— Bagian 21 · فله، كمستيقظ البدن ونائمه، وإلى هذا الذى ذكرته أ… —
Bagian 21
فله، كمستيقظ البدن ونائمه، وإلى هذا الذى ذكرته أشار صاحب المعارف العلية والحقائق السنية سيدى على ابن سيدى محمد وفا: عينى تنام لكن قلبى والله ما ينام
وكيف ينام عاشق مسبى فى الحب مستهام ناظر إلى وجه الحبيب شاخص على الدوام ... أتاه فى المعنى مرسوم أن يمحى الرسوم فقال بالحى القيوم يا سعد من يقوم وقد جمع العلماء بين هذا الحديث وبين حديث نومه- ﷺ فى الوادى عن صلاة الصبح حتى طلعت الشمس وحميت حتى أيقظه عمر- رضى الله عنه- بالتكبير «١» . فقال النووى: له جوابان، أحدهما: أن القلب إنما يدرك الحسيات المتعلقة به كالحدث والألم ونحوهما، ولا يدرك ما يتعلق بالعين لأنها نائمة والقلب يقظان، والثانى: أنه كان له حالان، حال كان قلبه لا ينام وهو الأغلب، وحال ينام فيه قلبه وهو نادر، فصادف هذا، أى قصة النوم عن الصلاة. قال: والصحيح المعتمد هو الأول والثانى ضعيف. قال فى فتح البارى: وهو كما قال، ولا يقال: القلب- وإن كان لا يدرك ما يتعلق بالعين من رؤية الفجر مثلا- لكنه يدرك إذا كان يقظانا مرور الوقت الطويل، فإن من ابتداء طلوع الفجر إلى أن حميت الشمس مدة طويلة، لا تخفى على من لم يكن مستغرقا، لأنا نقول: يحتمل أن يقال: كان قلبه- ﷺ إذ ذاك مستغرقا بالوحى، ولا يلزم من ذلك وصفه بالنوم، كما كان يستغرق- ﷺ حالة إلقاء الوحى فى اليقظة، وتكون الحكمة في ذلك بيان التشريع بالفعل، لأنه أوقع فى النفس، كما فى قصة سهوه فى الصلاة، وقريب من هذا جواب ابن المنير: أن القلب يحصل له السهو فى اليقظة لمصلحة التشريع، ففى النوم بطريق الأولى، أو على السواء. وقال ابن العربى فى القبس: النبى- ﷺ كيفما اختلف حاله من نوم أو يقظة فى حق وتحقيق، ومع الملائكة فى كل طريق، إن نسى فباكد من
المنسى اشتغل، وإن نام فبقلبه ونفسه على الله أقبل، ولهذا قالت الصحابة كان- ﷺ إذا نام لا نوقظه حتى يستيقظ، لأنا لا ندرى ما هو فيه، فنومه عن الصلاة أو نسيانه لشىء منها لم يكن عن آفة، وإنما كان بالتصرف من حالة إلى حالة مثلها لتكون لنا سنة. انتهى. وقد أجيب عن أصل الإشكال بأجوبة أخرى ضعيفة منها: أن معنى قوله: «لا ينام قلبى» أى لا يخفى عليه حالة انتقاض وضوئه، ومنها: أن معناه لا يستغرقه النوم حتى يوجد منه الحدث، وهذا قريب من الذى قبله. قال ابن دقيق العيد، كأن قائل هذا أراد تخصيص يقظة القلب بإدراك حالة الانتقاض، وذلك بعيد، وذلك أن قوله- ﷺ: «إن عينى تنامان ولا ينام قلبى» «١» خرج جوابا عن قول عائشة: أتنام قبل أن توتر؟ وهذا كلام لا تعلق له بانتقاض الطهارة الذى تكلموا فيه. وإنما هو جواب يتعلق بأمر الوتر، فتحمل يقظته على تعلق القلب باليقظة للوتر، وفرق بين من شرع فى النوم مطمئن القلب به، وبين من شرع فيه متعلقا باليقظة. قال: وعلى هذا فلا تعارض ولا إشكال فى حديث النوم حتى طلعت الشمس، لأنه يحتمل أنه اطمأن فى نومه لما أوجبه تعب السير معتمدا على من وكله بكلاءة الفجر، انتهى. ومحصله تخصيص اليقظة المفهومة من قوله «ولا ينام قلبى» بإدراكه وقت الوتر إدراكا معنويّا لتعلقه به، وأن نومه فى حديث الباب كان نوما مستغرقا، ويؤيده قول بلال: أخذ بنفسى الذى أخذ بنفسك، كما فى حديث أبى هريرة عند مسلم، ولم ينكر عليه، ومعلوم أن نوم بلال كان مستغرقا، وقد اعترض عليه: بأن ما قاله يقتضى اعتبار خصوص السبب، وأجاب، بأنه يعتبر إذا قامت عليه قرينة، وأرشد إليها السياق، وهو هنا كذلك. ومن الأجوبة الضعيفة أيضا: قول من قال: كان قلبه يقظانا وعلم بخروج الوقت، لكن ترك إعلامهم بذلك لمصلحة التشريع، والله أعلم انتهى.
المقصد الرابع وفيه فصلان:
- فى معجزاته الدالة على ثبوت نبوته وصدق رسالته.
- وما خص به من خصائص آياته وبدائع كراماته.
الفصل الأول فى معجزاته ص
تهى.
المقصد الرابع وفيه فصلان:
- فى معجزاته الدالة على ثبوت نبوته وصدق رسالته.
- وما خص به من خصائص آياته وبدائع كراماته.
الفصل الأول فى معجزاته ص
تعريف المعجزة بالدليل: اعلم أيها المحب لهذا النبى الكريم، والرسول العظيم- سلك الله بى وبك مناهج سنته، وأماتنا على محبته، بمنه ورحمته- أن المعجزة هى الأمر الخارق للعادة المقرون بالتحدى الدال على صدق الأنبياء- عليهم الصلاة والسلام-. وسميت معجزة لعجز البشر عن الإتيان بمثلها، فعلم أن لها شروطا: [شروط المعجزة]
-
أحدها: أن تكون خارقة للعادة ، كانشقاق القمر، وانفجار الماء من بين الأصابع، وقلب العصا حية، وإخراج ناقة من صخرة، وإعدام جبل. فخرج غير الخارق للعادة، كطلوع الشمس كل يوم.
-
الثانى: أن تكون مقرونة بالتحدى ، وهو طلب المعارضة والمقابلة. قال الجوهرى: يقال: تحديث فلانا، إذا باريته فى فعل ونازعته للغلبة. وفى القاموس: نحوه. وفى الأساس: حدا، يحدو، وهو حادى الإبل، واحتدى بها حداء إذا غنى، ومن المجاز: تحدى أقرانه إذا باراهم ونازعهم للغلبة. وأصله: الحداء، يتبارى فيه الحاديان ويتعارضان، فيتحدى كل واحد منهما صاحبه، أى يطلب حداءه. كما يقال: توفاه بمعنى استوفاه، وفى بعض الحواشى الموثوق بها، كانوا عند الحدو يقوم حاد عن يمين القطار وحاد عن يساره، يتحدى كل واحد منهما صاحبه، بمعنى يستحديه، أى يطلب منه حداءه، ثم اتسع فيه حتى استعمل فى كل مباراة. انتهى من حاشية الطيبى على الكشاف. وقال المحققون: التحدى، الدعوى للرسالة. انتهى.
-
والشرط الثالث من شروط المعجزة: أن لا يأتى أحد بمثل ما أتى به
راة. انتهى من حاشية الطيبى على الكشاف. وقال المحققون: التحدى، الدعوى للرسالة. انتهى.
- والشرط الثالث من شروط المعجزة: أن لا يأتى أحد بمثل ما أتى به
المتحدى على وجه المعارضة. وعبر عنه بعضهم بقوله: دعوى الرسالة مع أمن المعارضة وهو أحسن من التعبير: بعدم المعارضة، لأنه لا يلزم من عدم المعارضة امتناعها. والشرط إنما هو عدم إمكانها. وقد خرج بقيد «التحدى» الخارق من غير تحد، وهو الكرامة للولى. وب «المقارنة» الخارق المتقدم على التحدى، كإظلال الغمام، وشق الصدر، الواقعين لنبينا- ﷺ قبل دعوى الرسالة، وكلام عيسى فى المهد، وما شابه ذلك مما وقع من الخوارق قبل دعوى الرسالة، فإنها ليست معجزات إنما هى كرامات، ظهورها على الأولياء جائز، والأنبياء قبل نبوتهم لا يقصرون عن درجة الأولياء فيجوز ظهورها عليهم أيضا، وحينئذ يسمى «إرهاصا» أى تأسيسا للنبوة كما صرح به العلامة السيد الجرجانى فى شرح المواقف، وغيره، وهو مذهب جمهور أئمة الأصول وغيرهم. وخرج أيضا بقيد «المقارنة» المتأخر عن التحدى، بما يخرجه عن المقارنة العرفية، نحو ما روى بعد وفاته- ﷺ من نطق بعض الموتى بالشهادتين وشبهه، مما تواترت به الأخبار. وخرج أيضا ب «أمن المعارضة» السحر المقرون بالتحدى، فإنه يمكن معارضته بالإتيان بمثله من المرسل إليهم. واختلف: هل السحر قلب الأعيان وإحالة الطبائع أم لا؟ فقال بالأول قائلون، حتى جوزوا للساحر أن يقلب الإنسان حمارا. وذهب آخرون: إلى أن أحدا لا يقدر على قلب عين ولا إحالة طبيعة إلا الله تعالى لأنبيائه، وأن الساحر والصالح لا يقلبان عينا. قالوا: ولو جوزنا للساحر ما جاز على النبى فأى فرق عندكم بينهما؟ فإن لجأتم إلى ما ذكره القاضى أبو بكر الباقلانى من الفرق بالتحدى فقط قيل لكم هذا باطل من وجوه: [وجوه بطلان دعوى اشتراط التحدي بالمعجزة]
أحدها: أن اشتراط التحدى قول لا دليل عليه ، لا من كتاب ولا من سنة، ولا من قول صاحب ولا إجماع، وما تعرى من البرهان فهو باطل.
الثانى: أن أكثر آياته- ﷺ وأعمها وأبلغها كانت بلا تحد ، كنطق الحصى، ونبع الماء، ونطق الجذع، وإطعامه المئين من صاع، وتفله فى العين،
وتكليم الذراع، وشكوى البعير، وكذا سائر معجزاته العظام، ولعله لم يتحد بغير القرآن، وتمنى الموت. قالوا: فأف لقول لا يبقى من الآيات ما يسمى معجزة إلا هذين الشيئين، ويلقى معجزات كالبحر المتقاذف بالأمواج، ومن قال: إن هذه ليست بمعجزات ولا آيات فهو إلى الكفر أقرب منه إلى البدعة. قالوا: وقد كان- ﷺ يقول عند ورود آية من هذه الآيات: «أشهد أنى رسول الله» «١» ، كما قال ذلك عند تحققهم مصداق قوله فى الإخبار عن الذى أنكى فى المشركين قتلا فى المعركة: إنه من أهل النار، فقتل نفسه بمحضر ذلك الذى اتبعه من المسلمين. قالوا:
والوجه الثالث: وهو الدافع لهذا القول، قوله تعالى: وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِها قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ وَما يُشْعِرُكُمْ أَنَّها إِذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ «٢» ، وقال تعالى: وَما مَنَعَنا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ «٣» فسمى الله تلك المعجزات المطلوبات من الأنبياء آيات، ولم يشترط تحديا من غيره. فصح أن اشتراط التحدى باطل محض، انتهى ملخصا من تفسير الشيخ أبى أمامة بن النقاش. وأجيب: بأنه ليس الشرط الاقتران بالتحدى بمعنى طلب الإتيان بالمثل الذى هو فى المعنى الأصلى للتحدى، بل يكفى للتحدى دعوى الرسالة والله أعلم.
