما سيأتى، فأكل- ﷺ الحلوى والعسل وكان يحبهما «١» ، رواه البخارى والترمذى، والحلوى: بالقصر والمد، كل حلو، وقال الخطابى: اسم الحلوى لا يقع إلا على ما دخلته الصنعة، وقال ابن سيدة: ما عولج من الطعام بحلو، وقد يطلق على الفاكهة. قال الخطابى: ولم يكن حبه- ﷺ لها على معنى كثرة التشهى لها، وشدة نزاع النفس إليها، وإنما كان ينال منها إذا أحضرت إليه نيلا صالحا فيعلم بذلك أنها تعجبه، ووقع فى كتاب فقه اللغة للثعالبى: أن حلوى النبى- ﷺ التى كان يحبها هى المجيع- بالميم والجيم، بوزن عظيم- وهو تمر يعجن بلبن، حكاه فى فتح البارى. ولم يصح ورود أنه- ﷺ كان يحب السكر ولا أنه تصدق به ولا أنه رآه. لكن أخرج أبو جعفر الطحاوى والبيهقى فى سننه من حديث لمازة عن ثور بن يزيد عن خالد بن معدان عن معاذ بن جبل: أن رسول الله- ﷺ حضر ملاك رجل من الأنصار، فجاءت الجوارى معهن الأطباق عليها اللوز والسكر فأمسك القوم أيديهم، فقال- ﷺ: «ألا تنتهبون؟» قالوا: إنك نهيت عن النهبة، قال: «أما العرسان فلا» «٢» ، قال: فرأيت النبى- ﷺ يجاذبهم ويجاذبونه. واحتج به الطحاوى على أن النثار غير مكروه، كما ذهب إليه أبو حنيفة، وقضى به على الأحاديث الصحيحة التى فيها النهى عن النهبة. لكن
- ﷺ يجاذبهم ويجاذبونه. واحتج به الطحاوى على أن النثار غير مكروه، كما ذهب إليه أبو حنيفة، وقضى به على الأحاديث الصحيحة التى فيها النهى عن النهبة. لكن
قال البيهقى بعد رواية الحديث: وهذا لا يثبت، ثم قال: وروى من حديث عائشة عنه- ﷺ، ولا يثبت فى هذا المعنى شىء، وشنع على الطحاوى القول فى ذلك جدّا فى كتاب المعرفة وقال: الحديث إنما يروى عن عون بن عمارة وعصمة بن سليمان وكلاهما لا يحتج به، وشيخهما لمازة بن المغيرة مجهول، فهاتان علتان كل منهما منفردة توجب ضعف الحديث فكيف بهما مجتمعتان؟! هذا وخالد بن معدان منقطع ولا حجة فى منقطع. فهذه علل ثلاث يضعف الحديث بدونها. وقد أفرد الكلام على ذلك ابن مفلح اليوسفى والله أعلم. وعن ليث بن أبى سالم قال: أول من خبص فى الإسلام عثمان بن عفان، قدمت عليه عير تحمل الدقيق والعسل فخلط بينهما وبعث به إلى رسول الله- ﷺ فأكل فاستطابه. قال الطبرى فى الرياض: رواه خيثمة فى فضائل عثمان. وعن عبد الله بن سلام قال: قدمت عير فيها جمل لعثمان بن عفان عليه دقيق حوارى وسمن وعسل، فأتى بها النبى- ﷺ فدعا فيها بالبركة ثم دعا ببرمة فنصبت على النار وجعل فيها من العسل والدقيق والسمن ثم عصد حتى نضج أو كاد ينضج ثم أنزل فقال- ﷺ: «كلوا هذا شىء تسميه فارس الخبيص» «١» قال الطبرى: خرجه تمام فى فوائده والطبرانى فى معجمه ورجاله ثقات. وأكل- ﷺ لحم الضأن. وهذه الثلاثة- أعنى: الحلوى والعسل واللحم. من أفضل الأغذية وأنفعها للبدن والكبد والأعضاء، ولا ينفر منها إلا من به علة وآفة. «واللحم سيد طعام أهل الجنة» ، وفى رواية «هو سيد الطعام لأهل الدنيا والآخرة» «٢» ، رواه ابن ماجة وابن أبى الدنيا من حديث أبى الدرداء مرفوعا. وسنده ضعيف وله شواهد منها:
عن على رفعه: سيد طعام الدنيا اللحم ثم الأرز، أخرجه أبو نعيم فى الطب النبوى. وأكل اللحم يزيد سبعين قوة. قاله الزهرى. وعن على: أنه يصفى اللون ويحسن الخلق ومن تركه أربعين ليلة ساء خلقه. ولأبى الشيخ ابن حيان من رواية ابن سمعان قال: سمعت من علمائنا يقولون: كان أحب الطعام إلى رسول الله- ﷺ اللحم، وهو يزيد فى السمع، وهو سيد الطعام فى الدنيا والآخرة، ولو سألت ربى أن يعطمنيه كل يوم لفعل. وقال الإمام الشافعى: إن أكله يزيد فى العقل. وكان- ﷺ يعجبه الذراع ولذلك سم فيه، وعن أبى رافع أنه أهديت له شاة فجعلها فى قدر، فدخل رسول الله- ﷺ فقال: «ما هذا يا أبا رافع؟» فقال: شاة أهديت لنا يا رسول الله فطبختها فى القدر. قال: «ناولنى الذراع يا أبا رافع» ، فناولته الذراع، ثم قال: «ناولنى الذراع الآخر» ، فناولته الذراع الآخر، فقال: «ناولنى الذراع الآخر» فقال: يا رسول الله، إنما للشاة ذراعان فقال له رسول الله- ﷺ: «أما إنك لو سكت لناولتنى ذراعا فذراعا ما سكت» ، ثم دعا بماء فمضمض فاه وغسل أطراف أصابعه ثم قام فصلى «١» . الحديث رواه أحمد. ورواه الدارمى والترمذى عن أبى عبيد بلفظ: طبخت له- ﷺ قدرا، وكان يعجبه الذراع، فناولته الذراع، ثم قال: «ناولنى الذراع» ، فقلت: يا رسول الله وكم للشاة من ذراع؟ فقال: «والذى نفسى بيده لو سكت لناولتنى الذراع ما دعوت» . وقالت عائشة: وكان الذراع أحب إليه، وكان لا يأكل اللحم إلا غبّا، وكان يعجل إليها لأنه أعجل نضجا «٢» ، رواه الترمذى.
لو سكت لناولتنى الذراع ما دعوت» . وقالت عائشة: وكان الذراع أحب إليه، وكان لا يأكل اللحم إلا غبّا، وكان يعجل إليها لأنه أعجل نضجا «٢» ، رواه الترمذى.
وكذلك كان يحب لحم الرقبة. فعن ضباعة بنت الزبير أنها ذبحت فى بيتها شاة، فأرسل إليها رسول الله- ﷺ: «أن أطعمينا من شاتكم» ، فقالت: ما بقى عندنا إلا الرقبة، وإنى لأستحى أن أرسل بها إلى رسول الله- ﷺ. فرجع الرسول فأخبره، فقال: «ارجع إليها فقل لها: أرسلى بها فإنها هاربة الشاة وأقرب الشاة إلى الخير وأبعدها من الأذى» «١» . ولا ريب أن أخف لحم الشاة لحم الرقبة ولحم الذراع والعضد، وهو أخف على المعدة وأسرع انهضاما، وفى هذا أنه ينبغى مراعاة الأغذية التى تجمع ثلاث خواص: أحدها: كثرة نفعها وتأثيرها فى القوى، الثانى: خفتها على المعدة وسرعة انحدارها عنها، الثالث: سرعة هضمها، وهذا أفضل ما يكون من الغذاء. وقال- ﷺ: «أطيب اللحم لحم الظهر» «٢» ، رواه الترمذى. وأما الحديث أنه- ﷺ كان يكره الكليتين لمكانهما من البول، فقال الحافظ العراقى رويناه فى جزء من حديث أبى بكر محمد بن عبد الله بن الشخير من حديث ابن عباس بإسناد فيه ضعف. انتهى. وكان- ﷺ ينتهش اللحم، أى يقبض عليه بفمه ويزيله من العظم أو غيره، وينتشله أى يقتلعه من المرق. والنهش بعد الانتشال. وفى البخارى: أنه- ﷺ احتز من كتف شاة فى يده، فدعى إلى الصلاة، فألقاها والسكين التى يحتز بها، ثم قال إلى الصلاة، ولم يتوضأ «٣» .
والنهش بعد الانتشال. وفى البخارى: أنه- ﷺ احتز من كتف شاة فى يده، فدعى إلى الصلاة، فألقاها والسكين التى يحتز بها، ثم قال إلى الصلاة، ولم يتوضأ «٣» .
