المواهب اللدنية بالمنح المحمدية

Kitab sirah Nabi Muhammad ﷺ karya القسطلاني (w. 923 H).

Bagian 20 dari 49 2019 halaman

— Bagian 20 · لعسكرى: هى التى تغطى بها العمائم وتستر من الشمس … —

Bagian 20

لعسكرى: هى التى تغطى بها العمائم وتستر من الشمس والمطر، كأنها عنده رأس البرنس. انتهى. وروى الترمذى عن جابر- رضى الله عنه- قال: (دخل النبى- ﷺ مكة يوم

الفتح وعليه عمامة سوداء) «١» ، وفى رواية لأنس عند البخارى (دخل عام الفتح وعلى رأسه المغفر) «٢» وهو بكسر الميم وسكون الغين المعجمة وفتح الفاء، زرد ينسج من الدروع على قدر الرأس. ويجمع بينهما: بأن العمامة السوداء كانت فوق المغفر. وجمع بينهما القاضى عياض: بأن أول دخوله كان على رأسه المغفر، ثم بعد ذلك كان على رأسه العمامة بعد إزالة المغفر، بدليل قوله فى حديث عمرو بن حريث عن أبيه (خطب الناس وعليه عمامة سوداء) «٣» لأن الخطبة إنما كانت عند باب الكعبة بعد تمام فتح مكة. قال الولى بن العراقى: وهو أولى وأظهر فى الجمع من الأول. وقد تقدم نحو ذلك فى غزوة فتح مكة. وعن ابن عمر قال: (كان النبى- ﷺ إذا اعتم سدل) «٤» رواه الترمذى فى الشمائل، زاد مسلم (وقد أرخى طرفها بين كتفيه) . وقد روى أبو محمد ابن حيان «٥» فى كتاب «أخلاق النبى- ﷺ» من حديث ابن عمر: كان رسول الله- ﷺ يعتم قال: يدير كور العمامة على رأسه ويغرسها من ورائه ويرخى لها ذؤابة بين كتفيه. وروى مسلم من حديث عمرو بن حريث قال: (رأيت النبى- ﷺ على المنبر وعليه عمامة سوداء قد أرخى طرفها بين كتفيه) «٦» وعنده أيضا عن جابر، وقال: «دخل مكة وعليه عمامة سوداء» «٧» ولم يذكر فيه ذؤابة، فدل على أنه لم يكن يرخيها دائما بين كتفيه. لكن قد يقال: إن دخوله مكة كان وعليه أهبة القتال والمغفر على رأسه، فلبس فى كل موطن ما يناسبه. وقال ابن القيم فى الهدى النبوى: وكان شيخ الإسلام ابن تيمية يذكر

قال: إن دخوله مكة كان وعليه أهبة القتال والمغفر على رأسه، فلبس فى كل موطن ما يناسبه. وقال ابن القيم فى الهدى النبوى: وكان شيخ الإسلام ابن تيمية يذكر

فى سبب الذؤابة شيئا بديعا: وهو أن النبى- ﷺ إنما اتخذها صبيحة المنام الذى رآه بالمدينة لما رأى رب العزة فقال: يا محمد فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: لا أدرى، فوضع يده بين كتفى فعلمت ما بين السماء والأرض «١» . الحديث وهو فى الترمذى، وسئل عنه البخارى فقال: صحيح. قال: فمن تلك الغداة أرخى الذؤابة بين كتفيه. قال: وهذا من العلم الذى تنكره ألسنة الجهال وقلوبهم، قال: ولم أر هذه الفائدة فى شأن الذؤابة لغيره. انتهى. وعبارة غير الهدى: وذكر ابن تيمية أنه- ﷺ لما رأى ربه واضعا يده بين كتفيه أكرم ذلك الموضع بالعذبة. انتهى لكن قال العراقى بعد أن ذكره: لم نجد لذلك أصلا. انتهى. وروى ابن أبى شيبة عن على قال: عممنى رسول الله- ﷺ بعمامة سدل طرفها على منكبى وقال: «إن الله أمدنى يوم بدر ويوم حنين بملائكة معممين هذه العمة» وقال: «إن العمامة حاجز بين المسلمين وبين المشركين» «٢» . قال عبد الحق الإشبيلى: وسنة العمامة- بعد فعلها- أن يرخى طرفها ويتحنك به، فإن كانت بغير طرف ولا تحنيك فذلك يكره عند العلماء، واختلف فى وجه الكراهة، فقيل لمخالفة السنة فيها، وقيل: لأنها كذلك عمائم الشياطين. وجاءت الأحاديث فى إرسال طرفها على أنواع: منها ما تقدم أنه أرسل طرفها على منكب على، ومنها: أن عبد الرحمن بن عوف قال: عممنى رسول الله- ﷺ فسدلها بين يدى ومن خلفى «٣» . ذكره أبو داود. وعن ابن عباس أنه رأى النبى- ﷺ وعليه عمامة دسماء أى سوداء. رواه الترمذى. وفى حديث ركانة أنه- ﷺ قال: «إن فرق ما بيننا وبين المشركين

العمائم على القلانس» «١» . رواه الترمذى أيضا. وعن أبى كبشة الأنمارى قال: كانت كمام أصحاب النبى- ﷺ بطحا. رواه الترمذى أيضا. وفى رواية أكمة، وهما جمع كثرة وقلة، الكمة: القلنسوة، يعنى أنها كانت منبطحة غير منتصبة، وعن عائشة أن رسول الله- ﷺ كانت له كمة بيضاء، رواه الدمياطى. وكان أحب الثياب إليه- ﷺ القميص، كما فى الشمائل للترمذى، من حديث أم سلمة قالت: (كان أحب الثياب إلى رسول الله- ﷺ القميص) «٢» . وعن معاوية بن قرة عن أبيه قال: أتيت رسول الله- ﷺ فى رهط من مزينة لنبايعه وإن قميصه لمطلق الأزرار- أو قال: زر قميصه مطلق- قال: فأدخلت يدى فى جيب قميصه فمسست الخاتم «٣» . رواه الترمذى. وعن أنس قال: كان قميص رسول الله- ﷺ قطنا قصير الطول والكمين، رواه الدمياطى. وعن أنس بن مالك قال: كان أحب الثياب إلى رسول الله- ﷺ يلبسه الحبرة «٤» . رواه الترمذى. والحبرة: ضرب من البرود فيه حمرة. وعن أبى رمثة قال: رأيت رسول الله- ﷺ وعليه بردان أخضران «٥» رواه الترمذى. وعن عطاء عن أبى يعلى عن أبيه قال: رأيت

رسول الله- ﷺ يطوف بالبيت مضطبعا ببرد أخضر «١» . رواه أبو داود. وعن عروة بن المغيرة بن شعبة عن أبيه أن النبى- ﷺ لبس جبة رومية ضيقة الكمين «٢» . رواه الترمذى. وعن أبى ذر: أتيت النبى- ﷺ وعليه ثوب أبيض «٣» . رواه البخارى: وعن عائشة قالت: خرج رسول الله- ﷺ ذات غداة وعليه مرط شعر أسود «٤» . رواه الترمذى. وعن أنس قال كان رسول الله- ﷺ يلبس الصوف، وكان له- ﷺ كساء ملبد يلبسه ويقول: «إنما أنا عبد ألبس كما يلبس العبد» «٥» رواه الشيخان. فإن قلت قد علم من هذا، ومن سيرة السلف الصالح، بذاذة الهيئة ورثاثة الملابس، فما بال الشاذلية من الصوفية يجملون هياتهم وملابسهم، وطريقهم الاقتداء بالسنة الشريفة والسلف الصالح.

من سيرة السلف الصالح، بذاذة الهيئة ورثاثة الملابس، فما بال الشاذلية من الصوفية يجملون هياتهم وملابسهم، وطريقهم الاقتداء بالسنة الشريفة والسلف الصالح. أجاب العارف الربانى على الوفائى، أذاقنا الله حلاوة مشربه، ومن خطه الكريم نقلت بما لفظه: ذلك لأنهم نظروا إلى المعانى والحكم. فوجدوا السلف الصالح لما وجدوا أهل الغافلة والشغل لدنياهم منهمكين على الزينة الظاهرة، تفاخرا بدنياهم واطمئنانا إليها وإشعارا بأنهم من أهلها، خالفوهم إظهارا لحقارة ما حقره الحق مما عظمه الغافلون بالغنى عما اطمأن إليه الغافلون؛ فكأن أطمارهم يومئذ تقول الحمد لله الذى أغنانا به عما أفقر نفسه إليه من همه دنياه. فلما طال الأمد وقست القلوب بنسيان ذلك المعنى، واتخذ الغافلون رثاثة الأطمار وبذاذة الهيئة حيلة على جلب دنياهم انعكس

الأمر، فصار مخالفة هؤلاء فى ذلك لله هو قول السلف وطريقتهم كما تقدم. قال وقد أرشد الأستاذ أبو الحسن الشاذلى. قدس الله سره العزيز، إلى ذلك بقوله لبعض من أنكر عليه جمال هيئته من أصحاب الرثاثة: يا هذا هيئتى هذه تقول: الحمد لله، وهيئتك هذه تقول: أعطونى شيئا من دنياكم. والقوم أفعالهم دائرة مع الحكمة الربانية مرادهم مرضاة ربهم. انتهى ما قاله سيدى على وفا. وقد ورد فى الحديث الصحيح عنه- ﷺ: «إن الله جميل يحب الجمال» «١» وفى الحديث الآخر «إن الله نظيف يحب النظافة» «٢» وفى السنن عن أبى الأحوص الجشمى عن أبيه قال: رآنى النبى- ﷺ وعلى أطمار- وفى رواية النسائى: وعلى ثوب دون- فقال: «هل لك من مال؟» قلت: نعم، قال: «من أى المال؟» قلت: من كل ما آتى الله من الإبل والشاء، قال: «فكثر نعمته وكرامته عليك» «٣» ، وفى رواية النسائى قال: «فإذا آتاك الله مالا فلير أثر نعمة الله عليك وكرامته» وفى حديث جابر أنه- ﷺ رأى رجلا شعثا قد تفرق شعره فقال: «ما كان يجد هذا ما يسكن به رأسه» ، ورأى رجلا عليه ثياب وسخة فقال: «ما كان يجد هذا ما يغسل به ثوبه» «٤» رواه أحمد. وفى السنن: «إن الله تعالى يحب أن يرى أثر نعمته على عبده» «٥» .

أسه» ، ورأى رجلا عليه ثياب وسخة فقال: «ما كان يجد هذا ما يغسل به ثوبه» «٤» رواه أحمد. وفى السنن: «إن الله تعالى يحب أن يرى أثر نعمته على عبده» «٥» .