الرابع من شروط المعجزة: أن تقع على وفق دعوى المتحدى بها ، فلو قال مدعى الرسالة: آية نبوتى أن تنطق يدى، أو هذه الدابة، فنطقت يده أو الدابة بكذبه فقالت: كذب وليس هو نبى، فإن الكلام الذى خلقه الله تعالى دال على كذب ذلك المدعى، لأن ما فعله الله تعالى لم يقع على وفق دعواه. كما يروى أن مسيلمة الكذاب- لعنه الله- تفل فى بئر ليكثر ماؤها فغارت
ه الله تعالى دال على كذب ذلك المدعى، لأن ما فعله الله تعالى لم يقع على وفق دعواه. كما يروى أن مسيلمة الكذاب- لعنه الله- تفل فى بئر ليكثر ماؤها فغارت
وذهب ما فيها من الماء. فمتى اختل شرط من هذه لم تكن معجزة. ولا يقال: قضية ما قلتم: إن ما توفرت فيه الشروط الأربعة من المعجزات لا يظهر إلا على أيدى الصادقين، وليس كذلك، لأن المسيح الدجال يظهر على يديه من الآيات العظام ما هو مشهور، كما وردت به الأخبار الصحيحة، لأن ما ذكر فيمن يدعى الرسالة وهذا فيمن يدعى الربوبية. وقد قام الدليل العقلى على أن بعثة بعض الخلق غير مستحيلة، فلم يبعد أن يقيم الله الأدلة على صدق مخلوق أتى عنه بالشرع والملة، ودلت القواطع على كذب المسيح الدجال فيما يدعيه للتغير من حال إلى حال، وغير ذلك من الأوصاف التى تليق بالمحدثات ويتعالى عنها رب البريات لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ «١» . فإن قلت أى الاسمين أحق وأولى بما أتت به الأنبياء، هل لفظ «المعجزة» أو لفظ «الآية» أو «الدليل» ؟. فالجواب: إن كبار الأئمة يسمون معجزات الأنبياء: دلائل النبوة، وآيات النبوة، ولم يرد أيضا فى القرآن لفظ «المعجزة» بل ولا فى السنة أيضا، وإنما فيهما لفظ «الآية» و «البينة» و «البرهان» . كما فى قصة موسى فَذانِكَ بُرْهانانِ مِنْ رَبِّكَ «٢» ، فى العصا واليد، وفى حق نبينا- ﷺ قَدْ جاءَكُمْ بُرْهانٌ مِنْ رَبِّكُمْ «٣» . وأما لفظ الآيات فكثير. بل هو أكثر من أن نسرده هنا، كقوله تعالى: وَإِذا جاءَتْهُمْ آيَةٌ «٤» وإِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ «٥» . وأما لفظ المعجز إذ أطلق فإنه لا يدل على كون ذلك آية إلا إذا فسر المراد به، وذكرت شرائطه، وقد كان كثير من أهل الكلام لا يسمى معجزا إلا ما كان للأنبياء
أما لفظ المعجز إذ أطلق فإنه لا يدل على كون ذلك آية إلا إذا فسر المراد به، وذكرت شرائطه، وقد كان كثير من أهل الكلام لا يسمى معجزا إلا ما كان للأنبياء
فقط، ومن أثبت للأولياء خوارق عادات سماها: كرامات، والسلف كانوا يسمون هذا وهذا معجزا كالإمام أحمد وغيره، بخلاف ما كان آية وبرهانا على نبوة النبى فإن هذا يجب اختصاصه به. وقد يسمون الكرامات آيات لكونها تدل على نبوة من اتبعه ذلك الولى، فإن الدليل مستلزم للمدلول، يمتنع ثبوته بدون ثبوت المدلول، فلذلك كان آية وبرهانا، انتهى. وإذا علمت هذا، فاعلم أن دلائل نبوة نبينا- ﷺ كثيرة، والأخبار بظهور معجزاته شهيرة. فمن دلائل نبوته: ما وجد فى التوراة والإنجيل وسائر كتب الله المنزلة من ذكره ونعته، وخروجه بأرض العرب، وما خرج بين يدى أيام مولده ومبعثه من الأمور العجيبة الغريبة القادحة فى سلطان الكفر، الموهنة لكلمتهم المؤيدة لشأن العرب. المنوهة لذكرهم، كقصة الفيل، وما أحل الله تعالى بأصحابه من العقوبات والنكال، وخمود نار فارس وسقوط شرفات إيوان كسرى، وغيض ماء بحيرة ساوة، ورؤيا الموبذان «١» ، وما سمع من الهواتف الصارخة بنعوته وأوصافه، وانتكاس الأصنام المعبودة وخرورها لوجهها من غير دافع لها من أمكنتها، إلى سائر ما روى وما نقل فى الأخبار المشهورة من ظهور العجائب فى ولادته وأيام حضانته وبعدها إلى أن بعثه الله نبيّا. ولم يكن له- ﷺ ما يستميل به القلوب من مال فيطمع فيه، ولا قوة فيقهر بها الرجال، ولا أعوان على الرأى الذى أظهره، والدين الذى دعا إليه، وكانوا يجتمعون على عبادة الأصنام، وتعظيم الأزلام، مقيمين على عادة الجاهلية فى العصبة والحمية، والتعادى والتباغى وسفك الدماء، وشن الغارة ولا تجمعهم ألفة دين، ولا يمنعهم عن سوء أفعالهم نظر فى عاقبة، ولا خوف عقوبة ولائمة، فألف- ﷺ بين قلوبهم وجمع كلمتهم، حتى اتفقت الآراء وتناصرت القلوب، وترادفت الأيدى، فصاروا إلبا واحدا فى نصرته، وعنقا واحدا إلى طلعته، وهجروا بلادهم وأوطانهم، وجفوا قومهم وعشائرهم فى
محبته، وبذلوا مهجهم وأرواحهم فى نصرته، ونصبوا وجوههم لوقع السيوف فى إعزاز كلمته، بلا دنيا بسطها لهم، ولا أموال أفاضها عليهم، ولا عوض فى العاجل أطمعهم فى نيله يرجونه، أو ملك أو شرف فى الدنيا يحوزونه، بل كان من شأنه- ﷺ أن يجعل الغنى فقيرا، والشريف أسوة الوضيع، فهل يلتئم مثل هذه الأمور، أو يتفق مجموعها لأحد هذا سبيله، من قبيل الاختيار العقلى والتدبير الفكرى، لا والذى بعثه بالحق، وسخر له هذه الأمور، ما يرتاب عاقل فى شىء من ذلك، وإنما هو أمر إلهى، وشىء غالب سماوى، ناقض للعادات، يعجز عن بلوغه قوى البشر، ولا يقدر عليه إلا من له الخلق والأمر، تبارك الله رب العالمين. ومن دلائل نبوته- ﷺ أنه كان أميّا، لا يخط كتابا بيده ولا يقرؤه، ولد فى قوم أميين، ونشأ بين أظهرهم فى بلد ليس بها عالم يعرف أخبار الماضين، ولم يخرج فى سفر ضاربا إلى عالم فيعكف عليه، فجاءهم بأخبار التوراة والإنجيل والأمم الماضية، وقد كان ذهبت معالم تلك الكتب، ودرست وحرفت عن مواضعها، ولم يبق من المتمسكين بها وأهل المعرفة بصحيحها وسقيمها إلا القليل، ثم حاجّ كل فريق من أهل الملل المخالفة له بما لو احتشد له حذاق المتكلمين وجهابذة النقاد المتفننين لم يتهيأ لهم نقض ذلك. وهذا أدلّ شىء على أنه أمر جاءه من عند الله تعالى. ومن ذلك، القرآن العظيم، فقد تحدى بما فيه من الإعجاز، ودعاهم إلى معارضته والإتيان بسورة من مثله، فنكلوا عنه وعجزوا عن الإتيان بشىء منه. قال بعض العلماء: إن الذى أورده- ﷺ على العرب من الكلام أعجزهم عن الإتيان بمثله أعجب فى الآية، وأوضح فى الدلالة من إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص، لأنه أتى أهل البلاغة وأرباب الفصاحة ورؤساء البيان والمتقدمين فى اللسن بكلام مفهوم المعنى عندهم، فكان عجزهم عنه أعجب من عجز من شاهد المسيح عند إحياء الموتى، لأنهم لم يكونوا يطمعون فيه، ولا إبراء الأكمه والأبرص ولا يتعاطون علمه، وقريش كانت تتعاطى الكلام
زهم عنه أعجب من عجز من شاهد المسيح عند إحياء الموتى، لأنهم لم يكونوا يطمعون فيه، ولا إبراء الأكمه والأبرص ولا يتعاطون علمه، وقريش كانت تتعاطى الكلام
الفصيح والبلاغة والخطابة، فدل على أن العجز عنه إنما كان ليصير علما على رسالته، وصحة نبوته، وهذه حجة قاطعة وبرهان واضح. وقال أبو سليمان الخطابى: وقد كان- ﷺ من عقلاء الرجال عند أهل زمانه، بل هو أعقل خلق الله على الإطلاق. وقد قطع القول فيما أخبر به عن ربه تعالى بأنهم لا يأتون بمثل ما تحداهم به فقال: فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا «١» فلولا علمه بأن ذلك من عند الله علام الغيوب، وأنه لا يقع فيما أخبر عنه خلف، وإلا لم يأذن له عقله أن يقطع القول فى شىء، بأنه لا يكون وهو يكون. انتهى. وهذا أحسن ما يقال فى هذا المجال وأبدعه وأكمله وأبينه، فإنه نادى عليهم بالعجز قبل المعارضة، وبالتقصير عن بلوغ الغرض فى المناقضة، صارخا بهم على رؤوس الأشهاد، فلم يستطع أحد منهم الإلمام به مع توفر الدواعى وتظاهر الاجتهاد، فقال- وكان بما ألقى إليهم من الأخبار عليما خبيرا-: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً «٢» فرضيت هممهم السرية وأنفسهم الشريفة الأبية بسفك الدماء وهتك الحرم. وقد ورد من الأخبار فى قراءة النبى- ﷺ بعض ما نزل عليه على المشركين الذين كانوا من أهل الفصاحة والبلاغة، وإقرارهم بإعجازه جمل كثيرة: فمنها ما روى عن محمد بن كعب قال: حدثت أن عتبة بن ربيعة قال ذات يوم- وهو جالس فى نادى قريش، ورسول الله- ﷺ جالس وحده فى المسجد-: يا معشر قريش، ألا أقوم إلى هذا فأعرض عليه أمورا لعله يقبل منا بعضها ويكف عنا. قالوا: بلى يا أبا الوليد، فقام عتبة حتى جلس إلى رسول الله- ﷺ فذكر الحديث- فيما قاله عتبة وفيما عرض عليه من المال وغير ذلك- فلما فرغ قال رسول الله- ﷺ: «أفرغت يا أبا الوليد؟»
، فقام عتبة حتى جلس إلى رسول الله- ﷺ فذكر الحديث- فيما قاله عتبة وفيما عرض عليه من المال وغير ذلك- فلما فرغ قال رسول الله- ﷺ: «أفرغت يا أبا الوليد؟»
قال: نعم، قال: «فاسمع منى» . قال: أفعل، فقال رسول الله- ﷺ: «بسم الله الرحمن الرحيم حم (١) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (٢) كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ حتى بلغ قُرْآناً عَرَبِيًّا «١» » فمضى رسول الله- ﷺ يقرؤها عليه فلما سمعها عتبة أنصت لها، وألقى بيديه خلف ظهره معتمدا عليهما يسمع منه حتى انتهى رسول الله- ﷺ إلى السجدة «٢» فسجد فيها ثم قال: «سمعت يا أبا الوليد؟» قال: سمعت قال: «فأنت وذاك» ، فقام عتبة إلى أصحابه، فقال بعضهم لبعض: نحلف بالله لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذى ذهب به، فلما جلس إليهم قالوا: ما وراءك يا أبا الوليد؟ قال: والله إنى قد سمعت قولا ما سمعت بمثله قط، والله ما هو بالشعر ولا بالسحر ولا الكهانة، يا معشر قريش، أطيعونى، خلوا بين هذا الرجل وبين ما هو فيه، فو الله ليكونن لقوله الذى سمعت نبأ. قال: فأجابنى بشىء والله ما هو بسحر ولا بشعر ولا كهانة. قرأ «بسم الله الرحمن الرحيم حم (١) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ حتى بلغ فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ «٣» » فأمسكت فمه وناشدته الرحم أن يكف، وقد علمتم أن محمدا إذا قال شيئا لم يكذب فخفت أن ينزل بكم العذاب «٤» . رواه البيهقى وغيره. وفى حديث إسلام أبى ذر، ووصف أخاه أنيسا فقال: والله ما سمعت بأشعر من أخى أنيس، وقد ناقض اثنى عشر شاعرا فى الجاهلية أنا أحدهم، وأنه انطلق وجاء إلى أبى ذر بخبر النبى- ﷺ، قلت: فما يقول الناس؟ قال: يقولون شاعر، كاهن، ساحر، لقد سمعت قول الكهنة فما هو بقولهم، ولقد وضعته على أقراء الشعر فلم يلتئم، ولا يلتئم على لسان أحد بعدى أنه شعر، وإنه لصادق وإنهم لكاذبون «٥» . رواه مسلم والبيهقى.