قال ابن بطال: هذا الحديث يرد حديث أبى معشر عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رفعته: «لا تقطعوا اللحم بالسكين فإنه من صنيع الأعاجم وانهشوا فإنه أهنأ وأمرأ» «١» قال أبو داود وهو حديث ليس بالقوى. قال الحافظ أبو الفضل العسقلانى- ﵀، له شاهد من حديث صفوان بن أمية. أخرجه الترمذى بلفظ: «انهشوا اللحم نهشا، فإنه أهنأ وأمرأ» «٢» وقال: لا نعرفه إلا من حديث عبد الكريم انتهى. قال: وعبد الكريم هو أبو أمية بن أبى المخارق، ضعيف، لكن أخرجه ابن أبى عاصم من وجه آخر عن صفوان بن أمية فهو حسن لكن ليس فيه ما زاده أبو معشر من التصريح بالنهى عن قطع اللحم بالسكين. وأكثر ما فى حديث صفوان أن النهش أولى. انتهى. ويمكن الجمع: بأن النهش مما على العظم الصغير، والاحتزاز مما على الكبير. وأكل- ﷺ الشواء، فعن أم سلمة أنها قربت إلى النبى- ﷺ جنبا مشويّا فأكل منه ثم قام إلى الصلاة وما توضأ «٣» ، قال الترمذى: حسن صحيح. وأكل- ﷺ القديد، كما فى حديث فى السنن عن رجل قال: ذبحت لرسول الله- ﷺ شاة ونحن مسافرون. فقال: «أصلح لحمها» ، فلم أزل أطعمه منه إلى المدينة «٤» وأكل- ﷺ من الكبد المشوية. وأكل لحم الدجاج «٥» رواه الشيخان والترمذى وغيرهم. وأكل لحم حمار
ون. فقال: «أصلح لحمها» ، فلم أزل أطعمه منه إلى المدينة «٤» وأكل- ﷺ من الكبد المشوية. وأكل لحم الدجاج «٥» رواه الشيخان والترمذى وغيرهم. وأكل لحم حمار
الوحش «١» رواه الشيخان، وأكل لحم الجمل سفرا وحضرا. وأكل لحم الأرنب «٢» رواه الشيخان. وأكل من دواب البحر «٣» رواه مسلم. وأكل الثريد- وهو بفتح المثلاثة- أن يثرد الخبز بمرق اللحم، وقد يكون معه اللحم. ومن أمثالهم: الثريد أحد اللحمين. وروى أبو داود من حديث ابن عباس قال: أحب الطعام إلى رسول الله- ﷺ الثريد من الخبز والثريد من الحيس «٤» . وأكله- ﷺ بالسمن، وأكل الخبز بالزيت. وعن حذيفة أن النبى- ﷺ قال: «إن جبريل أطعمنى الهريسة، يشد بها ظهرى لقيام الليل» «٥» ، رواه الطبرانى فى الأوسط، وفيه محمد بن الحجاج اللخمى، وهو الذى وضع هذا الحديث. وأكل- ﷺ الدباء وكانت تعجبه، وكان يتتبعها من حوالى القصعة، قال أنس فلم أزل أحب الدباء من يومئذ «٦» . رواه مسلم. وقال النووى: فيه
أنه يستحب أن تحب الدباء وكذلك كل شىء كان يحبه- ﷺ. وكذلك أكل- ﷺ السلق مطبوخا بالشعير قال الترمذى: حديث حسن غريب. وأتى الحسن بن على وابن عباس وابن جعفر إلى سلمى فقالوا: اصنعى لنا طعاما مما كان يعجب رسول الله- ﷺ ويحسن أكله: فقالت: يا بنى لا تشتهيه اليوم فقال: بلى اصنعيه لنا، فقامت فأخذت شيئا من الشعير فطحنته ثم جعلته فى قدر وصبت عليه شيئا من زيت ودقت الفلفل والتوابل فقربته إليهم فقالت: هذا مما كان يعجبه- ﷺ ويحسن أكله. رواه الترمذى. وأكل- ﷺ الخزيرة- وهى بخاء معجمة مفتوحة ثم زاى مكسورة، وبعد التحتانية الساكنة راء- ما يتخذ من الدقيق على هيئة العصيدة، لكن أرق منها، قاله الطبرى. وقال ابن فارس: دقيق يخلط بشحم، وقال القتبى وتبعه الجوهرى: أن يؤخذ اللحم فيقطع صغارا ويصب عليه ماء كثير فإذا نضج ذر عليه الدقيق، فإن لم يكن فيها لحم فهى عصيدة. وقيل: مرقة تصفى من بلالة النخالة ثم تطبخ، وقيل: الخزيرة بالإعجام من النخالة، والحريرة- يعنى بالإهمال- من اللبن. وقال عتبان: غدا على رسول الله- ﷺ وأبو بكر حين ارتفع النهار، وحبسناه على خزير صنعناه «١» وأكل- ﷺ الأقط «٢» ، قاله ابن عباس فيما رواه وهو جبن اللبن المستخرج زبده، أكلته وهو كثير بمكة والمدينة زادهما الله شرفا، وهو أشبه شىء بالكشك. وأكل- ﷺ الرطب والتمر والبسر. رواه مسلم والترمذى وغيرهما. وأكل الكباث «٣» . رواه مسلم، وهو بفتح الكاف وتخفيف الموحدة وبعد
شرفا، وهو أشبه شىء بالكشك. وأكل- ﷺ الرطب والتمر والبسر. رواه مسلم والترمذى وغيرهما. وأكل الكباث «٣» . رواه مسلم، وهو بفتح الكاف وتخفيف الموحدة وبعد
الألف مثلاثة، النضيج من تمر الأراك. وقيل ورق الأراك، وتعقبه الإسماعيلى فقال: إنما هو تمر الأراك وهو البرير- بموحدة بوزن الحرير- فإذا اسود فهو الكباث. وفى النهاية لابن الأثير؛ أنه- ﷺ كان يحب الجذب- بالجيم والذال المعجمة المفتوحتين- أى الجمار، وهو شحم النخل واحدتها جذبة. وأما الجبن، ففى السنن من حديث ابن عمر قال: أتى النبى- ﷺ بجبنة فى تبوك فدعا بسكين فسمى وقطع «١» رواه أبو داود. وكان- ﷺ يراعى صفات الأطعمة وطبائعها واستعمالها على قاعدة الطب، فإذا كان فى أحد الطعامين ما يحتاج إلى كسر وتعديل كسره وعدله بضده إن أمكن، كتعديله حرارة الرطب بالبطيخ. وهذا أصل كبير فى المركبات من الأدوية، وإن لم يجد ذلك تناوله على حاجة وداعية من النفس من غير إسراف. وروى أبو داود من حديث أبى أسامة عن هشام أنه- ﷺ كان يأكل البطيخ بالرطب، ويقول يكسر حر هذا ببرد هذا، وبرد هذا بحر هذا «٢» . ورواه يزيد بن رومان عن الزهرى عن عروة بتقديم «الطاء» كما للنوقانى، وبتأخيرها كما للنسائى فى الوليمة، فكأنه عند هشام باللفظين. وكذا رواه ابن حبان فى صحيحه من حديث محمد بن عبد الرحمن عن الإمام أحمد بن حنبل عن وهب بن جرير بن حازم، حدثنا أبى، سمعت حميدا يحدث عن أنس أن النبى- ﷺ كان يأكل الطبيخ أو البطيخ بالرطب، وقال عقبة: الشك من أحمد «٣» . وتقديم الطاء لغة حكاها صاحب المحكم. وقد كان محمد بن أسلم لا يأكل البطيخ لأنه لم ينقل كيفية أكل رسول الله- ﷺ له. وروى الطبرانى فى الأوسط من حديث عبد الله بن جعفر
لغة حكاها صاحب المحكم. وقد كان محمد بن أسلم لا يأكل البطيخ لأنه لم ينقل كيفية أكل رسول الله- ﷺ له. وروى الطبرانى فى الأوسط من حديث عبد الله بن جعفر