فهو سبحانه يحب ظهور أثر نعمته على عبده، فإنه من الجمال الذى يحبه، وذلك من شكره على نعمه، وهو جمال باطن، فيحب أن يرى على عبده الجمال الظاهر بالنعمة والجمال الباطن بالشكر عليها، ولأجل محبته تعالى للجمال أنزل على عباده لباسا يجمل ظواهرهم، وتقوى تجمل بواطنهم فقال تعالى: يا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباساً يُوارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشاً وَلِباسُ التَّقْوى ذلِكَ خَيْرٌ «١» . وقال فى أهل الجنة: وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً (١١) وَجَزاهُمْ بِما صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيراً «٢» . وهو سبحانه كما يحب الجمال فى الأقوال والأفعال واللباس والهيئة، يبغض القبيح من الأقوال والأفعال والهيئة، فيبغض القبيح وأهله ويحب الجمال وأهله. ولكن ضل فى هذا الموضع فريقان: فريق قالوا: كل ما خلق الله تعالى جميل، فهو يحب كل ما خلقه، ونحن نحب جميع ما خلقه فلا نبغض منه شيئا، قالوا: ومن رأى الكائنات منه رآها كلها جميلة، واحتجوا بقوله تعالى: الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ «٣» . وهؤلاء قد عدموا الغيرة لله من قلوبهم، والبغض فى الله، والمعاداة فيه، وإنكار المنكر وإقامة الحدود. والفريق الثانى، قالوا: قد ذم الله جمال الصور، وتمام القامة والخلقة، فقال عن المنافقين وَإِذا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسامُهُمْ «٤» . وفى صحيح مسلم مرفوعا «إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم وإنما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم» «٥» ، قالوا: وقد حرم الله علينا لباس الحرير والذهب، وآنية الذهب والفضة، وذلك من أعظم جمال الدنيا. وقال تعالى: وَلا تَمُدَّنَ

عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ «١» . وفى الحديث «البذاذة من الإيمان» «٢» وقد ذم الله المسرفين، والسرف كما يكون فى الطعام والشراب يكون فى اللباس. وفصل النزاع أن يقال: الجمال فى الصورة واللباس والهيئة ثلاثة أنواع: منه ما يحمد، ومنه ما يذم، ومنه ما لا يتعلق به مدح ولا ذم. فالمحمود منه، ما كان لله وأعان على طاعة الله، وتنفيذ أوامره، والاستجابة له، كما كان النبى- ﷺ يتجمل للوفود، وهو نظير لباس آلة الحرب للقتال، ولباس الحرير فى الحرب والخيلاء فيه، فإن ذلك محمود إذا تضمن إعلاء كلمة الله ونصر دينه وغيظ عدوه. والمذموم منه: ما كان للدنيا والرياسة والفخر والخيلاء، وأن يكون من هو غاية العبد وأقصى مطلبه، فإن كثيرا من الناس ليس له همة فى سوى ذلك. وأما ما لا يحمد ولا يذم فهو ما خلا عن هذين القصدين، وتجرد عن الوصفين. والمقصود من هذا الحديث أن الله تعالى يحب من عبده أن يجمل لسانه بالصدق وقلبه بالإخلاص والمحبة والإنابة، وجوارحه بالطاعة، وبدنه بإظهار نعمه عليه فى لباسه وتطهيره له من الأنجاس والأحداث والشعور المكروهة، والختان وتقليم الأظافر وغير ذلك مما وردت به السنة، والله أعلم. وعن جابر بن سمرة قال: رأيت النبى- ﷺ فى ليلة مقمرة أضحيان، فجعلت أنظر إليه- ﷺ وإلى القمر، وعليه حلة حمراء، فإذا هو أحسن عندى من القمر «٣» . رواه الدارمى والترمذى: وعن عون بن أبى جحيفة عن

ى ليلة مقمرة أضحيان، فجعلت أنظر إليه- ﷺ وإلى القمر، وعليه حلة حمراء، فإذا هو أحسن عندى من القمر «٣» . رواه الدارمى والترمذى: وعن عون بن أبى جحيفة عن

أبيه قال: رأيت النبى- ﷺ وعليه حلة حمراء كأننى أنظر إلى بريق ساقيه «١» . قال سفيان: أراه حبرة. وعن البراء بن عازب قال: ما رأيت أحدا من الناس أحسن فى حلة حمراء من رسول الله- ﷺ «٢» . رواهما الترمذى. وفى البخارى ومسلم: رأيته فى حلة حمراء لم أر شيئا قط أحسن منه. وفى رواية لأبى داود ما رأيت من ذى لمة فى حلة حمراء أحسن من رسول الله- ﷺ «٣» . وقوله: من ذى لمة: - بكسر اللام- أى شعر الرأس، دون الجمة، سميت بذلك لأنها ألمت بالمنكبين، فإذا زادت فهى الجمة. وفى النسائى: ما رأيت رجلا أحسن فى حلة حمراء من رسول الله- ﷺ. قال فى القاموس: الحلة- بالضم- إزار ورداء، برد أو غيره، ولا تكون حلة إلا من ثوبين أو ثوب له بطانة. قال ابن القيم: وغلط من ظن أنها كانت حمراء بحتا، ولا يخالطها غيرها، وإنما الحلة الحمراء بردان يمانيان منسوجان بخطوط حمر مع الأسود، كسائر البرود اليمانية، وهى معروفة بهذا الاسم باعتبار ما فيها من الخطوط، وإلا فالأحمر البحت ينهى عنه أشد النهى، وفى صحيح البخارى: (أنه- ﷺ نهى عن المياثر الحمر) «٤» وفى صحيح مسلم عن ابن عمر قال: (رأى النبى- ﷺ على ثوبين معصفرين فقال: «إن هذا لباس الكفار فلا تلبسهما» «٥» ومعلوم أن ذلك إنما يصبغ صباغا أحمر. قال: وفى جواز لبس الأحمر من الثياب والجوخ وغيرهما نظر، وأما كراهته فشديدة، فكيف يظن النبى- ﷺ أنه لبس الأحمر القانى، كلا لقد أعاذه الله منه، وإنما وقعت الشبهة من لفظ الحلة الحمراء والله أعلم. انتهى.

نظر، وأما كراهته فشديدة، فكيف يظن النبى- ﷺ أنه لبس الأحمر القانى، كلا لقد أعاذه الله منه، وإنما وقعت الشبهة من لفظ الحلة الحمراء والله أعلم. انتهى.

وقال النووى: اختلف العلماء فى الثياب المعصفرة، وهى المصبوغة بعصفر فأباحها جميع العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، وبه قال الإمام الشافعى وأبو حنيفة ومالك، ولكنه قال: غيرها أفضل منها. وفى رواية عنه أنه أجاز لبسها فى البيوت وأفنية الدور وكرهه فى المحافل والأسواق وغيرها. وقال جماعة من العلماء: هو مكروه كراهة تنزيه، وحملوا النهى على هذا، لأنه ثبت أنه- ﷺ لبس حلة حمراء، وفى الصحيحين من حديث ابن عمر أنه- ﷺ صبغ بالصفرة، وحمل بعضهم النهى على المحرم بالحج أو العمرة. وقد أتقن البيهقى المسألة فى «معرفة السنن» فقال: نهى الشافعى الرجل عن المزعفر، وأباح له المعصفر، قال الشافعى: وإنما رخصت فى المعصفر لأنى لم أجد أحدا يحكى عنه- ﷺ النهى عنه، إلا ما قال على- رضى الله عنه- أنه- ﷺ نهانى ولا أقول نهاكم. قال البيهقى: وقد جاءت أحاديث تدل على أن النهى على العموم، ثم ذكر حديث مسلم «أن هذه من لباس الكفار» وأحاديث غيرها، ثم قال: ولو بلغت هذه الأحاديث الشافعى لقال بها إن شاء الله تعالى، ثم ذكر بإسناده ما صح عن الشافعى أنه قال: إذا صح الحديث بخلاف قولى فاعملوا بالحديث ودعوا قولى. وفى رواية: مذهبى. قال البيهقى: قال الشافعى: وأنهى الرجل الحلال بكل حال أن يتزعفر وآمره إذا تزعفر أن يغسله، قال البيهقى: فتبع السنة فى المزعفر فمتابعتها فى المعصفر أولى به، انتهى. ورأيت فى فتاوى شيخنا العلامة قاسم أحد أئمة الحنفية ومحققيها كراهته للتحريم مع صحة الصلاة فيه، واستدل له بما ذكرته، وبما فى حديث طاووس عند الحاكم وقال على شرطهما عن ابن عمرو بن العاص قال: دخلت على النبى- ﷺ وعلى ثوب معصفر، قال: «من أين لك هذا؟» قال: صنعته لى أهلى فقال- ﷺ: «احرقه» «١» انتهى.

وعن جابر بن عبد الله قال: كان رسول الله- ﷺ يلبس برده الأحمر فى العيدين والجمعة «١» ، وعن يحيى بن عبد الله بن مالك قال: كان رسول الله- ﷺ يصبغ ثيابه بالزعفران قميصه ورداءه وعمامته. رواهما الدمياطى. وهو عند أبى داود بلفظ: يصبغ بالورس والزعفران ثيابه حتى عمامته «٢» ، وكذا رواه من حديث زيد بن أسلم وأم سلمة وابن عمر، لكن يعارضه ما فى الصحيح أنه- ﷺ نهى عن التزعفر والله أعلم. وأما صفة إزاره- ﷺ، فعن أبى بردة بن أبى موسى الأشعرى قال: أخرجت إلينا عائشة كساء وإزارا غليظا فقالت: قبض رسول الله- ﷺ فى هذين «٣» ، رواه البخارى، وفى رواية: إزارا غليظا مما يصنع باليمن، وكساء من هذه التى تدعونها الملبدة، وفى رواية: كساء ملبدا. قال ابن الأثير: أى مرقعا، يقال: لبدت القميص ألبده، ولبدته، ويقال للخرقة التى يرقع بها صدر القميص. اللبدة: وقيل الملبد: الذى ثخن وسطه وصفق حتى صار يشبه اللبد. وروى مسلم من حديث عائشة قالت: خرج رسول الله- ﷺ ذات غداة وعليه مرط مرحل من شعر أسود «٤» والمرط: - بكسر الميم وإسكان الراء- كساء من صوف أو خز، يؤتزر به. والمرحل: بتشديد الحاء المهملة المفتوحة، كمعظم، هو الذى فيه صور الرحال، قال فى القاموس فى مادة ر ح ل: وك «معظم» : برد فيه تصاوير رحل، قال: وتفسير الجوهرى إياه بإزار خز فيه علم، غير جيد، إنما ذلك تفسير المرجل- بالجيم-، وقال فى مادة ر ج ل- يعنى الجيم-: وبرد مرجل كمعظم، فيه صور الرجال، انتهى.

سير الجوهرى إياه بإزار خز فيه علم، غير جيد، إنما ذلك تفسير المرجل- بالجيم-، وقال فى مادة ر ج ل- يعنى الجيم-: وبرد مرجل كمعظم، فيه صور الرجال، انتهى.