وعن عكرمة فى قصة الوليد بن المغيرة، وكان زعيم قريش فى الفصاحة: أنه قال للنبى- ﷺ: اقرأ على، فقرأ عليه: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى «١» إلى أخر الآية. قال: أعد، فأعاد- ﷺ، فقال: والله إن له لحلاوة وإن عليه لطلاوة وإن أعلاه لمثمر وإن أسفله لمغدق وما يقول هذا بشر، ثم قال لقومه: والله ما فيكم رجل أعلم بالأشعار منى، ولا أعلم برجزه ولا بأشعار الجن، والله ما يشبه الذى يقول شيئا من هذا، والله إن لقوله الذى يقول لحلاوة وإن عليه لطلاوة وإنه لمثمر أعلاه مغدق أسفله وإنه ليعلو ولا يعلى. وفى خبره الآخر: حين جمع قريشا عند حضورهم الموسم وقال: إن وفود العرب تردنا، فأجمعوا فيه رأيا، لا يكذب بعضكم بعضا، فقالوا: نقول هو كاهن، قال: والله ما هو بزمزمته ولا سجعه، قالوا: مجنون. قال: ما هو بمجنون ولا بخنقه ولا بوسوسته، قالوا: فنقول شاعر، قال: ما هو بشاعر. قد عرفنا الشعر كله. رجزه وهزجه وقريضه ومبسوطه ومقبوضه، ما هو بشاعر. قالوا: فنقول ساحر، قال: ما هو بساحر، ولا نفثه ولا عقده، قالوا: فما نقول؟ قال: ما أنتم قائلون من هذا شيئا إلا وأنا أعرف أنه باطل، رواه ابن إسحاق والبيهقى. وأخرج أبو نعيم من طريق ابن إسحاق، حدثنى إسحاق بن يسار عن رجل من بنى سلمة قال: لما أسلم فتيان بنى سلمة قال عمرو بن الجموح لابنه: أخبرنى ما سمعت من كلام هذا الرجل؟ فقرأ عليه الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ إلى قوله الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ «٢» فقال: ما أحسن هذا وأجمله، أو كل كلامه مثل هذا؟ قال: يا أبت وأحسن من هذا. وقال بعض العلماء: إن هذا القرآن لو وجد مكتوبا فى مصحف فى فلاة من الأرض، ولم يعلم من وضعه هناك لشهدت العقول السليمة أنه منزل
من عند الله، وأن البشر لا قدرة لهم على تأليف مثل ذلك، فكيف إذا جاء على يد أصدق الخلق وأبرهم وأتقاهم وقال: إنه كلام الله، وتحدى الخلق كلهم أن يأتوا بسورة من مثله فعجزوا، فكيف يبقى مع هذا شك. انتهى. [وجوه إعجاز القرآن الكريم] واعلم أن وجوه إعجاز القرآن لا تنحصر، لكن قال بعضهم: قد اختلف العلماء فى إعجازه على ستة أوجه:
فكيف يبقى مع هذا شك. انتهى. [وجوه إعجاز القرآن الكريم] واعلم أن وجوه إعجاز القرآن لا تنحصر، لكن قال بعضهم: قد اختلف العلماء فى إعجازه على ستة أوجه:
- أحدها: أن وجه إعجازه هو الإيجاز والبلاغة ، مثل قوله: وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ «١» فجمع فى كلمتين عدد حروفهما عشرة أحرف معانى كلام كثير. وحكى أبو عبيد: أن أعرابيّا سمع رجلا يقرأ: فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ «٢» فسجد وقال: سجدت لفصاحة هذا الكلام. وسمع آخر رجلا يقرأ: فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا «٣» قال: أشهد أن مخلوقا لا يقدر على مثل هذا الكلام. وحكى الأصمعى: أنه رأى جارية خماسية أو سداسية وهى تقول: أستغفر الله من ذنوبى كلها، فقلت لها: مم تستغفرين ولم يجر عليك قلم؟ فقالت: أستغفر الله لذنبى كله ... قتلت إنسانا بغير حله مثل غزال ناعم فى دله ... انتصف الليل ولم أصله فقلت لها: قاتلك الله ما أفصحك، فقالت: أو تعد هذا فصاحة بعد قوله تعالى: وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ «٤» فجمع فى آية واحدة بين أمرين ونهيين وخبرين وبشارتين. وحكى أن عمر بن الخطاب- رضى الله عنه- كان يوما نائما فى المسجد، فإذا هو برجل قائم على رأسه، يتشهد شهادة الحق، فأعلمه أنه من بطارقة الروم، ممن
شارتين. وحكى أن عمر بن الخطاب- رضى الله عنه- كان يوما نائما فى المسجد، فإذا هو برجل قائم على رأسه، يتشهد شهادة الحق، فأعلمه أنه من بطارقة الروم، ممن
يحسن كلام العرب وغيرها، وأنه سمع رجلا من أسرى المسلمين يقرأ آية من كتابكم فتأملتها فإذا قد جمع الله فيها ما أنزل على عيسى ابن مريم من أحوال الدنيا والآخرة. وهى قوله تعالى: وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ «١» الآية. وقد رام قوم من أهل الزيغ والإلحاد، أوتوا طرفا من البلاغة، وحظّا من البيان، أن يضعوا شيئا يلبسون به، فلما وجدوه مكان النجم من يد المتناول، مالوا إلى السور القصار، كسورة الكوثر والنصر وأشباههما، لوقوع الشبهة على الجهال فيما قل عدد حروفه، لأن العجز إنما يقع فى التأليف والاتصال. وممن رام ذلك من العرب فى التشبث بالسور القصار، مسيلمة الكذاب فقال: يا ضفدع نقى كم تنقين، أعلاك فى الماء وأسفلك فى الطين، لا الماء تكدرين، ولا الشراب تمنعين. فلما سمع أبو بكر- رضى الله عنه- هذا قال: إنه كلام لم يخرج من إل. قال ابن الأثير: أى من ربوبية، و «الإل» بالكسر هو الله تعالى. وقيل: الإل الأصل الجيد، أى لم يجئ من الأصل الذى جاء منه القرآن. ولما سمع مسيلمة الكذاب- لعنه الله- و «النازعات» قال: والزارعات زرعا والحاصدات حصدا والذاريات قمحا، والطاحنات طحنا، والحافرات حفرا، والثاردات ثردا، واللاقمات لقما، لقد فضلتم على أهل الوبر وما سبقكم أهل المدر. إلى غير ذلك من الهذيان، مما ذكرت فى الوفود من المقصد الثانى بعضه والله أعلم. وقال آخر: ألم تر كيف فعل ربك بالحبلى أخرج من بطنها نسمة تسعى، من بين شراسيف «٢» وأحشى وقال آخر: الفيل ما الفيل، وما أدراك ما الفيل، له ذنب وثيل، ومشفر طويل، وإن ذلك من خلق ربنا لقليل.
ففى هذا الكلام مع قلة حروفه من السخافة ما لا خفاء به على من لا يعلم، فضلا عمن يعلم.
- والثانى: أن إعجازه هو الوصف الذى صار به خارجا عن جنس كلام العرب من النظم والنثر والخطب والشعر والرجز والسجع، فلا يدخل فى شىء منها ولا يختلط بها مع كون ألفاظه وحروفه من جنس كلامهم، ومستعملة فى نظمهم ونثرهم، ولذلك تحيرت عقولهم، وتدلهت «١» أحلامهم، ولم يهتدوا إلى مثله فى حسن كلامهم، فلا ريب أنه فى فصاحته قد قرع القلوب ببديع نظمه، وفى بلاغته قد أصاب المعانى بصائب سهمه، فإنه حجة الله الواضحة، ومحجته اللائحة، ودليله القاهر، وبرهانه الباهر، ما رام معارضته شقى إلا تهافت تهافت الفراش فى الشهاب، وذل ذل النقد حول الليوث الغضاب. وقد حكى عن غير واحد ممن عارضه أنه اعترته روعة وهيبة كفته عن ذلك، كما حكى عن يحيى بن حكيم الغزال- بتخفيف الزاى وقد تشدد- وكان بليغ الأندلس فى زمانه أنه قد رام شيئا من هذا، فنظر فى سورة الإخلاص ليحذو على مثالها، وينسج بزعمه على منوالها، فاعترته خشية ورقة، حملته على التوبة والإنابة. وحكى أيضا أن ابن المقفع- وكان أفصح أهل وقته- طلب ذلك ورامه، ونظم كلاما وجعله مفصلا، وسماه سورا، فاجتاز يوما بصبى يقرأ فى مكتب قوله تعالى: وَقِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَيا سَماءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْماءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ ... «٢» الآية، فرجع ومحى ما عمل وقال: أشهد أن هذا لا يعارض أبدا، وما هو من كلام البشر. ولله در العارف سيدى محمد وفا حيث قال، يعنى النبى- ﷺ والقرآن المعظم:
» الآية، فرجع ومحى ما عمل وقال: أشهد أن هذا لا يعارض أبدا، وما هو من كلام البشر. ولله در العارف سيدى محمد وفا حيث قال، يعنى النبى- ﷺ والقرآن المعظم:
له آية الفرقان فى عين جمعه ... جوامع آيات بها اتضح الرشد حديث نزيه عن حدوث منزه ... قديم صفات الذات ليس له ضد بلاغ بليغ للبلاغة معجز ... له معجزات لا يعد لها عد تحلت بروح الوحى حلة نسجه ... عقود اعتقاد لا يحل لها عقد وغاية أرباب البلاغة عجزهم ... لديه وإن كانوا هم الألسن اللد فأفاكهم بالإفك أعياه غيه ... تصدى وللأسماع عن غيه صد قلى الله أقوالا يهاجر هجرها ... هوانا بها الورهاء والبهم البلد «١» تلاها فتلّ الفحش فى القبح وجهها ... وعن ريبها الألباب نزهها الزهد لقد فرق الفرقان شمل فريقه ... بجمع رسول الله واستعلن الرشد أتى بالهدى صلى عليه إلهه ... ولم يله بالأهواء إذ جاءه الجد
-
والثالث: أن وجه إعجازه هو أن قارئه لا يمله ، وسامعه لا يمجه، بل الإكباب على تلاوته يزيده حلاوة، وترديده يوجب له محبة وطلاوة، لا يزال غضّا طريّا، وغيره من الكلام ولو بلغ فى الحسن والبلاغة ما بلغ يمل مع الترديد، ويعادى إذا أعيد، وكتابنا يستلذ به فى الخلوات، ويؤنس بتلاوته فى الأزمات، وسواه من الكتب لا يوجد فيها ذلك، حتى أحدث أصحابها لها لحونا وطرقا، يستجلبون بتلك اللحون تنشيطهم على قراءتها، ولهذا وصف- ﷺ القرآن بأنه لا يخلق على كثرة الرد، ولا تنقضى عبره، ولا تفنى عجائبه، هو الفصل ليس بالهزل، لا تشبع منه العلماء، ولا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسنة، هو الذى لم تنته الجن حين سمعته أن قالوا: إنا سمعنا قرآنا عجبا يهدى إلى الرشد فامنا به «٢» أشار إليه القاضى عياض.