قال: رأيت فى يمين النبى- ﷺ قثاء وفى شماله رطبا وهو يأكل من ذا مرة، ومن ذا مرة «١» ، وفى سنده ضعف. وأخرج فيه، وفى الطب لأبى نعيم من حديث أنس. كان يأخذ الرطب بيمينه والبطيخ بيساره، فيأكل الرطب بالبطيخ، وكان أحب الفاكهة إليه. وسنده ضعيف أيضا. وأخرج النسائى بسند صحيح عن حميد عن أنس: رأيت رسول الله- ﷺ يجمع بين الرطب والخربز- «٢» وهو بكسر الخاء المعجمة وسكون الراء وكسر الموحدة بعدها زاى- نوع من البطيخ الأصفر. وفى هذا تعقب على من زعم أن المراد بالبطيخ فى الحديث الأخضر، واعتلوا بأن الأصفر فيه حرارة كما فى الرطب، وقد ورد التعليل بأن أحدهما يطفئ الآخر. والجواب عن ذلك بأن فى الأصفر بالنسبة للرطب برودة، وإن كان فيه لحلاوته طرف حرارة، والله أعلم. وفى رواية النسائى أيضا، بسند صحيح عن عائشة أن نبى الله- ﷺ أكل البطيخ والرطب جميعا «٣» . وأخرج ابن ماجه عن عائشة: أرادت أمى معالجتى للسمنة لتدخلنى على رسول الله- ﷺ فما استقام لها ذلك حتى أكلت الرطب بالقثاء، فسمنت كأحسن سمنة «٤» . ورواه النسائى وقال: بالتمر، مكان الرطب. وأما فضائل البطيخ فأحاديثه باطلة، وإن أفرده النوقاتى فى جزء كما قال الحافظ والله أعلم. وقد كان- ﷺ يأكل التمر بالزبد ويعجبه. فعن عبد الله وعطية ابنى بسر، قالا: دخل علينا رسول الله- ﷺ فقدمنا له زبدا وتمرا، وكان يحب
قال الحافظ والله أعلم. وقد كان- ﷺ يأكل التمر بالزبد ويعجبه. فعن عبد الله وعطية ابنى بسر، قالا: دخل علينا رسول الله- ﷺ فقدمنا له زبدا وتمرا، وكان يحب
الزبد والتمر» . رواه أبو داود وابن ماجه. وسمى النبى- ﷺ اللبن والتمر الأطيبين «٢» . رواه أحمد. وكان يأكل الخبز مأدوما ما وجد له إداما، فتارة يأدمه باللحم ويقول: هو سيد الطعام لأهل الدنيا والآخرة، وتارة بالبطيخ، وتارة بالتمر، فإنه وضع تمرة على كسرة من خبز الشعير، وقال: «هذه إدام هذه» «٣» ، رواه أبو داود والترمذى بسند حسن من حديث يوسف بن عبد الله ابن سلام قال: رأيت النبى- ﷺ أخذ ... فذكره. قال ابن القيم: وهذا من تدبير الغذاء، فإن الشعير بارد يابس، والتمر حار رطب- على أصح القولين- فإدام خبز الشعير به من أحسن التدبير. وتارة بالخل، ويقول: نعم الأدم الخل «٤» رواه مسلم، وتقدم. قال الخطابى والقاضى عياض: معناه مدح الاقتصاد فى المأكل، ومنع النفس من ملاذ الأطعمة، تقديره: ائتدموا بالخل وما فى معناه مما تخفف مؤنته ولا يعز وجوده، ولا تنافسوا فى الشهوات فإنها مفسدة للدين مسقمة للبدن. وتعقبه النووى فقال: الذى ينبغى أن يجزم به، أنه مدح للخل نفسه، وأما الاقتصاد فى المطعم وترك الشهوات فمعلوم من قواعد أخر. انتهى. وقال ابن القيم: هذا ثناء عليه بحسب مقتضى الحال الحاضر، لا تفضيله على غيره كما ظنه بعضهم، قال: وسبب الحديث أنه دخل على أهله يوما فقدموا له خبزا فقال: «ما من أدم؟» فقالوا: ما عندنا إلا الخل، فقال: «نعم الأدم الخل» والمقصود أن أكل الخبز مع الأدم من أسباب حفظ الصحة بخلاف الاقتصار على أحدهما، وسمى الأدم أدما لإصلاحه الخبز وجعله ملائما لحفظ الصحة،
وليس فى هذا تفضيل له على اللبن واللحم والعسل والمرق، ولو حضر لحم أو لبن لكان أولى بالمدح منه، فقال هذا جبرا وتطييبا لقلب من قدمه له، لا تفضيلا له على سائر أنواع الأدم. وكان- ﷺ يأكل من فاكهة بلده عند مجيئها، ولا يحتمى عنها. وهذا من أكبر أسباب الصحة، فإن الله سبحانه بحكمته جعل فى كل بلد من الفاكهة ما ينتفع به أهلها فى وقته، فيكون تناوله من أسباب صحتهم وعافيتهم، ويغنى عن كثير من الأدوية، وقل من احتمى عن فاكهة بلدة خشية السقم إلا وهو من أسقم الناس جسما وأبعدهم من الصحة والقوة، فمن أكل منها ما ينبغى فى الوقت الذى ينبغى، على الوجه الذى ينبغى كان له دواء نافعا. وقد روى ابن عباس قال: رأيت رسول الله- ﷺ يأكل العنب خرطا «١» . رويناه فى الغيلانيات. لكن قال أبو جعفر العقيلى- كما حكاه فى الهدى- لا أصل لهذا الحديث. قال ابن الأثير: يقال خرط العنقود واخترطه إذا وضعه فى فيه ثم يأخذ حبه ويخرج عرجونه عاريا منه. قال: وجاء فى بعض الروايات خرصا- بالصاد بدل الطاء-. وأما البصل فروى أبو داود فى سننه عن عائشة أنها سئلت عن البصل فقالت: إن آخر طعام أكله رسول الله- ﷺ فيه بصل «٢» . وثبت عنه فى الصحيحين أنه منع آكله من دخول المسجد «٣» . وكان- ﷺ يترك الثوم دائما
نها سئلت عن البصل فقالت: إن آخر طعام أكله رسول الله- ﷺ فيه بصل «٢» . وثبت عنه فى الصحيحين أنه منع آكله من دخول المسجد «٣» . وكان- ﷺ يترك الثوم دائما
لأنه يتوقع مجىء الملائكة والوحى كل ساعة. قال النووى: واختلف أصحابنا فى حكم الثوم فى حقه- ﷺ وكذلك البصل والكراث ونحوها، فقال بعض أصحابنا: هى محرمة عليه، والأصح عندهم أنها مكروهة كراهة تنزيه وليست محرمة لعموم قوله- ﷺ: «لا» فى جواب: أحرام هى؟ «١» ومن قال بالأول يقول: معنى الحديث: ليس بحرام فى حقكم. انتهى. فينبغى لمحبه موافقته- ﷺ فى ترك الثوم ونحوه، وكراهة ما كان يكرهه- ﷺ، فإن من أوصاف المحب الصادق أن يحب ما أحب محبوبه ويكره ما يكرهه. وكان- ﷺ يأكل بأصابعه الثلاث «٢» . رواه الترمذى فى الشمائل وهذا- كما فى الهدى- أنفع ما يكون من الأكلات، فإن الأكل بأصبع أكل المتكبر، ولا يستلذ به الآكل ولا يمريه ولا يشبعه إلا بعد طول، ولا يفرح آلات الطعام والمعدة بما ينالها فى كل أكلة فيأخذها على إغماض كما يأخذ الرجل حقه حبة حبة أو نحو ذلك، فلا يلتذ بأخذه، والأكل بالخمسة والراحة يوجب ازدحام الطعام على الآلة وعلى المعدة، وربما استدت الآلات فمات، وتغصب الآلات على دفعه، والمعدة على احتماله، ولا يجد له لذة ولا استمراء، فأنفع الأكل أكله- ﷺ، وأكل من اقتدى به بالأصابع الثلاثة. وكان- ﷺ يلعق أصابعه إذا فرغ ثلاثا: رواه الترمذى فى الشمائل. وفى رواية مسلم ويلعق يده قبل أن يمسحها. وفى رواية أنه أمر بلعق الأصابع والصحفة «٣» . وقد روى الترمذى عن أم عاصم قالت: دخل علينا نبيشة الخير، ونحن نأكل فى قصعة فحدثنا أن رسول الله- ﷺ قال: «من أكل
اية أنه أمر بلعق الأصابع والصحفة «٣» . وقد روى الترمذى عن أم عاصم قالت: دخل علينا نبيشة الخير، ونحن نأكل فى قصعة فحدثنا أن رسول الله- ﷺ قال: «من أكل