وقال النووى: والصواب الذى رواه الجمهور، وضبطه المتقنون: بالحاء المهملة، أى عليه صور رحال الإبل، ولا بأس بهذه الصورة، وإنما يحرم تصوير الحيوان. وقال الخطابى، المرحل، الذى فيه خطوط والله أعلم. وعن عروة: أن طول رداء النبى- ﷺ أربعة أذرع وعرضه ذراعان وشبر وعن عروة أيضا: أن ثوب رسول الله- ﷺ الذى كان يخرج فيه إلى الوفد رداء أخضر فى طول أربعة أذرع وعرضه ذراعان وشبر. وعن معن بن عيسى قال: حدثنا محمد بن هلال قال: رأيت على هشام بن عبد الملك برد النبى- ﷺ من حبرة له حاشيتان. وعن ابن عمر قال: دخلت على رسول الله- ﷺ وعليه إزار يتقعقع. وعن يزيد بن أبى حبيب أنه- ﷺ كان يرخى الإزار بين يديه ويرفعه من ورائه. وعن ابن عباس قال: رأيت رسول الله- ﷺ يأتزر تحت سرته وتبدو سرته، ورأيت عمر يأتزر فوق سرته، رواها كلها الدمياطى. (فصل) وعن أسماء بنت أبى بكر، أنها أخرجت جبة طيالسة كسروانية، لها لبنة ديباج، وفرجاها مكفوفان بالديباج، وقالت: هذه جبة رسول الله- ﷺ، كانت عند عائشة، فلما قبضت قبضتها، وكان النبى- ﷺ يلبسها فنحن نغسلها للمرضى نستشفى بها «١» . رواه مسلم. وقوله: جبة طيالسة: بإضافة جبة إلى طيالسة. وكسروانية: بكسر الكاف وفتحها، والسين ساكنة والراء مفتوحة، نسبة إلى كسرى ملك الفرس. ولبنة: بكسر اللام وإسكان الباء، رقعة فى جيب القميص. وفيه: جواز لبس ما له فرجان وأنه لا كراهة فيه، وأن المراد بالنهى عن الحرير المتحمض منه، أو ما أكثره منه، وأنه ليس المراد تحريم كل جزء منه، بخلاف الخمر والذهب فإنه يحرم كل جزء منهما، قاله النووى. (لطيفة) قيل: لما كان رسول الله- ﷺ لا يبدو منه إلا طيب، كان آية

ليس المراد تحريم كل جزء منه، بخلاف الخمر والذهب فإنه يحرم كل جزء منهما، قاله النووى. (لطيفة) قيل: لما كان رسول الله- ﷺ لا يبدو منه إلا طيب، كان آية

ذلك فى بدنه الشريف أنه لا يتسخ له ثوب، فما اتسخ له ثوب قط، وقال ابن سبع فى «الشفاء» والسبتى فى «أعذب الموارد وأطيب الموالد» : لم يكن القمل يؤذيه تعظيما له وتكريما- ﷺ لكن يشكل عليه ما رواه أحمد والترمذى فى الشمائل عن عائشة- رضى الله عنها-: كان رسول الله- ﷺ يفلى ثوبه ويحلب شاته «١» ، ومن لازم التفلى وجود شىء يؤذى فى الجملة، إما قملا أو برغوثا أو نحو ذلك. ويمكن أن يجاب: بأن التفلى لاستقذار وجود ما علق بثوبه الشريف من غيره، ولو لم يحصل منه أذى فى حقه- ﷺ، وهذا فيه بحث، لأن أذى القمل هو غذاؤه من البدن على ما أجرى الله العادة، وإذا امتنع الغذاء لا يعيش الحيوان عادة. ونقل الفخر الرازى: أن الذباب لا يقع على ثيابه قط، وأنه لا يمتص دمه البعوض. وأما الطيلسان- وهو بفتح اللام، واحدة الطيالسة، والهاء فى الجمع للعجمة لأنه فارسى معرب، وهو الساج أيضا، وقال ابن خالويه فى شرح «الفصيح» يقال للطيلسان الأخضر: الساج، وفى «المجمل» لابن فارس: الطاق الطيلسان- فقال ابن القيم: لم ينقل عنه- ﷺ أنه لبسه، ولا أحد من أصحابه، بل ثبت فى صحيح مسلم من حديث النواس بن سمعان عن النبى- ﷺ أنه ذكر الدجال فقال: «يخرج معه سبعون ألفا من يهود أصبهان عليهم الطيالسة» «٢» ورأى أنس جماعة عليهم الطيالسة فقال: ما أشبههم بيهود خيبر. قال: ومن هاهنا كرهه جماعة من السلف والخلف، لما روى أبو داود والحاكم فى المستدرك أنه قال: «من تشبه بقوم فهو منهم» «٣» وفى الترمذى:

«ليس منا من تشبه بغيرنا» «١» وأما ما جاء فى حديث الهجرة أنه- ﷺ جاء إلى أبى بكر- رضى الله عنه- متقنعا بالهاجرة، فإنما فعله- ﷺ تلك الساعة ليختفى بذلك للحاجة، ولم يكن عادته التقنع. وقد ذكر أنس عنه- ﷺ أنه كان يكثر القناع «٢» . وهذا إنما كان يفعله للحاجة من الحر ونحوه. قال شيخ الإسلام الولى بن العراقى فى شرح تقريب [الأسانيد:] التقنع معروف وهو تغطية الرأس بطرف العمامة أو برداء أو نحو ذلك. انتهى. وقال ابن الحاج فى «المدخل» : وأما قناع الرجل فهو أن يغطى رأسه بردائه ويرد طرفه على أحد كتفيه. انتهى. وأما قول ابن القيم: إنه- ﷺ إنما فعل ذلك للحاجة، فيرد عليه حديث سهل بن سعد أنه- ﷺ كان يكثر القناع. رواه البيهقى فى الشعب والترمذى. وللبيهقى فى الشعب أيضا وابن سعد فى طبقاته من حديث أنس بلفظ: يكثر التقنع، فهذا وما أشبهه يرد قول ابن القيم: أنه لم ينقل عنه أنه- ﷺ لبسه. وأما قوله: ولا أحد من أصحابه، فيرده ما أخرجه الحاكم فى المستدرك، بسند على شرط الشيخين عن مرة بن كعب قال: سمعت رسول الله- ﷺ يذكر فتنة فقربها، فمر رجل مقنع فى ثوب، فقال: «هذا يومئذ على الهدى» ، فقمت فإذا هو عثمان بن عفان- رضى الله عنه- «٣» . وأخرج سعيد بن منصور فى سننه عن أبى العلاء قال: رأيت الحسن بن على يصلى وهو مقنع

ذا يومئذ على الهدى» ، فقمت فإذا هو عثمان بن عفان- رضى الله عنه- «٣» . وأخرج سعيد بن منصور فى سننه عن أبى العلاء قال: رأيت الحسن بن على يصلى وهو مقنع

رأسه، وأخرج ابن سعد عن سليمان بن المغيرة قال: رأيت الحسن يلبس الطيالسة، وأخرج عن عمارة بن زاذان قال: رأيت على الحسن طيلسانا أندقيّا. وأما ما ذكره ابن القيم من قصة اليهود، فقال الحافظ ابن حجر: إنما يصلح الاستدلال به فى الوقت الذى تكون الطيالسة من شعارهم، وقد ارتفع ذلك فى هذه الأزمنة فصار ذلك داخلا فى عموم المباح، وقد ذكره ابن عبد السلام فى أمثلة البدعة المباحة. وقد يصير من شعار قوم فيكون تركه من الإخلال بالمروءة. وقيل: إنما أنكر أنس ألوان الطيالسة لأنها كانت صفراء. والله أعلم. وأما الخاتم ففى الصحيحين عن ابن عمر أن رسول الله- ﷺ اتخذ خاتما من ورق، فكان فى يده، ثم كان فى يد أبى بكر، ثم كان فى يد عمر، ثم كان فى يد عثمان حتى وقع فى بئر أريس «١» . وفيهما أيضا عن أنس بن مالك أن النبى- ﷺ لبس خاتم فضة فيه فص حبشى، وكان يجعل فصه مما يلى كفه. وأخرج أحمد والنسائى والترمذى والبزار فى مسنده عن بريدة أن النبى- ﷺ رأى فى يد رجل خاتما من حديد، فقال: «ما لى أجد منك ريح الأصنام» ، ثم قال له: «اتخذه من فضة ولا تزد على مثقال» «٢» . وقد اختلف العلماء فى لبسه فى الجملة، فأباحه كثير من أهل العلم من غير كراهة، ومنهم من كرهه إذا قصد به الزينة، ومنهم من كرهه إلا لذى سلطان، لحديث أبى داود والنسائى عن أبى ريحانة أن النبى- ﷺ نهى عن لبس الخاتم إلا لذى سلطان. ولأنه- ﷺ إنما اتخذه لحاجة ختم الكتب التى

م من كرهه إلا لذى سلطان، لحديث أبى داود والنسائى عن أبى ريحانة أن النبى- ﷺ نهى عن لبس الخاتم إلا لذى سلطان. ولأنه- ﷺ إنما اتخذه لحاجة ختم الكتب التى

يبعثها إلى الملوك، كما فى حديث أنس أنه- ﷺ كتب إلى كسرى وقيصر والنجاشى فقيل له إنهم لا يقبلون كتابا إلا بختم فصاغ خاتما ونقش فيه: محمد رسول الله، وإنما لبسه أبو بكر- رضى الله عنه- لأجل ولايته، فإنه كان يحتاج إليه كما كان- ﷺ يحتاج إليه وكذلك عمر وعثمان. وحكى ابن عبد البر عن طائفة من العلماء كراهة لبسه مطلقا، احتجاجا بحديث أنس أنه- ﷺ نبذه ولم يلبسه. وفى الشمائل للترمذى عن ابن عمر أنه- ﷺ اتخذ خاتما من فضة فكان يختم به ولا يلبسه. وفى الصحيحين من حديث أنس أنه رأى فى يده- ﷺ خاتما من ورق يوما واحدا، ثم إن الناس اصطنعوا الخواتيم من ورق ولبسوها، فطرح رسول الله- ﷺ خاتمه فطرح الناس خواتيمهم. والصواب: القول الأول، فإن لبس النبى- ﷺ الخاتم إنما كان فى الأصل لأجل المصلحة لختم الكتب التى يرسلها إلى الملوك، ثم استدام لبسه ولبسه أصحابه معه، ولم ينكره عليهم، بل أقرهم عليه، فدل ذلك على الإباحة المجردة. وأما حديث النهى عن الخاتم إلا لذى سلطان فقال ابن رجب: ذكر بعض أصحابنا أن أحمد ضعفه. وأما ما جاء فى حديث الزهرى عن أنس أنه- ﷺ لبسه يوما واحدا ثم ألقاه. فقد أجيب عنه بثلاثة أجوبة: أحدها: أنه وهم من الزهرى، وسهو جرى على لسانه لفظ الورق، وإنما الذى لبسه يوما واحدا ثم ألقاه كان من ذهب، كما ثبت ذلك من غير وجه فى حديث ابن عمر وأنس أيضا. الثانى: أن الخاتم الذى رمى به- ﷺ لم يكن كله فضة، وإنما كان حديدا عليه فضة، وروى أبو داود عن معيقيب الصحابى- وكان على خاتم النبى- ﷺ قال: كان خاتم النبى- ﷺ من حديد ملوى عليه فضة. فلعل هذا هو الذى لبسه يوما واحدا ثم طرحه، ولعله هو الذى كان يختم به ولا يلبسه.

الثالث: إن طرحه إنما كان لئلا يظن أنه سنة مسنونة، فإنهم اتخذوا الخواتيم لما رأوه قد لبسه فتبين بطرحه أنه ليس بمشروع ولا سنة. ثم إن الخاتم قد يكون تارة من ذهب، وتارة من فضة، وتارة يكون من حديد، وتارة من صفر أو رصاص أو نحوها، وتارة من عقيق.