-
والرابع: أن وجه إعجازه هو ما فيه من الإخبار بما كان ، مما علموه
وما لم يعلموه، فإذا سألوا عنه عرفوا صحته وتحققوا صدقه كالذى حكاه من قصة أهل الكهف وشأن موسى والخضر- عليهما الصلاة والسلام-، وحال ذى القرنين، وقصص الأنبياء مع أممها، والقرون الماضية فى دهرها.
تحققوا صدقه كالذى حكاه من قصة أهل الكهف وشأن موسى والخضر- عليهما الصلاة والسلام-، وحال ذى القرنين، وقصص الأنبياء مع أممها، والقرون الماضية فى دهرها.
-
والخامس: أن وجه إعجازه هو ما فيه من علم الغيب ، والإخبار بما يكون، فيوجد على صدقه وصحته، مثل قوله تعالى لليهود: قُلْ إِنْ كانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ثم قال: وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ «١» فما تمناه أحد منهم. ومثل قوله تعالى لقريش: فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا «٢» فقطع بأنهم لا يفعلون فلم يفعلوا. وتعقب: بأن الغيوب التى اشتمل عليها القرآن وقع بعضها فى زمنه- ﷺ، كقوله تعالى: إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً «٣» وبعضها بعد مدة كقوله تعالى: الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ «٤» فلو كان كما قالوا لنازعوا وقع المتوقع، وبأن الإخبار عن الغيب جاء فى بعض سور القرآن واكتفى منهم بمعارضة سورة غير معينة، فلو كان كذلك لعارضوه بقدر أقصر سورة لا غيب فيها.
-
السادس: أن وجه إعجازه هو كونه جامعا لعلوم كثيرة، لم تتعاط العرب فيها الكلام ، ولا يحيط بها من علماء الأمم واحد منهم، ولا يشتمل عليها كتاب، بين الله فيه خبر الأولين والآخرين وحكم المتخلفين وثواب المطيعين وعقاب العاصين. فهذه ستة أوجه، يصح أن يكون كل واحد منها إعجازا، فإذا جمعها القرآن فليس اختصاص أحدها بأن يكون معجزا بأولى من غيره، فيكون الإعجاز بجميعها. وقد قال تعالى: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ «٥» فلم يقدر أحد أن يأتى بمثل هذا القرآن
فى زمن رسول الله- ﷺ ولا بعده على نظمه وتأليفه وعذوبة منطقه وصحة معانيه، وما فيه من الأمثال والأشياء التى دلت على البعث وآياته، والإنباء بما كان وبما يكون، وبما فيه من الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، والامتناع من إراقة الدماء، وصلة الأرحام، إلى غير ذلك، فكيف يقدر على ذلك أحد وقد عجزت عنه العرب الفصحاء والخطباء البلغاء، والشعراء الفهماء، من قريش وغيرها، وهو- ﷺ فى مدة ما عرفوه قبل نبوته وأداء رسالته أربعين سنة لا يحسن نظم كتاب، ولا عقد حساب، ولا يتعلم سحرا، ولا ينشد شعرا، ولا يحفظ خبرا، ولا يروى أثرا، حتى أكرمه الله بالوحى المنزل، والكتاب المفصل، فدعاهم إليه وحاجهم به، قال الله تعالى: قُلْ لَوْ شاءَ اللَّهُ ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْراكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِنْ قَبْلِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ «١» ، وشهد له فى كتابه بذلك فقال تعالى: وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لَارْتابَ الْمُبْطِلُونَ «٢» . وأما ما عدا القرآن من معجزاته- ﷺ، كنبع الماء من بين أصابعه، وتكثير الطعام ببركته، وانشقاق القمر، ونطق الجماد، فمنه ما وقع التحدى به، ومنه ما وقع دالا على صدقه من غير سبق تحد، ومجموع ذلك يفيد القطع بأنه ظهر على يده- ﷺ من خوارق العادات شىء كثير- كما يقطع بجود حاتم، وشجاعة على- وإن كانت أفراد ذلك ظنية وردت موارد الآحاد مع أن كثيرا من المعجزات النبوية قد اشتهر ورواه العدد الكثير، والجم الغفير، وأفاد الكثير منه القطع عند أهل العلم بالآثار والعناية بالسير والأخبار، وإن لم يصل عند غيرهم إلى هذه المرتبة لعدم عنايتهم بذلك. فلو ادعى مدع أن غالب هذه الوقائع مفيد للقطع النظرى لما كان مستبعدا، وذلك أنه لا مرية أن رواة الأخبار فى كل طبقة قد حدثوا بهذه الأخبار فى الجملة، ولا يحفظ عن أحد من الصحابة مخالفة الراوى فيما حكاه من ذلك. ولا الإنكار عليه فيما هنالك، فيكون الساكت منهم
ى كل طبقة قد حدثوا بهذه الأخبار فى الجملة، ولا يحفظ عن أحد من الصحابة مخالفة الراوى فيما حكاه من ذلك. ولا الإنكار عليه فيما هنالك، فيكون الساكت منهم
كالناطق، لأن مجموعهم محفوظ عن الإغضاء على الباطل، وعلى تقدير أن يوجد من بعضهم إنكار أو طعن على بعض من روى شيئا من ذلك فإنما هو من جهة توقف فى صدق الراوى أو تهمته بكذب، أو توقف فى ضبطه أو نسبته إلى سوء الحفظ، أو جواز الغلط، ولا يوجد أحد منهم طعن فى المروى، كما وجد منهم فى غير هذا الفن من الأحكام وحروف القرآن ونحو ذلك والله أعلم. وأنت إذا تأملت معجزاته وباهر آياته وكراماته- ﷺ وجدتها شاملة للعلوى والسفلى، والصامت والناطق، والساكن والمتحرك، والمائع والجامد، والسابق واللاحق، والغائب والحاضر، والباطن والظاهر، والعاجل والآجل، إلى غير ذلك، مما لو عد لطال، كالرمى بالشهب الثواقب، ومنع الشياطين من استراق السمع فى الغياهب، وتسليم الحجر والشجر عليه، وشهادتها له بالرسالة بين يديه، ومخاطبتها له بالسيادة، وحنين الجذع، ونبع الماء من كفه فى الميضأة والتور والمزادة، وانشقاق القمر، ورد العين من العور، ونطق البعير والذئب والجمل، وكالنور المتوارث من آدم إلى جبهة أبيه من الأزل، وما سوى ذلك من المعجزات التى تداولتها الحملة، ونقلتها عن الألسنة الأول النقلة، مما لو أعملنا أنفسنا فى حصرها لفنى المداد فى ذكرها. ولو بالغ الأولون والآخرون فى إحصاء مناقبه لعجزوا عن استقصاء ما حباه الكريم به من مواهبه، ولكن الملم بساحل بحرها مقصرا عن- حصر بعض فخرها، ولقد صح لبعض محبيه أن ينشدوا فيه: وعلى تفنن واصفيه لنعته ... يفنى الزمان وفيه ما لم يوصف وأنه لخليق بمن ينشد: فما بلغت كف امرئ متناولا ... من المجد إلا والذى نال أطول ولا بلغ المهدون فى القول مدحه ... ولو حذقوا إلا الذى فيه أفضل ولله در إمام العارفين سيدى محمد وفا فلقد كفى وشفى بقوله:
. من المجد إلا والذى نال أطول ولا بلغ المهدون فى القول مدحه ... ولو حذقوا إلا الذى فيه أفضل ولله در إمام العارفين سيدى محمد وفا فلقد كفى وشفى بقوله:
ما شئت قل فيه فأنت مصدق ... فالحب يقضى والمحاسن تشهد ولقد أبدع الإمام الأديب شرف الدين الأبوصيرى حيث قال: دع ما ادعته النصارى فى نبيهم ... واحكم بما شئت مدحا فيه واحتكم وانسب إلى ذاته ما شئت من شرف ... وانسب إلى قدره ما شئت من عظم فإن فضل رسول الله ليس له ... حد فيعرب عنه ناطق بفم يعنى أن المداح وإن انتهوا إلى أقصى الغايات والنهايات لا يصلون إلى شأوه، إذ لا حدّ له، ويحكى أنه رؤى الشيخ عمر بن الفارض السعدى فى النوم فقيل له: لم لا مدحت النبى- ﷺ فقال: أرى كل مدح فى النبى مقصرا ... وإن بالغ المثنى عليه وأكثرا إذا الله أثنى بالذى هو أهله ... عليه فما مقدار ما يمدح الورى قال الشيخ بدر الدين الزركشى: ولهذا لم يتعاط فحول الشعراء المتقدمين- كأبى تمام والبحترى وابن الرومى- مدحه- ﷺ، وكان مدحه عندهم من أصعب ما يحاولونه، فإن المعانى دون مرتبته، والأوصاف دون وصفه، وكل غلو فى حقه تقصير، فيضيق على البليغ بحال النظم، وعند التحقيق إذا اعتبرت جميع الأمداح التى فيها غلو بالنسبة إلى من قرضت له وجدتها صادقة فى حق النبى- ﷺ، حتى كأن الشعراء على صفاته كانوا يعتمدون وإلى أمداحه كانوا يقصدون، وقد أشار الأبوصيرى بقوله: «دع ما ادعته النصارى فى نبيهم» إلى ما أطرت النصارى به عيسى ابن مريم من اتخاذه إلها. قال النيسابورى: إنهم صحفوا فى الإنجيل «عيسى نبى وأنا ولدته» فحرفوا الأول بتقديم الباء الموحدة وخففوا اللام فى الثانى، فلعنة الله على الكافرين. فإن قلت: هل ادعى أحد فى نبينا- ﷺ ما ادعى فى عيسى؟ أجيب: بأنهم قد كادوا أن يفعلوا نحو ذلك حين قالوا له- ﷺ: أفلا نسجد لك؟ قال: «لو كنت آمرا أحدا أن يسجد لبشر لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها» «١» فنهاهم عما عساه يبلغ بهم من العبادة.
وقد جاء فى صفته فى حديث ابن أبى هالة: ولا يقبل الثناء إلا من مكافئ، أى: مقارب فى مدحه غير مفرط فيه. وقال ابن قتيبة معناه؛ إلا أن يكون ممن له عليه منة، فيكافئه الآخر، وغلطه ابن الأنبارى: بأنه لا ينفك أحد من إنعام رسول الله- ﷺ، لأن الله بعثه رحمة للعالمين، فالثناء عليه فرض عليهم، لا يتم الإسلام إلا به. قال: وإنما المعنى: لا يقبل الثناء إلا من رجل عرف حقيقة إسلامه. [أقسام معجزاته ص] ثم إن حاصل معجزاته وباهر آياته وكراماته- ﷺ كما نبه عليه القطب القسطلانى يرجع إلى ثلاثة أقسام: ماض: وجد قبل كونه، فقضى بمجده. ومستقبل: وقع بعد مواراته فى لحده. وكائن معه من حين حمله ووضعه إلى أن نقله الله إلى محل فضله وموطن جمعه. [القسم الأول ما كان قبل ظهوره] فأما القسم الأول الماضى وهو ما كان قبل ظهوره إلى هذا الوجود، فقد ذكرت منه جملة فى المقصد الأول، كقصة الفيل وغير ذلك، مما هو تأسيس لنبوته وإرهاص لرسالته، قال الإمام فخر الدين الرازى: ومذهبنا: أنه يجوز تقديم المعجزة تأسيسا وإرهاصا، قال: ولذلك قالوا: كانت الغمامة تظله، يعنى فى سفره قبل النبوة، خلافا للمعتزلة القائلين بأنه لا يجوز أن تكون المعجزة قبل الإرسال. انتهى. وقد تقدم أول هذا المقصد: أن الذى عليه جمهور أئمة الأصول وغيرهم: أن هذا ونحوه مما هو متقدم على الدعوى لا يسمى معجزة، بل تأسيسا للرسالة وكرامة للرسول- ﷺ.