فى قصعة ثم لحسها استغفرت له القصعة» «١» ، وكذا أخرجه ابن ماجه وأحمد وابن شاهين والدارمى وغيرهم. وقال الترمذى: إنه حديث غريب. وأورده بعضهم بلفظ: تستغفر الصحفة للاحسها. وفى حديث جابر مرفوعا عن أبى الشيخ فى الثواب: «من أكل ما يسقط من الخوان أو القصعة أمن من الفقر والبرص والجذام وصرف عن ولده الحمق» «٢» . وللديلمى من طريق الرشيد عن آبائه عن ابن عباس رفعه؛ «من أكل ما يسقط من المائدة خرج ولده صباح الوجوه، ونفى عنه الفقر» «٣» . وأورده الغزالى فى الإحياء بلفظ: «عاش فى سعة وعوفى فى ولده» وكلها مناكير. لكن فى مسلم عن جابر وأنس مرفوعا: «إذا وقعت لقمة أحدكم فليأخذها فليمط ما كان بها من أذى ولا يدعها للشيطان، ولا يمسح يده بالمنديل حتى يلعق أصابعه لأنه لا يدرى فى أى طعامه البركة» «٤» . وفى حديث كعب بن عجرة عند الطبرانى فى الأوسط صفة لعق الأصابع، ولفظه: رأيت رسول الله- ﷺ يأكل بأصابعه الثلاث، بالإبهام والتى تليها والوسطى، ثم رأيته يلعق أصابعه الثلاث قبل أن يمسحها، الوسطى ثم التى تليها ثم الإبهام «٥» . قال الحافظ زين الدين العراقى فى شرح الترمذى: كأن السر فيه أن الوسطى أكثر تلويثا لأنها أطول فيبقى فيها من الطعام أكثر من غيرها، ولأنها لطولها أول ما ينزل الطعام. وقد وقع فى مرسل ابن شهاب
لترمذى: كأن السر فيه أن الوسطى أكثر تلويثا لأنها أطول فيبقى فيها من الطعام أكثر من غيرها، ولأنها لطولها أول ما ينزل الطعام. وقد وقع فى مرسل ابن شهاب
عند سعيد بن منصور أن النبى- ﷺ كان إذا أكل أكل بخمس. فيجمع بينه وبين ما تقدم باختلاف الحال. وقد جاءت علة اللعق مبينة- فى بعض الروايات- أنه لا يدرى أحدكم فى أى طعامه البركة. وفى الحديث رد على من كره لعق الأصابع استقذارا ممن ينسب للرياسة والإمرة فى الدنيا. نعم، يحصل ذلك لو فعله أثناء الأكل لأنه يعيد أصابعه فى الطعام، وعليها أثر ريقه. قال الخطابى: عاب قوم أفسد عقلهم الترفه لعق الأصابع، وزعموا أنه مستقبح، كأنهم لم يعلموا أن الطعام الذى علق بالأصابع والصحفة جزء من أجزاء ما أكلوه، وإذا لم يكن سائر أجزائه مستقذرا لم يكن الجزء اليسير منه مستقذرا، وليس فى ذلك أكثر من مصه أصابعه بباطن شفتيه، ولا يشك عاقل أن لا بأس بذلك، فقد يتمضمض الإنسان فيدخل أصبعه فى فيه فيدلك أسنانه وباطن فمه، ثم لم يقل أحد إن ذلك قذارة وسوء أدب، انتهى. ولا ريب أن من استقذر ما نسب إلى رسول الله- ﷺ سيىء الأدب، يخشى عليه أمر عظيم، فنسأل الله بوجاهة وجهه الكريم أن لا يسلك بنا غير حلاوة سبيل سنته وأن يديم لنا محبته. وقد كان- ﷺ لا يأكل متكئا، لما صح أنه قال «لا آكل متكئا» «١» . رواه البخارى. وقال: «إنما أنا عبد أجلس كما يجلس العبد، وآكل كما يأكل العبد» «٢» . وروى ابن ماجه والطبرانى بإسناد حسن قال: أهديت للنبى- ﷺ شاة، فجثا على ركبتيه يأكل فقال له أعرابى: ما هذه الجلسة؟ فقال: «إن الله جعلنى كريما ولم يجعلنى جبارا عنيدا» «٣» .
قال ابن بطال: إنما فعل ذلك النبى- ﷺ تواضعا لله، ثم ذكر من طريق أيوب عن الزهرى قال: أتى النبى- ﷺ ملك لم يأته قبلها فقال: إن ربك يخيرك بين أن تكون نبيّا ملكا أو نبيّا عبدا، فنظر إلى جبريل كالمستشير له، فأومأ إليه أن تواضع، فقال: «بل عبدا نبيّا» قال فما أكل متكئا «١» . وهذا مرسل أو معضل، وقد وصله النسائى من طريق الزبيدى عن الزهرى عن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاصى قال: ما رؤى النبى- ﷺ يأكل متكئا قط. وأخرج ابن أبى شيبة عن مجاهد قال: ما أكل النبى- ﷺ متكئا إلا مرة واحدة. ويمكن الجمع بأن تلك المرة التى فى أثر مجاهد لم يطلع عليها عبد الله بن عمرو. فقد أخرج ابن شاهين «فى ناسخه» من مرسل عطاء بن يسار: أن جبريل رأى النبى- ﷺ يأكل متكئا فنهاه، وروى ابن ماجه أنه- ﷺ نهى أن يأكل الرجل وهو منبطح على وجهه «٢» . وقد فسر القاضى عياض فى الشفاء الاتكاء بالتمكن للأكل والتقعدد للجلوس له كالمتربع وشبهه من تمكن الجلسات التى يعتمد فيها الجالس على ما تحته. قال: والجالس على هذه الهيئة يستدعى الأكل ويستكثر منه. والنبى- ﷺ إنما كان جلوسه للأكل المستوفز مقعيا. قال: وليس معنى الحديث فى الاتكاء الميل على شق عند المحققين انتهى. والإقعاء: أن يلصق أليتيه بالأرض وينصب ساقيه ويتساند إلى ظهره، وهو المنهى عنه فى الصلاة. وتفسير القاضى عياض الاتكاء بما فسره به حكاه فى الإكمال عن الخطابى، وقال: إن الخطابى خالف فى هذا التأويل أكثر الناس، وأنهم إنما حملوا الاتكاء على أنه الميل على أحد الجانبين. انتهى. والذى رأيته يعزى للخطابى: تحسب العامة أن المتكئ هو الآكل على أحد شقيه وليس كذلك،
اس، وأنهم إنما حملوا الاتكاء على أنه الميل على أحد الجانبين. انتهى. والذى رأيته يعزى للخطابى: تحسب العامة أن المتكئ هو الآكل على أحد شقيه وليس كذلك،
بل هو المعتمد على الوطاء الذى تحته. انتهى. وقد فسر أيضا بالميل على أحد الشقين، وبه فسر ابن الجوزى: وقيل هو الاعتماد على الشىء، وقيل: أن يعتمد على يده اليسرى من الأرض. وقد أخرج ابن عدى بسند ضعيف: زجر النبى- ﷺ أن يعتمد الرجل على يده اليسرى عند الأكل. قال الإمام مالك: هو نوع من الاتكاء، قال الحافظ أبو الفضل العسقلانى: وفى هذا إشارة من مالك إلى كراهة كل ما يعد الآكل فيه متكئا، ولا يختص بصفة بعينها، وحكى ابن الأثير فى النهاية أن من فسر الاتكاء بالميل على أحد الشقين تأوله على مذهب الطب. وقال ابن القيم: إنه يضر بالآكل، فإنه يمنع مجرى الطعام الطبيعى عن هيئته ويعوقه عن سرعة نفوذه إلى المعدة ويضغط المعدة فلا يستحكم فتحها للغذاء. وأما الاعتماد على الشىء فهو جلوس الجبابرة المنافى للعبودية، ولهذا قال- ﷺ: «آكل كما يأكل العبد» «١» . وإن كان المراد بالاتكاء الاعتماد على الوسائل والوطاء الذى تحت الجالس- كما ذكرته عن الخطابى- فيكون المعنى: أنى إذا أكلت لم أقعد متكئا على الأوطئة والوسائد كفعل الجبابرة ومن يريد الإكثار من الطعام، لكنى آكل بلغة من الزاد، فلذلك أقعد مستوفزا. وفى حديث أنس أنه- ﷺ أكل تمرا وهو مقع «٢» ، من الجوع. وفى رواية: وهو محتفز. والمراد الجلوس على وركيه غير متمكن. واختلف السلف فى حكم الأكل متكئا، فزعم ابن القاص: أن ذلك من خصائصه- ﷺ. وتعقبه السهيلى فقال: قد يكره لغيره أيضا لأنه من فعل المتعظمين، وأصله مأخوذ من ملوك العجم، قال: فإن كان بالمرء مانع لا يتمكن معه من الأكل إلا متكئا لم يكن فى ذلك كراهة، ثم ساق عن جماعة من السلف أنهم أكلوا كذلك، وأشار إلى حمل ذلك عنهم على الضرورة.
ن كان بالمرء مانع لا يتمكن معه من الأكل إلا متكئا لم يكن فى ذلك كراهة، ثم ساق عن جماعة من السلف أنهم أكلوا كذلك، وأشار إلى حمل ذلك عنهم على الضرورة.