  • فأما الذهب ففى الصحيحين عن البراء بن عازب قال: (نهانا رسول الله- ﷺ عن خاتم الذهب وآنية الفضة) «١» . وفيهما عن أبى هريرة عنه- ﷺ: (أنه نهى عن خاتم الذهب) «٢» ، وفيهما أيضا عن ابن عمر أنه- ﷺ اتخذ خاتما من ذهب فجعله فى يمينه وجعل فصه مما يلى باطن كفه، فاتخذ الناس خواتيم الذهب. قال: فصعد رسول الله- ﷺ المنبر فألقاه ونهى عن التختم بالذهب) «٣» . وهو مذهب الأئمة الأربعة: مالك والشافعى وأبى حنيفة وأحمد وأكثر العلماء. ورخصت فيه طائفة منهم إسحاق بن راهواه وقال: مات خمسة من أصحابه- ﷺ خواتيمهم من ذهب. قال مصعب بن سعد: رأيت على طلحة وسعد وصهيب خواتيم من ذهب. وعن حمزة بن أبى أسيد والزبير بن المنذر بن أبى أسيد أنهما نزعا من يد أبى أسيد خاتما من ذهب حين مات، وكان بدريّا، رواهما البخارى فى تاريخه. وروى النسائى عن سعيد بن المسيب قال: قال عثمان لصهيب ما لى أرى عليك خاتم الذهب فقال: قد رآه من هو خير منك فلم يعبه، قال: من هو؟ قال: رسول الله- ﷺ.

ه. وروى النسائى عن سعيد بن المسيب قال: قال عثمان لصهيب ما لى أرى عليك خاتم الذهب فقال: قد رآه من هو خير منك فلم يعبه، قال: من هو؟ قال: رسول الله- ﷺ.

  • وأما خاتم الفضة، فأباحه كثير من العلماء، ولبسه- ﷺ وجماعة من أصحابه. قال الرافعى: يجوز للرجل التختم بالفضة، وكذا قال النووى فى الروضة وغيرها، وكتب أصحابنا طافحة بجوازه. وروى أبو داود وصححه ابن حبان، من حديث بريدة بن الحصيب أن النبى- ﷺ قال للابس خاتم الحديد: «ما لى أرى عليك حلية أهل النار» ، فطرحه وقال: يا رسول الله، من أى شىء أتخذه؟ قال: «من ورق ولا تتمه مثقالا» «١» . وأخرجه أيضا النسائى والترمذى وقال: غريب. وأخرجه أحمد وأبو يعلى فى مسنديهما والضياء فى المختارة مما ليس فى الصحيحين ورجاله رجال الصحيحين إلا عبد الله بن مسلم المعروف بأبى طيبة، وهو محدث مشهور، وتصحيح ابن حبان لحديثه دال على قبوله، فأقل أحواله أن يكون من درجة الحسن. والأصل فى النهى كونه للتحريم، ولأن الأصل فى استعمال الفضة للرجال التحريم إلا ما رخص فيه، فإذا حد فيه حد وجب الوقوف عنده، وبقى ما عداه على الأصل. وقد قال ابن الرفعة فى باب ما يكره لبسه فى «الكفاية» : وينبغى أن ينقص وزنه عن مثقال. لأن رسول الله- ﷺ رأى رجلا، وساق الحديث. وقوله ينبغى، يصلح للوجوب وغيره، وحمله عليه أولى، لأنه ساق الحديث مساق الاحتجاج لهذا الحكم، فلا يصرف النهى عن حقيقته إلا بصارف. وظاهر صنيع ابن الملقن فى شرح منهاج النووى يقتضيه، فإنه قال فى زكاة النقد: فرع فى أبى داود وصحيح ابن حبان من حديث بريدة أنه- ﷺ قال لذلك الرجل: فذكر الحديث فساقه سوق الفروع التى لا خلاف فيها بين الأصحاب، وظاهر ذلك تحريم المثقال. وفى «القوت» للأذرعى: لم يتعرض أصحابنا لمقدار الخاتم ولعلهم

رجل: فذكر الحديث فساقه سوق الفروع التى لا خلاف فيها بين الأصحاب، وظاهر ذلك تحريم المثقال. وفى «القوت» للأذرعى: لم يتعرض أصحابنا لمقدار الخاتم ولعلهم

اكتفوا بالعرف، فما خرج عنه كان إسرافا كما قالوا فى الخلخال للمرأة ونحوه، والصواب الضبط بما نص عليه فى الحديث وليس فى كلامهم ما يخالفه، هذا لفظه. وهو يشير إلى هذا الحديث. وكذا مشى عليه ابن العماد فى التعقيبات وعبارته: وإذا جاز لبس الخاتم فشرطه أن لا يبلغ به مثقالا للحديث. انتهى. لكن قال الحافظ العراقى فى شرح الترمذى: إن النهى فى قوله: «ولا تتمه مثقالا» محمول على التنزيه، فيكره أن يبلغ به وزن مثقال. قال: وفى رواية لأبى داود، فى رواية صاحب المعالم: «ولا تتمه مثقالا ولا قيمة مثقال» وليست هذه الزيادة فى رواية اللؤلؤى. ومعنى هذه الزيادة أنه ربما وصل الخاتم بالنفاسة فى صنعته إلى أن يكون قيمة مثقال فهو داخل فى النهى أيضا. انتهى. وقد أفتى العلامة السراج العبادى بأنه يجوز أن يبلغ به مثقالا وأن ما زاد عليه حرام.

  • وأما خاتم الحديد، فأخرج أبو داود فى الخاتم من سننه، والبيهقى في شعب الإيمان والأدب وغيرهما من تصانيفه من طريقه، والنسائى فى الزينة من سننه، وابن حبان فى صحيحه: أن رجلا جاء إلى النبى- ﷺ وعليه خاتم من شبه- وهو بفتح المعجمة والموحدة، وبإسكانها وكسر المعجمة، نوع من النحاس كانت الأصنام تتخذ منه، وسمى بذلك لشبهه بالذهب لونا- فقال: «ما لى أجد منك ريح الأصنام» ، فطرحه ثم جاء وعليه خاتم من حديد، فقال: «ما لى أرى عليك حلية أهل النار فطرحه» «١» وأخرجه الترمذى لكنه قال: من صفر بدل من شبه، وهما بمعنى. قال النووى فى شرح المهذب: قال صاحب الإبانة: يكره الخاتم من حديد أو شبه، وتابعه صاحب البيان فقال: يكره الخاتم من حديد أو نحاس أو رصاص لحديث بريدة. وقال صاحب التتمة: لا يكره الخاتم من حديد أو رصاص لحديث

الصحيحين: أن رسول الله- ﷺ قال للذى خطب الواهبة نفسها: «اطلب ولو خاتما من حديد» «١» قال: ولو كان فيه كراهة لم يأذن فيه. وفى سنن أبى داود بإسناد جيد عن معيقيب الصحابى: كان خاتمه- ﷺ من حديد ملوى عليه فضة «٢» . والمختار: أنه لا يكره لهذين الحديثين. وقال فى شرح مسلم فى الكلام على حديث المرأة الواهبة نفسها: وفى هذا الحديث جواز اتخاذ خاتم الحديد، وفيه خلاف للسلف حكاه القاضى، ولأصحابنا فى كراهته وجهان أصحهما لا يكره لأن الحديث فى النهى عنه ضعيف. انتهى. ولعل تضعيف النووى للحديث إنما هو بالنسبة إلى مقاومة حديث سهل بن سعد فى الصحيحين وغيرهما فى قصة الواهبة نفسها لا مطلقا، كيف وله فى ذلك شواهد عدة، إن لم ترقه إلى درجة الصحة لم تدعه ينزل عن درجة الحسن.

  • وأما خاتم العقيق: فعن أنس أن رسول الله- ﷺ قال: «تختموا بالعقيق، واليمين أحق بالزينة» «٣» وفى سنده مجهول، وروى بلفظ تختموا بالعقيق فإنه ينفى الفقر. وروى يعقوب بن إبراهيم عن عائشة مرفوعا: «تختموا بالعقيق فإنه مبارك» «٤» ويعقوب متروك. وروى أبو بكر بن شعيب عن فاطمة- رضى الله عنها- مرفوعا: «من تختم بالعقيق لم يزل يرى خيرا» «٥» وهذا أيضا لا يثبت.

بالعقيق فإنه مبارك» «٤» ويعقوب متروك. وروى أبو بكر بن شعيب عن فاطمة- رضى الله عنها- مرفوعا: «من تختم بالعقيق لم يزل يرى خيرا» «٥» وهذا أيضا لا يثبت.

وكذا ورد فيه أحاديث غير هذه، وكلها كما قال الحافظ ابن رجب لا تثبت، وقال العقيلى: لا يصح فى التختم بالعقيق عن النبى- ﷺ شىء. وروى ابن فنجويه فى كتاب الخواتيم له بإسناد ضعيف عن على مرفوعا: «من تختم بالياقوت الأصفر منع الطاعون» «١» ، وإسناده ضعيف. وأما فص خاتمه- ﷺ، فروى أنس أن النبى- ﷺ اتخذ خاتما من فضة، فصه منه «٢» . أخرجه البخارى وغيره. وفى صحيح مسلم أن خاتمه- ﷺ كان فصه حبشيّا «٣» . قال النووى: قال العلماء: يعنى حجرا حبشيّا، أى فصا من جزع أو عقيق، فإن معدنهما بالحبشة واليمن. انتهى، فإن صح أنهم كانوا يعنون بالحبشى العقيق فيكون له خاتمان: أحدهما فصه عقيق، والآخر فصه فضة، وفى شرح مسلم للنووى حكاية أنه- ﷺ كان له فى وقت خاتم فصه منه، قال: وفى حديث آخر فصه من عقيق، انتهى. لكن لم يرو عنه- ﷺ أنه لبس خاتما كله عقيقا. وأما نقش خاتمه- ﷺ، ففى صحيح مسلم (عن أنس أن النبى- ﷺ صنع خاتما من ورق نقش فيه: محمد رسول الله. وقال للناس: «إنى اتخذت خاتما من فضة ونقشت فيه: محمد رسول الله، فلا ينقش أحد على نقشه» «٤» . قال الترمذى: معنى قوله: «لا تنقشوا عليه» نهى أن ينقش أحد على خاتمه: محمد رسول الله. وفى رواية للنسائى: (اتخذ خاتما من ورق فصه

قش أحد على نقشه» «٤» . قال الترمذى: معنى قوله: «لا تنقشوا عليه» نهى أن ينقش أحد على خاتمه: محمد رسول الله. وفى رواية للنسائى: (اتخذ خاتما من ورق فصه

حبشى، ونقش فيه: محمد رسول الله) «١» . وفى رواية البخارى والترمذى (وكان نقش الخاتم ثلاثة أسطر: محمد سطر، ورسول سطر، والله سطر) «٢» . قال فى فتح البارى: ظاهره أنه لم يكن فيه زيادة على ذلك، وأنه كان على هذا الترتيب، لكن لم تكن كتابته على الترتيب العادى، فإن ضرورة الاحتياج إلى أن يختم به تقتضى أن تكون الأحرف المنقوشة مقلوبة ليخرج الختم مستويا، وأما قول بعض الشيوخ أن كتابته كانت من فوق يعنى الجلالة أعلى الأسطر الثلاثة، ومحمد أسفلها، فلم أر التصريح بذلك فى شىء من الأحاديث، بل رواية الإسماعيلى يخالف ظاهرها ذلك، فإنه قال: محمد سطر، والسطر الثانى رسول، والسطر الثالث: الله. وعن ابن عمر أنه- ﷺ كان يلبس خاتمه فى يمينه، فلما قبض صار فى يد أبى بكر فى يمينه، فلما قبض صار فى يد عمر فى يمينه، ثم صار فى يد عثمان فى يمينه، ثم ذهب يوم الدار عليه: «لا إله إلا الله» . رواه بركة بن محمد الحلبى، كما حكاه ابن رجب فى كتاب الخواتيم، ثم قال: وهى رواية ساقطة جدّا، فإن بركة مذكور بالكذب، وفى لفظه ما يدل على بطلانه، وهو قوله: ذهب يوم الدار عليه: لا إله إلا الله، فإنه إنما سقط فى بئر أريس قبل يوم الدار، وقد عاش عثمان بعده مدة واتخذ له خاتما عوضه، وإنما كان نقشه، محمد رسول الله لا كلمة الإخلاص. انتهى. تنبيه: قال شيخ الإسلام الشرف المناوى: وتحصل السنة بلبس الخاتم مطلقا، ولو مستعارا أو مستأجرا، لكن الأوفق للسنة لبسه بالملك، والاستدامة على ذلك، ويجوز تعداد الخواتيم اتخاذا، وأما الاستعمال فمفهوم كلام الرافعى عدم الجواز، وبه صرح المحب الطبرى فقال: المتجه أنه لا يجوز