وأما القسم الثانى ما وقع بعد وفاته- ص: وهو ما وقع بعد وفاته- ﷺ فكثير جدّا، إذ فى
كل حين يقع لخواص أمته من خوارق العادات بسببه مما يدل على تعظيم قدره الكريم ما لا يحصى كالاستغاثة به وغير ذلك مما يأتى فى المقصد الأخير، فى أثناء الكلام على زيارة قبره الشريف المنير.
عادات بسببه مما يدل على تعظيم قدره الكريم ما لا يحصى كالاستغاثة به وغير ذلك مما يأتى فى المقصد الأخير، فى أثناء الكلام على زيارة قبره الشريف المنير.
وأما القسم الثالث: وهو ما كان معه من حين ولادته إلى وفاته ، فكالنور الذى خرج معه حتى أضاء له قصور الشام وأسواقها، حتى رؤيت أعناق الإبل ببصرى، ومسح الطائر على فؤاد أمه حتى لم تجد ألما لولادته، والطواف به فى الآفاق، إلى غير ذلك. وكانشقاق القمر عند اقتراحه عليه، وانضمام الشجرتين لما دعاهما إليه، وكإطعام الجيش الكثير من النزر اليسير، فى عدة من المواضع واستيلاء الفجائع، وغير ذلك مما أمده الله تعالى به من المعجزات، وأكرمه به خوارق العادات تأييدا لإقامة حجته، وتمهيدا لهداية محجته، وتأييدا لسيادته فى كل أمة، وتسديدا لمن ادكر بعد أمة، مما تتبعه يخرج عن مقصود الاختصار، إذ هو باب فسيح المجال منيع المنال، لكنى أنبه من ذلك على نبذة يسيرة، وأنوه فى أثنائها بجملة خطيرة، فأقول وما توفيقى إلا بالله، عليه توكلت وإليه أنيب. أما معجزة انشقاق القمر، فقد قال تعالى فى كتابه العزيز: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ «١» . الآية، والمراد وقوع انشقاقه، ويؤيده قوله تعالى بعد ذلك: وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ «٢» . فإن ذلك ظاهر فى أن المراد بقوله: «انشق» وقوع انشقاقه، لأن الكفار لا يقولون ذلك يوم القيامة، وإذا تبين أن قولهم إنما هو فى الدنيا تبين وقوع الانشقاق وأنه المراد بالآية التى زعموا أنها سحر، وسيأتى ذلك صريحا فى حديث ابن مسعود وغيره. واعلم أن القمر لم ينشق لأحد غير نبينا- ﷺ، وهو من أمهات معجزاته- ﷺ. وقد أجمع المفسرون وأهل السنة على وقوعه لأجله
ى ذلك صريحا فى حديث ابن مسعود وغيره. واعلم أن القمر لم ينشق لأحد غير نبينا- ﷺ، وهو من أمهات معجزاته- ﷺ. وقد أجمع المفسرون وأهل السنة على وقوعه لأجله
- ﷺ، فإن كفار قريش لما كذبوه ولم يصدقوه طلبوا منه آية تدل على صدقه على دعواه، فأعطاه الله هذه الآية العظيمة، التى لا قدرة لبشر على إيجادها، دلالة على صدقه- ﷺ فى دعواه الوحدانية لله تعالى، وأنه منفرد بالربوبية، وأن هذه الآلهة التى يعبدونها باطلة لا تنفع ولا تضر، وأن العبادة إنما تكون لله وحده لا شريك له. قال الخطابى: انشقاق القمر آية عظيمة، لا يكاد يعدلها شىء من آيات الأنبياء، وذلك أنه ظهر فى ملكوت السماوات خارجا عن جملة طباع ما فى هذا العالم المركب من الطبائع، فليس فيما يطمع فى الوصول إليه بحيلة، فلذلك صار البرهان به أظهر. انتهى. وقال ابن عبد البر: قد روى هذا الحديث- يعنى حديث انشقاق القمر- جماعة كثيرة من الصحابة، وروى ذلك عنهم أمثالهم من التابعين، ثم نقله عنهم الجم الغفير إلى أن انتهى إلينا. وتأيد بالآية الكريمة. انتهى. وقال العلامة ابن السبكى فى شرحه لمختصر ابن الحاجب: والصحيح عندى أن انشقاق القمر متواتر، منصوص عليه فى القرآن، مروى فى الصحيحين وغيرهما من طرق من حديث شعبة عن سليمان عن إبراهيم عن أبى معمر عن ابن مسعود، ثم قال: وله طرق أخر شتى، بحيث لا يمترى فى تواتره. انتهى. وقد جاءت أحاديث الانشقاق فى روايات صحيحة عن جماعة من الصحابة منهم: أنس، وابن مسعود، وابن عباس، وعلى، وحذيفة، وجبير ابن مطعم، وابن عمر، وغيرهم. فأما أنس وابن عباس فلم يحضرا ذلك، لأنه كان بمكة قبل الهجرة بنحو خمس سنين، وكان ابن عباس إذ ذاك لم يولد، وأما أنس فكان ابن أربع سنين أو خمس بالمدينة، وأما غيرهما فيمكن أن يكون شاهد ذلك. ففى الصحيحين: من حديث أنس- رضى الله عنه-: أن أهل مكة سألوا رسول الله- ﷺ أن يريهم آية، فأراهم انشقاق القمر شقتين، حتى رأوا حراء
بينهما، وقوله: شقتين- بكسر الشين المعجمة- أى نصفين «١» . ومن حديث ابن مسعود قال: انشق القمر على عهد رسول الله- ﷺ فرقتين، فرقة فوق الجبل، وفرقة دونه فقال رسول الله- ﷺ «اشهدوا» «٢» . وفى الترمذى من حديث ابن عمر، فى قوله تعالى: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ «٣» قال: قد كان ذلك على عهد رسول الله- ﷺ، انشق فلقتين، فلقة دون الجبل، وفلقة فوق الجبل، فقال رسول الله- ﷺ: «اشهدوا» «٤» . وعند الإمام أحمد، من حديث جبير بن مطعم قال: انشق القمر على عهد رسول الله- ﷺ فصار فرقتين، فرقة على هذا الجبل، وفرقة على هذا الجبل، فقالوا: سحرنا محمد، فقالوا: إن كان سحرنا فإنه لا يستطيع أن يسحر الناس «٥» . وعن عبد الله بن مسعود قال: انشق القمر على عهد رسول الله- ﷺ، فقال كفار قريش: هذا سحر ابن أبى كبشة، قال: فقالوا انظروا ما يأتيكم به السفار، فإن محمدا لا يستطيع أن يسحر الناس كلهم. قال: فجاء السفار فأخبروهم بذلك «٦» رواه أبو داود الطيالسى. ورواه البيهقى بلفظ: انشق القمر بمكة فقالوا: سحركم ابن أبى كبشة، فاسألوا السفار، فإن كانوا رأوا ما رأيتم فقد صدق وإن لم يكونوا رأوا ما رأيتم فهو سحر، فسألوا السفار وقد قدموا من كل وجه فقالوا: رأيناه.
ابن أبى كبشة، فاسألوا السفار، فإن كانوا رأوا ما رأيتم فقد صدق وإن لم يكونوا رأوا ما رأيتم فهو سحر، فسألوا السفار وقد قدموا من كل وجه فقالوا: رأيناه.
وعند أبى نعيم فى الدلائل من حديث ضعيف عن ابن عباس قال: اجتمع المشركون إلى رسول الله- ﷺ منهم الوليد بن المغيرة وأبو جهل والعاصى بن وائل، والأسود بن المطلب، والنضر بن الحارث ونظراؤهم فقالوا للنبى- ﷺ: إن كنت صادقا فشق لنا القمر فرقتين، فسأل ربه فانشق. وعند البخارى مختصرا من حديث ابن عباس بلفظ: إن القمر انشق على عهد رسول الله- ﷺ «١» ، وابن عباس وإن كان لم يشاهد القصة كما قدمته، ففى بعض طرقه أنه حمل الحديث عن ابن مسعود «٢» . وعند مسلم من حديث شعبة عن قتادة بلفظ فأراهم انشقاق القمر مرتين «٣» . وكذا فى مصنف عبد الرزاق عن معمر بلفظ مرتين أيضا. واتفق الشيخان عليه من رواية شعبة عن قتادة بلفظ: فرقتين، كما فى حديث جبير عند أحمد. وفى حديث ابن عمر فلقتين- باللام- كما قدمته. وفى لفظ من حديث جبير: فانشق باثنتين. وفى رواية عن ابن عباس عند أبى نعيم فى الدلائل: فصار قمرين. ووقع فى نظم السيرة للحافظ أبى الفضل العراقى: وانشق مرتين بالإجماع. قال الحافظ ابن حجر: وأظن قوله: «بالإجماع» يتعلق ب «انشق» لا ب «مرتين» ، فإنى لا أعلم من جزم من علماء الحديث بتعدد الانشقاق فى زمنه- ﷺ. ولعل قائل «مرتين» أراد: فرقتين. وهذا الذى لا يتجه غيره جمعا بين الروايات. وقد وقع فى رواية البخارى من حديث ابن مسعود: ونحن بمنى، وهذا لا يعارض قول أنس: إن ذلك كان بمكة، لأنه لم يصرح بأنه- ﷺ كان ليلتئذ بمكة. فالمراد أن الانشقاق كان وهم بمكة قبل أن يهاجروا إلى المدينة والله أعلم.
هذا لا يعارض قول أنس: إن ذلك كان بمكة، لأنه لم يصرح بأنه- ﷺ كان ليلتئذ بمكة. فالمراد أن الانشقاق كان وهم بمكة قبل أن يهاجروا إلى المدينة والله أعلم.
وقد أنكر هذه المعجزة جماعة من المبتدعة، كجمهور الفلاسفة، متمسكين بأن الأجرام العلوية لا يتهيأ فيها الانخراق والالتئام، وكذا قالوا فى فتح أبواب السماء ليلة الإسراء، إلى غير ذلك. وجواب هؤلاء: إن كانوا كفارا أن يناظروا أولا على ثبوت دين الإسلام، فإذا تمت اشتركوا مع غيرهم ممن أنكر ذلك من المسلمين، ومتى سلّم المسلم بعض ذلك دون بعض لزم التناقض. وأيضا لا سبيل إلى إنكار ما ثبت فى القرآن من الانخراق والالتئام فى القيامة، وإذا ثبت هذا استلزم الجواز، ووقوعه معجزة للنبى- ﷺ. وقد أجاب القدماء عن ذلك، فقال أبو إسحاق الزجاج فى «معانى القرآن» : أنكر بعض المبتدعة الموافقين لمخالفى الملة انشقاق القمر، ولا إنكار للعقل فيه، لأن القمر مخلوق لله يفعل فيه ما يشاء كما يكوره يوم القيامة ويفنيه. انتهى. وأما قول بعض الملاحدة: لو وقع هذا النقل جاء متواترا واشترك أهل الأرض كلهم فى معرفته، ولم يختص بها أهل مكة، لأنه أمر صدر عن حس ومشاهدة، فالناس فيه شركاء، والدواعى متوفرة على رواية كل غريب، ونقل ما لم يعهد، ولو كان لذلك أصل لخلد فى كتب التسيير والتنجيم، إذ لا يجوز إطباقهم على تركه وإغفاله مع جلالة شأنه ووضوح أمره. فأجاب عنه الخطابى وغيره: بأن هذه القصة خرجت عن الأمور التى ذكروها، لأنه شىء طلبه خاص من الناس، فوقع ليلا، لأن القمر لا سلطان له بالنهار، ومن شأن الليل أن يكون الناس فيه نياما ومستكنين فى الأبنية، والبارز منهم فى الصحراء إذا كان يقظانا يحتمل أن يتفق أنه كان فى ذلك الوقت مشغولا بما يلهيه من سمر وغيره، ومن المستبعد أن يقصدوا إلى مراكز القمر ناظرين إليه ولا يغافلوا عنه، فقد يجوز أنه وقع ولم يشعر به أكثر الناس، وإنما رآه من تصدى لرؤيته ممن اقترح وقوعه، ولعل ذلك إنما كان فى قدر اللحظة التى هى مدرك البصر، وقد يكون القمر حينئذ فى بعض المنازل التى تظهر لبعض الآفاق دون بعض، كما يكون ظاهرا لقوم غائبا عند قوم، وكما يجد الكسوف أهل بلد دون بلد آخر.