قال فى فتح البارى: وفى الحمل نظر، وقد أخرج ابن أبى شيبة عن ابن عباس وخالد بن الوليد ومحمد بن سيرين وعطاء بن يسار وغيرهم جواز ذلك مطلقا، وإذا ثبت كونه مكروها أو خلاف الأولى، فالمستحب فى صفة الجلوس للآكل أن يكون جاثيا على ركبتيه وظهور قدميه، أو ينصب الرجل اليمنى ويجلس على اليسرى. انتهى. وقال ابن القيم: ويذكر عنه- ﷺ أنه كان يجلس للأكل متوركا على ركبتيه ويضع بطن قدمه اليسرى على ظهر اليمنى تواضعا- ﷺ لله ﷿ وأدبا بين يديه. قال وهذه الهيئة أنفع هيئات الأكل وأفضلها لأن الأعضاء كلها تكون على وضعها الطبيعى الذى خلقها الله تعالى عليه. انتهى. وأخرج ابن أبى شيبة من طريق إبراهيم النخعى قال: كانوا يكرهون أن يأكلوا اتكاة مخافة أن تعظم بطونهم. وكان- ﷺ إذا وضع يده فى الطعام يسمى الله تعالى «١» . وأما قول النووى فى آداب الأكل من الأذكار: والأفضل أن يقول: بسم الله الرحمن الرحيم، فإن قال: بسم الله كفاه وحصلت السنة. فقال فى فتح البارى: لم أر لما أدعاه من الأفضلية دليلا خاصا. وكان- ﷺ يحمد فى آخره فيقول: «الحمد لله حمدا كثيرا مباركا فيه غير مودع ولا مستغنى عنه ربنا» «٢» رواه الترمذى. وقوله: «غير مودع» بفتح الدال الثقيلة- أى غير متروك. ولا مستغنى: بفتح النون. وربنا: بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف، أى: هو ربنا؛ ويجوز النصب على المدح، أو الاختصاص، أو إضمار أعنى. وقال ابن الجوزى: بالنصب على النداء مع حذف أداة النداء. وفى رواية: «الحمد لله الذى أطعمنا وسقانا وجعلنا مسلمين» «٣» .
وللنسائى من طريق عبد الرحمن بن جبير المصرى أنه حدثه رجل خدم النبى- ﷺ ثمان سنين له كان يسمع النبى- ﷺ إذا قرب إليه طعام يقول: «بسم الله» ، فإذا فرغ قال: «اللهم أطعمت وسقيت وأغنيت وأقنيت وهديت وأحييت فلك الحمد على ما أعطيت» «١» وسنده صحيح. وقد كان- ﷺ يحب التيامن من شأنه كله «٢» ، وقال- ﷺ: «يا غلام سم الله وكل بيمينك وكل مما يليك» «٣» . قال الحافظ زين الدين العراقى فى شرح الترمذى: حمله أكثر الشافعية على الندب، وبه جزم الغزالى ثم النووى. لكن نص الشافعى فى الرسالة وفى موضع آخر من الأم على الوجوب، كذا ذكر عنه الصيرفى فى شرح الرسالة. ونقل البويطى فى مختصره: أن الأكل من رأس الثريد، والتعريس على الطريق، والقران فى التمر حرام. ومثل البيضاوى فى منهاجه للندب بقوله: «كل مما يليك» وتعقبه الشيخ تاج الدين بن السبكى فى شرحه: بأن الشافعى نص فى غير هذا الموضع على أن من أكل مما لا يليه عالما بالنهى كان عاصيا آثما، قال: وقد جمع والدى نظائر هذه المسألة فى كتاب له سماه «كشف اللبس عن المسائل الخمس» ونصر القول بأن الأمر فيها للوجوب. قال شيخ الإسلام ابن حجر: بعد أن ذكر ذلك: ويدل على وجوب الأكل باليمين ورود الوعيد فى الأكل بالشمال، ففى صحيح مسلم أن النبى
قول بأن الأمر فيها للوجوب. قال شيخ الإسلام ابن حجر: بعد أن ذكر ذلك: ويدل على وجوب الأكل باليمين ورود الوعيد فى الأكل بالشمال، ففى صحيح مسلم أن النبى
- ﷺ رأى رجلا يأكل بشماله فقال: «كل بيمينك» فقال: لا أستطيع، قال: «لا استطعت» «١» فما رفعها إلى فيه بعد فإن قلت: إنه- ﷺ كان يتتبع الدباء من حوالى القصعة وهو يعارض الأكل مما يلى: فالجواب: أنه يحمل الجواز على ما إذا علم رضى من يأكل معه، فإذا علم كراهة من يأكل معه لذلك لم يأكل إلا مما يليه. قال ابن بطال: وإنما جالت يد رسول الله- ﷺ فى الطعام، لأنه علم أن أحدا لا يتكره ذلك منه ولا يتقذره، بل كانوا يتبركون بريقه وبما مسه بيده، بل كانوا يتبادرون إلى نخامته فيتدلكون بها. وقال غيره: إنما فعل ذلك لأنه كان يأكل وحده. وهو غير مسلّم، لأن أنسا أكل معه- ﷺ. وحديث عكراش عند الترمذى: الذى فيه التفصيل بين ما إذا كان لونا واحدا فلا يتعدى ما يليه، أو أكثر من لون فيجوز، ضعيف والله أعلم. وقرب إليه- ﷺ طعام، فقالوا: ألا نأتيك بوضوء؟ قال: «إنما أمرت بالوضوء إذا قمت إلى الصلاة» «٢» رواه الترمذى. وفى رواية له: أنه- ﷺ قال: «بركة الطعام الوضوء قبله والوضوء بعده» «٣» . فيحمل الوضوء الأول على الشرعى والثانى على اللغوى. وروى أبو يعلى بإسناد ضعيف من حديث ابن عمر: من أكل من هذه اللحوم شيئا فليغسل يده من ريح وضره، ولا يؤذى من حذاءه. ولم يكن- ﷺ يأكل طعاما حارا، فروى الطبرانى فى الصغير والأوسط من حديث بلال بن أبى هريرة عن أبيه أن النبى- ﷺ أتى
سل يده من ريح وضره، ولا يؤذى من حذاءه. ولم يكن- ﷺ يأكل طعاما حارا، فروى الطبرانى فى الصغير والأوسط من حديث بلال بن أبى هريرة عن أبيه أن النبى- ﷺ أتى
بصحفة تفور، فقال: «إن الله لم يطعمنا نارا» «١» قال: وبلال قليل الرواية عن أبيه. انتهى. وعند أبى نعيم فى الحلية، من حديث أنس مرفوعا: كان يكره الكى والطعام الحار ويقول: «عليكم بالبارد فإنه ذو بركة، ألا وإن الحار لا بركة له» «٢» الحديث. ولأحمد وأبى نعيم من حديث أسماء أنها كانت إذا ثردت غطته بشىء حتى يذهب فوره ثم تقول: إنى سمعت رسول الله- ﷺ يقول: «هو أعظم بركة» «٣» . لكن عند البيهقى- بسند صحيح- عن أبى هريرة قال: أتى النبى- ﷺ بطعام سخن فقال: «ما دخل بطنى طعام سخن منذ كذا وكذا قبل اليوم» «٤» . وكان له- ﷺ قدح من خشب مضبب بحديد، قال أنس لقد سقيته- ﷺ بهذا القدح الشراب كله: الماء والنبيذ والعسل. وفى البخارى عن سهل بن سعد قال: أقبل النبى- ﷺ حتى جلس فى سقيفة بنى ساعدة هو وأصحابه، ثم قال «اسقنا يا سهل» فأخرجت لهم هذا القدح فأسقيتهم فيه «٥» ، فأخرج لنا سهل ذلك القدح فشربنا منه ثم استوهبه عمر بن عبد العزيز بعد ذلك فوهبه له. الحديث. وكان عمر بن عبد العزيز قد ولى حينئذ إمرة المدينة. وعند البخارى من حديث عاصم الأحول قال: رأيت قدح النبى- ﷺ عند أنس بن مالك، وكان قد انصدع فسلسله بفضة. قال: وهو قدح جيد عريض من نضار، وقال: قال أنس: لقد سقيت رسول الله- ﷺ فى هذا القدح أكثر من كذا وكذا «٦» ، قال: وقال ابن سيرين: إنه كان فيه حلقة
بفضة. قال: وهو قدح جيد عريض من نضار، وقال: قال أنس: لقد سقيت رسول الله- ﷺ فى هذا القدح أكثر من كذا وكذا «٦» ، قال: وقال ابن سيرين: إنه كان فيه حلقة
من حديث فأراد أنس أن يجعل مكانها حلقة من ذهب أو فضة، فقال أبو طلحة: لا تغيرن شيئا صنعه رسول الله- ﷺ وتركه. وعنده: فى فرض الخمس من طريق أبى حمزة السكرى عن عاصم قال: رأيت القدح وشربت منه. وأخرجه أبو نعيم من طريق على بن الحسن ابن شقيق عن أبى حمزة، ثم قال: قال على بن الحسن وأنا رأيت القدح وشربت منه. وذكر القرطبى فى مختصر البخارى أنه رأى فى بعض النسخ القديمة من البخارى: قال أبو عبد الله البخارى: - رأيت هذا القدح بالبصرة وشربت فيه، وكان اشترى من ميراث النضر بن أنس بثمانمائة ألف. ووقع عند أحمد من طريق شريك عن عاصم: رأيت عند أنس قدح النبى- ﷺ فيه ضبة من فضة. وقوله من نضار- بضم النون وبالضاد المعجمة- الخالص من العود ومن كل شىء ويقال: أصله من شجر النبع، وقيل: من الأثل ولونه يميل إلى الصفرة. ولم يأكل- ﷺ على خوان ولا أكل خبزا مرققا «١» ، رواه الترمذى. والخوان- بكسر المعجمة ويجوز ضمها- المائدة ما لم يكن عليها طعام، وأما السفرة: فاشتهرت لما يوضع عليه الطعام. وكان- ﷺ ينهى عن النوم على الأكل، ويذكر أنه يقسى القلب، ذكره أبو نعيم، ولذا قال الأطباء- كما فى الهدى «٢» - من أراد حفظ الصحة فليمش بعد العشاء ولو مائة خطوة ولا ينام عقبه فإنه يضر جدّا، والصلاة بعد الأكل تسهل هضمه. وأما شربه- ﷺ فقد كان يستعذب له الماء، أى يطلب له الماء الحلو. قالت عائشة: كان يستعذب له الماء من بيوت السقيا «٣» . رواه أبو داود. وهى- بضم المهملة وبالقاف- وهى عين بينها وبين المدينة يومان.