الملك، والاستدامة على ذلك، ويجوز تعداد الخواتيم اتخاذا، وأما الاستعمال فمفهوم كلام الرافعى عدم الجواز، وبه صرح المحب الطبرى فقال: المتجه أنه لا يجوز

للرجل أن يلبس خاتمين من فضة فى يديه أو فى إحداهما، لأن استعمال الفضة حرام إلا ما وردت به الرخصة، ولم ترد إلا فى خاتم واحد، لكن ذكر الخوارزمى فى الكافى أنه لا يجوز له أن يلبس زوجا فى يد وفرادى فى الآخرى، فإن لبس فى كل واحدة زوجا فقال الصيدلانى فى الفتاوى لا يجوز. وقال الدارمى فى الاستذكار يكره للرجل لبس فوق خاتمين، فاقتصاره على الكراهة يدل على عدم الحرمة، وإذا تقرر ذلك فالمسألة ذات خلاف، والذى يظهر كلام المحب الطبرى، فإن تسامحنا اعتمدنا على ما أفتى به الصيدلانى. انتهى. ويجوز التختم فى اليمين واليسار، واختلف الناس فى أفضلهما، فقيل: اليسار، وهو نص الإمام أحمد، فى رواية صالح قال: التختم فى اليسار أحب إلى، وهو مذهب الإمام مالك، ويروى أنه كان يلبسه فى يساره، وكذلك الإمام الشافعى. وفى صحيح مسلم عن أنس قال: (كان خاتم النبى- ﷺ فى هذه وأشار إلى الخنصر فى يده اليسرى) «١» . وفى سنن أبو داود (عن ابن عمر أنه كان- ﷺ يتختم فى يساره) «٢» وروى إسماعيل بن مسلم عن السليطى قال: أتيت النبى- ﷺ فى ليلة قمراء، وكأنى أنظر إلى عكن بطنه، وكأنها القباطى وإلى وبيص خاتمه فى يساره. وإسماعيل هذا قال البخارى: تركه ابن المبارك، وربما روى عنه. وقد ذكر بعض الحفاظ- كما أفاده الحافظ ابن رجب- أن التختم فى اليسار مروى عن عامة الصحابة والتابعين. ورجحت طائفة التختم فى اليمين، وهو قول ابن عباس، وعبد الله بن جعفر، وروى حماد بن سلمة قال: رأيت ابن أبى رافع يتختم فى يمينه فسألته عن ذلك فقال: رأيت عبد الله بن جعفر يتختم فى يمينه، وقال: كان- ﷺ

يتختم فى يمينه «١» ، رواه أحمد والنسائى وابن ماجه والترمذى وقال: قال محمد- يعنى البخارى- هذا أصح شىء روى عن النبى- ﷺ فى هذا الباب. وفى الشمائل للترمذى عن جابر أنه- ﷺ كان يتختم فى يمينه. وهذا فيه ضعف، لحال عبد الله بن ميمون. ويروى من حديث عباد بن صهيب عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر بن عبد الله قال: قبض رسول الله- ﷺ والخاتم فى يمينه، وعباد بن صهيب متروك أيضا. وروى البزار فى مسنده من حديث عبيد بن القاسم عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أن النبى- ﷺ كان يتختم فى يمينه، وقبض والخاتم فى يمينه. وعبيد هذا كذاب. قال الحافظ ابن رجب: وقد جاء التصريح بأن تختمه- ﷺ فى يساره كان آخر الأمرين فى حديث رواه سليمان بن محمد عن عبد الله بن عطاء عن نافع عن ابن عمر أن النبى- ﷺ كان يتختم فى يمينه ثم إنه حوله إلى يساره «٢» . وقال وكيع: التختم فى اليمين ليس بسنة. ونص أحمد: أنه يكره التختم فى السبابة والوسطى. وروى عن على أنه قال: (نهانى رسول الله- ﷺ أن أتختم فى هذه أو هذه وأومأ إلى السبابة والوسطى) «٣» والله أعلم. وفى اللباب: وكان- ﷺ يتختم، وربما خرج وفى خاتمه خيط مربوط يستذكر به الشىء، ورواه ابن عدى بسند ضعيف من حديث واثلة بلفظ: كان- ﷺ إذا أراد حاجة أوثق فى خاتمه

اللباب: وكان- ﷺ يتختم، وربما خرج وفى خاتمه خيط مربوط يستذكر به الشىء، ورواه ابن عدى بسند ضعيف من حديث واثلة بلفظ: كان- ﷺ إذا أراد حاجة أوثق فى خاتمه

خيطا. وروى أبو يعلى عن ابن عمر أنه إذا أشفق من الحاجة أن ينساها ربط فى أصبعه خيطا ليذكرها. وكذا هو فى رابع الخلعيات. لكن فيه سالم بن عبد الأعلى أبو الفيض، رماه ابن حبان بالوضع بل اتهمه أبو حاتم بهذا الحديث. وأما السراويل فاختلف هل لبسها النبى- ﷺ أم لا؟ فجزم بعض العلماء بأنه- ﷺ لم يلبسه، ويستأنس له بما جزم به النووى فى ترجمة عثمان بن عفان- رضى الله عنه- من كتاب تهذيب الأسماء واللغات: أنه- رضى الله عنه- لم يلبس السراويل فى جاهلية ولا إسلام إلا يوم قتله. فإنهم كانوا أحرص شىء على اتباعه- ﷺ. لكن قد ورد فى حديث عند أبى يعلى الموصلى فى مسنده بسند ضعيف جدّا عن أبى هريرة قال: دخلت السوق يوما مع رسول الله- ﷺ فجلس إلى البزازين فاشترى سراويل بأربعة دراهم، وكان لأهل السوق وزان يزن فقال له رسول الله- ﷺ: «اتزن وأرجح» ، فقال الوزان إن هذه الكلمة ما سمعتها من أحد، فقال أبو هريرة فقلت له: كفى بك من الوهن والجفاء فى دينك ألا تعرف نبيك، فطرح الميزان، ووثب إلى يد رسول الله- ﷺ يريد أن يقبلها فجذب يده- ﷺ منه وقال: «يا هذا إنما تفعل هذا الأعاجم بملوكها، ولست بملك، إنما أنا رجل منكم» ، فوزن فأرجح وأخذ رسول الله- ﷺ السراويل. قال أبو هريرة: فذهبت لأحمله عنه فقال: «صاحب الشىء أحق بشيئه أن يحمله إلا أن يكون ضعيفا يعجز عنه فيعينه أخوه المسلم» ، قال: قلت يا رسول الله، وإنك لتلبس السراويل؟ قال: «أجل، فى السفر والحضر، وبالليل والنهار، فإنى أمرت بالستر، فلم أجد شيئا أستر منه» «١» .

وه المسلم» ، قال: قلت يا رسول الله، وإنك لتلبس السراويل؟ قال: «أجل، فى السفر والحضر، وبالليل والنهار، فإنى أمرت بالستر، فلم أجد شيئا أستر منه» «١» .

وكذا أخرجه ابن حبان فى الضعفاء عن أبى يعلى، ورواه الطبرانى فى الأوسط، والدار قطنى فى الأفراد، والعقيلى فى الضعفاء، ومداره على يوسف ابن زياد الواسطى. لكن قد صح شراء النبى- ﷺ له. وفى الهدى: والظاهر أنه- ﷺ إنما اشتراه ليلبسه. وقد روى أنه لبس السراويل، وكانوا يلبسونه فى زمانه وبإذنه. قال أبو عبد الله الحجازى فى حاشيته على «الشفاء» : وما قاله فى الهدى من أنه- ﷺ لبس السراويل، قالوا: سبق قلم والله أعلم. وقد أورد أبو سعيد النيسابورى ذكر الحديث فى تجارته- ﷺ من كتابه «شرف المصطفى» . وقد ترجم البخارى فى اللباس من صحيحه: باب السراويل، وأورد فيه حديث المحرم لكونه لم يرد فيه شىء على شرطه. وأما الخف: فروى الترمذى عن بريدة أن النجاشى أهدى للنبى- ﷺ خفين أسودين ساذجين، فلبسهما ثم توضأ ومسح عليهما «١» . وعن المغيرة بن شعبة قال: أهدى دحية للنبى- ﷺ خفين فلبسهما. وقال إسرائيل عن جابر عن عامر: وجبة فلبسهما حتى تخرقا، لا يدرى النبى- ﷺ أذكيان هما أم لا «٢» . رواه الطبرانى. وأما نعله- ﷺ، والنعل- كما قال صاحب المحكم- ما وقيت به القدم، ففى البخارى عن قتادة عن أنس (أن نعل النبى- ﷺ كان لها

يان هما أم لا «٢» . رواه الطبرانى. وأما نعله- ﷺ، والنعل- كما قال صاحب المحكم- ما وقيت به القدم، ففى البخارى عن قتادة عن أنس (أن نعل النبى- ﷺ كان لها

قبالان) «١» . والقبالان: تثنية القبال، وهو زمام النعل، وهو السير الذى يكون بين الأصبعين. وعن ابن عباس قال: كان لنعل النبى- ﷺ قبالان مثنى شراكهما، رواه الترمذى فى الشمائل، وفيها أيضا عن أبى هريرة قال: كان لنعل رسول الله- ﷺ قبالان. وعن عيسى بن طهمان قال: أخرج إلينا أنس ابن مالك نعلين جرداوين لهما قبالان، فحدثنى ثابت بعد عن أنس: أنهما كانتا نعلى النبى «٢» . وعن عبيد بن جريج أنه قال لابن عمر: رأيتك تلبس النعال السبتية، قال: إنى رأيت رسول الله- ﷺ يلبس النعال التى ليس فيها شعر ويتوضأ فيها، فأنا أحب أن ألبسها «٣» . وعن عمرو بن حريث قال: رأيت رسول الله- ﷺ يصلى فى نعلين مخصوفتين «٤» . وعن عائشة كان رسول الله- ﷺ يحب التيمن ما استطاع فى ترجله وتنعله وطهوره «٥» رواه الترمذى. وعن أبى هريرة، قال- ﷺ: «إذا تنعل أحدكم فليبدأ باليمين، فإذا نزع فليبدأ بالشمال، لتكن اليمين أولهما تنعل وآخرهما تنزع» «٦» . وكان- ﷺ ينهى أن ينتعل الرجل قائما «٧» . رواه أبو داود والترمذى.