وقد أبدى الخطابى حكمة بالغة فى كون المعجزات المحمدية لم يبلغ شىء منها مبلغ التواتر الذى لا نزاع فيه كالقرآن بما حاصله: إن معجزة كل نبى كانت إذا وقعت عامة أعقبت هلاك من كذب بها من قومه، والنبى- ﷺ بعث رحمة للعالمين، فكانت معجزته التى تحدى بها عقلية، فاختص بها القوم الذين بعث منهم، لما أوتوه من فضل العقول وزيادة الأفهام، ولو كان إدراكها عامّا لعوجل من كذب بها كما عوجل من قبلهم. انتهى. وكذا أجاب ابن عبد البر بنحوه. تنبيه: ما يذكره بعض القصاص: أن القمر دخل فى جيب النبى- ﷺ وخرج من كمه، فليس له أصل، كما حكاه الشيخ بدر الدين الزركشى عن شيخه العماد بن كثير. وأما رد الشمس له- ﷺ، فروى عن أسماء بنت عميس أن النبى- ﷺ كان يوحى إليه ورأسه فى حجر على- رضى الله عنه-، فلم يصل العصر حتى غربت الشمس، فقال رسول الله- ﷺ: «أصليت يا على؟» فقال: لا، فقال رسول الله- ﷺ: «اللهم إنه كان فى طاعتك وطاعة رسولك، فاردد عليه الشمس» ، قالت أسماء: فرأيتها غربت ثم رأيتها طلعت بعد ما غربت ووقعت على الجبال والأرض، وذلك فى الصهباء فى خيبر «١» ، رواه الطحاوى فى مشكل الحديث، كما حكاه القاضى عياض فى الشفاء وقال: قال الطحاوى: إن أحمد بن صالح كان يقول: لا ينبغى لمن سبيله العلم التخلف عن حفظ حديث أسماء لأنه من علامات النبوة. انتهى. قال بعضهم: هذا الحديث ليس بصحيح، وإن أوهم تخريج القاضى عياض له فى الشفاء عن الطحاوى من طريقين، فقد ذكره ابن الجوزى فى الموضوعات وقال: إنه موضوع بلا شك وفى سنده أحمد بن داود وهو متروك الحديث كذاب، كما قال الدار قطنى. وقال ابن حبان: كان يضع الحديث. قال ابن الجوزى: وقد روى هذا الحديث ابن شاهين فذكره ثم قال:
ده أحمد بن داود وهو متروك الحديث كذاب، كما قال الدار قطنى. وقال ابن حبان: كان يضع الحديث. قال ابن الجوزى: وقد روى هذا الحديث ابن شاهين فذكره ثم قال:
وهذا حديث باطل، قال: ومن تغافل واضعه أنه نظر إلى صورة فضيلة، ولم يلمح عدم الفائدة فيها، فإن صلاة العصر بغيبوبة الشمس تصير قضاء، ورجوع الشمس لا يعيدها أداء. انتهى. وقد أفرد ابن تيمية تصنيفا مفردا فى الرد على الروافض ذكر فيه الحديث بطرقه ورجاله وأنه موضوع، والعجب من القاضى مع جلالة قدره وعلو خطره فى علوم الحديث كيف سكت عنه موهما صحته، ناقلا ثبوته، موثقا رجاله. انتهى. وقال شيخنا: قال أحمد: لا أصل له، وتبعه ابن الجوزى فأورده فى الموضوعات. ولكن قد صححه الطحاوى والقاضى عياض، وأخرجه ابن منده وابن شاهين من حديث أسماء بنت عميس، وابن مردويه من حديث أبى هريرة- رضى الله عنه- انتهى. ورواه الطبرانى فى معجمه الكبير بإسناد حسن كما حكاه شيخ الإسلام ابن العراقى فى شرح التقريب عن أسماء بنت عميس ولفظه: أن رسول الله- ﷺ صلى الظهر بالصهباء ثم أرسل عليّا فى حاجة فرجع وقد صلى النبى- ﷺ العصر، فوضع- ﷺ رأسه فى حجر على ونام، فلم يحركه حتى غابت الشمس، فقال- ﷺ: «اللهم إن عبدك عليّا احتبس بنفسه على نبيه فرد عليه الشمس» قالت أسماء: فطلعت عليه الشمس حتى وقعت على الجبال وعلى الأرض، وقام على فتوضأ وصلى العصر ثم غابت وذلك بالصهباء «١» . وفى لفظ آخر: كان- ﷺ إذا نزل عليه الوحى يغشى عليه، فأنزل الله عليه يوما وهو فى حجر على، فقال له النبى- ﷺ: «صليت العصر يا على؟» فقال: لا، يا رسول الله، فدعا الله فرد عليه الشمس حتى صلى العصر قالت أسماء: فرأيت الشمس طلعت بعد ما غابت حين ردت حتى صلى العصر «٢» .
ت العصر يا على؟» فقال: لا، يا رسول الله، فدعا الله فرد عليه الشمس حتى صلى العصر قالت أسماء: فرأيت الشمس طلعت بعد ما غابت حين ردت حتى صلى العصر «٢» .
قال: وروى الطبرانى أيضا فى معجمه الأوسط بإسناد حسن عن جابر: أن رسول الله- ﷺ أمر الشمس فتأخرت ساعة من نهار. وروى يونس بن بكير فى زيادة المغازى فى روايته عن ابن إسحاق، مما ذكره القاضى عياض: لما أسرى بالنبى- ﷺ وأخبر قومه بالرفقة والعلامة التى فى العير، قالوا: متى تجىء؟ قال: «يوم الأربعاء» ، فلما كان ذلك اليوم أشرفت قريش ينتظرون، وقد ولى النهار، ولم تجئ، فدعا رسول الله- ﷺ فزيد له فى النهار ساعة وحبست عليه الشمس «١» . انتهى. وهذا يعارضه قوله فى الحديث: لم تحبس الشمس على أحد إلا ليوشع ابن نون، يعنى حين قاتل الجبارين يوم الجمعة، فلما أدبرت الشمس خاف أن تغيب قبل أن يفرغ منهم ويدخل السبت فلا يحل له قتالهم، فدعا الله تعالى فرد عليه الشمس حتى فرغ من قتالهم. قال الحافظ ابن كثير: فيه أن هذا كان من خصائص يوشع، فيدل على ضعف الحديث الذى رويناه أن الشمس رجعت حتى صلى على بن أبى طالب، وقد صححه أحمد بن صالح المصرى، ولكنه منكر، ليس فى شىء من الصحاح والحسان، وهو مما تتوفر الدواعى على نقله، وتفردت بنقله امرأة من أهل البيت مجهولة لا يعرف حالها. انتهى. ويحتمل الجمع: بأن المعنى لم تحبس الشمس على أحد من الأنبياء غيرى إلا ليوشع، والله أعلم. وكذا روى حبس الشمس لنبينا- ﷺ أيضا يوم الخندق، حين شغل عن صلاة العصر، فيكون حبس الشمس مخصوصا بنبينا- ﷺ وبيوشع، كما ذكره القاضى عياض فى الإكمال، وعزاه لمشكل الآثار، ونقله النووى فى شرح مسلم فى باب حل الغنائم عن عياض وكذا الحافظ ابن حجر فى باب الأذان فى تخريج أحاديث الرافعى ومغلطاى فى الزهر الباسم، وأقروه. وتعقب: بأن الثابت فى الصحيح وغيره: أنه- ﷺ صلى العصر فى وقعة الخندق بعد ما غربت الشمس. كما سبق فى غزوتها. وذكر البغوى فى
تفسيره: أنها حبست لسليمان- ﵇ أيضا، لقوله: رُدُّوها عَلَيَّ «١» . ونوزع فيه بعدم ذكر الشمس فى الآية، فالمراد: الصافنات الجياد والله أعلم. قال القاضى عياض: واختلف فى حبس الشمس المذكور هنا، فقيل: ردت على أدراجها وقيل: وقفت ولم ترد، وقيل: بطء حركتها. قال: وكل ذلك من معجزات النبوة. انتهى. وأما ما روى من طاعات الجمادات وتكليمها له بالتسبيح والسلام ونحو ذلك مما وردت به الأخبار، فمنها تسبيح الطعام والحصى فى كفه الشريف- ﷺ «٢» . فخرج محمد بن يحيى الذهلى فى الزهريات قال: أخبرنا أبو اليمان قال: حدثنا شعيب عن الزهرى قال: ذكر الوليد بن سويدان رجلا من بنى سليم كبير السن كان ممن أدرك أبا ذر بالربذة: عن أبى ذر قال: هجرت يوما من الأيام، فإذا النبى- ﷺ قد خرج من بيته فسألت عنه الخادم فأخبرنى أنه ببيت عائشة، فأتيته وهو جالس ليس عنده أحد من الناس، وكأنى حينئذ أرى أنه فى وحى، فسلمت عليه فرد السلام، ثم قال: «ما جاء بك؟» قلت: الله ورسوله، فأمرنى أن أجلس فجلست إلى جنبه، لا أسأله عن شىء ولا يذكره لى، فمكثت غير كثير، فجاء أبو بكر يمشى مسرعا فسلم عليه، فرد ﵇، ثم قال: «ما جاء بك؟» قال: جاء بى الله ورسوله، فأشار بيده أن اجلس، فجلس إلى ربوة مقابل النبى- ﷺ، ثم جاء عمر ففعل مثل ذلك، ثم قال له رسول الله- ﷺ مثل ذلك، وجلس إلى جنب أبى بكر، ثم جاء عثمان كذلك وجلس إلى جنب عمر، ثم قبض رسول الله- ﷺ على حصيات سبع أو تسع أو ما قرب من ذلك، فسبحان فى يده، حتى سمع لهن حنين كحنين النحل فى كف رسول الله- ﷺ، ثم ناولهن أبا بكر، وجاوزنى، فسبحان فى كف أبى بكر، ثم أخذهن منه فوضعهن فى الأرض فخرسن وصرن حصى، ثم ناولهن عمر، فسبحان فى
ين النحل فى كف رسول الله- ﷺ، ثم ناولهن أبا بكر، وجاوزنى، فسبحان فى كف أبى بكر، ثم أخذهن منه فوضعهن فى الأرض فخرسن وصرن حصى، ثم ناولهن عمر، فسبحان فى
كفه، كما سبحان فى كف أبى بكر، ثم أخذهن منه فوضعهن فى الأرض فخرسن، ثم ناولهن عثمان فسبحان فى كفه، كما سبحان فى كف أبى بكر وعمر، ثم أخذهن فوضعهن فى الأرض فخرسن «١» . وقال الحافظ ابن حجر: قد اشتهر على الألسنة تسبيح الحصى. ففى حديث أبى ذر قال: تناول النبى- ﷺ سبع حصيات فسبحان فى يده حتى سمعت لهن حنينا، ثم وضعهن فى يد أبى بكر فسبحان، ثم وضعهن فى يد عمر فسبحان، ثم وضعهن فى يد عثمان فسبحان «٢» ، أخرجه البزار، والطبرانى فى الأوسط. وفى رواية الطبرانى: فسمع تسبيحهن من فى الحلقة، ثم دفعهن إلينا فلم يسبحان مع أحد منا، قال البيهقى فى «الدلائل» «٣» : كذا رواه صالح بن أبى الأخضر- ولم يكن بالحافظ- عن الزهرى عن سويد بن يزيد السلمى عن أبى ذر. والمحفوظ ما رواه شعيب عن أبى حمزة عن الزهرى قال: ذكر الوليد ابن سويد أن رجلا من بنى سليم كان كبير السن، انتهى. وليس لحديث تسبيح الحصى إلا هذه الطريق الواحدة مع ضعفها، لكنه مشهور عند الناس. وما أحسن قول سيدى محمد وفا- رحمه الله تعالى- حيث قال: لسبحة ذاك الوجه قد سبح الحصا ... ومن سح سحب الكف قد سبح الرعد وقال الآخر: يا حبذا لو لثمت كفا ... قد سبحت وسطها الحصاء وقد أخرج البخارى من حديث ابن مسعود: كنا نأكل مع النبى- ﷺ الطعام، ونحن نسمع تسبيح الطعام «٤» . وعن جعفر بن محمد عن أبيه
كفا ... قد سبحت وسطها الحصاء وقد أخرج البخارى من حديث ابن مسعود: كنا نأكل مع النبى- ﷺ الطعام، ونحن نسمع تسبيح الطعام «٤» . وعن جعفر بن محمد عن أبيه