قال ابن بطال: واستعذاب الماء لا ينافى الزهد، ولا يدخل في الترفه المذموم، بخلاف تطييب الماء بالمسك ونحوه، فقد كرهه مالك لما فيه من السرف. وأما شرب الماء الحلو وطلبه فمباح قد فعله الصالحون. وليس فى شرب الماء المالح فضيلة. وقد كان- ﷺ يشرب العسل الممزوج بالماء البارد. قال ابن القيم: وفى هذا من حفظ الصحة ما لا يهتدى إلى معرفته إلا أفاضل الأطباء، فإن شرب العسل ولعقه على الريق يزيل البلغم ويغسل خمل المعدة، ويجلو لزوجتها ويدفع عنها الفضلات، ويسخنها باعتدال ويفتح سددها، والماء البارد رطب يقمع الحرارة ويحفظ البدن. وقالت عائشة: كان أحب الشراب إليه- ﷺ الحلو البارد «١» . رواه الترمذى. ويحتمل أن تريد به الماء الممزوج بالعسل أو الذى نقع فيه التمر والزبيب. وكان ينبذ له أول الليل ويشربه إذا أصبح يومه ذلك، والليلة التى تجىء، والغد إلى العصر، فإن بقى شىء سقاه الخدام أو أمر به فصب «٢» . رواه مسلم. وهذا النبيذ: هو ماء يطرح فيه تمر يحليه، وله نفع عظيم فى زيادة القوة، ولم يكن يشربه بعد ثلاث خوفا من تغيره إلى الإسكار. وكان- ﷺ يشرب اللبن خالصا تارة، وتارة مشوبا بالماء البارد، لأن اللبن عند الحلب يكون حارا، وتلك البلاد فى الغالب حارة، فكان يكسر حر اللبن بالماء البارد. وعن جابر أنه- ﷺ دخل على رجل من الأنصار، ومعه صاحب له، فسلم فرد الرجل وهو يحول الماء فى حائطه، فقال- ﷺ: «إن كان عندك ماء بات فى شنه وإلا كرعنا» فقال: عندى ماء بات فى شن، فانطلق إلى العريش فسكب فى قدح ثم حلب عليه من لبن داجن، فشرب- ﷺ «٣» الحديث. رواه البخارى.
ن عندك ماء بات فى شنه وإلا كرعنا» فقال: عندى ماء بات فى شن، فانطلق إلى العريش فسكب فى قدح ثم حلب عليه من لبن داجن، فشرب- ﷺ «٣» الحديث. رواه البخارى.
وكان- ﷺ يقول: «ليس يجزئ من الطعام والشراب إلا اللبن» «١» قال الترمذى: حديث حسن. وللترمذى أيضا: عن ابن عمر مرفوعا: «ثلاثة لا ترد: اللبن والوسادة والدهن» «٢» وأنشد بعضهم: قد كان من سيرة خير الورى ... صلى عليه الله طول الزمن أن لا يرد الطيب والمتكا ... واللحم أيضا يا أخى واللبن قال ابن القيم: ولم يكن- ﷺ يشرب على طعامه لئلا يفسده، ولا سيما إن كان الماء حارا أو باردا إنه ردىء جدّا. انتهى. وكان- ﷺ يشرب قاعدا وكان ذلك عادته. رواه مسلم. وفى رواية له أيضا: أنه نهى عن الشرب قائما «٣» وفى رواية له أيضا عن أبى هريرة: «لا يشربن أحدكم قائما، فمن نسى فليستقىء» «٤» . وفى الصحيحين من حديث ابن عباس قال: أتيت النبى- ﷺ بدلو من ماء زمزم فشرب وهو قائم «٥» . وفى حديث على عند البخارى: أنه شرب وهو قائم، ثم قال: «إن أناسا يكرهون الشرب قائما، وإن النبى- ﷺ صنع مثل ما صنعت» «٦» . وكل هذه الأحاديث صحيحة ولا إشكال فيها ولا تعارض، وغلط من
أنه شرب وهو قائم، ثم قال: «إن أناسا يكرهون الشرب قائما، وإن النبى- ﷺ صنع مثل ما صنعت» «٦» . وكل هذه الأحاديث صحيحة ولا إشكال فيها ولا تعارض، وغلط من
زعم أن فيها نسخا، وكيف يصار إلى النسخ مع إمكان الجمع بين الأحاديث، والصواب: أن النهى محمول على كراهة التنزيه، وأما شربه- ﷺ قائما فلبيان الجواز. فإن قلت: كيف يكون الشرب قائما مكروها، وقد فعله- ﷺ؟ فالجواب: أن فعله- ﷺ إذا بيانا للجواز لا يكون مكروها، بل البيان واجب عليه- ﷺ. وأما قوله- ﷺ: «فمن نسى فليستقىء» فمحمول على الاستحباب والندب، فيستحب لمن شرب قائما أن يتقيأ لهذا الحديث الصحيح الصريح سواء كان ناسيا أو لا، قاله النووى. وقال المالكية: لا بأس بالشرب قائما، واستدلوا لذلك بحديث جبير بن مطعم قال: رأيت أبا بكر الصديق يشرب قائما. ويقول مالك إنه بلغه عن عمر بن الخطاب وعثمان وعلى أنهم كانوا يشربون قياما. وأجابوا عن حديث أبى هريرة «لا يشربن أحدكم قائما، فمن نسى فليستقىء» بأن عبد الحق قال: فى إسناده عمر بن حمزة العمرى، وهو ضعيف. انتهى. وقال المازرى: قال بعض شيوخنا لعل النهى ينصرف لمن أتى أصحابه بماء فبادر لشربه قائما قبلهم استبدادا به، وخروجا عن كون ساقى القوم آخرهم شربا. وقال بعض الشيوخ: الأظهر أنه موقوف على أبى هريرة: قال: والأظهر لى أن أحاديث شربه قائما تدل على الجواز، وأحاديث النهى تحمل على الاستحباب والحث على ما هو أولى وأكمل، لأن فى الشرب قائما ضرّا ما، فكره من أجله، وفعله هو لأمنه منه، قال: وعلى هذا الثانى يحمل قوله: «فمن شرب فليستقىء» على أن ذلك يحرك خلطا يكون القىء دواءه، ويؤيده قول النخعى: إنما نهى عن ذلك لداء البطن. انتهى. وقال ابن القيم: للشرب قائما آفات عديدة منها: أنه لا يحصل به الرى التام، ولا يستقر فى المعدة حتى يقسمه الكبد على الأعضاء وينزل بسرعة إلى المعدة فيخشى منه أن تبرد حرارتها، ويسرع النفوذ إلى أسافل البدن بغير تدريج، وكل هذا يضر بالشارب قائما، فإذا فعله نادرا لم يضره. وعند أحمد عن أبى هريرة أنه رأى رجلا يشرب قائما، فقال له قئه،