وقد ذكر أبو اليمن بن عساكر تمثال نعله الكريمة- عليه أفضل الصلاة والسلام- فى جزء مفرد رويته قراءة وسماعا. وكذا أفرده بالتأليف أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن خلف السلمى المشهور بابن الحاج من أهل المرية بالأندلس وكذا غيرهما. ولم أثبتها هنا اتكالا على شهرتها وصعوبة ضبط تسطيرها إلا على حاذق. ومن بعض ما ذكر من فضلها وجرب من نفعها وبركتها، ما ذكره أبو جعفر أحمد بن عبد المجيد، وكان شيخا صالحا قال: حذوت هذا المثال لبعض الطلبة فجاءنى يوما فقال لى رأيت البارحة من بركة هذا النعل عجبا. أصاب زوجى وجع شديد كاد يهلكها فجعلت النعل على موضع الوجع وقلت: اللهم أرنى بركة صاحب هذا النعل، فشفاها الله للحين. وقال أبو إسحاق: قال أبو القاسم بن محمد: ومما جرب من بركته أن من أمسكه عنده متبركا به كان له أمانا من بغى البغاة وغلبة العداة وحرزا من كل شيطان مارد وعين كل حاسد، وإن أمسكته المرأة الحامل بيمينها وقد اشتد عليها الطلق تيسر أمرها بحول الله وقوته، ولله در أبى اليمن بن عساكر حيث قال: يا منشدا فى رسم ربع خال ... ومناشدا لدوارس الأطلال دع ندب آثار وذكر ماثر ... لأحبة بانوا وعصر خال والثم ثرى الأثر الكريم فحبذا ... إن فزت منه بلثم ذا التمثال أثر له بقلوبنا أثر لها ... شغل الخلى بحب ذات الخال قبّل لك الإقبال نعلى أخمص ... حل الهلال بها محل قبال ألصق بها قلبا يقلبه الهوى ... وجلا على الأوصاب والأوجال صافح بها خدّا وعفر وجنة ... فى تربها وجدا وفرط فعال سيبل حر جوى ثوى بجوانح ... فى الحب ما جنحت إلى الإبلال يا شبه نعل المصطفى روحى الفدا ... لمحلك الأسمى الشريف العال هملت لمرآك العيون وقد نأى ... مرمى العيان بغير ما إهمال

... فى الحب ما جنحت إلى الإبلال يا شبه نعل المصطفى روحى الفدا ... لمحلك الأسمى الشريف العال هملت لمرآك العيون وقد نأى ... مرمى العيان بغير ما إهمال

وتذكرت عهد العقيق فتأثرت ... شوقا عقيق المدمع الهطال وصبت فواصلت الحنين إلى الذى ... ما زال بالى منه فى بلبال أذكرتنى قدما لها قدم العلا ... والجود والمعروف والإفضال أذكرتنى من لم يزل ذكرى له ... يعتاد فى الأبكار والآصال ولها المفاخر والماثر فى الدنا ... والدين والأقوال والأفعال لو أن خدى يحتذى نعلا لها ... لبلغت من نيل المنى آمال أو أن أجفانى لوطء نعالها ... أرض سمت عزا بذا الإذلال وما أحسن قول أبى الحكم بن المرحل فى قصيدة ذكرها أبو إسحاق بن الحاج: بوصف حبيبى طرز الشعر ناظمه ... ونمنم خد الطرس بالنقش راقمه رؤوف عطوف أوسع الناس رحمة ... وجادت عليهم بالنوال غمائمه له الحسن والإحسان فى كل مذهب ... فاثاره محبوبة ومعالمه به ختم الله النبيين كلهم ... وكل فعال صالح فهو خاتمه أحب رسول الله حبّا لو أنه ... تقاسمه قومى كفتهم قسائمه كأن فؤادى كلما مرّ ذكره ... من الورق خفاق أصيبت قوادمه أهيم إذا هبت نواسم أرضه ... ومن لفؤادى أن تهب نواسمه فأنشق مسكا طيبا فكأنما ... نوافجه جاءت به ولطائمه ومما دعانى والدعاوى كثيرة ... إلى الشوق أن الشوق مما أكاتمه مثال لنعلى من أحب هويته ... فها أنا فى يومى وليلى ألاثمه أجر على رأسى ووجهى أديمه ... وألثمه طورا وطورا ألازمه أمثله فى رجل أكرم من مشى ... فتبصره عينى وما أنا حالمه أحرك خدى ثم أحسب وقعه ... على وجنتى خطوا هناك يداومه ومن لى بوقع النعل فى حر وجنتى ... لماش علت فوق النجوم براجمه سأجعله فوق الترائب عوذة ... لقلبى لعل القلب يبرد حاجمه وأربطة فوق الشؤون تميمة ... لجفنى لعل الجفن يرقأ ساجمه

ر وجنتى ... لماش علت فوق النجوم براجمه سأجعله فوق الترائب عوذة ... لقلبى لعل القلب يبرد حاجمه وأربطة فوق الشؤون تميمة ... لجفنى لعل الجفن يرقأ ساجمه

ألا بأبى تمثال نعل محمد ... لطاب لحاذيه وقدس خادمه يود هلال الأفق لو أنه هوى ... يزاحمنا في لثمه ونزاحمه وما ذاك إلا أن حب نبينا ... يقوم بأجسام الخليقة لازمه سلام عليه كلما هبت الصبا ... وغنت بأغصان الأراك حمائمه ولأبى بكر أحمد بن الإمام أبى محمد عبد الله بن الحسين القرطبى- ﵀: ونعل خضعنا هيبة لبهائها ... وإنا متى نخضع لها أبدا نعلو فضعها على أعلى المفارق إنها ... حقيقتها تاج وصورتها نعل بأخمص خير الخلق حازت مزية ... على التاج حتى باهت المفرق الرجل طريق الهدى عنها استنارت لمبصر ... وإن بحار الجود من فيضها حلوا سلونا ولكن عن سواها وإنما ... نهيم بمغناها الغريب وما نسلوا فما شاقنا مذ راقنا رسم عزها ... حميم ولا مال كريم ولا نسل شفاء لذى سقم رجاء لبائس ... أمان لذى خوف كذا يحسب الفضل وأما فراشه- ﷺ، فقد كان- ﷺ آخذا من ذلك بما تدعو ضرورته إليه، وترك ما سوى ذلك. وفى صحيح مسلم قوله- ﷺ: «فراش للرجل وفراش لامرأته والثالث للضيف، والرابع للشيطان» «١» . قال العلماء: معناه ما زاد على الحاجة فاتخاذه إنما هو للمباهاة والاختيال، والالتهاء بزينة الدنيا، وما كان بهذه الصفة فهو مذموم، وكل مذموم يضاف للشيطان لأنه يرتضيه ويوسوس به ويحسنه، وقيل: إنه على ظاهره، وإنه إذا كان لغير حاجة كان للشيطان عليه مبيت ومقيل، وأما تعداد الفراش للزوج والزوجة فلا بأس به لأنه قد يحتاج كل واحد منهما إلى فراش عند المرض ونحوه.

وعن عائشة: «إنما كان فراش رسول الله- ﷺ الذى ينام عليه أدما حشوه الليف» «١» رواه الشيخان. وروى البيهقى من حديثها، قالت: دخلت على امرأة من الأنصار فرأت فراش رسول الله- ﷺ قطيفة مثنية، فبعثت إلى بفراش حشوه الصوف، فدخل على رسول الله- ﷺ فقال: «ما هذا يا عائشة؟» قلت: يا رسول الله، فلانة الأنصارية دخلت فرأت فراشك فبعثت إلى بهذا، فقال: «رديه يا عائشة فو الله لو شئت لأجرى الله معى جبال الذهب والفضة» «٢» . وعند عبد الله بن مسعود: نام رسول الله- ﷺ على حصير، فقام وقد أثر فى جنبه «٣» . الحديث رواه ابن ماجه والترمذى وقال: حسن صحيح. والطبرانى ولفظه: دخلت على النبى- ﷺ وهو فى غرفة كأنها حمام. وهو نائم على حصير، وقد أثر فى جنبه فبكيت، فقال: «ما يبكيك يا عبد الله؟» قلت: يا رسول الله كسرى وقيصر يطؤون على الخز والديباج والحرير، وأنت نائم على هذا الحصير قد أثر بجنبك، فقال: «فلا تبك يا عبد الله، فإن لهم الدنيا ولنا الآخرة» «٤» . وقوله: كأنها بيت حمام- بتشديد الميم- أى أن فيها من الحر والكرب كما فى بيت الحمام. وعن ابن عباس قال: حدثنى عمر بن الخطاب قال: دخلت على رسول الله- ﷺ وهو على حصير، قال: فجلست، فإذا عليه إزاره وليس عليه غيره، وإذا الحصير قد أثر فى جنبه، وإذا أنا بقبضة من شعير نحو الصاع، وإذا إهاب معلق، فابتدرت عيناى، فقال: «ما يبكيك يا ابن

فإذا عليه إزاره وليس عليه غيره، وإذا الحصير قد أثر فى جنبه، وإذا أنا بقبضة من شعير نحو الصاع، وإذا إهاب معلق، فابتدرت عيناى، فقال: «ما يبكيك يا ابن

الخطاب» ، فقال: يا نبى الله، وما لى لا أبكى وهذا الحصير قد أثر فى جنبك، وهذه خزائنك لا أرى فيها إلا ما أرى، وذاك كسرى وقيصر فى الثمار والأنهار، وأنت نبى الله وصفوته، وهذه خزائنك. قال: «يا ابن الخطاب، أما ترضى أن تكون لنا الآخرة ولهم الدنيا» «١» . رواه ابن ماجه بإسناد صحيح. والحاكم وقال: صحيح على شرط مسلم ولفظه. قال عمر- رضى الله عنه-: استأذنت على رسول الله- ﷺ فدخلت عليه فى مشربة، وإنه لمضطجع على خصفة وإن بعضه لعلى التراب، وتحت رأسه وسادة محشوة ليفا، وإن فوق رأسه لإهاب عطين، وفى ناحية المشربة قرظ، فسلمت عليه وجلست فقلت: أنت نبى الله وصفوته، وكسرى وقيصر على سرر الذهب وفرش الديباج والحرير، فقال: «أولئك عجلت لهم طيباتهم وهى وشيكة الانقطاع وإنا قوم أخرت لنا طيباتنا فى آخرتنا» «٢» . وعن عائشة، كان لرسول الله- ﷺ سرير مرمّل بالبردى، عليه كساء أسود، وقد حشوناه بالبردى، فدخل أبو بكر وعمر عليه فإذا النبى- ﷺ نائم عليه، فلما رآهما استوى جالسا، فنظرا فإذا أثر السرير فى جنب رسول الله- ﷺ فقالا: يا رسول الله ما يؤذيك خشونة ما نرى من فراشك وسريرك، وهذا كسرى وقيصر على فرش الحرير والديباج فقال- ﷺ: «لا تقولا هذا، فإن فراشى كسرى وقيصر فى النار، وإن فراشى وسريرى هذا عاقبته إلى الجنة» «٣» . رواه ابن حبان فى صحيحه. ويروى أنه- ﷺ ما عاب مضجعا قط، إن فرش له اضطجع، وإلا اضطجع على الأرض. وتغطى- ﷺ باللحاف، قال- ﷺ: «ما أتانى جبريل وأنا فى لحاف امرأة منكن غير عائشة» «٤» .