قال: مرض النبى- ﷺ فأتاه جبريل بطبق فيه رمان وعنب فأكل منه النبى- ﷺ فسبح «١» . رواه القاضى عياض فى «الشفاء» ونقله عنه الحافظ أبو الفضل فى فتح البارى. واعلم أن التسبيح من قبيل الألفاظ الدالة على معنى التنزيه. واللفظ يوجد حقيقة ممن قام به اللفظ، فيكون فى غير من قام به مجازا، فالطعام والحصا والشجر ونحو ذلك، كل منها متكلم باعتبار خلق الكلام فيها حقيقة، وهذا من قبيل خرق العادة. وفى قوله: «ونحن نسمع تسبيحه» تصريح بكرامة الصحابة لسماع هذا التسبيح وفهمه وذلك ببركته- ﷺ. ومن ذلك تسليم الحجر عليه- ﷺ: خرج مسلم من حديث جابر بن سمرة قال: قال رسول الله- ﷺ: «إنى لأعرف حجرا بمكة كان يسلم على قبل أن أبعث، إنى لأعرفه الآن» «٢» . وقد اختلف فى هذا الحجر، فقيل: هو الحجر الأسود، وقيل: حجر غيره بزقاق يعرف به بمكة، والناس يتبركون بلمسه، ويقولون: إنه هو الذى كان يسلم على النبى- ﷺ متى اجتاز به. وقد ذكر الإمام أبو عبد الله، محمد بن رشيد- بضم الراء- فى رحلته مما ذكره فى «شفاء الغرام» عن علم الدين أحمد بن أبى بكر بن خليل قال: أخبرنى عمى سليمان قال: أخبرنى محمد بن إسماعيل بن أبى الصيف قال: أخبرنى أبو حفص الميانشى قال: أخبرنى كل من لقيته بمكة أن هذا الحجر- يعنى المذكور- هو الذى كلم النبى- ﷺ. وروى الترمذى والدارمى والحاكم وصححه، عن على بن أبى طالب قال: كنت أمشى مع النبى- ﷺ بمكة فخرجنا فى بعض نواحيها، فما استقبله شجر ولا حجر إلا قال: السلام عليك يا رسول الله «٣» . وعن عائشة
قالت: قال رسول الله- ﷺ: «لما استقبلنى جبريل بالرسالة جعلت لا أمر بحجر ولا شجر إلا قال: السلام عليك يا رسول الله» «١» رواه البزار وأبو نعيم. وعن جابر بن عبد الله قال: لم يكن النبى- ﷺ يمر بحجر ولا شجر إلا سجد له «٢» . ومن ذلك: تأمين أسكفة الباب وحوائط البيت على دعائه- ﷺ، عن أبى أسيد الساعدى قال: قال رسول الله- ﷺ للعباس بن عبد المطلب: «يا أبا الفضل، لا ترم منزلك أنت وبنوك غدا حتى آتيكم، فإن لى فيكم حاجة» . فانتظروه حتى جاء بعد ما أضحى، فدخل عليهم فقال: «السلام عليكم» ، فقالوا: وعليك السلام ورحمة الله وبركاته، قال: «كيف أصبحتم؟» قالوا: أصبحنا بخير بحمد الله، فقال لهم: «تقاربوا» فتقاربوا يزحف بعضهم إلى بعض، حتى إذا أمكنوه اشتمل عليهم بملاءته فقال: «يا رب، هذا عمى، وصنو أبى، وهؤلاء أهل بيتى فاسترهم من النار كسترى إياهم بملاءتى هذه، قال: فأمنت أسكفة الباب وحوائط البيت فقال: آمين آمين آمين» «٣» رواه البيهقى فى الدلائل وابن ماجه مختصرا. ومن ذلك كلامه للجبل وكلام الجبل له- ﷺ، عن أنس قال: صعد النبى- ﷺ وأبو بكر وعمر وعثمان أحدا، فرجف بهم، فضربه النبى- ﷺ برجله وقال: «اثبت أحد، فإنما عليك نبى وصديق وشهيدان» «٤» رواه أحمد والبخارى والترمذى وأبو حاتم. قال ابن المنير: قيل الحكمة فى ذلك أنه لما رجف أراد رسول الله- ﷺ أن يبين أن هذه الرجفة ليست من جنس
شهيدان» «٤» رواه أحمد والبخارى والترمذى وأبو حاتم. قال ابن المنير: قيل الحكمة فى ذلك أنه لما رجف أراد رسول الله- ﷺ أن يبين أن هذه الرجفة ليست من جنس
رجفة الجبل بقوم موسى لما حرفوا الكلم، وأن تلك رجفة الغضب، وهذه هزة الطرب، ولهذا نص على مقام النبوة والصديقية والشهادة التى توجب سرور ما اتصلت به لا رجفانه، فأقر الجبل بذلك فاستقر، انتهى. وأحد: جبل بالمدينة، وهو الذى قال فيه: «أحد جبل يحبنا ونحبه» «١» . رواه البخارى ومسلم. واختلف فى المراد بذلك، فقيل: أراد به أهل المدينة، كما قال تعالى: وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ «٢» . أى أهلها، قاله الخطابى، وقال البغوى فيما حكاه الحافظ المنذرى: الأولى إجراؤه على ظاهره، ولا ينكر وصف الجمادات بحب الأنبياء والأولياء، وأهل الطاعة، كما حنت الأسطوانة على مفارقته- ﷺ حتى سمع الناس حنينها إلى أن سكنها، وكما أخبر أن حجرا كان يسلم عليه قبل الوحى، فلا ينكر أن يكون جبل أحد وجميع أجزاء المدينة تحبه وتحن إلى لقائه حالة مفارقته إياها. انتهى. وقال الحافظ المنذرى: هذا الذى قاله البغوى جيد. وعن ثمامة عن عثمان بن عفان أن رسول الله- ﷺ كان على ثبير مكة، ومعه أبو بكر وعمر وأنا، فتحرك الجبل حتى تساقطت حجارته بالحضيض، فركله برجله وقال: «اسكن ثبير، فإنما عليك نبى وصديق وشهيدان» «٣» . خرجه النسائى والترمذى والدارقطنى. والحضيض: القرار من الأرض عند منقطع الجبل. وركله برجله: أى ضربه بها. وعن أبى هريرة أن رسول الله- ﷺ كان على حراء هو وأبو بكر وعمر وعثمان وعلى وطلحة والزبير، فتحركت الصخرة، فقال- ﷺ:
نقطع الجبل. وركله برجله: أى ضربه بها. وعن أبى هريرة أن رسول الله- ﷺ كان على حراء هو وأبو بكر وعمر وعثمان وعلى وطلحة والزبير، فتحركت الصخرة، فقال- ﷺ:
«اسكن حراء، فما عليك إلا نبى أو صديق أو شهيد» «١» . وفى رواية: وسعد ابن أبى وقاص، ولم يذكر عليّا. خرجهما مسلم وانفرد بذلك. وخرجه الترمذى فى مناقب عثمان، ولم يذكر «سعدا» وقال: «اهدأ» مكان «اسكن» وقال: حديث صحيح. وخرجه الترمذى أيضا عن سعيد بن زيد وذكر أنه كان عليه العشرة إلا أبا عبيدة «٢» . وقال: اثبت حراء. وكذا رواه الخلعى عنه بنحوه، ولم يذكر أبا عبيدة بن الجراح. ورواه أيضا إسحاق البغدادى فيما رواه الكبار عن الصغار، والآباء عن الأبناء، ولله در القائل: ومال حراء من تحته فرحا به ... لولا مقال «اسكن» تضعضع وانقضا وحراء وثبير: جبلان متقابلان معروفان بمكة. واختلاف الروايات تحمل على أنها قضايا تكررت. قاله الطبرى وغيره. لكن صحح الحافظ ابن حجر: أنه «أحد» قال: ولولا اتحاد المخرج لجوزت تعدد القصة، ثم ظهر لى أن الاختلاف فيه من سعيد، فإنى وجدته فى مسند الحارث بن أبى أسامة عن روح بن عبادة فقال فيه: «أحد» أو «حراء» بالشك. وقد أخرجه أحمد من حديث بريدة «٣» بلفظ حراء وإسناده صحيح. وأخرجه أبو يعلى من حديث سهل بن سعد بلفظ «أحد» وإسناده صحيح فقوى احتمال تعدد القصة. وأخرج مسلم «٤» من حديث أبى هريرة ما يؤيد تعدد القصة، فذكر أنه كان على حراء ومعه المذكورون هنا وزاد معهم غيرهم. ولما طلبته- ﷺ قريش قال له ثبير: اهبط يا رسول الله فإنى أخاف أن يقتلوك على ظهرى فيعذبنى الله، فقال له حراء: إلى يا رسول الله رواه فى «الشفاء» وهو حديث مروى فى الهجرة من السيرة. وحراء مقابل لثبير، والوادى بينها، وهو على يسار السالك إلى منى، وحراء قبلى ثبير مما يلى شمال الشمس. وهذه الواقعة غير واقعة ثور فى خبر الهجرة. هذا هو الظاهر والله أعلم.
قال السهيلى فى حديث الهجرة: وأحسب فى الحديث أن ثورا ناداه أيضا، لما قال له ثبير: اهبط عنى. ومن ذلك كلام الشجر له وسلامها عليه وطواعيتها له، وشهادتها له بالرسالة- ﷺ. أخرج البزار وأبو نعيم من حديث عائشة قالت: قال رسول الله- ﷺ: «لما أوحى إلى جعلت لا أمر بحجر ولا شجر إلا قال: السلام عليك يا رسول الله» «١» . وأخرج الإمام أحمد عن أبى سفيان طلحة بن نافع عن جابر قال: جاء جبريل إلى رسول الله- ﷺ ذات يوم وهو جالس حزين، قد خضب بالدماء، ضربه بعض أهل مكة، فقال له: ما لك؟ فقال له رسول الله- ﷺ: «فعل بى هؤلاء وفعلوا» ، فقال له جبريل: أتحب أن أريك آية؟ فقال: «نعم» ، قال: فنظر إلى شجرة من وراء الوادى فقال: ادع تلك الشجرة فدعاها، قال فجاءت تمشى حتى قامت بين يديه، فقال: مرها فلترجع إلى مكانها، فأمرها فرجعت إلى مكانها، فقال رسول الله- ﷺ: «حسبى حسبى» «٢» ، ورواه الدارمى من حديث أنس. وعن على قال: كنت مع النبى- ﷺ بمكة، فخرجنا فى بعض نواحيها، فما استقبله جبل ولا شجر إلا وهو يقول السلام عليك يا رسول الله «٣» ، رواه الترمذى وقال: حديث حسن غريب. وخرج الحاكم فى مستدركه بإسناد جيد عن ابن عمر قال: كنا مع النبى- ﷺ فى سفر فأقبل أعرابى، فلما دنا منه قال له رسول الله- ﷺ: «أين تريد» قال: إلى أهلى، قال: «هل لك إلى خير» ، قال: وما هو؟ قال: «تشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله» قال: هل لك من شاهد على ما تقول؟ قال رسول الله- ﷺ: «هذه الشجرة»
، قال: وما هو؟ قال: «تشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله» قال: هل لك من شاهد على ما تقول؟ قال رسول الله- ﷺ: «هذه الشجرة»
فدعاها رسول الله- ﷺ وهى على شاطئ الوادى فأقبلت تخد الأرض خدا، فقامت بين يديه فاستشهدها ثلاثا فشهدت، ثم رجعت إلى منبتها «١» ، الحديث. ورواه الدارمى أيضا بنحوه. وقوله: تخد- بضم الخاء المعجمة وتشديد الدال المهملة- أى تشق الأرض. وعن بريدة: سأل أعرابى النبى- ﷺ آية، فقال له: «قل لتلك الشجر رسول الله يدعوك» ، قال: فمالت الشجرة عن يمينها وشمالها، وبين يديها وخلفها، فتقطعت عروقها ثم جاءت تخد الأرض تجر عروقها مغيرة حتى وقفت بين يدى رسول الله- ﷺ فقالت: السلام عليك يا رسول الله، فقال الأعرابى: مرها فلترجع إلى منبتها، فرجعت فدلت عروقها فى ذلك الموضع فاستقرت. فقال الأعرابى: ائذن لى أن أسجد لك، قال: «لو أمرت أحدا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها» رواه البزار فى الشفاء. وعن ابن عباس- رضى الله عنهما- قال: جاء أعرابى إلى رسول الله- ﷺ فقال: بم أعرف أنك رسول الله؟ قال: «إن دعوت هذا العذق من هذه النخلة، أتشهد أنى رسول الله؟» قال: نعم فدعاه رسول الله فجعل ينزل من النخلة حتى سقط إلى النبى- ﷺ، ثم قال: «ارجع» فعاد، فأسلم الأعرابى «٢» ، رواه الترمذى وصححه. وفى حديث يعلى بن مرة الثقفى: ثم سرنا حتى نزلنا منزلا فنام النبى- ﷺ، فجاءت شجرة تشق الأرض حتى غشيته ثم رجعت إلى مكانها، فلما استيقظ رسول الله- ﷺ ذكرت له، فقال: «هى شجرة استأذنت ربها أن تسلم على فأذن لها» «٣» الحديث رواه البغوى فى شرح السنة.