فقال: لم؟ قال: أيسرك أن يشرب معك الهر قال: لا، قال: قد شرب معك من هو شر منه: الشيطان «١» . وكان- ﷺ يتنفس فى الشراب ثلاثا ويقول: «إنه أروى وأمرأ وأبرأ» «٢» رواه مسلم. ومعنى تنفسه: إبانة القدح عن فيه، وتنفسه خارجه، ثم يعود إلى الشرب. وأخرج الطبرانى فى الأوسط بسند حسن عن أبى هريرة: أن النبى- ﷺ كان يشرب فى ثلاثة أنفاس «٣» : إذا أدنى الإناء إلى فيه سمى الله، فإذا أخره حمد الله، يفعل ذلك ثلاثا. وفى هذا الشرب حكم جمة وفوائد مهمة، نبه- ﷺ على مجامعها بقوله «إنه أروى وأمرأ وأبرأ» فأروى: من الرى- بكسر الراء من غير همز- أشد ريّا وأبلغه وأنفعه. وأبرأ، أفعل من البرء- بالهمز- وهو الشفاء، أى يبرئ من شدة العطش ودائه لتردده على المعدة الملتهبة دفعات، تسكن الدفعة الثانية ما عجزت الأولى عن تسكينه، والثالثة ما عجزت عنه الثانية. وأيضا: فإنه أسلم لحرارة المعدة، وأبقى عليها من أن يهجم عليها البارد وهلة واحدة ونهلة واحدة، فإنه أسلم عاقبة وآمن غائلة من تناول جميع ما يروى دفعة واحدة، فإنه يخاف منه أن يطفئ الحرارة الغريزية لشدة برده وكثرة كميته، أو يضعفها فيؤدى ذلك إلى فساد المعدة والكبد، وإلى أمراض رديئة، خصوصا فى سكان البلاد الحارة، وفى الأزمنة الحارة، فإن الشرب فيهما وهلة واحدة مخوف عليهم جدّا. وقوله: أمرأ: بالهمز، أفعل من مرؤ الطعام والشراب فى بدنه إذا داخله وخالطه بسهولة ولذة ونفع. انتهى. وقال بعضهم: والمعنى أنه يصير هنيئا مريئا. أى: سالما أو مبرئا من مرض أو عطش أو أذى. ويؤخذ من ذلك: أنه أقمع للعطش وأقوى على الهضم. ومن آفات الشرب نهلة واحدة، أنه
والمعنى أنه يصير هنيئا مريئا. أى: سالما أو مبرئا من مرض أو عطش أو أذى. ويؤخذ من ذلك: أنه أقمع للعطش وأقوى على الهضم. ومن آفات الشرب نهلة واحدة، أنه
يخاف منه الشرق، بأن ينسد مجرى الشراب لكثرة الوارد عليه، فإذا تنفس رويدا ثم شرب أمن من ذلك. وقد روى عبد الله بن المبارك والبيهقى وغيرهما عن النبى- ﷺ: إذا شرب أحدكم فليمص الماء مصّا، ولا يعب عبّا فإنه يورث الكباد «١» . والكباد: - بضم الكاف وتخفيف الباء- وجع الكبد. ولا معارضة بين التنفس هنا وبين النهى عن التنفس فى الإناء الوارد فى الحديث، لأن المنهى عنه التنفس داخل الإناء، فإنه ربما حصل للماء تغير من النفس، إما لكون المتنفس كان متغير الفم لمأكول مثلا، أو لبعد عهده بالسواك والمضمضة، أو لأن النفس يصعد ببخار المعدة، وهاهنا التنفس خارج الإناء فلا تعارض، فلو لم يتنفس جاز الشرب بنفس واحد، وقيل يمنع مطلقا لأنه شرب الشيطان. وكان- ﷺ إذا دعى لطعام وتبعه أحد أعلم به رب المنزل، فيقول: «إن هذا تبعنا فإن شئت رجع» «٢» . وكان يكرر على أضيافه ويعرض عليهم الأكل مرارا، وفى حديث أبى هريرة فى قصة شرب اللبن، وقوله مرارا: «اشرب» فما زال يقول: اشرب حتى قال: والذى بعثك بالحق لا أجد له مسلكا «٣» . رواه البخارى. وكان- ﷺ إذا أكل مع قوم كان آخرهم أكلا. رواه البيهقى فى الشعب عن جعفر بن محمد عن أبيه مرسلا. وفى حديث ابن عمر مرفوعا عند ابن ماجه والبيهقى: «إذا وضعت المائدة فلا يقوم الرجل
وإن شبع حتى يفرغ القوم، فإن ذلك يخجل جليسه وعسى أن يكون له فى الطعام حاجة» «١» . وكان- ﷺ إذا أكل عند قوم لم يخرج حتى يدعو لهم. فدعا فى منزل عبد الله بن بسر فقال: «اللهم بارك لهم فيما رزقتهم واغفر لهم وارحمهم» «٢» رواه مسلم، ودعا فى منزل سعد فقال: «أفطر عندكم الصائمون، وأكل طعامكم الأبرار وصلت عليكم الملائكة» «٣» رواه أبو داود، وسقاه آخر لبنا فقال: «اللهم أمتعه بشبابه» «٤» فمرت عليه ثمانون سنة لم ير شعرة بيضاء، رواه ابن السنى.
الأبرار وصلت عليكم الملائكة» «٣» رواه أبو داود، وسقاه آخر لبنا فقال: «اللهم أمتعه بشبابه» «٤» فمرت عليه ثمانون سنة لم ير شعرة بيضاء، رواه ابن السنى.
النوع الثانى فى لباسه ﷺ وفراشه قال البخارى: باب ما كان النبى- ﷺ يتجوز من اللباس. يعنى يتوسع فلا يضيق بالاقتصار على صنف بعينه، أو لا يضيق بطلب النفيس الغالى، بل يستعمل ما تيسر. وقال القاضى عياض: كان- ﷺ قد اقتصر منه على ما تدعوه ضرورته إليه، وزهد فيما سواه، فكان يلبس ما وجده، فيلبس- فى غالب أحواله- الشملة والكساء الخشن والأردية والأزر، ويقسم على من حضره أقبية
الديباج المخوصة بالذهب، ويرفع لمن لم يحضر. إذ المباهاة فى الملابس والتزين بها ليست من خصال الشرف والجلالة، وهى من سمات النساء، والمحمود منها نقاوة الثوب، والتوسط فى جنسه، وكونه ليس مثله، غير مسقط لمروءة جنسه. انتهى. وقد روى أبو نعيم فى الحلية عن ابن عمر مرفوعا: «أن من كرامة المؤمن على الله ﷿ نقاء ثوبه ورضاه باليسير» «١» . وله أيضا من حديث جابر: أن النبى- ﷺ رأى رجلا وسخة ثيابه فقال: «أما وجد هذا شيئا ينقى به ثيابه؟» «٢» . فقد كانت سيرته- ﷺ فى ملبسه أتم وأنفع للبدن وأخفه عليه، فإنه لم تكن عمامته بالكبيرة التى يؤذى حملها ويضعفه ويجعله عرضة للآفات، كما يشاهد من حال أصحابها ولا بالصغيرة التى تقصر عن وقاية الرأس من الحر والبرد بل وسطا بين ذلك، وكان يدخلها تحت حنكه، فإنها تقى العنق من الحر والبرد، وهو أثبت لها عند ركوب الخيل والإبل، والكر والفر، وكذلك الأردية والأزر أخف على البدن من غيرها.
، وكان يدخلها تحت حنكه، فإنها تقى العنق من الحر والبرد، وهو أثبت لها عند ركوب الخيل والإبل، والكر والفر، وكذلك الأردية والأزر أخف على البدن من غيرها. وقد أطنب ابن الحاج فى المدخل فى الاستدلال لاستحباب التحنيك، ثم قال: وإذا كانت العمامة من باب المباح فلابد فيها من فعل سنن تتعلق بها، من تناولها باليمين والتسمية والذكر الوارد، إن كانت مما ليس جديدا، وامتثال السنة فى صفة التعميم، من فعل التحنيك والعذبة. وتصغير العمامة يعنى سبعة أذرع أو نحوها، يخرجون منها التحنيك والعذبة، فإن زاد فى العمامة قليلا لأجل حر أو برد فيسامح فيه. ثم قال بعد أن ذكر قوله: وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا «٣» ، فعليك بأن تتسرول قاعدا وتتعمم قائما. انتهى.