وى أنه- ﷺ ما عاب مضجعا قط، إن فرش له اضطجع، وإلا اضطجع على الأرض. وتغطى- ﷺ باللحاف، قال- ﷺ: «ما أتانى جبريل وأنا فى لحاف امرأة منكن غير عائشة» «٤» .

النوع الثالث فى سيرته ﷺ فى نكاحه قد كان- ﷺ يأخذ من الجماع بالأكمل، مما تحفظ به الصحة، وتتم به اللذة وسرور النفس، وتحصل به مقاصده التى وضع لأجلها. فإن الجماع فى الأصل وضع لثلاثة أشياء، هى مقاصده الأصلية: أحدها: حفظ النفس ودوام النوع الإنسانى إلى أن تتكامل العدة التى قدر الله تعالى بروزها إلى هذا العالم. الثانى: إخراج الماء الذى يضر احتباسه واحتقانه بجملة البدن. الثالث: قضاء الوطر ونيل اللذة والتمتع بالنعمة، وهذه هى الفائدة التى فى الجنة، إذ لا تناسل هناك، ولا احتقان يستفرغه الإنزال، وفضلاء الأطباء يرون أن الجماع من أسباب حفظ الصحة. لكن لا ينبغى إخراج المنى إلا فى طلب النسل، وإخراج ما احتقن منه، فإنه إذا دام احتقانه أحدث أمراضا رديئة، منها الوسواس والجنون والصرع وغير ذلك، وقد يبرئ استعماله من هذه الأمراض كثيرا، فإنه إذا طال احتباسه فسد واستحال إلى كيفية سمية توجب أمراضا رديئة. قال محمد بن زكريا: من ترك الجماع مدة طويلة ضعفت قوى أعضائه وانسدت مجاريها، وتقلص ذكره، وقد رأيت جماعة تركوه لنوع من التقشف فبردت أبدانهم وعسرت حركاتهم ووقعت عليهم كابة بلا سبب، وقلت شهواتهم وهضمهم. أشار إليه فى زاد المعاد. ومن منافعه: غض البصر، وكف النفس، والقدرة على العفة عن الحرام، وتحصيل ذلك للمرأة، فهو ينفع نفسه فى دنياه وآخرته، وينفع المرأة، ولم يزل التفاخر بكثرته عادة معروفة، والتمادح به سيرة ماضية، ولذلك كان- ﷺ يتعاهده ويقول كما فى حديث أنس عند الطبرانى فى الأوسط،

والنسائى فى سننه: «حبب إلى من دنياكم النساء والطيب، وجعلت قرة عينى فى الصلاة» «١» أى لمناجاته فيها ربه، زاد الإمام أحمد فى الزهد: وأصبر عن الطعام والشراب ولا أصبر عنهن. فمحبة النساء والنكاح من كمال الإنسان، هذا خليل الله إبراهيم، إمام الحنفاء، كان عنده سارة أجمل نساء العالمين، أحب هاجر وتسرى بها. وذكر سعد بن إبراهيم عن عامر بن سعد عن أبيه قال: كان الخليل إبراهيم- ﵊ يزور هاجر فى كل يوم من الشام على البراق شغفا بها وقلة صبر عنها. وهذا داود- ﵊ كان عنده تسع وتسعون امرأة فأحب تلك المرأة وتزوج بها فكمل المائة وهذا سليمان ابنه كان يطوف فى الليلة على تسعين امرأة. تنبيه: قد وقع فى الإحياء للغزالى، وتفسير آل عمران من الكشاف، وكثير من كتب الفقهاء: «حبب إلى من دنياكم ثلاث» «٢» . وقالوا: إنه- ﵊ قال «ثلاث» ولم يذكر إلا اثنتين: الطيب والنساء. قالوا: ومنه قول الشاعر: إن الأحامرة الثلاثة أهلكت ... مالى وكنت بهن قدما مولعا الخمر والماء القراح وأطلى ... بالزعفران فلا أزال مولعا وذكرها ابن فورك فى جزء مفرد ووجهها وأطنب فى ذلك، وهذا عندهم يسمى «طيا» وهو أن يذكر جمع ثم يؤتى ببعضه ويسكت عن ذكر باقيه لغرض للمتكلم، وأنشد الزمخشرى عليه: كانت حنيفة أثلاثا فثلثهم ... من العبيد وثلث من مواليها وفائدة الطى عندهم تكثير ذلك الشىء: لكن قال ابن القيم وغيره: من

للمتكلم، وأنشد الزمخشرى عليه: كانت حنيفة أثلاثا فثلثهم ... من العبيد وثلث من مواليها وفائدة الطى عندهم تكثير ذلك الشىء: لكن قال ابن القيم وغيره: من

رواه «حبب إلى من دنياكم ثلاث» فقد وهم، ولم يقل- ﷺ: ثلاث، والصلاة ليست من أمور الدنيا التى تضاف إليها. انتهى، نعم تضاف إليها لكونها ظرفا لوقوعها فقط، فهى عبادة محضة. وقال شيخ الإسلام والحافظ ابن حجر فى تاريخ الكشاف: إن لفظ «ثلاث» لم تقع فى شىء من طرقه، وزيادته مفسدة للمعنى. وكذا قال شيخ الإسلام الولى ابن العراقى فى أماليه، وعبارته: ليست هذه اللفظة وهى «ثلاث» فى شىء من كتب الحديث، وهى مفسدة للمعنى، فإن الصلاة ليست من أمور الدنيا. وكذا صرح به الزركشى وغيره، كما حكاه شيخنا فى المقاصد الحسنة وأقره. وقال ابن الحاج فى المدخل: انظر إلى حكمة قوله- ﷺ «حبب» ولم يقل: أحببت، وقال: «من دنياكم» فأضافها إليهم دونه- ﵊، فدل على أن حبه كان خاصا بمولاه تعالى، وجعلت قرة عينه فى الصلاة، فكان- ﷺ بشرىّ الظاهر، ملكوتى الباطن. وكان- ﷺ لا يأتى إلى شىء من أحوال البشرية إلا تأنيسا لأمته وتشريعا لها، لا أنه محتاج إلى شىء من ذلك، ألا ترى إلى قوله تعالى: قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ «١» فقال: «لكم» ولم يقل: إنى ملك، فلم ينف الملكية عنه إلا بالنسبة إليهم، أعنى فى معانيه- ﷺ لا فى ذاته الكريمة، إذ إنه- ﷺ يلحق بشريته ما يلحق البشر، ولهذا قال سيدى أبو الحسن الشاذلى فى صفته- ﷺ: هو بشر ليس كالأبشار، كما أن الياقوت حجر ليس كالأحجار. وهذا منه- ﵀ على سبيل التقريب للفهوم، فدل على أنه- ﷺ ملكى الباطن، ومن كان ملكى الباطن ملك نفسه. انتهى. وهاهنا لطيفة: روى أنه- ﷺ لما قال: «حبب إلى من دنياكم النساء والطيب وجعلت قرة عينى فى الصلاة» ، قال أبو بكر: وأنا يا رسول الله حبب إلى من الدنيا: النظر إلى وجهك، وجمع المال للإنفاق عليك،

ب إلى من دنياكم النساء والطيب وجعلت قرة عينى فى الصلاة» ، قال أبو بكر: وأنا يا رسول الله حبب إلى من الدنيا: النظر إلى وجهك، وجمع المال للإنفاق عليك،

والتوسل بقرابتك إليك. وقال عمر: وأنا يا رسول الله حبب إلى من الدنيا: الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر والقيام بأمر الله، وقال عثمان: وأنا يا رسول الله حبب إلى من الدنيا إشباع الجائع وإرواء الظمان وكسوة العارى، وقال على بن أبى طالب: وأنا يا رسول الله حبب إلى من الدنيا الصوم فى الصيف، وإقراء الضيف والضرب بين يديك بالسيف. قال الطبرى: خرجه الجندى. كذا قال والعهدة عليه. وعن أنس أن رسول الله- ﷺ قال: «فضلت على الناس بأربع بالسماحة والشجاعة وكثرة الجماع وشدة البطش» «١» . رواه الطبرانى. وقال أنس: (كان- ﷺ يدور على نسائه فى الساعة الواحدة من الليل، وهن إحدى عشرة، قلت لأنس: أو كان يطيقه؟ قال: كنا نتحدث أنه أعطى قوة ثلاثين) «٢» رواه البخارى من طريق قتادة. قال ابن خزيمة: تفرد بذلك معاذ بن هشام عن أبيه. ورواه سعيد بن أبى عروبة وغيره عن قتادة فقال: (تسع نسوة) «٣» انتهى. وكذا رواه البخارى من طريق سعيد بن أبى عروبة أيضا بلفظ (وله يومئذ تسع نسوة) . وقد جمع بينهما ابن حبان فى صحيحه بأن حمل ذلك على حالتين، لكنه وهم فى قوله: إن الأولى كانت فى أول قدومه المدينة، حيث كان تحته تسع نسوة، والحالة الثانية فى آخر الأمر، حيث اجتمع عنده إحدى عشرة امرأة. وموضع هذا الوهم منه: إنه- ﷺ لما قدم المدينة لم يكن تحته سوى سودة ثم دخل على عائشة بالمدينة، ثم تزوج أم سلمة وحفصة وزينب بنت خزيمة فى السنة الرابعة، ثم زينب بنت جحش فى الخامسة، ثم جويرية فى السادسة، ثم صفية وأم حبيبة وميمونة فى السابعة، هؤلاء جميع من دخل بهن من الزوجات بعد الهجرة على المشهور ... لكن تحمل رواية هشام على

أنه ضم مارية وريحانة إليهن وأطلق عليهن لفظ «نسائه» تغليبا. فإن قلت: وطء المرأة فى يوم الآخرى ممنوع، والقسم وإن لم يكن واجبا عليه- ﷺ لكنه التزمه تطييبا لنفوسهن. أجيب: باحتمال إذن صاحبة اليوم له، أو أنه فى يوم لم يثبت فيه قسم بعد، كيوم قدومه من سفر، أو اليوم الذى بعد كمال الدورة، لأنه يستأنف القسم فيما بعد، أو أنه من خصائصه- ﷺ، وقد اختص فى باب النساء بأشياء، كما سيأتى إن شاء الله تعالى. وعن طاووس ومجاهد: أعطى- ﷺ قوة أربعين رجلا فى الجماع «١» . رواه ابن سعد. وفى رواية عن مجاهد: قوة بضع وأربعين رجلا كل رجل من أهل الجنة. رواه الحارث بن أبى أسامة. وعند أحمد والنسائى، وصححه الحاكم من حديث زيد بن أرقم رفعه: «إن الرجل من أهل الجنة ليعطى قوة مائة فى الأكل والشرب والجماع والشهوة» «٢» . وعن صفوان بن سليم مرفوعا: «أتانى جبريل بقدر، فأكلت منها فأعطيت قوة أربعين رجلا فى الجماع» «٣» . رواه ابن سعد. ولما كان- ﷺ ممن أقدر على القوة فى الجماع وأعطى الكثير منه، أبيح له من عدد الحرائر ما لم يبح لغيره. قال ابن عباس: تزوجوا فإن أفضل هذه الأمة أكثرها نساء. يشير إليه- ﷺ، وقيد بهذه الأمة ليخرج مثل سليمان- ﵇ فإنه كان أكثر نساء. ووقع عند الطبرانى عن سعيد بن جبير عن ابن عباس: تزوجوا فإن خيرنا أكثرنا نساء، قيل المعنى: خير أمة محمد- ﷺ من كان أكثر نساء من غيره ممن يتساوى معه فيما عدا ذلك من الفضائل. قال الحافظ أبو الفضل العسقلانى: والذى يظهر أن مراد ابن عباس ب «الخير» النبى- ﷺ وب «الأمة» أخصاء أصحابه، وكأنه أشار إلى أن ترك