ى غشيته ثم رجعت إلى مكانها، فلما استيقظ رسول الله- ﷺ ذكرت له، فقال: «هى شجرة استأذنت ربها أن تسلم على فأذن لها» «٣» الحديث رواه البغوى فى شرح السنة.
وفى حديث جابر بن عبد الله: سرنا مع رسول الله- ﷺ حتى نزلنا واديا أفيح، فذهب رسول الله- ﷺ يقضى حاجته، فاتبعته بإداوة من ماء، فنظر رسول الله- ﷺ فلم ير شيئا يستتر به، فإذا شجرتان فى شاطئ الوادى فانطلق رسول الله- ﷺ إلى إحداهما فأخذ بغصن من أغصانها فقال: «انقادى على بإذن الله» فانقادت معه كالبعير المخشوش «١» الذى يصانع قائده، ثم فعل بالآخرى كذلك، حتى إذا كان بالمنصب بينهما قال: «التئما على بإذن الله فالتأمتا» «٢» الحديث رواه مسلم. والمنصف: - بفتح الميم- الموضع الوسط بين الموضعين. والتلاؤم: الاجتماع. ولله در الأبوصيرى حيث قال: جاءت لدعوته الأشجار ساجدة ... تمشى إليه على ساق بلا قدم كأنما سطرت سطرا لما كتبت ... فروعها من بديع الخط فى اللقم فشبه آثار مشى الشجر لما جاءت إليه- ﷺ بكتابة كاتب أوقعها على نسبة معلومة فى أسطر منظومة. وإذا كانت الأشجار تبادر لامتثال أمره- ﷺ حتى تخر ساجدة بين يديه، فنحن أولى بالمبادرة لامتثال ما دعا إليه زاده الله شرفا لديه. وتأمل قول الأعرابى: «ائذن لى أن أسجد لك» لما رأى من سجود الشجرة، فرأى أنه أحرى بذلك، حتى أعلمه- ﷺ أن ذلك لا يكون إلا لله، فحق على كل مؤمن أن يلازم السجود للحق المعبود، ويقوم على ساق العبودية، وإن لم يكن له قدم كما قامت الشجرة. ومن ذلك: حنين الجذع شوقا إليه «٣» . اعلم أن «الحنين» مصدر مضاف
يلازم السجود للحق المعبود، ويقوم على ساق العبودية، وإن لم يكن له قدم كما قامت الشجرة. ومن ذلك: حنين الجذع شوقا إليه «٣» . اعلم أن «الحنين» مصدر مضاف
إلى الفاعل. والمراد: شوقه وانعطافه إلى النبى- ﷺ، والذى فى الأحاديث المسوقة هنا أنه صوت، ولعل المراد منه الدلالة على الشوق، أى الصوت الدال على شوقه إلى رسول الله- ﷺ. والجذع: واحد جذوع النخل، وهو بالذال المعجمة. وقد روى حديث حنين الجذع عن جماعة من الصحابة من طرق كثيرة تفيد القطع بوقوع ذلك. قال العلامة التاج ابن السبكى فى شرحه لمختصر ابن الحاجب: والصحيح عندى أن حنين الجذع متواتر: رواه البخارى عن نافع عن ابن عمر. ورواه أحمد من رواية أبى جناب عن أبيه عن ابن عمر. ورواه ابن ماجه وأبو يعلى الموصلى وغيرهما من رواية حماد بن سلمة، عن ثابت عن أنس، وإسناده على شرط مسلم. ورواه الترمذى وصححه، وأبو يعلى وابن خزيمة والطبرانى والحاكم وصححه وقال: على شرط مسلم، يلزمه إخراجه من رواية إسحاق بن عبد الله بن أبى طلحة عن أنس. ورواه الطبرانى من رواية الحسن عن أنس. ورواه أحمد وابن منيع والطبرانى وغيرهم من رواية حماد بن سلمة عن عمار بن أبى عامر عن ابن عباس. ورواه أحمد والدارمى وأبو يعلى وابن ماجه وغيرهم من رواية الطفيل بن أبى كعب عن أبيه. ورواه الدارمى من رواية أبى حازم عن سهل بن سعد. ورواه أبو محمد الجوهرى من رواية عبد العزيز أبى رواد عن نافع عن تميم الدارى. ثم قال: ولست أدعى أن التواتر حاصل بما عددت من الطريق، بل من طرق أخرى كثيرة يجدها المحدث ضمن المسانيد والأجزاء وغيرها، وإنما ذكرت فى المشاهد منها أو فى بعضها، ورب متواتر عند قوم غير متواتر عند آخرين. انتهى. وقال الحافظ ابن حجر: فى فتح البارى، حنين الجذع وانشقاق القمر نقل كل منهما نقلا مستفيضا يفيد القطع عند من يطلع على طرق الحديث دون غيرهم ممن لا ممارسة له فى ذلك، والله أعلم، انتهى.
وقال البيهقى: قصة حنين الجذع من الأمور الظاهرة التى حملها الخلف عن السلف، انتهى. وهذه الآية من أكبر الآيات والمعجزات الدالة على نبوة نبينا- ﷺ. قال الشافعى- فيما نقله ابن أبى حاتم عنه، فى مناقبه-: ما أعطى الله نبيّا ما أعطى نبينا محمدا- ﷺ، فقيل له: أعطى عيسى إحياء الموتى، قال: أعطى محمد حنين الجذع حتى سمع صوته، فهو أكبر من ذلك. وقال القاضى عياض: حديث حنين الجذع مشهور منتشر، والخبر به متواتر، أخرجه أهل الصحيح، ورواه من الصحابة بضعة عشر، منهم: أبى ابن كعب، وجابر بن عبد الله، وأنس بن مالك، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، وسهل بن سعد، وأبو سعيد الخدرى، وبريدة، وأم سلمة، والمطلب بن أبى وداعة، انتهى. فأما حديث أبى، فرواه الشافعى من حديث الطفيل بن أبى بن كعب عن أبيه، قال: كان رسول الله- ﷺ يصلى إلى جذع إذ كان المسجد عريشا، وكان يخطب إلى ذلك الجذع، فقال رجل من أصحابه: هل لك أن نجعل لك منبرا تقوم عليه يوم الجمعة، وتسمع الناس خطبتك؟ قال: «نعم» فصنع له ثلاث درجات، هى التى على المنبر، فلما صنع وضعه رسول الله- ﷺ موضعه الذى هو فيه، فكان إذا بدا لرسول الله- ﷺ أن يخطب عليه، تجاوز الجذع الذى كان يخطب عليه، خار حتى تصدع وانشق، فنزل رسول الله- ﷺ لما سمع صوت الجذع فمسحه بيده ثم رجع إلى المنبر، الحديث. وأما حديث جابر، فرواه البخارى من طرق، وفى لفظ له: أن رسول الله- ﷺ كان يقوم يوم الجمعة إلى شجرة أو نخلة، فقالت امرأة من الأنصار، أو رجل من الأنصار: ألا نجعل لك منبرا؟ قال: «إن شئتم» فجعلوا له منبرا، فلما كان يوم الجمعة رفع إلى المنبر، فصاحت النخلة فنزل رسول الله- ﷺ وضمها إليه فجعلت تئن أنين الصبى الذى يسكن، قال: «كانت تبكى على ما كانت تسمع من الذكر عندها» «١» .
معة رفع إلى المنبر، فصاحت النخلة فنزل رسول الله- ﷺ وضمها إليه فجعلت تئن أنين الصبى الذى يسكن، قال: «كانت تبكى على ما كانت تسمع من الذكر عندها» «١» .
وفى لفظ: قال جابر بن عبد الله: كان المسجد مسقوفا على جذوع نخل، فكان النبى- ﷺ إذا خطب يقوم إلى جذع منها، فلما صنع له المنبر سمعنا لذلك الجذع صوتا كصوت العشار- وهو بكسر العين: النوق الحوامل- وفى حديث أبى الزبير عن جابر- عند النسائى فى الكبرى-: اضطربت تلك السارية كحنين الناقة الخلوج. انتهى. والخلوج: - بفتح الخاء المعجمة، وضم اللام الخفيفة وآخره جيم- الناقة التى انتزع منها ولدها. والحنين: صوت المتألم المشتاق عند الفراق. وإنما يشتاق إلى بركة الرسول ويتأسف على مفارقته أعقل العقلاء. والعقل والحنين بهذا الاعتبار يستدعى الحياة، وهذا يدل على أن الله ﷿ خلق فيه الحياة والعقل والشوق ولهذا حنّ وأنّ. فإن قيل: مذهب الشيخ أبى الحسن الأشعرى: أن الأصوات لا يستلزم خلقها فى المحل خلق الحياة ولا العقل. أجيب: بأنه كذلك، ونحن لم نجعل الحياة لازمة، إلا أن الشوق إلى الحق شوقا معنويّا عقليّا لا طبيعيا بهيميّا. ومذهب الشيخ أبى الحسن أن الذكر المعنوى والكلام النفسى يستلزمان الحياة استلزام العلم لها. وقد بينا أن هذه المعانى وجدت فى الجذع، وأطلق الحاضرون حينئذ على صوته أنه حنين، وفهموا أنه شوق إلى الذكر وإلى مقام الحبيب عنده، وقد عامله النبى- ﷺ هذه المعاملة، فالتزمه كما يلتزم الغائب أهله وأعزته يبرد غليل شوقهم إليه وأسفهم عليه، ولله در القائل: وحن إليه الجذع شوقا ورقة ... ورجع صوتا كالعشار مرددا فبادره ضما فقر لوقته ... لكل امرئ من دهره ما تعودا وأما حديث أنس، فرواه أبو يعلى الموصلى بلفظ: إن رسول الله- ﷺ كان يوم الجمعة يسند ظهره إلى جذع منصوب فى المسجد يخطب الناس، فجاءه رومى فقال: ألا أصنع لك شيئا تقعد عليه كأنك قائم؟ فصنع له منبرا له درجتان ويقعد على الثالثة، فلما قعد رسول الله- ﷺ على المنبر