ولم يكن- ﷺ يطول أكمامه ويوسعها، بل كان كم قميصه إلى الرسغ، وهو منتهى الكف عند المفصل، لا يجاوز اليد فيشق على لابسه ويمنعه سرعة الحركة والبطش، ولا يقصره- ﷺ عن هذا فتبرز للحر والبرد، وقد روى عن أسماء بنت يزيد قالت: كان كم قميص رسول الله- ﷺ إلى الرسغ. رواه الترمذى. وكان ذيل قميصه وردائه إلى أنصاف الساقين، لم يتجاوز الكعبين، فيؤذى الماشى ويجعله كالمقيد، ولم يقصر عن عضلة ساقيه، فيتأذى بالحر والبرد. أشار إليه فى زاد المعاد. وأخرج الترمذى عن الأشعث بن سليم قال: سمعت عمتى تحدث عن عمها قال: بينا أنا أمشى بالمدينة إذا إنسان خلفى يقول: «ارفع إزارك فإنه أتقى وأنقى» ، فإذا هو رسول الله- ﷺ، فقلت: يا رسول الله إنما هى بردة قال: «أما لك فى أسوة؟» فنظرت فإذا إزاره إلى نصف ساقيه «١» . وأخرج الطبرانى من طريق عبد الله بن محمد بن عقيل عن ابن عمر قال: رآنى النبى- ﷺ أسبلت إزارى، فقال: «يا ابن عمر كل شىء لمس الأرض من الثياب فهو فى النار» «٢» . وفى البخارى من حديث أبى هريرة عن النبى- ﷺ قال: «ما أسفل من الكعبين من الإزار فى النار» «٣» . قال الخطابى: يريد أن الموضع الذى يناله الإزار من أسفل الكعبين فى النار، فكنى بالثوب عن بدن لابسه، ومعناه: أن الذى دون الكعبين من القدم يعذب بالنار عقوبة. وحاصله أنه من باب تسمية الشىء باسم ما جاوره أو حل فيه، وتكون «من» بيانية.
لثوب عن بدن لابسه، ومعناه: أن الذى دون الكعبين من القدم يعذب بالنار عقوبة. وحاصله أنه من باب تسمية الشىء باسم ما جاوره أو حل فيه، وتكون «من» بيانية.
وللطبرانى من حديث عبد الله بن مغافل، رفعه: (إزرة المؤمن إلى أنصاف الساقين وليس عليه حرج فيما بينه وبين الكعبين، وما أسفل من ذلك ففى النار) «١» والإزرة: - بالكسر- الحالة وهيئة الائتزار مثل الركبة والجلسة. واعلم طهر الله ثوبى وثوبك، ونزه سرى وسرك- أن هذا الإطلاق محمول على ما ورد من قيد الخيلاء، فهو الذى ورد فيه الوعيد بالاتفاق. وقد أخرج أصحاب السنن إلا الترمذى- واستغربه- وابن أبى شيبة من طريق عبد العزيز بن أبى رواد عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه عن النبى- ﷺ أنه قال: «الإسبال فى الإزار والقميص والعمامة، من جر شيئا منها خيلاء» «٢» الحديث، فبين فى هذه الرواية أن الحكم ليس خاصّا بالإزار، وإن جاء فى أكثر طرق الأحاديث بلفظ الإزار. قال الطبرى: إنما ورد الخبر بلفظ الإزار، لأن أكثر الناس فى عهده كانوا يلبسون الأزر والأردية، فلما لبس الناس القمص والدراريع كان حكمها حكم الإزار فى النهى. قال ابن بطال: هذا قياس صحيح لو لم يأت النص بالثوب فإنه يشمل جميع ذلك، وفى تصوير جر العمامة نظر إلا أن يكون المراد ما جرت به عادة العرب من إرخاء العذبات، فمهما زاد على العادة فى ذلك كان من الإسبال. وهل يدخل فى الزجر عن جر الثوب تطويل أكمام القميص ونحوه؟ محل نظر. والذى يظهر أن من أطالها حتى خرج عن العادة كما يفعله بعض الحجازيين دخل فى ذلك. قال ابن القيم: وأما هذه الأكمام الواسعة الطوال، التى هى كالآخراج، وعمائم كالأبراج، فلم يلبسها- ﷺ هو ولا أحد من أصحابه، وهى مخالفة لسنته، وفى جوازها نظر، فإنها من جنس الخيلاء، انتهى. وقال صاحب «المدخل» : ولا يخفى على ذى بصيرة أن كم بعض من
بسها- ﷺ هو ولا أحد من أصحابه، وهى مخالفة لسنته، وفى جوازها نظر، فإنها من جنس الخيلاء، انتهى. وقال صاحب «المدخل» : ولا يخفى على ذى بصيرة أن كم بعض من
ينسب إلى العلم اليوم فيه إضاعة المال المنهى عنها، لأنه قد يفضل من ذلك الكم ثوب لغيره. انتهى. لكن حدث للناس اصطلاح بتطويلها، وصار لكل نوع من الناس شعار يعرفون به، ومهما كان من ذلك على سبيل الخيلاء فلا شك فى تحريمه، وما كان على طريق العادة، فلا تحريم فيه ما لم يصل إلى جر الذيل الممنوع منه. ونقل القاضى عياض عن العلماء كراهة كل ما زاد على العادة وعلى المعتاد فى اللباس من الطول والسعة. وفى حديث أبى هريرة عند البخارى مرفوعا «بينما رجل يمشى تعجبه [نفسه] مرجل جمته، إذ خسف الله به، فهو يتجلجل إلى يوم القيامة» «١» . وفى الطبرانى وأبى داود «إن رجلا ممن كان قبلكم لبس بردة فتبختر فيها، فنظر الله إليه فمقته، فأمر الأرض فأخذته» «٢» . وهذا الوعيد المذكور يتناول الرجال والنساء على هذا الفعل المخصوص، وقد فهمت ذلك أم سلمة- رضى الله عنها-، فأخرج النسائى والترمذى- وصححه- من طريق أيوب عن نافع عن ابن عمر: فقالت أم سلمة فكيف تصنع النساء بذيولهن فقال: يرخين شبرا فقالت: إذا تنكشف أقدامهن، قال: فيرخينه ذراعا لا يزدن عليه «٣» . وحاصل ما ذكر فى ذلك: أن للرجال حالين، حال استحباب: وهو أن يقتصر بالإزار على نصف الساق، وحال جواز: وهو إلى الكعبين، وكذلك للنساء حالان: حال استحباب وهو ما يزيد على ما هو جائز للرجال بقدر الشبر، وحال جواز بقدر ذراع، وأن الإسبال يكون فى الإزار والقميص والعمامة، وأنه لا يجوز إسباله تحت الكعبين إن كان
للخيلاء، وإن كان لغيرها فهو مكروه للتنزيه. قال النووى: وظواهر الأحاديث فى تقييدها بالخيلاء يدل على أن التحريم مخصوص بالخيلاء، قال: وهذا نص الشافعى على الفرق كما ذكرنا انتهى. تنبيه: قال العراقى فى شرح الترمذى: الذراع الذى رخص للنساء فيه، هل ابتداؤه من الحد الممنوع منه الرجال، وهو من الكعبين، أو من الحد المستحب وهو أنصاف الساقين، أو حده من أول ما يمس الأرض؟ الظاهر أن المراد الثالث: بدليل حديث أم سلمة الذى رواه أبو داود والنسائى- واللفظ له- وابن ماجه، قالت: سئل رسول الله- ﷺ كم تجر المرأة من ذيلها؟ قال «شبرا» قالت: إذا ينكشف عنها، قال: «فذراع لا تزيد عليه» «١» فظاهره: أن لها أن تجر على الأرض منه ذراعا. قال: والظاهر أن المراد بالذراع ذراع اليد وهو شبران، لما فى سنن ابن ماجه عن ابن عمر قال: رخص رسول الله- ﷺ لأمهات المؤمنين شبرا، ثم استزدنه فزادهن شبرا. فدل على أن الذراع المأذون فيه شبران وهو الذراع الذى يقاس به الحصر اليوم. وإنما جاز ذلك للنساء لأجل الستر لأن المرأة كلها عورة إلا ما استثنى. وقد كان له- ﷺ عمامة تسمى السحاب، ويلبس تحتها القلانس اللاطئة. والقلانس: جمع قلنسوة- بفتح القاف وسكون النون وضم المهملة وفتح الواو، وقد تبدل ياء تحتية، وقد تبدل ألفا وتفتح السين، يقال: قلنساة، وقد تحذف النون من هذه بعدها هاء تأنيث- غشاء مبطن يستر به الرأس، قاله الفراء فى شرح «الفصيح» . وقال ابن هشام: هى التى يقول لها العامة الشاشية، وفى «المحكم» : هى ملابس الرؤوس، معروفة، قال أبو هلال العسكرى: هى التى تغطى بها العمائم وتستر من الشمس والمطر، كأنها عنده رأس البرنس. انتهى. وروى الترمذى عن جابر- رضى الله عنه- قال: (دخل النبى- ﷺ مكة يوم