ما عدا ذلك من الفضائل. قال الحافظ أبو الفضل العسقلانى: والذى يظهر أن مراد ابن عباس ب «الخير» النبى- ﷺ وب «الأمة» أخصاء أصحابه، وكأنه أشار إلى أن ترك

التزويج مرجوح، إذ لو كان راجحا ما آثر النبى- ﷺ غيره، وكان- مع كونه أخشى الناس لله وأعلمهم به- يكثر التزويج لمصلحة تبليغ الأحكام التى لا يطلع عليها الرجال، ولإظهار المعجزة البالغة فى خرق العادة لكونه كان لا يجد ما يستمتع به من القوت غالبا، وإن وجد فكان يؤثر بأكثره، ويصوم كثيرا ويواصل، ومع ذلك فكان يطوف على نسائه فى الليلة الواحدة، ولا يطاق ذلك إلا مع قوة البدن، وقوة البدن تابعة لما يقوم به من استعمال المقويات من مأكول ومشروب، وهى عنده- ﷺ نادرة أو معدومة. وقال بعض العلماء: لما كان الحر لفضله على العبد يستبيح من النساء أكثر مما يستبيح العبد، وجب أن يكون النبى- ﷺ لفضله على جميع الأمة يستبيح من النساء أكثر مما تستبيحه الأمة. قالوا: ومن فوائد ذلك، زيادة التكليف بهن مع تحمل أعباء الرسالة، فيكون ذلك أعظم لمشاقه وأكثر لأجره، ومنها: أن النكاح فى حقه عبادة، ومنها: نقل محاسنه الباطنة، وقد تزوج- ﷺ أم حبيبة وكان أبوها فى ذلك الوقت عدوه، وصفية وقد قتل أباها وعمها وزوجها، فلو لم يطلعن من باطن أحواله على أنه أكمل خلق الله لكانت الطباع البشرية تقتضى ميلهن إلى آبائهن وقرابتهن، فكان فى كثرة النساء عنده بيان لمعجزاته وكماله باطنا، كما عرف الرجال منه الظاهر. وقد رغب- ﷺ فى النكاح. فروى أبو داود والنسائى من حديث معقل بن يسار مرفوعا: «تزوجوا الولود الودود فإنى مكاثر بكم الأمم» «١» وفى ابن ماجه عن أبى هريرة رفعه: «انكحوا فإنى مكاثر بكم الأمم» . وهو معنى ما اشتهر على الألسنة: «تناكحوا تناسلوا فإنى أباهى بكم الأمم» «٢» ، ولم أقف عليه بهذا اللفظ.

أبى هريرة رفعه: «انكحوا فإنى مكاثر بكم الأمم» . وهو معنى ما اشتهر على الألسنة: «تناكحوا تناسلوا فإنى أباهى بكم الأمم» «٢» ، ولم أقف عليه بهذا اللفظ.

وأرشد- ﷺ من لم يستطع الباءة إلى الصوم، لأن كثرته تقلل مادة النكاح، وتضعف ما يجده المرء من الحرارة القوية التى تبعثه على النكاح، وخص الشباب فى قوله: «يا معشر الشباب» «١» لأن للشباب من شهوة النكاح ما ليس لغيرهم. وقد ظهر لك أن النكاح أعظم فى الأجر والثواب من الصيام، فإنه- ﷺ لم يأمر أولا بالصوم إنما أمر به عند عدم الطول إلى النكاح، وإذا كان النكاح ينوى به التناسل لتكثير هذه الأمة المحمدية فهو بلا شك أفضل. قال عمر بن الخطاب- رضى الله عنه-: إنى لأطأ النساء وما لى إليهن حاجة، رجاء أن يخرج الله من ظهرى من يكاثر به محمد- ﷺ الأمم يوم القيامة. ذكره ابن أبى جمرة. وانظر كون نبينا- ﷺ بالإجماع- أعبد الناس، مع ما طبعت عليه بشريته من حب الجماع، وكيف لم يخل بعبادته شيئا، لأنه- ﷺ لم يكن يأتيها إلا على مشروعيتها، وهذا هو غاية الكمال فى البشرية، لأنه يرجع ما طبع عليه تابعا لما أمر به. وقد روى عنه- ﷺ أنه قال: «لا رهبانية فى الإسلام» «٢» . وهى ترك النساء، ولو كان تركهن أفضل لشرع ذلك فى ديننا، إذ هو خير الأديان. وقد قال سليمان- ﵇: لأطوفن الليلة على مائة امرأة «٣» . رواه البخارى. وهذا فيه معجزة لسليمان- ﵇، إذ البشر عاجز عن الطواف على مائة

امرأة فى ليلة واحدة، فأظهر الله تعالى قدرته بأن أعطى لسليمان- ﵇ القوة على ذلك فكان فيها معجزة وإظهار قدرة وإبداء حكمة، ردّا على من ربط الأشياء بالعوائذ فيقول: لا يكون كذا إلا من كذا، ولا يتولد كذا إلا من كذا، فألقى الله فى صلب سليمان ماء مائة رجل. وكان له ثلاثمائة زوجة وألف سرية وهذا لا يعطى تفضيل سليمان- ﵇ على نبينا- ﷺ، إذ سيدنا محمد لم يعط إلا ماء أربعين رجلا، ولم يكن له غير عشر نسوة، لأن مرتبة نبينا- ﷺ فى الأفضلية لا يساويه فيها أحد، وسليمان تمنى أن يكون ملكا فأعطى ذلك، وأعطى هذه القوة فى الجماع لكى يتم له الملك على خرق العادة من كل الجهات ليمتاز بذلك. فكان نساؤه من جنس ملكه الذى لا ينبغى لأحد من بعده كما طلب. ونبينا محمد- ﷺ لما خير بين أن يكون نبيّا ملكا أبى ذلك، واختار أن يكون نبيّا عبدا، فأعطى من الخصوصية ذلك القدر لكونه- ﷺ اختار الفقر والعبودية فأعطى الزائد لخرق العادة فى النوع الذى اختار وهو الفقر والعبودية، فكان- ﷺ يربط على بطنه الأحجار من شدة الجوع والمجاهدة، وهو على حاله فى الجماع لم ينقصه شيئا، والناس أبدا إذا أخذهم الجوع والمجاهدة لا يستطيعون ذلك، فهو أبلغ فى المعجزة، قاله فى بهجة النفوس، والله أعلم.

النوع الرابع فى نومه ﷺ كان- ﷺ ينام أول الليل ويستيقظ فى أول النصف الثانى، فيقوم فيستاك ويتوضأ، ولم يكن يأخذ من النوم فوق القدر المحتاج، ولا يمنع نفسه من القدر المحتاج إليه منه، وكان ينام على جانبه الأيمن، ذاكرا الله حتى تغلبه عيناه، غير ممتلئ البدن من الطعام والشراب، لأنه- ﷺ كان يحب التيامن فى شأنه كله، وليرشد أمته، لأن فى الاضطجاع على الشق الأيمن سرّا، وهو

الله حتى تغلبه عيناه، غير ممتلئ البدن من الطعام والشراب، لأنه- ﷺ كان يحب التيامن فى شأنه كله، وليرشد أمته، لأن فى الاضطجاع على الشق الأيمن سرّا، وهو

أن القلب معلق فى الجانب الأيسر، فإذا نام الرجل على الجانب الأيسر استثقل نوما، لأنه يكون فى دعة واستراحة فيثقل نومه، فإذا نام على الشق الأيمن فإنه يقلق ولا يستغرق فى النوم لقلق القلب، وطلبه مستقره وميله إليه. قالوا: وكثرة النوم على الجانب الأيسر- وإن كان أهنأ- مضر بالقلب بسبب ميل الأعضاء إليه، فتنصب المواد فيه. وأما قول القاضى عياض فى الشفاء: وكان نومه على جانبه الأيمن استظهارا على قلة النوم.. إلخ، ففيه شىء، لأنه- ﷺ لا ينام قلبه، فسواء كان نومه على الجانب الأيمن أو الأيسر فهذا الحكم ثابت له، وما علله به إنما تستقيم فى حق من ينام قلبه، وحينئذ فالأحسن تعليله بحب التيامن، أو بقصده التعليم، كما مر. وأردأ النوم، النوم على الظهر، ولا يضر الاستلقاء عليه للراحة من غير نوم، وأردأ منه أن ينام منبطحا على وجهه، وفى سنن ابن ماجه أنه- ﷺ مر برجل فى المسجد منبطح على وجهه فضربه برجله وقال: «قم، أو اقعد، فإنها نومة جهنمية» «١» . وكان- ﷺ ينام على النطع تارة، وعلى الفراش تارة، وعلى الحصير تارة، وعلى الأرض تارة. وكان فراشه أدما حشوه ليف. وكان له مسح ينام عليه. وكان- ﷺ إذا أخذ مضجعه وضع كفه تحت خده الأيمن وقال: «رب قنى عذابك يوم تبعث عبادك» «٢» وفى رواية: «يوم تجمع عبادك» . وقال أبو قتادة: كان- ﷺ إذا عرّس بليل اضطجع على شقه الأيمن، وإذا عرس قبيل الصبح نصب ذراعه ووضع رأسه على كفه «٣» . وقال ابن

رواية: «يوم تجمع عبادك» . وقال أبو قتادة: كان- ﷺ إذا عرّس بليل اضطجع على شقه الأيمن، وإذا عرس قبيل الصبح نصب ذراعه ووضع رأسه على كفه «٣» . وقال ابن

عباس: كان- ﷺ إذا نام نفخ «١» . وعن حذيفة كان- ﷺ إذا أوى إلى فراشه قال: «باسمك اللهم أموت وأحيا» «٢» . وقالت عائشة: كان يجمع كفيه فينفث فيهما ويقرأ: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ «٣» وقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ «٤» وقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ «٥» ثم يمسح بهما ما استطاع من جسده يبدأ بهما على رأسه ووجهه وما أقبل من جسده. يصنع ذلك ثلاث مرات «٦» . وقال أنس: كان رسول الله- ﷺ إذا أوى إلى فراشه قال: «الحمد لله الذى أطعمنا وسقانا وكفانا وآوانا، وكم ممن لا كافى له ولا مؤوى» «٧» . روى ذلك الترمذى. وكان- ﷺ تنام عينه ولا ينام قلبه «٨» ، رواه البخارى من حديث عائشة، قاله لها- ﵊ لما قالت له: أتنام قبل أن توتر، وإنما كان- ﷺ لا ينام قلبه لأن القلب إذا قويت فيه الحياة لا ينام إذا نام البدن، وكمال هذه الحالة لنبينا- ﷺ، ولمن أحيا الله قلبه بمحبته واتباع رسوله من ذلك جزء، بحسب نصيبه منها، فمستيقظ القلب وغافله، كمستيقظ البدن ونائمه، وإلى هذا الذى ذكرته أشار صاحب المعارف العلية والحقائق السنية سيدى على ابن سيدى محمد وفا: عينى تنام لكن قلبى والله ما ينام

Bagian 20 dari 49